علاج العين بالرقى
فى البداية نذكر مقدمة سريعة عن العلاج بالقرءان والرقى أختصرها من كتابى العلاج بالقرءان والرقى بين السنة والبدعة على حسب ما يسع المقام وبالله التوفيق. وأتكلم فيه عن العلاج بالرقى و حكم الرقى وهل الرقى الشرعية ووسائلها توقيفية أم اجتهادية؟ وحكم أخذ الأجرة على العلاج. ثم صفة العلاج والغسل وما يتعلق به من أحكام ثم الكلام على الوقاية من العين فإن الوقاية خير من العلاج.
تعريف الرقى
تعريف الرقية فى اللغة هى: العُوْذة، وجمعها رُقى، يقال: رَقَى الراقي رَقْياً ورُقْيَةً ورُقِيًّا، إذا عوّذ ونفث في عُوْذته. كما فى لسان العرب لابن منظور.
والرقية فى الإصطلاح هى: العُوذة التي يُرْقى بها صاحب الآفة كالحُمَّى والصَّرع وغير ذلك من الآفات. كما فى النهاية في غريب الحديث والأثر لمجد الدين ابن الأثير.
حكم الرقى
وحكم الرقى هو الإستحباب لورود الأمر بها فى غير ما حديث فى السنة مع قرينة صارفة لهذا الوجوب إلى الندب كحديث ابن عباس رضى الله عنهما فى الصحيح أن النبى خير المرأة التى كانت تصرع فى الدعاء لها أو أن يدع الدعاء. فلو كان العلاج واجبا لما خيرها بين الدعاء وتركه. ومن الصوارف ايضا أن النبى ﷺ امتدح من لم يرق ولم يسترق فيما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس رضى الله عنهما عند البخارى ومسلم عن النبي ﷺ قال: عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى ﷺ وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخاض
стр. 72
الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ ، فقال: ما الذي تخوضون فيه فأخبروه، فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون .. الحديث. وهؤلاء كما يقول أهل العلم قوم وثقوا بالله وتوكلوا عليه حق التوكل، فلشدة توكلهم لم يأبهوا لطب الأطباء ورقى الرقاة، وإن كان تعاطي هذه الأسباب غير قادح في التوكل؛ لثبوت جواز فعل ذلك بل واستحبابه فى الأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة رضى الله عنهم والتابعين لهم بإحسان. وقد رقى النبى ﷺ بنفسه رقى نفسه ورقى غيره ورقاة جبريل ﵇ وحث النبى ﷺ على الرقية وأمر بتعلمها والأخبار فى هذا مشهورة كثيرة.
مشروعية العلاج .
الإصابة بالعين ينتج عنها أمراض عضوية أو بدقة أكثر أمراضا تتفق مع الأمراض العضوية وأمور أخرى سبقت فى ذكر التأثير والأعراض وعلاجها بالقرءان والرقى مشهور معروف قال الله تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الإسراء (٨٢)
وفى الحديث عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذمن أعين الجان وأعين الإنس , فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك. (١)
وعن أبى سعيد أيضا رضى الله عنه أن جبريل أتى النبى ﷺ فقال: اشتكيت يا محمد؟ قال: نعم. قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك , ومن شر كل نفس وعين تشنيك والله يشفيك , باسم الله أرقيك. خرجه مسلم وغيره.
والأدلة كثيرة تقدمت فى أدلة العين لا نطيل بإعادتها وهنا نقطة أخرى هى أن
стр. 73
العلاج بالرقى مشروع فى الأمراض العضوية التى لها علاج عند الأطباء فعلاج الأمراض الروحية كما يسمونها بالرقى مشروع من باب أولى وبخاصة مسألة الحسد.
هل الأصل فى الرقى التوقيف أو التجربة ؟
مسألة العلاج بالقرءان والرقى فرع من فروع الفقه يتجاذبه أصلان هما العلاج والإستعانة بالله تعالى ودعائه لرد عدوان الجن أو لدفع أذى الحاسد. وسائر الأدواء إما أن تكون أمرا تعبديا أو أمرا عاديا وفى الفرق بينهما ما لا يخفى على الصامت فكيف بالناطق بل لا يخفى على كل كه فه فكيف بالحاذق. فمن اعتبره من عادات الناس وقاس الكلام فيه كالكلام على سائر الأدوية القائمة على التجربة فرأى أن العلاج بالقرءان يصلح فيه ما جرب وحصل الشفاء به وإن لم يرد فى السنة بل وإن ورد فى السنة خلافه فالمجرب أولى عندهم بالعمل. ومن اعتبرها مسألة تعبدية محضة وجب أن يقف عند النص ولا يتجاوز الكتاب والسنة بل يصبر نفسه على السنة حتى يحصل الشفاء بإذن الله تعالى.
لكنى لم أجد من اعتبر هذين الأصلين وإن كنت لم أجد من نبه عليهما لكن هذا يستشف من كلام أهل العلم فهم مثلا يحكمون على بعض الأمور فى العلاج مما يمارسها المعالجون الخنفشاريون إن صح التعبير أو المخضرمين من الذين طرقوا باب العلاج بأنها بدع فهذا يعنى أن الأصل عندهم كون مسألة العلاج مسألة تعبدية. ثم لا نلبث أن نراهم يرون صلاحية الرقى بإطلاقها أو على حد قولهم جائزة على العموم بشروط ككونها من اللغة العربية وأن تخلو من الشرك وأن لا يعتقد تأثيرها بذاتها .. وهذا دال على أنهم يتركون أمر العلاج لما جرب من الرقى وكأنها مسألة عادية أصلا وفروعا تنبنى عليه .. ثم بان لى بعد ذلك أن عامة أهل العلم ممن كتب فى المسألة قديما وحديثا سلفا ﵏ ومن تبعهم من الخلف يرون أن المسألة عادية تعبدية فى آن واحد والناظر فى كتب أهل العلم يعلم ذلك جيدا. ولكنى لكثرة ما وجدت من نصوص فى السنة
стр. 74
ومن أصول الشريعة ومقاصدها ثم كلام أهل العلم على بدع بعض المعالجين كدت أجزم بأن الأصل فى المسألة التوقف وأنها تعبدية من حاد عن النصوص فهو جائر محدث يصح أن يسمى فعله بدعة. لولا ما وجدت للحافظ ابن حجر وعنه السيوطى رحمهما الله وجماعة من أهل العلم فإن الحافظ نقل الإجماع على جواز الرقى بصفة عامة مما لم يرد فى السنة بشروط ثلاثة .. وأنا لست على يقين من هذا الإجماع فليس هو الإجماع الأصولى وكم من مسألة نقلوا فيها الإجماع مع كون الخلاف فيها مشهورا. والمعلوم لدى أهل العلم أن الإجماع لا يكون بعدخلاف مستقر وأن الخلاف لا يتصور بعد الإجماع الأصولى. وتوضيحا لهذا الإجمال أقول قد اختلف أهل العلم هل الرقى ووسائلها توقيف من الشارع أم أن الأصل الاجتهاد والتجربة فيها وفى كيفياتها مع اتفاقهم على تحريم ما فيه محظور أو محرم. والمشهور من ذلك القول بالإجتهاد والتجربة. واحتج القائلون به بأحاديث صحيحة منها:
ما رواه مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأساً، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل.
وهذا الحديث فيه أن الرقى كانت من رقى الجاهلية لكن ليس فيها ما يحرم لإقرار النبى ﷺ وقوله: من استطاع يفيد العموم.
وروى مسلم أيضاً عن عوف بن مالك الأشجعى قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علىّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك.
وهذا كسابقه فى وجه الإستدلال.
