← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 29577

كلمات السداد على متن الزاد

فيصل آل مبارك

Полный текст (394 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثم يرجعُ فيبيتُ بِمَنَىً ثلاثَ ليالٍ، فيرمي الجَمْرةَ الأولى وتلي مسجدَ الخيْفِ بسبعِ حَصَيَاتٍ (*) ويجعلُها عن يساره، ويتأخرُ قليلاً، ويدعو طويلاً، ثم الوسطى مِثْلَها، ثم جمرة العَقَبَة ويجعلُها عن يمينه، ويَستبطِنُ الوادي، ولا يقف عندها، يفعل هذا في كلِّ يومٍ من أيام التشريق بعد الزوال، مستقبلَ القِبْلةِ مرتِّباً، وإن رماه كلَّه في الثالث أجزأه، ويرتِّبُه بِنِيَّتِه، فإن أَخَّرَه عنه أو بها فعليه دمٌ، ومن تعجَّل في يومين خرجَ قبل الغروب، وإلا لزمه المبيتُ والرَّمْيُ من الغد، فإذا أراد الخروجَ من مكةَ لم يخرجْ حتى يطوفَ للوداعِ فإن أقام أو اتَّجَرَ بعده أعاده، وإن تركه غير حائضٍ رجع إليه، فإن شَقَّ أو لم يرجعْ فعليه دمٌ، وإن أَخَّر طوافَ الزيارة فِطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقفُ غيرُ الحائض بين الرُّكْن والباب داعياً بما ورد -وتقف الحائضُ ببابه وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارةُ قبر النبي ﷺ (*)، وقبري صاحبيه. ــ (*) قولُه: (بسبع حصيات)، وعنه يُجزئه خمسٌ، وعن سعد بن مالك ﵁ قال: رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضُنا يقول: رمَيْتُ بسبع حَصَيَاتٍ، وبعضُنا يقول: رميتُ بستِّ حَصَيَاتٍ، فلم يَعِبَ بعضُهم على بعض، رواه أحمدُ والنَّسائي. (*) قوله: (وتستحبُّ زيارةُ قبرِ النبي ﷺ ) إلى آخره، هذا قول الجمهور، والمرادُ بذلك: الزيارةُ المشروعةُ، فيسلِّمُ على النبي ﷺ ، ويُصلِّي عليه ويدعو له، وأما دعاؤُه والإقسامُ على الله به وسؤالُ الحوائجِ فلا يجوز بالإجماع، وهو شِرْكٌ ظاهرٌ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وكان ابنُ عمر إذا دخل المسجدَ قال: السلامُ عليك يا رسول الله، السلامُ عليك يا أبا بكر، السلامُ عليك يا أبتِ ثم ينصرف. رواه مالك في المؤطَّأ، قال الموفَّقَ في المُغني (١): ولا يستحبُّ التمسحُ بحائط قبرِ النبيِّ ولا تقبيلُه.

стр. 142

وصفةُ العمرةِ أن يُحرم بها من الميقات، أو من أدنى الحلِّ من مَكِّيٍ ونحوه، لا من الحَرَم، فإذا طاف وسعى و (حلق أو) قصَّر حَلَّ، وتُباح كلَّ وقتٍ، وتُجزئ عن الفَرْض. وأركانُ الحج: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الزيارةِ، والسَّعْي. وواجباتُه: الإحرامُ من الميقاتِ المُعْتَبَرِ له، والوقوفُ بعرفَةَ إلى الغروب والمبيتُ لغير أهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بمنىً ومزدلفة إلى بعد نصف الليل، والرَّمْيُ والِحلاَقُ، والوَداع. والباقي سُنن. وأركانُ العمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ. وواجباتُها: الحِلاقُ، والإحرامُ من ميقاتِها. فمن ترك الإحرامَ لم ينعقدْ نُسكَه، ومن ترك رُكناً غيره أو نيَّته لم يَتِمَّ نسكُه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 143

باب الفوات والإحصار من فاته الوقوفُ فاتَهُ الحجُّ وتحلَّل بعُمْرةٍ، ويقضي وُيهدي إن لم يكن اشترطَ (*)، ومن صدَّه عدوٌ عن البيت أهدى ثم حَلَّ، فإن فَقَدَه (١) صامَ عشرةَ أيامٍ ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عرفةَ تحلَّل بعُمرةٍ، وإن أَحْصَرَه مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ بقي مُحرماً إن لم يكن اشترط (*). ــ (*) قوله: (ويقضي ويُهدي إن لم يكن اشترط). قال في المقنع: ويتحلَّلُ بطواف وسَعْي، وعنه: أنه ينقلب إحرامُه لعمرةٍ ولا قضاءَ عليه، إلا أن يكون فرضاً، وعنه: عليه القضاءُ وهل يلزمه هَدْيٌ؟ على روايتين. (*) قوله: (وإن أحْصَرَه مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ بقي مُحرِماً إن لم يكن اشترط). قال في الاختيارات: والمُحْصَر بمرضٍ أو ذهابِ نفقةٍ حجَّ كالمُحْصَر بعدوٍ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومثلُه حائضٌ تعذَّر مُقامُها وحَرُمَ طوافُها ورجعتْ ولم تَطُفْ لجهلها بوجوبِ طوافِ الزيارةِ، أو لعَجْزها عنه، أو لذهاب الرُّفقة، في أصح ولا يَلزمُه قضاءُ حجِّه إن كان تطوعاً، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ا. هـ.

стр. 144

باب الهدي والأضحية والعقيقة أفضلُها إبلٌ، ثم بقرٌ، ثم غنمٌ، ولا يُجزئُ إلا جَذَعُ الضَّأْنِ وثني سواه؛ فالإبلُ خمسُ سنين، والبقرٍ سنتانِ، والمَعْزُ سنةٌ، والضَّأْنُ نصفُها، وتجزئ الشاةُ عن واحد، عن سبْعةٍ، ولا تجزئُ العَوْراء والعَجْفاءُ والعَرْجاءُ والهَتْماءُ (*) والجَدَّاءُ والمريضةُ والعَضْباءُ بل البَتْراء خِلْقةً، والجَمَّاءُ والخَصِيُّ غيرُ المجبوبِ وما بأُذُنِه أو قَرْنِه قطعُ أقل من النِّصف. والسُّنَّةُ نحرُ الإبل قائمةً معقولةً يدُها اليسرى، فيطعنُها بالحَرْبة في الوَهْدَةِ التي بين أصل العُنُق والصَّدْر، ويذبحُ غيرها، ويجوز عكسُها، ويقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك: ويتولاها صاحبُها أو يوكِّلُ مسلماً ويشهدُها. ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قَدْرَهُ إلى يومينِ (*)، ويُكْرَه في ليلتهما فإن فاتَ قَضَى واجبَه (*). ــ (*) قوله: (والهَتْماء). قال في الاختيارات: وتجزيُ الهَتْماء التي سقط بعضُ أسنانِها في أصح الوجهين. (*) قوله: (إلى يومين بعده). قال في الاختيارات: وآخرُ وقتِ ذبحِ الأضحيةِ آخرَ أيامِ التشريقِ، وهو قولُ الشافعيين، وأحد القولين في مذهب أحمد. (*) قوله: (فإن فاتَ قضى واجبه). قال في الشرح الكبير: إذا فات وقتُ الذَّبْح - ذبحِ الواجبِ- قضاه، وصنع به ما يصنع بالمَذْبوح في وقته، لأن حُكْمَ القضاءِ حكمُ الأداء، فأما التطوعُ فهو مخيَّر فيه، فإن فرَّق لحمها كان القربةُ بذلك دون الذبح؛ لأنه شاةُ لحمٍ وليست أضحيةً، وبهذا قال الشافعي. قال في الاختيارات: والأضحيةُ من النفقة بالمعروف، فتضحِّي امرأةٌ من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه، ومَدِينٌ لم يطالبه رب الدين. قال: والتَّضْحيةُ عن الميت أفضلُ من الصدقة بثمنها.

стр. 145

فصل ويتعينان بقوله: هذا هَدْيٌ أو أُضحيةٌ، لا بالنِّيَّة، وإذا تَعينتْ لم يجزْ بيعُها ولا هبتُها إلا أن يبدلَها بخيرٍ منها، ويَجُزُّ صُوفَها ونحوه إن كان أنفعَ لها ويتصدقُ به، ولا يُعطي جازِرَها أجرتَه منها، ولا يبيعُ جلْدَها ولا شيئاً منها؛ بل ينتفع به، وإن تَعَيَّبَتْ ذَبَحَها وَأَجْزأتْه، إلا أن تكونَ واجبةً في ذمتِه قبل التعيين. والأضحيةُ سُنَّةٌ، وذبحُها أفضلُ من الصدقة بثمنها، ويسنُّ أن يأكلَ ويُهدي ويتصدق أثلاثاً، وإن أكلها إلا أوقيةً تصدَّق بها جاز، وإلا ضمنها ويحرمُ على من يُضحِّي (*) أن يأخذَ في العَشْر من شَعرِه أو بشرتِه شيئاً. ــ (*) قوله: (ويحرم على من يضحي) في المقنع: ومن أراد أن يضحِّي ودخل العَشْرُ فلا يأخذ من شعره وبَشَرَتِه شيئاً، وهل ذلك حرام؟ على وجهين: قال في الحاشية المذهبُ أنه حرامٌ لحديث أم سلمة (١). وقال القاضي وجماعةٌ هو مكروهٌ غيرُ محرَّم، وبه قال مالك والشافعي لقول عائشة: كنتُ أَفتِلُ قلائدَ هَدْي رسولِ الله ﷺ ، ثم يقلِّدُها بيده ثم يبعثُ بها ولا يُحرَّم عليه شيءٌ أحلَّه الله حتى ينحرَ الهَدْيَ (متفق عليه) (٢). قال في الاختيارات: ومن عَدِمَ ما يُضَحى به ويَعق، اقترض وضحَّى وعقَّ مع القدرة على الوفاء.

