فالشرعيُّ: ما له موضوعٌ في الشرع وموضوعٌ في اللغةِ، فالمُطلَقُ ينصرفُ إلى الموضوعِ الشرعيِّ الصحيحِ، فإذا حَلَفَ لا يبيعُ أو لا ينكِحُ، فَعقَدَ عَقْداً فاسداً لم يَحْنَثْ، وإن قيَّدَ يمينَه بما يمنعُ الصحةَ كإنْ حَلَفَ لا يبيعُ الخَمْرَ أو الحُرَّ حَنَثَ بصورةِ العَقْدِ.
والحقيقيُّ: هو الذي لم يَغْلِبْ مَجَازُه على حقيقتِه كاللَّحمِ، فإذا حَلَفَ لا يأكلُ اللحمَ فأكلَ شَحْماً أو مُخّاً أو كَبِداً أو نحوَه لم يَحْنَثْ، وإن حَلَفَ لا يأكلُ أُدْماً حَنَثَ بأكلِ البَيْضِ والتَّمرِ والمِلْحِ والزَّيتونِ ونحوه، وكلِّ ما يصطبغُ به، أو لا يلبسُ شيئاً فَلبسَ ثوباً أو دِرْعاً أو جَوْشَناً أو نَعْلاً حَنَثَ، وإن حلف لا يكلِّمُ إنساناً حنثَ بكلامِ كُلِّ إنسانٍ، ولا يفعلُ شيئاً فوكَّلَ من فَعَلَهُ حنثَ إلا أن ينويَ مُباشَرَتَه بنفسِه.
والعُرْفيُّ: ما اشْتَهَرَ مجازُه فغلبَ على الحقيقةِ، كالرَّاويةِ والغَائطِ ونحوهِما، فَتَعَلُّقُ اليمينِ بالعرفِ، فإذا حَلَفَ على وَطْءِ زوجتِه أو وَطْءِ دارٍ تَعلَّقتْ يمينُه بجِماعِها وبدخولِ الدار، وإن حلفَ لا يأكلُ شيئاً فأكلَه
ــ
= والمُذهبِ ومَسْبوكِ الذهبِ والمستوعبِ والخلاصة: فإن عَدِمَ النيَّةَ أو السببَ رجَعْنا إلى ما يتناوله الاسمُ، فإن اجتمعَ الاسمُ والتعيينُ، أو الصفةُ والتعيينُ غَلَّبْنَا التعيين، وذَكَرَ في الإنصافِ عن يوسف بن الجَوزي أنه يُقدم النيةَ ثم السببَ ثم مُقْتَضَى لَفْظِه عُرْفاً ثم لغةً.
قال في المقنع: إذا حلف لا يأكلُ اللحمَ فأكلَ الشَّحْمَ أو المُخَّ أو الكَبِدَ أو الطِّحَالَ أو القَلْبَ أو الكَرِشَ أو المُصْرانَ أو الأَلْيةَ والدِّماغَ والقانصةَ لم يَحْنَثْ، وإن أكلَ المَرَقَ لم يَحْنَثْ، وقد قال أحمدُ: لا يُعجبني، قال أبو الخطاب: هذا على سبيلِ الوَرَعِ انتهى، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: يحنثُ بهذا كُلِّه، لأنه لَحْمٌ حقيقةً، والصوابُ أن ذلك يُرْجَعُ فيه إلى النيَّةِ والعُرْفِ.
стр. 352
مُسْتَهْلَكَاً في غيره، كمن حَلَفَ لا يأكلُ سمناً فأكل خَبِيصاً في سَمْنٍ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، أو لا يأكلُ بيضاً فأكل نَاطِفاً لم يَحْنَث، وإن ظهر فيه طعمُ شيءٍ من المحلوفِ عليه حنثَ.
فصل
ولو حلفَ لا يفعلُ شيئاً ككلامِ زيدٍ ودخولِ دارٍ ونحوِه ففعلَه مُكرَهاً لم يَحْنَثْ.
وإن حلفَ على نفسِه أو غيرِه ممن يَقصِدُ منعَهُ كالزوجةِ والولدِ أن لا يفعلَ من ذلك شيئاً ففعلَه ناسياً أو جاهلاً حَنِثَ في الطَّلاقِ والعَتَاقِ فقط (*)، وعلى من لا يمتنعُ بيمينِه من سلطانٍ وغيرِه ففعلَه حَنِثَ مطلقاً، وإن فعلَ هو أو غيرُه ممن قَصَدَ مَنْعَهُ بعضَ ما حَلَفَ على كلِّه، لم يَحْنَثْ ما لم تكن له نيَّةٌ.
ــ
(*) قوله: "ففعلَه ناسياً أو جاهلاً حَنِثَ في الطلاق والعَتَاقِ فقط"، قال في الفروع: وإن حَلَفَ لا يفعلُ شيئاً ففعلَه ناسياً أو جاهلاً بأنه المحلوفُ عليه حَنِثَ، كما اختاره الشيخُ وقال في المحرَّر: حَنِثَ في عِتْقٍ وطَلاقٍ فقط كما اختاره الأكثرون وذكروه في المذهب، وعنه في يمينٍ مكفرةٍ، وعنه لا حِنْثَ بل يمينُه باقيةٌ، وهذا أظهرُ كما قدَّمه في الخلاصةِ وذَكَره في الإرشادِ عن بعضِ أصحابِنا، واختاره شيخُنا وقال: إن رُواتَها عنه بِقدَرِ رواةِ التَّفْرقةِ، وأنَّ هذا يدلُّ على أن أحمدَ جَعَلَهُ حالفاً لا مُعَلِّقاً، والحِنْثُ لا يوجبُ وقوعَ المَحْلوفِ به اهـ.
стр. 353
باب النذر
لا يصحُّ إلا من بالغٍ عاقلٍ ولو كافراً (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات: باب النَّذْرِ، توقَّفَ أبو العباس في تَحْريمِه، وحَرَّمهُ طائفةٌ من أهل الحديثِ، وأما ما وجب بالشَّرْعِ إذا بايع عليه الرسولَ أو الإمامَ أو تحالف عليه جماعةٌ، فإن هذه العقودَ والمواثيقَ تقتضِي له وجوباً ثانياً غير الوجوبِ الثابتِ بمجرَّد الأمرِ الأولِ، فيكونُ واجباً من وجهين، وكان تركُه مُوجِباً لتَرْكِ الواجبِ بالشرعِ والواجبِ بالنَّذْرِ، هذا هو التحقيقُ، وهو روايةٌ عن أحمد، وقال طائفةٌ من العلماء، ونَذْرُ اللَّجاجِ والغَضَبِ يُخيَّر فيه بين فِعْلِ ما نَذَرَهُ والتكفيرِ، - إلى أن قال-: ومن أَسْرَجَ قَبْراً أو مَقْبرةً أو جبلاً أو شجرةً أو نَذَر لها أو لسُكَّانِها أو المُضافِينَ إلى ذلك المكان لم يَجُزْ، ولا يجوزُ الوفاءُ به إجماعاً، ويُصْرَفُ في المصالحِ ما لم يُعْلَمْ ربُّه، ومن الجائز صَرْفُهُ في نَظيرِه من المشروعِ، وفي لُزومِ الكفَّارةِ خِلافٌ، ومن نذر قِنْدِيلاً يُوقَدُ للنبيِّ ﷺ صُرِفَتْ قيمتُه لجيرانِه ﵇ ا. هـ.
وقال أيضاً: ولو قال إنْ فعلتُ كذا فَعَلَيَّ ذبحُ ولدِي أو معصيةٌ غير ذلك أو نحوه وقَصَدَ اليمينَ فيمينٌ وإلا فَنَذْرُ معصيةٍ فيَذْبَحُ في مسألةِ الذَّبْحِ كبشاً، ولو فَعَلَ المعصيةَ لم تَسْقُطْ عنه الكفارةُ ولو في اليمينِ. قوله: "فإنه يُجزيه بقدرِ الثُّلث"، قال في المقنع: ولو نَذَر الصدقةَ بكلِّ مالِه فله الصدقةُ بثُلثِهِ ولا كفَّارةَ عليه، قال في الشرح الكبير: لما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي لُبابَةَ حين قال: إنَّ من تَوْبَتِي يا رسولَ اللهِ أن أَنْخَلِعَ من مالي، فقال رسول الله ﷺ : (يُجْزئكَ الثلث) (١) - إلى أن قال-: وعن =
стр. 354
والصحيحُ منه خمسةُ أقسامٍ:
أحدهما: المُطْلَقُ، مثل أن يقولَ: لله عليَّ نَذْرٌ، ولم يُسَمِّ شيئاً، فيلزمُه كفَّارةُ يمينٍ.
الثاني: نَذْرُ اللَّجاجِ والغَضَبِ، وهو تعليقُ نَذْرِه بشرطٍ يقصدُ المَنْعَ منه، أو الحَمْلَ عليه، أو التَّصْديقَ أو التَّكْذيبَ، فيخيَّر بين فِعْلِهِ وبين كفّارةِ يمينٍ.
الثالث: نذْرُ المُباحِ، كلُبسِ ثوبِه ورُكوبِ دابَّتهِ، فحُكْمُه كالثاني، وإن نَذَرَ مَكْروهاً من طلاقٍ وغيرِهِ استُحِبَّ أن يكفِّر ولا يفعلُه.
الرابع: نَذْرُ المعصيةِ: كشُربِ الخَمْرِ وصَوْمِ الحَيْضِ والنَّحْرِ، فلا يجوز الوفاءُ به ويُكَفِّرُ.
الخامس: نَذْرُ التَّبَرُّرِ مطلقاً أو مُعلَّقاً، كفعلِ الصلاةِ والصيامِ والحجِّ ونحوه كقوله: إن شَفَى اللهُ مريضِي، أو سلَّم مالِي الغائبَ فللَّهِ عليَّ كذا، فَوُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَهُ الوفاءُ به، إلا إذا نَذَرَ الصَّدَقَة بمالِه كلِّه أو بمُسَمَّىً منه يزيدُ على ثُلثِ الكُلِّ، فإنه يُجْزِيهِ قَدرُ الثُلثِ، وفيما عداها يلزمُه المُسَمَّى، ومن نَذَرَ صومَ شَهْرٍ لزمَه التتابعُ، وإن نَذَرَ أياماً معدودةً لم يلزمْهُ إلا بشرطٍ أو نيّةٍ.
ــ
= كعبِ بنِ مالكٍ قال: قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أَنْخَلِعَ من مالي صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : (أَمْسِكَ عليكَ بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك). متفق عليه (١). ولأبي داود (يجزي عنك الثلث).
فائدة: قال في الاختيارات: ويلزمُ الوفاءُ بالوعدِ وهو وجهُ في مذهبِ أحمد ويخرَّجُ رواية عنه من تأجيلِ العاريَّةِ والصُّلحِ عن عِوَضِ التَلَفِ بمؤجَّلٍ.
стр. 355
كتاب القضاء
وهو فَرْضُ كفايةٍ، يلزمُ الإمامُ أن يُنصِّبَ في كلِّ إقليمٍ قاضياً، ويختارُ أفضلَ من يَجِدُهُ عِلْماً ووَرَعاً، ويأمرُه بتقوى الله، وأن يتحرَّى العَدْلَ، ويجتهدَ في إقامتِه، فيقول ولَّيْتُكَ الحُكْمَ، أو قلَّدتُكَ، ويكاتبُه في البُعْدِ.
وتُفيدُ ولايةُ الحكمِ العامَّةِ الفَصْلَ بين الخُصومِ، وأَخْذَ الحَقِّ لبعضِهم من بعضٍ، والنَّظَرَ في أموالِ غير المُرشِدينَ، والحَجْرَ على من يستوجبُهِ لِسَفَهٍ أو فَلَسٍ، والنَّظَر في وقوفِ عَمَلِه ليعملَ بشروطِها، وتنفيذَ الوصايا، وتزويجَ من لا وليَّ لها، وإقامةَ الحُدودِ، وإمامةَ الجُمعةِ والعِيدِ، والنَّظَرَ في مصالحِ عَمَلِه بكفِّ الأَذَى عن الطُّرقاتِ وأَفْنيتِها ونحوه، ويجوزُ أن يولَّى عموم النظر في عموم العمل، وأن يُولَّى خاصاً فيهما أو في أحدهما.
ويُشْتَرَطُ في القاضي عشرُ صفاتٍ: كونُه بالغاً، عاقلاً ذكراً، حُرّاً، مسلماً، عَدْلاً، سميعاً، بصيراً، متكلِّماً، مُجتهِداً ولو في مذهبه.
وإذا حكَّمَ اثنانِ بينهما رَجْلاً يصلحُ للقضاءِ نَفَذَ حكمُه في المالِ والحُدودِ واللِّعانِ وغيرِها (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات: والواجبُ اتخاذُ وِلايةِ القضاءِ دِيناً وقُرْبَةً، فإنها من أفضل القُرُباتِ، وإنما فَسَدَ حالُ الأكثرِ لِطَلَبِ الرياسةِ والمالِ بها، ومن فَعَلَ ما يمكنُه لم يَلْزَمْه ما يَعجزُ عنه، والوِلايةُ لها رُكنانِ: القُوَّةُ والأمانةُ، فالقوةُ في الحُكْمِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ بالعَدْلِ وتنفيذِ الحُكْمِ، والأمانةُ تَرْجِعُ إلى خَشْيةِ الله تعالى.