ومنها حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال انطلق نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم
стр. 75
فى سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحى فسعوا له بكل شئ لا ينفعه شئ، فقال بعضهم لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شئ فأتوهم فقالوا يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شئ لا ينفعه فهل عند أحد منكم من شئ، فقال بعضهم نعم والله إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم اقسموا، فقال الذى رقى لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال وما يدريك أنها رقية، ثم قال قد أصبتم اقسموا واضربوا لى معكم سهما فضحك رسول الله ﷺ متفق عليه واللفظ للبخارى وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثُمَّةَ، أَنَّ الشِّفَاءَ ابْنَةَ عَبْدِ اللهِ وهى جدته قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا قَاعِدَةٌ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تُعَلِّمِي هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ. (١)
стр. 76
قال ابن القيم فى زاد المعاد: النملة قروح تخرج فى الجنبين وهو داء معروف وسمى نملة لأن صاحبه يحس في مكانه كأن نملة تدب عليه وتعضه. اهـ
وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنه قال: أرخص النبى ﷺ فى رقية الحية لبنى عمرو.
وأما أدلة القول بالتوقف فى العلاج على ماورد فى الكتاب والسنة وعدم تعدى النصوص فمنها:
* أن باب الرقى قد بينت كيفيته فى السنة. وقد قال ﷺ : فمن رغب عن سنتى فليس منى. متفق عليه. فما الداعى إلى تعديه والرغبة عنه وتجريب غيره يعنى عندنا فى علاج العين ورد نحوا من عشرة طرق وأكثر فى العلاج لماذا العدول عنها والجرى وراء المجربات هلا جُرّبَت هى أولا؟ ثم إن من يجرب غيرها لا شك أنه جاهل بها فهل من يجهل السنة يكون قاضيا عليها؟ هذا وجه.
* ووجه ثان: وهو أن العلاج بالرقى مما ورد الأمر به فى الكتاب بالعلاج بالقرءان ويجوز التعميم فقد سمى الصحابة رضى الله عنهم الفاتحة رقية والرقى مستحبة وهى أشبه بالأذكار الراتبة كأذكار النوم والإستيقاظ والخروج من البيت ودخول البيت ودخول المسجد والخروج منه وأذكار الصباح والمساء ونحو ذلك وما كان هذا سبيله فالأصل فيه التوقف وهذا لا يجوز الزيادة فيه على ما ثبت ولا يحيل الرقى من هنا كونها ذات شق عادى فهذا الوضوء من العبادات التى لها شق عادى كالنظافة لكنه ما يجوز الزيادة فيه فمن مسح رقبته فى الوضوء أو جعل الغسل أكثر من ثلاث مرات قلنا له هذه بدعة وقف على ماورد ولا تتعداه.
* والوجه الثالث أن فتح الباب فيما لم يرد لا ينضبط وهو مظنة دخول ما يحرم وما
стр. 77
يكون شركاً. ولا يخفى أنه لا يمكن لصاحب سنة أن يقول ببدعية شئ يصنعه المعالجون لأنهم يقولون هذا مجرب نافع والأصل التجربة فإما أن تسدوا الباب وتقولوا بالتوقف أو لا يكون هناك بدعة أبدا وإن كان ثمة شئ محرم فهم محرم لا بدعة. فلو لم يكن المنع إلا من باب سد الذرائع لكان كافيا معتبرا مندرجا تحت أصل من أصول الشريعة.
* والوجه الرابع أنه صح النهى عن الرقى وأن منها ما يكون شركا والعياذ بالله كما فى حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: إن الرقي والتمائم والتولة شرك. (١) ثم أباح النبى ﷺ الرقى فإما أن يكون هذا من نسخ النهى بالإباحة أو يكون من باب تخصيص ما خلا من الشرك وقد يقال: إذا اشتبه الحظر بالإباحة غلّب جانب الحظر صيانةً للدين. فيمنع من الرقى التى لا يعلم عن الشرع إقرارها فيكون معنى حديث " لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" أنه لا يدل على مطلق الإباحة والمقصود مما شرع في السنةأو مما أقره النبى ﷺ كما فى حديث علميها رقية النملة. ففيه دلالة ضمنية على أن النبى ﷺ كان يعرف ما فى هذه الرقية وسائر أحاديث الإباحة العامة هى من العام الذي أريد به الخصوص، ولم يرد العموم بل لم يستوعب جميع الرقى، بدلالة أنه استثنى منها ما فيه شرك، ولم يستثن ما فيه محرم.
وأما الجواب عن أدلة من قال بالإجتهاد والتجربة فما ذكر من النصوص أخص من هذه الدعوى العريضة: فقوله من استطاع أن ينفع أخاه. ورد عقب إقراره لرقية العقرب فمن استطاع أن ينفع أخاه بها فليفعل .. وكذا فى رقية الحية ورقية النملة بل إن معنى قوله رخص لبنى فلان فى رقية الحية أنه لا قيمة للرقية بغير إقراره لهم عليها كما هو ظاهر وليس فيه التعميم المتبادر.
* والوجه الخامس أن فى ذلك أموراً لا يُدرى ما هى؟ فلا هى من جنس ما ورد به النص ولا هى من الأدوية الطبيعية فالمنع مما لا يعرف فى باب الرقى محل إجماع.
стр. 78
وأبين هذا ببعض الأمثلة.
الكتابة على ورق الزعفران وبله بالماء ثم يعطى للمريض فيشربه مع أن دليل الكتابة لا يثبت عن النبى ﷺ وما الحكمة فى جعل الكتابة على الزعفران؟
العلاج عن طريق النظر فبعضهم يقرأ على المريض أو المصروع أو المسحور أو المحسود وينظر فى عينيه ويطيل النظر حتى يشفى المريض أو يفيق المصروع ويهرب الجنى. ويستخدم هذه الطريقة حتى مع النساء! ! ولا تستبعد أن يقول جربتها فنفعت! !
كتابة القرءان والرقى على الجسد! وهذه الكتابة تارة تكون على الظهر وتارة على الرجل وتارة على الوجه! ويستخدمونها مع النساء! فيكتبون على ظهر المرأة وعلى بطنها وعلى صدرها وتحت سرتها! ! وهذا لعدم المروؤة والحياء عند المعالج وعند قريب المرأة أو زوجها بل هو من رقة الدين سوء الطبع خبث الأنفس والعياذ بالله. وهب أننا قلنا هذا حرام قولا واحدا أفيجوز الكتابة على ظهر رجل أو صبى؟
تحديد عدد معين لتلاوة آيات بعينها فمثلا هذه الآية تقرأ سبع مرات. وهذه أربع عشرة مرة. وهذه ألف مرة. ووبعضهم يقول اقرؤا له الرقية ثلاث مرات يوميا لمدة شهر! ونسى أن يقول قبل الأكل أو بعد الأكل! !
بعضهم يكتب آيات من القرءان على ورق أو قماش ثم يحرقونه بالنار ليشمها المريض! وهذا إلى جنب أدوية الشراب يلتئم وإن لم يلتئم شرعا لكن بقى أن يصنعوا منه حقنا فى العضل وفى الوريد وسعوطا فى الأنف وقطرة فى العين من أجل العين بلا شك.
ما يسمونه بالقراءة التخييلية وصفتها أن يمسك الراقى بأحد عروق مفصل يد المصاب ثم يقرأ ويقول له: في أثناء قراءتى اذكر أسماء من يرد بخاطرك فيذكر له بعض الأسماء ممن يعرفهم فيقول الراقى: هؤلاء أصابوك بعينٍ أو غير ذلك.
