Полный текст (1 484 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد
وعترته المنتجبين
قال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي من أهل معرة النعمان:
سألني بعض الناس أن أنشئ مختصرًا في تفسير شعر أبي الطيب, فكرهت ذلك, وسألته الإعفاء, فأجاب, ثم تكرر السؤال؛ فأصبحت معه في القياد, وأنا كما قيل:
مكره أخوك لا بطل, وكم حلي, فضله العطل
وأمليت شيئًا به, ثم علمت أني في ذلك من الأخسرين أعمالًا, لا أكتسب في العاجلة ولا الآجلة جمالًا؛ لأن القريض له أزمان, ومن بلغ سنّي فماله من الحتف أمان.
وذكر لي المجتهد في خدمة الأمير عزيز الدولة وغرسها أبي الدوام ثابت بن تاج الأمراء فخر الملك, عمدة الإمامة, وعدة الدولة ومعزها ومجدها ذي الفخرين, أطال الله بقاه, وأدام
стр. 2
أيامه أبو القاسم علي بن أحمد المقرئ أن الأمير أبا الدوام أمره أن يلتمس لدي شيئًا من هذا الفن؛ فنهضت نهضة كسير لا يقدر على المسير, وأنشأت معه شيئًا على مقداري لا مقدار الآمر, ولست في المناصحة بالخامر, وتقاضاني بالمراد مخلص فيما كلف مبر, على أني بالمعجزة مقر, فكان كما قال القائل: [الطويل]
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
وأتممت ما كنت بدأت فيه, والله المستعان, وبه التوفيق.
ذكر ما هو على القافية المهموزة من التي أولها
أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء
هي من الكامل الثاني في قول الخليل. وعند غيره من السحل الثالث.
стр. 3
الازديار: الافتعال من الزيارة. وتاء الافتعال إذا وقعت قبلها زاي قلبت دالا, لا يجوز غير ذلك, فقال: الازدياد والازديار والازديان, وهذه الدالات تاءات في الأصل.
والدجى: جمع دجية, وهو ما ستر من الليل, وربما ذكره المحدثون كأنه واحد, وذلك جائز, ولكن ك لام العرب أن تجريه مجرى الجمع, كما قال الراعي: [طويل]
فجاءت إلينا والدجى مزجحنة ... رغوث شتاءٍ قد تذوب عودها
والوجه الآخر جارٍ مجرى قول الحطيئة: [طويل]
لزغبٍ كأولاد القطار راث خلفها ... على عاجزات النهض حمرٍ حواصله
стр. 4
أراد حواصلها فذكر على معنى الجنس.
والرقباء: جمع رقيب, وفعيل يكون في معنى مفاعلٍ كثيرًا, فيقال: فلان جليس فلان؛ أي: مجالسه, وقرينه؛ أي: مقارنه, ورقيبه؛ أي: مراقبه.
وقوله:
قلق المليحة وهي مسك هتكها .. ز ومسيرها في الليل وهي ذكاء
ذكاء: من أسماء الشمس, وهي لا تنصرف إلا في الضرورة, ويقال للصبح: ابن ذكاء, وقال الراجز: [الرجز]
فصبحت قبل انبلاج الفجر
وابن ذكاء كائن في كفر
وقوله:
أسفي على أسفي الذي دلهتني ... عن علمه فبه علي خفاء
التدليه: التحيير, والدله: الحيرة.
وقوله:
مثلت عينك في حشاي جراحةً ... فتشابها كلتاهما نجلاء
النجلاء: الواسعة من الطعن والعيون. وكان ينبغي أن يقول: فتشابهتا, فذكّر - على معنى الجرح فغلب المذكر على المؤنث.
وقوله:
نفذت علي السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء
стр. 5
السابري: درع رقيقة النسج, وذكرها هنا؛ لأنه ذهب مذهب الحديد, وقد حكي تذكير الدرع, وأنشدوا قول الراجز: [الرجز]
كأنه في الدرع ذي التغضن
والصعدة: القناة التي تنبت مستويةً, ولا تحتاج إلى تثقيف.
والصعدة: القناة التي تنبت مستويةً, ولا تحتاج إلى تثقيف.
