← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 29577

كلمات السداد على متن الزاد

فيصل آل مبارك

Полный текст (394 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

باب ديات الأعضاء ومنافعها (*) مَنْ أَتْلَفَ ما في الإنسان منه شيءٌ واحدٌ كالأنفِ، واللسانِ، والذَّكَرِ ففيه ديةُ النفسِ. وما فيه منه شيئانِ كالعينَيْنِ، والأُذنَيْنِ، والشَّفَتَيْنِ، واللَّحْيَيْنِ، وثَدْيَيِ المرأةِ، وثَنْدُوَتَي الرَّجلِ، واليدينِ، والرِّجْلَينِ، والأَلْيَتَيْنِ، والأُنْثَيَيْنِ، وإِسْكَتَي المرأةِ ففيهما الديةُ، وفي أَحَدِهَما نصفُها، وفي المِنْخَرَيْنِ ثُلُثا الديةِ، وفي الحاجزِ بينهما ثلثُها، وفي الأجفانِ الأربعةِ الديةُ، وفي كل جَفْنٍ رُبعُها، وفي أصابعِ اليدينِ الديةُ كأصابعِ الرِّجْلَينِ، وفي كل أصبعٍ عُشْرُ الديةِ، وفي كل أُنْمُلَةٍ ثلثُ عُشرِ الديةِ، والإبهامُ مِفْصَلان، ففي كلِّ مِفْصَلٍ نصفُ عُشرِ الديةِ، كديةِ السِّنِّ. ــ (*) قال في المقنع: وإن جَنَى العبدُ خطأً فسيِّدُه بالخيارِ بين فدائِه بالأقلِّ من قيمتِه أو أَرْشِ جنايتِه أو تسليمه ليُباعَ في الجناية، قال في الشرح: وجملةُ ذلك أن جنايةَ العبدِ إذا كانت مُوجِبَةً للمالِ أو كانت مُوجِبَةً للقصاصِ فعفا عنها إلى المالِ تتعلَّق برقبتِه، لأنه لا يخلو من أن تتعلَّق برقبتِه أو ذمتِه أو ذمةِ سَيِّدِه، أو لا يجبُ شيءٌ ولا يمكنُ إلغاؤُها لأنها جنايةُ آدميٍ فوجبَ اعتبارُها كجنايةِ الحُرِّ، ولأن جنايةَ الصغيرِ والمجنونِ غيرُ ملغاةٍ مع عُذْرِهِ وعدمِ تكليفِه، فالعبد أولى ولا يمكنُ تعليقُها بذمتِه، لأنه يُفضِي إلى إلغائِها أو تأخيرِ حقِّ المَجْنِيِّ إلى غيرِ غايةٍ، ولا بذمةِ السيِّدِ، لأنه لم يَجْنِ فتعيَّنَ تعليقُها برقبةِ العبدِ، ولأن الضمانَ موجِبٌ جنايتَه فتعلَّق برقبتِه كالقِصاصِ. ا. هـ.

стр. 317

فصل وفي كلِ حاسَّةٍ ديةٌ كاملةٌ (*)، وهي: السمعُ، البصرُ، والشَّمُّ، والذَّوقُ، وكذا في الكلامِ والعَقْلِ، ومنفعةِ المَشْيِ، والأكلِ، والنكاحِ، وعدمِ استمساكِ البولِ أو الغائطِ. وفي كل واحدٍ من الشُّعورِ الأربعةِ الدِّيَةُ، وهي: شعرُ الرأسِ واللِّحيةِ والحاجبينِ وأَهْدابِ العينينِ، فإن عادَ فنبتَ سقطَ موجِبُه. وفي الأعورِ الدِّيَةُ كاملة (*)، وإن قلعَ الأعورُ عينَ الصحيحِ المماثلةَ لعينِه الصحيحةِ عمداً فعليه ديةٌ كاملةٌ ولا قِصاصَ، وفي قَطْعِ يَدِ الأَقْطَعِ (*) نصفُ الدِّيةِ كغيره. ــ (*) قال في المقنع: وفي بعض ذلك بقِسْطِهِ من الدية؛ وإنما تجب ديتُه، إذا أزالَه على وجهٍ لا يعودُ، فإن عادَ سقطتِ الديةُ، وإن أبقَى من لحيتِه ما لا جمالَ فيه احتَملَ أن يلزمَه بقسطِه واحتملَ أن يلزمَه كمالُ الدية. (*) قال في المقنع: وفي عينِ الأعورِ ديةٌ كاملةٌ نصَّ عليه، وإن قلعَ الأعورُ عينَ صحيحٍ مماثلةً لعينِه الصحيحةِ عمداً فعليه ديةٌ كاملةٌ ولا قِصاصَ، ويَحتمِل أن تُقلعَ عينُه ويُعطَى نصفَ الديةِ، وإن قلعَها خطأً فعليه نصفُ الديةِ، وإن قلعَ عينَ صحيحٍ عمداً خيِّر بين قَلعٍ ولا شيءَ له غيرها وبين الديةِ، وفي يدِ الأَقْطعِ نصفُ الديةِ، وكذلك في رِجْلِه، وعنه فيها ديةٌ كاملةٌ. انتهى. (*) قال في الحاشية: قوله: "وفي يدِ الأَقْطعِ" إلى آخره، هذا المذهبُ، وإن اختار القِصاصَ فله ذلك، لأنه عضوٌ أمكنَ القصاصُ في مثلِه فكان الواجبُ فيه القصاصَ أو ديةَ مثلِه، كما لو قَطَعَ أذن من له أُذُنٌ واحدةٌ، وعنه فيها دِيةٌ كاملة، فعليها إذا قَطَعَ يَدَ صحيحٍ لم يُقْطَعْ، كما لو قَطَعَ عينَ الأَعْورِ، والصحيحُ الأولُ ا. هـ. =

стр. 318

باب الشِّجَاجِ وكَسْرِ العِظَام الشَّجَّةُ: الجُرحُ في الرأسِ والوجهِ خاصةً، وهي عَشْرٌ: الحارصةُ التي تَحْرِصُ الجِلْدَ أي تشقُّه قليلاً ولا تُدْمِيْهِ، ثم البازِلَةُ وهي الداميةُ، والدامعةُ وهي التي يسيلُ منها الدمُ (*)، ثم الباضِعَةُ، وهي التي تَبْضَعُ اللحمَ، ثم المُتَلاحِمةُ، وهي الغائصة في اللَّحْمِ، ثم السِّمْحَاقُ، وهي ما بينها وبين العظمِ قشرةٌ رقيقةٌ، فهذه الخمسُ لا مُقَدَّرَ فيها (*)، بل حكومةٌ، وفي المُوضِحَةِ ــ = قال في الفروع: وفي عينِ الأعورِ ديةٌ كاملةٌ، نصَّ عليه ككمالِ قيمةِ صيدِ الحرمِ الأعورِ، فإن قلعَها صحيحٌ فله القَوَدُ مع نصفِ الدِّيَةِ، نصَّ عليه، وذكر ابنُ عقيلٍ هنا روايتين، وعند القاضي أنه لا قَوَدَ فيها، وفي الروضة: إن قَلَعَها خَطأً فنصفُ الديةِ، وإن قلع الأعورُ عينَ صحيحٍ خَطَأً فنصفُ الديةِ وإلا فالديةُ كاملة، نصَّ عليه. نَقَلَ مُهَنَّا عن عمرَ وعثمانَ وعليٍ أنهم قالوا ذلك، وأنه لا يُقْتَصُّ منه إذا فَقَأَ عينَ صحيحٍ، ولا أعلم أحداً خالفَهُمْ إلا إبراهيمَ، وقيل: تُقْلَعُ عينُه كقَتْلِ رجلٍ بامرأةٍ، والأشهرُ أنه يأخذُ مع ذلك نصفَ الديةِ، وخرَّجه في الخلافِ والانتصارِ مِنْ قتلِ رجلٍ بامرأةٍ ا. هـ. (*) قال في المغني: وإن خَرَقَ جِلْدةَ الدِّماغِ فهي الدامِغَةُ، وفيها ما في المأمومةِ، وقال القاضي: لم يَذْكرْ أصحابُنا الدامِغَةَ لمساواتِها المأمومة في أَرْشِها، وقيل فيها مع ذلك حكومةٌ لخَرْقِ جِلْدةِ الدِّماغِ، ويَحتمِلُ أنهم لم يَتْركوا ذِكْرَها إلاَّ لكونِها لا يَسْلَمُ صاحبُها في الغالب. (*) قال في المقنع: فهذه الخمسُ فيها حكومةٌ في ظاهرِ المذهبِ، وعنه في الباذلةِ بعيرٌ، وفي الباضِعَةِ بَعِيْرانِ وفي المُتَلاحِمَةِ ثلاثةٌ، وفي السِّمْحاقِ أربعةٌ انتهى. واختاره أبو بكر.

стр. 319

-وهي ما تُوضِحُ العظمَ وتُبْرِزُه- خمسةُ أَبْعِرَةٍ، ثم الهاشِمَةُ، وهي التي تُوضِحُ العظمَ وتَهْشِمُه، وفيها عشرةُ أَبْعِرَةٍ، ثم المُنقِلةُ، وهي ما تُوضِحُ العظمَ وتَهْشِمُه وتنقلُ عظامَها، وفيها خمسةَ عشرَ من الإبلِ، وفي كل واحدةٍ من المَأْمُومَةِ والدَّامِغَةِ ثلثُ الديةِ، وفي الجائِفَةِ ثلثُ الديةِ، وهي التي تَصِلُ إلى باطنِ الجَوْفِ، وفي الضَّلعِ وكل واحدةٍ من التَّرقُوتَيْنِ بعيرٌ، وفي كَسْرِ الذِّراعِ، وهو الساعدُ الجامعُ لعظمَي الزّنْدِ والعَضُدِ والفَخِذِ والسَّاقِ، إذا جُبِرَ ذلك مستقيماً بعيرانِ. وما عدا ذلك من الجِراحِ وكَسْرِ العظامِ ففيه حُكومةٌ، والحُكُومةُ أن يُقَوَّمَ المَجْنِي عليه كأنه عَبْدٌ لا جِنَايَةَ به، ثم يُقَوَّمُ وهي به قد بَرِئَتْ، فما نَقَصَ عن القيمةِ فله مثلُ نِسْبَتِهِ من الدِّيَةِ (*)، كأنْ قيمتُه عبداً سليماً: ستون، وقيمته بالجنايةِ: خمسونَ، ففيه سدسُ الدِّيَةِ، إلا أن تكونَ الحكومةُ في مَحَلِّ له مُقَدَّر فلا يُبلغُ بها المُقَدَّر. ــ (*) قوله: "فما نَقَصَ من القيمةِ فله مثلُ نسبتِه من الدِّيَةِ"، قال في الفروع: فإن لم تَنْقُصْه الجنايةُ حالَ البُرْءِ فحكومةٌ نصَّ عليه، فَتُقَوَّمُ عليه حينئذٍ، وقيل قُبيلَ البُرْءِ، وعنه لا شيءَ فيها لو لم تَنْقُصْهُ الجنايةُ ابتداءً أو زادَتْهُ حُسْناً كإزالةِ لِحْيَةِ امرأةٍ أو إصبعٍ زائدةٍ في الأصح اهـ. قال في الاختيارات: ويجري القصاصُ في اللَّطْمَةِ والضَّرْبَةِ ونحو ذلك، وهو مذهبُ الخلفاءِ الراشدينَ وغيِرهم.

