كتاب الزكاة
تجبُ بشروطٍ خمسةٍ: حرية، وإسلام، وملك نصاب، واستقراره (*)، ومُضِيُّ الحولِ في غير المعشَّر، إلا نَتَاجَ السَّائمةِ، وربحَ التجارة ولو لم يبلغْ
ــ
(*) (واستقراره). قال في في الجُملة، فلا زكاة في دَيْن الكتابة لعدم استقراره؛ في المقنع: الرابع تَمامُ الملك، فلا زكاة في دَين الكتابة في السائمةِ الموقوفةِ ولا في حصَّة المُضارب من الرِّبح قبل القسمة في الشرح الكبير: لا في السائمة الموقوفة، لأن الملك لا يثبت فيها في وجه، وفي وجهٍ يثبت ناقصاً لا يتمكن من التصرف فيها بأنواع التصرفات، وذكر شيخُنا وجهاً آخر، أن الزكاة تجب فيها، وذكره القاضي، ونقل منها عن أحمد ما يدل على ذلك لعموم قوله ﵇ في أربعين شاةً (١)، ولعموم غيره من النصوص، ولأن الملك ينتقل إلى الموقوف عليه في الصحيح من المذهب أشبهتْ سائر أملاكه -إلى أن قال- من الربح قبل القِسمة فلا تجب فيها عليه في رواية صالح وابن منصور فقال: إذا احتسبا يزكي المضارب إذا حال الحولُ من حينِ احتسبا لأنه علم ما له في المال ا. هـ. في الاختيارات: ويصح أن يَشترط ربُّ المال زكاة رأسِ المالِ أو بعضه من الربح ا. هـ. وقد اختلف العلماءُ في الوقف هل فيه زكاة أم في الثمار المُحَبَّسة الأصول، وكان مكحول وطاوس يقولان: لا زكاةَ فيها، وفَرَّق قومٌ بين أن تكون مُحَبَّسةً على المساكين، وبين أن تكون على قوم بأعيانهم، فأوجبوا فيها الصدقة إذا كانت على قوم بأعيانهم، ولم يوجبوا فيها الصدقةَ إذا كانت على المساكين. =
стр. 107
نِصاباً، فإنَّ حولَهما حولُ أصلِهما إن كان نِصاباً؛ وإلا فمِنْ كمالِه، ومن كان له دينٌ أو حقٌ من صداقٍ أو غيره على مَليءٍ أو غيره (*) أدَّى زكاتَه إذا قَبضَه لما مضى، ولا زكاةَ في مالِ مَنْ عليه دينٌ ينقص النِّصاب ولو كان المالُ ظاهراً (*). وكفارةٌ كَدَينٍ.
ــ
= قلت: وهذه الأثلاث عند البادية وغيرهم الصوابُ وجوبُ الزكاة فيها خروجاً من الخلاف، والله أعلم.
(*) قوله: (على مليءٍ أو غيره)، هذا المذهبُ، وعنه لا زكاةَ في الدَّين على غير المليء قال في الاختيارات: لا تجب في أو على مُعْسرٍ أو أو جاحدٍ ومغصوبٍ ومسروق وضالٍّ، وما دفنه أو جهل عند مَنْ هو ولو حَصَل في يده، وهو رواية عن أحمد اختارها وصححها طائفةٌ من أصحابه انتهى.
وقال مالك في الدين على غير المليء: يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهذا أقرب.
(*) قوله: (ولا زكاة في مالِ مَنْ عليه دَينٌ ينقص النِّصاب ولو كان المال ظاهراً) قال في المقنع: ولا زكاةَ في مالِ مَنْ عليه دينٌ ينقص في المواشي والحبوب في إحدى الروايتين، قال في الشرح الكبير: وجملة ذلك أن الدَّين يَمنع وجوبَ في الأموالِ الباطنةِ رواية واحدة، وهي الأثمانُ وعروضُ التجارة، فأما الأموالُ الظاهرةُ وهي المواشي والحبوبُ والثمارُ ففيها روايتان: إحداهما الدَّينُ يمنع وجوبَ الزكاةِ فيها والثانية لا يَمنعُ الزكاةَ فيها، وهو قولُ مالك والشافعي، والفرق بين الأموال الباطنة والظاهرة أنَّ تَعلُّقَ الزكاةِ بالظاهرة لظهورها، وتَعَلُّقِ قلوبِ الفقراء بها، ولهذا يُشرع إرسالُ السُّعاةِ لأخذها من أربابها، وقد كان النبي ﷺ يبعث السُّعاةِ وكذلك الخلفاءُ بعدَه، ولم يأت عنهم أنهم طالبوا أحداً بصدقة الصامت ولا استكرهوه عليها إلا أن يأتي بها طوعاً، ولأن السُّعاة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يَسْألون عما على صاحبها من الدَّين، انتهى ملخصاً.
стр. 108
وإن مَلَك نِصاباً صغاراً انعقد حولُه حين مَلَكَهُ، وإن نَقَصَ النصابُ في بعض الحَولِ أو باعه أو أَبْدله بغير جنسه لا فِراراً من الزكاة انقطع الحولُ، وإن أَبْدله بجنسه بنى على حوله، وتجب الزكاة في عين المال، ولها تعلقٌ بالذمة، ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء ولا بقاءُ المال (*)، والزكاةُ كالدَّين في التَّرِكة.
ــ
(*) قوله: (ولا يعتبر في وجوبها إمكانُ الأداء ولا بقاءُ المال)، قال في المقنع: ولا يعتبر في وجوبها إمكانُ الأداء، ولا تسقطُ بتلف المال، وعنه أنها تسقط في الشرح الكبير: والصحيح إن شاء الله أن الزكاة تسقط بتلف الأداء كالوديعة.
قوله في الاختيارات: ويجوز إخراجُ القِيْمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة مثل أن يبيع ثمرةَ بستانه أو زَرْعَه، فهنا إخراجُ عُشْرِ ولا يُكَلَّف أن يشتريَ تمراً أو حِنْطةً، فإنه قد ساوى الفقير بنفسه، وقد نصَّ أحمدُ على جواز ذلك، أن تجب عليه شاةٌ في الإبل وليس عنده شاةٌ فإخراجَ القيمة كافٍ، ولا يُكلَّفُ السَّفَر لشراء شاةٍ، أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفعَ لهم فهذا جائز. انتهى.
стр. 109
باب زكاة بهيمة الأنعام
تجب في إبلٍ وبقرٍ وغنم إذا كان سائمةً (*) الحول أو أكثره، فيجب في خمسٍ وعشرينَ من الإبل: في كل خمسٍ شاةٌ، وفي ستٍّ وثلاثينَ: بنتُ لبونٍ، وفي ستٍّ وأربعينَ: حقَّةٌ، وفي إحدى وستينَ: جَذَعةٌ، وفي ستةٍ وسبعين: بنتا لبونٍ، وفي إحدى وتسعينَ: حقَّتانِ، فإذا زادت على مائةٍ وعشرين واحدة: فثلاثُ بناتِ لبونٍ، ثم في كلِّ أربعينَ: بنتُ لبونٍ، وفي كل خمسينَ: حقَّةٌ.
فصل
ويجبُ في ثلاثينَ من البقر أو تبيعةٌ، وفي في كل ثلاثينَ تبيعٌ، وفي كل أربعينَ مُسِنَّةٌ، ويُجزئ الذَّكَرُ هنا وابنُ لبونٍ مكانَ بنتِ مَخَاضٍ، والذكر إذا كان النصاب كله ذكورًا.
فصل
ويجبُ في أربعينَ وفي مائةٍ وإحدى وعشرينَ شاتانِ، وفي مائتينِ وواحدةٍ ثلاثُ شياهٍ، ثم في كل مائةٍ، شاةٍ، والخُلْطةُ تُصيِّر المالَين كالواحد.
ــ
(*) قال في المقنع: ولا تُؤَثِّر الخُلْطةُ في غير السائمة وعنه في الشرح الكبير: لا تُؤَثِّر الخلطةُ في غير السائمة كالذهب والفضة والزروع والثمار وعروض التجارة، ويكون حُكْمُهم حُكْمَ المنفردين، وهذا قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد أن شَرِكَةَ الأعيانِ في غير الماشية، فإذا كان بينهم نصابٌ يشتركون فيه فعليهم الزكاة، وهذا قول إسحاق والأوزاعي في الحَبِّ والثمر قياساً على خلطة الماشية والمذهب الأول، قال أحمد: الأوزاعيُّ يقول في الزرع: إذا كانوا شركاءَ يُخرج لهم خمسة أَوْسُقٍ فيه الزكاةُ، قاسه على الغنم، ولا يعجبني قولُ الأوزاعي ا. هـ.
стр. 110
باب زكاة الحبوب والثمار
تجب في الحبوب كلِّها، ولو لم تكن قُوتاً، وفي كل ثمر يُكال ويُدَّخر كتمرٍ وزبيبٍ، ويعتبر بلوغُ نِصاب قدره ألفٌ وستُّمائةِ رطلٍ عراقيٍ، وتُضَمُّ ثمرةُ العامِ الواحدِ بعضُها إلى بعض في تكميل النِّصاب، لا جِنْسٌ إلى آخر (*)، ويُعتبر أن يكون النِّصاب مملوكاً له وقتَ وجوب الزكاة، فلا تجب فيما يَكْتسبه اللَّقاط أو يأخذه بحصاده، ولا فيما يجتنيه من المباح كالبُطْمِ، والزَّعْبَل، وبِزْرِ في أرضه.