ويشترطُ في القاضِي أن يكونَ وَرِعاً، والحاكم فيه صفاتٌ ثلاثٌ، فمن جِهةِ الإِثباتِ هو شاهدٌ، ومن جهةِ الأمْرِ والنَّهيِ هو مُفْتٍ، ومن جِهَةِ الإلزامِ بذلك هو =
стр. 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ذو سُلطانٍ، وأقلُّ ما يشترَطُ فيه صفاتُ الشاهدِ، لأنه لابدَّ أن يَحْكُمَ بعَدْلٍ، ولا يجوزُ الاستفتاءُ إلا ممن يُفْتِي بعِلْمٍ وعَدْلٍ، وشروطُ القضاءِ تُعْتَبَرُ حسبَ الإمكانِ، ويجبُ توليةُ الأمثلِ فالأمثلِ، وعلى هذا يدلُّ كلامُ أحمد وغيرِه فيولَّى لعَدَمٍ أنفعُ الفاسقَيْنَ وأقلُّهما شراً، وأعدلُ المُقلِّدين وأعرفُهما بالتقليدِ. وإن كان أحدُهما أعلمَ والآخرُ أورعَ قُدِّمَ فيما قد يَظْهَرُ حُكْمُه ويخاف النهي فيه الأورعُ وفيما يَندْرُ حكمُه ويُخاف فيه الاشتباهُ الأَعْلمُ -إلى أن قال-: والوَكالةُ يصح قبولُها على الفورِ والتَّراخي بالقولِ والفعلِ، والوِلايةُ نوعٌ منها وتَثبتُ ولايةُ القضاءِ بالأخبارِ، وقصةُ ولايةِ عمرَ بنِ عبد العزيزِ هكذا كانَتْ، وولايةُ القاضي يجوزُ تَبْعيضُها، ولا يجبُ أن يكونَ عالماً بما في ولايتِه، فإن منصبَ الاجتهادِ ينقسمُ، حتى لو ولاَّهُ في المَواريثِ لم يجبْ أن يعرفَ إلا الفرائضَ والوَصَايا وما يتعلَّق بذلك، وإن ولاَّه عَقْدَ الأَنكحةِ وفَسْخَها لم يجبْ أن يعرفَ إلا ذلك، وعلى هذا فقُضاةُ الأطرافِ يجوزُ أن لا يقضيَ في الأمورِ الكِبَارِ والدِّمَاءِ والقضايا المُشْكِلَةِ، وعلى هذا فلو قال: اِقْضِ فيما تَعْلَمُ كما يقول: إفْتِ فيما تَعْلَمُ جازَ، ويبقَى ما لا يَعْلَمُ خارجاً عن وِلايتِه كما يقولُ في الحاكِمِ الذي يَنْزِلُ على حُكمهِ الكفَّارُ، وفي الحاكمِ في جزاءِ الصَّيْدِ انتهى مُلخَّصاً.
قال في الاختيارات: ومن فَعَلَ ما يمكنُه لم يلزَمْه ما يعجزُ عنه، وما يستفيدُه المُتولِّي بالولايةِ لا حدَّ له شَرْعاً بل يُتَلَقَّى من اللفظِ والأحوالِ والعُرْفِ، وأجمع العلماءُ على تحريمِ الحُكْمِ والفُتْيا بالهَوَى، وبقولٍ أو وجهٍ من غيرِ نظرٍ في الترجيحِ، ويجبُ العملُ بموجِبِ اعتقادِه فيما له وعليه إجماع، وليس للحاكمِ وغيرِه أن يبتدئ الناس بقَهْرِهِم على تَرْكِ ما يسوغُ وإلزامِهِمْ برأيهِ اتِّفاقاً، ولو جاز هذا فجاز لغيرِه مثلُه وأَفْضَى إلى التفرُّقِ والاختلافِ، وفي لُزومِ التَّمذْهبِ بمذهبٍ وامتناعِ الانتقالِ =
стр. 357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= إلى غيرِه وجهانِ في مذهبِ أحمدَ وغيرِه، وفي القول بلزومِ طاعةِ غيرِ النبيِّ ﷺ في كل أَمْرِه ونَهْيِهِ، وهو خلافُ الإجماعِ وجوازه فيه ما فيه، ومن أَوْجَبَ تقليدَ إمامٍ بعينهِ استُتيبَ، فإن تابَ وإلا قُتِلَ، وإن قال: ينبغي، كان جاهلاً ضالاً، ومن كان مُتَّبِعاً لإمامٍ فخالفَه في بعضِ المسائلِ لقُوَّةِ الدليلِ أو لكونِ أحدِهما أعلمَ وأَتْقَى فقد أَحْسَنَ، وقال أبو العباس في موضعٍ آخر: بل يجبُ عليه، وأن أحمد نصَّ عليه ولم يَقْدَحْ ذلك في عَدالتِه بلا نزاعٍ ا. هـ مُلَخَّصاً.
قال في الاختيارات: قال في المحرَّر وغيره: ويُشْترَطُ في القاضي عَشْرُ صفاتٍ قال أبو العباس: هذا الكلامُ إنما اشتُرطَتْ هذه الصفاتُ فيمن يُولَّى لا فيمن يحكِّمه الخَصْمانِ، وذكر القاضي أن الأعمى لا يجوزُ قضاؤُه، وذكرُه محلُّ وِفاقٍ، وعلى أنه لا يمتنعُ أن يقولَ إذا تَحاكَما إليه ورَضِيَا به جازَ حُكْمُه. قال أبو العباس: هذا الوجهُ قياسُ المذهب، كما تجوز شهادةُ الأعمى إذ لا يُعْوِزُه إلا معرفةُ عينِ الخَصْمِ، ولا يَحتاجُ إلى ذلك، بل يَقْضِي على موصوفٍ كما قَضَى داودُ بين المَلَكَيْنِ، ويتوجَّه أن يصحَّ مطلقاً، ويُعرَّف بأعيانِ الشهودِ والخصومِ، كما يُعرَّف بمعاني كلامِهم في التَّرْجمةِ، إذ معرفةُ كلامِه وعَيْنِه سواء، وكما يجوز أن يَقْضِيَ على غائبٍ باسمِه ونَسَبِه، وأصحابُنا قاسُوا شهادةَ الأعمَى على الشهادةِ على الغائبِ والمَيِّتِ، وأكثرُ ما في المَوْضِعينِ عنه الروايةُ، والحُكْمُ لا يفتقرُ إلى الرُّؤْيةِ، بل هذا في الحاكمِ أوسعُ منه في الشاهِدِ بدليلِ التَّرجمةِ والتعريفِ بالحكمِ دونَ الشهادةِ، وما بِه يَحْكُمُ أوسعُ مما به يَشْهَدُ، ولا تشتَرط الحريةُ في الحاكم، واختاره أبو الخطاب وابنُ عَقيل.
وقال أيضا: وأكثرُ من يُميِّزُ في العِلْمِ من المتوسطينَ إذا نَظَرَ وتَأمَّلَ أدلَّةَ الفَريقَينِ بقَصْدٍ حَسَنٍ ونظرٍ تامٍّ ترجَّحَ عنده أحدُهما، لكن قد لا يَثِقُ بِنَظَرِه بل يَحْتمِل أن عنده ما لا يَعرفُ جوابَه، فالواجبُ على مثلِ هذا موافقتُه للقول الذي ترجَّحَ عنده بلا دعوى منه للاجتهاد، كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة، إذا ترجح عنده. أحدُهما قَلَّدَه، والدليلُ الخاصُّ الذي يُرجِّحُ به قولاً على قولٍ أولى بالاتباع من دليل عام =
стр. 358
باب آداب القاضي
ينبغي أن يكون قويا من غير عُنْفٍ، ليِّناً من غير ضَعْفٍ، حليماً ذا أناة وفِطْنةٍ ولْيَكُنْ مَجلسُه وسط البلدِ فسيحاً، ويعدِلُ بين الخَصْمَيْنِ في لَحْظِهِ ولَفْظِهِ ومَجْلِسِه ودُخولِهما عليه، وينبغي أن يَحضُرَ مجلسَه فقهاءُ المذاهبِ ويشاورُهم فيما يُشكِلُ عليه، ويَحْرُمُ القَضَاءُ وهو غَضْبانُ كثيراً أو حاقنٌ أو في شدِّةِ جُوعٍ أو عَطَشٍ، أو همٍّ أو مَلَلٍ، أو كَسَلٍ أو نُعَاسٍ، أو بَرْدٍ مُؤلمٍ، أو حَرٍّ مُزْعِجٍ، وإن خالف فأصابَ الحقَّ نَفَذَ، ويَحْرُمُ قَبُولُهُ رِشْوةً وكذا هَدِيَّةٍ إلا ممن كان يُهاديهِ قبل وِلايتِه إذا لم تكن له حُكومةٌ، ويُستحَبُّ ألا يحكمَ إلا بحضرةِ الشُّهودِ، ولا ينفذ حكمُه لنفسِه، ولا لمن لا تُقبَلُ شهادتُه له.
ومن ادَّعَى على غيرِ بَرْزَةٍ لم تَحْضُرْ وأمرتْ بالتوكيلِ، وإن لزمَها يمينٌ أرسلَ من يُحلِّفُها، وكذا المريضُ (*).
ــ
= على أن أحدهما أعلم وأدين، وعلم الناس بترجيح قول على قول أيسرُ من عِلْمِ أَحدِهم بأن أحدَهما أعلمُ وأدينُ، لأن الحقَّ واحدٌ ولابدَّ، ويجب أن يُنصِّبَ على الحُكم دليلاً، وأدلَّةُ الأحكامِ من الكتابِ والسنَّةِ والإجماعِ، وما تَكَلَّمَ الصحابةُ والعلماء به إلى اليوم بقَصْدٍ حسنٍ بخلافِ الإماميَّة (١)، وقال أبوالعباس: الفقيه الذي سَمِعَ اختلافَ العلماءِ، وأدلَّتهم في الجُملة عنده ما يَعرفُ به رُجْحانَ القولِ، انتهى.
(*) قال في الاختيارات: والقُضَاةُ ثلاثة من يصلُحُ ومن لا يَصلُحُ والمجهولُ فلا يَرُدُّ من أحكامِ من يصلُح إلا ما عُلِمَ أنه باطِلٌ ولا ينفذ من أحكامِ من لا يصلُح إلا ما عُلِمَ أنه حقٌ، واختار صاحبُ المغني وغيرُه إن كان توليتُه ابتداءً، وأما المجهولُ فيُنْظَرُ فيمن ولاَّه، وإن كان يولِّي هذا تارةً وهذا تارة نفذ ما كان حقاً وردَّ الباطلَ والباقي موقوف. =
стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وقال أيضاً: قال أصحابُنا ولا يَنْقُضُ الحاكمُ حُكْمَ نفسِه ولا غيرِه إلا أن يخالفَ نصّاً أو إجماعاً، قال أبو العباس: يفرق في هذا بما إذا استوفَى المحكومُ له الحقَّ الذي ثَبَتَ له من مالٍ أو لم يَسْتَوفِ فإن استوفَى فلا كلام، وإن لم يَسْتَوفِ، فالذي ينبغي نقضُ حُكْمِ نفسِه والإشارةُ على غيرِه بالنَّقْضِ، وليس للإنسانِ أن يعتقدَ أحدَ القولَيْنِ في مسائلِ النِّزاعِ فيما له، والقولُ الآخَر فيما عليه باتِّفاقِ المسلمينَ، كما يعتقدُ أنه إذا كان جاراً استحقَّ شُفعةَ الجِوَارِ وإذا كان مُشترياً لم يَجبُ عليه شُفْعَةُ الجِوَارِ ا. هـ.
قال في الاختيارات: وإن أمكنَ القاضي أن يُرسلَ إلى الغائبِ رسولاً ويَكْتُبَ إليه الكتابَ والدَّعْوَى ويُجَابَ عن الدَّعْوَى بالكتابِ والرسولِ، فهذا هو الذي ينبغي كما فَعَلَ النبيُّ ﷺ بمُكَاتَبَةِ اليهود لما ادَّعَى الأنصارُ عليهم قَتْلَ صاحِبهم، وكاتَبَهُمْ ولم يَحْضُروه، وهكذا ينبغي أن يكونَ في كلِّ غائبٍ طُلِبَ إقرارُه أو إنكارُه إذا لم يُقِمِ الطالبُ بَيِّنةً، وإن أقامَ بَيِّنةً فمن الممكنِ أيضاً أن يُقال: إذا كان الخَصْمُ في البلدِ لم يجبْ عليه حضورُ مجلس الحاكم، بل يقولُ أرْسِلوا لي من يُعلِمُني بما يَدَّعِي به عليَّ، وإذا كان لابدَّ للقاضي من رسولٍ إلى الخَصْمِ يبلِّغُه الدَّعْوَى بحضورِه فيجوزُ أن يقومَ مقامَهُ رسولٌ، فإنَّ المقصودَ من حُضورِ الخَصْمِ سماعُ الدَّعْوَى وردُّ الجوابِ بإقرارٍ أو إنكارٍ، وهذا نظيرُ ما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ من أن النكاحَ يصحُّ بالمُراسَلةِ، مع أنه في الحُضُورِ لا يجوزُ تَراخِي القَبُولِ عن الإيجابِ تراخياً كثيراً، ففي الدَّعْوَى يجوزُ أن يكون واحداً لأنه نائبُ الحاكم، كما كان أُنَيسٌ نائبَ (١) النبيَّ ﷺ في إقامةِ =
стр. 360
بابُ طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ
إذا حضرَ إليه خَصْمانِ قال: أيُّكما المدَّعِي، فإن سَكَتَ حتى يُبْدأَ جازَ، فمن سبقَ بالدَّعْوَى قَدَّمَه، فإن أقرَّ له حَكَمَ له عليه، وإن أنكرَ قال للمدَّعِي: إن كان لك بينةٌ فأَحْضِرْها إن شئتَ، فإن أحْضَرَها سَمِعَها وحَكَمَ بها، ولا يَحْكُم بعِلْمِه، وإن قال المُدَّعِي: ما لي بَيِّنةٌ، أَعْلَمَهُ الحاكمُ أنَّ له اليَمِينَ على خَصْمِهِ على صِفَةِ جوابِه، فإن سألَ إِحْلافَه أَحْلَفَهُ وخَلَّى سبيله.