стр. 320

باب العاقلة وما تحمله (*) عاقلةُ الإنسانِ: عَصَبَاتُه كلُّهم من النَّسبِ والوَلاءِ، قريبُهم وبعيدُهم، وحاضرُهم وغائبهُم، حتى عمودَيْ نَسَبِه، ولا عَقْلَ على رقيقٍ ولا غيرِ مُكلَّفٍ ولا فقيرٍ ولا أُنثَى، ولا مُخَالِفٍ لدِينِ الجانِي. ولا تَحْمِلُ العاقلةُ عمداً مَحْضَاً، ولا عبداً، ولا صُلْحاً، ولا اعترافاً لم تُصدِّقْه به، ولا ما دونَ ثُلثِ الديةِ التامَّةِ. فصل ومن قَتَلَ نفساً مُحَرَّمةً خطأً مباشَرَةً أو تَسبُّبَاً بغيرِ حقٍّ فعليه الكفَّارَةُ (*). ــ (*) قال في الاختيارات: وأبو الرجلِ وابنُه من عاقلتِه عند الجمهور كأبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ في أظهرِ الروايتين عنه، وتؤخذُ الديةُ من الجانِي خَطَأً عند تُعذُّرِ العاقلةِ في أصحِّ قولَي العلماءِ، ولا يؤجَّلُ على العاقِلةِ إذا رأى الإمامُ المصلحةَ فيه، ونصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ، ويتوجَّهُ أن يَعْقِلَ ذوو الأرحامِ عند عدمِ العَصَبةِ إذا قلنا تجبُ النفقةُ عليهم، والمُرْتَدُّ يجبُ أن يَعْقِلَ عنه مَنْ يرثُه من المسلمين، أو أهلُ الدِّيْنِ الذي انتقَلَ إليه ا. هـ. (*) قال في المقنع: وفي قَتْلِ العَمْدِ روايتان: أحدُهما لا كَفَّارَةَ فيه، اختارها أبو الخطَّابِ والقاضي، والأُخرَى فيه الكفارةُ انتهى. اختارها أبو محمد الجوزي، وجَزمَ بها في الوجيز والمنور. قال ابن كثير: اختلف الأئمةُ هل تجبُ عليه كفارةٌ؟ على قولين، فالشافعيُّ وأصحابُه وطائفةٌ من العلماءِ يقولون: نعم، لأنه إذا وجَبَتْ عليه الكفارةُ في الخَطَأِ، فلئن تجبُ عليه في العَمْدِ أَوْلَى، وقال أصحابُ الإمامِ أحمدَ =

стр. 321

باب القسامة (*) وهي: أيمانٌ مُكَرَّرَةٌ في دَعْوَى قتلِ مَعْصومٍ. مِنْ شَرْطِها اللَّوْثُ، وهو العَداوةُ الظاهرةُ، كالقبائلِ التي يطلبُ بعضُها بعضاً بالثأرِ، فمن ادُّعِيَ عليه القَتْلُ من غير لَوْثٍ حَلَفَ يميناً ــ = وآخرون: "قتلُ العَمْدِ أَعْظَمُ من أن يُكفَّرَ فلا كفارةَ فيه"، وقد احتجَّ من ذهبَ إلى وجوبِ الكفارةِ في قَتْلِ العَمْدِ بما رواه الإمامُ أحمدُ عن واثلةَ بن الأَسْقَعِ قال: أَتَى النبيَّ ﷺ نَفَرٌ من بني سُليمٍ فقالوا: إن صاحباً لنا قد أَوْجَبَ، قال: (فليَعْتِقْ رقبةً يَفْدِي اللهُ بكلِّ عُضْوٍ منها عضواً منه في النَّارِ) (١). (*) قال في الاختيارات: نَقَلَ المَيْمُونيُّ عن الإمامِ أحمدَ أنه قال: أَذْهَبُ إلى القَسَامَةِ إذا كان ثَمَّ لَطْخٌ وإذا كان سببٌ بَيِّنٌ، وإذا كان ثم عداوةٌ، وإذا كان مثلُ المُدَّعَى عليه يفعلُ هذا، فذكر الإمامُ أحمدُ أربعةَ أمورٍ: اللَّطْخُ، وهو التكلُّمُ في عِرْضِهِ كالشهادةِ المردودةِ، والسَّبَبُ البَيَّنُ، كالتَّعرفِ على قتيلٍ، والعداوةُ وكونُ المطلوبِ من المعروفين بالقتلِ، وهذا هو الصواب، واختاره ابنُ الجوزي، ثُمَّ لوثٌ يغلبُ على الظَّنِّ أنه قَتَلَ من اتُّهِمَ بقَتلِه، جاز لأولياءِ المقتولِ أن يَحْلِفوا خمسينَ يميناً ويستحقُّوا دَمَهُ، وأما ضَرْبُه ليُقِرَّ فلا يجوزُ إلا مع القرائِنِ التي تدلُ على أنه قَتَلَهُ، فإن بعضَ العلماءِ جَوَّزَ تقريرَه بالضَّربِ في هذه الحال وبعضُهم مَنَعَ من ذلك مطلقاً ا. هـ.

стр. 322

واحدةً وبَرِئَ، ويُبْدَأُ بأَيْمانِ الرجالِ من ورثةِ الدَّمِ، فيَحْلِفونَ خمسينَ يميناً، فإن نَكَلَ الورثةُ أو كانوا نساءً حَلَفَ المُدَّعَى عليه خمسينَ يميناً وبَرِئَ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 323

كتاب الحدود (*) لا يجبُ الحدُّ إلا على بالغٍ عاقلٍ ملتزمٍ عالمٍ بالتحريمِ، فيقيمُه الإمامُ أو نائبُه في غيرِ مسجدٍ. ويُضْرَبُ الرجلُ في الحدِّ قائماً بسَوطٍ لا جديدٍ ولا خَلَقٍ، ولا يُمَدُّ ولا يُرْبَطُ ولا يُجَرَّدُ، بل يكونُ عليه قميصٌ أو قميصانِ، ولا يبالغُ بضَرْبِه بحيثُ يَشُقُّ الِجْلدَ، ويفرَّق الضربُ على بدنِه، ويُتَّقَى الرأسُ والوجهُ والفَرْجُ والمقَاتِلُ، والمرأةُ كالرَّجِل فيه، إلا أنها تُضْرَبُ جالسةً وتَشُدُّ عليها ثيابَها وتُمسك يداها لئلا تَنْكَشِفَ. وأشدُّ الجَلْدِ جَلْدُ الزِّنَا ثم القَذْفُ ثم الشُّرْبُ، ثم التَّعْزيرُ، ومن مات في حَدٍّ فالحقُّ قَتَلَه، ولا يُحْفَرُ للمَرجومِ في الزِّنَا. ــ (*) قال في الاختيارات: وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ " [النساء: ١٥]، قد يُستَدلُّ بذلك على أن المُذْنِبَ إذا لم يعرفْ فيه حُكْمَ الشرعِ، فإنه يُمْسَكُ فيُحْبَسُ حتى يُعرَفَ فيه الحكمَ الشرعيَّ فينفَّذُ فيه، وإذا زَنَى الذمِّيُّ بالمسلمةِ قُتِلَ، ولا يعرَّفُ عند القتلِ الإسلامَ ولا يُعْتَبَرُ فيه أداءُ الشهادةِ على الوجهِ المُعْتبَرِ في المسلم، بل يكفي استفاضَتُه واشْتِهارُه، وإن حَمَلَتْ امرأةٌ لا زوجَ لها ولا سيِّدَ حُدَّتْ إن لم تَدَّعِ الشُّبْهةَ، وكذا من وُجِدَ منه رائحةُ الخَمْرِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ فيهما، وغِلَظُ المعصيةِ وعقابُها بقَدرِ فَضيلةِ الزمانِ والمكانِ، والكبيرةُ الواحدةُ لا تُحْبِطُ جميعَ الحَسَناتِ، لكن قد تُحْبِطُ ما يقابُلها عند أهلِ السُّنَّةِ ا. هـ.

стр. 324

باب حد الزنا إذا زَنَى المُحْصَنُ رُجِمَ حتى يموتَ، والمُحْصَنُ: مَنْ وَطِئَ امرأتَه المسلمةَ أو الذميةَ في نكاحٍ صحيحٍ وهما بالغانِ عاقلانِ حُرَّانِ، فإن اختلَّ شرطٌ منها في أَحدِهما فلا إِحْصانَ لواحدٍ منهما، وإن زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ جُلِدَ مائةَ جَلْدَةٍ وغُرِّبَ عاماً، ولو امرأةً (*)، والرقيقُ خمسينَ جَلْدةً، ولا يُغَرَّبُ، وحَدُّ لُوطِيٍّ كَزَانٍ (*). ولا يجبُ الحَدُّ إلا بثلاثةِ شُروطٍ: أحدُها: تَغْيِيْبُ حَشَفةٍ أَصْليَّةٍ كلِّها في قُبُلٍ أو دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ من آدميٍ حَيٍّ حراماً محضاً (*). ــ (*) قوله: "ولو امرأةً"، قال في المقنع: وإن زنا الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ جُلِدَ مائةَ جَلْدةٍ وغُرِّبَ عاماً إلى مسافةِ القَصْرِ، وعنه أن المرأةَ تُنْفَى إلى دونِ مسافةِ القَصْرِ، ويَخْرُجُ معها مَحْرَمُها، فإن أرادَ أُجْرةً بذَلَتْ من مالِها فإن تعذَّر فمن بيتِ المالِ، فإن أَبَى الخروجَ معها استُؤْجِرتِ امرأةٌ ثِقَةٌ، فإن تعذَّر نُفِيَتْ بغيرِ مَحْرَمٍ ويَحتَمِلُ أن يَسقُطَ النَّفْيُ اهـ. قال في الحاشية: لأن تَغْرِيبَها على هذه الحالِ إغراءٌ لها بالفُجورِ، قال في الإنصاف: وهو قوي. (*) قوله: "وحَدُّ لُوطِيٍّ كَزَانٍ"، قال في المقنع: وحَدُّ اللُّوطِيِّ كحَدِّ الزانِي سواءً، وعنه حَدُّ الرَّجْمِ بكلٍ حالٍ انتهى. قال ابنُ رجب: الصحيحُ قَتْلُ اللُّوطِي سواء كان مُحْصَناً أو غيرَه. (*) قوله: "تغييبُ حَشَفَةٍ ... " إلى آخره، يعني لا يجبُ الحَدُّ إلا بذلك، وأما العقوبةُ فهي ثابتةٌ إذا وُجِدَ الرجلُ مع المرأةِ في بيتٍ أو لِحَافٍ أو نحوِ ذلك من الرِّيبَةِ.