فصل
يجب عُشْرُ ما سُقي بلا مؤنةٍ، ونِصْفُه معها، وثلاثةُ أرباعِهِ بهما، فإنْ تفاوتا فبأكثرهما نفعاً، ومع الجهل العُشْرُ، وإذا اشتدَّ الحَبُّ وبدا صلاحُ الثمرِ وجبت الزكاة، ولا يستقرُ الوجوب إلا بجعلها في البَيْدرِ، فإن تَلِفتْ (قبله) بغير تَعَدٍّ منه سقطتْ (*)،
ــ
(*) قوله: (وتُضَمُّ ثمرةُ العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النِّصاب لا جنسٌ إلى آخر)، قال في المقنع: وعنه أن الحبوبَ يُضَمُّ بعضُها إلى بعض وعنه تُضَمُّ الحنطةُ إلى الشَّعير والقطنيات بعضُها إلى بعض، قال القاضي: وهذا هو الصحيح.
(*) قوله: (فإن تلفت قبله بغير تَعَدٍّ منه سَقَطَتْ)، مفهومُهُ أنها إذا تلفتْ بعده لم تَسْقُطْ، والراجح أنها تسقط عنه إذا لم يُفَرِّط، لأنها شُرعت للمواساة وقد تلف مالُه معها.
стр. 111
ويجب العُشْرُ على مستأجر الأرض (*)، وإذا أَخَذَ من ملكه أو مَوات من العَسَل (*) مائةً وستينَ رطلاً عراقياً ففيه عُشْرُه.
والرِّكَاز: ما وُجد من دَفْنِ الجاهلية، وفيه الخُمسُ قليله وكثيره.
ــ
(*) قوله: (ويجب العُشُر على مُستأجرِ الأرض) دون مالكها هذا المذهب، وبه قال مالك والشافعي، قال في الاختيارات: والمُزَارَعَةُ أَحَلُّ من الإجارة لاشتراكهما في المَغْنَم والمَغْرَم إلى أن قال: وإذا صَحَّت المزارعةُ فَيلْزمُ المقطع عشر نصيبه ومن قال العُشْرُ كلُّه على الفلاح فقولُه خلاف الإجماع، ويتبعه في الكُلَفِ السُّلْطانية ونحوها العُرْفُ ما لم يكن شرطاً. ا. هـ. ملخصاً.
(*) قوله: (وإذا أخذ من ملكه أو موات من العسل) إلى آخره هذا المذهب، وقال مالك والشافعي: لا زكاة فيه، وقال أبو حنيفة: إن كان في أرضه العُشْرُ ففيه الزكاةُ وإلا فلا، قال في وجوب الصدقة في العسل حديثٌ يَثْبت ولا إجماعٌ فلا زكاةَ فيه.
стр. 112
باب زكاة النقدين
يجب في الذهب إذا بَلَغَ عشرين مثقالاً، وفي الفضَّة إذا بلغتْ مائتي درهم رُبْعُ العُشْرِ منهما، ويُضَمُّ الذهبُ إلى الفضَّة في تكميلِ إلى كلٍ منهما.
ويباحُ للذَّكَرِ من الفضَّة الخاتمُ، وقَبِيْعَةُ السيف، وحِلْيَةُ المِنْطَقَةِ ونحوه، ومن الذهب قَبِيْعَةُ السيف، وما دعتْ إليه ضرورةٌ كأنْفٍ ونحوِه، ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرتْ عادتُهنِ بلُبْسه ولو ولا زكاة في حَلْيِهِما المُعَدِّ للاستعمال أو العارية، وإن أعد لِلْكِرَاء أو النفقة أو كان محرَّمًا ففيه الزكاة.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 113
باب زكاة العروض
إذا مَلَكها بفعله بنيَّة التجارة (*) وبلغت قيمتُها نِصاباً زَكَّى قيمتَها، فإن ملكها بإرْثٍ (*) أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها لم تَصِرْ لها،
ــ
(*) قوله: (إذا ملكها بفعله بنيَّة التجارة) إلى آخره، قال في الشرح الكبير: لا يصير العَرضُ للتجارة إلا بشرطين أحدهما: أن يَمْلِكَه بفعله كالبيع والنِّكاح الثاني: أن يَنْوي عند تَملُّكِه أنه للتجارة، فإن لم ينو لم يُعَدَّ للتجارة لقوله في الحديث: "مما نعده للبيع"، ولأنها مخلوقةٌ في الأصل للاستعمال فلا تصير للتجارة إلا بِنيَّتها. انتهى ملخصاً.
(*) وقوله: (فإن ملكها بإرثٍ) إلى آخره، قال في الشرح الكبير: إذا ملك العَرْضَ وإن نواها، لأنه ملكه بغير فعله فجرى مجرى الاستدامة فلم يَبْقَ إلا مُجَرَّدُ النية، ومجردُ النية لا يصير بها العَرْضُ للتجارة، وكذلك ملكها بفعله بغير نية التجارة ثم نواه بعد ذلك لم يصر للتجارة؛ لأن الأصلَ في العروض القُنْيَةُ، فإذا صارت للقُنْيَةِ لم تُنْقَلْ بمجرد النية، كما لو نوى الحاضرُ السفرَ، وعكسُه ما لو نوى المسافرُ الإقامةَ يكفي في الفروع: ولا يصير العَرْضُ للتجارة إلا أن يملكه بفعله، ويَنْوي أنه للتجارة عند تملكه؛ فإن ملكه بفعله ولم يَنْو التجارةَ، أو ملكه بإرثٍ أو كان عنده عَرْضٌ للقُنْيَةِ فنواه للتجارة لم يَصِرْ للتجارة، هذا ظاهرُ المذهب، ولأن مجردَ النيةِ لا يَنْقُل عن الأصل كنيَّةِ السائمة المعلوفة، ونيَّةِ الحاضر للسَّفر، ونَقَلَ صالحٌ وابنُ إبراهيم وابنُ منصور أن العَرْضَ يصير النية، اختاره أبو بكر وابنُ عقيل، وجزم به في التبصرة والروضة لخبر سَمُرَة ا. هـ.
стр. 114
وتُقوَّم عند الحول بالأَحَظِّ للفقراء من عَيْنٍ أو ورِقٍ (*)، ولا يُعتبر ما اشتُريَتْ به، وإن اشترى عَرَضَاً بِنِصابٍ من أثمانٍ أو عروض بنَى على حَوْلِه، وإن اشتراه بسائمةٍ لم يَبْنِ.
ــ
(*) قوله: (وتُقوَّم عند الحول بالأحظِّ للفقراء من عَيْنٍ أو وَرِقٍ)، قال في الفروع: ويؤخذ منها ربعُ العُشر؛ لأنه كالأثمان لتعلُّقها بالقيمة، لا من العَرْض عندنا إلى أن قال: وعند أبي حنيفة يُخَيَّر بين رُبعِ أو رُبعِ عُشْرِ العروض مطلقاً لأنهما أصلان وعند صاحبه والشافعي في القديم ربع العشر من العرض لأنه الأصل ويجزئ نقد بقدر قيمته وقت إخراج انتهى. قال في الاختيارات ويجوز إخراج زكاة العروض عرضاً، ويقوي قول من يقول تجب الزكاة في عين المال انتهى.
стр. 115
باب زكاة الفطر
تجب على كل مسلم فَضَل له يومَ العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية، ولا يمنعها الدَّيْن إلا بطلبه، فيخرج عن نفسه ومسلم يمونه ولو شهرَ رمضان (*)، فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه، فامرأته، فرقيقه فأمه، فأبيه، فولده، فأقرب في ميراث، والعبد بين شركاء عليهم صاع، ويستحب عن الجنين، ولا تجب لناشزٍ (١)، ومن لزمت غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت، وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر، فمن أسلم بعده، أو ملك عبداً أو تزوج زوجةَ أو وُلِدَ له ولدٌ لم تلزمه فطرتهُ، وقبله تلزم، ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط، ويوم العيد قبل الصلاة أفضل، وتكره في باقيه، ويقضيها بعد يومه آثماً.
ــ
(*) قوله: (ومسلمٌ يمونُه ولو شهر رمضان)، قال في المقنع: ومن تَكَفَّلَ بمؤنة شخصٍ في شهر رمضان لم تَلْزَمْه فطرتُه عند أبي الخطَّاب، والمنصوص أنها في الشرح الكبير: وهذا قول أكثر الأصحاب، وقد نصَّ عليه أحمدُ لعموم قوله ﵇: (أَدُّوا صدقةَ الفطرِ عمَّنْ تَمُونون) (٢)، واختار أبو الخطاب أنها لا تَلْزمُه فطرتُه لأنه لا تَلَزمه مُؤْنَتُهَ، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، وهو الصحيحُ إن شاء الله، وكلامُ أحمدَ محمولٌ على الاستحباب، والحديثُ محمولٌ على من تَلْزمه مُؤْنَتُه، انتهى ملخصاً.