стр. 146

فصل تُسنُّ عن الغلامِ شاتان، وعن الجاريةِ شاةٌ، وتُذبح يومَ سابعِه، فإن فاتَ ففي أربعةَ عشرَ، فإن فاتَ ففي إحدى وعشرين، وتنزع جُدُولاً ولا يُكسَر عظْمُها، إلا أنه لا يجزئ فيها شرك في دم ولا تُسنُّ الفَرَعةُ ولا العَتِيرة. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 147

كتاب الجهاد وهو فرضُ كفايةٍ، ويجبُ إذا حَضَرَهُ أو حَضَرَ بلدَه عدوٌ أو استنفرَهُ الإمامُ (*)، وتمامُ الرِّباط أربعونَ ليلةً، وإذا كان أبواه مسلمَيْن لم يجاهدْ تطوعاً إلا بإذنهما، ويتفقد الإمامُ جيشَه عند المَسيرِ، ويمنعُ المُخَذِّلَ والمرجِفَ، وله أن في بدايته الرُّبعَ بعد الخُمس، وفي الرجعة الثُّلثَ بعده، ويلزمُ الجيشَ طاعتُه والصبرُ معه، ولا يجوز الغزوُ إلا بإذنه، إلا أن يَفْجَأَهم عدوٌ يخافون في دار الحرب، وهي لمن شهد الوقعةَ من أهل القتال، فيُخرجُ الخُمُس، ثم يَقسم باقي الغنيمةِ: للراجلِ سهمٌ، وللفارس ثلاثةٌ: سهمٌ له وسهمان لفرسِه، ويشارك الجيشُ سراياه فيما غنمتْ، ويشاركونه فيما غَنِمَ، والغالُّ من الغنيمة يُحرقُ رَحْلُهُ ــ (*) قال في الاختيارات: ويجوز للإمام تفضيلُ بعضِ الغانمين لزيادةِ منفعتِه على الصحيح. قال في المقنع: وإذا قال الإمام: من أخذ شيئاً فهو له، أو فضَّل بعضَ الغانمين على بعض لم يَجُزْ في إحدى الروايتين، ويجوز في الأخرى أهـ. وقيل: يجوز لمصلحة، وإلا فلا، قال في الإنصاف: وهو الصواب، وقال في الاختيارات وتحريق رحل الْغَالِّ من باب التعزير لا الحد الواجب فيجتهد الإمام فيه بحسب المصلحة. قال في الاختيارات: ولا حقَّ في الفَيء، وليس لولاةِ الأمور أن يستأثروا منه فوقَ الحاجةِ كالإقطاعِ يصرفونه فيما لا يُغْنِي إليه، ويقدم للمحتاج على غيره في الأصح عن أحمد.

стр. 148

كلُّه، إلا السلاحَ والمصحفَ وما فيه روحٌ، وإذا غَنِموا أرضاً فتحوها بالسيف خُيِّر الإمامُ بين قَسْمِها ووقْفِها على المسلمين، ويَضْربُ عليها خَراجاً مستمراً يؤخذُ ممن هي بيدِه، والمَرْجعُ في الخَراجِ والجزيةِ إلى اجتهادِ الإمام، ومن عجز عن عَمارةِ أَرْضه أُجْبر على إجارتها، أو رفعِ يده عنها، ويجري فيها الميراث، وما من مالِ مشركٍ كجزيةٍ وخراجٍ وعُشر وما تركوه فزعاً، وخمس خمس الغنيمة ففيءٌ، يُصرَف في مصالح المسلمين. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 149

باب عَقْد الذِّمَّة وأحكامها لا يُعقد لغير المجوس وأهلِ الكتابَيْن ومن تَبِعهم، ولا يَعْقدها إلا الإمامُ أو نائبُه، ولا جِزْيةَ على صبيٍ، ولا امرأةٍ، ولا ولا فقيرٍ يَعْجز عنها، ومن صار أهلاً لها أُخذتْ منه في آخر الحَوْل، ومتى بذلوا الواجبَ عليهم لزم قبولُه، وحرم قتالُهم، ويمتهنون عند أَخْذِها، ويُطال وقوفُهم، وتُجَرُّ أيديهم. فصل ويَلْزم الإمامَ أخذُهُم بحكم الإسلام في النفسِ والمال والعرضِ، وإقامةِ الحدودِ عليهم فيما يعتقدون تَحْريمَه دون ما يعتقدون حِلَّه، ويلزمُهم التميُّزُ عن المسلمين، ولهم ركوبُ غير خيلٍ بغيرِ في المجالس، ولا القيامُ لهم، ولا بداءتُهم بالسلام، ويُمنعون من إحداثِ كنائسَ وبيعٍ وبناءِ ما انْهدَم منها ولو ظُلْماً، ومن تَعْلِيَةِ بُنيانٍ لا مساواته له، ومن إظهار خَمْرٍ وخِنْزيرٍ وناقوسٍ وجَهْرٍ بكتابِهم، وإن تَهَوَّدَ نصرانيٌ أو عكسه لم يُقَرَّ، ولم يُقْبلْ منه إلا الإسلامُ أو دينُه. فصل وإن أَبى الذميُّ بَذْلَ الجزيةِ أو التزامَ على مسلمٍ بقتلٍ أو زنا، أو قطعِ طريقٍ، أو تجسسٍ، أو إيواء جاسوسٍ، أو ذَكَرَ اللهَ أو رسولَه أو كتابَهُ بسوءٍ انتقضَ عهدُه دون نسائِه وأولادِه، وحَلَّ دمُه ومالُه. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 150

كتاب البيع (*) وهو مبادلةُ مالٍ ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممرِّ دارٍ بمثل أحدهما على التَّأْبيد، غير رباً وقرضٍ. وينعقدُ بإيجابٍ وقبولٍ بعدَه، وقبلَه ومتراخياً عنه في مجلسِهِ، فإن اشتغلا بما يَقْطعه بَطَل، وهي الصيغةُ القوليةُ، وبمعاطاةٍ وهي الفعلية. ويُشترط التراضي منهما، فلا يصحُّ من مُكرهٍ بلا حقٍّ. وأن يكون العاقدُ جائزَ التصرفِ، فلا يصحُّ تصرفُ صبيٍ وسفيهٍ بغير إذْنِ وَلِيٍّ. وأن تكون العينُ مباحةَ النفعِ من غيرِ حاجةٍ، كالبغلِ والحمارِ ودُودِ القزِّ وبِزْرِه، والفيلِ وسباعِ البهائمِ التي تصلُح للصيد، إلا الكلبَ، والحشراتِ (*)، والمصحف، والميتة، والسَّرْجِينَ النَّجِسَ (*)، ــ (*) في الاختيارات: وكلُّ ما عدَّه الناسُ بيعاً أو هبةً من متعاقبٍ أو متراخٍ من قولٍ أو فعلٍ انعقد به البيعُ والهبةُ أهـ. وكان شيخُنا سعدُ بنُ عَتِيْقٍ إذا قُرئَ في كلامه: عليه حُكْمُ الحاكمِ يرفعُ الخِلاف. (*) تنبيه: قوله: (والحشرات) عبارة المؤلف: (والحشرات والمصحف والميتة)، فلو عَبَّر بغيرها كان أولى، وعبارة الموفق وفي جواز بيعِ المصحف وكراهةِ شرائِه وإبدالِه روايتان، ولا يجوز بيعُ الحشراتِ والمَيْتة. قال في الإفصاح: واتفقوا على أن شراءَ المُصْحف جائزٌ، واختلفوا في بيعه، فكرهه أحمدُ وحدَه، وأباحه الآخرون من غير كراهة. (*) قوله: (السِّرْجِين النجس)، هذا المذهبُ، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز، لأن الأمصارَ يتبايعونه لزروعهم من غير نَكِير.

стр. 151

والأدْهان النجسة والمتنجِّسة (*)، ويجوز الاستصباحُ بها في غير مسجد. وأن يكون من مالكٍ أو من يقومُ مقامَه، فإن باع مِلْكَ غيرِه، أو اشترى بعينِ مالِه بلا إذنه لم يصحَّ (*)، وإن اشترى له في ذِمَّته بلا إذنه، ــ (*) قوله: (الأدهان النجسة والمتنجسة). قال الحافظ بن حجر على قوله ﷺ : (إنَّ اللهَ ورسولَه حَرَّما بيعَ الخمرِ والمَيتةِ والخنزيرِ والأصنامِ) (١)، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة. فإنها يُطْلَى بها السفنُ ويُدْهَنُ بها الجلودُ ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ؟ فقال: "لا هو حرام"، أي البيعُ، هكذا فسَّره بعضُ العلماء كالشافعي ومن اتبعه، ومنهم من حَمَل قولَه: (هو حرام) على الانتفاع، فقال: يَحْرم الانتفاعُ بها، وهو قول أكثر العلماء، فلا يُنتفع من الميتة أصلاً عندهم إلا ما خُصَّ بالدليل، وهو الجلدُ المدبوغُ، واختلفوا فيما يتنجَّسُ من الأشياء الطاهرة، فالجمهور على الجواز، وقال أحمدُ وابن الماجِشُون: لا ينتفع بشيء من ذلك، واستدلَّ الخطابيُّ على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من مات له دابةٌ ساغ له إطعامُها لكلاب الصيد، فكذلك يسوغ دَهْنُ السفينةِ بشحمِ الميتةِ، ولا فرق أهـ. (*) قوله: (فإن باع مِلْكَ أو اشترى بعَيْنِ مَالهِ بلا إِذْنه لم يصحَّ)، وعنه يصحُّ، ويقفُ على إجازةِ المالك، وبه قال مالك واسحق، وقال به أبو حنيفة في البَيْع، فأما الشراءُ فيقعُ للمشتري بكل حال، لحديث عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً ليشتريَ له شاةً فاشترى شاتَيْن، فباعَ إحداهُما بدينار. الحديث (٢).