стр. 325

الثاني: انتفاءُ الشُّبْهَةِ، فلا يُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَةٍ له فيها شِرْكٌ أو لولدِه، أو وَطْءِ امرأةٍ ظنَّها زوجتَهُ أو سُرِّيتَه، أو في نكاحٍ باطلٍ اعتقدَ صحتَه، أو نكاحٍ أو مِلْكٍ مُخْتلَفٍ فيه ونحوه، أو أُكرهتِ المرأةُ على الزِّنَا. الثالث: ثبوتُ الزِّنَا، ولا يَثْبُتُ إلا بأحدِ أمرين: أحدهما: أن يُقِرَّ به أربعَ مراتٍ في مجلسٍ أو مجالسَ، ويُصرِّحَ بِذِكْرِ حقيقةِ الوَطْءِ، ولا يَنْزِعُ عن إِقْرارِهِ حتَّى يَتِمَّ عليه الحدُّ (*). الثاني: أن يَشْهَدَ عليه في مَجْلِسٍ واحدٍ بِزِنَاً واحدٍ يَصِفُونَه أربعةٌ ممنْ تُقْبَلُ شَهادتُهم فيه، سواء أَتَوا الحاكمَ جُملةً أو مُتفرِّقِينَ، وإن حَمَلَتِ امرأةٌ لا زوجَ لها ولا سيِّد لم تُحَدَّ بُمجرِّدِ ذلك (*). ــ (*) قوله: "ولا يَنْزِعُ عن إقرارِه حتى يتمَّ عليه الحَدُّ"، قال في الاختيارات: والعقوباتُ التي تُقامُ من حَدٍّ أو تَعْزيرٍ إذا ثَبتَتْ بالبينةِ، فإذا أَظْهرَ مَنْ وجبَ عليه الحَدُّ التوبةَ لم يوثَقْ منه بها فيقامُ عليه، وإن كان تائباً في الباطنِ كان الحَدُّ مُكفِّراً وكان مأجوراً على صَبْرِهِ، وإن جاء تائباً بنفسِه فاعترفَ فلا يُقامُ في ظاهرِ مذهبِ أحمدَ، ونصَّ عليه في غيرِ موضعٍ، كما جزمَ به الأصحابُ وغيرُهم في المُحارَبِينَ، وإن شَهِدَ على نفسِه كما شهدَ به ماعزٌ (١) والغامِدِيَّةُ، واختارَ إقامةَ الحَدِّ عليه أُقيمَ، وإلا لا، انتهى. (*) قوله: "وإن حَمَلَتْ امرأةٌ لا زوجَ لها ولا سيِّدَ لم تُحَدَّ بمجردِ ذلك"، وعنه أنها تُحَدُّ إذا لم تَدَّعِ شُبهةً، اختاره الشيخ تقي الدين، وقال مالك عليها الحَدُّ إذا كانتْ مُقيمةً غيرَ غريبةٍ إلا أن تَظْهَرَ أماراتُ الإكراهِ.

стр. 326

باب حد القذف إذا قَذَفَ المكلَّفُ مُحْصَنَاً جُلِدَ ثمانينَ جَلْدةً إن كان حُراً، وإن كان عبداً أربعينَ، والمُعْتَقُ بعضُه بحسابِه، وقَذْفُ غيرِ المُحْصَنِ يوجبُ التَّعْزِيْرَ، وهو حَقٌّ للمَقْذُوفِ، والمُحْصَنُ هنا (*): الحُرُّ المسلمُ العاقلُ العفيفُ الملتزِمُ الذي يُجامِعُ مِثْلُه، ولا يُشْتَرَطُ بلوغُه. وصريحُ القَذْفِ: يا زانِي، يا لُوطِيُّ، ونحوه، وكنايتُه: يا قحبةُ، يا فاجرةُ يا خبيثةُ، فَضَحْتِ زوجَكِ، أو نَكَّسْتِ رأسَه، أو جَعَلْتِ له قُروناً ونحوه، وإن فَسَّرهُ بغيرِ القَذْفِ قُبِلَ، وإن قَذَفَ أهلَ البلدِ أو جماعةً لا يُتَصَوَّرُ منهم الزِّنَا عادةً عُزِّر. ويسقطُ حدُّ القَذْفِ بالعَفْوِ، ولا يُستوفَى بدون الطَّلَبِ. ــ (*) قوله: "والمحصَنُ" إلى آخره عبارة المقنعِ: والمُحْصَنُ هو الحُرُّ المسلمُ العاقلُ العفيفُ الذي يجامِعُ مِثْلُه. قال في الاختيارات: ولو شَتَمَ شخصاً فقال: أنتَ ملعونٌ ولدُ زِناً، وجبَ عليه التعزيرُ على مثلِ هذا الكلام، ويجب عليه حَدُّ القَذْفِ إن لم يَقْصِدْ بهذه الكلمةِ أن المَشْتُومَ فِعْلُه كَفِعْلِ الخبيثِ أو كفِعْلِ ولدِ الزِّنَا، ولا يُحَدُّ القاذفُ إلا بالطَّلَبِ إجماعاً ا. هـ.

стр. 327

بابُ حَدِّ المُسْكِرِ كلُّ شرابٍ أَسْكَرَ كثيُره فقليلُه حرامٌ، وهو خَمْرٌ من أي شيءٍ كان، ولا يُباح شُرْبُهِ لِلَذَّةٍ، ولا لِتَدَاوٍ ولا عَطَشٍ ولا غيرِه، إلاّ لِدَفْع لُقْمَةٍ غَصَّ بها ولم يَحْضُرْهُ غيرُه. وإذا شَرِبَهُ المسلمُ المكلَّفُ مختاراً عالماً أنَّ كثيرَه يُسكِرُ فعليه الحَدُّ، ثمانونَ جَلْدةً مع الحُرِّيةِ، وأربعونَ مع الرِّقِّ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 328

بابُ التَّعْزِيرِ وهو التَّأديبُ (*)، وهو واجبٌ في كلِ معصيةٍ لا حدَّ فيها ولا كفَّارة، كاستمتاعٍ لا حدَّ فيه، وسرقةٍ لا قَطْعَ فيها، وجنايةٍ لا قَوَدَ فيها، وإتْيانِ المرأةِ ــ (*) قال في الاختيارات: والقَوَّادَةُ التي تُفسِدُ الرجالَ والنساءَ أقلُّ ما يجبُ عليها الضَّرْبُ البليغُ، وينبغي شهرةُ ذلك، بحيثُ يستفيضُ هذا في النِّساءِ والرجالِ وإذا رَكبتْ دابةً وضَمَّتْ عليها ثيابَها ونُوديَ عليها هذا جزاءُ من يَفْعلُ كذا وكذا كان من أعظمِ الجرائمِ، إذ هي بمنزلةِ عَجُوزِ السوءِ امرأةِ لُوطٍ وقد أهلكَها اللهُ تعالى مع قَوْمِهَا. ومن قال لِمَنْ لامَهُ الناسُ: تقرؤونَ تواريخَ آدمَ وظَهَرَ منه قَصْدُ معرفتِهم بخطيئتِه ولو كان صادقاً، وكذا من يُمسِكُ الحَيَّةَ ويدخلُ النارَ ونحوه، ومن قال لذمِّي: يا حاجُّ عُزِّرَ، لأن فيه تشبيهَ قاصدِ الكنائسِ بقاصدِ بيتِ الله، وفيه تعظيمُ ذلك، فهو بمنزلَةِ من يُشَبِّه أعيادَ الكفارِ بأعيادِ المسلمين، وكذا يُعزَّرُ من يُسمِّي من زار القبورَ والمشاهدَ حاجّاً، إلا أن يُسَمِّيَ حاجاً بقَيْدٍ، كحاجِّ الكفارِ والضَّالِّينَ، ومن سَمَّى زيارةَ ذلك حَجّاً أو جَعَلَ له مَناسِكَ فإنه ضالٌّ مُضِلٌّ ليس لأحدٍ أن يفعلَ في ذلك ما هو من خصائصِ حجِّ البيتِ العتيقِ انتهى. وقال أيضاً: ولا يُقدَّرُ التعزيرُ بل يُرْدَعُ المعزَّرُ، وقد يكون بالعَزْلِ والنَّيْلِ من عِرْضِه، مثل أن يقالَ له يا ظالمُ يا مُعتدٍ، وبإقامتِه من المَجْلِسِ، إلى أن قال: والتعزيرُ يكونُ على فعلِ المحرماتِ وتركِ الواجباتِ، فمن جِنْسِ تَرْكِ الواجباتِ مَنْ كَتَمَ ما يجبُ بيانُه، كالبائعِ المدلِّس والمُؤجِر والناكحِ وغيرهم مِنَ المعاملين، وكذا الشاهدُ والمُخْبِرُ والمفتي والحاكِمُ ونحوُهم، فإن كتمانَ الحقِّ =

стр. 329

المرأةَ والقذفِ بغيرِ الزِّنا ونحوه. ولا يُزادُ في التَّعزيرِ على عَشرِ جَلداتٍ، ومن استمنَى بيدِه بغيرِ حاجةٍ عُزِّرَ. ــ = مشبَّهٌ بالكذبِ وينبغي أن يكونَ سبباً للضَّمانِ، كما أن الكذبَ سببٌ للضَّمانِ، إلى أن قال: وقد يكونُ التعزيرُ بتركِهِ المستحَبَّ كما يُعزَّرُ العاطِسُ الذي لم يَحْمَدِ اللهَ بتركِ تَشْمِيتِه، وقال أيضاً: والتعزيرُ بالمالِ سائغٌ إتلافاً وأخذاً، وهو جارٍ على أصلِ أحمدَ، لأنه لم يختلفْ أصحابُه أن العقوباتِ في الأموالِ غيرُ منسوخةٍ كلها، وقولُ الشيخ أبي محمد المقدسي: ولا يجوزُ أخذُ مالِ المعزَّرِ، فإشارةٌ منه إلى ما يفعلُه الولاةُ الظَلَمَةُ، انتهى.

стр. 330

بابُ القَطْعِ في السَّرِقَةِ إذا أخذَ الملتزمُ نِصاباً من حِرْزِ مِثْلِه من مالٍ معصومٍ لا شُبهةَ له فيه على وجهِ الاختفاءِ قُطِعَ (*)، فلا قَطْعَ على مُنتهِبٍ ولا مُختلِسٍ ولا غاصِبٍ ولا خائِنٍ في وديعةٍ أو عاريَّةٍ أو غيرِها، ويُقطَعُ الطَّرَّارُ الذي يَبطُّ الجيبَ أو ــ (*) قال في الشرح الكبير: مسألة، فإن دخل الحِرْزَ فأتلفَ فيه نصاباً ولم يُخرجْهُ فلا قَطْعَ عليه، لأنه لم يَسْرِقْ لكن يلزمُه ضمانُه، لأنه أتْلفَه، ولا يُقْطَعُ حتى يُخرجَهُ من الحِرْزِ، فمتى أخرجَهُ من الحِرْزِ فعليه القَطْعُ، سواء حملَه إلى منزلِه أو تركَه خارجاً من الحِرْزِ. قال في الشرح الكبير: الإبلُ على ثلاثة أضرب، باركةٌ وراعيةٌ وسائرةٌ، فأما الباركةُ، فإن كان معها حافظٌ لها وهي معقولةٌ فهي مُحْرَزَةٌ، وإن لم تكن معقولةً وكان الحافظُ ناظراً إليها أو مستيقظاً بحيث يراها فهي مُحْرَزةٌ، وإن كان نائماً أو مشغولا عنها فليستْ مُحْرَزَةً، لأن العادةَ أن الرُّعاةَ إذا أرادوا النومَ عَقَلُوا إِبَلَهُمْ، ولأن المعقولةَ تُنَبِّهُ النائمَ والمُشْتَغِلَ، وإن لم يكن معها أحدٌ فهي غيرُ مُحْرَزَةٍ، سواء كانت معقولةً أو لم تكن. وأما الرَّاعِيَةُ فحِرْزُها بنظرِ الرَّاعِي إليها، فما غابَ عن نظرِه أو نامَ عنه فليس بُمحْرَزٍ، لأن الرَّاعِيَةَ إنما تُحْرَزُ بالرَّاعِي ونظرِه، وأما السائرةُ فإنْ كان معها من يسوقُها فَحِرْزُها بنظرِه إليها، سواء كانت مقطَّرَةً أو غيرَ مُقَطَّرَةٍ، فما كان منها بحيثُ لا يراه فليس بمُحْرَزٍ، وإن كان معها قائدٌ فحِرْزُها أن يُكْثِرَ الالتفاتَ إليها والمُداعاةَ لها، وتكونُ بحيثُ يراها إذا التفتَ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يُحْرِزُ القائدُ إلا التي زمامُها بيدِه، ولنا أن العادةَ في حِفْظِ الإبلِ المقطَّرِة بمُراعاتِها بالالتفاتِ وإمْساكِ زمامِ الأولِ.