ولا يُعْتَدُّ بيمينه قبلَ مسألةِ المُدَّعِي، وإن نَكَلَ قَضَى عليه، فيقول إن حَلَفْتَ وإلا قَضَيْتُ عليك، فإن لم يَحْلِفْ قَضَى عليه، فإن حَلَفَ المُنْكِرُ ثم أَحْضَرَ المُدَّعِي بينةً حَكَمَ بها، ولم تكن اليمينُ مُزيلةً للحقِّ (*).
ــ
= الحَدِّ بعد سَمَاعِ الاعترافِ، أو يُخَرَّجُ على المراسَلَةِ من الحاكمِ إلى الحاكمِ، وفيه روايتان فيُنْظِرُ في قضيتِه خبيراً.
قال أبو العباس: فما وجدتُ إلا واحداً، ثم وجدتُ هذا منصوصاً عن الإمام أحمد في روايةِ أبي طالب فإنه نصَّ فيها على أنه إذا أقام بينةً بالعَيْنِ المُودَعةِ عند رجلٍ سُلِّمتْ إليه وقَضَى على الغائبِ، قال: ومن قال بغير هذا يقولُ له أن ينتظرَ بِقَدرِ ما يَذهبُ الكتابُ ويَجيءُ، فإن جاء وإلا أخذ الغُلامُ المُودَعَ، وكلامُه محتمِل تخييرَ الحاكِمِ بين أن يَقْضِي على الغائبِ وبين أن يكاتبَه في الجواب ا. هـ.
(*) قال في المقنع: ولا خلافَ في أنه يجوزُ له الحكمُ بالإقرارِ والبيِّنَةِ في مَجْلسِه إذا سمعَه معه شاهدانِ، فإن لم يَسَمعْهُ معه أحدٌ أو سَمِعَهُ معه شاهدٌ واحدٌ فله الحكمُ به، نصَّ عليه. =
стр. 361
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وقال القاضي: لا يحكُم به وليس له الحُكْمُ بعلمِه مما رآه وسَمِعَه، نصَّ عليه، وهو اختيارُ الأصحابِ؛ وعنه ما يدلُّ على جوازِ ذلك، سواء كان في حَدٍّ أو غيرِه اهـ.
وقال البخاري: باب من رأى للقاضي أن يَحْكُمَ بِعِلْمِه في أَمْرٍ للناسِ إذا لم يَخَفِ الظُّنونَ والتُّهمةَ كما قال النبي ﷺ لهند: (خُذي ما يَكْفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ) (١)، وذلك إذا كان أمراً مشهوراً ا. هـ.
قال في الاختيارات: وإذا كان المُدَّعَى به مما يعلم المدَّعَى عليه فقط مثل أن يَدَّعِيَ الورثةُ أو الوصِيُّ على غريمٍ للميتِ فيزكي قَضَى عليه بالنُّكولِ؛ وإن كان مما يَعْلَمُه المُدَّعِي كالدَّعْوَى على ورثةِ ميتِ حقاً عليه يتعلقُ بِتَركتِه وطلبَ من المدَّعي اليمينَ على الإثباتِ، فإن لم يَحْلِفْ لم يَأْخُذْ، وإن كان كلٌّ منهما يدَّعي العِلْمَ أو طَلَبَ من المطلوبِ اليمينَ على نَفْيِ العِلْمِ فهنا يتوجَّه القولان، والقولُ بالردِّ أرجحُ، وأصلُه أن اليمينَ تُرَدُّ على جهةِ أقوى المُتداعِيَيْنِ المُتَجَاحِدَينِ إلى أن قال: للحاكِمِ أن يُحَلِّفَ المُدَّعي عند الرِّيبَةِ فَعَلَهُ في كلِّ شهادةٍ، وكذلك تغليظُ اليمينِ للحاكمِ أن يفعلَه عند الحاجةِ انتهى. مُلخَّصاً.
وقال أيضاً: ويجبُ أن يُفرِّقَ بين فِسْقِ المُدَّعَى عليه وعَدالتِه، فليس كلُّ مُدَّعَى عليه يُرْضَى منه باليمينِ، ولا كلُّ مُدَّعٍ يطالَبُ بالبينةِ، فإن المُدَّعَى به إذا كان كبيراً والمطلوبُ لا تُعْلَمُ عدالتُه، فمن استحلَّ أن يَقْتُلَ أو يَسْرِقَ استحلَّ أن يَحْلِفَ، لا سيَّما عند خوفِ القَتْلِ أو القَطْعِ، ويرجحُ باليدِ العُرْفيَّة إذا استويا في الخشيةِ أو عَدَمِها، وإن كانت العَيْنُ بيدِ أحدِهما فمن شاهد الحال معه كان ذلك لَوْثاً فيَحْكمُ له =
стр. 362
فصل
ولا تصحُّ الدَعْوَى إلا مُحرَّرَةً معلومةَ المُدَّعَى به، إلا ما نصحِّحُه مجهولاً كالوصيةِ وعبدٍ من عبيدِه مَهْراً ونحوه.
وإن ادَّعى عَقْدَ نِكَاحٍ أو بيعٍ أو غيرهما فلابدَّ من ذِكْرِ شُروطِه، وإن ادَّعتْ امرأةٌ نِكاحَ رجلٍ لطلبِ نَفَقةٍ أو مَهْرٍ أو نحوهما سُمِعَتْ دعواها، وإن لم تَدَّعِ سوى النكاحِ لم تُقْبَلْ، وإن ادَّعى الإرثَ ذَكَرَ سبَبَهُ.
وتُعتَبرُ عدالةُ البينةِ ظاهراً وباطناً ومن جُهِلَتْ عدالتُه سَأَلَ عنه، وإن عَلِمَ عدالتَه عَمِلَ بها، وإن جَرَحَ الخَصْمُ الشُّهودَ كُلِّفَ البينةَ به، وأُنْظِرَ له ثلاثةَ أيامٍ إن طلبَه، وللمدَّعِي مُلازمتُه، فإن لم يأتِ ببينةٍ حَكَمَ عليه، وإن جَهِلَ حالَ البينةِ طَلَبَ من المُدَّعي تَزْكيتَهم، ويكفي فيها عَدْلانِ يَشْهدانِ بعدالتِه.
ولا يُقْبَلُ في الترجمةِ والتزكيةِ والجَرْحِ والتعريفِ والرسالةِ إلا قولُ عَدْلَينِ.
ــ
= بيمينِه ا. هـ. وقال البخاري: "باب من أقام البيِّنةَ بعد اليمين" وقال النبي ﷺ : (لعلَّ بعضَكم ألحنُ بحُجتِه من بعض) (١)، وقال طاووس وإبراهيمُ وشُرَيح: البينةُ العادلةُ أحقُّ من اليمينِ الفَاجِرَةِ.
قال الحافظ: وقد ذهب الجمهورُ إلى قبولِ البينةِ، وقال مالك في المُدَوَّنَةِ إن استحلَفهُ ولا عِلْمَ له بالبينةِ ثم عَلِمَها قُبلتْ وقَضَى له بها، وإن عَلِمَها فتركَها فلا حقَّ له، انتهى.
قلت: وهو الصوابُ، لأنه أسقطَ حقَّ نفسِه ورضي بيمينِ صاحبِه.
стр. 363
ويَحكُمُ على الغائبِ إذا ثبتَ عليه الحقُّ، وإن ادَّعى على حاضرٍ في البلدِ غائب عن مَجْلسِ الحُكم وأُتِي ببينةٍ لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى ولا البَيِّنَةُ (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات: ومسألةُ تحريرِ الدعوى وفروعِها ضعيفةٌ لحديثِ الحَضْرَمي في دعواه على الآخر أرضاً غيرَ موصوفةٌ، وإذا قيل لا تُسْمَعُ الدعوى إلا محرَّرَةً فالواجبُ أن من ادَّعَى مُجْمِلاً استفصَلَهُ الحاكمُ، وظاهرُ كلامِ أبي العباس صحةُ الدَّعْوَى على المُبْهَم، كدعوى الأنصارِ قَتْلَ صاحبِهم، ودعوى المسروقِ منه على بني أُبَيرِق وغيرهم، ثم المُبْهَمُ قد يكون مُطْلَقاً وقد يَنْحَصِر في قومٍ كقولها: أَنْكِحْني أَحدَهُما وزوِّجْنِي أَحدَهُما، والثبوتُ المَحْضُ يصح بلا مُدَّعَى عليه، وقد ذكره قومٌ من الفقهاء وفَعَلَه طائفةٌ من القُضاةِ وسُمعت الدَّعْوَى في الوكالةِ من غَير حُضورِ الخَصْمِ المُدَّعَى عليه. ونقلَه مُهنَّا عن أحمد، ولو كان الخَصْمُ في البلدِ، وتسمع دَعْوَى الاستيلادِ، وقاله أصحابُنا وفسَّره القاضي بأن يَدَّعَيَ استيلادَ أَمَةٍ فَتُنْكِرَه، وقال أبو العباس: بل هي المُدَّعِيةَ، ومن ادَّعَى على خَصْمِه أن بيدِه عقاراً استغلَّه مُدَّةً معيَّنةً وعيَّنَه، وإن استحقَّه فأنكرَ المُدَّعَى عليه، وأقام المُدَّعِي بيِّنةً باستيلائِه لا باستحقاقِه لزم الحاكمَ إثباتُه والشهادةُ به، كما يلزم البينة أن تَشْهَد به، لأنه كفرعٍ من أصلٍ وما لزم أصلاً الشهادةُ به لزم فرعُه حيثُ يُقْبَلُ، ولو لم تَلْزَم إعانَةُ مدَّعٍ بإثباتِ وشهاداتٍ ونحو ذلك إلا بعد ثُبوتِ استحقاقِه لزمَ الدَّوْرُ بخلافِ الحُكمِ، ثم إنْ أقامَ بينةً بأنه هو المستحِقُّ أَمَرَ بإعطائِه ما ادَّعاه وإلا فهو كمالٌ مجهولٌ يُصْرَفُ في المصالح اهـ.
قال في المقنع: ويُعتبرَ في البيِّنةِ العدالةُ ظاهراً وباطناً في اختيار أبي بكر والقاضي، وعنه تُقبل شهادةُ كلِّ مسلمٍ لم تظهرْ منه ريبةٌ اختاره الخِرقي. =
стр. 364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قال في الاختيارات: وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يقتضي أن يقبلَ في الشهادةِ على حقوقِ الآدميينَ من رَضُوا شهيداً بينهم، ولا يُنْظَرُ إلى عدالتِه كما يكون مقبولاً عليهم فيما ائتمنُوه عليه. وقوله تعالى في آية الوصيَّةِ والرَجْعةِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ١٠٦]، أي صاحبا عدلٍ. والعَدْلُ في المقالِ هو الصِّدْقُ والبيانُ الذي هو ضِدُّ الكذبِ والكِتْمانِ كما بيَّنَه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]. والعَدْلُ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ وطائفةٍ بِحَسَبِها، فيكونُ الشاهدُ في كُلِّ قومٍ من كان ذا عَدْلٍ فيهم، لو كان في غيرِهم لكان عَدْلُه على وجهٍ آخر، وبهذا يمكنُ الحُكْمُ بين الناسِ وإلا فلو اعْتُبِرَ في شُهودِ كلِّ طائفةٍ أن لا يَشْهدَ عليهم إلا من يكونُ قائماً بأداءِ الواجباتِ وتَرْكِ المُحرَّماتِ كما كان الصحابةُ لبَطَلَتِ الشهاداتُ كلُّها.
وقال أبو العباس في موضع آخر: إذا فُسِّرَ الفاسقُ في الشهادةِ بالفاجرِ وبالمُتَّهمِ، فينبغي أن يُفَرَّقَ بين حالِ الضَّرورةِ وعَدَمِها، كما قُلنا في الكُفَّار. وقال أبو العباس في موضع: ويتوجَّه أن تُقبلَ شهادةُ المعروفين بالصِّدْقِ، وإن لم يكونوا مُلْتَزِمينَ للحدودِ عند الضَّرُورةِ مثل الجَيْشِ وحَوادثِ البدو وأهلِ القَرْيةِ الذين لا يُوجَدُ فيهم عَدْلٌ، انتهى.
وقال أيضاً: ويُقْبَلُ في التَّرْجمةِ والجَرحِ والتَّعديلِ والتَّعريفِ والرِّسالةِ قولُ عَدْلٍ واحدٍ، وهو روايةٌ عن أحمد، ويُقْبَلُ الجَرْحُ والتَّعديلُ باستفاضةٍ.
قال في المقنع: وإن ادَّعَى على غائبٍ أو مُستَتِرٍ في البلدِ أو ميِّتٍ أو صَبيٍّ أو مجنونٍ وله بيِّنَةٌ، سَمِعَها الحاكمُ وحَكَمَ بها، وهل يَحْلِفُ المُدَّعِي أنه لم يَبْرَأْ إليه منه =
стр. 365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ولا من شيءٍ منه؟ على روايتين، ثم إذا قَدِمَ الغائبُ أو بَلَغَ الصَبِيُّ أو أفاقَ المجنونُ فهو على حُجَّتِه، وإن كان الخَصْمُ في البلد غائباً عن المجلس لم تُسمع البينةُ حتى يحضر، فإن امتنع عن الحضورِ سُمعت البينةُ وحَكَمَ بها في إحدى الروايتين، والأُخْرَى لا تُسمَعُ حتى يَحْضُرَ، فإن أَبَى بَعَثَ إلى صاحب الشُّرطةِ ليُحْضِرَهُ، فإن تَكرَّر منه الاستتارُ أَقْعَدَ على بابه من يُضيِّقُ عليه في دُخولِهِ وخُروجِهِ حتى يُحْضِرَه اهـ.