стр. 79
ويقولون جرب هذا فنفع والحق أن مسألة التجريب لا نسلم لهم بها فشتان بين حدوث الشفاء عند الرقية وبين حصولها بسبب الرقية أفلم يكن الله تعالى يرزق المشركين ويمطرهم ويزعمون أن هذا حصل بدعائهم لأصنامهم؟ مع الفارق بين المشركين والمعالجين. وهذه واحدة قل من يلتفت لها ونقطة أخرى هى فشو الكذب فى جهلة المعالجين لا سيما المحترفون الذين يتكسبون من الرقى مع جواز أخذ المال على الرقى ولكن أقصد المحترفين وإن لم يكن كذبا صريحا فهو تدليس وتضخيم للحقائق وتكبير لها ولو كانت بالصورة التى يخرجون بها على الناس من التجريب والإنتفاع للمسنا لها صدى وتأثيرًا لكن الواقع المر يكذب هذا قَالَ السفارينى: قال الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: قَالَ الْمَأْمُونُ , وَهُوَ صَاحِبُ الرُّمْحِ الْمَيْمُونِ: لَوْ صَحَّ الْكِيمْيَاءُ مَا احْتَجْنَا إلَى الْخَرَاجِ , وَلَوْ صَحَّ الطَّلْسَمُ مَا احْتَجْنَا إلَى الْأَجْنَادِ وَالْحَرَسِ , وَلَوْ صَحَّتْ النُّجُومُ مَا احْتَجْنَا إلَى الْبَرِيدِ. اهـ (١)
ومع كثرة المعالجين نجد كثرة المصابين بالصرع والسحر وبالعين وفشا الكذب فى الفريقين ولله الأمر من قبل ومن بعد وغالبا ما تكون بطانة المعالجين من غير أهل السنة وأنا أشك فى عدالتهم وضبطهم فكثير من الذين يدعون الحسد عندهم وسوسة وكثير من المصروعين يكذبون على الجن! ولولا الإطالة لذكرت أمثلة وقصصا واقعية كما يذكر ذلك المعالجون المصنفون.
رقية اليهودى والنصرانى للمسلم فترى كثيرا من العوام يذهبون إلى الأحبار والرهبان يطلبون رقياهم وهم فى غيبة تامة عن معرفة العقيدة الصحيحة وسائر مسائلها على الإطلاق ولا ينفعهم هنا ذكر الخلاف فى مثل هذا بل يفتى العامى على المذهب الراجح ويجنب معرفة الخلاف لأنه لا يفهم والسنة مخاطبة الناس بما يفهمون.
стр. 80
قال الربيع بن سليمان سألت الشافعى عن الرقية فقال لا بأس أن يرقى الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله قلت أيرقى أهل الكتاب المسلمين فقال نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله فقلت وما الحجة في ذلك قال غير حجة فأما رواية صاحبنا وصاحبك فإن مالكا أخبرنا عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبدالرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة وهى تشتكى ويهودية ترقيها فقال أبو بكر أرقيها بكتاب الله فقلت للشافعى فإنا نكره رقية أهل الكتاب فقال ولم وأنتم تروون هذا عن أبى بكر ولا أعلمكم تروون عن غيره من أصحاب النبى خلافه وقد أحل الله جل ذكره طعام أهل الكتاب ونساءهم وأحسب الرقية إذا رقوا بكتاب الله مثل هذا أو أخف. اهـ (١) وهذا موقوف ولعله شاذ ولم يروى بغير هذا الإسناد ولم يعمل به مالك نفسه (٢) وهو راوى الخبر وهو أدرى بفقه ما روى.
وهذا الإبتداع لا ينتهى أبدا ولا ضابط له ولا حد يمكن معه استغراب الغريب أو استقباح القبيح اللهم إلا حدود الشرع والشرع فقط ولا نجهل أنهم يقولون كل مرة: جربناه فنفع. ولا يظنن أحد أنى حين أحكى مثل هذا وأذكر ما يتندر به عقبه أنى أضحك رضا. إنما أضحك عجبا فشر البلية ما يضحك وكم فى بلدنا من المضحكات المبكيات. ويعلم الله كم يتألم القلب لأجل هذا وغيره وكم أجد فى نفسى من المرارة لانتشار البدع وأنا أتذكر حال السلف الذين كانوا إذا رأوا البدعة لا يستطيعون تغييرها يبولون دما مع أننا نرى المنكرات عيانا وقل من يحمر وجهه غضبا فضلا عن أن يبول الدم فإلى الله المشتكى.
стр. 81
وقال ابن حبان فى خبر عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها، فقال: عالجيها بكتاب الله. (١)
قال ﵀: قوله ﷺ : عالجيها بكتاب الله أراد: عالجيها بما يبيحه كتاب الله؛ لأن القوم كانوا يرقون في الجاهلية بأشياء فيها شرك، فزجرهم بهذه اللفظة عن الرقى إلا بما يبيحه كتاب الله دون ما يكون شركاً. اهـ (٢).
وهو يقول هذا على فرض صحة الحديث وإلا فهو موقوف.
وقال البيهقى ﵀: باب الرخصة في الرقية ما لم يكن فيها شرك وأورد أحاديث منها حديث عوف بن مالك السالف ثم قال: وحديث عوف عام فى الرقى ما لم يكن فيه شرك، وكذلك روي عن أبي سفيان عن جابر في معناه، وقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل وفى ذلك دلالة على أن كل نهى ورد في الرقى أو عما في معناه، فإنما هو فيما لا يعرف من رقى أهل الشرك، فقد يكون شركاً. اهـ (٣)
وقال أبو جعفر الطحاوى ﵀: في حديث جابر ما يدل على أن كل رقية يكون فيها منفعة فهي مباحة، لقول النبى ﷺ : من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل، وقال: قد روى عن رسول الله ﷺ فى إباحة الرقى كلها، ما لم يكن فيها شرك، ثم أورد حديث عوف بن مالك وقال: دل ذلك على أن كل رقية لا شرك فيها فليست بمكروهة. اهـ (٤)
стр. 82
ونقل ابن حجر الإجماع على جواز الرقى من الكتاب والسنة وبما يعرف معناه من اللغة العربية ونقل فى هذا شروطا هى أيضا تحتاج إلى شروط وقد أضاف إليها شروطا غير ما نقله الحافظ أحمد بن حجر قبله شيخ الإسلام أحمد بن تيمية فى مجموع الفتاوى زاد شرطا وكذا تلميذه ابن قيم الجوزية فى زاد المعاد وفى إعلام الموقعين زاد شرطين فصارت ستة وهذا يجعلنى أشك فى صحة الإجماع المنقول لكن إن صح هذا الإجماع فأنا أول من يقول به وأضرب بقولى عرض الحائط. وتابع الحافظ على هذا السيوطى وغيره. وإن كانت الشرط التى ذكروها كافية لكن قل من يتنبه لها من المعالجين ولا يخفى أننا بين نوعين من المعالجين قد لا يكون لها ثالث: النوع الأول: المعالجون من أهل السنة وهم حتى القائلين منهم بجواز الرقى بغير ما ورد فى السنة لكنهم يقتصرون فى علاجهم على السنة وهذا معروف عنهم فلا نطيل بأمثلته. وأما النوع الثانى فهم الدجالون ومقلدوهم وغالبهم سحرة وفى العزائم التى يرددونها شرك وكفر بواح أو على الأقل ما لا يعرف معناه وهؤلاء كثرة ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا شك أنهم هم فقط المستفيدون من القول بأن الأصل فى الرقى التجربة ليلبسوا على الناس ولكى لا يتهموا بخروجهم عن الملة. أما أهل السنة فالسنة تكفيهم كما قلت وديننا قائم على التوحيد وفى سبيل الله تهون علينا نفوسنا فوالله ما نبغى من هذا إلا نصرة التوحيد وحماية جناب العقيدة فاعتبروا يا أولى الأبصار.