стр. 331

غيره ويأخذُ منه. ويُشترَطُ أن يكون المسروقُ مالاً مُحترَماً، فلا قَطْعَ بسرقةِ آلةِ لَهْوٍ ولا مُحرَّمٍ كالخمرِ. ويُشترَطُ أن يكونَ نِصَاباً، وهو ثلاثةُ دراهمَ، أو ربعُ دينارٍ، أو عَرْضُ قيمتُهُ كأحدهِما، وإذا نَقَصَتْ قيمةُ المسروقِ أو مَلَكهَا السارقُ لم يَسقُطِ القطعُ، وتعتبرُ قيمتُها وقتَ إخراجِها من الحِرْزِ، فلو ذَبَحَ فيه كَبْشاً أو شَقَّ فيه ثوباً فنَقَصَتْ قيمتُه عن نِصَابٍ ثم أخرجَه أو تَلِفَ فيه المالُ لم يُقْطَعْ. وأن يُخْرِجَه من الحِرْزِ، فإن سَرَقَهُ من غيرِ حِرْزٍ فلا قَطْعَ، وحِرْزُ المالِ ما العادةُ حِفْظُه فيه، ويَخْتَلِفُ باختلافِ الأموالِ والبُلدانِ وعَدْلِ السلطانِ وجَوْرِه، وقُوَّتِه وضَعْفِه، فَحِرْزُ الأموالِ والجواهرِ والقماشِ في الدُّورِ والدكاكينِ والعمران وراءَ الأبوابِ والأَغْلاقِ الوثيقةِ، وحِرْزُ البَقْلِ وقُدُورِ البَاقِلاَّءِ ونحوهما وراءَ الشَّرائِج، إذا كان في السوقِ حارسٌ، وحِرْزُ الحَطَبِ والخَشَبِ الحظائرُ، وحِرْزُ المواشي الصِّيرُ، وحِرْزُها في المَرْعَى الرَّاعي، ونظرِه إليها غالباً. وأن تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ، فلا يُقْطَعُ بالسرقِةِ من مالِ أبيه وإن عَلا، ولا من مالِ ولدِه إن سَفَلَ، والأبُ والأمُّ في هذا سواء، ويُقْطَعُ الأخُ وكلُّ قريبٍ بسرقةِ مالِ قريبِه، ولا يُقْطَعُ أحدٌ من الزوجينِ بسرقتِه مالَ من الآخرَ، ولو كان مُحْرَزَاً عنه، وإذا سَرَقَ عبدٌ من مال سيِّده، أو سيِّدٌ من مال مُكاتَبِهِ، أو حرٌ مسلمٌ من بيتِ المالِ، أو من غينمةٍ لم تُخَمَّسْ، أو فقيرٌ من غَلَّةِ وَقْفٍ على الفقراءِ، أو شخصٌ من مالٍ فيه شركةٌ له، أو لأحدٍ ممن لا يُقْطَعُ بالسرقةِ منه لم يُقْطَعْ، ولا يُقطَعُ إلا بشهادةِ عَدْلَيْنِ أو إقرارٍ مرتينِ، ولا ينزعُ عن إقرارِه حتى ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 332

يُقْطَعَ، وأن يُطالِبَ المسروقُ منه بمالِه (*). وإذا وجب القطعُ قُطعتْ يدُه اليُمنَى من مفصلِ الكَفِّ وحُسِمَتْ. ومن سرقَ شيئاً من غيرِ حِرْزٍ ثَمَراً كانَ أو كُثَراً أو غيرَهما أُضْعِفَتْ عليه القيمةُ ولا قَطْعَ. ــ (*) قوله: "وأن يطالب المسروقُ منه بمالِه"، قال في الاختيارات: ولا يُشتَرطُ في القَطْعِ بالسرقةِ مطالبةُ المسروقِ منه بمالِه، وهو روايةٌ عن أحمد اختارها أبو بكر، ومذهب مالك كإقرارِه بالزِّنَى بأَمَةِ غيرِه، ومن سَرَق ثَمَراً أو ماشيةً من غيرِ حِرْزٍ أُضعفَتْ عليه القيمةُ، وهو مذهبُ أحمد وكذا غيرها، وهو روايةٌ عنه، واللِّصُّ الذي غَرَضُه سرقةُ أموالِ الناسِ، ولا غَرَضَ له في شخصٍ مُعَيَّنٍ فإنَّ قَطْعَ يَدِه واجبٌ، ولو عفا عنه ربُّ المالِ ا. هـ.

стр. 333

بابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وهم الذين يَعْرِضُونَ للناسِ بالسِّلاحِ في الصَّحْراءِ أو البُنيانِ فَيَغْصِبُونهَم المالَ مُجَاهَرَةً لا سَرِقَةً (*). فَمَنْ منهم قَتَلَ مُكافِئاً أو غيرَه، كالولدِ والعبدِ والذِّمي، وأَخَذَ المالَ قُتِلَ ثم صُلِبَ حتى يَشْتَهِرَ. وإن قَتَلَ ولم يَأْخُذِ المالَ قُتِلَ ولم يُصْلَبْ. ــ (*) قال في الاختيارات: والمُحَارَبُونَ حُكْمُهم في المِصْرِ والصَّحْراءِ واحدٌ، وهو قولُ مالكٍ في المشهورِ عنه والشافعيِّ وأكثرِ أصحابِنا، قال القاضي: المذهبُ على ما قال أبو بكر في عدمِ التَّفْرقةِ، ولا نصَّ في الخلاف، بل هم في البُنيانِ أحقُّ بالعقوبةِ منهم في الصحراءِ الجرداء، كالمُباشَرَةِ في الحِرَابَةِ وهو مذهبُ أحمد، وكذا في السرقةِ، والمرأةُ التي تُحضِرُ النساءَ للقتلِ تُقتَلُ انتهى. قال في الاختيارات: ويَلزمُ الدفعُ عن مالِ الغيرِ سواء كان المدفوعُ من أهل مكةَ أو غيرهم، وقال أبو العباس في جندٍ قاتلوا عَرَباً نهبوا أموال تجارٍ ليردُّوها إليهم: فهم مجاهدونَ في سبيلِ الله ولا ضَمانَ عليهم بقَوَدٍ ولا دِيَةٍ إذا كان تعزيراً على ما مَضَى من فِعْلٍ أو تَرْكٍ، فإن كان تعزيراً لأجل تَرْكِ ما هو فاعلٌ له، فهو بمنزلةِ قَتْلِ المرتَدِّ والحَرْبي وقتالِ الباغِي والعَادِي، وهذا تعزيرٌ ليس يُقَدَّرُ بل ينتهي إلى القتلِ كما في الصَّائلِ لأخذِ المالِ يجوزُ أن يُمْنَعَ عن الأخْذِ ولو بالقَتْلِ، وعلى هذا فإذا كان المقصودُ دفعَ الفساد -ولم يندفعْ إلاَّ بالقتل- قُتِلَ، وحينئذٍ فمن تكرَّرَ منه فعلُ الفسادِ ولم يَرْتَدِعْ بالحُدودِ المقدَّرةِ، بل استمرَّ على ذلك الفسادِ، فهو كالصَّائِلِ الذي لا يَنْدَفِعُ إلا بالقَتْلِ فَيُقْتَلُ ا. هـ.

стр. 334

وإن جَنَوا بما يُوجِبُ قَوَداً في الطَّرَفِ تَحَتَّم استيفاؤُه. وإن أَخَذَ كلُّ واحد من المالِ قَدْرَ ما يُقْطَعُ بأخذِه السارقُ ولم يَقْتُلُوا قُطعَ من كلِّ واحدٍ يدُه اليمنى ورِجْلُه اليُسرَى في مقامٍ واحدٍ وحُسِمَتَا ثم خُلِّيَ. فإن لم يُصيبُوا نَفْساً ولا مَالاً يبلغُ نصابَ السرقةِ نُفُوا: بأن يُشَرَّدُوا فلا يُتركونَ يَأْوون إلى بلدٍ. ومن تابَ منهم قَبْلَ أن يُقْدَرَ عليه سَقَطَ عنه ما كان للهِ من نَفْيٍ وقَطْعٍ وصَلْبٍ وتَحَتُّمِ قتلٍ، وأُخِذَ بما للآدميينَ من نَفْسٍ وطَرَفٍ ومَالٍ، إلا أن يُعْفَى له عنها. ومن صالَ على نفسِه أو حُرمتِه أو مالِه آدميٌ أو بهيمةٌ، فله الدَّفْعُ عن ذلك بأسهلِ ما يَغلبُ على ظنِّهِ دفعُه به، فإن لم يَندفعْ إلا بالقتلِ فله ذلك ولا ضَمانَ عليه، وإن قُتِلَ فهو شهيدٌ، ويلزمُهُ الدفعُ عن نفسِه وحُرمتِه دون مالِه، ومن دخلَ مَنْزِلَهُ رجلٌ مُتَلَصِّصٌ فحكمُه كذلك. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 335

باب قتال أهل البغي إذا خرجَ قومٌ لهم شَوكةٌ ومَنَعةٌ على الإمامِ بتأويلٍ سائغٍ فَهُمْ بغاةٌ، وعليه أن يُراسِلَهم فيسألَهم ما يَنْقِمُونَ منه؟ (*) فإن ذَكَروا مَظْلمةً أزالَها، وإن ادَّعَوا شُبهةً كَشَفَها، فإن فاءُوا، وإلا قاتلَهم. ــ (*) قال في الاختيارات: والأفضلُ تركُ قتالِ أهل البَغْي حتى يَبْدَأ الإمامَ، وقاله مالك، وله قتلُ الخوارجِ ابتداءً ومتممة تخريجهم، وجمهورُ العلماء يُفرِّقونَ بين الخوارجِ والبُغاةِ والمتأولينَ، وهو المعروفُ عن الصحابةِ، وأكثر المُصنِّفِينَ لقتالِ أهلِ البَغْي يَرَى القتالَ من ناحيةِ عليٍّ، ومنهم من يَرَى الإمساكَ، وهو المشهورُ من قولِ أهلِ المدينةِ وأهلِ الحديثِ مع رؤيتِهم لقتالِ من خرجَ عن الشريعةِ كالحَرُورِيَّةِ ونحوهم وأنه يجبُ، والأخبارُ تُوافِقُ هذا، فاتَّبعوا النصَّ الصحيحَ والقياسَ المستقيمَ وعليٌّ كان أقربَ إلى الصوابِ من مُعاويةَ. ومن استحلَّ أذى مَنْ أَمَرُه ونَهَاهُ بتأويلٍ فكالمُبْتَدِعِ ونحوه يسقطُ بتوبتِه حقُّ اللهِ تعالى وحقُّ العبدِ، واحتجَّ أبو العباسِ لذلك بما أتلفَه البُغَاةُ، لأنه من الجِهادِ الذي يجبُ الأجرُ فيه على الله تعالى، وقتالُ التَّتَارِ ولو كانوا مسلمينَ، هو قتالُ الصدِّيقِ ﵁ مانِعي الزكاةِ ويأخذُ أموالَهم وذُرِّيتَهم، وكذا المقفز إليهم ولو ادَّعَى إكراهاً. =

стр. 336

وإن اقتتلتْ طائفتانِ لعصبيةٍ أو رياسةٍ فهما ظالمتانِ وتَضْمَنُ كلُّ واحدةٍ ما أَتْلفتْ على الأُخرى. ــ = ومن أَجْهزَ على جريحٍ لم يأْثَمْ ولو تَشَهَّدَ، ومن أخذَ شيئاً منهم خُمِّسَ وبقيتُه له، والرافضةُ الجبليةُ يجوزُ أخذُ أموالِهم، وسَبْيُ حَريمِهمْ يُخرَّجُ على تكفيرِهم. قال أصحابُنا: وإذا اقتتلتْ طائفتانِ لعصبيةٍ أو رياسةٍ فهما ظالمتانِ ضامنتانِ، فأوجَبُوا الضَّمانَ على مجموعِ الطائفةِ، وإن لم يُعلَمْ عينُ المتلِفِ، وإن تَقابَلا تقاصَّا لأنَّ المباشِرَ والمُعينَ سواءٌ عند الجمهور، وإنْ جُهلَ قَدرُ ما نَهبَهَ كلُّ طائفةٍ من الأُخْرَى تَساويَا، كمن جَهِلَ قدرَ الحرامِ المُخْتَلِطِ بمالِه، فإنه يخرج النِّصف والباقي له. ومن دخلَ لصُلْحٍ فقُتلَ فجُهِلَ قاتلُه ضَمِنَه الطائفتانِ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ كلَّ طائفةٍ ممتنعةٍ عن شريعةٍ متواترةٍ من شرائعِ الإسلامِ، فإنه يجبُ قتالُها حتى يكونَ الدِّينُ كلُّه لله كالمُحَارَبِينَ وأولى، انتهى والله أعلم.