стр. 116
فصل
ويجب صاعٌ من بُرٍّ، أو شعيرٍ، أو دقيقهما، أو سويقهما، أو تمرٍ، أو زبيبٍ، أو أَقِطٍ (١)، فإن عَدِمَ الخمسةَ أجزأَ كلُّ حَبٍّ وثمرٍ يُقتات (*)، لا معيبٌ (٢)، ولا خبزٌ (٣). ويجوز أن يُعطيَ الجماعة ما يَلْزمُ الواحدَ، وعكسُه.
ــ
(*) قوله: (فإنْ عَدِمَ الخمسةُ أَجْزأ كلُّ حَبٍّ وثَمَرٍ يُقْتات)، قال في الاختيارات: ويجزئه في الفطرة من قُوتِ بلده مثلُ الأَرُزِّ وغيره ولو قَدَرَ على الأصناف في الحديث، وهو روايةٌ عن أحمد، وقولُ أكثر أهل العلم، ولا يجوز دَفْعُ زكاة الفطرِ إلا لمن يستحق الكفَّارة، وهو مَنْ يأخذُ لحاجته لا في الرِّقاب والمُؤَلَّفةِ وغير ذلك.
стр. 117
باب إخراج الزكاة
يجب على الفورِ مع إمكانهِ، إلا لضرورة، فإن مَنَعَها جَحْداً لوجوبها كَفَر عارفٌ بالحُكم، وأُخذتْ منه وقُتل، أو بُخلاً أُخذتْ منه وعُزِّر، وتجب في مالِ صبيٍ ومجنونٍ، فيخرجُها وليُّهما، ولا يجوز إخراجها إلا بنيَّةٍ، والأفضلُ أن يُفرِّقها بنفسه، ويقول عند دَفْعها هو وآخذُها ما وَرَد، والأفضلُ إخراجُ زكاةِ كلِّ في فقراءِ بلدهِ، ولا يجوزُ نَقْلُها إلى ما تُقْصَر فيه الصلاةُ (*) فإن فعل أَجْزأتْ، إلا أن يكونَ في بلدٍ لا فقراءَ فيه فيفرِّقها في أقرب البلاد إليه، فإن كان في بلدٍ ومالُه في آخر، أخرج زكاة المال في بلده، وفطرتُه في بلدٍ هو فيه، ويجوز ولا يُستحب.
ــ
(*) قوله: (ولا يجوز نقلُها إلى ما تُقْصَرُ فيه الصلاة)، قال في الاختيارات: وإنما قال العلماء جيرانُ المال أحقُّ بزكاته، وكرهوا نَقْلَ الزكاة إلى بلدِ السلطانِ وغيرِه ليكتفيَ كلُّ ناحيةٍ بما عندهم من الزكاة، ولهذا في كتاب مُعاذِ بنِ جبلٍ من انتقل من مِخْلافٍ إلى مِخْلافٍ فإن صدقَتَه وعُشْرَهُ في مِخْلافِ جيرانه إلى أن قال: ويجوز الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية، قال: وتحديدُ المَنْعِ من نقلِ الزكاةِ بمسافةِ القَصْرِ ليس عليه دليلٌ شرعي.
стр. 118
باب
أهلُ الزكاةِ ثمانيةٌ (*): الفقراء: وهم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعضَ الكفايةِ (دون نصفها)، والمساكينُ: يجدون أكثرَها أو نصفَها، والعاملون عليها: وهم جُبَاتُها وحُفَّاظُها. والرابع: المؤلَّفةُ قلوبُهم ممن يُرْجَى إسلامُه، أو كَفُّ شرِّه، أو يُرْجَى بعطيتهِ قوةُ إيمانه. والخامس: الرِّقاب، وهم المكاتبون، ويفكُّ منها الأسيرُ المسلمُ. السادس: الغارِمُ لإصلاحِ ذات البَيْنِ ولو مع غنيٍ، أو لنَفْسِه مع الفقر. السابع: في سبيل الله: وهم الغزاةُ المتطوعةُ الذين لا ديوان لهم. والثامن: ابنُ السبيلِ المسافرُ المنقَطَع به دون المُنْشِئِ للسفرِ من بلده، فيُعْطَى قَدْرَ ما يوصلُه إلى بلده، ومن كان ذا عيال أَخَذَ ما يكفيهم، ويجوزُ صَرْفُها إلى صنفٍ واحد، ويُسنُّ إلى أقاربه الذين لا تَلْزَمه مَؤُنَتُهُمْ.
ــ
(*) قال في الاختيارات: ولا ينبغي أن يُعطي الزكاةَ لمن لا يستعينُ بها على طاعة الله، فإن الله تعالى فرضها معونةً على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين كالفقراء والغارمين أو لمن يُعاوِنُ المؤمنين، من أهل الحاجات لا يُعْطَى شيئاً حتى يتوبَ، ويَلْتزمَ أداءَ الصلاةِ، ويجبُ إلى الثمانية إن كانوا موجودين وإلا صُرِفَتْ إلى الموجود منهم. انتهى.
стр. 119
فصل
ولا تُدفع إلى هاشمي ومُطَّلِبِيٍّ (*) ومَواليهما، ولا إلى فقيرة تحت غَنيٍّ مُنفقٍ، ولا إلى فرعهِ وأصلهِ، ولا إلى عبدٍ وزوجٍ، وإن أعطاها لمن ظَنَّه غيرَ أهلٍ فبان أهلاً أو بالعكس لم يُجزئْه، إلا لغنيٍ ظنَّه فقيراً.
وصدقةُ التطوعِ مستحبةٌ، وفي رمضانَ وأوقاتِ الحاجات أفضلُ، عن كفايتِهِ من يَمُونُه، ويَأْثَمُ بما يُنَقِّصُهَا.
ــ
(*) قوله: (ولا تُدْفَع إلى هاشمي (١)) إلى آخره، قال في الاختيارات: وبنو هاشمٍ إذا مُنِعُوا من خُمْسِ الخُمس جاز لهم الأخذُ من الزكاةِ، وهو قولُ القاضي يعقوب وغيرِه من أصحابنا، وقاله أبو يوسف والأصطخري من الشافعية لأنه محلُّ حاجةٍ وضرورةٍ، ويجوزُ لبني هاشم الأخذُ من زكاة الهاشميين، وهو مَحْكيٌّ عن طائفةٍ من أهلِ البيت إلى أن قال: وإذا كانت الأمُ فقيرةً ولها أولادٌ صغارٌ لهم مالٌ ونفقتها تَضُرُّ بهم أُعطيتْ من زكاتِهم، والذي يخدمه إذا لم تَكْفِه أُجرتُه أعطاه من زكاته إذا لم يستعملْه بدل خِدْمته. انتهى.
стр. 120
كتاب الصوم
يجب صومُ رمضانَ برؤيةِ هلالهِ، فإنْ لم يُرَ مع صَحْوِ ليلةِ الثلاثين أصبحوا مُفطرين، وإن حال دونه غيمٌ أو قَتَرٌ (*) فظاهرُ المذهب يجبُ صومُه، وإن رُؤي نهاراً فهو لِلَّيلةِ المقبلةِ، وإذا رآه أهلُ بلدٍ لزم الناسَ كلَّهم الصومُ (*).
ــ
(*) قوله: (وإن حالَ دونه غَيْم أو قتر) فظاهرُ المذهب يجبُ صومهُ، قال في المقنع: وعنه: لا يجبُ، وعنه: الناسُ تَبَعٌ للإمام، قال الحافظ بن حجر على قوله ﷺ : (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا؛ فإن غُمَّ عليكم فاقْدروا له)، وفي رواية: (لا تصوموا حتى تروا الهلال) (١)، وهو ظاهرٌ في النهي عن ابتداء صومِ رمضانَ قبلَ رؤيةِ الهلالِ فيدخل فيه صورةُ الغَيْمِ وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذه الجُملة لكفى ذلك لمن تَمَسَّك به؛ لكن اللفظ الذي رواه أكثرُ الرواةِ أوقع للمخالف شبهةً، وهو قولهُ: (فإن غُمَّ عليكم فاقْدرُوا له)، فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حُكْم الصَّحْوِ والغَيْمِ فيكون التعليقُ على الرؤيةِ متعلقاً بالصَّحْو، وأما الغيمُ فله حُكم آخر، ويحتمل أن لا تَفْرقة، ويكون الثاني مؤكِّداً للأول، وإلى الأول ذهب أكثرُ الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهورُ، فقالوا: المرادُ بقوله: فاقدروا له أي انظروا في الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين، ويُرَجِّحُ هذا التأويلَ الرواياتُ الأخرى المُصَرِّحةُ بالمراد من قوله: (فأكملوا العِدَّةَ ثلاثين) ونحوها وأَوْلَى ما فَسَّر الحديثَ الحديثُ انتهى.
