تفسير الفاتحة
تأليف
الحافظ أبو الفرج عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الدمشقي الحنبلي
المتوفى سنة (٧٩٥)
رحمه الله تعالى
تحقيق
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، الذي أوتي سبعا من المثاني، والقرآن العظيم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذا أثر جديد من آثار الحافظ ابن رجب الحنبلي، وفق الله للوقوف عليه، وهو يخرج لأول مرة إلى عالم المطبوعات - حسب علمي -، وأسأل الله أن ينفع به، ويبارك فيه.
وصف النسخة الخطية:
اعتمدت في إخراج هذا الجزء على نسخة وحيدة، وهي من محفوظات جامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد حصلت على مصورة منها من «مكتبة الملك فهد الوطنية» بالرياض، وعدد أوراقها: ٢٣ ورقة، وخطها: مقروء، ولم
стр. 3
يكتب عليها اسم ناسخها، وهي ناقصة، فليس فيها سوى خمسة فصول جعلها المؤلف مقدمة لتفسير السورة، وأول الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكتب على طرتها:
«كتبت هذه النسخة من نسخة أخرجت من الحريق لما أحرق تيمور لنك دمشق، فاحترق بعضها فكتبنا ما وجدنا منها».
وجاء في آخرها:
«يتلوه بقية الكلام عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى».
فالعبارة الأولى تفيد أن هناك أشياء لم توجد من هذه الرسالة، والعبارة الثانية تدل على أن هناك أشياء وجدت ولم تكتب في هذه النسخة!
وقد وجدت في النسخة بياضات كثيرة في أثنائها، ويبدو -والله أعلم- أن أماكن هذه البياضات مما احترق منها، فلعل مراد الناسخ بقوله في العبارة الأولى: «فكتبنا ما وجدنا منها» أي: مما لم يحترق من وسط الكتاب، وأما آخر الرسالة فلعل الناسخ أرجأ كتابته إلى وقت آخر كما تفيده عبارته الأخيرة, فنسأل الله أن يوفق للوقوف على ما تتم به هذه الرسالة كما وفق للوقوف على أولها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 4
توثيق نسبة الكتاب:
هناك أدلة متضافرة تدل على إثبات هذا الكتاب للحافظ ابن رجب، من ذلك ما يلي:
أولا: العبارة التي جاءت على طرة النسخة الخطية، والتي فيها نسبة الكتاب إليه، وسأذكرها بحروفها في الفقرة التالية.
ثانيا: أن بعض من ترجم للحافظ ابن رجب ذكر هذه الرسالة ضمن مؤلفاته، قال يوسف ابن عبد الهادي في «الجوهر المنضد» (ص: ٥٠) - وهو يعدد مؤلفاته -:
(وكتاب «إعراب أم القرآن» مجلد، ولعله كتاب «الفاتحة») ا. هـ
ثالثا: أن بعض العلماء نقلوا عن هذه الرسالة منسوبةً للحافظ ابن رجب، ومنهم:
١ - المرداوي في «الإنصاف» نقل عنها في موضعين:
الأول: في كتاب الصلاة، باب صفة الصلاة، قال (٢/ ٤٨): «وعنه - أي: البسملة - ليست قرآنا مطلقا - بل هي ذكر، قال ابن رجب في «تفسير الفاتحة»: وفي ثبوت هذه الرواية عن أحمد نظر» ا. هـ.
الثاني: في كتاب النكاح، باب عشرة النساء، قال
стр. 5
(٨/ ٣٥٧): «واستحب بعض الأصحاب أن يحمد الله عقب الجماع. قاله ابن رجب في «تفسير الفاتحة»» ا. هـ.
٢ - وفي كتابه «التحبير» في موضعين:
الأول (٣/ ١٣٧٤) قال: «قال أبو بكر الرازي الحنفي: هي - أي: البسملة - آية مفردة، أنزلت للفصل بين السور. قال ابن رجب في «تفسير الفاتحة»: وهو الصحيح عن أبي حنيفة. قلت: وهذا منصوص الإمام أحمد، وعليه أصحابه، قال ابن رجب: هذا قول أكثر العلماء منهم: عطاء والشعبي والزهري والثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود ومحمد بن الحسن».
الثاني (٣/ ١٣٧٥) قال: «وذهب الإمام مالك وأصحابه والأوزاعي وابن جرير الطبري وغيرهم إلى أنها ليست بقرآن بالكلية، وقاله بعض الحنفية، وروي عن أحمد، لكن قال ابن رجب في «تفسير الفاتحة»: في ثبوت هذه الرواية عن أحمد نظر، بل هي ذكر كالاستعاذة» ا. هـ.
٣ - ابن النجار في «شرح الكوكب المنير» في موضعين (٢/ ١٢٤، ١٢٦) وكلاهما مما سبق في كلام المرداوي في
стр. 6
«التحبير» فقد يكون نقلها عنه، والله أعلم.
وهذه النصوص وإن كانت غير موجودة في النسخة التي وقفنا عليها فإنها تثبت أن لابن رجب كتاب «تفسير الفاتحة»، وأما عدم وجود هذه النصوص في هذه النسخة فلعل مرجعه -والله أعلم- إلى أنها قطعة ناقصة من الكتاب -كما سبق-، فتكون تلك النصوص ضمن ما لم ينسخ من الكتاب، والله أعلم.