وقوله: [الكامل] (٢/ب)
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا نطقت فإنني الجوزاء
يعني التي تسمى أتان الضحل, وهي صخرة تكون في الوادي, فإذا مر بها السيل بقيت منه بقية قليلة هي الضحل, فيقال: إنها تكون من أشد الصخر صلابةً, ومنه قول علقمة بن عبدة: [البسيط]
هل تلحقني دواب الحي إذ شحطوا ... جلذية كأتان الضحل علكوم
جلذية: صخرة صلبة شبه الناقة بها.
والجوزاء: نجم يزعم المنجمون أنه نجم منطيق.
وقوله:
شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء
يقول: ناقتي هذه تشككها الليالي, فلا تدري أصدري أفضى أم البيداء التي هي سائر فيها, وأراد ألف الاستفهام فحذفها, وذلك كثير موجود, وقد حملوا على ذلك قول الأخطل: [الكامل]
стр. 6
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلام من الرباب خيالا
كأنه قال: أكذبتك عينك, وقوله: أفضى: يحتمل أن يكون اسمًا وفعلًا: وإذا كان اسمًا فهو على معنى التفضيل, كأنه قال: أصدري أشد سعةً أم البيداء؟ وإذا كان فعلًا فهو من أفضى إلى الشيء يفضي, كأنه قال: أصدري يفضي بهذه الناقة أي يصيرها في الفضاء أم البيداء؟
وقوله: [الكامل]
فتبيت تسئد مسئدًا في نيهّا ... إسآدها في المهمه الإنضاء
تسئد: أي: تسير في الليل, ونصب مسئدًا على الحال, والنيء: الشحم. وإسآدها منصوب على المصدر.
والمعنى مسئدًا في نيها إسآدًا يشابه إسآدها, والإنضاء فاعل مسئد, وهو من قولهم: أنضيت الناقة إذا هز لتها, فأزلت عنها اللحم. والمعنى: فتبيت تسئد مسئدًا في نيها الإنضاء مثل إسآدها في المهمه, يريد أنها تفني المهمه بإسآدها, والإنضاء يفني نيها بإسآده.
وقوله: [الكامل]
أنساعها ممغوطة وخفافها ... منكوحة وطريقها عذراء
الأنساع: جمع نسع, وهو سير مضفور, وممغوطة: أي: متغيرة بالسير. وجعل خفافها منكوحة؛ لأنها دامية, فكأنها العذراء التي قد نكحت. وجعل الطريق عذراء؛ لأنها لم تسلك قبله. وحسن المعنى أنه جعل الطريق عذراء, والعذراء هي التي جرت العادة بأن تنكح, وهي هاهنا ناكحة؛ لأنها التي أدمت الخفاف.
وقوله: [الكامل]
يتلون الخريت من خوف التوى ... فيها كما يتلون الحرباء
الخريت: الدليل, كأنه يدخل في خرت الإبرة من هدايته. والحرباء يوصف بالتلون. قال ذو الرمة يصف الحرباء: [الطويل]
стр. 7
غدا أكهب الأعلى وراح كأنه ... من الضح واستقباله الشمس أخضر
والتوى: الهلاك.
وقوله: [الكامل]
لبس الثلوج بها علي مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء
يعني أن الطريق قد التبس عليه, فكأن بياض الثلج سواد؛ لأنه لا يهتدي بذلك البياض.
وقوله: [الكامل]
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ ... سال النضار بها وقام الماء
معناه: أنه يهب النضار فيسيل, والماء الذي جرت عادته بالسيلان يستحيي من نداه فيقف.
وقوله: [الكامل]
جمد القطار ولو رأته كما رأى ... بهتت فلم تتبجس الأنواء
الأجود أن تكون الأنواء فاعلة رأته. والتبجس مثل التفجر, والأنواء هنا: جمع نوء فكأنه أراد النجم التي تنسب العرب إليها المطر, وهي منازل القمر. وأصل النوء النهوض, وهو من الأضداد؛ يكون فى معنى النهوض والسقوط, والعرب تستعمله في معنى السقوط, ويجوز أن يكون العامل في الأنواء الفعل المتأخر, فيحتمل أن يعمل فيها بهتت, فيكون اسم ما لم يسم فاعله, ويمكن أن تعمل فيها تتبجس, وإعمال الفعل الأول في هذا النحو رأي الكوفيين, وإعمال الفعل الذي هو أقرب إلى الفاعل رأي أهل البصرة. وإذا استعمل هاهنا مذهب البصريين كان في الكلام إضمار قبل الذكر إلا أنه جائز بلا اختلاف لأنه معلوم عند السامع.