(*) قوله: (وإذا رآه أهلُ بلد لزم الناسَ كلُّهم الصومُ). قال في الشرح الكبير: هذا قولُ الليث وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: إن كان بين البلدين مسافةٌ قريبةٌ لا تختلف المَطالعُ لأجلها كبغدادَ والبصرةَ لزم أهلَها الصومُ برؤية الهلال في =
стр. 121
ويُصام برؤيةِ عَدْلٍ ولو أنثى (*)، فإن صاموا بشهادةِ واحدٍ ثلاثينَ يوماً فلم يُرَ الهلالُ، أو صاموا لأجل غَيْمٍ لم يُفطروا، ومن رأى وحدَه هلالَ رمضانَ وَرُدَّ قولُه، أو رأى هلالَ شوال صام، ويَلْزم الصومُ لكل مسلمٍ مكلَّفٍ قادرٍ، وإذا قامتْ البينةُ في أثناء النهار وجبَ الإمساكُ والقضاءُ على كل من صار (في أثنائه) أهلاً لوجوبه، وكذا حائضٌ ونفساءُ طَهُرَتَا ومسافرٌ قَدِم مُفطراً، ومن أفطر لِكِبَرٍ أو مرض لا يُرجى بُرْؤُه أَطْعم لكلِ يومٍ مسكيناً، ويسنُّ لمريضٍ يضرُّه، ولمسافرٍ يَقْصرُ، وإن نوى حاضرٌ صومَ يومٍ ثم سافر في أثنائه فله الفِطْرُ وإن أفطرتْ حاملٌ أو مُرْضعٌ خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً، ومن نوى الصومَ ثم جُنَّ أو أُغْمي عليه جميعَ النَّهار ولم يُفِقْ جُزءاً منه لم يَصِحَّ صومُه، لا إن نام جميعَ النهار، ويَلْزَمُ المُغْمَى عليه القضاءُ فقط.
ــ
= أحدهما وإن كان بينهما بُعْدٌ كالحجاز والعراق والشام، فلكلِّ أهلِ بلدٍ رؤيتُهم، وهو مذهب القاسم في الاختيارات: تختلف المَطَالعُ باتفاق أهل المعرفة بهذا فإن اتفقتْ لزم الصومُ وإلا فلا، وهو الأصحُّ للشافعية، وقولٌ في مذهب أحمد، قال الحافظ ابن حجر: وقد أجمعوا على أنها لا تُراعَى الرؤيةُ فيما بَعُدَ من بلاد كخراسان والأندلس.
(*) قوله: (ويصام برؤية عدلٍ ولو أنثى). قال في الفروع: وفي الكافي يُقبَل العبدُ وفي المرأة وجهان، أحدهما: يُقبل لأنه خَبَر، والثاني: لا؛ لأن طَرِيقَهُ الشهادةُ، ولهذا لا يُقبل فيه شاهدُ الفَرْعِ مع إمكانِ شاهدِ الأصل.
стр. 122
ويجب تعيينُ النية من الليل لصومِ كلِّ يومٍ واجبٍ (*) لا نية الفريضة، ويصح النفلُ بنيةٍ من النهار قبلَ الزوال وبعدَه، ولو نوى: إن كان غداً من رمضان فهو فَرْضي لم يُجزئه، ومن نوى الإفطارَ أَفْطر (*).
ــ
(*) قوله: (ويجب تعيينُ النية من الليل لصوم كلِّ يومٍ واجبٍ)، وعنه لا يجب تعيين النية لرمضان، لأن التعيين يجزئ عن نية الفرضية، قال في الاختيارات: ومن خطر بقلبه أنه صائم غداً فقد نوى.
(*) قوله: (ومن نوى الإفطار أفطر)، قال في الفروع: نصَّ عليه وفاقاً للشافعي ومالك، وعند ابن حامد وبعض المالكية وبعض الشافعية لا يبطل صومُه كالحج، وقولنا: (أفطر) أي صار كمن لم يَنْوِ لا كمن أكل فلو كان في نفل ثم عاد جاز. نصَّ عليه ا. هـ. ملخصاً.
стр. 123
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
من أكل أو شرب، أو اسْتَعَطَ، أو احْتَقَنَ أو اكْتَحَلَ (*) بما يصل إلى حَلْقه، أو أَدْخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان غير إِحْليله، أو اسْتقاءَ، أو اسْتَمْنَى، أو باشر فَأَمْنَى، أو أَمْذَى، أو كَرَّر النَّظَرَ فأنزل، أو حَجَمَ أو احْتَجَمَ وظَهَرَ دمٌ عامداً ذاكراً لصومه فَسَد، لا ناسياً أو مُكْرَهاً، أو طار إلى حلقه ذباب أو غُبارٌ، أو فَكَّر فأنزل أو احْتلم أو أصبح في فيه طعامٌ فَلَفَظَهُ، أو اغتسل، أو تَمَضْمَضَ أو اسْتَنْثَر أو زاد على الثلاث، أو في حَلْقِه لم يَفْسُدْ صومُه، ومن أكل شاكَّاً في طلوع الفجر صحَّ صومُه، لا إن أكل شاكَّاً في غروب الشمس، أو مُعتقِداً أنه ليلٌ فَبَانَ نهاراً.
فصل
ومن جامَعَ في نهار رمضانَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ فعليه القضاءُ والكفَّارةُ، أو كانت المرأةُ معذورةً، أو جامع من كان نوى الصومَ في سفره أفطرَ ولا كفارةَ، أو كرَّره في يوم ولم
ــ
(*) قوله: (أو اكتحل)، قال في الاختيارات: ولا يُفطر الصائمُ بالاكتحال والحُقنة وما يقطّر في إحْلِيْلِه ومداواةُ المأمومةِ والجائفةِ، وهو قول بعض أهل العلم، ويُفْطر بإخراج الدم بالحجامة، وهو مذهب أحمد، وبالفَصْد والتَّشْريط، وهو وجه لنا وبإرْعافِ نَفْسِه، وهو قول الأوزاعي، ويفطر الحاجمُ إن مَصَّ القارورة، ولا يُفطر بِمَذْيٍ بسببِ قُبْلةٍ أو لَمْسٍ أو تَكْرارِ نَظَرٍ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا، وأما إذا ذاق طعاماً ولَفَظَه أو وضع في فيه عسلاً ومَجَّه، فلا بأس به للحاجة كالمضمضة والاستنشاق ا. هـ.
стр. 124
يُكَفِّر فكفارةٌ واحدةٌ في الثانية، وفي الأولى، ثِنْتان، وإن جامع ثم كَفَّر ثم جامع في يومه فكَفَّارةٌ ثانيةٌ، وكذلك من لَزمه الإمساكُ إذا جامع (*)،
ومن جامع وهو مُعافىً ثم مرض أو جُنَّ أو سافر لم تَسْقُط، ولا تجب الكفَّارةُ بغير الجماع في صيام رمضان، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيامُ شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعامُ ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت.
ــ
(*) قوله: (وكذلك من لزمه الإمساكُ إذا جامع). قال في الشرح الكبير: إذا كَفَّر ثم جامع ثانية، فإن كان في يومين فعليه كفارةٌ ثانية بغير خلافٍ نَعْلمه، وإن كان في يوم واحدٍ، فكذلك، نصَّ عليه أحمد، وهكذا يُخَرَّجُ في كلِّ مَنْ لَزِمَه في نهار رمضان، وإن لم يكن صائماً كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد أو نسي النيةَ أو أكل عامداً ثم جامع. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا شَيْءَ عليه بذلك الجماع لأن لم يُصادف الصَّوم ولم يَمْنَعْ صِحَّتَه فلم أنه لا كَفَّارةَ على مَنْ جامع قبل عِلْمِه برؤية الهلال. قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في مجموعه: وأجاب الشيخُ حمدُ بنُ عبد العزيز وأما الجماعُ يوم الشَّكِّ، وهو آخرُ يوم في شعبان، إذا غُمَّ على الهلال أو حال دون مَنْظرهِ أو قَتَرٌ فهي مسألةُ نزاع، وجمهور الفقهاء على وجوب الكفارة، وكلامُ شيخِ الإسلام مشهورٌ في عدم الوجوب بناءً على أصل وهو أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم ا. هـ. (قلت): ولعل مرادَه بالجمهور فقهاءُ الحنابلة. والله أعلم.
стр. 125
باب ما يكره ويستحب، وحكم القضاء
يكره جَمْعُ رِيْقِهِ فيبتلعه، ويَحْرُمُ بَلْعُ النُّخامةِ، ويُفْطِر بها فقط إن وصلتْ إلى حَلْقِه (*)، ويُكره ذوقُ طعامٍ بلا حاجة، ومَضْغُ عِلْكٍ قويٍ، وإن وَجَد طَعْمَهُما في حَلْقه أفطر، ويَحْرُم العِلْكُ المُتَحلِّل إن بَلَعَ رِيقَه، وتُكره القُبلةُ لمن تُحرِّك شهوتَه، ويجب اجتنابُ كذبٍ وغِيْبةٍ وشَتْمٍ، وسُنَّ لمن شُتِمَ قولُه: إني صائم، وتأخيرُ سحورٍ وتعجيلُ فإن عَدِمَ فَتَمْرٌ، فإن عَدِمَ ما وَرَدَ، ويُستحَبُّ القضاءُ مُتتابِعاً، ولا يجوز إلى رمضانَ آخَرَ من غير عذرٍ، فإن فعل فعليه مع القضاءِ إطعامُ مسكينٍ لكل يومٍ، وإن مات
ــ
(*) قوله: (ويُفطر بها فقط إن وَصَلتْ إلى حَلْقِه). قال في المقنع: يُكره للصائم أن يَجْمَعَ ريقه فيبتلعَه، وأن يبتلعَ النُّخامة، وهل يفطر بها؟ على وجهين. قال في الشرح الكبير: وإن ابتلع النخامة، فقد روى عبد الله يقول: إذا تَنَخَّم ثم ازْدَرَدَهُ فقد أَفْطر، لأن النُّخامةَ تنزل من الرأس، والرِّيق من الفم، ولو تنخَّم من جوفه ثم ازدرده أفطر، وهذا مذهب الشافعي، لأنه أمكنَ التحرُّزُ منها أَشْبَهَ الدمَ، ولأنها من غير الفم أَشْبَهَ القَيْءَ. وفيه رواية أخرى، لا يُفطر، في رواية المَرُّوذي: ليس عليك القضاءُ إذا ابتلعتَ النُّخامةَ وأنت صائم، لأنه معتاد في الفم أَشْبَهَ الرِّيقَ ا. هـ.