رابعا: أن نَفَسَ الحافظ ابن رجب واضحٌ في هذه الرسالة، فهو يعتني بانتقاء الأحاديث، ويتكلم عليها على طريقة أئمة الحديث المتقدمين، ويعتني بأقوال السلف، وهو أيضا ينقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وعن تلميذ ابن تيمية وشيخ ابن رجب = العلامة ابن القيم.
اسم الكتاب:
لم يذكر الحافظ ابن رجب أنه سمى هذا الكتاب باسم معين، وإنما قال في صدر الكلام: «فصل في تفسير سورة الفاتحة»، ولكن جاء على طرة النسخة الخطية العبارة التالية:
«تفسير الفاتحة للشيخ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه».
стр. 7
وقد سمَّاها من نقل عنها بنفس الاسم، وأما صاحب «الجوهر المنضد» فسماها: «الفاتحة»، فيبدو أنه اختصر الاسم، والله أعلم.
وأخيرا أسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي وللمسلمين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
وكتب
سامي بن محمد بن جادالله
الرياض (١)
٥/ ٦/ ١٤٢٥
* * *
стр. 8
نموذج من النسخة الخطية
стр. 9
بداية النصِّ المحقَّق
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم.
فصل
في الكلام على تفسير الفاتحة
ونقدم قبل تفسيرها مقدمة تشتمل على خمسة فصول:
الفصل الأول: في موضع نزولها.
الثاني: في عددها.
الثالث: في أسمائها.
الرابع: في فضائلها، ويتضمّن الكلام على مسألة تفاضل القرآن.
الخامس: في أحكامها.
* * *
стр. 11
الفصل الأول: في موضع نزولها
وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها نزلت بمكَّة، نُقل عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وأبي هريرة والأكثرين، حتى قال أبو ميسرة: هي أوَّل سورة نزلت من القرآن بمكَّة، وأنَّها ابتدئت بـ «بسم الله الرحمن الرحيم». خرجه البيهقي في «الدلائل» (١).
وقيل: أول ما نزل: «بسم الله الرحمن الرحيم» منفردة، قال الفخر الخطيب (٢): وهو قول الأكثرين من الذين قالوا: لم تنزل «المدثر» و «اقرأ» أولا (٣). ونقله في موضع آخر عن ابن
стр. 12
عبَّاسٍ (١).
وقيل: أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] , كما جاء في حديث جابر الصحيح (٢).
وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهذا هو الصحيح، فإنه لما أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ رجع فتدثر، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
والقول الثاني في موضع نزول الفاتحة: أنها أُنزلت بالمدينة. قاله جماعة، منهم مجاهد، روى منصور عن مجاهد قال: إن إبليس رنَّ أربعَ رنَّاتٍ: حين لُعِنَ، وحين أُهبط من الجنَّة، وحين بُعث النبيُّ ﷺ ، وحين أُنزلت فاتحة الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة.
وروى الطَّبرانيُّ في «الأوسط»: حدثنا عُبيد بن غنَّام ثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ ثنا أبو الأَحْوَصِ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن أبي هريرة أنَّ إبليسَ رنَّ حين أُنزلت فاتحةُ الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة.
وقال: لم يروه عن منصور إلا أبو الأحوص، تفرّد به أبو بكر بن أبي شيبة (٣).
стр. 13
ورواه سفيان وغيره عن منصور ووقفُوه على مجاهدٍ.
والقول الثالث: أنَّها أُنزلت مرَّةً بمكَّة، ومرَّةً بالمدينة، فهي مكِّيَّةٌ مدنيَّةٌ.
وحَكَى أبو الليث أنَّ نصفَهَا نزل بالمدينة، ونصفَهَا بمكَّة (١).
وقيل: نزلت بين مكَّة والمدينة.
والصحيح أنَّها أُنزلت بمكَّة، فإنَّ «سورة الحِجْر» مكِّيَّةٌ بالاتفاق، وقد أنزل الله فيها: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] , وقد فسَّرها النبيُّ ﷺ بالفاتحة، فعُلم أنَّ نزولهَا متقدمٌ على نزول «الحِجْر»، وأيضًا فإنَّ الصَّلاةَ فُرضت بمكَّة، ولم يُنقل أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه صلَّوا صلاةً بغير فاتحة الكتاب أصلاً، فدلَّ على أنَّ نزولهَا كان بمكَّةَ.
وأمَّا الرِّواية بأنَّها أوَّلُ سورةٍ أُنزلت من القرآن فالأحاديث الصَّحيحة تردُّه.
* * *
стр. 14
الفصل الثاني: في عددها
وهي سبعُ آياتٍ كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، وفسَّرها النبيُّ ﷺ بالفاتحة, ونقل غيرُ واحدٍ الاتفاق على أنَّها سبعٌ، منهم ابنُ جرير (١) وغيرُه، لكن مَنْ عَدَّ البسملة آيةً منها جعلَ الآية السابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ومَنْ لم يَجْعلْ البسملةَ آيةً منها جَعَلَ الآية السابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢) آمين.
وفيها قولان شاذّان:
أحدُهما: أنَّها ستُّ آياتٍ، حُكي عن حسين الجُعْفِيِّ.
والثاني: أنَّها ثمانُ آياتٍ، وأنَّ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ آيةٌ، نُقل
стр. 15
عن عمرو بن عبيد، ولا يعبأُ به.
وأمَّا كلماتُها: فهي خمسٌ وعشرون كلمةً.