قال في الاختيارات: وإن أمكنَ القاضي أن يُرسِلَ إلى الغائب رسولاً، ويَكْتُبَ إليه الكتابَ والدَّعْوَى، ويُجاب عن الدَّعْوَى بالكتابِ والرسولِ، فهذا هو الذي ينبغي كما فعل النبي ﷺ بمُكاتَبَةِ اليهودِ لما ادَّعى الأنصارُ عليهم قَتْلَ صاحِبِهمْ،
وكاتَبَهُمْ ولم يُحْضِرُوه، هكذا يَنبغي أن يكونَ في كُلِّ غائبٍ طُلِبَ إقرارُه أو إنكارُه، إذا لم يُقِمِ الطالبُ بَيِّنَةً، وإن أقامَ بينةً فمن المُمكنِ أيضاً أن يُقال: إذا كان الخَصْمُ في البلدِ لم يَجِبْ عليه حضورُ مَجْلِسِ الحاكمِ، بل يقولُ أرسِلُوا إليَّ من يُعْلِمُنِي بما يدَّعِي به عَلَيَّ، وإذا كان لابدَّ للقاضِي من رسولٍ إلى الخَصْمِ يُبلغُه الدَعْوَى بحضورِه، فيجوزُ أن يقومَ مقامَهُ رسولٌ فإنَّ المقصودَ من حُضورِ الخَصْمِ سماعُ الدَّعْوَى وردُّ الجوابِ بإقرارٍ أو إنكارٍ، وهذا نظيرُ ما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ من أن النكاحَ يصحُّ بالمراسلةِ مع أنه في الحُضُورِ لا يجوزُ تَراخِي القَبُولِ عن الإيجابِ تراخياً كثيراً، ففي الدَّعْوَى يجوزُ أن يكونَ واحداً لأنه نائبُ الحاكمِ، كما كان أُنيَسٌ نائبَ النبيِّ ﷺ في إقامةِ الحَدِّ بعد سَماعِ الاعترافِ ا. هـ. وقد تقدَّم في أولِ الكتابِ.
стр. 366
باب كتاب القاضي إلى القاضي
يُقْبَلُ كتابُ القَاضِي إلى القَاضِي في كُلِّ حقٍّ حتى القَذْفِ، لا في حُدودِ اللهِ كَحَدِّ الزِّنَا ونحوهِ، ويُقْبَلُ فيما حَكَمَ به ليُنْفِذَهُ وإن كانا في بلدٍ واحدٍ، ولا يُقْبَلُ فيما ثَبَتَ عنده لِيَحْكُمَ به إلا أن يَكونَ بينَهما مسافةُ القَصْرِ (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات (١): ويُقْبَلُ كتابُ القاضِي إلى القاضِي في الحُدودِ والقِصَاصِ، وهو قولُ مالكٍ وأبي ثَوْرٍ في الحدود، وقولُ مالكٍ والشافعيِّ وأبي ثَوْرِ، وروايةٌ عن أحمدَ في القِصَاصِ، والمَحْكُومُ إذا كان عَيْنَاً في بلدِ الحاكمِ فإنه يُسْلِمُه إلى المُدَّعِي، ولا حاجةَ إلى كتابٍ، وأما إن كان دَيْناً أو عَيْناً في بلد أخرى، فهنا يقف على الكِتَاب، وهاهنا ثلاث مسائل متداخلات: مسألةُ إحضارِ الخَصْم إذا كان غائباً، ومسألةُ الحكم على الغائب، ومسألة كتاب القاضي إلى القاضي، ولو قيل إنما نَحكُم على الغائب إذا كان المحكومُ به حاضراً -لأن فيه فائدة، وهي تسلُّمُه، وأمَّا إذا كان المحكومُ به غائباً: فينبغي أن يُكاتِبَ الحاكمُ بما يثبتُ عنده من شهادةِ الشهود، حتى يكون الحكمُ في بلد التسليم- لكان متوجهاً، وهل يُقبلُ كتابُ القاضِي [إلى القاضِي] بالثبوتِ أو الحُكْمُ من حاكمٍ غيرِ معيَّن، مثل أن يشهد شاهدان: أن حاكماً نافذَ الحُكْمِ حَكَمَ بكذا وكذا؟ القياس أنه لا يُقْبَل، بخلاف ما إذا كان المكاتِبُ معروفاً، لأن مراسلةَ الحاكم ومكاتَبَتَهُ بمنزلةِ شهادةِ الأصولِ للفروعِ، وهذا لا يُقبل في الحُكْمِ والشهاداتِ، وإن قُبل في الفتاوى والإخبارات. =
стр. 367
ويجوز أن يكتب إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى كلِّ من يَصِلُ إليه كتابُه من قُضَاةِ المسلمين، ولا يُقبل إلا أن يُشْهِدَ به [القاضي] الكاتبُ شاهِدَيْن يُحضرهما فيقرأه عليهما، ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ثم يدفعُه إليهما (*).
ــ
= وقد ذكر صاحب المحرَّر ما ذكره القاضي [من] أن الخصمين إذا أَقرَّا بحُكمِ حاكمٍ عليهما، خُيِّر الثاني بين الإمضاءِ والاستئناف، لأن ذلك بمنزلةِ قول الخَصْمِ: شَهِدَ [عليَّ] شاهدانِ ذوا عدلِ، فهنا يُقال بالتخييرِ أيضاً، ومن عَرفَ خَطَّه بإقرارٍ أو إنشاءٍ أو عَقْدٍ أو شهادةٍ عَمِلَ به كالميِّتِ، فإنْ حَضَر وأنكرَ مضمونَه فكاعترافه بالصوتِ وإنكارِ مضمونِه، وللحاكم أن يكتب للمُدَّعَى عليه إذا ثبتتْ براءتُه محضراً بذلك إن تضرر بتركه، وللمحكومِ عليه أن يطالِبَ الحاكمَ عليه بتَسْميةِ البيِّنةِ، ليتمكَّنَ من القَدْحِ فيها باتِّفاق اهـ.
(*) قوله: "ولا يُقبل إلا أن يُشْهِدَ به القاضي الكاتبُ شاهِدَيْنِ" إلى آخره.
قال ابنُ القيِّم في الهدي على قصَّة الأنصارِ مع يهودِ خَيْبر: وقد تضمَّنَتْ هذه الحكومةُ أموراً، منها الحُكْمُ بالقَسَامَةِ، وأنها من دِينِ الله وشَرْعِه، إلى أن قال: ومنها أن المدعَّى عليه إذا بَعُدَ عن مجلسِ الحُكم كَتَبَ ولم يُشْخِصْه، ومنهاجوازُ العملِ والحُكم بكتاب القاضي وإن لم يشهدْ عليه، ومنها القضاءُ على الغائب انتهى.
وقال الحافظ بن حجر: وفيه التأنيسُ والتسليةُ لأولياء المقتول؛ لا أنه حُكمٌ على الغائبين، لأنه لم يتقدم صورة دَعْوَى على غائب، وإنما وقع الإخبارُ بما وقع فذكر لهم قصةَ الحكم على التقديرين، ومن ثَمَّ كتبَ إلى اليهودِ بعد أن دار =
стр. 368
باب القسمة
لا تجوزُ قِسْمَةُ الأملاك التي لا تَنْقَسِمُ إلا بضررٍ، أو رَدِّ عِوَضٍ إلا بِرِضَا الشُّركاءِ كالدُّورِ الصِّغارِ، والحَمَّامِ والطَّاحُونِ الصَّغيرين، والأرضِ التي لا تتعدَّل بأجزاء، ولا قيمةَ لبناءٍ أو بئرٍ في بعضها، فهذه القِسْمةُ في حُكْمِ البيع، ولا يُجْبَرُ من امتنع من قِسْمَتِها.
وأما ما لا ضررَ ولا ردَّ عِوَضٍ في قِسْمَتِه كالقرية، والبستانِ، والدارِ الكبيرةِ، والأرضِ، والدكاكينِ الواسعةِ، والمكيلِ والموزونِ من جنسٍ واحدٍ كالأدهانِ، والألبانِ ونحوهما، إذا طلبَ الشريكُ قِسْمَتَها أُجبر الآخرُ عليها، وهذه القسمةُ إفرازٌ لا بيعٌ.
ــ
= بينهم الكلامُ، ويؤخذ منه أن مجردَ الدعْوَى لا توجبُ إحضارَ المدَّعَى عليه، لأن في إحضارِه مَشْغَلَةً عن أشغالِه وتضييعاً لمالِه من غير مُوجِبٍ ثابتٍ لذلك، أما لو ظَهَرَ ما يُقَوِّي الدَّعْوَى من شُبهةٍ ظاهرةٍ، فهل يسوغ استحضارُ الخصم أو لا؟ محلُّ نَظَرٍ، والراجحُ أن ذلك يَخْتلفُ بالقُرْبِ والبَعْدِ وشدةِ الضَّرَرِ وخِفَّتِهِ، وفيه الاكتفاءُ بالمكاتبةِ وَبِخَبَرِ الواحدِ مع إمكانِ المشافهة اهـ.
وقال في الاختيارات في كتاب الإقرار: والتحقيقُ أن يُقالَ: إنَّ المُخبِر إنْ أَخْبَرَ بما على نفسِه، فهو مُقِرٌ، وإنْ أَخبرَ بما على غيرِه لنفسِه، فهو مُدَّعٍ، وإن أخبرَ بما على غيره لغيره، فإنْ كان مُؤْتَمناً عليه، فهو مُخْبِرٌ وإلا فهو شاهد، فالقاضي والوكيلُ والكاتبُ والوصيُّ والمأذونُ له، كلُّ هؤلاء ما أَدَّوهُ مُؤْتَمَنُونَ عليه، فإخبارُهم بعد العَزْلِ ليس إقراراً، وإنما هو خبرٌ مَحْضٌ اهـ.
стр. 369
ويجوز للشركاءِ أن يتقاسَموا بأنفسِهم وبقاسمٍ يُنصِّبونه أو يسألوا الحاكِمَ نَصْبَهُ، وأُجْرَتُهُ على قدرِ الأملاكِ، فإذا اقتسَمُوا أو اقْتَرعُوا لَزِمَتِ القِسْمَةُ، وكيف اقتَرَعُوا جازَ (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات (١): وما لا يمكن قِسْمةُ عينِه إذا طَلبَ أحدُ الشركاءِ بَيْعَه بِيْعَ وقُسِمَ ثمنُه، وهذا هو المذهبُ المنصوصُ عن أحمدَ في رواية الميموني، وذكره الأكثرون من الأصحاب، وقد نصَّ أحمدُ على بيعِ الشائعةِ في الوقفِ والاعتياضِ عنها، ومن تأمَّل الضَّرَر الناشيءَ من الاشتراكِ في الأموالِ الموقوفةِ لمْ يخْفَ عليه هذا. ولو طَلَبَ أحدُ الشريكين الإجارةَ أُجبر الآخر معه، ذكره الأصحابُ في الوقف، ولو طلبَ أحدُهما العُلُوَّ لم يُجَبْ، بل يُكْرَى عليهما على مذهب جماهير العلماء، كأبي حنيفة ومالك وأحمد، وإذا طَلَبَ أحدُ الشركاءِ القسمةَ فيما يُقسم لزم الحاكمَ إجابتُه، ولو لم يَثْبُتْ عنده مِلْكُهُ كبيعِ المرهون والجاني، وكلامُ أحمد في بيع ما لا ينقسمُ وقَسْمُ ثَمنِه عامٌّ فيما يَثْبُتُ عنده أنه مِلْكُه وما لا يَثْبُتُ، وقد نصَّ أحمدُ في روايةِ حَرْبٍ فيمن أقامَ بيِّنةً بسهمٍ من ضيعةٍ بيدِ قومٍ بعداء منه [فهربوا منه] تُقسَمُ عليهم ويُدْفَعُ إليه حَقُّه، فقد أَمَرَ الإمامُ أحمدُ الحاكمَ أن يَقْسِمَ على الغائبِ إذا طَلَبَ الحاضرُ، وإن لم يَثْبُتْ مُلْكُ الغائبِ اهـ ملخصاً.
قال في المقنع: وهذه القسمةُ إفرازُ حَقِّ أحدِهما من الآخرِ في ظاهرِ المذهب وليست بيعاً فتجوزُ قِسْمَةُ الوَقْفِ، وإن كان نصفُ العَقَارِ طلقاً ونصفُه وقفاً جازت قسمتُه، وتجوز قسمةُ الثمارِ خصوصاً، وقسمةُ ما يُكال وزناً وما يُوزَنُ كَيْلاً، والتفرقُ في قِسْمةِ ذلك قبلَ القَبْضِ اهـ. =
стр. 370
باب الدعاوَى والبينات
المُدَّعِي: مَنْ إذا سَكَتَ تُرِكَ، والمُدَّعَى عليه: مَنْ إذا سَكَتَ لم يُتْرَكْ.
ولا تصحُّ الدعوَى والإنكارُ إلا من جائزِ التصرفِ، وإذا تداعَيا عَيْناً بيدِ أحدِهما فهي له مع يمينِه، إلا أن تكونَ له بيِّنةٌ فلا يَحْلِفُ، فإن أقامَ كلُّ واحدٍ بيِّنةً أنها له قُضِيَ للخارجِ ببينتِه، ولَغَتْ بينةُ الداخل (*).
ــ
= قال في الاختيارات (١): وإذا تَهَايأ فلاَّحوا القريةِ الأرضَ، وزرعَ كلُّ واحدٍ منهم حِصَّتَه فالزرعُ له، ولربِّ الأرضِ نصيبُه، إلا أنَّ مَنْ نزلَ من نصيبِ مالِكِه، فله أَخْذُ أُجْرَةِ القصيلة (٢) أو مُقَاسَمَتُها، وأجرةُ وكيلِ القِرَى والأمينِ لحفظِ الزرعِ على المالك والفلاحِ، كسائر الأملاكِ، فإذا أخذوا من الفلاح بِقَدرها عليه، أو ما يستحقُّه الضيفُ حَلَّ لهم، وإن لم يأخُذِ الوكيلُ لنفسِه إلا قَدْرَ أُجرةِ عملِه بالمعروف والزيادةُ يأخذُها المُقْطِعُ، فالمُقْطِعُ هو الذي ظَلَم الفلاحين، والوقفُ جائزٌ على جهةٍ واحدةٍ لا تُقْسَمُ عينُه اتِّفاقاً، والله أعلم اهـ.