стр. 83
ما ورد فى علاج العين:
الغسل للعائن:
إذا عرف العائن أمر بالإغتسال ثم يؤخذ هذا الماء الذى اغتسل به ويصب على المحسود من خلفه دفعة واحدة. فيبرأ بإذن الله. وصفة الغسل تختلف عن الغسل المعروف فهى كالوضوء إلا أنه يستبدل مسح رأسه ويزيد غسل ركبتيه وداخلة إزاره. وهى مبينة فى عدة أحاديث منها:
عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى ﷺ قال: العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا. (١)
وعن أَبِى أمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَامِرًا مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلاَ جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ , فَلُبِطَ بِهِ حَتَّى مَا يَعْقِلُ لِشِدَّةِ الْوَجَعِ , فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ , وَقَالَ: قَتَلْتَهُ , عَلَى مَا يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلاَ بَرَّكْتَ؟ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: اغْسِلُوهُ , فَاغْتَسَلَ فَخَرَجَ مَعَ الرَّكْبِ , وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هَذَا مِنْ الْعِلْمِ , يُغْسَلُ لَهُ الَّذِي عَانَهُ، قَالَ: يُؤْتَى بِقَدَحِ مَاءٍ فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ فَيُمَضْمِضُ وَيَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ, وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَصُبَّ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى , وَيُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ عَلَى مِرْفَقِ يَدِهِ الْيُمْنَى , فَيَغْسِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَغْسِلُ الرُّكْبَتَيْنِ , وَيَأْخُذُ دَاخِلَ إزَارِهِ فَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً، وَلاَ يَدَعُ الْقَدَحَ حَتَّى يَفْرُغَ. (٢)
стр. 84
واستشكل فى الحديث لفظة داخلة إزاره فقيل هى طرف الإزار. وقيل هى الفرج. قال مالك بن أنس ﵀: داخلة الإزار ما يلى داخل الجسد منه. وقال عياض: داخلة الإزار فى هذا الحديث طرفه - يقصد حديث الذكر قبل النوم - وداخلة الإزار فى حديث الذى أصيب بالعين ما يليها من الجسد وقيل كنى بها عن الذكر وقيل عن الورك وحكى بعضهم أنه على ظاهره وأنه يغسل طرف ثوبه والأول هو الصواب وقال القاضى ابن العربى: الظاهر والأقوى بل الحق أنه ما يلى الجسد. (١)
وذكر ابن القيم الخلاف ولم يصنع شيئا فقال ﵀: يؤر العائن بغسل مغابنه وأطرافه وداخلة إزاره وفيه قولان أحدهما: أنه فرجهه. والثانى: أنه طرف إزاره الداخل الذى يلى جسده من الجنب الأيمن. ثم يصب على رأس المعين من خلفه بغته. اهـ (٢)
والأقرب أنها طرف الإزار لأن ظاهر النصوص تدل على أن الغسل كان فى ملأ. بدلالة وصف الغسل. بل وتحقق الغسل. وفى بعض الروايات " ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره .. " فيبعد أن يكون المراد بداخلة الإزار ما يلى الجسد أو الفرج ويؤيده ما أخرجه البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه. قال: قال النبى ﷺ : إذا آوى أحدكم إلى فراشه. فلينفض فراشه بداخلة إزاره .. " (٣)
وفى طرق حديث الغسل بسند جيد عند المتابعة: فأمر عامرا فغسل وجهه في الماء وأطراف يديه وركبتيه وأطراف قدميه ثم أخذ النبي ﷺ ضبعي إزار عامر وداخلته فغمرها في الماء ثم أفرغ الإناء على رأس سهل وأكفأ الإناء من دبره فأطلق سهل لا
стр. 85
بأس به. (١)
وأخرج الطبرانى أيضا بسند صحيح إلى الزهرى حديث الغسل وفيه: قال بن شهاب الزهرى الغسل الذي أدركنا علماءنا يصنعون أن يؤتى بالرجل بالذي يعين صاحبه بالقدح فيه الماء ويمسك له مرفوعا من الأرض فيدخل الذي يعين يده اليمنى في الماء فيصب على وجهه صبة واحدة في القدح ثم يدخل اليسرى في الماء فيغسل يده اليمنى صبة واحدة في القدح ثم يدخل يده اليمنى فيغسل يده اليسرى صبة واحدة إلى المرفقين ثم يدخل يديه جميعا في الماء فيغسل صدره صبة واحدة في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيغرف من الماء فيصبه على ظهر كفه اليمنى صبة واحدة في القدح ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفق يده اليمنى صبة واحدة في القدح وهو في يده الى عنقه ثم يفعل مثل ذلك في مرفق يده اليسرى ثم يفعل مثل ذلك في ظهر قدمه اليمنى من ثم أصول الأصابع واليسرى كذلك ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ظهر ركبته اليمنى ثم يفعل باليسرى مثل ذلك ثم يغمس داخلة إزاره اليمنى ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح فيصبه على ظهر ركبته اليمنى ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح فيصبه على رأس المعيون من ورائه ثم يكفأ القدح على وجه الأرض من ورائه. (٢)
والشاهد قوله: ثم يغمس داخلة إزاره اليمنى .. وإن كان ابن مجمع فى الرواية السابقة حفظ عن الزهرى فلا يصح إلا أن تكون داخلة الإزار هى طرفه الأيمن
стр. 86
وليست هى الفرج قولا واحدا والله تعالى أعلم.
الوضوء للعاين:
لحديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة, فما لبث أن لبط به فأتي به رسول الله ﷺ فقيل له أدرك سهلاً صريعاً قال: من تتهمون به قالوا: عامر بن ربيعة قال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة ثم دعا بماء فأمر عامراً أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره, وأمره أن يصب عليه, قال سفيان قال معمر عن الزهري وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه. (١)
وعن عائشة رضى الله عنها عند أبى داود قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل منه المعين. وهذا فيه أنه مرفوع إلى زمن النبى ﷺ بخلاف رواية ابن أبى شيبة التى تفيد أن ذلك من فعلها موقوفا.
قال محمد بن مفلح: وهذا من الطب الشرعي المتلقى بالقبول عند أهل الإيمان. وقد تكلم بعضهم في حكمة ذلك، ومعلوم أن ثم خواص استأثر الله بعلمها فلا يبعد مثل هذا ولا يعارضه شيء، ولا ينفع مثل هذا إلا من أخذه بالقبول واعتقاد حسن، لا مع شك وتجربة. (٢)
قال القرطبي فى التفسير الجامع: أمر ﷺ في حديث أبي أمامة العائن بالاغتسال للمعين، وأمر هنا بالاسترقاء، قال علماؤنا: إنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن، وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حديث أبي إمامة، والله أعلم.
стр. 87
حكم الغسل والوضوء للمحسود .
الغسل والوضوء للمعين آكد من الدعاء له بالبركة وقد وجب الدعاء بالبركة وأصول الشريعة تقتضى دفع المفاسد وتقليلها وجلب المصالح وتكثيرها وتقدم الكلام على أن الحسد من الذنوب فيأثم الحاسد وفى البخارى من حديث أبى هريرة رضى الله عنه يرفعه: من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. وخرجه أحمد أيضا فى المسند.