стр. 152

ولم يُسَمِّه في العَقْد صحَّ له بالإجازة، ولزم المُشتري بعدمها مِلْكاً، ولا يباعُ غير المساكن مما فُتِح عَنْوةً (*)، كأرض الشامِ ومصرَ والعراق، بل تُؤَجَّر، ولا يصح بيعُ نَقْعِ البئر، ولا ما ينبتُ في أرضه من كَلأٍ وشَوْكٍ (*)، ويَمْلِكُه آخذُه. ــ (*) قوله (ولا يباع غير المساكين مما فتح عنوة). قال في الاختيارات، ويصح بيع ما فتح عنوة ولم يقسم من أرض الشام ومصر والعراق، ويكون في يد مشتريه بخراجه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي. (*) قوله: (ولا يصحُّ بيعُ نَقْعِ البئر، ولا ما يَنْبُتُ في أرضه من كَلأٍ وشَوْك). قال في الفروع: ولا يُمْلَكُ ماءُ عِدٍّ وكَلأٍ ومَعْدنٍ جارٍ بمِلْكِ الأرضِ قبل حِيازتِه وفاقاً لأبي فلا يجوز بيعُه كأرضٍ مباحةٍ إجماعاً، فلا يدخل في بيعٍ بل المشتري أحقُّ به، وعنه يَمْلِكُه من أرضه كالنَّتَاج، وفاقاً للشافعي ومالك في أرضٍ عادةُ ربِّها ينتفع بها إلا أرضَ بُورٍ. قال في الإفصاح: واختلفوا فيما يَفْضُلُ من حاجةِ من الماء في بئرٍ أو نهرٍ، فقال مالك: إن كانت في البَرِّيةِ فمالِكُها أحقُّ بمقدار حاجته منها، ويجب عليه بذلُ ما فَضَلَ عن في حائِطِه فلا يَلْزمُ الفاضِلُ إلا أن يكونَ جارُه زَرَعَ على بئرٍ فانهدمتْ، أو عينٍ فغارتْ؛ فإنه يجبُ عليه بذلُ الفاضِلِ له إلى أن يصلح جاره ا. هـ. وقال البخاري: (باب من قال: أن صاحبَ الماءِ أحقُّ بالماء (١) حتى يُروي)، لقول =

стр. 153

وأن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيعُ آبق وشاردٍ (*) وطيرٍ في ولا مغصوبٍ من غير غاصبِهِ، أو قادرٍ على أَخْذِهِ. وأن يكون معلوماً برؤيةٍ أو صفة، فإن اشترى ما لم يَرَهُ (*)، أو رآه وجهلَهُ، أو ــ = النبي ﷺ : (لا يُمنعُ فَضْلُ الماءِ) (١)، قال الحافظ: والمراد بالفضل ما زاد عن الحاجة، والمراد حاجةُ نَفْسِه وعيالِه وزرعِه وماشيتِه، إلى أن قال: وفيه أن مَحَلَّ النهيِ ما إن لم يجدِ المأمورُ بالبذل له ماء غيره، والمرادُ تمكينُ أصحابِ الماشيةِ من الماء، ولم يقلْ أحدٌ إنه يجب على صاحب الماء مباشرةُ سقي ماشية غيره مع قُدرة مالكٍ أهـ. ملخصاً. قوله: (ولا ما يَنْبُتُ في أرضِه من كَلأٍ وشوك). قال في الاختيارات: ويجوز بيعُ الكلأِ ونحوِهِ الموجود في أرضِه إذا قَصَد استنباتَه. (*) قوله: (فلا يصحُّ بيعُ آبقٍ وشاردٍ). قال ابن رشد: أجازه قومٌ بإطلاقٍ ومَنَعَه قومٌ بإطلاقٍ، وقال مالك: إذا كان معلومَ الصِّفةِ معلومَ الوضْعِ عند البائعِ والمُشتري جاز أهـ. وفرَّق في المغني بين من يَعْلَمُ أن البيعَ يَفْسُد بالعَجْزِ عن تسليمِ المبيعِ فيفسدُ البيع في حقِّهِ لأنه مُتلاعِبٌ، وبين من لا يَعْلَمُ ذلك فيصحُّ لأنه لم يقدم على ما يعتقده باطلا. (*) قوله: (فإن اشترى ما لم يره) إلى آخره. قال في المُقْنع: وعنه يصحُّ وللمشتري خِيارُ الرؤية. قال في الاختيارات: والبيعُ بالصِّفةِ السليمةِ صحيحٌ، وهو مذهبُ أحمد، وإن باعه لبناً موصوفاً بالذمة، واشْتَرَطَ كونَه من هذه الشاةِ أو البقرةِ صحَّ.

стр. 154

وُصف له بما لا يكفي سَلَماً لم يصح، ولا يُباعُ حَمْلٌ في بَطْنٍ ولبنٌ في ضَرْعٍ منفردين، ولا في فَأْرَتِهِ (*)، ونَوَىً في تَمْرٍ، وصوفٌ على ظَهْرٍ (*)، وفِجْلٌ ونحوه قَبْلَ قَلْعِه (*)، ولا يصح بيعُ المُلامسةِ والمُنابَذَةِ، ولا عَبْدٌ من عِبيد ونحوه، ولا استثناؤُه إلا مُعَيَّناً (*)، ــ (*) قولُه: (ولا مسك في فأرته). قال في الفروع: والمِسْكُ في فَأْرَتِهِ كالنَّوى في التمرِ، ويتوجَّهُ تخريجٌ واحتمالٌ يجوز، لأنها وِعَاءٌ له تصونُه وتحفظُه، فَيُشبِهُ ما مأكولُه في جَوْفِه، وتُجَّارُ ذلك يعرفونه فيها فلا غَرَرَ واختاره في الهدي ا. هـ. (*) قوله: (وصوفٌ على ظَهْرٍ). قال في المقنع: وعنه يجوز بشرط جَزِّه في الحال. (*) قوله: (وفِجْلٌ ونحوه قبل قَلْعِه)، قال في الاختيارات: ويصحُّ بيعُ المغروسِ في الأرضِ الذي يظهر ورقُه، كاللفت والجَزَرِ والقُلْقَاسِ والفِجْل والبصلِ، وشبه ذلك، قاله بعضُ أصحابنا. (*) قوله: (ولا عبدٍ من عبيدٍ ونحوه، ولا استثناؤُه إلا مُعَيَّناً). قال في المقنع: من عبيد، ولا شاةً من قَطيعٍ، ولا شجرةً من بستانٍ، ولا هؤلاء العبيد إلا واحداً غير مُعَيَّنٍ، ولا هذا القطيع إلا شاةً، وإن استثنى مُعَيَّناً من ذلك جاز. قال في الحاشية: ولا عبداً من عبيدٍ، لأنه غَرَرٌ، فيدخل في عمومِ النهي. وظاهرُ كلام الشريفِ وأبي الخطاب يصحُّ إنْ تساوتِ القيمةُ. وفي مفردات أبي الوفاء يصح عبد من ثلاثةٍ بشرطِ الخيار، وهو قول أبي حنيفة، وقال ابن رشد: واختلفوا في الرجل يبيعُ الحائطَ ويَسْتثني منه عدةَ نَخَلاتٍ بعد البيع، فَمَنَعه الجمهورُ لمكانِ اختلافِ صفةِ النخيل. وروي عن مالك إجازتُه، ومنع ابنُ القاسم قوله في النخلاتِ وأجازه في استثناءِ الغَنَم.

стр. 155

وإن استثنى من حيوانٍ يُؤكَلُ رأسَه وجِلْدَه وأطرافَه صحَّ، وعكسُه الشحمُ والحَمْلُ (*)، ويصحُّ بيعُ ما مأكولُه في جوفه كرُمَّانٍ وبِطِّيخٍ وبيعُ الباقِلاَّءِ ونحوِه في قِشْرِه، والحَبِّ المُشْتدِّ في سُنبلِه. وأن يكون الثمنُ معلوماً، فإن باعه برَقْمِهِ (*) أو بألفِ درهم ذهباً وفضةً (*) أو بما ينقطع به السعرُ أو بما باع به زيد وجَهِلاه أو أحدُهما لم يصحَّ، وإن باع ثوباً أو صُبرةً أو قطيعاً [من الغنم] كلَّ ذراعٍ أو قفيزٍ، أو شاةٍ بدرهم صحَّ، وإن باع من الصُبُرةِ كلَّ قفيز بدرهم (*)، ــ (*) قوله: (وإن استثْنَى من حيوانٍ يؤكل رأسَه وجلده وأطرافَه صحَّ، وعكسُه الشحمُ والحَمْلُ). قال في الاختيارات: ويصحُّ بيعُ الحيوانِ المذبوحِ مع جِلْدِه، وهو قولُ أكثر العلماء، وكذا لو أَفْرد أَحَدَهما بالبيع أهـ. وقال ابن رشد: فإن باعه ما يستباحُ ذَبْحُه، واستثنى عضواً له قيمةٌ بشَرْطِ الذَّبْحِ، ففي المذهب فيه قولان، أحدهما: أنه لا يجوز، وهو المشهور، والثاني: يجوز، وهو قولُ ابن حبيبٍ، جَوَّزَ بيعَ الشاةِ مع استثناءِ القوائمِ والرأسِ. (*) قوله: (فإن باعه بِرَقْمِه). قال في الاختيارات: ويصح البيعُ بالرَّقْمِ، نصَّ عليه أحمد، وتأوَّلَه القاضي وبما يَنْقطعُ به السعر وكما يبيع الناسُ، في مذهب أحمد، ولو باع ولم يُسَمِّ الثمنَ صحَّ بثمنِ المثلِ كالنِّكاح ا. هـ. (*) قوله: (وبألفِ درهمٍ ذهباً وفِضَّةً)، يعني لم يصحَّ للجهالة، ووجَّهَ في الفروع الصِّحَّةَ، ويلزمُ النصفُ ذهباً والنصفُ فضةً. (*) قوله: (وإن باع من الصُّبْرَةِ كلَّ قَفِيْزٍ بدرهمٍ) لم يصحَّ، هذا المذهبُ، وقيل يصح. قال ابن عقيل: وهو الأشبه؛ لأن (مِنْ) وإنْ أعطتِ البَعْضَ، فما هو بعضٌ مجهولٌ، واختاره صاحبُ الفائق.