قال في المقنع: ويُعَدِّلُ القاسمُ السِّهامَ بالأجزاءِ إن كانت متساويةً، وبالقيمةِ إن كانت مختلفةً، وبالرَّدِّ إن كانت تقتضيه، وقال أيضاً: فإن ادَّعى بعضُهم غَلَطاً فيما تقاسَموه بأنفسهم وأَشْهَدوا على تراضِيهم به لم يُلْتَفَتْ إليه، وإن كان فيما قَسَمَهُ قاسِمُ الحاكمِ فعلى المدَّعِي البينةُ، وإلا فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه.
(*) قال في المقنع: وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بيِّنةٌ حَكَمَ بها للمُدَّعِي في ظاهر المذهب، وعنه إن شَهِدَتْ بيِّنةُ المدَّعَى عليه أنها له نُتِجَتْ في مِلْكِهِ، أو قَطِيعةٌ مِنَ الإمامِ قُدِّمَتْ بيِّنتُه، وإلا فهي للمُدَّعِي بيِّنَتِه اهـ. =
стр. 371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قال في الاختيارات (١): ومَنْ بيدِه عَقَارٌ فادَّعَى رجلٌ بثبوتِه عند الحاكم، أنه كان لجَدِّه إلى موتِه، ثم إلى ورثتِه، ولم يَثْبُتْ أنه مُخَلَّفٌ عن مُوَرِّثِه، لا يُنْزَعُ منه بذلك، لأن أَصْلَيْنِ تعارضا وأسبابُ انتقالِه أكثرُ من الإرْثِ، ولم تَجْرِ العادةُ بسكوتِهم المدَّةَ الطويلةَ، ولو فُتح هذا البابُ لانْتُزِعَ كثيرٌ من عَقَارِ الناسِ بهذا الطريقِ.
وقال أيضاً (٢): وإذا تَداعَيا بهيمةً أو فصيلاً فشهدَ القائفُ أن دابَّةَ هذا تُنْتِجُهَا، ينبغي أن يَقضي بهذه الشهادة وتُقَدَّمُ على اليدِ الحسِّيةِ، ويتوجَّه أن يَحْكُمَ بالقِيَافَةِ في الأمور كلِّها كما حكمنا بذلك في الجِذْعِ المَقْلوعِ إذا كان له موضعٌ في الدار، وكما حَكَمْنا في الاشتراك في اليدِ الحِسِّيةِ بما يظهر من اليد العُرفيةِ، فأعطينا كلَّ واحدٍ من الزوجين ما يناسبه في العادة، وكلَّ واحدٍ من الصانِعَيْنِ ما يناسبُه، وكما حكمنا بالوَصْفِ في اللُّقَطَةِ إذا تداعَاها اثنانِ، وهذا نوعُ قِيافةٍ أو شبيه به، وكذلك لو تنازعا غِراساً أو ثمراً في أيديهما، فشَهد أهلُ الخبرة أنه من هذا البستان، ويُرجَعُ إلى أهلِ الخِبْرةِ حيثَ يَستوي المتداعيانِ، كما يُرجَع إلى أهل الخبرة بالنَّسَبِ، وكذلك لو تنازع اثنان لباساً أو نعلاً من لباسِ أحدِهما دون الآخرِ، أو تنازعا دابةً تذهبُ من بعيدٍ إلى اصْطَبْلِ أحدِهما دون الآخرِ، أو تنازعا زوجَ خُفٍّ أو مصراعَ بابٍ مع الآخر شَكْلُه، أو كان عليه علامةٌ لأحدِهما كالزُّرْبُولِ التي للجُنْدِ، وسواء كان المدَّعَى في أيديهما أو في يدِ ثالثٍ، وأما إن كانت اليدُ لأحدِهما دون الآخر، فالقِيافةُ المعارضةُ لهذا كالقِيافةِ المعارضةِ للفِرَاشِ، فإذا قلنا بالقِيافةِ في صورة الرُّجْحَانِ، فقد نقولُ ههنا كذلك، ومثل أن يدَّعي أنه ذهبَ من مالِه شيءٌ ويثبت ذلك، فَيَقُصُّ القائفُ أَثَرَ الوَطْءِ من مكانٍ إلى آخر، فشهادةُ القائف أن المالَ دخلَ إلى هذا الموضعِ توجبُ أحدَ الأمرين، إما الحُكمُ به، وإما أن يكون لَوثاً فيحكمُ به مع اليمين للمُدَّعِي وهو الأقرب، فإن هذه الأمارة ترجِّحُ جانبَ المدَّعِي، واليمنُ مشروعةٌ في أقوى الجانبين اهـ.
стр. 372
كتاب الشهادات
تَحمّلُ الشهادات في غير حقِ الله فرضُ كفاية، فإن لم يوجد إلا من يَكْفي تَعيَّن عليه.
وأداؤها فرضُ عينٍ على من تحمَّلها، متى دُعي إليها وقَدَرَ بلا ضَررٍ في بَدَنِه أو عِرْضِه أو مالِه أو أهلِه، وكذا في التحمُّلِ، ولا يحِلُّ كتمانها، ولا أن يشهدَ إلا بما يَعلَمُه برؤيةٍ أو سماعٍ أو استفاضةٍ فيما يتعذَّر عِلمُه غالباً بدونها كنَسَبٍ وموتٍ ومِلْك مطلق، ونكاحٍ ووقفٍ ونحوها (*).
ــ
(*) قال الخرقي: ومن لزمتْه الشهادةُ فعليه أن يقومَ بها على القريبِ والبعيدِ لا يسعُه التخلُّف عن إقامتِها وهو قادرٌ على ذلك.
قال في الاختيارات (١): الشهادةُ سببٌ موجِبٌ للحق، وحيثُ امتنعَ أداءُ الشهادةِ امتنعت كتابتُها في ظاهر كلام أبي العباس والشيخ أبي محمد المقدسي، ولو كان بيد إنسان شيءٌ لا يستحقُّه، ولا يصلُ إلى من يستحقّه بشهادتهم [لم يلزم أداؤها]، وإذا وصل إلى مُستحقِّه بشهادتهم لزم أداؤُها، والطلبُ العُرفي أو مقتضى الحال في طلب الشهادة كاللَّفْظي، عَلِمَها المشهودُ له أو لا، وهو ظاهرُ الخبر، وخبر: "لا يَشْهَدُ ولا يُسْتَشْهَد" (٢) محمولٌ على شهادة الزور، وإذا أدَّى الآدميُّ شهادةً قبل الطلبِ قام بالواجب، وكان أفضلَ، كمن عنده أمانةٌ أداها عند الحاجة، والمسألة تُشبه =
стр. 373
ومن شَهِدَ بنكاحٍ أو غيره من العُقودِ فلابدَّ من ذِكْرِ شروطه، ... وإن شهد برضاعٍ أو سرقةٍ أو شُربٍ أو قَذْفٍ، فإنه يصفُه ويصفُ ... الزِنا بذكرِ الزمان والمكان والمزنِي بها، ويَذكرُ ما يُعتبَر للحُكمِ ويَختلِفُ به في الكُلِّ (*).
ــ
= الخلافَ في الحُكم قبلَ الطلب، وإذا غَلب على ظنِّ الشاهدِ أنه يُمْتَحَنُ فيُدعَى إلى القول المخالفِ للكتابِ والسنةِ أو إلى محرَّم، فلا يسوغُ له أداءُ الشهادةِ وفاقاً، اللهم إلا أن يُظهر قولاً يريد به مصلحةً عظيمةً، ويشهدُ بالاستفاضةِ ولو عن أحدٍ تَسكنُ نفسُه إليه، اختاره الجدُّ. انتهى ملخصاً.
وقال أيضاً: ولا يعتبرُ في أداءِ الشهادةِ [قولُ الشاهد: ] وأن الدَّينَ باقٍ في ذمةِ الغريم إلى الآن بل يَحكمُ الحاكمُ باستصحابِ الحال إذا ثبتَ عنده سبقُ الحقِ إجماعاً.
فائدة: قال في المقنع: وإذا مات رجلٌ فادَّعى آخرُ أنه وارثُه، فشهدَ له شاهدان أنه وارثُه لا يعلمان له وارثاً سواه يسلَّم المالُ إليه، سواء كانا من أهلِ الخبرةِ الباطنةِ أو لم يكونا، وإن قالا: لا نعرفُ غيرَه في هذا البلدِ احْتَمَلَ أن يُسلَّمَ المالُ إليه، واحتملَ أن لا يسلَّمَ إليه، حتى يَسْتَكْشِفَ القاضي عن خبرِه في البلدانِ التي سافر إليها اهـ.
(*) قوله: (ويذكرُ ما يُعتبر للحُكم ويختلفُ به في الكُلِّ) قال في الاختيارات: ويُعَرِّضُ في الشهادةِ إذا خافَ الشاهدُ من إظهارِ الباطنِ ظلمَ المشهودِ عليه، وكذلك التعرضُ في الحُكْمِ إذا خاف الحاكمُ من إظهارِ الأمرِ وقوعَ الظلمِ، وكذلك التعريضُ في الفَتْوَى، والروايةُ كاليمينِ وأَوْلَى، إذ اليمينُ خَبَرٌ وزيادةٌ اهـ.
стр. 374
فصل
شروطُ مَنْ تُقبل شهادتُه ستةٌ: البلوغُ، فلا تُقبلُ شهادةُ الصِّبيانِ. الثاني: العقلُ، فلا تُقبلُ شهادةُ مجنونٍ ولا مَعْتوهٍ، وتُقبلُ ممن يُخْنَقُ أحياناً في حالِ إفاقتِه. الثالث: الكلامُ، فلا تُقبلُ شهادةُ الأخرسِ، ولو فُهِمَتْ إشارتُه إلا إذا أدَّاها بخطِّه. الرابع: الإسلامُ. الخامس: الحِفْظُ. السادس: العدالةُ ويُعتبَر لها شيئان: الصلاحُ في الدِّين، وهو أداءُ الفرائضِ بسُننها الراتبةِ، واجتنابُ المحارمِ، بأن لا يأتيَ كبيرةً ولا يُدمن على صغيرةٍ، فلا تقبلُ شهادةُ فاسقٍ. الثاني: استعمالُ المروءةِ، وهو فعلُ ما يُجمِّله ويزينُه، واجتنابُ ما يدنِّسُه ويَشِيْنُه. ومتى زالتِ الموانعُ، فبلغَ الصبيُّ وعَقَلَ المجنونُ وأسلم الكافرُ وتاب الفاسقُ، قُبلتْ شهادتُهم (*).
ــ
(*) قال في المقنع: ولا يُعتَبرُ في الشهادةِ الحريةُ، بل تجوز شهادةُ العبدِ في كلِّ شيءٍ إلا في الحدودِ والقِصَاصِ على إحدى الروايتين، وتقبلُ شهادةُ الأَمَةِ فيما تجوزُ فيه شهادةُ النساءِ، وتجوز شهادةُ الأصمِّ على ما يراه وعلى المسموعاتِ التي كانت قبل صَمَمِهِ، وتجوز شهادةُ الأعمى في المسموعاتِ إذا تيقَّن الصوتَ وبالاستفاضةِ، وتجوز في المرئياتِ التي تَحمَّلها قبل العَمَى، إذا عَرَفَ الفاعلَ باسمِه ونسبِه.
قال في الاختيارات (١): وله أصولٌ منها: قبولُ شهادةِ أهلِ الذمَّةِ في الوَصيَّةِ، وشهادةُ النساءِ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرجالُ، وشهادةُ الصِّبيانِ فيما لا يطَّلعُ عليه الرجالُ، ويَظهرُ ذلك بالمحتضر في السفر إذا حَضَره اثنانِ كافرانِ واثنانِ مسلمانِ يَصْدُقَانِ وليسا بملازمين للحُدودِ، أو اثنان مُبْتَدِعانِ، فهذان خيرٌ من الكافَرين، إلى =
стр. 375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أن قال: وتُقبلُ شهادةُ الكافرِ على المسلم في الوصيَّةِ في السفر إذا لم يوجد غيرُه، وهو مذهبُ أحمد، ولا تُعتَبرُ عدالتُهم في دِينهم، وصرَّح به القاضي، واستحلافُهم حقٌّ للمشهود عليه، فإن شاء حَلَّفهم، وإن شاء لم يُحلِّفْهم بسبب حقِّ الله، ولو حَكَمَ حاكمٌ بخلافِ آيةِ الوصَّيةِ يُنقَضُ حُكمُه، فإنه خالفَ نصَّ الكتابِ بتأويلاتٍ سَمِجَةٍ. وقول أحمد: أَقْبَلُ شهادةَ أهلِ الذمةِ إذا كانوا في سَفَرٍ ليس فيه غيرُهم، هذه ضرورةٌ يقتضي هذا التعليلُ قبولها في كل ضرورةٍ حَضَراً وسَفَراً، وصيةً وغيرَها، وهو مُتَّجِهٌ، كما تقبلُ شهادةُ النساءِ في الحدودِ إذا اجتمعْنَ في العُرْسِ والحمَّامِ، ونصَّ عليه أحمدُ في روايةِ بكرِ بنِ محمدٍ عن أبيه، إلى أن قال: وإذا قبلنا شهادةَ الكفارِ في الوصيَّةِ في السفرِ، فلا يُعتبَرُ كونُهم من أهل الكتابِ، وهو ظاهرُ القرآنِ، وتقبلُ شهادةُ أهلِ الذمةِ بعضِهم على بعضٍ، وهو رواية عن أحمدَ اختارها أبو الخطابِ في انتصاره، ومذهبُ أبي حنيفة وجماعةٍ من العلماء، ولو قيل: إنهم يَحلِفُون مع شهادةِ بعضِهم على بعض كما يَحلِفُون في شهادتِهم على المسلمين في وصية السفر لكان متوجِّهاً. اهـ.