وممن ذهب إلى القول بوجوب الغسل القرطبى صاحب التفسير فقال: العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالإغتسال ويجبر على ذلك إن أباه لأن الأمر على الوجوب لا سيما هذا فإنه قد يخاف على المعين الهلاك ولا ينبغى لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجانى عليه. اهـ (١)
العلاج بالقرءان:
قال ابن القيم ﵀: القرءان هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للإستشفاء به وإذا أحسن العليل التداوى به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تامواعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبدا وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذى لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفى القرءان سبيل الدلالة على دوائه وسببه الحمية منه لمن رزقه الله فهما فى كتابه وبيان إرشاد القرءان العظيم إلى أصوله ومجامعه لتى هى حفظ الصحة والحمية واستفراغ المؤذى والإستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع وأما الأدوية القلبية فإنه يذكرها مفصله ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ
стр. 88
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١] فمن لم يشفه القرءان فلا شفاه الله ومن لم يكفه القرءان فلا كفاه الله. اهـ (١)
العلاج بالقرءان ثابت فى الكتاب والسنة وعليه أجمعت الأمة ومن المناسب هنا فى مسألة الحسد العلاج بالمعوذتين وقراءة خواتيم سورة البقرة الأيتين الأخيرتين.
فعن أبي مسعود البدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه. (٢)
قال ابن القيم ﵀: الصحيح أن معناه كفتاه من شر ما يؤذيه وقيل كفتاه من قيام الليل وليس بشئ. (٣)
وأما الأحاديث فى الرقى بالمعوذتين فمشهورة كثيرة منها:
حديث عائشة رضى الله عنها
عن عائشة رضى الله عنها: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده عليه رجاء بركتهما. (٤)
حديث عقبة بن عامر رضى الله عنه
عن عقبة بن عامر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " أنزلت علي الليلة آيات لم ير مثلهن قط " قل أعوذ برب الفلق" و" قل أعوذ برب الناس " (٥)
стр. 89
حديث جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنه
عن جابر بن عبد الله قال قال لى رسول الله ﷺ اقرأ يا جابر قلت وماذا أقرأ بأبى أنت وأمى يا رسول الله قال اقرأ قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس فقرأتهما فقال اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلها. (١)
حديث عبد الله بن خبيب رضى الله عنه
عن عبد الله بن خبيب قال: أصابنا طش وظلمة فانتظرنا رسول الله ﷺ ليصلي لنا فخرج فأخذ بيدي فقال: قل فسكت قال: قل قلت ما أقول قال: "قل هو الله أحد" والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا يكفيك كل يوم مرتين. (٢)
عن عبد الله بن خبيب رضى الله عنه قال كنت مع رسول الله ﷺ في طريق مكة فأصبت خلوة من رسول الله ﷺ فدنوت منه فقال قل فقلت ما أقول قال قل قلت ما أقول قال قل أعوذ برب الفلق حتى ختمها ثم قال قل أعوذ برب الناس حتى ختمها ثم قال ما تعوذ الناس بأفضل منهما. (٣)
حديث ابن عابس الجهنى رضى الله عنه
عن ابن عابس الجهنى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال له يا بن عابس ألا أدلك أو قال ألا أخبرك بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون قال بلى يا رسول الله قال قل أعوذ
стр. 90
برب الفلق وقل أعوذ برب الناس هاتين السورتين. (١)
حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه
عن أبي نضرة عن أبى سعيد الخدرى قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذمن أعين الجان وأعين الإنس, فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك. (٢).
بل ورد عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنه كان يقول كان نبى الله ﷺ يكره عشر خلال الصفرة يعنى الخلوق وتغيير الشيب وجر الإزار والتختم بالذهب والتبرج بالزينة لغير محلها والضرب بالكعاب والرقى إلا بالمعوذات وعقد التمائم وعزل الماء لغير أو غير محله أو عن محله وفساد الصبي غير محرمه. (٣)
لكنه لم يصح والرقى بغير المعوذتين محفوظ يبلغ التواتر بالمعنى وقد يستدل له بحديث أبى سعيد: أخذ بهما وترك ما سوى ذلك. لكن هذا التعبير أصح ولا يعنى عطف هذه الأمور على بعضها أنها متساوية فى الحكم فيحمل كلام ابن مسعود رضى الله عنه لو صح عنه على المعوذات بأن الكراهة ليست هى النهى عن التعوذ بغيرهما يعنى التى فى الإصطلاح وإنما هى بمعنى الترك كما قال أبو سعيد رضى الله عنه.
стр. 91
وعن زر بن حبيش قال: أتيت المدينة فلقيت أبى بن كعب، فقلت له: أبا المنذر إني رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين فى مصحفه، فقال: أما والذي بعث محمداً بالحق لقد سألت رسول الله ﷺ عنهما وما سألنى عنهما أحد منذ سألته غيرك، قال: قيل لى: قل، فقلت فقولوا فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ . (١) وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله ﵎. قال الأعمش: وحدثنا عاصم عن زر عن أبى بن كعب قال: سألنا عنهما رسول الله ﷺ قال: فقيل لى فقلت. (٢)
قال البيضاوى فى تفسيره: قال البزار: لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة، وقد صح عن النبى ﷺ أنه قرأ بهما فى الصلاة وأثبتتا في المصحف. اهـ
стр. 92
العلاج بالرقى:
أولا: ما ورد من الرقى فى علاج العين والحسد بخصوصه:
عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أشتكيتَ؟ فقال: نعم. فقال جبريل: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفسٍ أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك. (١)
فيضع أحد المخلصين يده اليمنى على رأس المحسود ويمسح بهما ويقول: باسم الله أرقيك .. إلى آخر الرقية والدليل على وضع اليد اليمنى حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما. متفق عَلَيهِ.
وعنها أيضا رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضا أو أتى به قال أذهب الباس رب الناس اشف وأنت الشافي لا شفاء الا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما. أخرجه البخارى.