وأمَّا حروفُها: فمائةٌ وثلاثة عشر حرفًا.
* * *
стр. 16
الفصل الثالث: في أسمائها
ولها أسماءٌ متعددةٌ:
أحدُها: فاتحةُ الكتابِ، ففي «الصَّحيحين» عن عُبادة بنِ الصَّامِت أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١)، وإنَّما سُمِّيت «فاتحة الكتاب» لافتتاح سُور القرآن بها كتابةً، وقراءةً في الصلاة، وهذا ممَّا استدلَّ به من قال: إن ترتيب سُور القرآن منصوصٌ عليه كترتيب الآيات إجماعًا. ذكره أبو العبَّاس.
وسألَ حربٌ أحمدَ عمَّن يقرأُ أو يكتبُ من آخرِ السورةِ إلى أوَّلِها، فكرِهَهُ شديدًا.
وفي «تعليق القاضي» في أنَّ البسملةَ ليست من الفاتحةِ: مواضعُ الآي كالآي أنفُسِها، ألا ترى أنَّ مَنْ رَامَ إزالةَ ترتيبها كمَنْ
стр. 17
رَامَ إسقاطَها، وإثباتُ الآي لا يجوزُ إلا بالتواترِ كذلك مواضعها.
وذكر أبو البركات أنَّ تَنْكِيْسَ الآيات يُكْرَهُ إجماعًا، لأنَّه مظنَّة تغيُّر المعنَى بخلاف السُّورتين.
هذا لفظُه، وينبغي أن يقال: فيحرم للمظنة، وتنكيس الكلمات محرّم، مبطلٌ للصَّلاةِ اتفاقًا.
وقال جمهورُ العلماءِ - منهم المالكيَّة والشافعيَّة -: ترتيبُ السور بالاجتهاد من الصَّحابَةِ.
قال الإمامُ أبو العبَّاس: فعلى هذا يجوزُ قراءةُ هذه قَبْلَ هذه، وكذا في الكتابةِ، ولهذا تنوَّعت مَصَاحِفُ الصَّحابَةِ ﵃ في كتابتِها، لكن لمَّا اتفقوا على المُصْحَفِ زَمَنَ عثمان ﵁ صارَ هذا ممَّا سنّهُ الخلفاءُ الراشدون ﵃، وقد دلّ الحديثُ على أنَّ لهم سنَّةً يجبُ اتباعُها (١).
وقيل: سُمِّيت فاتحةً لأنَّ الحمدَ فاتحةُ كلِّ كلامٍ.
وقيل: سُمِّيت فاتحةً لأنَّها أوَّلُ سورةٍ نَزَلَتْ من السَّمَاءِ.
وقال الثَّعْلَبِيُّ: هي مُفْتَتَحَةٌ بالآية التي تُفْتَتَحُ بها الأمورُ تَيَمُّنًا
стр. 18
وتَبَرُّكًا، وهي التَّسْمِيةُ.
الاسم الثاني: أم الكتاب، ففي «المسند» و «سنن ابن ماجه» عن عائشةَ ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «مَنْ صَلَّى صلاةً لم يَقْرَأ فيها بأمِّ الكتابِ فهي خِدَاجٌ» (١).
وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني» (٢).
وقد سمَّاها ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: أمَّ الكتاب.
وأنكر الحسنُ تسميتَها بذلك، وقال: أمُّ الكتاب الحلال والحرام. يشيرُ إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، وربما وجه بأنَّ أمَّ الكتاب هو اللوحُ المحفوظ، كما في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] , وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] , وهذا لا يدلُّ على مَنْعِ تسمية الفاتحة بذلك.
стр. 19
وقد اختلف في معنى تسميتها بأمِّ الكتاب، فقيل: لأنَّها تتقدم على بقيَّة سُورِ الكتاب في الخطِّ، فهي تؤمُّ السور بتقدمها عليها.
[ ... ] (١) فالكتاب كله راجع إلى معانيها، فهي كالأصل له، كما سُمِّيت مكَّة أمّ القرى، لأن البلدان دُحِيت من تحتها.
وقيل: أصالتها من حيث أنَّها محكمةٌ لم يتطرَّق إليها نسخٌ، من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
وقيل غير ذلك، والله أعلم.
الاسم الثالث: أمُّ القرآن، وقد ورد تسميتُها بذلك في أحاديث كثيرة:
منها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : «كلُّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ» خرَّجه مُسْلِمٌ (٢).
وخرَّج من حديث عُبادة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن» (٣).
وقد أَطْلَقَ عليها هذا الاسم كثيرٌ من العلماء، ومنهم الحسن
стр. 20
الذي كره تسميتها بأمِّ الكتاب، وكره ابنُ سيرين تسميتها بأمِّ القرآن، وهو محجوجٌ بما ذكرنا.
الاسم الرابع: السبع المثاني، وقد فسَّرها النبيُّ ﷺ بالفاتحة كما سيأتي ذكره، وذكر وكيع في «كتابه» عن سفيان عن عمرو بن ميمون عن أبي مسعود الأنصاريِّ عن النبيِّ ﷺ قال: «﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قال: فاتحة الكتاب».
وممن قال (الفاتحة هي السبع المثاني): ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمر والحسن ومجاهدٌ وعكرمةُ وخلقٌ كثيرٌ.
واختلف في تسميتها بالمثاني، قيل: لأنَّها استثنيت لهذه الأمَّة، لم يُعْطَهَا أحدٌ قَبْلَهم، كما سيأتي، ورُوي عن ابنِ عبَّاسٍ.