стр. 126
ولو بعد رمضان آخر، وإن مات وعليه صومٌ (*) (أو حجٌ) أو اعتكاف أو صلاةُ نذرٍ استُحِبَّ لوليِّه قضاؤُه.
ــ
(*) قوله: (وإن مات وعليه صومٌ) إلى آخره. قال البخاري: باب من مات وعليه صوم، وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلاً يوماً واحداً جاز، ثم ذَكَرَ حديثَ عائشةَ "من مات وعليه صيامٌ صامَ عنه وليُّه" (١). قال الحافظ: قد اختلف السَّلَفُ في هذه المسألة فأجازَ الصِّيامَ عن الميتِ أصحابُ الحديث، وعَلَّقَ الشافعيُّ في القديم القولَ به على صِحَّةِ الحديث، وقال الشافعيُّ في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يُصام عن الميت، قال الليث وأحمد وإسحاق: لا يصام عنه إلا النُّذْر، وأما رمضان فيطعم عنه ا. هـ ملخصاً.
قال في الاختيارات: وإذا تبرَّع إنسانٌ بالصوم عمن لا يُطيقُه بِكِبَرٍ ونحوه أو عن ميتٍ وهما مُعْسِرانِ تَوجَّه جوازُه؛ لأنه أقربُ إلى المماثلة من المال اهـ. قال في الفروع: وإن أَخَّرَ القضاءَ حتى مات فإن كان لعذر فلا شيءَ عليه، نصَّ عليه وفاقاً لعدم الدليل، وفي التلخيص روايةٌ يطعم عنه كالشيخ الهَرِمِ، وقال في الانتصار: يحتمل أن يجب الصومُ عنه أو التكفيرُ كمن نذر صوماً ا. هـ ملخصاً.
стр. 127
باب صوم التطوع
يسن صيامُ أيامِ البيضِ، والاثنين والخميس وستٍ من شوال، وشهرِ المحرَّم، وآكدُه العاشرُ ثم التاسعُ، وتسعِ ذي الحجة، ويومِ عَرَفَةَ لغير حاج بها، وأفضلُه صومُ يومٍ وفطرُ يومٍ، ويُكره إفرادُ رجبٍ والجمعة والسبت (*) والشكّ (وعيد الكفار) بصوم، ويحرمُ صومُ العيدين وأيام التَّشْريق ولو في فرض، إلا عن دمِ مُتعةٍ وقِرَانٍ، ومن دخل في فرضٍ موسَّعٍ حَرُم قَطْعُه، ولا يَلْزَمُ في النَّفْل، ولا قضاءُ فاسدِهِ إلا الحج (*)،
ــ
(*) قوله: (والسبت) لحديث: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افْتُرِضَ عليكم) (١)، قال في سُبُل السلام: النَّهيُ عن صومِهِ كان أولَ الأمر حيث كان ﷺ يُحبُّ موافقةَ أهلِ الكتابِ ثم كان آخرُ أمرهِ ﷺ مخالفتهم كما صرَّح به حديثُ أم سلمةَ: أن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يومَ السبت ويومَ الأحد، وكان يقول: إنهما يوما عيدٍ للمشركين، وأنا أريد أن أُخالفَهم، وظاهره صومُ كُلٍّ على الانفراد والاجتماع.
(*) قوله: (ومن دخل في فرضٍ موسَّعٍ حَرُم قَطْعُه، ولا يَلْزَم في النَّفْل ولا قضاءُ فاسده إلا الحج)، قال في المقنع: ومن دخل في صومٍ أو صلاةٍ تطوعاً استُحِبَّ له إتمامُه ولم يَجِبْ، فإن أفسده فلا قضاءَ عليه. قال في الفروع: ويَلْزم إتمامُ نفلِ الحجِّ =
стр. 128
وتُرْجَى ليلةُ القدر في العُشْرِ الأخير، وأوتارُه آكدُ، وليلةُ سبع وعشرينَ أبلغُ، ويدعو فيها بما وَردَ.
ــ
= والعُمرةِ، وفاقاً لانعقاد الإحرام لازماً لظاهرِ آيةِ الإحصار، فإن أَفْسَدَهُما أو فَسَدا لَزِمَه القضاءُ وفاقاً، قال صاحبُ المُحَرَّر: لا أعلم أحداً قال بخلافهم، وفي الهداية والانتصار وعيون المسائل لابن شهاب رواية لا يَلْزَمه القضاءُ، قال صاحبُ المُحَرَّر: لا أحسبه إلا سهواً ويأتي في الحج انتهى.
стр. 129
باب الاعتكاف
وهو لزومُ مسجدٍ لطاعةِ الله تعالى، مسنونٌ، ويصحُ بلا صوم، ويلزمان بالنَّذْر، ولا يصحُّ إلا في مسجدٍ يُجْمَع فيه (*)، إلا المرأةَ ففي كلِّ مسجدٍ سوى مسجدِ بيتها، ومَنْ في مسجدٍ غيرِ الثلاثة -وأفضلُها الحرامُ، فمسجدُ المدينةِ، فالأقصى- لم يَلْزَمْه فيه، وإن عيَّنَ الأفضلَ لم يَجُزْ فيما دونه، وعكسُه بعكسِه، ومن نذر زماناً معيناً دخل مُعْتَكَفَه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخِره، ولا يخرج المُعْتَكِفُ إلا لِمَا لا بُدَّ له منه، ولا يعودُ مريضاً ولا يَشْهَدُ جنازةً إلا أن يَشْترِطَه، وإن وَطِئَ في فَرْجٍ فَسَدَ اعتكافُه، ويُستَحَبُّ اشتغالُه بالقُرَبِ واجتنابُ مالا يعنيه.
ــ
(*) قوله: (ومَن نَذَره في مسجدٍ غيرِ الثلاثة لم يَلْزَمْه فيه)، قال في المقنع: ومن نذر الاعتكافَ والصلاةَ في مسجدٍ فله فعلُه في غيره في الاختيارات: ومن نذر الاعتكافَ في مسجدٍ غيرِ المساجدِ الثلاثةِ تَعَيَّنَ ما امتاز على غيره بمزيَّةٍ شرعيةٍ كقِدَمٍ وكَثْرةِ جَمْعٍ إلى أن قال: ولا يجوز سفرُ الرجل إلى المشاهد والقبور والمساجد غير المساجد الثلاثة، وهو قول مالك وبعض أصحابه، وقاله ابنُ عقيل من أصحابنا.
стр. 130
كتاب المناسك
الحج والعمرة واجبان على المسلم الحُرِّ المُكلَّفِ القادرِ في عُمرِهِ مرةً على الفور، فإن زال الرِّقُّ والجنونُ والصِّبَا في الحج بعرفة، وفي العمرةِ قَبْلَ طوافِها صَحَّ فَرْضاً، وفِعْلُهما من الصَّبي والعبدِ نَفْلاً. والقادر من أمكنه الركوبَ ووجد زاداً وراحلةً صالِحَيْنِ لمِثْله بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية، والحوائجِ الأصلية، وإن أعجزه كِبَرٌ أو مرضٌ لا يُرْجَى بُرْؤه لَزِمَه أن يُقيم من يَحُجُّ ويعتمر عنه، من حيث وجبا (*)، ويجزئ عنه، وإن عوفي بعد الإحرام (*)، ويُشترط وهو زوجُها أو مَنْ تَحْرُم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مُباح، وإن مات مَنْ لَزِمَاه أُخْرِجا من تَرِكَتِه (*).
ــ
(*) قوله: (مِنْ حيثُ وَجَبَا) أي: من بلده.
(*) قوله: (ويجزئ عنه وإن عُوفي بعد الإحرام) أي لم يَجِبْ عليه حجٌ آخر، قال الشافعي وغيره: يَلْزَمُه.
(*) قوله: (وإن مات مَنْ لَزِمَاه أُخْرِجَا من تَرِكَتِه)، قال في المقنع: ومَنْ وجب عليه الحجُّ فتُوفي أُخْرِج من جميع ماله حجة وعمرة؛ فإن ضاق مالُه عن ذلك، أو كان عليه دَيْنٌ أُخِذَ للحجِّ بحصته وحج به من حيث يبلغ، هذا المذهب وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت فإن وصَّى بها فهي من الثلث.