стр. 156

أو بمائة درهم إلا ديناراً وعكسُهُ (*)، أو باع معلوماً ومجهولاً يتعذر علمُه ولم يقلْ كلٌّ منهما بكذا لم يصح، فإن لم يتعذر في المعلوم بقسطه، ولو باع مشاعاً بينه وبين غيره كعبد أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء صح في نصيبه بقسطه، وإن باع عبدَه وعبدَ غيره بغير إذنه، أو عبداً وحرًّا أو خَلاٌ وخَمْراً صفقةً واحدةً صح في عبده، وفي الخلِّ بقِسْطِه، ولمشترٍ الخيارُ إن جهل الحال. فصل ولا يصحُّ البيعُ ممن تلزمُه الجمعةُ بعد ندائها الثاني، ويصحُّ النكاحُ وسائرُ العقودِ (*)، ولا يصحُّ بيعُ عصيرٍ ممن يتخذه خَمْراً ولا سلاحٍ في فِتْنةٍ (*) ولا عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ، إذا لم يَعْتِقْ عليه، وإن أَسْلَم في يده أُجْبِرَ على إزالةِ مِلْكِه، ولا ــ (*) قوله: (أو بمائة درهم إلا ديناراً وعكسه). قال في المقنع: وإن باعه بمائةِ درهمٍ إلا ديناراً، لم يصحَّ، ذكره القاضي، يجيء على قول الخرقي أنه يصح. (*) قوله: (ويصحَّ النكاحُ وسائرُ العقود) قال في المقنع: في أصح الوجهين، وقال البخاري: باب المشي إلى الجمعة. وقولُ الله جلَّ ذِكْرُه: (فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله). وقال ابنُ عباس ﵁: يحرمُ البيعُ حينئذ، وقال عطاء: تَحْرُم الصناعاتُ كلُّها، وقال إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ عن الزهري: إذا أَذَّنَ المؤذِّنُ يوم الجمعةِ وهو مسافرٌ فعليه أن يَشْهد. قال الحافظ: وهل يصحُّ البيعُ مع القول بالتحريم؟ قولان مبنيان على أن النهي يقتضي الفسادَ مطلقاً، أو لا. (*) قوله: (ولا سلاحٍ في فتنةٍ). قال في المقنع: ويحتمل أن يصحَّ مع التحريم.

стр. 157

تكفي مكاتبتُه، وإن جمع بين بيعٍ وكتابةٍ، أو بيع وصَرْفٍ صَحَّ في غير الكتابة (*)، ويُقَسَّطُ العوضُ عليهما، ويَحْرُم بيعُه على بيعِ أخيه، كأن يقولَ لمن اشترى سِلْعةً بعشرة: أنا أُعطيك مِثْلَها بتسعة، وشراؤُه على شرائِه، كأن يقول لمن باع سِلْعةً بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفْسَخَ ويعْقِدَ معه، ويَبْطُلُ العقد فيهما. ومن باع ربوياً بنسيئةٍ واعْتاضَ عن ثمنه ما لا يُباع به نسيئةً (*)، أو باع به نَسِيئةً لا بالعكس لم يَجُزْ، وإن اشتراه بغير جِنْسِه، أو بعد قبضِ ثمنهِ، أو بعد تَغَيُّرِ صفتِه، أو من غير مُشتريه، أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز. ــ (*) قوله: (وإن جَمَعَ بين بيعٍ وكتابةٍ أو بيعٍ وصَرْفٍ صحَّ في غير الكتابة). قال في المقنع: وإن جمع بين بيعٍ وإجارةٍ وصَرْفٍ صح فيهما ويُقَسَّطُ العوضُ عليهما في أحد الوجهين، قال في الحاشية: وهذا المذهبُ لأنهما عينان يجوزُ العوَضُ عنهما مُنفردَيْن، فجاز أخذُ العِوَضِ عنهما مجتمعين، كالعبدين، واختلافُ حُكمِهما لا يمنع الصحة، كما لو جمع بين ما فيه شُفعةٌ وما لا شُفْعةَ فيه، ومثلُه لو أو بيعٍ ونكاحٍ ا. هـ. (*) قوله: (ومن باع رِبَوياً بنسيئةٍ واعتاضَ عن ثمنه ما لا يباعُ به نسيئةً) كثمن بُرٍّ اعتاضَ عنه بُرّاً أو غيره من المكيلات لم يَجُزْ، وهذا المذهبُ قال في المغني: والذي يقوى عندي جوازُه إذا لم يَفْعلْه حيلةً ولا قَصَدَ ذلك في ابتداء العِقْدِ وجوَّزه الشيخُ تقي الدين لحاجةٍ.

стр. 158

باب الشروط في البيع منها: صحيح كالرَّهْنِ (المُعَيَّنِ)، وتأجيلِ الثمنِ، وكونِ العبدِ كاتباً، أو أو مسلماً، والأَمةِ بِكْراً، ونحوِ أَنْ يَشْترَطَ البائعُ سُكْنَى الدارِ شهراً، أو حِمْلانَ البعيرِ إلى موضعٍ مُعيَّنٍ، أو شَرَطَ المُشتري على البائع حَمْلَ الحَطَبِ أو تَكْسيَره، أو خياطةَ الثوبِ أو تفصيلَهُ، وإن جمع بين شَزطين بَطَلَ البيعُ (*). ــ * قوله: (وإن جَمَع بين شَرْطين بَطَلَ البيع)، وعنه يصح، اختاره الشيخ تقي الدين، وهو الصحيح لقول النبي ﷺ : "من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائةً شرط" (١)، قال الحافظ: قوله: وإن كان مائةَ شرطٍ، وإن احْتَمَلَ التأكيد لكنه ظاهرٌ في أن المراد به التعدُّدُ، وذِكْرُ المائة على سبيل المبالغة والله أعلم. وقال القرطبي: يعني أن الشروطَ غير المشروعةِ باطلةٌ أن الشروطَ المشروعةَ صحيحةٌ انتهى. ويؤيده قوله ﷺ : (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حراماً) (٢). وفسر في النهاية قوله ﷺ : (لا شرطان بيع) (٣)، إنه كقول البائع بعتُك هذا الثوبَ نقداً بدينار، ونسيئةً بدينارين، وهو كالبيعتين في بيعة.

стр. 159

ومنها: فاسدٌ يُبْطِلُ العَقْدَ، كاشتراط أحدهما على الآخر عَقْداً آخرَ، كسِلَفٍ وقرضٍ، وبيعٍ، وإجارةٍ، وصَرْفٍ، وإن شرط أنْ لاَ خسارةَ عليه أو متىَ نَفَقَ المبيعُ وإلا رَدَّهُ، أو لا يبيعُ ولا يَهَبهُ ولا يَعْتِقهُ، أو إن أَعْتَقَ فالولاءُ له، أو أنْ يفعلَ ذلك بطل الشَّرطُ وحدَه، إلاَّ إذا شَرَط العتقَ، وبعتُك على أن تَنْقُدَني الثمنَ إلا ثلاثٍ، وإلاَّ فلا بَيْعَ بيننا صحَّ، وبعتُك إن جئتني بكذا، أو رَضِيَ زيدٌ (*)، أو يقول للمرتَهِنِ: إن جئتك بحقِّك وإلا فالرهنُ لك، لا يصحُّ البيعُ (*)، وإن باعه وشَرَطَ البراءةَ من كل عيبٍ مجهولٍ لم يبرأْ (*)، وإن باعه داراً على أنها عشرةُ أذرعٍ فبانتْ أكثرَ أو أقلَّ صحَّ، ولمن جَهِلَه وفاتَ غرضُهُ الخيارُ. ــ (*) قوله: (بعتك إن جئتني بكذا أو رضي زيد ... لا يصح البيع)، قال في الاختيارات: ولو قال البائع: بعتك إن جئتني بكذا وإن رضي زيد صح البيع والشرط، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وتصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، انتهى. (*) قوله: (إن جئتُك بحقِّك وإلا فالرهنُ لك لا يصح البيع)، هذا قولُ الجمهور لقوله ﷺ : (لا يغلق الرهن من صاحبه) (١)، وقال الشيخ تقي الدين لا يبطل وإن لم يأته صار له. (*) قوله: (لم يَبْرأ) قال في المقنع: وعنه يَبْرأُ إلا أن يكون البائعُ عَلِم العَيْبَ فَكَتَمه، قال في الاختيارات: والصحيحُ في مسألة البيعِ بشرط البراءةِ من كل عيبٍ، والذي قَضَى به الصحابةُ وعليه أكثرُ أهلِ العلم، إذا لم يكن علمٌ بذلك العيبٍ فلا ردَّ للمشتري، ولكن إذا ادَّعى أن البائعَ عَلِم بذلك فأنكرَ البائعُ حَلَفَ أنه لم يعلمْ فإن نَكَلَ قضى عليه.

стр. 160

باب الخيار (*) وهو أقسام: الأول: خيار المَجْلِسِ، يَثبتُ في البيع- والصلحُ بمعناه- والإجارة والصَّرْف والسَّلَم دون سائر العقود، ولكلِّ من المتبايعين الخيارُ ما لم يَتفرَّقا عُرْفاً بأبدانهما، وإن نَفَياه أو أَسْقطاه سَقَط، وإن أسقطَهُ أحدُهما بقي خيارُ الآخر، وإذا مضتْ مدتُه لَزم البيعُ ... والثاني: أن يشترطاه في العَقْد مُدةً معلومةً ولو طويلةً، وابتداؤُها من العقد، وإذا مضت أو قَطَعاه بَطَلَ، ويَثبتُ في البيع - والصلحُ بمعناه - والإجارةُ في على مدةٍ لا تلي العَقْدَ، وإن شَرَطاه لأحدِهما دون صاحِبه صحَّ، وإلى الغدِ أو الليلِ يَسقطُ بأَوَّلِهِ، ولمن له الخيار الفسخُ، ولو مع غَيْبةِ الآخَر وسخطِه، والْمُلْك مدَّةَ الخيارَيْنِ للمشتري، وله نماؤُه المنفصلُ وكَسْبُه، ويَحْرُم ولا يصحُّ تصرفُ أحدِهما في المبيع وعوضُه المعيَّن فيها بغير إذْنِ الآخَرِ بغير تَجْرِبة المبيع، إلا عَتْق المشتري، وتصرفُ المشتري فسخٌ لخيارِه، ومن مات منهما بَطَلَ خيارُه. ــ (*) قال في الاختيارات: ويثبتُ خيارُ المجلس في البيع، ويثبتُ في كل العقود، ولو طالت المدةُ، فإن أَطْلَقا الخيارَ ولم يوقِّتاه لمدةٍ تَوَجَّه أن يَثْبُتَ ثلاثاً لخبر حَبَّان بن مُنْقِذ (١).