وقيل: لأنَّها تُثَنّى في كلِّ ركعة، وهو المشهور.
وقيل: لأنَّها في كلِّ صلاة.
وقيل: لأنَّ فيها ثناءٌ على الله .
وقيل: لأنَّها قُسمت نصفين، نصفٌ لله، ونصفٌ لعبده, كما في حديث أبي هريرة.
стр. 21
وقيل: لأنَّ أهل السموات يصلُّون بها كما يُصلِّي بها أهلُ الأرض، وقد جاء عن عمر أنَّها صلاةُ الملائكة.
وقيل: لأنه ثُنِّي نزولُها فنزلت مرَّتين، مرَّةً بمكَّة، ومرَّةً بالمدينة.
وقيل: لأنَّها مستثناةٌ من سائر الكتبِ المنزَّلة، كما سيأتي (١).
وقيل: لأنَّ الكلمات التي فيها مثنَّاةٌ، كـ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وكقوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ﴾، وقوله: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿عَلَيْهِمْ﴾، وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) فهذه الكلمات كلُّها مثنى مثنى، فسُمِّيت مثاني لذلك.
واعلم أنَّ المثاني تُطلَقُ باعتبار معنيين:
أحدهما: باعتبار ما ثُنِّي لفظُه وكرِّرَ.
والثاني: باعتبار ما ثُنِّيَتْ أنواعُه وأقسامُه، وكرِّرَتْ، فإنَّ
стр. 22
التثنية يُرَادُ بها مطلقُ العدد مِنْ غير تخصيصٍ بعدد الاثنين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أي: مرَّةً بعد مرَّةٍ.
والقرآن نوعان:
أحدُهما: ما كُرِّر لفظُه لفائدةٍ مجدَّدةٍ، فهذا هو المتشابه.
والثاني: ما نُوِّع وقُسِم ولم يُكرّر لفظُه، فهذا المثاني.
وقد جَمَعَ اللهُ بين هذين الوصفين في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فوصف الكتاب كلَّه بأنَّه متشابهٌ ومثاني، فإمَّا أن يكون تنويعًا إلى هذين النوعين، وهما: النظائر المتماثلة، والمثاني في الأنواع؛ وإمَّا أن يكون المراد أنَّ آياته المتماثلة ثُنِّيَتْ فيه في مواضع لحِكَمٍ وفوائد متجدّدةٍ، وسورةُ الفاتحة [ ... ] (١) على المثاني بهذين التفسيرين، لأنَّها تضمنت الأنواع والأقسام المعدّدة [ ... ] (٢) وذكر العبادة والاستعانة، وذكر المغضوب عليهم والضالين، وتضمنت ذكر النظائر المتماثلة، وثُنِّيت فيها
стр. 23
كتكرير ﴿إِيَّاكَ﴾، و ﴿الصِّرَاطَ﴾، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾، وتكرير: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على قول من يقول إنَّ البسملة منها.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] يدلُّ على أنَّها من جملة المثاني لا كلّها، وفي الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في الفاتحة: «هي السبع المثاني».
فالجواب: أنَّ القرآنَ كلَّه أربعةُ أقسامٍ: السبع الطُوَل، والمئون، والمثاني، والمفصّل، كما في «المسند» وغيرِه عن واثلة بن الأسقع أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أُعطيتُ مكان التوراةِ السَّبعَ الطُوَلَ، وأُعطيتُ مكان الزَّبورِ المئين، وأُعطيتُ مكان الإنجيلِ المثانيَ، وفُضِّلتُ بالمفصّلِ» (١).
وقد رُوي نحو ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه.
والسَّبع الطُوَلُ هي: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، كذا قال ابنُ عبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وقيل: إنَّ السابعة: الأنفال وبراءة.
والمئون: ما كان بعد ذلك من السُّور يبلغُ عددُه مائةً، مائةً،
стр. 24
أو يزيدُ عليها قليلاً أو ينقصُّ قليلاً.
والمثاني: ما سوى ذلك، وسوى المفصل، وسُمِّي مثاني قيل: لأنَّه يتلوُ المئين، فكأنَّ المئين أوائل وهذه ثواني؛ وقيل: لأنَّه تُثنَّى فيه القَصَصُ والأمثالُ والفرائضُ والحدودُ، ونُقل عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ.
فالفاتحة من قِسْمِ المثاني، لأنَّها ليست من السَّبْعِ الطِّوالِ، وليست من المئين، ولا من المفصَّل، فتعيَّن أنَّها من المثاني، وإنَّما سمَّاها النبيُّ ﷺ السبع المثاني لاختصاصها من بين بقيَّة سُور المثاني بمعاني أخر تقتضي أنَّها أحَقّ بهذا الاسم من غيرِها من السُّور كتثنيتِها في الصلاة وغير ذلك، فصارت نوعًا مستقلاً بنفسِه فلذلك سُمِّيت: «السبع المثاني»، مع أنَّ في لفظ التِّرمذيِّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّها سبعٌ من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيتُه» (١).