стр. 131
باب المواقيت
وميقاتُ أهل المدينة: ذو الحُلَيْفة، وأهل الشام ومصر والمغرب: الجُحْفَةُ، وأهل اليمن يَلَمْلَمُ، وأهل نجد قَرْن (١)، وأهل المشرق ذاتُ عِرْقٍ، وهي لأهلها، ولمن مَرَّ عليها من غيرهم، ومن حجَّ من أهل مكةَ فَمِنْها، وعمرتُه من الحِلِّ، وأشهرُ الحجِّ من ذي الحجة (*).
ــ
(*) قوله: (أشهرُ الحج شوال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجة)، قال في الشرح الكبير: وهو ميقات الزمان للحج؛ فأما العُمرةُ فكل الزمان ميقاتٌ لها، ولا يُكْره الإحرامُ بها في يوم النَّحْر، وعَرَفَةَ وأيامِ التَّشْريقِ في أشهر الروايتين، وعنه يُكره وبه قال أبو حنيفة.
стр. 132
بابٌ
الإحرام: نية النسك.
سُنَّ لمُريدِه غسْلٌ أو تيممٌ لِعَدَمٍ، وتنظيفٌ وتَطَيُّبٌ وتَجَرُّدٌ من مَخِيْط، ويُحْرِمُ في إزارٍ ورداءٍ أبيضين نظيفين، وإحرامٌ عَقِبَ ركعتين، ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويستحبُ قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي، وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ (*)، وصفته أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ، وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ وأَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعْمةَ لك والمُلكَ لا شريك لك، يُصَوِّت بها الرجلُ وتُخفيها المرأةُ.
ــ
(*) قوله: (وأفضلُ الأَنْساك التمتعُ)، قال في الاختيارات: والقِرَانُ أفضلُ من التمتعِ إن ساق هدياً، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومن اعتمر وحجَّ في سَفْرَتين، أو اعتمر قبل أشهرِ الحجِّ فالإفرادُ أفضلُ باتفاقِ الأئمةِ الأربعةِ، ومن أَفْرَدَ العمرَةَ بسَفْرَةٍ ثم قَدِمَ في أشهر الحج؛ فإنه يتمتع إلى أن قال: ولو أَحْرم بالحج ثم أَدْخل عليه العُمْرةَ لم يَجُزْ على الصحيح ويجوز العكسُ بالاتفاق.
стр. 133
باب محظورات الإحرام
وهي تِسْعَةٌ: حَلْقُ الشعرِ (*)، وتَقْليمُ الأظْفارِ، فمن حَلَقَ أو قَلَّم ثلاثةً فعليه دمٌ، ومن غطَّى رأسَه بملاصقٍ فَدَى، وإن لبس ذَكَرٌ مَخِيْطاً فَدَى، وإن طيَّبَ بدنَه أو ثوبَه أو ادَّهن بِمُطَيِّبٍ أو شمَّ طيباً أو تبخَّر بعودٍ ونحوه فَدَى، وإن قتل صيداً مأكولاً برِّياً أصلاً، ولو تولَّد منه ومن غيره، أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤُه (*)، ولا يحرم حيوانٌ إنسي، ولا صيدُ البحر، ولا قتلُ محرَّمِ الأكلِ، ولا الصائلُ،
ــ
(*) قوله: (حلق الشعر)، المذهبُ أنه إذا حَلَقَ ثلاثَ شعرات فَأَزْيد وجبتْ عليه الفدية، وقال أبو حنيفة: لا يجب الدمُ بدون رُبع الرأس، وقال مالك: إذا حلق مِنْ رأسه ما أماطَ به الأذى وجب الدمُ، قال في الاختيارات: والمحرمُ إن احتاج وقطعَ شعرهُ لحجامة أو غُسل لم يضرَّه، والقملُ والبعوضُ والقُرادُ إن قَرَصَهُ قَتَلهُ، وإلا فلا يقتله.
(*) قوله: (أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه)، قال في المقنع: وإن أَحْرم وفي يده صيدٌ أو دخل الحرمَ بصيدٍ لزمَهُ إزالةُ يده المشاهدة دون الحُكْميَّةِ عنه، فإن لم يفعل فتلف ضَمِنَهُ، قال في الفروع: وإن ملك صيداً في الحِلِّ فأدخله الحَرَمَ لزمه رفعُ يده وإرسالُه، فإن أتلفه أو تَلِفَ في حق المُحرمِ، نقله الجماعةُ، وعليه الأصحاب وفاقاً لأبي حنيفة، ويتوجه لا يلزمه إرسالُه، وله ذبحُه، ونقل الملك فيه وفاقاً لمالكٍ والشافعي، لأن الشارعَ إنما نهى عن تنفيرِ صَيْدِ مكةَ، ولم يبينْ مثل هذا الحُكْمِ الخَفِيّ مع كثرةِ وقوعِه، والصحابةُ مختلفون، وقياسُه على الإحرام فيه نَظَرٌ؛ لأنه آكدُ لتحريمة ما لا يحرم ا. هـ.
стр. 134
ويحرم عقدُ نكاحٍ، ولا يصحُّ، ولا فديةٌ، وتصحُّ الرجعةُ، وإن جامَعَ (المحرمُ) قبل التحلُّلِ الأولِ فَسَدَ نُسكُهما، ويَمضيانِ فيه ويَقضيانهِ ثانيَ عامٍ، وتحرمُ المباشرةُ، فإن فعلَ فأنزلَ لم يَفْسُدْ حجُّه، وعليه بَدَنَةٌ، لكنْ يُحْرِمُ من الحِلِّ لطوافِ الفرضِ، وإحرامُ المرأةِ كالرجلِ إلا في اللباس، وتجتنبُ البُرْقُعَ والقُفَّازَين وتَغْطِيَةَ وجْهِها (*)، ويُباحُ لها التحلِّي (*).
ــ
(*) قوله: (وإحرامُ المرأةِ كالرَّجلِ إلا في اللباس وتجتنب البرقُعَ والقُفَّازَينِ وتَغْطِيَةَ وجْهها)، قال في الاختيارات: ويجوز للمرأة أن تُغطِّيَ وجْهَها بملاصقٍ خَلا النِّقابَ والبُرْقُعَ، ويجوز عَقْدُ الرِّداء في الإِحْرام ولا فِدْيةَ عليه.
(*) قوله: (ويباح لها التحلِّي)، قال في المقنع: ولا تَلْبَس القُفَّازَين ولا الخُلْخَال ولا تكتحلُ بالاِثْمِد، وعن قَتَادةَ: أنه كان لا يَرَى بأساً أن تَلْبَس المرأةُ الخاتمَ والقُرْطَ وهي مُحرمةٌ وكَرِهَ السِّوارين والُخْلخالين والدُّمْلُجَين.
стр. 135
باب الفدية
يُخَيَّر بفديةٍ حلقٌ وتقليمٌ وتغطيةُ رأسٍ وطيبٌ ولبسُ مَخِيْطٍ بين صيامِ ثلاثةِ أيامٍ أو إطعامِ سِتة مساكين لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ أو شعيرٍ أو ذبحِ شاةٍ، وبجَزَاءِ صيدٍ بين مِثْلٍ إن كان، أو تقويمُه بدراهمَ يشتري بها طعاماً فيطعم كلَّ مسكينٍ مُدّاً، أو يصوم عن كلِّ مُدٍّ يوماً وبما لا مِثْلَ له بين إطعامٍ وصيامٍ، وأما دمُ مُتْعَةٍ وقِرانٍ فيجبُ الهَدْيُ، فإنْ عَدِمَهُ فصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والأفضلُ كونُ آخرِها يومُ عرفة، وسبعة إذا رجع إلى أهله، والمُحْصَرُ إذا لم يجدْ هَدْياً صام عشرةً ثم حَلَّ، ويجبُ بوطءٍ في فرج يُغْنِي الحجِّ بدنةٌ، وفي العُمْرة شاةٌ، وإن طاوعتْه زوجتُه لزماها (١).
فصل
ومن كرَّر محظوراً من جنسٍ ولم يَفْدِ فَدَى مَرَّةً، بخلافِ صيدٍ، ومَنْ فعل محظوراً من أجناسٍ فَدَى لكلِّ مرةٍ، رَفَضَ إحرامَه أو لا، ويسقطُ بنسيانٍ فديةُ لُبْسٍ وطيبٍ وتغطيةِ رأسٍ، دون وَطْءٍ، وصيدٍ وتقليمٍ، وحِلاَقٍ، وكلُّ هَدْيٍ أو إطعامٍ فَلِمساكين الحَرَمِ (*)، وفديةُ الأذى واللُّبْسِ ونحوِهما ودمُ الإحصارِ حيثُ وجد سببه، ويجزئُ الصومُ بكل مكان، والدمُ شاةٌ أو سُبعُ وبدنةٍ (٢) وتجزئُ عنها بقرة.
ــ
(*) قوله: (وكلُّ هَدْيٍ أو طعامٍ فلمساكينِ الحرم)، قال في المقنع: إذا قَدَرَ على إيصاله إليهم، قال في الشرح الكبير: وما وَجَب لترك نُسكٍ أو فَوَاتٍ فهو لمساكين الحرم دون غيرهم؛ لأنه هَدْيٌ وجب لترك نُسكٍ أشبه دَمَ القرانِ، قال: ومساكينُ الحرمِ من كان فيه من أهله ومَنْ ورد إليه من الحجاج وغيرهم.