قال في الاختيارات (١): والشروط التي في القرآن إنما هي في استشهاد التحمُّل لا الأداء، وينبغي أن نقولَ في الشهود ما نقولُ في المحدِّثين، وهو أنه من الشهودِ مَنْ تقبلُ شهادتُه في نوعٍ دون نوعٍ، أو شخصٍ دون شخصٍ، كما أن المحدِّّثين كذلك، ونبأُ الفاسقِ ليس بمردودٍ، بل هو موجِبٌ للتبيُّنِ عند خَبَرِ الفاسقِ الواحد، أما إذا علم أنهما لم يتواطآ، فهذا قد يَحْصُلُ [به] العلم، وتُرَدُّ الشهادةُ بالكِذْبَةِ الواحدةِ، وإن لم نَقُلْ: هي كبيرةٌ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، ومن شهد على إقرارِ كذبٍ مع =
стр. 376
باب موانع الشهادة وعدد الشهود
لا تُقْبَلُ شهادةُ عَمُودَي النَّسَبِ بعضِهم لبعضٍ، ولا شهادةُ أحدِ الزوجين لصاحِبه، وتُقْبَلُ عليهم، ولا من يَجُرُّ إلى نفسِه نفعاً، أو يَدفعُ عنها ضرراً، ولا عدوّ على عدوِّهِ (*)، كمن شَهِدَ على من قَذَفَهُ، أو قَطَعَ الطريقَ عليه، ومن سرَّه مَسَاءًةَ شخصٍ، أو غمَّهُ فرحُهُ فهو عدوُّه.
ــ
= عِلْمِه بالحالِ، أو تَكرَّر منه النظرُ إلى الأجنبياتِ، والقعودُ له بلا حجةٍ شرعيةٍ قَدَحَ ذلك في عدالتِه، ولا يستريبُ أحدٌ فيمن صلَّى مُحْدِثاً، أو إلى غير القِبْلَةِ، أو بعدَ الوقتِ، أو بلا قراءةٍ، أنه كبيرةٌ، ويَحْرُمُ اللعبُ بالشِّطْرَنْجِ، وهو قولُ أحمدَ وغيره من العلماء، كما لو كان بِعِوَضٍ، أو تَضَمَّن تَرْكَ واجبٍ، أو فِعْلَ مُحرَّمٍ إجماعاً، وهو شرٌّ من النَّرْدِ، وقاله مالك. ومن ترك الجماعةَ فليس عدلاً، ولو قلنا: هي سُنَّةٌ، إلى أن قال: وتُقبلُ شهادةُ البدويِّ على القَرَوِيِّ في الوصيةِ في السفرِ، وهو أخصُّ من قولِ مَنْ قَبِلَ مُطلَقاً أو مَنَعَ مُطلقاً، وعلَّل القاضي وغيرُه مَنْعَ شهادةِ البَدَويِّ على القَرَوِيِّ، أن العادةَ أن القرويَّ إنما يشهد على أهلِ القريةِ دون أهلِ البادية، قال أبو العباس: فإذا كان البدويُّ قاطناً مع المدَّعين في القرية قُبِلَتْ شهادتُه، لزوال هذا المعنى، فيكون قولاً آخرَ في المسألةِ مفصَّلاً.
وقال أبو العباس (١) في قوم أَجَّروا شيئاً: لا تُقبلُ شهادةُ أحدٍ منهم على المستأجِر، لأنهم وكلاءُ أو أولياءُ اهـ.
(*) قوله: "ولا عدوٌّ على عدوِّه"، هذا قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا تَمْنَعُ العداوةُ الشهادةَ، لأنها لا تُخِلُّ بالعدالةِ فلا تَمْنَعُ الشهادةَ، كالصداقةِ لا تمنعُ الشهادة له. =
стр. 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قال في الفروع: ويعتبرُ كونُها لغير الله مَوْروثةً أو مُكْتَسَبَةً، وفي الترغيبِ ظاهرُه بحيث يعلمُ أن كُلاً منهما يُسَرُّ بِمَسَاءَةِ الآخَرِ، ويَغْتَمُّ بفرحِه، ويَطْلُبُ له الشَرَّ، قال في الفنون: واعتبرتُ الأخلاقَ، فإذا أشدُّها وبالاً على صاحبِه الحسدُ، وقال ابن الجوزي: الإنسانُ مجبولٌ على حُبِّ الترفعِ على جِنْسِه، وإنما يَتَوجَّه الذمُّ إلى من عَمِلَ بمقتضَى التسخُّطِ على القَدَرِ، أو يَنْتَصِبُ لذمِّ المحسودِ، بل ينبغي له أن يَكرَهَ ذلك من نَفْسِه.
قال شيخُنا: عليه أن يستعمل معه الصبرَ والتَّقْوَى، فيَكْرَهُ ذلك من نفسِه ويستعملُ معه ذلك، وذكر عند ذلك قول الحسن: لا يَضُرُّكَ ما لم تُعْدِ به يداً أو لساناً، قال: وكثيرٌ ممن له دِينٌ لا يُعِينُ من ظَلَمَهُ، ولا يقومُ بما يجب من حقِّه، بل إذا ذمَّه أحدٌ لم يوافقْه، ولا يذكرُ محامِدَهُ بل يسكتُ عند مَدْحِه، وهذا عندهم مذنبٌ في تَرْكِ المأمور لا مُعْتَدٍ، وإنما هو مُفَرِّطٌ في عدم القيامِ بحقِّه، وأما من اعتدى بقولٍ أو فعلٍ فذاك يُعاقَبُ، ومن اتَّقَى وصبرَ نفعَهُ اللهُ بتقواه، كما جرى لزينبَ بنتِ جَحْشِ، وفي الحديثِ: (ثلاثٌ لا ينجو منهنَّ أحدٌ: الحسدُ والظَّنُّ والطِّيرَةُ، وسأحدِّثكم بالمَخْرَجِ من ذلك: إذا حَسَدْتَ فلا تَبْغِ، وإذا ظَنَنْتَ فلا تُحقِّقْ، وإذا تَطَيَّرْتَ فامضِ) اهـ.
قال في الاختيارات (١): والواجبُ في العَدوِّ والصديقِ ونحوِهما أنه إنْ عَلِمَ منهما العدالةَ الحقيقيةَ قُبلتْ شهادتُهما، وأما إن كانت عدالتهُما ظاهرةً مع إمكانِ أن يكونَ الباطلُ بخلافِه لم تُقْبَلْ، ويتوجَّه مثلُ هذا في الأبِ ونحوه انتهى.
وقال أيضاً: والعَدْلُ في كل مكانٍ وزمانٍ وطائفةٍ بحسَبِها، فيكون الشهيدُ في كلِّ قومٍ من كان ذا عدلٍ فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عَدْلُه على وجهٍ آخر، وبهذا يمكن الحُكْمُ بين الناسِ، وإلا فلو اعتُبِر في شهودِ كُلِّ طائفةٍ أن لا يَشْهَدَ عليهم إلا من كان قائماً بأداء الواجباتِ وتَرْكِ المُحرَّماتِ - كما كان الصحابةُ - لبَطَلَت الشهاداتُ كلُّها أو غالبُها اهـ.
стр. 378
فصل
ولا يُقْبَلُ في الزنا والإقرارِ به إلا أربعةٌ، ويكفي على من أَتَى بهيمةً رجلان. ويُقْبَلُ في بقيةِ الحدودِ، والقصاصِ، وما ليس بعقوبةٍ ولا مالٍ (*)،
ــ
(*) قوله: (وما ليس بعقوبةٍ)، عبارةُ الدليلِ: الثالثُ: القَوَدُ والإِعْسَارُ وما يُوجِبُ الحدَّ والتعزيرَ فلابدَّ من رجلين، ومثلُه النكاحُ إلى آخره.
قال في الاختيارات: ويَعتَبرُ شهادةَ الإعسارِ بعد اليسارِ ثلاثةٌ، وفي حِلِّ المَسْألةِ، وفي دَفْعِ الغُرَماءِ، وكلامُ القاضي يدلُّ عليه اهـ.
قال في الاختيارات (١): قصةُ أبي قَتَادَةَ وخُزَيْمَةَ تقتضي الحُكْمَ بالشاهدِ في الأموال. وقال القاضي في التَّعليقِ: الحُكْمُ بالشاهدِ الواحدِ غيرُ ممتنعٍ، كما قاله المخالفُ في الهلالِ في الغَيْمِ وفي القابلةِ، على أنَّا لا نعرفُ الروايةَ بمنعِ الجواز، قال أبو العباس: وقد يقال: اليمينُ مع الشاهدِ الواحدِ حق للمستَحلِفِ وللإمام، فله أن يُسْقِطَها، وهذا أحسنُ إلى أن قال: ولو قيل: إنه يَحكمُ بشهادةِ امرأةٍ واحدة مع يمينِ الطالبِ في الأموالِ لكان متوجِّهاً، لأنهما أُقيما مَقَامَ الرجلِ في التَحمُّلِ، وتثبتُ الوكالةُ ولو في غير المالِ بشاهدٍ ويمينٍ، وهو رواية عن أحمد، والإقرارُ بالشهادة بمنزلةِ الشهادةِ بدليلِ الأَمَةِ السوداءِ في الرَّضاعِ، فإن عُقْبَةَ بنَ الحارثِ أخبرَ النبيَّ ﷺ أنَّ المرأة أَخبرتْه أنها أَرضعتْهما، فنهاه عنها من غير سماع المرأة (٢). وقد احتجَّ به الأصحابُ في قَبُولِ شهادةِ المرأةِ الواحدةِ في الرَّضاعِ، فلولا أن الإقرارَ بالشهادةِ بمنزلةِ =
стр. 379
ولا يقصدُ به المال ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ غالباً: كنكاحٍ وطلاقٍ ورَجْعةٍ، وخلعٍ ونسبٍ، وولاءٍ وإيصاءٍ إليه، يُقبلُ فيه رَجُلانِ. ويُقبلُ في المارِ وما
ــ
= الشهادةِ ما صحَّتِ الحُجَّةُ، ويؤيدُه أن الإقرارَ بحُكمِ الحاكمِ بالعَقْدِ الفاسدِ يَسوغُ للحاكمِ الثاني أن يُنفِذَه مع مُخالفَتِه لمذهبِه اهـ.
قال في المغني (١): إذا ادَّعَى رجلٌ على رجلٍ أنه سَرَقَ نِصَاباً من حِرْزِهِ، وأقامَ بذلك شاهداً وحَلَفَ معه، أو شَهِدَ له رجلٌ وامرأتانِ، وَجَبَ له المالُ المشهودُ به إن كان باقياً أو قيمتُه إن كان تالفاً، ولا يجبُ القَطْعُ؛ لأن هذه حُجَّةٌ في المال دون القَطْعِ، وإن ادَّعى على رجلٍ أنه قَتَلَ وَليَّه عَمْداً، فأقامَ شاهداً وامرأتينِ، أو حَلَفَ مع شاهِدِه، لم يَثْبُتْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ، والفرقُ بين المسألتينِ أنَّ السرقةَ تُوجِبُ القَطْعَ والغُرْمَ معاً، فإذا لم يَثْبُتْ أحدُهما ثَبَتَ الآخَرُ، والقَتْلُ العَمْدُ مُوجَبُه القِصاصُ عَيْناً في إحدى الروايتين، والدِّيَةُ بَدَلٌ عنه، ولا يجبُ البَدَلُ ما لم يُوجَبِ المبدَلُ، وفي الرواية الأخرى: الواجبُ أحدُهما لا بعَيْنِه، فلا يجوزُ أن يتعيَّن أحدُهما إلا بالاختيارِ أو التعذُّرِ ولم يوجَدْ واحدٌ منهما.
وقال ابنُ أبي موسى: لا يجبُ المالُ في السرقةِ أيضاً إلا بشاهِدَين؛ لأنها شهادةٌ على فعلٍ يوجِبُ الحدَّ والمالَ، فإذا بَطَلَتْ في إحداهُما بَطَلَتْ في الأُخرى، والأولُ أَوْلَى لما ذكرناه، إلى أن قال، ولو ادعى رجلٌ على آخرَ أنه سَرَقَ منه وغَصَبَهُ مالاً، فَحَلفَ بالطلاقِ والعَتاقِ ما سرَقَ منه ولا غصَبَهُ فأقام المدَّعِي شاهداً وامرأتينِ شَهِدَا بالسَّرقةِ والغَصْبِ، أو أقام شاهداً وحلَفَ معه، استحقَّ المسروقَ والمغصوبَ؛ لأنه أتى ببيِّنةٍ يَثْبُتُ ذلك بمثلِها، ولم يَثْبُتْ طلاقٌ ولا عَتاقٌ لأن هذه البيِّنةَ حُجَّةٌ في المالِ دون الطَّلاقِ والعَتاقِ.
стр. 380
يُقْصَدُ به، كالبيعِ، والأَجَلِ والخِيَارِ فيه ونحوِه رجلان، أو رَجُلٌ وامرأتانِ، أو رجلٌ ويمينُ المدَّعِي.
وما لا يَطَّلِعُ عليه الرجالُ: كعُيوبِ النساءِ تحت الثيابِ، والبَكَارةِ والثُّيوبَةِ، والحَيْضِ والولادةِ والرَّضاعِ والاستهلالِ (١) ونحوه، تُقبَلُ فيه شهادةُ امرأةٍ عَدْلٍ، والرجلُ فيه كالمرأةِ.
ومن أتى برجلٍ وامرأتين، أو شاهدٍ ويمينٍ فيما يوجب القَوَدَ لم يَثْبُتْ به قَوَدٌ ولا مالٌ، وإن أتى بذلك في سرقةٍ ثَبَتَ المالُ دون القَطْعِ، وإن أتى بذلك في خُلْعٍ ثَبَتَ له العِوَضُ، وتَثْبُتُ البينونةُ بمُجَرَّدِ دعواه.