وقوله: [الكامل]
من يهتدي في الفعل مالا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعراء
стр. 8
فاعل الشعراء: هو قوله يهتدي, والمعنى: أن هذا الممدوح يهتدي في الفعل مالا يهتدي إليه (٣/أ) الشعراء, وهم موصوفون بالفنطنة, وادعاء الأشياء المتعذرة, فهذا الممدوح يفعل الأشياء التي لا تهتدي الشعراء إليها حتى يفعلها فتعرفها حينئذٍ.
وقوله: [الكامل]
في كل يوم للقوافي جولة ... في قلبه ولأذنه إصغاء
إذا جاءت القوافي في الشعر فالمراد بها الأبيات والقصائد, وأصل القافية عند بعضهم الكلمة التي في آخر البيت مثل: منزل - وحومل, وهذا مذهب سعيد بن مسعدة, ومذهب الخليل أن القافية من آخر ساكنٍ في البيت إلى أول ساكنٍ يليه مع المتحرك قبل الساكن. فهذا في بعض المواضع يوافق قول سعيد بن مسعدة, وفي بعضها يخالفه؛ فمما يتفق فيه القولان مثل قول امرئ القيس: حومل, فالقافية عند الأخفش هي حومل, وكذلك يجب أن تكون على مذهب الخليل؛ لأن آخر حرف في البيت هو ياء الترنم, وأول ساكنٍ يليه واو حومل, والمتحرك الذي قبل الواو هو الحاء؛ فقد تساوي المذهبان. والاختلاف الذي يقع بين القولين في مثل قوله: [الوافر]
أقلي اللوم عاذل والعتابا
فالقافية عند أبي الحسن العتابا, والقافية على مذهب الخليل قوله: تابا من العتابا.
وإنما سمي البيت قافية؛ لأن القافية تكون فيه. وقال قوم: القافية ما لزم الشاعر إعادته من الحروف. ومذهب قطرب أن القافية حرف الروي, مثل لازم منزل, ودال ثهمد, وتسمى
стр. 9
القصيدة قافيةً, والأبيات قوافي, وقيل: القافية نصف البيت الآخر.
وقوله: [الكامل]
وأغاره فيما احتواه كأنما ... في كل بيتٍ فيلق شهباء
الفيلق في البيت: الكتيبة, وهي مؤنثة, قال الأعشى: [السريع]
في فيلقٍ جأواء ملمومةٍ ... تعصف بالدارع والحاسر
وقالوا: كتيبة شهباء إذ اعلاها بياض الحديد.
وقوله: [الكامل]
يعطي فتعطى من لهى يده اللهى ... وترى برؤية رأيه الآراء
اللهى: جمع لهوة وهي العطية, وأصلها القبضة التي تصب في فم الرحى, ثم كثر ذلك حتى جعلت العطية العظيمة لهوة. والآراء: القياس أن يكون فيها بعد الراء همزة, والنقل جائز. فيقال: الأرآء, كما يقال: آبار في جمع بئر, والأصل: أبآر, وأسآر في جميع سؤر, وأنشد أبو عبيد: [الكامل]
стр. 10
إنا لنضرب جعفرًا بسيوفنا ... ضرب الغريبة تركب الآسارا
يريد الأسآر.
وقوله: [الكامل]
لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ ... إلا إذا اشقيت بك الأحياء
يقول: إن الأحياء إذا شقيت بك, وكثرت الأموات, وتلك الكثرة تؤدي إلى القلة؛ إما لأن الأحياء يقلون بمن يموت, وإما لأن الميت في نفسه يقل ..
وقوله: [الكامل]
لم تسم يا هارون إلا بعدما اقـ ... ترعت ونازعت اسمك الأسماء
أجود ما يتأول في هذا أن يكون الاسم هاهنا في معنى الصيت, كم يقال: فلان قد ظهر اسمه؛ أي: قد ذهب صيته في الناس؛ أي: فذكره لا يشاركه فيه أحد, وماله يشترك فيه الناس فإما أن يكون عنى باسمه الذي هو هارون فهذا يحتمله ادعاء الشعراء, وهو مستحيل في الحقيقة؛ لأن العالم لا يخلو أن يكون فيه جماعة يعرفون بها رون ...