стр. 136
باب صيد الحرم
يحرم صيدُه على المُحْرِمِ والحَلاَلِ، وحُكْمُ صيدِه كصيدِ المُحْرِم، ويَحْرمُ قطعُ شجرهِ وحَشيشهِ الأخضرَين (*)، إلا الإذْخر، ويحرم صيدُ المدينةِ، ولا جزاءَ فيه، ويباحُ الحشيشُ لِلْعَلَفِ وآلة الحرث ونحوه، وحَرَمُها ما بين عَيْر إلى ثَوْر (١).
ــ
(*) قوله: (ويَحْرُم قطعُ شجرهِ وحشيشهِ الأخضرين). قال في الإفصاح: واتفقوا على أن شجر الحرم مضمونٌ على المُحِلِّ والمُحرِم، إلا مالكاً فإنه قال: ليس بمضمون.
стр. 137
باب دخول مكة
يسنُّ من أَعْلاها، من باب بني شَيْبةَ، فإذا رأى البيتَ رَفَعَ يديْه وقال ما وَرَد، ثم يطوفُ مضطبعاً يبتدئُ المعتمرُ بطوافِ العُمْرةِ والقارنُ والمفردُ للقدوم، فيحاذي الحجرَ الأسودَ بِكُلِّه (١)، ويستلمُه ويقبِّله، فإن شَقَّ قَبَّلَ يَدَهُ، فإن شَقَّ اللَّمْسُ أشار إليه، ويقول ما ورد - ويجعلُ البيتَ عن يساره، ويطوفُ سبعاً يرمل في هذا الطواف ثلاثاً، ثم يمشي أربعاً ويستلم الحجرَ والرُّكْنَ اليمانيِ كلَّ مرةٍ، ومن ترك أو لم ينوه أو نكَّسَهُ (*)، أو طاف على الشَّاذَرْوان أو جدار الحِجْرِ أو عُرْياناً أو نجساً لم يصِحَّ، ثم يصلِّي ركعتين خلف المقام.
فصل
ثم يستلمُ الحَجَرَ ويَخْرجُ إلى الصَّفَا من بابه فيرقاه حتى يرى البيتَ ويكبر ثلاثاً، ويقول ما ورد، ثم ينزل ماشياً إلى العَلَمِ الأولِ، ثم يَسْعى شديداً إلى الآخِرِ، ثم يمشي ويَرْقَى المَرْوَةَ، ويقول ما قاله على الصَّفَا، ثم
ــ
(*) قوله: (أو نكَّسه)، وفي أكثر النُسَخِ "أو نُسُكه"، والصواب تقديم الكاف على السين، وعبارةُ المقنع: وإن طاف مُنَكِّساً أو على جدار الحجْرِ أو شاذَرْوان الكعبة، أو ترك شيئاً من الطوافِ وإن قلَّ، أو لم يَنْوِه لم يُجزئه (٢) ا. هـ.
стр. 138
ينزل فيمشي في موضع مَشْيهِ، ويَسْعَى في موضع سَعْيهِ، إلى الصَّفَا، يفعل ذلك سبعاً ذهابه سَعْيَةً ورجوعه سعيه، فإن بدأ بالمروة سَقَط الشوطُ الأول، وتُسَنُّ فيه الطهارةُ والسِّتارة (١) والموالاة، ثم إن كان مُتمتعاً لا هَدْيَ معه قَصَّرَ من شعره وتَحلَّل، وإلا حَلَّ إذا حج، والمتمتعُ إذا شَرَعَ في الطواف قَطَعَ التلبيةَ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 139
باب صفة الحج والعمرة
يسن للمُحِلِّين بمكة الإحرامُ بالحج يومَ التَّرْويةِ قبل الزوالِ منها، ويجزئُ من بقيةِ الحرم، ويبيت بمِنَىً، فإذا طلعتْ الشمسُ سار إلى عَرَفة، وكلُّها موقفٌ إلا بطنَ عُرَنَة، ويسنُ أن يجمع بها الظهرَ والعصرَ، ويقفُ راكباً عند الصَّخراتِ وجبلِ الرحمة، ويُكثر من الدعاء بما ورد، ومن وقف ولو لحظةً من فجرِ يومِ عرفةَ إلى فجرِ النَّحْرِ وهو أهلٌ له صحَّ حجُّه وإلا فلا، ومن وقف نهاراً ودَفَعَ قبل الغروب، ولم يَعُدْ قبله فعليه دمٌ (*)، ومن وقف ليلا فقط فلا، ثم يَدْفَعُ بعد الغروبِ إلى مُزْدَلِفَةَ بِسَكِيْنَةٍ، ويُسرع في الفَجْوةِ، ويَجْمع بها بين العشاءَيْن ويَبيتُ بها، وله الدَّفْعُ بعدَ نصفِ الليلِ، وقبلَه فيه دمٌ، كوصولهِ إليها بعد الفجر لا قَبْلَه، فإذا صلَّى الصبحَ أتى
ــ
(*) قال في الفروع: ومن وقف نهاراً ودَفَعَ قبل الغروبِ ولم يَعُدْ قَبْلَه، وفي الإيضاح: قبل الفجر، قاله أبو الوفاء في مفرداته، وقيل: أو عاد مُطْلَقاً، وفي الواضح: ولا عُذْرَ لزمه دمٌ، وعنه: لا كواقفٍ بليلٍ. قال في الشرح الكبير: فإن دَفَعَ قبلَ ثم عاد نهاراً فوقف حتى غربت الشمسُ فلا دمَ عليه، وبه قال مالك والشافعي، وقال الكوفيون وأبو ثور: عليه دمٌ لأنه بالدَّفْعِ لزمه الدمُ فلم يسقطْ عنه برجوعه، كما لو عاد بعد الغروب، ولنا أنه أتى بالواجب وهو الوقوف بالليل والنهار فلم يجب عليه دم، كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم رجع فأحرم منه فإن لم بعد حتى غربت الشمس فعليه دم، لأن عليه الوقوف حال الغروب وقد فاته بخروجه، فأشبه من تجاوز ثم عاد إليه اهـ.
قلتُ: والراجحُ عدمُ لزومِ الدمِ إذا عاد إلى عَرَفة قبل الغروب أو بعده.
стр. 140
المشْعَرَ الحرامَ فيرقاه، أو يقفُ عنده ويحمدُ الله ويكبِّرُهُ ويقرأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ .. ﴾ الآيتين، ويَدْعو حتى يُسْفِرَ، فإذا بَلَغَ مُحَسِّراً أسرعَ رَمْيةَ حجرٍ وأخذ الحَصَى - وعددُه سبعونَ بين الحِمّصِ والبُنْدقِ - فإذا وصل إلى مِنَىً: وهي من وادي مُحَسِّرِ إلى جَمْرةِ العقبةِ رماها بسبع حَصَيَاتٍ مُتَعاقباتٍ يرفع يدَه اليُمنى حتى يرى بياضَ إِبْطِه، ويكبِّر مع كل حَصَاةٍ، ولا يجزئُ الرَّمْيُ بغيرِها، ولا بها ثانياً، ولا يقفُ، ويقطعُ التلبيةَ قبلَها، ويرمى بعد طلوع الشمسِ ويجزئُ بعد نصف الليلِ، ثم ينحرُ هدياً إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميع شعرِه، وتُقَصِّرُ منه المرأةُ قدرَ أُنْمُلةٍ، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، والِحلاَقُ والتقصيرُ نُسكٌ، لا يَلَزَمُ بتأخيرِه دمٌ (*)، ولا بتقديمِهِ على الرَّمْيِ والنَّحْرِ.
فصل
ثم يُفيض إلى مكةَ، ويطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنيَّةِ الفريضة طوافَ الزيارةِ وأولُ وقته بعد نصف ليلةِ النَّحْر، ويسنُّ في يومه، وله تأخيرُه، ثم يسعَى بين الصَّفا والمروةِ إن كان مُتَمتعاً، أو غيره ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيء، ثم يشربُ من ماء زمزمَ لما أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ منه، ويدعو بما ورد.
ــ
(*) قوله: (لا يَلْزَمُ بتأخيره دمٌ). قال في المقنع: ويحصُل التحلُّل بالرمي وحدَه فإن قَدَّم الحَلْقَ على الرمْي أو النَّحرِ جاهلاً أو ناسياً فلا شيءَ عليه، وإن كان عالما فهل عليه دم؟ على روايتين.
стр. 141
ثم يرجعُ فيبيتُ بِمَنَىً ثلاثَ ليالٍ، فيرمي الجَمْرةَ الأولى وتلي مسجدَ الخيْفِ بسبعِ حَصَيَاتٍ (*) ويجعلُها عن يساره، ويتأخرُ قليلاً، ويدعو طويلاً، ثم الوسطى مِثْلَها، ثم جمرة العَقَبَة ويجعلُها عن يمينه، ويَستبطِنُ الوادي، ولا يقف عندها، يفعل هذا في كلِّ يومٍ من أيام التشريق بعد الزوال، مستقبلَ القِبْلةِ مرتِّباً، وإن رماه كلَّه في الثالث أجزأه، ويرتِّبُه بِنِيَّتِه، فإن أَخَّرَه عنه أو بها فعليه دمٌ، ومن تعجَّل في يومين خرجَ قبل الغروب، وإلا لزمه المبيتُ والرَّمْيُ من الغد، فإذا أراد الخروجَ من مكةَ لم يخرجْ حتى يطوفَ للوداعِ فإن أقام أو اتَّجَرَ بعده أعاده، وإن تركه غير حائضٍ رجع إليه، فإن شَقَّ أو لم يرجعْ فعليه دمٌ، وإن أَخَّر طوافَ الزيارة فِطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقفُ غيرُ الحائض بين الرُّكْن والباب داعياً بما ورد -وتقف الحائضُ ببابه وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارةُ قبر النبي ﷺ (*)، وقبري صاحبيه.