فصل
ولا تُقبلُ الشهادةُ على الشهادةِ إلا في حقٍّ يُقبل فيه كتابُ القاضي إلى القاضي، ولا يَحكمُ بها إلا أن تَتعذَّرَ شهادةُ الأصلِ بموتٍ أو مرضٍ، أو غَيْبةِ مسافةَ قَصْرٍ.
ولا يجوزُ لشاهدِ الفَرْعِ أن يَشهدَ إلا أن يَسترعيَه شاهدُ الأصلِ، فيقول: اشْهَدْ على شَهادتي بكذا، أو يَسْمَعُه يُقِرُّ بها عند الحاكم، أو يَعْزُوها إلى سَبَبٍ، من قَرْضٍ، أو بيعٍ، ونحوِه. وإذا رَجَعَ شهودُ المال بعد الحُكْمِ لم يُنْقَضْ ويَلْزَمُهُمْ الضَّمَانُ دونَ من زَكَّاهُمْ، وإنْ حَكَمَ بشاهدٍ ويمينٍ، ثم رَجَعَ الشاهدُ غَرِمَ المالَ كُلَّه (*).
ــ
(*) قال في الشرح الكبير (٢): الشهادةُ على الشهادةِ جائزةٌ بإجماعِ العلماءِ، وبه يقول مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُ الرأي. قال أبو عبيد: اجتمعت العلماءُ من أهل =
стр. 381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الحجازِ والعراقِ على إمْضاءِ الشهادةِ على الشهادةِ في الأموالِ، ولأن الحاجة داعيةٌ إليها، فإنها لو لم تُقْبَلْ لبَطَلَتِ الشهادةُ على الوُقُوفِ، وما يَتأخرُ إثباتُه عند الحاكمِ ثم يموتُ شُهودُه، وفي ذلك ضَرَرٌ على الناسِ، ومَشَقَّةٌ شديدةٌ، فوجَبَ أن تُقْبَلَ كشهادةِ الأصْلِ.
قال الشارح: تُقبَلُ في المالِ وما يُقْصَدُ به المالُ [بإجماعٍ]، كما ذكر أبو عُبيدٍ، ولا تُقبَلُ في حَدٍّ، وهذا قول الشَّعْبيِّ والنَّخَعيِّ وأبي حنيفة، وقال مالكٌ والشافعيُّ في قولٍ، وأبو ثَوْرٍ: تُقبَلُ في الحُدودِ وفي كُلِّ حَقٍّ؛ لأن ذلك يَثْبُتُ بشهادةِ الأصل فيَثْبُتُ بالشهادةِ على الشهادةِ، كالمال. ولنا أن الحدودَ مبنيةٌ على السَّتْرِ، والدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ، والإسقاطِ بالرجوعِ عن الإقرارِ، إلى أن قال: وظاهرُ كلامِ أحمدَ، أنها لا تُقبَلُ في القِصَاصِ أيضاً، ولا حَدِّ القَذْفِ؛ لأنه قال: إنما تجوزُ في الحقوقِ، أما الدماءُ والحَدُّ فلا، وهذا قولُ أبي حنيفة، وقال مالكٌ والشافعيُّ [وأبو ثَوْرٍ]: تُقبَلُ، وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقيِ؛ لقوله: في كُلِّ شيءٍ إلا في الحُدودِ، لأنه حقُّ آدميٍّ، لا يسقطُ بالرجوعِ عن الإقرار به، ولا يُسْتَحَبُّ سَتْرُه، فأشْبَه الأموالَ.
قال في المُقْنِعِ: ومتى رَجَعَ شهودُ المالِ بعد الحُكمِ لزمَهم الضَّمانُ ولم يُنْقَضِ الحكمُ، سواء ما قبلَ القَبْضِ أو بعدَه، وسواء كان المالُ قائماً أو تالفاً، وإن رَجَعَ شهودُ العِتْقِ غَرِمُوا القيمةَ، وإن رجع شهودُ الطلاقِ قبل الدُّخولِ غَرِمُوا نصفَ المسمَّى، وإن كان بعدَه لم يَغْرَمُوا شيئاً، وإن رَجَعَ شهودُ القِصَاصِ أو الحَدِّ قبل الاستيفاءِ لم يُسْتَوفَ، وإن كان بعده وقالوا أخطأنا فعليهم دِيَةُ ما تَلِفَ، ويَتَقسَّطُ الغُرْمُ على عَدَدِهم، فإن رَجَعَ أحدُهم وحدَه غَرِمَ بِقِسْطِه، ـ إلى أن قال ـ: وإذا عَلم الحاكمُ بشاهدِ الزُّور عَزَّره، وطافَ به في المواضعِ التي يَشْتَهِرُ فيها، فيقال: إنا وَجَدْنا هذا شاهِدَ زُورٍ فاجتَنِبُوه. اهـ. =
стр. 382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قال في الاختيارات (١): نقل الشيخُ أبو محمدٍ في الكافي عن أبي الخطَّابِ، أن الشُّهودَ إذا بَانُوا بعد الحُكمِ كافرينَ أو فاسقينَ، وكان المحكومُ به إتلافاً فإنَّ الضَّمانَ عليهم دونَ المزكِّين والحاكمِ، قال: لأنهم فَوَّتُوا الحقَّ على مُستحقِّه بشهادِتهم الباطلةِ. قال أبو العباس: هذا يَنْبَنِي على أن الشاهدَ الصادقَ إذا كان فاسقاً أو مُتَّهماً بحيثُ لا يَحِلُّ للحاكمِ الحكمُ بشَهادتِه، هل يَجوزُ له أداءُ الشهادةِ؟ إن جاز له أداءُ الشهادةِ بَطَلَ قولُ أبي الخطاب، وإن لم يَجُزْ كان مُتوجِّهاً، لأن شهادتَهم حينئذٍ فعلٌ مُحرَّمٌ، وإن كانوا صادقينَ كالقاذفِ الصادقِ، وإذا جَوَّزْنا للفاسقِ أن يَشْهدَ جَوَّزْنا للمُسْتحِقِّ أن يَسْتَشْهِدَه عند الحاكمِ، ويكتمَ فِسْقَه وإلا فلا، وعلى هذا: فلو امتنعَ الشاهدُ العَدْلُ أن يُؤدِّيَ الشهادةَ إلا بِجُعْلٍ، هل يجوزُ إعطاؤُه الجُعْلَ؟ إن لم نَجْعَلْ ذلك فِسْقاً فعلى ما ذَكَرْنا.
قال صاحبُ المحرَّر (٢): وعنه لا يُنقَضُ الحُكْمُ إذا كانا فاسقَينِ، ويَغْرَمُ الشاهدانِ المالَ؛ لأنهما سببُ الحُكمِ بشهادةٍ ظاهرُها الزُّورُ. قال أبو العباس: وهذا يُوافِقُ قولَ أبي الخطَّاب، ولا فَرْقَ إلا في تَسْمِيَةِ ضَمانِهما نَقْضاً، وهذا لا أثرَ له، لكنْ أبو الخطابِ يقولُه في الفاسقِ وغيرِ الفاسق، على ما حُكي عنه، وهذه الرواية لا تتوجَّهُ على أصْلِنا إذا قلنا: الجَرحُ المُطْلَقُ لا يَنْقُضُ، وكان جَرحُ البينةِ مُطْلَقاً، فإنه اجتهادٌ فلا يُنْقَضُ به اجتهادٌ، وروايةُ عدم النَّقْضِ أخذَها القاضي من رواية الميموني عن أحمدَ في رجليْنِ شِهِدا ههنا أنهما دَفَنَا فُلاناً بالبصرةِ فقُسِمَ ميراثُه، ثم إن الرجلَ جاء =
стр. 383
باب اليمين في الدَّعاوى
لا يُسْتَحلَفُ في العباداتِ ولا في حُدودِ الله تعالى، ويُسْتَحْلَفُ المُنْكِرُ في كُلِّ حَقٍّ لآدميٍّ، إلا النكاحَ، والطلاقَ (*)، والرَّجْعَةَ، والإيلاءَ، وأصلَ الرقِّ،
ــ
= بَعْدُ وقد تَلِفَ مالُه، فتبيَّنَ للحاكم أنهما شَهِدَا على زُورٍ أيُضَمِّنُهما مالَه؟ قال: نعم، وظاهرُ هذا أنه لم يَنْقُضِ الحُكْمَ، لأنه لم يُغَرِّمِ الورثةَ قيمةَ ما أَتْلفُوه من المالِ بل أَغْرَمَ الشاهدَينِ ولو نَقَضَهُ لأَغْرَمَ الورثةَ.
قال أبو العباس: النقضُ في هذه الصورةِ لا خلافَ فيه، فإنَّ تَبَيُّنَ كَذِبِ الشاهدِ غير تَبَيُّنِ فِسْقِه، فقولُ أحمدَ: إمَّا أن يكونَ ضَماناً في الجملةِ كسائرِ المُتَسَبِّبِينَ، أو يكونَ استقراراً كما دلَّتْ عليه أكثرُ النُّصوِص من أنَّ المعذورَ لا ضمانَ عليه، ولو زكَّى الشُّهودَ ثم ظَهَرَ فِسْقُهم ضَمِنَ المزكُّونَ، وكذلك يجبُ أن يكونَ في الولايةِ لو أراد الإمامُ أن يُولِّيَ قاضياً أو والياً لا يعرفُه، فسألَ عنه فزكَّاه أقوامٌ، ووصَفُوه بما يَصْلُحُ معه للولايةِ، ثم رَجَعُوا أو ظهرَ بُطْلانُ تزكِيَتِهم، فينبغي أن يَضْمَنُوا ما أفسدَه الوالي والقاضي، وكذلك لو أشاروا عليه وأَمَروا بولايتِهِ، لكن الذي لا رَيْبَ في ضَمَانِه من تُعْهَدُ المعصيةُ منه: مثل الخيانةِ أو العَجْزِ، ويُخْبِرُ عنه بخلافِ ذلك، أو يَأْمُرُ بولايتِه، أو يكونُ لا يَعْلَمُ حالَه ويُزكِّيه، أو يُشِيرُ به، فأما إن اعتقدَ صلاحَه وأخطأَ فهذا معذورٌ. أهـ.
(*) قوله: (إلا النكاحَ والطَّلاقَ)، قال في المقنع: وهي مشروعةٌ في حَقِّ المُنْكِرِ في كُلِّ حَقٍّ لآدميٍّ. قال أبو بكر: إلا في النكاحِ والطلاقِ، وقال أبو الخطاب: إلا في تسعةِ أشياءَ: النكاح والرَّجْعَة والطَّلاق والرِّق والوَلاءَ والاستيلاد والنَّسَب والقَذف =
стр. 384
والولاءَ، والاستيلادَ، والنَّسَبَ، والقَوَدَ، والقَذْفَ.
واليمينُ المشروعةُ هي اليمينُ بالله، ولا تُغَلَّظُ إلا فيما له خَطَرٌ.
ــ
= والقِصَاص. وقال القاضي: في الطلاقِ والقِصاصِ والقَذْفِ روايتانِ، وسائر السِّتةِ لا يستحلفُ، فيها روايةٌ واحدةٌ، إلى أن قال: ولا تُغلَّظ اليمينُ إلا فيما له خَطَرٌ كالجِنَاياتِ والعِتَاقِ والطَّلاقِ.
قال في الاختيارات (١): قال أصحابُنا: ومن تَغْليظِ اليمينِ بالمكانِ [اليمينُ] عند صَخْرةِ بيتِ المَقْدِسِ، وليس له أصلٌ في كلامِ أحمدَ وغيرِه من الأئمة. بل السُّنَّةُ أنْ تُغَلَّظَ اليمينُ فيها كما تُغَلَّظُ في سائرِ المساجدِ عند المنبرِ، إلى أن قال: ومتى قُلْنا: التغليظُ مُسْتَحَبٌّ إذا رآه الحاكمُ مَصْلَحةً، فينبغي أنه إذا امتنعَ منه الخَصْمُ صار ناكِلاً ولا يُحَلَّفُ المدَّعَى عليه بالطَّلاق وِفاقاً، انتهى.
стр. 385
كتاب الإقرار
يصحُّ من مُكلَّفٍ مُختارٍ غيرِ مَحْجورٍ عليه، ولا يَصِحُّ من مُكْرَهٍ، وإن أُكْرِهَ على وَزْنِ مالٍ، فباعَ مُلْكَهُ لذلك صحَّ.
ومن أَقَرَّ في مَرَضِه بشيءٍ فكإقْرارِه به في صِحَّتِه إلا في إقرارِه بالمالِ لوارثٍ فلا يُقْبَلُ، وإن أَقَرَّ لامرأتِه بالصَّدَاقِ، فلها مَهْرُ المِثْلِ بالزوجِيَّةِ لا بإقرارِه، ولو أقرَّ أنه كان أَبَانَها في صِحَّتِه لم يَسْقُطْ إِرْثُها.
وإن أَقَرَّ لوارثٍ فصارَ عند الموتِ أجنبياً لم يَلْزَمْ إقرارُه لأنه باطلٌ، وإن أَقَرَّ لغيرِ وارثٍ أو أعطاهُ صَحَّ وإن صارَ عند الموتِ وارثاً.
وإنْ أَقَرَّتِ امرأةٌ على نَفْسِها بنكاحٍ ولم يَدَّعِهِ اثنانِ قُبِلَ، وإن أَقَرَّ وليُّها المُجْبِرُ بالنكاحِ، أو الذي أَذِنَتْ له، صَحَّ.