الاسم الخامس: القرآنُ العظيم، وسيأتي قولُ النبيِّ ﷺ في الفاتحة: «هي السَّبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه» (٢)،
стр. 25
ففسَّر السَّبعَ المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة، فيكونُ هذا العطفُ حينئذٍ من بابِ: عطفِ الصِّفاتِ على الصِّفاتِ، لا من: عطفِ الموصوفاتِ على الموصوفاتِ، ونظيرُه قولُه : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]، وكذلك قراءةُ عائشةَ وغيرِها من الصحابةِ: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاةِ الوُسطى وصلاةِ العصرِ)، ومن المفسِّرين من قال: إنَّ القرآن العظيم المرادُ به بقيةُ القرآن، فجعله من باب ذكر الخاص قبل العام [ ... ] (١) وهو قليلٌ، والمعروف عكسُه، وهو ذكر الخاصِّ بعد العامِّ.
الاسم السادس: الصَّلاة، فقد ثبت في حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: «قال الله تعالى: قُسمت الصَّلاةُ بيني وبين عبدي نصفين، فنصفُها لي، ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل» خرَّجه مسلمٌ (٢).
وإنَّما سُمِّيت «صلاةً» لأنَّ الصلاةَ لا تخلوُ عنها، ولا تصحُّ إلاَّ بها، فسُمِّيت «صلاةً»، كما تسمَّى الصلاةُ «قرآناً»، كما
стр. 26
في قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقد سمَّاها بهذا الاسم جماعةٌ من الأئمةِ.
وقال أبو شَامَة في أثناء كلامٍ له: هذا إذا سلَّمنا توجَّه التنصيف إلى آيات الفاتحة، وذلك ممنوعٌ من أصلِه، وإنَّما التنصيف متوجِّهٌ إلى الصلاة بنصِّ الحديث، فإن قيل: المرادُ قراءة الصلاةِ، قلنا: بل المراد قسمةُ ذِكْرَ الصلاةِ، أي: الذِّكْرُ المشروعِ فيها وهو ثناءٌ ودعاءٌ, فالثناءُ: منصرفٌ إلى الله تعالى، سواء ما وقع منه في القراءةِ، وما وقع منه في الركوعِ والسجودِ، وغيرهِما، والدعاءُ منصرفٌ إلى العبدِ، سواء ما وقع منه في القراءة والسجود وغيرِهما.
وأقرّه عليه النوويُّ مع تسميته الفاتحة بـ «الصلاة» (١).
الاسم السابع: رقية الحقِّ، وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال للذي رَقَى بالفاتحة: «وما يدريك أنَّها رقيةٌ»، وثبت أنَّه قال: «لقد أكلتَ برقيةِ حقٍّ».
стр. 27
الاسم الثامن: سورة الحمد، وقد اشتهر تسميتُها بذلك، وحَمَلَ كثيرٌ من النَّاس حديثَ: (كان يفتتحُ الصَّلاة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ على أنَّه أُريد ذكر اسم السُّورة.
فإن قيل: ففي القرآن سُورٌ كثيرةٌ أوَّلُها: ﴿الحمد لله﴾، فما وجهُ تسمية الفاتحة بـ «سورة الحمد» دون غيرها؟
فالجواب: أنَّ الثناء على الله سبحانه في هذه السُّورة هو المقصودُ الأعظم من سائرِ معانيها، وقد استوعب نحو شطرها، فهو الغالب عليها، فسمِّيت بما غَلَبَ عليها، بخلافِ غيرِها.
الاسم التاسع: الشفاء، ذكره غيرُ واحدٍ، وذكروا من حديث ابنِ سيرين عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «فاتحةُ الكتابِ شفاءٌ من كلِّ داءِ»، وفي رواية: «من كل سُمٍّ إلا السَّامَ»، وهو الموت.
وقيل: إن الدارمي خرَّجه (١)، وروي مرسلا عن عبد الملك بن عمير أن النبي ﷺ قال: «في فاتحة الكتاب: شفاء من كل داء» (٢).
стр. 28
وتُسمَّى «الشافية» أيضًا.
قال الرَّازيُّ: وأقول: الأمراضُ منها ما هو روحانيَّة، ومنها ما هو جسمانيَّة، بدليل تسميتِه تعالى الكفرَ مرضًا، في قولِه تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].
وهذه السورة مشتملةٌ على معرفةِ الأصول والفروع والمكاشفات، فهي في الحقيقة شفاءٌ، بل الشفاءُ (١) في هذه المقامات الثلاثة (٢).
الاسم الحادي عشر: الوافية، بالفاء، حُكِي عن سفيان بنِ عُيينَةَ، لأنَّها لا تقبلُ الحذف، فلا بدَّ من الإتيان بها وافيةً تامَّةً.
وقال الزَّمخشريُّ: إنَّما سُمِّيت وافيةً لاشتمالِها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهلُه، ومن التعبُّد بالأمرِ والنَّهي، ومن الوعد والوعيد (٣).
الاسم الثاني عشر: الأساس، رُوي عن الشَّعبيِّ أنَّه سمَّاها «الأساس»، وأنَّه قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول: أساسُ الكُتُبِ القرآن، وأساسُ القرآن الفاتحة، وأساسُ الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم.
стр. 29
ولم نقف على إسناده.
قال الرَّازيُّ: وسُمِّيت أساسًا لوجهين: أحدُهما: أنَّها أوّلُ سورةٍ من القرآن، فهي كالأساس، والثاني: [أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة] (١)، وهذه السورة مشتملة على (٢) ما لا بد منه في الإيمان، والصلاة لا تتم إلا بها (٣).