стр. 337

بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ وهو الذي يكفرُ بعد إسلامِه، فمن أشركَ باللهِ أو جَحَدَ رُبوبيتَه أو وَحْدانيتَه أو صِفَةً من صفاتِه، أو اتَّخذَ للهِ صاحبةً أو ولداً، أو جَحَدَ بعضَ كُتبِه أو رُسلِه، أو سبَّ اللهَ أو رسولَه فقد كَفَرَ، ومن جحدَ تحريمَ الزِّنا أو شيئاً من المُحرَّماتِ الظاهرةِ المُجمَعِ عليها بجهلٍ عُرِّفَ ذلك، وإن كان مثلُه لا يجهلُه كَفَر (*). فصل فمن ارتدَّ عن الإسلامِ وهو مُكلَّفٌ مُختارٌ، رجلٌ أو امرأةٌ، دُعِيَ إليه ثلاثةَ أيامٍ وضُيِّقَ عليه، فإن لم يُسلِمْ قُتِلَ بالسيفِ. ولا تُقبلُ توبةُ من سَبَّ اللهَ أو رسولَه (*)، ولا من تَكَرَّرتْ رِدَّتُه، بل يُقتَلُ بكلِّ حالٍ. ــ (*) قال في الاختيارات: والمُرتَدُّ من أشركَ بالله تعالى أو كان مُبْغِضاً للرسولِ ﷺ ولِمَا جاءَ به أو تَرَكَ إنكارَ مُنْكِرٍ بقلبه أو تَوَهَّمَ أن أحداً من الصحابةِ أو التابعينَ أو تابعيهم قاتلَ مع الكفارِ أو أجازَ ذلك أو أنكر مُجْمَعاً عليه إجماعاً قطعياً، أو جَعَلَ بينه وبين اللهِ وسائطَ يتوكَّلُ عليهم ويَدعوهُم ويَسألُهم، ومن شكَّ في صِفَةٍ من صِفَاتِ اللهِ ومثلُه لا يجهلُها فمرتَدٌّ، وإن كان مثلُه يجهلُها فليس بمرتَدٍّ، ولهذا لم يُكَفِّرِ النبيُّ ﷺ الرجلَ الشاكَّ في قُدرةِ الله وإعادتِه، لأنه لا يكونُ إلا بعد الرسالةِ، ومنه قولُ عائشةَ ﵂: مهما يَكْتُمِ الناسُ يَعْلَمْه اللهُ نعم. اهـ. (*) قوله: "ولا تُقبَلُ توبةُ من سبَّ اللهَ أو رسولَهُ ... " إلى آخره، قال في المقنع: وهل تُقبَلُ توبةُ الزِّنْديقِ ومن تكرَّرتْ رِدَّتُه أو من سَبَّ اللهَ تعالى أو رسولَه =

стр. 338

وتوبةُ المُرتَدِّ وكلِّ كافرٍ إسلامُه بأن يشهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، ومن كان كُفْرُهُ بجَحْدِ فرضٍ ونحوه، فتوبتُه مع الشهادتَيْنِ إقرارُه بالمَجْحودِ به، أو قولُه: أنا بريءٌ من كل دِينٍ يخالفُ دِينَ الإسلامِ. ــ = والساحر؟ على روايتين، إحداهما: لا تُقْبَلُ توبتُه بكلِّ حالٍ، والأُخرى: تُقبَلُ توبتُه كغيرِه ا. هـ. قال في الاختيارات: وإذا أَسْلمَ المُرتَدُّ عُصِمَ دمُه ومالُه، وإن لم يَحْكُمْ بصحةِ إسلامهِ حاكمٌ باتفاقِ الأئمةِ، بل مذهبُ الإمامِ أحمدَ المشهورُ عنه، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي: إنه من شُهِدَ عليه بالرِّدَةِ فأَنكرَ حُكِمَ بإسلامِه ولا يَحتاجُ أن يُقِرَّ بما شُهِدَ عليه به، وقد بَيَّن اللهُ تعالى أنه يتوبُ عن أئمةِ الكُفْرِ الذين هم أعظمُ من أئمةِ البِدَع، إلى أن قال: ولا يضمنُ المرتَدُّ ما أتلفَه بدارِ الحَرْبِ أو في جماعةٍ مُرتدَّةٍ مُمتنَعةٍ، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارها الخلاَّلُ وصاحبُه، والتنجيمُ كالاستدلالِ بأحوالِ الفَلَكِ على الحوادِثِ الأَرْضيَّةِ هو من السِّحْرِ ويَحْرُمُ إجماعاً ا. هـ.

стр. 339

كتابُ الأَطْعِمَةِ الأصلُ فيها الحِلُّ، فيباحُ كلُّ طاهرٍ لا مَضَرَّةَ فيه من حَبٍّ وثَمْرٍ وغيرهما، ولا يَحِلُّ نَجِسٌ كالميتةِ والدمِ، ولا ما فيه مَضَرَّةٌ كالسمِّ ونحوه (*). ــ (*) قال في الاختيارات: والأصلُ في الأَطْعمةِ الحِلُّ لمسلمٍ يعملُ صالحاً، لأن الله تعالى إنما أَحَلَّ الطيباتِ لمن يستعينُ بها على طاعتِه لا مَعْصيته، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]، الآية. ولهذا لا يجوزُ أن يُعَانَ بالمباحِ على المعصيةِ، كمن يُعْطِي اللَّحْمَ والخُبْزَ لمن يَشربُ عليه الخَمْرَ ويستعينُ به على الفواحشِ، ومن أكلَ من الطيباتِ ولم يَشْكُرْ فهو مذمومٌ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] أي عن الشُّكرِ عليه، إلى أن قال: والمُضْطَرُّ يجبُ عليه أكلْ الميتةِ، في ظاهر مذهبِ الأئمة الأربعةِ وغيرِهم لا السؤالُ. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] قد قيل: إنهما صفةٌ للشخصِ مطلقاً، فالباغِي كالباغِي على إمامِ المسلمينَ وأهلِ العَدْلِ منهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ [(الحجرات: ٩]، والعادِي كالصَّائلِ قاطعِ الطريقِ الذي يريدُ النفسَ والمالَ، وقد قيل: إنهما صفةٌ لضرورتِه، فالباغي الذي يَبْغِي المُحَرَّمَ مع قُدرتِه على الحَلالِ، والعادي الذي يتجاوزُ قَدْرَ الحاجةِ كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا قولُ أكثرِ السَّلَفِ، وهو الصوابُ بلا ريب، وليس في الشَّرْعِ ما يدلُّ على أن العاصِي بسَفرِه لا يأكلُ المَيتةَ ولا يَقْصُرُ، بل نصوصُ الكتابِ والسُنَّةِ عامةٌ مُطلَقةٌ كما هو مذهبُ كثيرٍ من السلفِ، وهو مذهبُ أبي حنيفة وأهلِ الظاهرِ، وهو الصحيح انتهى.

стр. 340

وحيواناتُ البَرِّ مباحةٌ إلا الحُمُرَ الإِنْسيَّة، وما له نابٌ يفترسُ به غيرَ الضَّبُعِ (*)، كالأسدِ والنمرِ والذئبِ والفيلِ والفهدِ والكلبِ والخنزيرِ وابنِ آوى وابنِ عِرْس والسِّنَورِ والنَّمسِ والقِرْدِ والدُّبِّ، وما له مِخْلَبٌ من الطَّيرِ يصيدُ به: كالعُقابِ والبَازِي والصَّقْرِ والشَّاهينِ والباشِقِ والحِدَأَةِ والبُومَةِ، وما يأكلُ الجِيَفَ كالنَّسرِ والرَّخَمِ واللَّقْلَقِ والعَقْعَقِ والغُرابِ الأَبْقَعِ والغُدافِ، وهو أَسْوَدُ صغيرٌ أغْبَرُ، والغرابِ الأسودِ الكبيرِ، وما يُستَخْبَثُ كالقُنْفُذِ والنِّيص والفأرةِ والحيةِ والحشراتِ كلِّها، والوَطْواطِ وما تولَّد من مأكولٍ وغيرِه كالبَغْلِ. ــ (*) قوله: "غير الضَّبُعِ"، قال في الفروع: وفيه روايةٌ ذكَرها ابنُ البناء، وقال في الروضةِ إن عُرِفَ بأكلِ الميتةِ فكالجَلاَّلةِ، ـ إلى أن قال ـ: وذكرَ الخلالُ أن الغِرْبانَ خمسةٌ: الغُدافُ وغُرابُ البَيْنِ يُحرَّمانِ، والذَّاغُ مباحٌ، وكذا الأَسْوَدُ والأَبْقَعُ إذا لم يأكلِ الجِيفَةَ، وأن هذا معنى قولِ أبي عبد الله. قال شيخُنا: فإذا أباحَ الأبقعَ لم يَبْقَ للأمرِ بقَتْلِه أثرٌ في التحريمِ، وقد سمَّاه فاسقاً أيضاً، وإن حَرْباً وأبا الحارثِ رَوَيا أنه لا يَنْهَى عن الطيرِ إلا عن ذي المِخْلَبِ وما يأكلُ الجِيَفَ، ولهذا عَلَّلَ في الحِدَأَةِ بأكْلِها الجِيَف، فلا يكونُ حينئذٍ للأمرِ وتسميتِه فُويسقاً أثرٌ في التحريمِ كمذهب مالكٍ، لأنه قد يُؤمَرُ بقتلِ الشَّيءِ لصِيَالِه وإن لم يكن ذلك مُحرَّماً، ولو كان قتلُه موجِباً لتحريمه لنَهَى عنه، وإن كان الصَّولُ عارضاً كجلاَّلةٍ عَرَضَ لها الحِلَّ انتهى. قال في الاختيارات: وما يأكلُ الجِيَفَ فيه روايتا الجلاَّلةِ، وعامَّةُ أجوبةِ أحمدَ ليس فيها تحريمٌ ولا أَثَرٌ لاستخباثِ العَرَبِ، فما لم يُحَرِّمْه الشرعُ فهو حِلٌّ، وهو قولُ أحمد وقدماءِ أصحابه ا. هـ.