وإن أَقَرَّ بِنَسَبِ صغيرِ أو مجنونٍ مَجْهولِ النَّسَبِ أنه ابنُه ثَبَتَ نَسَبُه منه، فإنْ كان ميتاً وَرِثَهُ، وإذا ادَّعَى على شَخْصٍ بشيءٍ فَصَدَّقَهُ، صَحَّ (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات (١): وإذا كان الإنسانُ ببلدِ سلطانٍ [ظالمٍ] أو قُطَّاعِ طريقٍ ونحوِهم من الظَّلَمَةِ، فخافَ أن يُؤْخَذَ مالُه، أو المالُ الذي يتركُه لورثتِه، أو المالُ الذي بيدِه للناسِ، إمَّا بحُجَّةِ أنه ميتٌ لا وارثَ له، أو بحُجَّةِ أنه مالٌ غائبٌ، أو بلا حُجَّةٍ أصلاً، فيجوزُ له الإقرارُ بما يَدْفَعُ هذا الظُّلْمَ، ويَحْفَظُ هذا المالَ لصاحبِه، مثل أن يُقِرَّ لحاضرٍ أنه ابنُه، أو يُقِرَّ أن له عليه كذا وكذا، أو يُقِرَّ أن المالَ الذي بيدِه لفلانٍ، وَيَتَأَوَّلُ في إقرارِه بأنه يعني بقولِه: ابني، كَوْنَه صغيراً، أو بقوله: أخي، =
стр. 386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أُخُوَّةَ الإسلام، وأن المالَ الذي بيدِه له، أي: لأنه قَبَضَهُ لكوني قد وُكِّلْتُه في إيصالِه أيضاً إلى مُسْتَحِقِّه، لكنْ يُشتَرطُ أن يكونَ المُقَرَّ له أميناً، والاحتياطُ أن يُشْهِدَ على المُقَرِّ له أيضاً أنَّ هذا الإقرارَ تَلْجِئَةٌ. تفسيره: كذا وكذا، وإن أَقَرَّ من شَكَّ في بلوغِه، وذَكَرَ أنه لم يَبْلُغْ، فالقولُ قولُه بلا يمين، قَطَعَ به في المغني والمحرَّرِ لعَدَمِ تَكْليفِه، ويتوجَّه أنْ يجب عليه اليمينُ؛ لأنه إنْ كان لم يَبْلُغْ لم يَضُرَّه وإن كان قد بَلَغَ حجَزتْهُ فأقرَّ بالحق، نصَّ الإمامُ أحمدُ في روايةِ ابن منصور، إذا قال البائعُ: بِعْتُكَ قبلَ أن أبلغَ. وقال المُشترِي: بعد بُلوغِك، أن القولَ قولُ المُشترِي، وهكذا يجيءُ في الإقرارِ وسائرِ التَّصَرُّفاتِ [التي يشكُّ فيها]، هل وَقَعَتْ قبلَ البُلوغِ أو بعدَه؟ لأن الأصلَ في العُقودِ الصِّحَّةُ، فإمَّا أن يقال: إن هذا عامٌّ وإمَّا أن يُفَرقَ بين أن يَتيقَّنَ أنه وقتَ التصرفِ كان مَشْكوكاً فيه غيرَ مَحْكومٍ ببُلوغِه أو لا ييقَّن، فإنَّا مع تَيَقُّنِ الشَّكِّ قد تَيقنَّا صُدورَ التصرفِ ممن لم تَثْبُتْ أهليتُه، والأصلُ عدمُها، فقد شَكَّكْنا في شَرْطِ الصِّحَّةِ، وذلك مانعٌ من الصِّحَّةِ، وأما في الحالةِ الأُخرى؛ فإنه يجوزُ صدورُه في حالِ الأَهليةِ، وحالِ عَدَمِها، والظاهرُ صُدورُه وقتَ الأهليةِ، والأصلُ عدمُه قبل وَقْتِها، فالأهليَّةُ هنا مُتيقَّنٌ وجودُها، ثم ذكر أبو العباس: أن مَنْ لم يُقِرَّ بالبُلوغِ تَعَلَّق به حقٌّ مثل إسلامِه بإسلامِ أبيه، أو ثبوتِ الذِّمِّيةِ لهُ تبَعاً لأبيه، أو بعد تَصرُّفِ الوليِّ له، أو تزويج وليٍّ أَبْعَد منه لمِوَلِيَّةٍ، فهل يَقْبَلُ منه دَعْوَى البُلوغِ حينئذٍ أم لا؟ لثُبوتِ هذه الأحكامِ المُتعلِّقةِ به في الظاهرِ قَبْلَ دَعْواه.
وأشار أبو العباس إلى تخريجِ المسألةِ على الوجهينِ، فيما إذا راجَعَ الرجْعِيَّةَ زوجُها، فقالت: قد انقضَتْ عِدّتي، وشَبيهٌ أيضاً بما إذا ادَّعَى المجهولُ المحكومُ بإسلامِه ظاهراً كاللَّقِيْطِ: الكُفْرَ بعد البُلوغِ؛ فإنه لا يَسْمَعُ منه على الصحيح، =
стр. 387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وكذلك لو تَصَرَّف المحكومُ بحريتِه ظاهراً كاللَّقِيْطِ ثم ادَّعى الرِّقَّ ففي قَبُولِ قولِه خلافٌ معروفٌ. انتهى.
قال في الاختيارات (١): وإنْ أَقَرَّ المريضُ مَرَضَ الموتِ المخوف لوارثٍ، فَيَحْتمِلُ أنْ يجعلَ إقرارَه لوارثٍ كالشهادةِ، فَتُرَدُّ في حقِّ مَنْ تُرَدُّ شهادتُه له كالأبِ بخلافِ مَنْ لا تُرَدُّ، ثم هل يَحْلِفُ المقرُّ له معه كالشاهد؟ وهل تُعْتَبَرُ عدالةُ المُقِرِّ ثلاثُ احتمالاتٍ، وَيحْتَمِلُ أن يُفَرقَ مُطْلَقاً بين العَدْلِ وغيرِه، فإن العَدْلَ معه من الدِّينِ ما يمنعُه من الكذب ونحوه في براءةِ ذمته بخلافِ الفاجرِ، ولو حَلَفَ المُقَرُّ له مع هذا تأكَّد؛ فإنَّ في قَبُولِ الإقرارِ مُطْلَقاً فساداً عظيماً، وكذلك في رَدِّهِ مُطلقاً، ويتوجَّه فيمن أَقَرَّ في حقِّ الغير وهو غيرُ مُتَّهَمٍ، كإقرارِ العبدِ بجنايةِ الخَطَأِ، وإقرارِ القاتلِ بجنايةِ الخَطَأِ أنْ يجعلَ المُقِرَّ كشاهدٍ ويَحْلِفَ معه المدَّعِي فيما ثَبَتَ بشاهدٍ آخرَ، كما قلنا في إقرارِ بعضِ الورثةِ بالنَّسَبِ. هذا هو القياسُ والاستحسانُ، إلى أن قال قال في الكافي: وإن أَقَرَّ العبدُ بنكاحٍ أو قِصَاصٍ أو تَعْزيرِ قَذْفٍ، صَحَّ وإن كَذَّبَه الولي.
قال أبو العباس: وهذا في النكاح فيه نظرٌ؛ فإن العبدَ لا يصح نكاحه بدونِ إذنِ سيده، لأن في ثبوت نكاحِ العبد ضرراً عليه، فلا يقبل إلا بتصديق السيد انتهى.
قال في الاختيارات: ومتى ثبت نسب المقَر له من المقِر، ثم رجع المقِر وصدَّقه المقَر له، هل يقبل رجوعه؟ فيه وجهان. حكاهما في الكافي، قال أبو العباس: إن جُعِل النسبُ فيه حقاً لله تعالى فهو كالحُريَّة، وإن جُعِل حقَّ آدميٍّ فهو كالمال، =
стр. 388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= والأشبهُ أنه حقٌّ لآدمي كالولاء، ثم إذا قبل الرجوع عنه فحق الأقارب الثابت من المحرمية ونحوها، هل يزول؟ أو يكون كالإقرار بالرق، تردد نظرُ أبي العباس في ذلك، فأما إن ادعى نسباً، ولم يثبت لعدم تصديق المقر له، أو قال: أنا فلان بن فلان، وانتسب إلى غير معروف، أو قال: لا أب لي أو لا نسب لي، ثم ادَّعى بعد هذا نسباً آخر، أو ادعى أن له أباً فقد ذكر الأصحاب في باب ما علق من النسب: أن الأب إذا اعترفَ بالابن بعد نفيه قبل منه، فكذلك غيره، لأن في هذا النفي والإقرار بمجهول ومنكر لم يثبت به نسب، فيكون إقراره بعد ذلك مقبولاً، كما قلنا فيما إذا أقر بمال لمكذبٍ إذا لم يجعله لبيت المال، فإنه إذا ادَّعى المقر بعد هذا أنه ملكه قبل منه، وإن كان المقر به أرق نفسه فهو كغيره، بناءً على أن الإقرار المكذوب، وجوده كعدمه، وهناك على الوجه الآخر يجعله بمنزلة المال الضائع أو المجهول، فيحكم بالحرية، وبالمال لبيت المال، وهنا يكون بمنزلة مجهول النسب، فيقبل به الإقرار ثباتاً، وسر المسألة: أن الرجوع عن الدعوى مقبولٌ، والرجوع عن الإقرار غير مقبول، والإقرار الذي لم يتعلق به حق لله، ولا لآدمي، هو من باب الدعاوى، فيصح الرجوع عنه، ومن أقر بطفلٍ له أمٌّ، فجاءت أمه بعد موت المقر تدعي زوجيته، فالأشبه بكلام أحمد ثبوت الزوجية، فهنا حمل على الصحة، وخالف الأصحاب في ذلك -إلى أن قال-: ومن أنكر زوجية امرأةٍ فأبرأته، ثم أقر بها كان لها أن تطالبه بحقها، ومن أقر -وهو مجهول نسبه وعليه ولاء- بنسب وارث حيٍّ أخ أو عم، فصدقه المقر له، وأمكَنَ قُبِل، صدَّقَه المولى أوْ لا، وهو قول أبي حنيفة، وذكره الجدُّ تخريجاً.
стр. 389
فصل
وإذا وصل بإقراره ما يسقطه، مثل أن يقول له: عليَّ ألفٌ لا يلزمني، ونحوه لزمه الألفُ، وإن قال: كان له عليَّ فقضيتُه، فقوله مع يمينه ما لم تكن بيِّنة أو يعترف بسبب الحق.
وإن قال: له عليَّ مائةٌ ثم سكت سُكوتاً يمكنه الكلامُ فيه، ثم قال: زيوفاً أو مؤجلة لزمه مائةٌ جيدةٌ حالًّةٌ، وإن أقرَّ بدين مؤجل، فأنكر المقَر له الأجل، فقول المقِر مع يمينه، وإن أقر أنه وهب أو رهن وأقبض، أو أقر بقبض ثمن أو غيره، ثم أنكر القبض، ولم يجحد الإقرار، وسأل إحلاف خصمه فله ذلك.
وإن باع شيئاً أو وهبه أو أعتقه، ثم أقر أن ذلك كان لغيره لم يُقبل قوله، ولم ينفسخ البيع ولا غيره، ولزمته غرامته للمقَر له، وإن قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعدُ وأقامَ بينة قُبِلت، إلا أن يكون قد أقر أنه مَلَكه، أو أنه قبض ثمن ملكه، لم يُقبل منه (*).
ــ
(*) قال في الاختيارات: وكلُّ صِلةِ كلام مغَيِّرةٌ له ـ الاستثناء وغيره ـ المقارن فيها متواصل (١)، والإقرار مع الاستدراك متواصل، وهو أحد القولين، ولو قال في الطلاق: إنه سبق لسانه لكان كذلك، ويحتمل أن يقبل الاضراب المتصل، إلى أن =
стр. 390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قال: وقياس المذهب فيما إذا قال: أنا مقرٌّ في جواب الدعوى، أن يكون مقِراً بالمدَّعى به، لأن القول ما في الدعوى، كما قلنا في قوله: قبلت، أن القبول ينصرف إلى الإيجاب لا إلى شيء آخر، وهو وجه في المذهب، وأما إذا قال: لا أنكر ما تدعيه فبين الإنكار والإقرار مرتبة وهي السكوت، ولو قال الرجل: أنا لا أكذِّبُ فلاناً لم يكن مصدِّقاً له، فالمتوجه أنه مجرد نفي للإنكار إن لم ينضم إليه قرينةٌ بأن يكون المدَّعَى به مما يعلمه المطلوب، وقد ادَّعى عليه علمه، وإلا لم يكن إقراراً. حكى صاحب الكافي عن القاضي: أنه قال فيما إذا قال المدعي: لي عليك ألف، فقال المدعي عليه: قضيتك منها مائة، أنه ليس بإقرار، لأن المائة قد دفعها بقوله، والباقي لم يقر به، وقوله: "منها" يحتمل ما تدعيه.
قال أبو العباس: هذا يخرج على أحد الوجهين في: أبرأتها، وأخذتها، وقبضتها، مقر هنا بالألف؛ لأن الهاء ترجع إلى المذكور، ويتحرج أن يكون مقراً بالمائة على رواية في قوله: "كان له عليَّ وقضيتُه"، ثم هل يكون مقراً بها وحدها أو بالجميع على ما تقدم؟ والصواب في الإقرار المعلق بشرط: أن نفس الإقرار لا يتعلق، وإنما يتعلق المقَر به، لأن المقَر به قد يكون معلقاً بسبب قد يوجبه، أو يوجب أداءه دليلٌ يظهره، فالأول كما لو قال مقر إذا قدم زيدٌ فعليَّ لفلان ألف، صح. وكذلك إن قال: إن رد عبده الآبق، فله ألف، ثم أَقَرَّ بها، فقال: إن ردَّ عبده الآبق فله ألفٌ، صح، وكذلك الإقرار بعوض الخلع، لو قالت: إن طلَّقني، أو إن عفا عني، فله عندي ألفٌ، صح، وأما التعليق بالشهادةِ، فقد =