وقوله: [الكامل]
لعممت حتى المدن منك ملاء ... ولفت حتى ذا الثناء لفاء
اللفاء في البيت الشيء الناقص.
وقوله: [الكامل]
وإذا مطرت فلا لأنك مجدب ... يسقى الخصيب ويمطر الدأماء
الدأماء البحر, والأجود أن يقال: وتمطر الدأماء؛ لأن فعلاء بناء لا يكون إلا للمؤنث.
стр. 11
وقال الأفوه: [السريع]
والليل كالدأماء مستشعر ... من دونه لونًا كلون السدوس
وقوله: [الكامل]
لم تحك نانلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء
كأنه جعل السحاب قد حمت إما من حسدها إياه, وإما لفرقها أن تفتضح بجوده, والرحضاء: عرق الحمى.
وقوله:
فبأيما قدمٍ سعيت إلى العلا ... أدم الهلال لأخمصيك حذاء
أدم: جمع أديم: وهو جمع شاذ, وأصل أديم ظاهر الجلد. وقد قالوا: أديم السماء وجلدها على معنى الاستعارة. قال هميان: [الرجز]
فصبحت جابيةً صهار جا
تخاله جلد السماء خارجًا
(٣/ب) وقال قوم: الأديم: باطن الجلد. فأما قوله: أدم الهلال وما جرى مجراه فيحتمل أن يكون الظاهر والباطن, وقال النابغة: [الطويل]
стр. 12
ولم تلفظ الأرض القبور ولم تزل ... نجوم السماء والأديم صحيح
يريد أديمها.
وقوله: [الكامل]
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
يقال: اللذ بكسر الذال واللذ بسكونها قال الراجز: [الرجز]
فكنت في الأمر الذي قد كيدا
كاللذ تزبى زبيةً فاصطيدا
والقافية من المتواتر.
стр. 13
ومن التي أولها
لقد نسبوا الخيام إلى علاء ... أبيت قبوله كل الإباء
وهي على مذهب الخليل من أول الوافر, وعلى مذهب غيره من السحل الرابع.
الخيام في قول الأصمعي لا تكون إلا من الشجر, وهذا شيء أخذه عن الأعراب, وزعم أنها إذا كانت من غير الشجر فهي بيت, وهذا ضد ما عليه الناس اليوم, ولا ريب أنهم قد سموا هذه الأشياء المعروفة في العساكر خيامًا في الكلام القديم. والاشتقاق يدل على أن ذلك صحيح. والتخييم: الإقامة, فلما كانت هذه تستعمل عند النزول سميت خيمة, ويقال: خيام وخيم وخيم, قال المرقش: [السريع]
هل تعرف الدار عفا رسمها ... غير الأثافي ومبنى الخيم
وقال حسنان: [السريع]
ما هاج حسان رسوم المقام ... ومظعن الحي ومبنى الخيام
стр. 14
وقال النابغة الجعدي: [الطويل]
فلم يبق إلا آل خيمٍ منضدٍ ... وآس لدى سفعٍ ونؤي معثلب
والهمزة في العلاء منقلبة عن واو, كان أصله العلاو, فقلبت الواو همزة, وقبلها ألف زائدة. وكذلك تجري حالها في كل المواطن. وهمزة الإباء التي في آخرها منقلبة عن ياء, وأصله إباي, فقلب الياء للعلة التي قلبت لها الواو. والقبول يختارون فيه الفتح, ويزعمون أنه جاء شاذًا, فأما ضم القاف فهو القياس.