стр. 161

الثالث: إذا غُبِنَ في المبيع غَبْناً يَخْرُج عن العادةِ (*)، بزيادة الناجِشِ (١) والمُسْترِسل (٢). الرابع: خيارُ التَّدْليس، كتَسْويةِ (٣) شعرِ الجاريةِ وتَجْعيدهٍ، وجَمْعِ ماء الرَّحَى وإرسالِه عند عَرْضِها. الخامس: خيارُ العيبِ، وهو ما يُنْقِصُ قيمةَ المبيعِ كَمَرَضِه، وفَقْدِ عُضْوٍ أو سِنٍّ أو زيادتهما، وَزِنَى الرَّقيقِ وسرقتِه وإباقِه وبولِه في الفراش، فإذا عَلِمَ المشتري العيبَ ما بين قيمةِ الصِّحةِ والعيبِ، أو رَدَّه وأَخَذَ الثَّمَنَ، وإن تَلِفَ المبيعُ أو أعتق العبد وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كَسْرِه كجَوْزِ هنْدٍ وبيضِ نَعَام فَكَسَره ــ (*) قال في الإفصاح: واتفقوا على أن الغبن في البيع بما لا يفحش لا يؤثر في صحته، ثم اختلفوا إذا كان الغبن فيه بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة، فقال مالك وأحمد: يثبت الفسخ، وقدره مالك بالثلث، ولم يقدره أحمد، بل قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابه: حده الثلث كما قال مالك وقال غيره، ومنهم من حدَّه بالسدس، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يثبت الفسخ بحال، وعلى هذا فهو محمول على بيع المالك البصير.

стр. 162

فَوَجَدَهُ فاسداً فأمسكه فله أَرْشُه (*)، وإن ردَّه ردَّ أرشَ كَسْرِه، وإن كان كبيضِ دجاجٍ رَجَع بكلِّ الثمنِ، وخيارُ عيبٍ متراخٍ ما لم يوجدْ دليلُ الرِّضَى، ولا يفتقرُ إلى حكمٍ ولا رضاً، ولا حضورِ وإن اختلفا عند مَنْ حَدَثَ وإن لم يحتمل إلا قول أحدِهِما قُبِلَ بلا يمين. السادس: خيارٌ في البيع بتخييرِ الثمنِ متى بان، أقل أو أكثر، ويَثبتُ في التَّولِيةِ (١) والشركةِ والمُرابحةِ (٢) والمُواضعةِ (٣)، ولابد في جميعها من معرفة المُشْترِي رأسَ المالِ، وإن اشترى بثمنٍ مؤجَّلٍ، أو أو بأكثر من ثمنه حيلةً أو باع بعضَ الصَّفْقةِ بقِسْطِها من الثمنِ ولم يُبَيِّنْ ذلك في تخييره بالثمن، فلمشترٍ الخيارُ بين الإمساكِ والرَّدِّ، وما يُزاد في ثمنٍ، أو يُحَطُّ منه في مدة خِيارهِ، أو يُؤخذُ أَرْشاً لعيبٍ، أو جنايةٍ عليه، يَلْحَقُ برأس ماله، ويُخْبَرُ به وإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم يُلْحَقْ به، وإن أُخْبِر بالحال فَحَسَنٌ. ــ (*) قوله: (أَمْسَكَهُ بأَرْشِه)، وعنه ليس له أَرْشٌ إلا إذا تعذر ردُّه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واختاره الشيخ تقي الدين، قال: وكذلك يقال في نظائره كالصفقة إذا تفرَّقتْ، قال في الإنصاف: واختار شيخُنا في حواشي الفروع أنه إن دلَّس العيب خُيِّر بين الردِّ والإمساكِ بلا أَرْش ...

стр. 163

السابع: خيارٌ لاختلافِ المتبايعَيْن، فإذا اختلفا في قَدْر الثمن تَحَالَفَا (*)، فيحلِفُ البائعُ أولاً ما بعْتُه بكذا وإنما بِعْتُه بكذا، ثم يَحْلِفُ المُشتري ما اشتريتُه بكذا وإنما اشتريتُه بكذا، ولِكُلٍّ الفسخُ إذا لم يَرْضَ أحدُهما بقول ــ (*) قوله: (تحالفا) لحديث ابن عباس مرفوعاً: (البيِّنةُ على المدَّعِي واليمينُ على من أَنكر)، وكلّ منهم مُدَّعٍ ومُنْكِرٌ، وعنه يُقبل قولُ بائعٍ مع يمينه لحديث ابن مسعود مرفوعاً: (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيِّنةٌ فالقولُ ما يقول ربُّ السِّلْعةِ أو يتتاركان) (١)، رواه الخمسة وصححه الحاكم. وقوله: (يتتاركان) أي يتفاسخان قال أبو داود (٢): باب إذا اختلفَ المتبايعان والمبيعُ قائمٌ، وساق الحديثَ عن محمد بن الأشعث من دقيقِ الخُمس من عبد الله بعشرين ألفاً، فأرسلَ عبدُ الله إليه في ثَمنِهم، فقال: إنما أخذتهم بعشرة آلاف، فقال عبدالله: فاختر رجلاً يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنت بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا اختلف البيِّعانِ وليس بينهما بينةٌ فهو ما يقول ربُّ السلْعة أو يتتاركان) (٢). وقال الترمذي: قال ابنُ منصور: قلت لأحمد: إذا اختلف البيِّعانِ ولم تكن بينةٌ، قال: القولُ ما قال ربُّ السلعةِ أو يترادَّان، قال إسحق كما قال، وكلُ من قال: القولُ قولُه فعليه اليمين. وقد رُوي نَحْوُ هذا عن بعض التابعين، منهم شُرَيحٌ ا. هـ.

стр. 164

الآخَر، فإن كانت السلعةُ تالفةً رجعا إلى قيمةِ مثلِها، فإن اختلفا في صِفَتِها فقولُ مُشْترٍ، وإذا فُسِخَ العقدُ انفسخ ظاهراً وباطناً، وإن اختلفا في أَجَلٍ أو شَرْطٍ فقولُ مَنْ يَنْفيه، وإن اختلفا في عَيْنِ وإن أَبَى كل منهما تَسْليمَ ما بيده حتى يقبضَ العِوَضَ -والثَّمَنُ عَيْنٌ - نُصِّبَ عَدْلٌ يَقبِضُ منهما ويسلّمُ المَبيعَ ثم الثَّمنَ، وإن كان دَيْناً حالاً أُجْبر بائعٌ ثم مُشْترٍ وإن كان غائباً في البلد حُجِر عليه في المَبيع وبقية وإن كان غائباً بعيداً عنها، أو المشتري مُعْسِراً (*) في الصفةِ وتَغَيُّرِ ما تَقَدَّمتْ رؤيتُه. فصل ومن اشترى مكيلاً ونحوه (*) صحَّ ولزمَ بالعقد، ولم يصحَّ تصرفُه فيه حتى يقبضَه، وإن تَلِفَ قبل قَبْضِه فمن ضَمان البائع، وإن تلف بآفةٍ ــ (*) قوله: (أو المشتري مُعْسِراً) قال الشيخ تقي الدين: أو مُماطِلاً، قال في الإنصاف: وهو الصواب. (*) قوله: (ومن اشترى مَكِيْلاً ونَحْوَه) إلى آخره، قال في الاختيارات: ويَمْلِكُ المُشتري المبيعَ بالعقد، ويصح عتقُه قبل القبضِ إجماعاً فيهما، ومن اشترى شيئاً لم يبعْه قبلَ قبضِه، سواء المكيلُ والموزونُ وغيرُهما، وهو روايةٌ عن أحمد، اختارها ابنُ عقيل، ومذهب الشافعي، ورُوي عن ابنِ عباس ﵁. وسواء كان المبيعُ من ذلك تدلُّ أصولُ أحمدَ إلى أن قال: وعلةُ النهي قبل القبضِ ليست تَوالِي الضَّمانين، بل عَجْزُ المشتري عن تسليمِه، لأن البائع قد يسلِّمه وقد لا يسلِّمه، لا سيَّما إذا رأى المشتري قد رَبح فيسعى في ردَّ المبيعِ إما بحُجَّةٍ أو باحتيالٍ في الفَسْخ، وعلى هذه العلَّةِ تجوزُ التوليةُ في المبيعِ قبل قَبضِه وهو مخرَّجٌ من جواز بيع الدَّين ا. هـ.

стр. 165

سماويةٍ بَطَلَ البيعُ، وإن أتلفه آدميٌ خُيِّر مشترٍ بين فسخٍ وإمضاءٍ، ومطالبةُ مُتْلفِه بِبَدِلِهِ، وما عداه يجوزُ تصرفُ المشتري فيه قَبْلَ قبضِه، وإن تَلفَ ما عدا المبيعُ بكيلٍ ونحوِه فمن ضمانِه ما لم يَمنْعه بائعٌ من قَبْضِه، ويحصل قبضُ ما بِيْعَ بكيلٍ أو وزنٍ أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ بذلك، وفي صُبْرَةٍ وما يُنْقَلُ بِنَقْلِه، وما يُتناول بتناولِه، وغيرُه بتَخْلِيَتِه، والإقالةُ: فَسْخٌ تجوزُ قبل قبضِ المَبيعِ بمثل الثَّمنِ، ولا خيارَ فيها ولا شُفعةَ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 166

باب الربا والصرف يَحرُم ربا الفَضْلِ (*)، في مَكِيلٍ وموزونٍ بِيْعَ بجنسِه، ويجب فيه الحُلولُ والقبضُ، ولا يُباع مكيلٌ بجنسه إلا كيلاً، ولا موزونٌ بجنسه إلا وزناً، ولا بعضُه ببعض جُزافاً، فإن اختلف الجنسُ جازت الثلاثةُ. والجِنْس: ما له اسمٌ خاصٌ يشملُ أنواعاً كَبُرٍّ ونحوِه، وفروعُ الأجناس أجناسٌ كالأدقَّةِ والأَخْبازِ والأدهانِ، واللحمُ أجناسٌ باختلافِ أصولهِ، وكذا اللبنُ والشحمُ والكبدُ أجناس، ولا يصح بيعُ لحمٍ بحيوانٍ من جنسِه، ويصح بغير جنسِه، ولا يجوز بيعُ حَبٍّ بدقيقِه ولا سويقه، ولا نِيْئِه بمطبوخِه، وأَصْلِه بعصيرِه، وخالصِه بَمشُوبِه (*) ورَطْبِه بيابِسه، ويجوز بيعُ دقيقهِ بدقيقهِ إذا استويا في النُّعومةِ، ومطبوخِه بمطبوخِه، وخُبزِه بخبزِه، إذا استويا في النشاف وعصيرِه بعصيرِه ورَطْبِه برَطْبِه. ــ (*) قال في الاختيارات: والعِلَّةُ في تحريم ربا أو الوزنُ مع الطَّعْم، وهو روايةٌ عن من الذهبِ والفضةِ بجنسِه من غير اشتراطِ التَّماثُلِ، ويُجْعلُ الزائدُ في مُقابلةِ الصِّيغةِ، إلى أن قال: ويحرم بيعُ اللحم بحيوانٍ من جنسه مقصود اللحم، ويجوز بيعُ الموزوناتِ الرِّبَويةِ بالتحرِّي، وقال مالك: وما لا يُخْتَلَفُ فيه الكيلُ والوزنُ مثل الأَدْهان يجوز بيع بعضِه ببعضٍ كَيْلاً ووزناً، وعن أحمد ما يدلُّ على ذلك ا. هـ. (*) قوله: (وخالصِه بمَشُوبِه)، قال في الاختيارات: وظاهرُ مذهب أحمد جوازُ بيعِ السيفِ المُحَلَّى بجنسِ حلْيتهِ، لأن الحلْيَةَ ليس بمقصودةٍ، ويجوز بيعُ فضَّةٍ لا يقصد غشّها بخالصةٍ مِثْلاً بِمثْلٍ.