ولها أسماء أخر كـ «سورة الشكر»، و «سورة الدعاء» , و «سورة تعلم المسألة»، و «سورة الكنز» - لأنها من كنز تحت العرش -، و «أمُّ المحامد»، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 30
الفصل الرابع
في فضائلها وخصائصها
وهذه السُّورة العظيمة لها فضائلٌ وخصائصٌ عديدةٌ، ولم يثبت في فضائلِ شيءٍ من السُّور أكثر مما ثبت في فضلِها، وفضلِ «سورة الإخلاص»، ونذكرُ ما يحضرنا من فضائلِها:
الفضيلة الأولى: أنَّها أعظمُ سورةٍ في القرآن وأفضل، ففي «صحيح البخاريِّ» عن أبي سعيدٍ بن المُعلَّى قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أعلِّمك سورةً هي أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن تخرجَ من المسجدِ؟ ». قال: فأخذ بيدي، فلمَّا أرد أن يخرج من المسجد قلتُ: يا رسول الله، إنَّك قلتَ: لأُعلمنَّك أعظم سورة في القرآن. قال: «نعم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، هي السبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيته» (١).
стр. 31
وروى الإمامُ أحمدُ من حديثِ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عقيلٍ عن عبدِ الله بنِ جابرٍ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : «ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر عن [ ... ] (١) سورة في القرآن». قلت: بلى، يا رسول الله. قال: «اقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتَّى تختمها» (٢).
وعبدُ الله بنُ جابرٍ هذا هو: البياضيُّ الأنصاريُّ، وقيل: هو العبديُّ.
وروى النَّسائيُّ في «عمل اليوم والليلة»: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ عبدِ الكريم ثنا عليُّ بنُ عبدِ الحميدِ ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ عن ثابتٍ عن أنسٍ قال: كان رسولُ الله ﷺ في منزِلةٍ، فنزلَ ونزلَ رجلٌ إلى جانبِه، فالتفتُّ إليه، فقال: «ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ » قال: فتلى عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
وروى أبو عليٍّ الصَّوَّاف في «فوائدِه»: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
стр. 32
هاشمٍ ثنا سعيدُ (١) بنُ زنبور ثنا سليمُ أبو (٢) مسلمٍ عن الحسنِ بنِ دينارٍ عن يزيدَ الرِّشْك قال: سمعتُ أبا زيدٍ - وكانت له صحبة - قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ في بعضِ فِجَاجِ المدينة ليلاً، فسمعَ رجلاً يتهجَّدُ بأمِّ القرآن، فقام النبيُّ ﷺ فاستمعَ له حتَّى ختمَها، ثم قال: «ما في القرآن مثلُها».
وخرَّجه الطَّبرانيُّ في «الأوسطِ» عن إبراهيمَ بنِ هاشمٍ، وقال: لا يُروى هذا الحديثُ عن أبي زيدٍ عمرو بنِ أخطب إلا بهذا الإسنادِ، تفرَّد به سليم بن مسلم (٣).
وهذه الأحاديث صريحةٌ في أنَّ الفاتحةَ أفضلُ سورِ القرآن.
وقد اختلفَ في تفضيلِ بعضِ القرآن على بعضٍ، فأنكر قومٌ ذلك، قالوا: لأنَّه كلَّه كلامُ الله، وصفةٌ من صفاتِه, فلا يوصف بعضُه بالفضلِ على بعضٍ، وحُكي عن مالكٍ نحو هذا (٤)، وهو
стр. 33
قولُ الأشعريِّ وابنُ الباقلانيِّ وجماعةٌ.
وقيل: التفضيل يعودُ إلى ثوابِه وأجرِه، لا إلى ذاتِه، وهو قولُ طائفةٍ منهم ابنُ حِبَّان (١).
وقيل: بل التفضيلُ يعود إلى [ ... ] (٢) اعتبارين:
أحدهما: اعتبار تكلُّم الله به.
والثاني: اعتبار ما تضمَّنه من المعاني، فما تضمَّن التوحيد والتنزيه أعظم مما تضمَّن الإخبار عن الأُمم أو ذكر أبي لهب ونحو ذلك.
وهذا قولُ إسحاقَ وكثيرٍ من العلماء والمتكلِّمين، وهو الصَّحيحُ الذي تدلُّ عليه النُّصوصُ الصَّحيحة.
الفضيلةُ الثانية: أنَّه لم ينزل في القرآن، ولا في التَّوراةِ ولا في الإنجيلِ، مثلُها، فروى عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ عن العلاء بنِ عبدِ الرحمن عن أبيِه عن أبي هريرةَ عن أُبيِّ بنِ كعبٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «ما أنزل اللهُ ﵎ في التَّوراةِ ولا في الإنجيلِ مثل أمّ القرآن، وهي السَّبعُ المثاني». أخرجه عبدُالله بنُ
стр. 34
الإمامِ أحمدَ والنسائيُّ (١).
وأخرجهُ التِّرمذيُّ من حديثِ عبدِ العزيز بنِ محمدٍ عن العلاءِ عن أبيِه عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأُبيِّ بنِ كعبٍ: «أتحبّ أن أعلِّمك سورةً لم يُنزل في التَّوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزَّبورِ، ولا في الفرقانِ مثلُها؟ » قلت: نعم. قال: «كيف تقرأ في الصَّلاة؟ » فقرأتُ أمَّ القرآن، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيدِه ما أُنزل في التَّوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزبورِ، ولا في الفرقانِ مثلُها، وإنَّها سبعٌ من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيتُه». وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٢).