стр. 341

فصل وما عدا ذلك فحَلالٌ، كالخيلِ (*) وبهيمةِ الأنعامِ والدَّجاجِ والوَحْشِيِّ من الحُمُرِ والبَقَرِ (والضَّبِّ) والظِّباءِ والنَعامَةِ والأرنبِ وسائرِ الوَحْشِ، ويباحُ حيوانُ البحرِ كلُّه، إلا الضِّفْدَعَ والتِّمْسَاحَ والحَيَّةَ. ومن اضْطُرَّ إلى مُحَرَّمٍ غير السمِّ حَلَّ له منه ما يَسُدُّ رَمَقَهُ، ومن اضْطُرَّ إلى نَفْعِ مالِ الغيرِ مع بقاءِ عَيْنِه لدفعِ بَرْدٍ أو استقاءِ ماءٍ ونحوه وجَبَ بذلُه له مَجَّاناً (*). ومن مَرَّ بثَمرٍ في بستانٍ في شجرِه، أو مُتساقِطٍ عنه ولا حائطَ عليه ولا ناظرَ فله الأكلُ منه مَجَّاناً من غير حَمْلٍ. وتجبُ ضِيافةُ المسلمِ المجتازِ به في القُرَى يوماً وليلةً (*). ــ (*) قوله: "كالخيلِ"، قال في الاختيارات: ويُكْرَهُ ذَبْحُ الفَرَسِ الذي يُنتفعُ به في الجهادِ بلا نزاعٍ. (*) قوله: "ومن اضْطُرَّ إلى نفعِ مالِ الغيرِ .... "، قال في الاختيارات: والمُضْطَرُّ إلى طعامِ الغيرِ إن كان فقيراً فلا يلزمُه عِوَضٌ، إذْ إطعامُ الجائعِ وكسوةُ العَارِي فرضُ كِفايةٍ ويصيرانِ فرضَ عين على المُعَيَّنِ إذا لم يَقُمْ به غيُره. (*) قوله: "وتجبُ ضيافةُ المسلمِ المجتاز به ... " لما في الصحيحين من حديثِ أبي شُرَيحٍ الخُزَاعي عن رسول الله ﷺ : (من كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليكُرمْ ضيفَه جائزتَه). قالوا: وما جائزتُه يا رسول الله؟ قال: (يومٌ وليلةٌ والضيافةُ ثلاثةُ أيامٍ فما كان وراءَ ذلك فهو صدقةٌ، ولا يَحِلُّ له أن يؤوي عنده حتى يُحرجَه) (١). وأخرج أحمدُ وأبو داود من حديث المقدام أنه =

стр. 342

باب الذكاة لا يباحُ شيءٌ من الحيوانِ المقدورِ عليه بغيرِ ذكاةٍ (١)، إلا الجرادَ والسمكَ وكلَّ ما لا يعيشُ إلا في الماء. ويُشترطُ للذكاةِ أربعةُ شروط: أهليَّةُ المُذكِّي: بأن يكون عاقلاً مسلماً أو كتابياً ولو مراهِقاً (*)، أو امرأةٌ أو أقلفَ أو أعمىَ، ولا تباحُ ذكاةُ سَكْرانٍ ومجنونٍ ووثَنِيٍّ ومَجوسِيٍّ ومُرتَدٍّ. ــ = سمع النبي ﷺ يقول: (ليلةُ الضيفِ واجبةٌ على كل مسلم، فإن أصبح بِفِنَائِه محروماً كان دَيْناً له عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تَرَكه) (٢). (*) قوله: "ولو مراهِقَاً"، قال في المقنع: ولا تباح ذكاةُ مجنونٍ ولا سَكْران ولا طفلٍ غير مُميِّزٍ. قال في الاختيارات: والقولُ بأن أهلَ الكتابِ المذكورينَ في القرآنِ هم: مَنْ كان أبوه أو أجدادُه في ذلك الدِّين قبل النَّسخِ والتبديلِ، قولٌ ضعيفٌ بل المقطوعُ به بأنَّ كونَ الرجلِ كتابياً أو غير كتابيٍ، هو حكمٌ يستفيده بنفسِه لا بنَسبِه، فكل من تَدَيَّنَ بدينِ أهلِ الكتابِ فهو منهم، سواءٌ كان أبوه أو جدُّه قد دخل في دينهم أو لم يَدخلْ، وسواءٌ كان دخولُه بعد النَّسخِ أو التبديلِ أو قبل ذلك، وهو المنصوصُ الصريحُ عن أحمد، وإن كان بين أصحابه خلافٌ معروف، وهو الثابتُ بين الصحابةِ بلا نزاعٍ بينهم، وذكر الطَّحاوي أن هذا إجماعٌ قديم، والمأخذُ الصحيحُ المنصوصُ عن أحمد في تَحريمِ ذبائحِ بني تغلب أنهم لم يتديَّنوا بدِينِ أهل الكتابِ في =

стр. 343

الثاني: الآلةُ، فتباحُ الذَّكاةُ بكلِّ مُحدَّدٍ ولو كان مغصوباً من حديدٍ وحجرٍ وقَصَبٍ وغيره، إلا السِّنَّ والظُّفْرَ. الثالث: قَطْعُ الحُلقومِ والمَرِيء (*)، فإن أبانَ الرَّأْسَ بالذَّبْحِ لم يحرمِ المذبوحُ. ــ = واجباتِهم ومحظوراتِهم، بل أخذوا منهم حِلَّ المُحرَّماتِ فقط، ولهذا قال عليٌّ: إنهم لم يتمسَّكُوا من دِيْنِ أهلِ الكتابِ إلا بشُربِ الخَمْرِ، إلا أنا لم نعلم أن آباءَهم دخلوا في دينِ أهلِ الكتابِ قبل النَّسْخِ والتبديلِ، فإذا شكَكْنا فيهم هل كان أجدادُهم من أهل الكتاب أم لا؟ فأخذنا باحتياطٍ فَحَقنَّا دماءَهم بالجِزْيةِ، وحرَّمنا ذبيحتَهم ونساءَهم احتياطياً، وهذا مأخذُ الشافعيِّ وبعضِ أصحابِنا -إلى أن قال: ويحرمُ ما ذبَحه الكِتابيُّ لِعِيْدِه أو ليتقرَّبَ به إلى شيءٍ يُعَظِّمه، وهو روايةٌ عن أحمد. انتهى. (*) قوله: "الثالث قَطْعُ الحُلْقومِ والمَرِيء"، قال في المقنع: وعنه يُشترط مع ذلك قَطْعُ الوَدجَين، وإن نَحَره أَجْزأَه، وهو أن يَطْعنَهُ بمحدِّدٍ في لُبَّتِه، والمُستَحبُّ أن ينحرَ البعيرَ ويذبحَ ما سواه اهـ. قال في الاختيارات: وتقطعُ الحلقومُ والمريءُ والوَدَجان؛ والأقوى أنَّ قَطْعَ ثلاثةٍ من الأربعِ يُبيح، سواء كان فيها الحلقومُ أو لم يكن، فإنَّ قَطْعَ الوَدَجَيْنِ أبلغُ من قطعِ الحقلومِ وأبلغُ في إنْهارِ الدمِ ا. هـ. قال في الشرح الكبير: وإن لم يعلم أسَمَّى الذابحُ أم لا أو ذَكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ أوْ لا؟ فذبيحتُه حلالٌ، لأن الله تعالى أباحَ لنا كل ما ذبحَهُ المسلمُ والكِتَابِيُّ، وقد علمَ أننا لا نقفُ على كلِّ ذابِحٍ، وقد رُوي عن عائشةَ أنهم قالوا: يا رسول الله، إن قوماً =

стр. 344

وذكاةُ ما عجز عنه من الصَّيدِ والنَعَمِ المُتوحشةِ والواقعةِ في بئرٍ ونحوها يجرحِه في أيِّ موضعٍ كان من بَدَنِه، إلَّا أن يكونَ رأسُه في الماءِ ونحوه فلا يباحُ. الرابع: أن يقول عند الذَّبْحِ: بسم الله لا يُجزِئُه غيرُها، فإن تَركها سهواً أُبيحتْ لا عمداً. ويكره أن يَذبحَ بآلةٍ كالَّةٍ، وأن يحدَّها والحيوانُ يبصرُه، وأن يُوجهَهُ إلى غير القبلةِ، وأن يَكْسرَ عُنقه أو يسلخَه قبل أن يَبْرُدَ. ــ = حَديثُوا عهدٍ بِشِرْكٍ يأتونَنا بِلَحْمٍ لا نَدْرِي أَذكرُوا اسمَ الله [عليه] أم لم يَذكُروا؟ قال: "سَمُّوا أنتم وكُلُوا". أخرجه البخاري (١).

стр. 345

باب الصيد (*) لا يَحِلُّ الصَّيْدُ المقتولُ في الاصطيادِ إلا بأربعةِ شروط: أحدها: أن يكون الصائِدُ من أهلِ الذَّكاةِ. الثاني: الآلةُ، وهي نوعان: مُحَدَّدٌ، يشترطُ فيه ما يشترطُ في آلةِ الذَّبْح، وأن يَجْرَحَ، فإن قَتلَه بثُقْلِهِ لم يُبَحْ، وما ليس بمُحدَّدِ كالبُنْدُقِ والعَصَا والشَّبكَةِ والفَخِّ، لا يَحِلُّ ما قُتِلَ به. ــ (*) قال في الاختيارات: والصيدُ لحاجةٍ جائزٌ، وأما الصَّيْدُ الذي ليس فيه إلا اللهوُ واللعبُ فمكروهٌ، وإن كان فيه ظُلْمٌ للناسِ بالعُدْوانِ على زرْعِهم وأموالِهم فحرامٌ، والتحقيقُ أن المَرْجِعَ في تعليمِ الفَهْدِ إلى أهل الخِبرَةِ، فإن قالوا: إنه من جِنْسِ تعليمِ الصَّقْرِ بالأَكْلِ أُلْحِقَ به، وإن قالوا إنه يعلَّم بترك الأكلِ كالكلبِ أُلحِقَ به، وإذا أكلَ الكلبُ بعد تَعلُّمِه لم يَحْرُمْ ما تَقَدَّمَ من صَيْدِه، ولم يُبَحْ ما أَكَلَ منه. انتهى. قال في المقنع: الرابعُ التَّسْميةُ عند إرسال السَّهْمِ أو الجارحةِ، فإن تَرَكها لم يُبَحْ سواء تَرَكها عمداً أو سهواً في ظاهرِ المذهب، وعنه إن نَسِيَها على السَّهمِ أُبيحَ وإن نَسِيَها على الجارحةِ لم يُبَحْ اهـ. قال في الشرح الكبير: ظاهرُ المذهب أن التسميةَ شرطٌ لإباحةٍ الصَّيْدِ وأنها لا تسقطُ بالسَّهْوِ، وهو قولُ الشَّعْبي وأبي ثور وداود، ورَوَى حنبلُ عن أحمدَ أن التسميةَ تسقطُ بالنِّسيانِ، وممن أباحَ مَتْروكَ التسميةِ في النِّسيانِ دون العَمْد أبو حنيفةَ ومالكٌ لقول النبي ﷺ : (عُفِيَ لأُمَّتي عن الخَطَأِ والنِّسْيانِ) (١)، ولأن إرسالَ الجارحةِ جَرى مُجْرَى التَّذْكِيةِ فعُفِي عن النِّسْيانِ فيه كالذَّكَاةِ.