ــ
(*) قولُه: (بسبع حصيات)، وعنه يُجزئه خمسٌ، وعن سعد بن مالك ﵁ قال: رجعنا في الحجة مع النبي ﷺ وبعضُنا يقول: رمَيْتُ بسبع حَصَيَاتٍ، وبعضُنا يقول: رميتُ بستِّ حَصَيَاتٍ، فلم يَعِبَ بعضُهم على بعض، رواه أحمدُ والنَّسائي.
(*) قوله: (وتستحبُّ زيارةُ قبرِ النبي ﷺ ) إلى آخره، هذا قول الجمهور، والمرادُ بذلك: الزيارةُ المشروعةُ، فيسلِّمُ على النبي ﷺ ، ويُصلِّي عليه ويدعو له، وأما دعاؤُه والإقسامُ على الله به وسؤالُ الحوائجِ فلا يجوز بالإجماع، وهو شِرْكٌ ظاهرٌ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وكان ابنُ عمر إذا دخل المسجدَ قال: السلامُ عليك يا رسول الله، السلامُ عليك يا أبا بكر، السلامُ عليك يا أبتِ ثم ينصرف. رواه مالك في المؤطَّأ، قال الموفَّقَ في المُغني (١): ولا يستحبُّ التمسحُ بحائط قبرِ النبيِّ ولا تقبيلُه.
стр. 142
وصفةُ العمرةِ أن يُحرم بها من الميقات، أو من أدنى الحلِّ من مَكِّيٍ ونحوه، لا من الحَرَم، فإذا طاف وسعى و (حلق أو) قصَّر حَلَّ، وتُباح كلَّ وقتٍ، وتُجزئ عن الفَرْض.
وأركانُ الحج: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الزيارةِ، والسَّعْي.
وواجباتُه: الإحرامُ من الميقاتِ المُعْتَبَرِ له، والوقوفُ بعرفَةَ إلى الغروب والمبيتُ لغير أهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بمنىً ومزدلفة إلى بعد نصف الليل، والرَّمْيُ والِحلاَقُ، والوَداع. والباقي سُنن.
وأركانُ العمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسعيٌ.
وواجباتُها: الحِلاقُ، والإحرامُ من ميقاتِها.
فمن ترك الإحرامَ لم ينعقدْ نُسكَه، ومن ترك رُكناً غيره أو نيَّته لم يَتِمَّ نسكُه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 143
باب الفوات والإحصار
من فاته الوقوفُ فاتَهُ الحجُّ وتحلَّل بعُمْرةٍ، ويقضي وُيهدي إن لم يكن اشترطَ (*)، ومن صدَّه عدوٌ عن البيت أهدى ثم حَلَّ، فإن فَقَدَه (١) صامَ عشرةَ أيامٍ ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عرفةَ تحلَّل بعُمرةٍ، وإن أَحْصَرَه مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ بقي مُحرماً إن لم يكن اشترط (*).
ــ
(*) قوله: (ويقضي ويُهدي إن لم يكن اشترط). قال في المقنع: ويتحلَّلُ بطواف وسَعْي، وعنه: أنه ينقلب إحرامُه لعمرةٍ ولا قضاءَ عليه، إلا أن يكون فرضاً، وعنه: عليه القضاءُ وهل يلزمه هَدْيٌ؟ على روايتين.
(*) قوله: (وإن أحْصَرَه مرضٌ أو ذهابُ نفقةٍ بقي مُحرِماً إن لم يكن اشترط). قال في الاختيارات: والمُحْصَر بمرضٍ أو ذهابِ نفقةٍ حجَّ كالمُحْصَر بعدوٍ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومثلُه حائضٌ تعذَّر مُقامُها وحَرُمَ طوافُها ورجعتْ ولم تَطُفْ لجهلها بوجوبِ طوافِ الزيارةِ، أو لعَجْزها عنه، أو لذهاب الرُّفقة، في أصح ولا يَلزمُه قضاءُ حجِّه إن كان تطوعاً، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ا. هـ.
стр. 144
باب الهدي والأضحية والعقيقة
أفضلُها إبلٌ، ثم بقرٌ، ثم غنمٌ، ولا يُجزئُ إلا جَذَعُ الضَّأْنِ وثني سواه؛ فالإبلُ خمسُ سنين، والبقرٍ سنتانِ، والمَعْزُ سنةٌ، والضَّأْنُ نصفُها، وتجزئ الشاةُ عن واحد، عن سبْعةٍ، ولا تجزئُ العَوْراء والعَجْفاءُ والعَرْجاءُ والهَتْماءُ (*) والجَدَّاءُ والمريضةُ والعَضْباءُ بل البَتْراء خِلْقةً، والجَمَّاءُ والخَصِيُّ غيرُ المجبوبِ وما بأُذُنِه أو قَرْنِه قطعُ أقل من النِّصف.
والسُّنَّةُ نحرُ الإبل قائمةً معقولةً يدُها اليسرى، فيطعنُها بالحَرْبة في الوَهْدَةِ التي بين أصل العُنُق والصَّدْر، ويذبحُ غيرها، ويجوز عكسُها، ويقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك: ويتولاها صاحبُها أو يوكِّلُ مسلماً ويشهدُها.
ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قَدْرَهُ إلى يومينِ (*)، ويُكْرَه في ليلتهما فإن فاتَ قَضَى واجبَه (*).
ــ
(*) قوله: (والهَتْماء). قال في الاختيارات: وتجزيُ الهَتْماء التي سقط بعضُ أسنانِها في أصح الوجهين.
(*) قوله: (إلى يومين بعده). قال في الاختيارات: وآخرُ وقتِ ذبحِ الأضحيةِ آخرَ أيامِ التشريقِ، وهو قولُ الشافعيين، وأحد القولين في مذهب أحمد.
(*) قوله: (فإن فاتَ قضى واجبه). قال في الشرح الكبير: إذا فات وقتُ الذَّبْح - ذبحِ الواجبِ- قضاه، وصنع به ما يصنع بالمَذْبوح في وقته، لأن حُكْمَ القضاءِ حكمُ الأداء، فأما التطوعُ فهو مخيَّر فيه، فإن فرَّق لحمها كان القربةُ بذلك دون الذبح؛ لأنه شاةُ لحمٍ وليست أضحيةً، وبهذا قال الشافعي.
قال في الاختيارات: والأضحيةُ من النفقة بالمعروف، فتضحِّي امرأةٌ من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه، ومَدِينٌ لم يطالبه رب الدين.
قال: والتَّضْحيةُ عن الميت أفضلُ من الصدقة بثمنها.
стр. 145
فصل
ويتعينان بقوله: هذا هَدْيٌ أو أُضحيةٌ، لا بالنِّيَّة، وإذا تَعينتْ لم يجزْ بيعُها ولا هبتُها إلا أن يبدلَها بخيرٍ منها، ويَجُزُّ صُوفَها ونحوه إن كان أنفعَ لها ويتصدقُ به، ولا يُعطي جازِرَها أجرتَه منها، ولا يبيعُ جلْدَها ولا شيئاً منها؛ بل ينتفع به، وإن تَعَيَّبَتْ ذَبَحَها وَأَجْزأتْه، إلا أن تكونَ واجبةً في ذمتِه قبل التعيين.
والأضحيةُ سُنَّةٌ، وذبحُها أفضلُ من الصدقة بثمنها، ويسنُّ أن يأكلَ ويُهدي ويتصدق أثلاثاً، وإن أكلها إلا أوقيةً تصدَّق بها جاز، وإلا ضمنها ويحرمُ على من يُضحِّي (*) أن يأخذَ في العَشْر من شَعرِه أو بشرتِه شيئاً.
ــ
(*) قوله: (ويحرم على من يضحي) في المقنع: ومن أراد أن يضحِّي ودخل العَشْرُ فلا يأخذ من شعره وبَشَرَتِه شيئاً، وهل ذلك حرام؟ على وجهين: قال في الحاشية المذهبُ أنه حرامٌ لحديث أم سلمة (١).
وقال القاضي وجماعةٌ هو مكروهٌ غيرُ محرَّم، وبه قال مالك والشافعي لقول عائشة: كنتُ أَفتِلُ قلائدَ هَدْي رسولِ الله ﷺ ، ثم يقلِّدُها بيده ثم يبعثُ بها ولا يُحرَّم عليه شيءٌ أحلَّه الله حتى ينحرَ الهَدْيَ (متفق عليه) (٢).
قال في الاختيارات: ومن عَدِمَ ما يُضَحى به ويَعق، اقترض وضحَّى وعقَّ مع القدرة على الوفاء.