стр. 167

ولا يباع رِبَويٌ بجنسِه، ومعه أو معهما من غير جنسِهما (*)، ولا تمرٌ بلا نَوىً بما فيه نوىً، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوىً، ولبنٌ وصوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزن لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي ﷺ ، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه (*). فصل ويَحرمُ ربا النسيئة في بيع كلِّ جنسين اتَّفقا في عِلَّة ربا الفَضْلِ ليس أحدُهما نقداً، كالمكيلين والمَوْزونَيْن، وإن تفرَّقا قبل القبضِ بَطَلَ، وإن باع مَكيلاً بموزونٍ جاز التفرُّقُ قبل القبضِ والنَّسَإِ، وما لا كَيْلَ فيه ولا وزن، كالثياب والحيوان فيه النَّسَأُ، ولا يجوز بيعُ الدَّين بالدَّين (*). ــ (*) قوله: (ولا يباعُ رِبَويٌ بجنسِه ومعه أو معهما من غير جنسِهما)، قال في الاختيارات: وتجوز مسألةُ مد عَجْوةٍ وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة. (*) قوله: (مَرَدُّ الكَيْلِ لعُرْفِ المدينة والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زمنَ النبي ﷺ ، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِرَ عُرْفُه في موضعه)، قال في الإفصاح: فأما قولُهم: إن الكَيْلَ كيلُ المدينة، والميزانَ ميزانُ مكة، فإن أصلَ المسلمين الذين بَنَوا عليه في بيعِ التمرِ بالتمرِ هو فعلُ رسول الله ﷺ بالمدينة، وذلك التمرُ فهو يتيسر كيلُه، فيكون العِيَارُ فيه هو الكيل، فأما التمورُ التي بِسَوادِ العراق وغيرها من الأراضي التي يَغْشَى نخيلَها المياهُ، فإنها لا يُتصوَّرُ فيها المماثلةُ في الكيلِ ولا يجوز إلا بالوزن انتهى. قال في الفائق: وقال شيخنا: يعني به الشيخ تقي الدين إنْ بِيعَ المَكيلُ بجنسه وزنًا ساغ. (*) قوله: (ولا يجوز بيع الدَّين بالدَّين). قال في الاختيارات: وإن اصَطَرَفا دَيْناً في ذمتهما جاز، وحكاه ابن عبد البَرِّ عن أبي حنيفة ومالك خلافاً لما نصَّ عليه أحمد.

стр. 168

فصل ومتى افْترقَ المُتصارِفانِ قَبْلَ قبضِ الكُلِّ أو البعضِ بَطَلَ العقدُ فيما لم يُقبض، والدراهمُ والدنانيرُ تتعيَّنُ بالتعيينِ في العَقْدِ فلا تبدل (*)، وإن وجَدَهَا مغصوبَةً بَطَلَ، ومَعِيبةً من جنسِها أَمْسَك أو رَدَّ، ويَحرمُ الرِّبا بين المسلم والحَرْبيِّ وبين المسلمين مُطلقاً في دار إسلام أو حَرْب. ــ * قوله: (والدراهم والدنانير بالتعيينِ في العَقْد فلا تبدل)، وعنه لا تتعيَّنُ فلا في الاختيارات: ولا يشترط الحلولُ والتقابضُ في صَرْفِ الفُلوسِ وهو رواية عن أحمد نقلها أبو منصور، واختارها ابن عقيل.

стр. 169

باب بيع الأصول والثمار إذا باع داراً شمل أرضَها وبناءَها وسقْفَها والبابَ المنصوبَ والسُّلَّم والرَّفَّ المَسْمُورَيْن والخابيةَ المدفونَةَ، دون ما هو مُودَعُ فيها من كَنْزٍ وحجرٍ، ومن فصلٍ منها كحبلٍ ودَلْوٍ وبَكرَةٍ وقُفلٍ وفَرشٍ ومِفْتاحٍ (*)، وإن باع أرضاً ولو لم يَقُلْ بحقوقها شمل غَرْسَها وبناءها، وإن كان فيها زرعٌ كَبُرٍّ وشَعيرٍ فلبائعٍ مُبْقَىً، وإن كان يُجَزُّ أو يُلْقَطُ مِراراً فأصولُه للمشتري، والجَزَّةُ واللَّقْطَةُ الظاهرتان عند البيع للبائع، وإن اشترطَ المُشتري ذلك صحَّ. فصل ومن باع نخلا تَشقَّق طْلعُهُ (*) فلبائعٍ مُبْقَىً إلى الْجَذاذ، إلا أن يشترطه مُشترٍ، وكذلك شجرُ العنبِ والتوتِ والرمانِ وغيره، وما ظهر من نَوْرِه كالمِشْمِش والتفاح، وما خرج من أَكْمامه كالورد والقُطْن، وما قبل ذلك والوَرَق فلمشترٍ، ولا يباع ثمرٌ قبل بُدُوِّ صلاحِه، ولا زرعٌ قبل اشتدادِ حَبِّه، ولا رَطْبةٌ وبَقْلٌ ولا قِثَّاءٌ ونحوه دون الأصل إلا بشرط القَطْعِ في الحال (*) أو ــ (*) قوله (ومفتاح)، قال في المقنع: ما كان مصالحُها كالمفتاحِ وحَجِرِ الرَّحَى والفَوْقَاني فعلى وجهين اهـ. والصحيح أن ذلك يتبع العُرْفَ والعادةَ. (*) قوله: (ومن باع نَخْلاً تَشقَّقَ طَلْعُه) إلى آخرِه، وعنه الحكمُ منوطٌ بالتَّأْبِيرِ، بالتَّشققِ لظاهرِ الحديثِ وقبلَه للمُشتري، اختاره الشيخ تقي الدين. (*) قوله: (ولا قِثَّاءَ ونحوه كباذِنْجَانٍ دون الأصل إلاَّ بشرطِ القَطْع في الحال)، وقال في الاختيارات: والصحيحُ أنه يجوز بيعُ المَقَاثي جُملةً بعُروقِها سواء بدا صلاحُها أوْ لا، =

стр. 170

جَزَّةً جَزَّةً، ولَقْطةً لقطةً، والحصادُ واللقاطُ على المشتري. وإن باعه مطلقاً أو بشرط البقاء، أو اشترى ثمراً لم يَبْدُ صلاحُه بشرط القَطْعِ وتَركَهُ حتى بدا، أو جَزَّةً أو لُقطةً فَنَمَتا، أو اشترى ما بدا صلاحُه وحصل آخر واشتبها (*)، أو عرية فأثمرتْ بَطَلَ، والكلُّ للبائع، وإذا بدا ما له صلاحٌ في الثمرةِ واشتدَّ الحَبُّ جاز بيعه مطلقاً، وبشرط التَّبقيةِ، وللمشتري تَبْقِيَتِةٌ إلى الحصاد والجِذاذ، ويلزم البائع سَقْيُه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرَّر الأصلُ، وإن تلفتْ بآفةٍ سماويةٍ رجع على البائع (*)، ــ = وهذا القولُ له مأخذان، أحدهما: أن العُروقَ كأصولِ الشجرِ، فبيعُ الخُضْرواتِ قبل بُدُوِّ صلاحِها كبيع الشجرِ بثمرِه قبل بدوِّ صلاحِه يجوز تبعاً، والمأخذُ الثاني: وهو الصحيحُ أن هذه لم تدخلْ في نَهْيِ النبيِ ﷺ بل يصح العقدُ على اللُّقَطَةِ الموجودةِ واللُّقَطَةِ المعدومةِ إلى أن تَيْبَسَ المقثاة، لأن الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، ويجوز بيعُ المَقَاثي دون أُصولها، وقاله بعضُ أصحابنا ا. هـ. (*) قوله: (أو اشترى ما بدا صلاحُه وحصل آخر واشْتَبَها) بَطَلَ، وعنه لا يَبْطُل ويشتركان في الزيادة. (*) قوله: (وإن تلف بآفةٍ سماويةٍ رَجَعَ على البائع)، قال في المقنع: وعنه إن أتلفتِ الثلثَ فصاعداً ضَمنَه البائعُ وإلا فلا. قال في الإفصاح: واختلفوا فيما إذا أصابتِ الثمارَ جائحةٌ، فقال أبو في قوليه، وهو أظهرُهما: جميعُ ذلك من ضمان المشتري، ولا يجب له وَضْعُ شيءٍ منها. وقال مالك: تُوضَع الجائحةُ إذا أتتْ على ثلثِ الثمرةِ فأكثر، فهو ضمان البائع، وتوضع عن المُشتري، واخْتُلِفَ عن أحمد، فرُوي عنه أنها من ضمان البائع فيما قَلَّ أو كَثُرَ، ويوضعُ عن المشتري، ورُوي عنه كمذهب مالك ا. هـ. =