стр. 346

النوع الثاني: الجارحةُ، فيباحُ ما قَتلتْهُ إذا كانتْ مُعَلَّمةً. الثالث: إرسالُ الآلةِ قاصداً، فإن استرسلَ الكلبُ أو غيرُه بنفسِه لم يُبَحْ إلا أن يَزْجُرَهُ فيزيدَ في عَدْوِه في طَلَبِهِ فَيَحِلّ. الرابع: التسميةُ عند إرسالِ السَّهْمِ أو الجارحةِ، فإنْ تركَهَا عَمْداً أو سَهْواً لم يُبَحْ، ويُسَنُّ أن يقولَ معها: اللهُ أكبرُ كالذَّكاةِ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 347

كتاب الأيمان اليمينُ التي تجبُ فيها الكفَّارةُ إذا حَنِثَ هي اليمينُ بالله (*)، أو صفةٍ من صفاتِه، أو بالقرآنِ أو بالمُصْحَفِ، والحَلفُ بغير الله مُحَرَّمٌ، ولا تجبُ به كَفَّارةٌ. ــ (*) قال في الاختيارات: ويَحرمُ الحَلِفُ بغيرِ اللهِ تعالى: وهو ظاهرُ المذهبِ وعن ابن مسعودٍ وغيرِه (لئن أَحْلِفَ بالله كذِباً أحبُّ إليَّ من أَحْلِفَ بغيرِه صادقاً). قال أبوالعباس: لأن حسنةَ التوحيدِ أعظمُ من حسنةِ الصِّدْقِ، وسيئةُ الكذبِ أَسْهلُ من سيئةِ الشِّرْكِ، واختلف كلامُ أبي العباس في الحَلِفِ بالطَّلاقِ فاختارَ في موضعٍ آخرَ أنه لا يُكْرَهُ، وأنه قولُ غيرِ واحدٍ من أصحابنِا، لأنه لم يحلف بمخلوقٍ ولم يَلتزِمْ لغيرِ اللهِ شيئاً، وإنما الْتَزَمَ للهِ كما يَلْتزِمُ بالنَّذْرِ، والالتزامُ لله أبلغُ من الالتزامِ به، بدليلِ النَّذْرِ له واليمينِ به، ولهذا لم تُنْكِرِ الصحابةُ على من حَلَفَ بذلك، كما أنكَروا على من حلفَ بالكعبةِ، والعُهودُ والعُقودُ متقاربةُ المعنى أو مُتِّفقة، فإذا قال: أُعاهِدُ اللهَ أني أحجُّ العامَ فهو نَذْرٌ وعهدٌ ويمينٌ اهـ. قال في المقنع: وقال أصحابُنا تجبُ الكفَّارةُ بالحِنْثِ برسولِ الله ﷺ خاصةً، قال في الشرح الكبير: ورُوي عن أحمدَ أنه قال: إذا حَلَفَ بحقِّ رسولِ الله ﷺ فحَنِثَ فعليه الكفارةُ، ولأنه أحدُ شَرْطَي الشهادةِ، فالحَلِفُ به موجبٌ للكفارةِ، كالحَلف بالله والأُولَى أَوْلَى لقولِ النبي ﷺ : (من كان حالفاً فَلْيحلِفُ باللهِ أو لِيَصْمُتْ) (١)، ولأنه حَلِفٌ بغيرِ الله تعالى فلم تُوجبْ الكفَّارةُ بالحنثِ فيه كسائرِ الأنبياءِ، ولأنه مخلوقٌ فلم تجبِ الكفَّارةُ بالحَلِفِ به كالحَلِفِ بإبراهيمَ ﵇، ولأنه ليس بمنصوصٍ عليه =

стр. 348

ويشترَطُ لوجوبِ الكفَّارةِ ثلاثةُ شروط: الأول: أن تكون اليمينُ منعقدةٌ، وهي التي قُصِدَ عَقْدُها على مُستَقْبَلٍ ممكنٍ، فإن حَلَفَ على أمرٍ ماضٍ كاذباً عالماً فهي الغَمُوسُ. ولَغْوُ اليمينِ: الذي يجري على لسانِه بغير قَصْدٍ، كقوله: لا والله، وبلى والله، وكذا يمينٌ عَقَدَها يَظُنُّ صِدْقَ نفسِه فبانَ بخلافِه، فلا كفَّارةَ في الجميع (*). الثاني: أن يَحْلِفَ مُختاراً، فإن حَلَفَ مُكْرَهاً لم تَنْعَقِدُ يمينُه. الثالث: الحِنْثُ في يمينِه، بأن يفعلَ ما حلفَ على تَرْكِه، أو يَتْرُكَ ما حَلَفَ على فِعْلِهِ مُختاراً ذاكراً، فإن فَعَلَه مُكْرَهاً أو ناسياً فلا كفَّارةَ، ومن قال في يمينٍ مُكَفَّرةٍ إن شاء الله لم يَحْنَثْ. ــ = ولا هو في معنى المنصوصِ، ولا يصحُّ قياسُ اسمِ غيرِ الله على اسمِه لعدمِ الشبه وانتفاءِ المُمَاثَلةِ ا. هـ. قال في الاقناع وشرحه: ويحرم الحَلِفُ بغيرِ اللهِ ولو كان الحَلِفُ بنبيٍّ لأنه إشراكٌ في تعظيمِ الله تعالى، ولحديث ابن عمرَ مرفوعاً: (من حَلَفَ بغيرِ اللهِ فقد أَشْرَكَ) رواه الترمذي (١) وحسَّنه، انتهى. ولما قال رجلٌ للنبي ﷺ : (ما شاءَ الله وشئتَ قال: أجَعلْتَني لله نداً! ما شاء اللهُ وحده) رواه النسائي. (*) قوله: "فلا كفَّارةَ في الجميع"، قال في الشرح الكبير: وفي الجُملةِ لا كفَّارةَ في يمينٍ على ماضٍ، لأنها تنقسمُ ثلاثةَ أقسامٍ، ما هو صادقٌ فيه، فلا كفارةَ فيه إجماعاً، وما تعمَّد الكذبَ فيه، فهو يمينُ الغموسِ لا كفارةَ فيها، لأنها أعظمُ من أن تكون فيها كَفَّارةٌ، وقد ذكرنا الخلافَ فيها، وما يظنُّه حقاً فَيَبِينُ بخلافِه فلا كفارةَ فيها، لأنها من لَغْوِ اليمينِ.

стр. 349

ويُسَنَّ الحِنْثُ فِي اليمينِ إذا كان خيراً، ومن حَرَّمَ حلالاً -سوى زوجتِه- من أَمَةٍ أو طعامٍ أو لباسٍ أو غيرِه لم يَحْرُمْ وتَلْزمُه كفَّارةُ يمينٍ إن فعله. فصل يُخْيَّرُ من لَزِمَتْه كفارةُ يمينٍ بين إطعامِ عشرةِ مساكينَ، أو كسوتُهم، أو عتقِ رقبةٍ، فمن لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعةٍ. ومن لَزِمَتْه أيمانٌ قبل التَّكْفيرِ مُوجَبُها واحدٌ فعليه كفَّارةٌ واحدةٌ، وإن اختلفَ موجَبُها كظِهارٍ ويمينٍ بالله لزماه ولم يتَداخَلا. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 350

باب جامع الأيمان يُرْجَعُ في الأَيمانِ إلى نِيَّةِ الحالفِ إذا احتملَها اللفظُ، فإن عُدِمَتِ النيةُ رَجَعَ إلى سببِ اليمينِ وما هيَّجَها، فإن عُدِمَ ذلك رجَعَ إلى التَّعْيينِ (*). فإذا حَلَفَ: لا لَبِسْتُ هذا القميصَ، فجعلَه سراويلَ، أو رداءً أو عِمَامةً، ولبسه، أو: لا كلمتُ هذا الصبيَّ فصار شيخاً، أو زوجةَ فلانٍ هذه، أو صديقَهُ فلاناً، أو مملوكَه سعيداً، فزالت الزوجيَّةُ والمُلْكُ والصداقةُ، ثم كلَّمهم، أو: لا أكلتُ لحمَ هذا الحَمَلِ فصار كَبْشاً، أو هذا الرُّطَبَ فصار تمراً أو دبساً أو خَلاًّ، أو هذا اللبنَ فصار جُبْناً أو كِشْكاً ونحوه، ثم أَكَلَ حَنَثَ في الكُلِّ، إلا أن ينويَ ما دام على تلك الصِّفةِ. فصل فإن عَدِمَ ذلك رَجعَ إلى ما يتناولُه الاسمُ (*)، وهو ثلاثةٌ: شرعيٌّ وحقيقيٌّ، وعُرْفيٌّ. ــ (*) قال في الاختيارات: وإذا حَلَفَ على مُعيَّنٍ موصوفٍ بصفةٍ فبانَ موصوفاً بغيرِها كقولِه: والله لا أكلِّم هذا الصبيَّ، فتبيَّنَ شيخاً، أو لا أشربُ من هذا الخَمْرِ فتبيَّنَ خَلاً، أو كان الحالفُ يعتقدُ أن المُخاطَبَ يفعلُ المحلوفَ عليه لاعتقادِه أنه ممنْ لا يخالفُه إذا أكَّد عليه ولا يُحنِثُهُ، أو لكونِ الزوجةِ قريبتَه، وهو لا يختارُ تطليقَها، ثم تبيَّنَ أنه كان غالطاً في اعتقادِه، فهذه المسألةُ وشبهُها فيها نزاعٌ والأشبهُ أنه لا يقع -إلى أن قال-: وكذا لا حِنْثَ عليه إذا حَلَفَ على غيرِه ليفَعَلنَّه إذا قَصَدَ إكرامَهُ لا إلزامَه به. (*) قوله: "فإن عَدِمَ ذلك رَجَعَ إلى ما يتناولُه الاسمُ" إلى آخره، قال في حاشية المقنع: هذا المذهبُ، وقيل: يُقَدَّم ما يتناولُه الاسمُ على التعيينِ، قال في الهدايةِ =

стр. 351

فالشرعيُّ: ما له موضوعٌ في الشرع وموضوعٌ في اللغةِ، فالمُطلَقُ ينصرفُ إلى الموضوعِ الشرعيِّ الصحيحِ، فإذا حَلَفَ لا يبيعُ أو لا ينكِحُ، فَعقَدَ عَقْداً فاسداً لم يَحْنَثْ، وإن قيَّدَ يمينَه بما يمنعُ الصحةَ كإنْ حَلَفَ لا يبيعُ الخَمْرَ أو الحُرَّ حَنَثَ بصورةِ العَقْدِ. والحقيقيُّ: هو الذي لم يَغْلِبْ مَجَازُه على حقيقتِه كاللَّحمِ، فإذا حَلَفَ لا يأكلُ اللحمَ فأكلَ شَحْماً أو مُخّاً أو كَبِداً أو نحوَه لم يَحْنَثْ، وإن حَلَفَ لا يأكلُ أُدْماً حَنَثَ بأكلِ البَيْضِ والتَّمرِ والمِلْحِ والزَّيتونِ ونحوه، وكلِّ ما يصطبغُ به، أو لا يلبسُ شيئاً فَلبسَ ثوباً أو دِرْعاً أو جَوْشَناً أو نَعْلاً حَنَثَ، وإن حلف لا يكلِّمُ إنساناً حنثَ بكلامِ كُلِّ إنسانٍ، ولا يفعلُ شيئاً فوكَّلَ من فَعَلَهُ حنثَ إلا أن ينويَ مُباشَرَتَه بنفسِه. والعُرْفيُّ: ما اشْتَهَرَ مجازُه فغلبَ على الحقيقةِ، كالرَّاويةِ والغَائطِ ونحوهِما، فَتَعَلُّقُ اليمينِ بالعرفِ، فإذا حَلَفَ على وَطْءِ زوجتِه أو وَطْءِ دارٍ تَعلَّقتْ يمينُه بجِماعِها وبدخولِ الدار، وإن حلفَ لا يأكلُ شيئاً فأكلَه ــ = والمُذهبِ ومَسْبوكِ الذهبِ والمستوعبِ والخلاصة: فإن عَدِمَ النيَّةَ أو السببَ رجَعْنا إلى ما يتناوله الاسمُ، فإن اجتمعَ الاسمُ والتعيينُ، أو الصفةُ والتعيينُ غَلَّبْنَا التعيين، وذَكَرَ في الإنصافِ عن يوسف بن الجَوزي أنه يُقدم النيةَ ثم السببَ ثم مُقْتَضَى لَفْظِه عُرْفاً ثم لغةً. قال في المقنع: إذا حلف لا يأكلُ اللحمَ فأكلَ الشَّحْمَ أو المُخَّ أو الكَبِدَ أو الطِّحَالَ أو القَلْبَ أو الكَرِشَ أو المُصْرانَ أو الأَلْيةَ والدِّماغَ والقانصةَ لم يَحْنَثْ، وإن أكلَ المَرَقَ لم يَحْنَثْ، وقد قال أحمدُ: لا يُعجبني، قال أبو الخطاب: هذا على سبيلِ الوَرَعِ انتهى، وقال مالكٌ وأبو حنيفة: يحنثُ بهذا كُلِّه، لأنه لَحْمٌ حقيقةً، والصوابُ أن ذلك يُرْجَعُ فيه إلى النيَّةِ والعُرْفِ.