والرقى فى هذا الباب كثيرة يحفظ منها الراقى ما شاء وفيها أحاديث منها:
حديث عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت كان إذا اشتكى رسول الله ﷺ رقاه جبريل قال باسم الله يبريك ومن كل داء يشفيك ومن شر حاسد إذا حسد وشر كل ذى عين. (٢)
وعن عائشة أيضا رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يرقى يقول امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت. (٣)
стр. 93
وفى رواية عن عائشة أيضا رضى الله عنها قالت: كنت أرقى رسول الله ﷺ من العين (فأضع يدى على صدره وأقول) امسح البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت. (١)
حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضى الله عنهما قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا قال: ما هذا الخيط قالت: قلت: خيط أرقي لي فيه قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرقي والتمائم والتولة شرك قالت: فقلت له: لما تقول هذا وقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها وكان إذا رقاها سكنت قال: إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ﷺ : أذهب البأس رب الناس اشف وأنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما. (٢)
وعن عبد العزيز بن صهيب قال: دخلت أنا وثابت البنانى على أنس بن مالك فقال ثابت يا أبا حمزة اشتكيت؟ فقال أنس ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ فقال: بلى قال: اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافى لا شافى إلا أنت شفاءا لا يغادر سقما. (٣)
стр. 94
ثانيا: ماورد فى رقى عامة كمرض وحمى ونحوهما مما قد بشترك مع تأثير العين فى المحسود فإنهم تصيب بالحمى وتصرع وتمرض:
عن أبى عبد اللَّه عثمان بن أبى العاص ﵁ أنه شكا إلى رَسُول اللَّهِ ﷺ وجعاً يجده في جسده، فقال له رَسُول اللَّهِ ﷺ : ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم اللَّه ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة اللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. (١)
وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ أن جبريل أتى النبى ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم قال: بسم اللَّه أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شركل نفس أو عين حاسد، اللَّه يشفيك، بسم اللَّه أرقيك. (٢)
ثالثا: ما ورد فى العلاج بالدعاء وهو غير الرقى:
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: عادني رَسُول اللَّهِ ﷺ فقال: اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعدا. (٣)
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عند سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عافاه اللَّه من ذلك المرض. (٤)
وعنه ﵁ أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده، وكان إذا دخل على من يعوده قال: لا بأس، طهور إن شاء الله. (٥)
ما ورد فى كراهة تعليق الكتابة على الصبى:
تعليق شئ مكتوب على الصبى من الرقى ومن القرءان يسمى بالتمائم وهى محرمة فى أصح قولى العلماء فلا أطيل بذكر الأدلة وقد حررتها فى كتابى العلاج
стр. 95
بالقرءان والرقى بين السنة والبدعة وأما إن كانت التميمة من غير القرءان والرقى كأن كانت حلقة أو ودعة أو خيطا أو خرزة زرقاء أو كتابا بغير نقط أو بغير العربية فهذا شرك وكفر نعوذ بالله من ذلك وينبغى نهى النساء عن هذا فإنه يقع منهن كثيرا لعوج فى طبعهن ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وورد ما يفيد الكراهة لكنه لم يصح عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنه كان يقول كان نبى الله ﷺ يكره عشر خلال الصفرة يعنى الخلوق وتغيير الشيب وجر الإزار والتختم بالذهب والتبرج بالزينة لغير محلها والضرب بالكعاب والرقى إلا بالمعوذات وعقد التمائم وعزل الماء لغير أو غير محله أو عن محله وفساد الصبي غير محرمه. (١)
وما ورد مما يفيد الجواز ولا يصح أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه. (٢)
* الإستشفاء بمام زمزم:
يجوز الإستشفاء بماء زمزم ويصح حمله من مكان آخر ويتداوى به بالغسل والوضوء والشرب وجعله فى الطبيخ وعمل الشاى والعصير وإذابة السكر فيه وانتباذ التمر فيه وسائر طرق الإستشفاء على ما يروق للمريض كل ذلك جائز إن شاء الله تعالى ولا حرج فيه بل مضت فى أصل هذا سنة عن النبى ﷺ والله تعالى أعلم
стр. 96
فعن أبي جمرة الضبعي قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول الله ﷺ قال: الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء، أو قال: بماء زمزم. (١)
حديث جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنه يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول ماء زمزم لما شرب له. (٢)
وعن عائشة ﵂ أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (٣)
стр. 97
الوقاية من الحسد
لاشك أن الوقاية من الحسد مما يؤرق كثير من الناس بل ويشغل البعض أكثر من العلاج لما فيه من تجنب مخاطر الحسد وشروره وإذا كانت الحمية فى الأمراض العضوية خير من العلاج فالأمر هو تماما فى مسألة العين ولأن شرطى فى الكتاب أن لا أنحى منحى الذين يجربون ويعملون بمجرباتهم فأنا لا أتبنى ذلك وممن قال بهذا جماعة نذكر منهم ما قاله الدكتور فهد بن ضويان السحيمى وهو مدرس فى الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في رسالته لنيل درجة الماجستير: فالوقاية من كل ذلك وما يشبهه يكون بما يتلائم معه ويدفع ضرره، وكذلك العلاج والوقاية الطبية فإن من بديهيات الطب وأولياته تشخيص الداء ومن ثم تقديم الدواء .. والوقاية من كل داء بحسبه من أنواع الأمصال الملائمة له. وموضوع العين لم تعرف على التحقيق كيفية الإصابة منها، كما تقدم لأنها من الأمور المغيبة عنا، فلا يمكن تشخيصها في مختبرات كيميائية، ولا بالأشعات الكهربائية ولا بعوارض ظاهرة .. وعليه فلا سبيل إلى معرفة شيء عنها إلا ما يظهر من عوارض التأثير بعد وقوعها تظهر على من أصابته العين. فلا سبيل إلى الوقاية منها قبل وقوعها إلا بما جاء وحياً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ . (١)
أقول فهذا كلام قوى معتبر وهذا فى دراسة متخصصه تفرغ لها الباحث وهذا ما أنادى به وأدندن حوله من أول الكتاب. وقال بهذا الشيخ عطية محمد سالم ﵀ (٢) وسيأتى نص كلامه فلأجل هذا وغيره أقول: الوقاية تكون بأمرين لا يعرفان من غير جهة الشرع:
стр. 98
الأول: الأذكار والرقى التى تعمل كالحصن ضد العين .
* فمن ذلك أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله: فمن رأى شيئا له أو لأحد من الناس فأعجبه فخاف عليه العين قال ذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا﴾ الكهف (٣٩)
قال الحافظ ابن كثير ﵀: هذا تحضيض وحث على ذلك أى هلا إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها, حمدت الله ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك, وقلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله, ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده, فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله, وهذا مأخوذ من هذه الاَية الكريمة. وقد روي فيه حديث مرفوع, أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا جراح بن مخلد, حدثنا عمر بن يونس, حدثنا عيسى بن عون, حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد, فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله, فيرى فيه آفة دون الموت. وكان يتأول هذه الاَية ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾ قال الحافظ أبو الفتح الأزدى: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح حديثه. اهـ (١)
وقال الشيخ النووى ﵀: ويستحب للعائن أن يدعو للمعين بالبركة فيقول: اللهم بارك فيه ولا تضره، وأن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. اهـ (٢)
стр. 99
قلت: دعنا مما استحبه الشيخ ثم شأننا بما فى الأية أن نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
* أن يستعيذ بالله من الحسد وشر الحساد .
فيقول: أعوذ بالله من الحسد أو أعوذ بالله من العين وإنما قلت هذا لأن الصحابة كانوا يقولون أقرب صيغة للأستعاذة فإذا قال النبى ﷺ استعيذوا بالله من عذاب القبر قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر فما كانوا يضخمون الألفاظ والعبارات ولا يأتون بالسجع المتكلف وكانوا أبعد الناس عن التكلف شغلهم عنه الإخلاص نسأل الله الإخلاص والسلامة والإستعاذة من العين وردت فى حديث مرفوع
ولو قال أعوذ برب الفلق أو قرأ السورة لوسعه ذلك وأتى بالأمر , قال الله تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ سورة الفلق (١ - ٥)
قال ابن القيم ﵀: فلما كان الحاسد أعم من العائن، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي - أي العين - سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه، أثرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذرا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام، لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها. انتهى من زاد المعاد وقوله: وربما ردت السهام على صاحبها. لا دليل عليه فتنبه أن ابن القيم ﵀ وغيره من أهل العلم يصيبون ويخطئون ويعلمون ويجهلون وليس أحد منهم بمعصوم رحمنا الله وإياهم وألحقنا بهم.
وقال النسفى ﵀: فإن الاستعاذة من شر هذه الأشياء، بعد الاستعاذة من شر ما خلق إشعار بأن شرّ هؤلاء أشدّ وختم بالحسد ليعلم أنه شرّها. (١)
قال الشيخ عطية محمد سالم ﵀: أمر الله تعالى عباده بالاستعاذة من شر ما خلق عموما ثم من شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات فى العقد ومن شر حاسد إذا
стр. 100
حسد، وكلها أمور مغيبة عنا ولا يعيذ منها إلا الله سبحانه. (١)
وقال الشيخ عبدالله الجبرين حفظه الله: وقد أمر الله بالاستعاذة من العائن، فهو داخل في قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، وبالاستعاذة من شره يحصل الحفظ والحماية والله أعلم. (٢)
وفى الإستعاذة من العين حديث عائشة رضى الله عنها فى الإستعاذة من العين قالت: قال رسول الله ﷺ : استعيذوا بالله من العين فإن العين حق.
وحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: كان النبى ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. (٣)
وعن زر بن حبيش قال: قلت لأبى: إن أخاك يحكهما من المصحف فلم ينكر قيل لسفيان: ابن مسعود قال: نعم وليسا في مصحف ابن مسعود كان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين ولم يسمعه يقرؤهما في شيء من صلاته فظن أنهما عوذتان وأصر على ظنه وتحقق الباقون كونهما من القرآن فأودعوهما أياه. (٤)
* قراءة أذكار الصباح والمساء ودبر الصلوات المكتوبات ودخول البيت والخروج من البيت والتسمية قبل كل عمل فإن ذلك يدفع الشر ومنه الحسد ويجلب الخير ومنه العافية ومن كان لله دوما كان الله تعالى له دوما ومن كان لله مرة ومرة كان الله تعالى له مرة ومرة والله أوسع عطاءا وأجزل مثوبة وأكرم من سأله العبد وما خاب من كان ملجؤه إلى الله فسبحانه من ملك عظيم ورب كريم وله الحمد فى الأولى والآخرة.
стр. 101
وينبغى الرجوع فى هذا إلى كتب تنقل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبى ﷺ بعيدا عن الأوراد المبتدعة التى اخترعها المتصوفة المخرفون على شتى طرقهم وكذا المأثورات لحسن البنا فيها أذكار ملفقة ليست من السنة ومن هذه المختصرات الصحيحة تحفة الأخيار للشيخ ابن باز ﵀ وحصن المسلم للشيخ سعيد القحطانى وصحيح الأذكار للشيخ العدوى ومختصر النصيحة للشيخ المقدم مما هو مشهور أما الأمهات الكبار كالسنن وعمل اليوم والليلة فهى مراجع للمختصين وهى تحتاج إلى تحقيق ففيها خير وغير. وهى الآن محققة بفضل الله تعالى فمنها صحيح الكلم الطيب للشيخ الألبانى ﵀ وتخريج أذكار النووى للشيخ الأرناؤوط وصحيح أذكار النووى للشيخ سليم الهلالى وغيرها كثير وفى هذه غنية.
قال ابن القيم ﵀ فى زاد المعاد: ومن جرب الدعوات والعوذ، عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها، وقوة نفسه واستعداده وقوة توكله وثبات قلبه فإنها سلاح والسلاح بضاربة. اهـ
وهذا من فقهه رحمه الله تعالى رحمة واسعة فقلما يتفطن الناس لهذا وأن السلاح بضاربه بحسب قوة إيمان الراقى.
قال محمد بن مفلح: ويعالج المعين مع ذلك بالرقى من الكتاب والسنة والتعوذ والدعاء (١)
قال الشيخ عبدالله الجبرين حفظه الله: إن من أسباب كثرة المصابين بهذه الأمراض - يعني الصرع والسحر والعين والحسد- إعراضهم عن التحصين بالذكر والأوراد والأدعية الشرعية. (٢)
ومن التحصن أيضا ما ينبغى على العائن فعله وهو أن يدعوا لمن خاف عليه من
стр. 102
عينه بالبركة لحديث سهل بن حنيف فيقول اللهم بارك فيه. أو يسميه فيقول اللهم بارك فى كذا .. وحكم الدعاء بالبركة أنه واجب لأمر النبى ﷺ وتأكيده عليه بلام الأمر بل وقد غضب ﷺ وتغيظ على عامر ولم يرد من القرائن ما يصرف هذا الوجوب فهذا وجه ووجه ثان وهو أن فى الدعاء بالبركة لمن خيف عليه العين تحرز عن قتل مسلم إو إيذائه والعين قد تقتل وقد تردى الرجل وفى الحديث أن كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه كحرمة البلد الحرام فى الشهر الحرام والتحرز من هذا واجب قولا واحدا وإذا وجبت الغاية وجبت الوسيلة إليها كما تقرر فى الأصول وإلى هذا ذهب القرطبى فى التفسير فقال ﵀: واجب على كل مسلم أعجبه شئ أن يبرك (عليه) فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة. (١)
وبعض الناس يكبرون على العائن إذا خافوا منه قال الشيخ الشنقيطى فى أضواء البيان: من اتهم أحدا بالعين فليكبر ثلاثا عند تخوفه منه. فإن الله يدفع العين بذلك والحمد لله. اهـ
وقال الشيخ عطية سالم ﵀: ويقال إن الشخص الذي يخاف على نفسه أو ماله من عين إنسان أن يقول هو على نفسه ما شاء الله تبارك الله، يرفع بها صوته يسمع الشخص الذي خاف منه أو يكبر على نفسه أو ماله قائلا: الله أكبر ثلاث مرات. (٢)
ولم أقف على حديث فيه فلا أراه بل ما أعتقد ثبوت الأصل فكيف بالوصف ثلاث مرات! ! وبعض الناس بل هذا المشهور فى بلدنا أنهم يصلون على النبى ﷺ ويقولون لمن يخافون منه صلى على النبى يا فلان لا تحسده. فهذا أيضا لم يرد فلا ينبغى قوله وفيما صح غنية فمن لم يكفه ما ثبت فلا كفاه الله.
стр. 103
ومن الرقى والأذكار التى يقولها من رأى شيئا فأعجبه أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فعن صهيب: أن رسول الله ﷺ كان أيام حنين يحرك شفتيه بعد صلاة الفجر بشيء لم نكن نراه يفعله فقلنا يا رسول الله إنا نراك تفعل شيئا لم تكن تفعله فما هذا الذي تحرك شفتيك قال إن نبيا فيمن كان قبلكم أعجبته كثرة أمته فقال لن يروم هؤلاء شيء فأوحى الله إليه أن خير أمتك بين إحدى ثلاث إما أن نسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيحهم أو الجوع وإما أن نرسل عليهم الموت فشاورهم فقالوا أما العدو فلا طاقة لنا بهم وأما الجوع فلا صبر لنا عليه ولكن الموت فأرسل عليهم الموت فمات منهم في ثلاثة أيام سبعون ألفا قال رسول الله ﷺ فأنا أقول الآن حيث رأى كثرتهم اللهم بك أحاول وبك أصاول وبك أقاتل. وفى رواية: اللهم بك أقاتل وبك أصاول ولاحول ولا قوة إلا بالله. (١)
الثانى: ستر محاسن ما يخاف عليه من العين عن الحاسد
وثبت أصله فى الكتاب وفيه آثار موقوفات صحاح فقد اتقى العين نبى الله يعقوب ﵇ قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَبَنِيّ لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مّتَفَرّقَةٍ وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِلاّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلّمْنَاهُ وَلَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.سورة يوسف ﵇ الآيتان (٦٧ - ٦٨)
стр. 104
قال البغوى ﵀: وقال لهم يعقوب لما أردوا الخروج من عنده، "يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة"، وذلك أنه خاف عليهم العين، لأنهم كانوا أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة، وكانوا ولد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حق، وجاء في الأثر: إن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر. وعن إبراهيم النخعى: أنه قال ذلك لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق. والأول أصح. اهـ من تفسيره عند الآيات
وقال القرطبى ﵀: لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين؛ فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد، وكانت مصر لها أربعة أبواب؛ وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلا لرجل واحد؛ وكانوا أهل جمال وكمال وبسطة؛ قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم.
إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين، والعين حق؛ وقد قال رسول الله ﷺ : (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر). وفي تعوذه ﵇: (أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) ما يدل على ذلك ..
قال الأصمعي: رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه شخبها فقال: أيتهن هذه؟ فقالوا: الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها، فهلكتا جميعا، المروى بها والمورى عنها. قال الأصمعى. وسمعته يقول: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. . اهـ (١)
وقال الحافظ بن كثير ﵀: يقول تعالى إخباراً عن يعقوب ﵇, إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد,
стр. 105
وليدخلوا من أبواب متفرقة, فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدى وغير واحد إنه خشي عليهم العين. اهـ (١) ولم أقف على ما يدل على اسم بنيامين فلعله من الإسرائيليات.