وأخرجه الإمامُ أحمد بنحوِه مختصرًا عن سليمانَ بنِ داود عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ عن العلاءِ به (٣).
وروى سعيدُ بنُ جبيرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قال: هي فاتحةُ الكتابِ (٤)، استثناها الله تعالى لأمَّة محمدٍ ﷺ ، فذخرها
стр. 35
لهم ولم يُعْطها أحدٌ قبل أمَّة محمدٍ ﷺ . رواهُ أبو عُبَيْدٍ (١).
الفضيلةُ الثالثة: أنَّها من كنزٍ من تحتِ العَرش، رَوينا من طريق صالحٍ المُرِّيِّ عن ثابتٍ البُنانيِّ عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله أعطاني فيما مَنَّ بهِ عليَّ: إنِّي أَعطيتُك فاتحةَ الكتابِ، هي مِنْ كنوزِ عَرشِي، قسمْتُها بَيني وبَينكَ نصْفين».
وعن عليِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: فاتحةُ الكتابِ، وآيةُ الكرسي، و ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، و ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]؛ هذه الآيات مُعَلَّقات بالعرشِ ليسَ بينهنَّ وبين الله حِجَابٌ. أخرجه أبو عَمرو الدَّانيِّ بإسنادِهِ في «كتاب البيان» (٢) له.
الفضيلةُ الرَّابعة: أنَّ هذه السُّورة مختصَّةٌ بمُناجاةِ الرَّبِّ تعالى، ولهذا اختصَّت الصَّلاةُ بها، فإنَّ المصلِّي يُناجي رَبَّه، وإنَّما يُناجي العبدُ رَبَّه بأفضلِ الكلامِ وأشرفِه، وهي مقسومةٌ بينَ العبدِ والرَّبِ نصفين، فنصفُها الأوَّل ثناءٌ للرَّبِّ ، والرَّبُّ تعالى يَسمَعُ مُنَاجَاة العَبدِ له، ويردُّ على المناجِي جوابَه ويسمعُ
стр. 36
دعاءَ العبدِ بعدَ الثناءِ ويُجيْبُه إلى سؤالِه، وهذه الخصوصيّةُ ليسَتْ لغيرِها من السُّوَرِ، ولم يثبت مثلُ ذلك في شيءٍ من القرآن إلا في خاتمة «سُورة البقرة»، فإنَّها أيضًا من الكنز الذي تحت العَرش، ويُجابُ الدُّعاءُ بها كدُّعاءِ الفاتحة، غيرَ أنَّ الفاتحةَ تمتازُ عليها مِن وجهين:
أحدُهما: الثناءُ أوَّلها وتلك لا ثناءَ فيها، وإنَّما فيها أخبارٌ عن الإيمانِ والفاتحة تتضمَّنُه.
والثاني: أنَّ دُعاءَ الفاتحة أفضل، وهو: هداية الصراط المستقيم الذي لا نجاة بدُونِهِ، وتلك فيها الدُّعاءُ بما هُوَ مِن لواحِقِ ذلك وتتماتِه، ولا يُمكن حُصُولُهُ بدُونِ هِدَايةِ الصِّراطِ المستقيم.
الفضيلةُ الخامسةُ: أنَّها متضمِّنة لمقاصِدِ الكتبِ المنزَّلةِ مِن السَّماءِ كلِّها، فذكرَ ابنُ أبي حاتمٍ بإسناده عن الحَسنِ قال: أنزل الله سُبحانه أربعمائة كتاب وأربعة كتب، جَمَعَهَا في أربعةِ كتبٍ: التَّوراة والإنجيل والزَّبور والقرآن، وجمع الأربعة في القرآن، وجَمع القرآن في المفصَّل، وجَمع المفصَّل في الفاتحةِ وجمع عِلم الفاتحةِ في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وروى أبو عُبيدٍ في «كتابِه» بإسنادِه: عن الحسنِ عن
стр. 37
النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ قرأَ فاتحةَ الكتابِ فكأنَّما قرَأَ التَّوراةَ والإنجيلَ والزَّبورَ والفرقان» (١).
ويَشهَدُ لهذا تسميتُها: أمَّ الكتاب، وأمُّ الشيء: أصْلُهُ ومجتمعُه.
وبيان اشتمال هذه السُّورة على جميع مقاصدِ الكتب المنزَّلة على وَجه الاختصار:
أنَّ الله إنَّما أرسَل الرُّسَلَ وأنزلَ الكتبَ لدُعائِه الخلق إلى مَعرفتِه وتوحيدِه، وعبادتِه ومَحبتِه والقُربِ منهُ والإنابةِ إليه؛ هذا هو مقصُود الرِّسالة ولبُّها وقُطبُ رحاها الذي تدور عليه، وما ورَاءَ ذلك فإنَّها مُكملاتٌ ومُتمماتٌ ولواحقٌ؛ فكلُّ أحدٍ مفْتقِرٌ إلى معرفة ذلك عِلْمًا، والإتيانِ بهِ عملاً، فلا سَعَادةَ للعَبدِ ولا فلاحَ ولا نجاةَ بدون هذين المقصَدين.