стр. 352

مُسْتَهْلَكَاً في غيره، كمن حَلَفَ لا يأكلُ سمناً فأكل خَبِيصاً في سَمْنٍ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، أو لا يأكلُ بيضاً فأكل نَاطِفاً لم يَحْنَث، وإن ظهر فيه طعمُ شيءٍ من المحلوفِ عليه حنثَ. فصل ولو حلفَ لا يفعلُ شيئاً ككلامِ زيدٍ ودخولِ دارٍ ونحوِه ففعلَه مُكرَهاً لم يَحْنَثْ. وإن حلفَ على نفسِه أو غيرِه ممن يَقصِدُ منعَهُ كالزوجةِ والولدِ أن لا يفعلَ من ذلك شيئاً ففعلَه ناسياً أو جاهلاً حَنِثَ في الطَّلاقِ والعَتَاقِ فقط (*)، وعلى من لا يمتنعُ بيمينِه من سلطانٍ وغيرِه ففعلَه حَنِثَ مطلقاً، وإن فعلَ هو أو غيرُه ممن قَصَدَ مَنْعَهُ بعضَ ما حَلَفَ على كلِّه، لم يَحْنَثْ ما لم تكن له نيَّةٌ. ــ (*) قوله: "ففعلَه ناسياً أو جاهلاً حَنِثَ في الطلاق والعَتَاقِ فقط"، قال في الفروع: وإن حَلَفَ لا يفعلُ شيئاً ففعلَه ناسياً أو جاهلاً بأنه المحلوفُ عليه حَنِثَ، كما اختاره الشيخُ وقال في المحرَّر: حَنِثَ في عِتْقٍ وطَلاقٍ فقط كما اختاره الأكثرون وذكروه في المذهب، وعنه في يمينٍ مكفرةٍ، وعنه لا حِنْثَ بل يمينُه باقيةٌ، وهذا أظهرُ كما قدَّمه في الخلاصةِ وذَكَره في الإرشادِ عن بعضِ أصحابِنا، واختاره شيخُنا وقال: إن رُواتَها عنه بِقدَرِ رواةِ التَّفْرقةِ، وأنَّ هذا يدلُّ على أن أحمدَ جَعَلَهُ حالفاً لا مُعَلِّقاً، والحِنْثُ لا يوجبُ وقوعَ المَحْلوفِ به اهـ.

стр. 353

باب النذر لا يصحُّ إلا من بالغٍ عاقلٍ ولو كافراً (*). ــ (*) قال في الاختيارات: باب النَّذْرِ، توقَّفَ أبو العباس في تَحْريمِه، وحَرَّمهُ طائفةٌ من أهل الحديثِ، وأما ما وجب بالشَّرْعِ إذا بايع عليه الرسولَ أو الإمامَ أو تحالف عليه جماعةٌ، فإن هذه العقودَ والمواثيقَ تقتضِي له وجوباً ثانياً غير الوجوبِ الثابتِ بمجرَّد الأمرِ الأولِ، فيكونُ واجباً من وجهين، وكان تركُه مُوجِباً لتَرْكِ الواجبِ بالشرعِ والواجبِ بالنَّذْرِ، هذا هو التحقيقُ، وهو روايةٌ عن أحمد، وقال طائفةٌ من العلماء، ونَذْرُ اللَّجاجِ والغَضَبِ يُخيَّر فيه بين فِعْلِ ما نَذَرَهُ والتكفيرِ، - إلى أن قال-: ومن أَسْرَجَ قَبْراً أو مَقْبرةً أو جبلاً أو شجرةً أو نَذَر لها أو لسُكَّانِها أو المُضافِينَ إلى ذلك المكان لم يَجُزْ، ولا يجوزُ الوفاءُ به إجماعاً، ويُصْرَفُ في المصالحِ ما لم يُعْلَمْ ربُّه، ومن الجائز صَرْفُهُ في نَظيرِه من المشروعِ، وفي لُزومِ الكفَّارةِ خِلافٌ، ومن نذر قِنْدِيلاً يُوقَدُ للنبيِّ ﷺ صُرِفَتْ قيمتُه لجيرانِه ﵇ ا. هـ. وقال أيضاً: ولو قال إنْ فعلتُ كذا فَعَلَيَّ ذبحُ ولدِي أو معصيةٌ غير ذلك أو نحوه وقَصَدَ اليمينَ فيمينٌ وإلا فَنَذْرُ معصيةٍ فيَذْبَحُ في مسألةِ الذَّبْحِ كبشاً، ولو فَعَلَ المعصيةَ لم تَسْقُطْ عنه الكفارةُ ولو في اليمينِ. قوله: "فإنه يُجزيه بقدرِ الثُّلث"، قال في المقنع: ولو نَذَر الصدقةَ بكلِّ مالِه فله الصدقةُ بثُلثِهِ ولا كفَّارةَ عليه، قال في الشرح الكبير: لما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي لُبابَةَ حين قال: إنَّ من تَوْبَتِي يا رسولَ اللهِ أن أَنْخَلِعَ من مالي، فقال رسول الله ﷺ : (يُجْزئكَ الثلث) (١) - إلى أن قال-: وعن =

стр. 354

والصحيحُ منه خمسةُ أقسامٍ: أحدهما: المُطْلَقُ، مثل أن يقولَ: لله عليَّ نَذْرٌ، ولم يُسَمِّ شيئاً، فيلزمُه كفَّارةُ يمينٍ. الثاني: نَذْرُ اللَّجاجِ والغَضَبِ، وهو تعليقُ نَذْرِه بشرطٍ يقصدُ المَنْعَ منه، أو الحَمْلَ عليه، أو التَّصْديقَ أو التَّكْذيبَ، فيخيَّر بين فِعْلِهِ وبين كفّارةِ يمينٍ. الثالث: نذْرُ المُباحِ، كلُبسِ ثوبِه ورُكوبِ دابَّتهِ، فحُكْمُه كالثاني، وإن نَذَرَ مَكْروهاً من طلاقٍ وغيرِهِ استُحِبَّ أن يكفِّر ولا يفعلُه. الرابع: نَذْرُ المعصيةِ: كشُربِ الخَمْرِ وصَوْمِ الحَيْضِ والنَّحْرِ، فلا يجوز الوفاءُ به ويُكَفِّرُ. الخامس: نَذْرُ التَّبَرُّرِ مطلقاً أو مُعلَّقاً، كفعلِ الصلاةِ والصيامِ والحجِّ ونحوه كقوله: إن شَفَى اللهُ مريضِي، أو سلَّم مالِي الغائبَ فللَّهِ عليَّ كذا، فَوُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَهُ الوفاءُ به، إلا إذا نَذَرَ الصَّدَقَة بمالِه كلِّه أو بمُسَمَّىً منه يزيدُ على ثُلثِ الكُلِّ، فإنه يُجْزِيهِ قَدرُ الثُلثِ، وفيما عداها يلزمُه المُسَمَّى، ومن نَذَرَ صومَ شَهْرٍ لزمَه التتابعُ، وإن نَذَرَ أياماً معدودةً لم يلزمْهُ إلا بشرطٍ أو نيّةٍ. ــ = كعبِ بنِ مالكٍ قال: قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أَنْخَلِعَ من مالي صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : (أَمْسِكَ عليكَ بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك). متفق عليه (١). ولأبي داود (يجزي عنك الثلث). فائدة: قال في الاختيارات: ويلزمُ الوفاءُ بالوعدِ وهو وجهُ في مذهبِ أحمد ويخرَّجُ رواية عنه من تأجيلِ العاريَّةِ والصُّلحِ عن عِوَضِ التَلَفِ بمؤجَّلٍ.

стр. 355

كتاب القضاء وهو فَرْضُ كفايةٍ، يلزمُ الإمامُ أن يُنصِّبَ في كلِّ إقليمٍ قاضياً، ويختارُ أفضلَ من يَجِدُهُ عِلْماً ووَرَعاً، ويأمرُه بتقوى الله، وأن يتحرَّى العَدْلَ، ويجتهدَ في إقامتِه، فيقول ولَّيْتُكَ الحُكْمَ، أو قلَّدتُكَ، ويكاتبُه في البُعْدِ. وتُفيدُ ولايةُ الحكمِ العامَّةِ الفَصْلَ بين الخُصومِ، وأَخْذَ الحَقِّ لبعضِهم من بعضٍ، والنَّظَرَ في أموالِ غير المُرشِدينَ، والحَجْرَ على من يستوجبُهِ لِسَفَهٍ أو فَلَسٍ، والنَّظَر في وقوفِ عَمَلِه ليعملَ بشروطِها، وتنفيذَ الوصايا، وتزويجَ من لا وليَّ لها، وإقامةَ الحُدودِ، وإمامةَ الجُمعةِ والعِيدِ، والنَّظَرَ في مصالحِ عَمَلِه بكفِّ الأَذَى عن الطُّرقاتِ وأَفْنيتِها ونحوه، ويجوزُ أن يولَّى عموم النظر في عموم العمل، وأن يُولَّى خاصاً فيهما أو في أحدهما. ويُشْتَرَطُ في القاضي عشرُ صفاتٍ: كونُه بالغاً، عاقلاً ذكراً، حُرّاً، مسلماً، عَدْلاً، سميعاً، بصيراً، متكلِّماً، مُجتهِداً ولو في مذهبه. وإذا حكَّمَ اثنانِ بينهما رَجْلاً يصلحُ للقضاءِ نَفَذَ حكمُه في المالِ والحُدودِ واللِّعانِ وغيرِها (*). ــ (*) قال في الاختيارات: والواجبُ اتخاذُ وِلايةِ القضاءِ دِيناً وقُرْبَةً، فإنها من أفضل القُرُباتِ، وإنما فَسَدَ حالُ الأكثرِ لِطَلَبِ الرياسةِ والمالِ بها، ومن فَعَلَ ما يمكنُه لم يَلْزَمْه ما يَعجزُ عنه، والوِلايةُ لها رُكنانِ: القُوَّةُ والأمانةُ، فالقوةُ في الحُكْمِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ بالعَدْلِ وتنفيذِ الحُكْمِ، والأمانةُ تَرْجِعُ إلى خَشْيةِ الله تعالى. ويشترطُ في القاضِي أن يكونَ وَرِعاً، والحاكم فيه صفاتٌ ثلاثٌ، فمن جِهةِ الإِثباتِ هو شاهدٌ، ومن جهةِ الأمْرِ والنَّهيِ هو مُفْتٍ، ومن جِهَةِ الإلزامِ بذلك هو =
следующие страницы →