قال الشيخ النووى: قال القاضي عياض بعد ذكر حديث حسد عامر بن ربيعه لسهل بن حنيف: في هذا الحديث من الفقه ما قاله بعض العلماء أنه ينبغي إذا عرف أحد بالإصابة بالعين أن يجتنب ويتحرز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس. ويأمره بلزوم بيته فإن كان فقيرا رزقه ما يكفيه، ويكف أذاه عن الناس. صحيح مسلم بشرح النووى
وقال ابن القيم ﵀: ومن علاج ذلك أيضا والاحتراز منه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه، كما ذكر البغوي فى كتاب " شرح السنة " (٢): أن عثمان ﵁ رأى صبيا مليحا، فقال: دسموا نونته، لئلا تصيبه العين، ثم قال في تفسيره: ومعنى: دسموا نونته: أى: سودوا نونته، والنونة: النقرة التي تكون فى ذقن الصبي الصغير. وقال الخطابى فى غريب الحديث له عن عثمان رضى الله عنه أنه رأى صبيا تأخذه العين فقال دسموا نونته فقال أبو عمرو وسألت أحمد بن يحيى عنه فقال أراد بالنونة النقرة التى فى ذقنه والتدسيم التسويد أراد سودوا ذلك الموضعمن ذقنه ليرد العين قال ومن هذا حديث عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم وعلى رأسه عمامة دسماء أى سوداء أراد الإستشهاد على اللفظة ومن هذا أخذ الشاعر قوله:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين. اهـ (٣)
وقال محمد بن مفلح ﵀: وليحترز الحسن من العين والحسد بتوحيش حسنه. (٤)
стр. 106
وقال الشيخ العثيمين ﵀: والتحرز من العين مقدما لا بأس به ولا ينافي التوكل بل هو التوكل لأن التوكل الاعتماد على الله سبحانه مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وقد كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ اسحق واسماعيل ﵉ (١)
وسئل الشيخ عبدالله الجبرين عن المبالغة في الخوف من الإصابة بالعين ومنع الأطفال من مخالطة الناس خوفاً عليهم من العين؟
فأجاب: لا تعتبر وإنما هي من تجنب أسباب الشرور والأضرار، وقد ورد ما يدل على الجواز في صبي جميل أمروا أن يغيروا صورته خوف العين، كما سبق الأثر عن عثمان في قوله " دسموا نونته " أي سودوها، وهي النقرة في أسفل الوجه، وذلك سبب مما شرعه الله، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) النساء الآية (٧١) وهو يعم الحذر من كل ما فيه ضرر على النفس أو المال، وقال تعالى: (وَخذُوا حِذْرَكُمْ) النساء الآية (١٠٢)(٢)
* ومن الستر أيضا قضاء الحوائج بالكتمان والسر .
فهذا مما يقى من شر العين والحسد وفى الحديث: " استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود ". (٣)
* ومن ذلك أيضا الاحتراز من العائن واجتنابه والبعد عنه ومن الأمور الهامة
стр. 107
والنافعة لاتقاء شر العائن أو الحاسد اجتنابه والبعد عنه كأن يجتنب الرجل المرور من أمام هذا الحسود ولا يخالطه ولا يؤاكله ولا يسلم عيه ولا يزوره ولا يجيبه إذا سأله عن تجارته أو ماله أو أولاده أو زرعه أو بهائمه أو كل ما يخافه على نفسه حتى إن بعضهم قد يحسد علاقة الرجل بأهله وأقربائه فيرى الرجلان متآخيان فيحسدهما فتدب بينهما الوحشة وتعمل البغضاء عملها بينهما فتنقلب صداقتهما عداوة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويجب على ولى الأمر القيام على الحساد بالحبس والمنع عن الناس والتعزير بما يليق بحال العائن حتى يرتدع عن هذا الفعل المشين فإن أضرار الحسد وخيمة حسبك منها بذهاب البركة ووقوع البغضاء والشحناء بين الناس وتنغيص عيش المحسود عافانا الله بمنه وكرمه.
قال ابن القيم ﵀: وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: أن من عرف بذلك حبسه الإمام وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت وهذا هو الصواب قطعا. الطب النبوى
وقال العينى: وقال القاضي عياض: قال بعض العلماء: ينبغي إذا عرف واحد بالإصابة بالعين أن يجتنب وأن يحترز منه وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويلزمه بلزوم بيته، وإن كان فقيرا لزمه ما يكفيه فضرره أكثر من آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي ﷺ من دخول المسجد لئلا يؤذي الناس ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمررضى الله تعالى عنه. (١)
ثالثا: وما ينبغى تحصين العبد نفسه بالصلاة فإنها الصلة بين الله تعالى وبين العبد فكلما حافظ عليها العبد كان من الله تعالى أقرب وكان أعون له على استجابة دعائه ومعافاته وفى الحديث عن نعيم بن همار الغطفانى رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه
стр. 108
قال: يا ابن آدم صل لي أربع ركعات أول النهار أكفك آخره. (١)
وبسند ضعيف عن أبى الدرداء رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إن الله تعالى يقول يا ابن آدم لا تعجزن من الأربع ركعات من أول نهارك أكفك آخره. (٢)
стр. 109
وفى الختام أنبه على أهمية الصبر على السنة والتواصى بها وخير الهدى هدى محمد ﷺ وقد بينا هديه ﷺ فى علاج العين من وجوه عدة لا ينبغى لمسلم أن يخرج عن هذا كله لا سيما وقد كفى مؤنته. قال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال: يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. (١)
وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: لو تركتم سنة نبيكم لضللتم. رواه مسلم.
وقال أيضا رضى الله عنه: اتبعوا آثاءرنا ولاتبتدعوا فقد كفيتم. (٢)
وعن عبد العزيز بن رفيع قال: سئل عطاء عن شئ فقال: لاأدرى قال: قيل له ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إنى أستحيى من الله عزوجل أن يدان فى الأرض برأيى. (٣)
стр. 110
حكم رقية الحيوان والجماد
إذا كان المحسود بهيمة أو متاعا أو بيتا أو زرعا أو سيارة ونحو ذلك فيقرأ الرقية فى البيت أو فى الزرع ويمسك بالبهيمة إن استطاع ويقرأ عليها الرقية ولو مع كفيه فنفث فيهما بالمعوزات ومسح على البهيمة وسعه ذلك وبرأت بإذن الله تعالى وهذا أنفعبكثير من تعليق ما قد يفضى إلى الشرك والله تعالى أعلم والأصل فى هذا أن الرقية للعموم غير مقيدة بجنس بنى آدم والخصوصيات لا تثبت إلا بدليل والعين تصيب الإنسان والحيوان والبيت وقد أمر المعجب بحديقته أن يقول " ماشاء الله لا قوة إلا بالله " حتى لا تصيبه العين.
وما روى عن سحيم بن نوفل قال: كنا عند عبد الله نعرض المصاحف، فجاءت جارية أعرابية إلى رجل منا فقالت: إن فلانا قد لقع مهرك بعينه، وهو يدور في فلك، لا يأكل ولا يشرب، ولا يبول ولا يروث، فالتمس له راقيا، فقال عبدالله: لا نلتمس له راقيا، ولكن ائته فانفخ في منخره الأيمن أربعا، وفي الأيسر ثلاثا، وقل: " لا بأس أذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا يكشف الضر إلا أنت "، فقام الرجل فانطلق، فما برحنا حتى رجع، فقال لعبدالله: فعلت الذي أمرتني به، فما برحت حتى أكل وشرب وبال وراث. (١)
فهذا نص فى علاج البهائم لكنه ضعيف والحجة تقوم بغيره.