وسورةُ الفاتحةِ مُشتملةٌ على مَقاصِد ذلك، لأنَّها تضمَّنت التَّعريف بالرَّبِّ سبحانه بثلاثة أسماءٍ ترجعُ سائرُ الأسماءِ إليها، وهي: (اللهُ) وَ (الرَّبُّ) و (الرَّحمنُ)، وبُنيَتِ السُّورةُ على
стр. 38
الإِلهيَّة والرُّبوبيَّة والرَّحمة؛ فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مَبْنيٌّ على الإِلهيَّة، و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَبْنيٌّ على الرُّبوبيَّة، وطلبُ الهداية إلى صراطِه المستقيمِ مَبْنيٌّ على الرَّحمةِ، والحمدُ يتضمَّنُ الأمُورَ الثلاثة فهو تعالى محمودٌ على إلهيَّتِه ورُبوبيَّتِه ورَحمتِه.
والثَّناءُ والمجدُ كمالان لحمده، وتضمَّنت السُّورةُ: توحيدَ الإِلهيَّةِ والرُّبوبيَّةِ بقولهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولما كانَ كلُّ أحدٍ مُحتاجًا إلى طلبِ الهِدايةِ إلى الصراطِ المستقيمِ وسُلوكِه عِلْمًا ومعرفةً، ثم عَملاً وتلبُسًا = احتاجَ العبدُ إلى سُؤالِ ذلك وطَلبِه ممن هو بيدِه، وكان هذا الدُّعاءُ أعظمَ ما يَفتقِرُ إليهِ العبدُ ويَضطرُّ إليه في كلِّ طرفةِ عَيْنٍ، فإنَّ النَّاسَ ثلاثةُ أقسامٍ:
قسمٌ عَرَفُوا الحقَّ وحادُوا عنه: المغضوبُ عليهم.
وقسمٌ جَهِلُوهُ وهم: الضَّالون.
وقسمٌ عَرَفُوهُ وعَمِلُوا به وهم: المنعَم عليهم.
وكان (١) العَبدُ لا يملك لنفسِه نفعًا ولا ضرًّا احتاجَ إلى سؤالِ الهِدايةِ إلى صراطِ المنعَمِ عليهم، والتخلُّص من طريق أهل
стр. 39
الغَضَبِ والضَّلالِ ممن يَمْلِكُ ذلك ويقدرُ عليه.
وتضمَّنت السُّورةُ أيضًا: إثباتَ النُّبُوَةِ والمعادِ، أمَّا المعادُ: فمن ذِكْرِ يومِ الدِّين، وهو يومُ الجزَاءِ بالأعمال، وأمَّا النبُّوَّةُ: فمِن ذِكْرِ تقسيم الخلق إلى ثلاثةِ أقسامٍ، وإنَّما انقسمُوا هذه القِسْمَة بحسبِ النُّبوَّاتِ ومَعرفتِهم بها ومُتابعتهم لها.
فهذا قولٌ مختصرٌ يُبيِّنُ تضمَّن سُورةَ الفاتحةِ لجميعِ أصُولِ مقاصدِ الرِّسالةِ، والكتبِ المنزَّلة مِنَ السَّماءِ.
الفضيلةُ السَّادِسة: أنَّ سُورةَ الفاتحةِ شفاءٌ من كلِّ داءٍ، فهي شفاءٌ مِن الأمراضِ القلبيَّةِ، وشِفاءٌ من الأسقامِ البدَنيَّة؛ وقد تقدمَ عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «فاتحةُ الكتابِ شفاءٌ من كلِّ داءٍ إلا السَّام» (١). والسِّرُّ في ذلك: أنَّ القرآنَ كلَّه شفاءٌ عامٌ، فهو شِفاءٌ لأدْوَاءِ القلوبِ من الجهلِ والشكِّ والرَّيبِ وغيرِ ذلك، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧].
وهو أيضاً شفاءٌ لأدْوَاءِ الأجسامِ، وقد وَصَفَهُ اللهُ بأنَّه شفاءٌ مُطلقٌ في غير موضعٍ، فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا
стр. 40
هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، و (مِنْ) هُنا لبيانِ الجنسِ، لا للتبعيضِ.
وفي «سُنن ابنِ ماجه» من حديث عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «خَيرُ الدَّواءِ القرآن» (١).
فالقرآنُ كلُّه شفاءٌ، والفاتحةُ أعظمُ سُورةٍ فيه، فلها من خصوصيَّة الشِّفاءِ ما ليس لغيرِها، ولم يَزْل العارفون يتَداوَون بها من أسقامِهم، ويجدون تأثيرَها في البُرْءِ والشِّفَاءِ عاجلاً؛ ولكن ها هُنا نُكتةٌ ينبغي التفطُّنُ لها، وهي: أنَّ الرُّقا والتَّعاوِيذ بمنزلةِ السِّلاح، والسِّلاحُ يَحتاجُ تأثيرُهُ إلى قوّةِ الضَّاربِ به، وكون المحلّ قابلاً للتأثير، فالسِّلاَحُ بضارِبِه لا بحدِّهِ، فمتى كان السِّلاحُ سِلاحًا تامًا في نفسِه لا آفةَ فيه، والسَّاعِدُ الضَّارِبُ به قويٌّ، والمضرُوبُ به قابلٌ للقطعِ = أثَّر القطع لا مَحالة، ومتى تخلَّفَ شيءٌ من هذه الثَّلاثةِ = تخلَّف تأثيرُه.
وكذلكَ الرُّقا والتَعاويذُ تَستدعي قوةَ وهمَّةَ الفاعلِ وتأثيرَه وقبولَ المحلِّ للتأثير، فمتى تخلَّف الشِّفاءُ بهذه الرُّقا الشَّرعيَّة كان