стр. 171

وإن أتلفه آدميٌ خُيِّر مُشترٍ الفسخِ والإمضاءِ ومطالبةِ المُتْلِفِ. ــ = وقال البخاري (١): "باب إذا باع الثِّمارَ قبل أن يبدوَ صلاحُها، ثم أصابتْه عاهةٌ فهو من البائع" وذكر حديثَ أنسٍ أن رسولَ الله ﷺ نَهى عن بيعِ الثمارِ حتى تزهُو، فقيل له وما تزهُو؟ قال حتى تَحْمارَّ وتَصْفارَّ، فقال رسولُ الله ﷺ : (أرأيتَ إذا منعَ اللهُ الثمرةَ بِمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه)، وقال الليثُ: حدثني يونس عن ابن شهاب قال: لو أنَّ رجلاً ابتاع ثمراً قبل أن يبدوَ صلاحُه ثم أصابته عاهةٌ كان ما أصابَه على ربِّه، أخبرني سالم بنُ عبدالله عن ابنِ عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تتبايعوا الثَّمَرَ حتى يبدوَ صلاحُها، ولا تبيعوا الثَّمَر بالثَّمرِ) (٢) انتهى. قال الحافظ: وقد روى مسلمٌ من طريق ابن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (لو بِعْتَ من أخيك ثَمَراً فأصابتْه عاهةٌ فلا يَحِلُّ لك أن تأخذَ منه شيئاً بِمَ تأخذُ مالَ أخيك بغيرِ حَقٍّ؟ ) واستدل بهذا على وضع الجَوائحِ في الثَّمر يُشتَرى بعد بُدُوِّ صلاحِه ثم يصيبُه جائحةٌ، فقال مالك: يضعُ عنه الثلثَ، وقال أحمد وأبو عُبيد: يضع الجميعَ، وقال الشافعيُّ والليثُ والكوفيون: لا يَرْجِعُ على البائعِ بشيءٍ، وقالوا: إنما وَرَدَ وضعُ الجائحةِ فيما إذا بِيعَت الثمرةُ قبل بُدُوِّ صلاحِها بغير شَرْطِ القَطْعِ فيحمل مُطْلَقُ الحديثِ في روايةِ جابرٍ على ما قُيِّدَ به في حديثِ أنس والله أعلم ا. هـ.

стр. 172

وصلاحُ بعضِ الشجرةِ صلاحٌ لها ولسائرِ النوعِ الذي في البستان، وبَدُوُّ الصلاحِ في ثمرِ النخل أن تَحْمرَّ أو تَصْفرَّ، وفي العنبِ أن يَتَمَوَّهُ حُلْواً، وفي بقيَّةِ الثمر أن يبدوَ فيه النُّضْجُ، ويطيبَ أكلُه. ومن باع عبداً له مالٌ فمالُه لبائِعه، إلا أن يشترطَه المشتري، فإن كان قصدُه المالَ اشترطَ عِلْمَه (١) وسائرَ شروطِ البيعِ وإلا فلا، وثيابُ الجَمَال للبائع والعادةُ للمُشتري. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 173

باب السلم وهو عَقْد على موصوفٍ في الذمَّة مؤجلٌ بثمنٍ مقبوضٍ بمجلسِ العقد. ويصح بألفاظِ البيعِ والسَّلَفِ والسَّلَمِ، بشروطٍ سبعةٍ: أحدها: انضباطُ صفاتِه بمَكيلٍ وموزونٍ ومذروعٍ، وأما المعدودُ المختلفُ كالفواكه والبُقولِ والجُلودِ والرُّؤوسِ والأواني المختلفةِ الرؤوسِ والأوساطِ كالقَماقمِ والأَسْطالِ الضيقةِ الرؤوسِ والجواهرِ والحواملِ من الحيوانِ (*) وكل مغشوشٍ وما يُجمعُ أخلاطاً غير متميزة كالغاليةِ والمعاجينِ، فلا يصح السَّلَمُ فيه ويصح في الحيوانِ والثيابِ المنسوجةِ من نوعين، وما خَلْطُه غيرُ مقصودٍ كالجُبْنِ وخَلِّ التمرِ والسكنجبين ونحوها. الثاني: ذِكْرُ الجِنسِ والنَّوعِ وكل وصفٍ يختلف به الثمنُ ولا يصح شرطُ الأَرْدإِ والأجْودِ، بل جيدٌ ورديءٌ، فإن جاء بما شَرَط أو أجودَ منه من نوعه ولو قبلَ محلِّه، ولا ضررَ في قبضه لزمه أخذُه. الثالث: ذكرُ قدرِه بكيلٍ أو وَزْنٍ أو ذَرْعٍ يُعلم، فإن أَسْلَم في المكيل وزناً، أو في الموزون كيلاً لم يصحَّ (*). ــ (*) قوله: (والحاملُ من الحيوان)، قال في الشرح الكبير: ولا يصح في الحوامل من الحيوان، لأن الصِّفَةَ لا تأتي عليها، ولأن الولدَ مجهولٌ غيرُ مُتحققٍ، وفيه وجهٌ آخرُ أنَّه يصح، لأن الحَمْلَ لا حُكْمَ له مع الأم بدليل صحة بيعِ الحامل. (*) قوله: (فإن أسلم في المكيل وزناً أو الموزون كيلاً لم يصح) وعنه يصح، اختارها الموفقُ وغيرُه؛ لأن الغرضَ معرفةُ قَدْرِه وإمكانُ تسليمهِ من غير تنازعٍ فبأي قَدْرٍ قدَّرهُ جاز.

стр. 174

الرابع: ذكرُ أجلٍ معلومٍ له وَقْعٌ في الثَّمَن، فلا يصحُّ حالاً (*) ولا إلى الجِذاذِ والحصادِ (*)، ولا إلى يومٍ إلا في شيءٍ يَأْخُذُهُ منه كلَّ يوم، كخبزٍ ولحمٍ ونحوهما. الخامس: أن يوجد غالباً في مَحَلِّه ومكانِ الوفاء لا وقتَ العَقْد، فإن تعذَّر أو بعضُه فله الصبرُ، أو فَسْخُ الكُلِّ أو البعضِ، ويأخذُ الثمنَ الموجودَ أو عِوَضَه. السادس: أن يَقبضَ الثمنَ تاماً معلوماً قدرُه ووصفُه قبل التفرُّقِ (*)، وإن قَبضَ البعضَ ثم افْترقا بَطَلَ فيما عداه، وإن أَسْلَم في جِنْسٍ إلى أجلَيْن أو عكسه صح إن بيَّنَ كلَّ جنسٍ وثمنه وقِسْط كلِّ أجل. السابع: أن يُسْلِم في الذمَّة، فلا يصحُّ في عَيْن. ــ (*) قوله: (فلا يصح حالاً)، قال في الاختيارات: ويصحُّ السَّلَمُ حالاً إن كان المُسَلَّم فيه موجوداً في مِلْكه وإلا فلا. (*) قوله: (ولا إلى الحَصَادِ والجِذَاذ)، قال في المقنع: ولابد أن يكون الأجلُ مُقدَّراً بزمنٍ معلومٍ، فإن أسلم إلى الحَصَادِ والجِذَاذِ أو اشترط الخيار إليه فعلى روايتين، قال ابن رشد: وأما الأجلُ إلى الجِذاذ والحصادِ وما أشبه ذلك، فأجازه مالكٌ، ومنعه أبو حنيفة والشافعي، فمن رأى أن الاختلافَ الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسيراً أجاز ذلك، إذ الضررُ اليسيرُ معفوٌّ عنه في الشرع، وشَبَّهه بالاختلاف الذي يكون في الشهور من قِبَلِ الزيادة والنُّقصان، ومن رأى أنه كثير، وأنه أكثر من الاختلاف الذي يكون من قبل نُقصانِ الشهور وكمالِها لم يُجْزِه اهـ. والله أعلم. (*) قوله: (قبل التَّفَرق). قال في الإفصاح: واختلفوا فيما إذا تَفرَّقا قبل قبضِ رأسِ مالِ السَّلَمِ في المجلس، فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يَبْطُل السَّلَمُ، وقال مالك: يصح، وإن تأخر قبضُ رأسِ مال السَّلَم يومين أو ثلاثة أو أكثر ما لم يكن شرطاً.

стр. 175

ويجبُ الوفاءُ موضعَ العَقْدِ، ويصح شرطُه في غيره وإن عقد ببرٍّ أو بَحْرٍ شَرَطاه، ولا يصح بيعُ المُسْلَمِ فيه قبل قبضِه (*) ولا هبتُه (*) ولا الحوالةُ به ولا عليه ولا أَخْذُ عِوَضِه، ولا يصح أخذُ الرهنِ والكفيلِ به (*). ــ (*) قوله: (ولا يصح بيعُ المُسْلَمِ فيه قبل قَبْضِه). قال في الاختيارات: ويجوز بيعُ الدَّين في الذمة من الغَرِيم وغيرِه، ولا فَرْق بين دين السَّلَم وغيرِه، وهو روايةٌ عن أحمد. وقاله ابن عباس، لكن بِقَدر القيمةِ فقط، لئلا يَرْبَحَ فيما لم يضمن. (*) قوله: (ولا هِبَتُه). قال في الفروع: والمذهب من أَذِنَ لغَرِيمِه في الصدقةِ بدينة عنه أو صَرْفِه أو المُضاربةِ لم يصح، وعنه يصحُّ بَنَاه القاضي على من نفسِه وبَنَاه في النهاية على قَبْضِه من نفسه لموكِّلِه وفيها روايتان. (*) قوله: (ولا يصح أَخْذُ الرهنِ والكفيلِ به). قال في المقنع، وهل يجوز الرهنُ والكفيل بالمُسْلَمِ فيه على روايتين. وقال البخاري: باب الكفيلُ في السَّلَمِ، وقال أيضاً: باب الرَّهْنُ في السَّلَم وذكر حديثَ الأعْمشِ، قال تذاكَرْنا عند إبراهيم الرَّهْنَ في السَّلَف، فقال: حدثني الأسودُ عن عائشةَ ﵂ أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاماً إلى أجلٍ معلومٍ وارْتَهَنَ منه دِرْعاً من حَديدٍ (١)، قال الحافظُ: وفي الحديث الرَّدُّ على من قال أن الرَّهْنَ في السَّلَمِ لا يجوز. قال الموفق: رُوِّيْتُ كراهَةَ ذلك عن ابنِ عمرَ والحسنِ والأوزاعي، وإحدى الروايتين عن أحمد ورخَّصَ فيه الباقون والحُجَّةُ فيه قولُه تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: الآية: ٢٨٢]، إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، واللفظُ عامٌّ فيدخلُ السَّلَمُ في عُمومه لأنه أحدُ نوعي البيع.

стр. 176

باب القرض وهو مندوبٌ، وما صح بيعُه صح قرضُه، إلا بني آدم، ويَملِكُه بقَبْضِه، فلا يَلزمُ ردُّ عَينِه، بل يَثبتُ بَدَلُه في ذمتِه حالاً، ولو أَجَّلَه (*)، فإن ردَّهُ المقترض لزمِ قبولُه، وإن كانتْ مُكَسَّرةً أو فُلوساً فمنَعَ السلطانُ المعاملةَ بها فله القيمةُ وقت القرضِ (*)، ويَرُدُّ المِثْلَ في المِثْليَّاتِ والقيمةَ في غيرها، فإن أَعْوَزَ المِثْلُ فالقيمةَ إذاً. ــ (*) قوله: (بل يثبت بدلُه في ذمَّته حالا ولو أجَّله)، قال في الاختيارات: والدَّين الحالُّ يتأجَّل بتأجيلِه سواء كان الدَّينُ قرضاً أو غيرهُ، وهو قولُ في مذهب أحمد ا. هـ. وقال البخاري: باب إذا أقرضه إلى أجل مُسَمّىً أو أجَّلَه في البيع، وقال ابنُ عمر في القَرْض إلى أَجَلٍ: لا بأسَ به، وإن لم يشترط. وقال عطاء وعمرو بن دينار: هو إلى أَجَلِه في القَرْض، وقال الليث: حدثني جعفرُ بنُ ربيعةَ عن عبد الرحمن بن هُرْمُز عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذَكَر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعضَ بني إسرائيلَ أن يُسلفه فدفعها إليه إلى أجل مسمَّى، الحديث. (*) قوله: (وإن كانت مكسرَّةً أو فلوساً فمنع السلطانُ المعاملةَ بها فله القيمةُ وقتَ القرضِ). قال في حاشية المقنع، هذا أو استهلكَها، وقيل: له القيمةُ وقتَ تحريمها، قال أبو بكر في التنبيه، وقال في المُسْتَوعب: وهو الصحيح عندي. (فائدة): قولُه: (فتكونُ له القيمةُ)، اعلمْ أنه إذا ابْنِ مما يَجْري فيه ربا الفَضْلِ فإنه يُعطي مما لا يَجْري فيه الرِّبا، فلو أقرضَه دراهم مكسرة فحرمها السلطان أعطى قيمتها ذهبا وعكسه بعكسه ا. هـ.

стр. 177

ويحرمُ كلُّ شَرْطٍ جَرَّ نَفْعاً (*)، وإن بَدأَ به بلا شَرْطٍ أو أعطاه أَجْودَ أو هديةً بعد الوفاءِ جاز، وإن تبرَّع لمُقْرِضِه قبلَ وفائِه بشيء لم تَجْرِ عادتُه به لم تجُزْ إلا أن ينويَ مكافأتَه أو احتسابَه من دَيْنهِ، وإن أقرضَه أثماناً فطالبَه ببلدٍ آخرَ لزمتْه، وفيما لِحَمْلِه مُؤْنةٌ قِيْمَتُه إن لم تكن ببلدِ القرض أَنْقَص. ــ (*) قوله: (ويَحْرُمُ كلُّ شرطٍ جرَّ نفعاً). قال الشارح: كأنْ يُسكنَه دارَه أو يقيضه خيراً منه، لأنه عقدُ إِرْفاقٍ وقُرْبةٍ، عن موضوعه، وقال ابنُ المنذر: أجمعوا على أن المُسْلِفَ إذا شرط على المُسْتَسْلِفِ زيادةً أو هديةً فأسلفَ على ذلك، أن أَخَذَ الزيادةِ على ذلك رِبَاً اهـ. وذكر القاضي أن للوصيِّ في بلد ليُوفيَه في بلد آخر لِيرْبَحَ خَطَرَ الطريق. قال في الشرح الكبير: قال شيخنا: والصحيحُ من غير ضررٍ بواحدٍ منهما ا. هـ. قلت: وإذا كان عند إنسانٍ تَمْرٌ أو حَبٌّ وكسد في يده جاز له ولا يدخلُ ذلك في حديث: (كلُّ قَرْضٍ جرَّ منفعةً فهو ربًا)، وثوابُه على حسب نيتِه، والله أعلم. قال في الاختيارات: ولو أقرضه في بلدٍ ليَسْتوفيَ منه في بلدٍ آخرَ جاز على الصحيح، ويجوز قرضُ المنافعِ مثلَ أن يَحْصدَ معه يوماً ويحصدَ الآخرُ معه يوماً أو يُسكنُه داراً ليُسكنَه الآخرُ معه بدلَها ا. هـ.

стр. 178

باب الرهن يصحُّ في كلِّ عَيْنٍ يجوزُ بيعُها حتى المُكَاتَب مع الحقِّ وبعدَه بدَيْنٍ ثابتٍ (*)، ويَلزمُ في حقِّ الراهنِ فقط، ويصحُّ رهنُ المَشَاعِ، ويجوز رهنُ المبيعِ غيرِ المكيلِ والموزونِ على ثمنِه وغيرِه. ومالا يجوز بيعُه لا يصحُّ رهنُه، إلا الثمرةَ والزرعَ الأخضرَيْن (*) قبل بُدوِّ صلاحِهما بدون شَرْطِ القَطْع. ولا يلزمُ الرهنُ إلا بالقبضِ (*)، واستدامتُه شرطٌ، فإن أخرجَه إلى الراهنِ باختيارِه زالَ لزومُه، فإن ردَّه إليه عاد لزومُه إليه، ولا يَنْفُذ تصرفُ واحدٍ منهما فيه بغير إذنِ الآخر إلا عِتْقَ الراهنِ، فإنه يصحُّ مع الإثمِ، وتؤخذ قيمتُه رَهْناً مكانَه، ونماءُ الرهن وكسبُه وأَرْشُ الجِنَايةِ عليه مُلْحَقٌ به، ومُؤْنَتُه على الراهنِ، وَكَفَنُهُ وأجرةُ مَخْزنِه، وهو أمانةٌ في يدِ المُرْتَهِن، إن تَلِفَ بغيرِ تَعَدٍّ منه فلا شيءَ عليه، ولا يَسقطُ بهلاكِه شيءٌ من دَينِه، وإن تَلِفَ بعضهُ فباقِيه رهْنٌ بجميعِ الدَّيْن، ولا ينفكُّ بعضُه مع ــ (*) قوله: (بدَينٍ ثابتٍ) وعنه يجوز، قال في الوجيز: ويجوزُ شرطُ الرَّهْنِ والضمانِ في السَّلَمِ والقَرْضِ، قال في تصحيح الفروع: وهو الصواب. (*) قوله: (إلا الثمرةَ والزرعَ الأخضَرَين). قال في المقنع: في أحد الوجهين. (*) قوله: (ولا يَلزم الرَّهنُ إلا بالقبضِ) إلى آخره، وعنه يلزم بمجرد العَقْدِ كالبيعِ، وبه قال مالك لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وأما قولُه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ في السفر، كما في أول الآية. قال في الفروع: رَهْنُ المعيَّنِ يلزمُ بالعَقْدِ، وهو المذهب عند ابن عقيلٍ وغيره.

стр. 179

بقاءِ بعضِ الدَّيْن، وتجوزُ الزيادَةُ فيه دون دَيْنِه (*)، وإن رَهَنَ عند اثنين شيئاً فَوَفَّى أحَدَهُما أو رَهَنَاهُ شيئاً فاستوفُى من أحدهما انفكَّ في نصيبِه، ومتى حلَّ الدَّيْنُ وامتنع من وفائِه، فإن كان أو العَدْلِ في بيعِه باعه وَوَفَّى الدَّيْنَ، وإلا أَجْبرَه الحاكمُ على وفائِه أو بيعِ الرهنِ، فإن لم يفعلْ باعه الحاكمُ ووفَّى دينَه. فصل ويكون عند من اتَّفقا عليه، وإن أُذِنَا له في البيع لم يَبِعْ إلا بنقدِ البلد، وإن قَبضَ الثمنَ فَتَلِفَ في يده، فَمِنْ ضمانِ الراهنِ، وإن ادَّعى دفعَ الثمنِ إلى المُرْتَهِن فأنكَرَهُ ولا بَيِّنَةَ، ولم يكنْ بحضورِ الراهنِ، ضَمِنَ كَوَكِيلٍ، وإن شَرَطَ ألاّ يبيعَه إذا حلَّ الدَّينُ، أو إن جاءه بحقِّه في وقتِ كذا، وإلا فالرَّهْنُ له لم يصحَّ الشرطُ وحدَه (١). ويُقبَلُ قولُ راهنٍ في قدر الدَّيْنِ والرَّهْنِ ورَدِّهِ وكونِه عصيراً لا خمراً. ــ (*) قوله: (يجوز الزيادةُ فيه دون دَيْنِه)، قال في الفروع: وإن زاد دَيْنَ الرهن لم يَجُزْ، لأنه رهنٌ مرهونٌ. قال القاضي وغيرهُ: كالزيادةِ في الثمنِ، ويجوزُ زيادةُ الرهن تَوْثِقَةً، وفي الروضة: لا يجوزُ تقويةُ الرهنِ بشيءٍ آخرَ بعد عَقْدِ الرهنِ، ولا بأسَ بالزيادةِ في الدَّينِ على الرهْنِ الأولِ، كذا قال، انتهى. (قلت): ولا مانعَ من في الرَّهنِ ودَيْنِه.

стр. 180

وإن أَقرَّ أنه مِلْكُ غيرِه أو أنه على نَفْسِه، وحُكِمَ بإقراره بعد فَكِّه، إلا أنْ يُصدِّقَه المُرْتَهِنُ. فصل وللمُرْتَهِنِ أن يَرْكَبَ ما يُرْكَبُ، ويحْلِبَ ما يُحْلِبُ بقدر نفقتهِ بلا إِذْنٍ، وإن أنفقَ على الرَّهن بغير إِذْنِ الراهنِ مع إمكانِه لم يَرْجِعْ، وإن تعذَّرَ رَجعَ، ولو لم يستأذِنِ الحاكمَ. وكذا وديعةٌ وعاريةٌ ودوابُّ مُستأجَرَةٌ هربَ ربُّها، ولو خَرِبَ الرَّهْنُ فَعَمَّرهُ بلا إذنٍ رجَعَ بآلتِه فقط (*). ــ (*) قوله: (رجَعَ بآلتِه فقط) هذا المذهبُ، وجَزَمَ القاضي في الخلافِ الكبير أنه يَرجِعُ بجميع ما من مصلحةِ الرَّهنِ.
следующие страницы →