وقوله:
وما سلمت فوقك للثريا ... وما سلمت فوقك للسماء
فوقك هاهنا: يحتمل أن يكون على قوله: وما سلمت المكان الذي فوقك؛ فيكون, على هذا, كالصفة الموضوعة مكان الموصوف, كأنه قال: وما سلمت مكانًا فوقك, وأكثر ما يستعمل فوق ظرفًا, وقد أخرجوه إلى الأسماء, وأنشدوا بيتًا قد دخلت فيه الباء الخافضة على فوق. والشعر ينسب إلى عبد بني الحسحاس, وليس هو في ديوانه: [الطويل]
стр. 15
لقيت النساء الحارثيات غدوةً ... بوجه يراه الله غير جميل
فشبهنني كلبًا ولست بفوقه ... ولا دونه إن كان غير بخيل
وقوله:
وقد أوحشت أرض الشام حتى ... سلبت ربوعها ثوب البهاء
الشام: أصله الهمز, وتخفيفه جائز تجعل الهمزة ألفًا خالصة, فيكون مرة على وزن رأس ومرة على وزن مال, إلا أن ألفه غير منقلبة عن واو ولا ياء, ويدل على همزة في الأصل قولهم: أشأم الخليط إذا أخذ نحو الشام, وإذا نسبوا إليه قالوا: شامي بتشديد الياء, فهذا هو القياس. وشذ نسبه في قولهم: شامٍ, وهي ثلاثة أحرف جاءت بتخفيف الياء: شامٍ ويمانٍ وتهامٍ.
وأما قولهم: شآم, فتجيء في شعر المحدثين, وهي كلمة مرغوب عنها, وربما جاءت شاذة. قال الشاعر: [الطويل]
أتتنا قريش قضها بقضيضها ... وأهل الشآم والحجاز تقصف
نصب سيبويه قضها جعله موضوعًا موضع المصدر.
стр. 16
ومن التي أولها
القلب أعلم يا عذول بدائه ... وأحق منك بجفنه وبمائه [الكامل]
وهي من أول الكامل في قول الخليل, ومن السحل الثالث في قول غيره, والقافية من المتدارك قوله: [الكامل]
ما الخل إلا من أود بقلبه ... وأرى بطرفٍ لا يرى بسوائه
مد سواء, وإذا فتح أولها مدت, وإذا كسر أو ضم فهي مقصورة.
وقوله: [الكامل]
إن المعين على الصبابة بالأسى ... أولى برحمة ربها وإخائه
يقول: إن الذي يعين على الصبابة بالأسى؛ أي: الحزن, أولى برحمة ربها؛ أي: كان ينبغي ألا يفعل ذلك, كأنه جعل عذله إياه زيادة في حزنه. ويجوز أن يعني أنك يا عذول كان ينبغي أن تحزن بحزني.
(٤/أ) كما يقال للرجل إذا منع صديقه شيئًا: إن الذي يعين خليله بالمال, وقضاء الحاجة هو الذي يستحق أن يسمى خليلًا ومؤاخيًا. وقد رويت الأسى, بضم الهمزة, من: أسيت الحزين إذا عزيته.
والمعنى أن الذي يقول: لك أسوة بفلان, وفلان أولى بأن يكون خليلًا ناصحًا.
وقوله: [الكامل]
مهلًا فإن العذل من أسقامه ... وترفقًا فالسمع من أعضائه
стр. 17
هذا مجاز واتساع؛ لأن السمع ليس من الأعضاء؛ ولكنه يحمل على أنه أراد موضع السمع من أعضائه؛ أي: الأذن.
وهب الملامة في اللذاذة كالكرى ... مطرودةً بسهاده وبكائه ... [الكامل]
قوله: هب: كلمة في معنى قولهم: احسب ذلك, واعدده, واجعله.
قال أبو دهبل: [الطويل]
هبوني امرأً منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كبير
أي: عدوني أمرأً منكم.
وقوله: [الكامل]
والعشق كالمعشوق يعذب قربه ... للمبتلى وينال من حوبائه
الحوباء النفس, ويقال: هي دم القلب.
[وكان ابن جني يذهب إلى أن قوله: والسيف من أسمائه يعني اللفظة التي هي السيف لا الحديد المضروب, ومبالغة الشعراء لا تمنع أن يكون جوهر السيف من صفة الممدوح].
стр. 18
ومن التي أولها
عذل العواذل حول قلبي التائه ... وهوى الأحبة منه في سودائه
وهي في الوزن كالتي قبلها, وقافيتها من المتدارك.
يقال: عذل وعذل, والتحريك في هذا الموضوع أحسن؛ لأنه أقوى في السمع والغريزة, فيقال: عذلت فلانًا فاعتذل؛ أي: لام نفسه ورجع. ومعتذلات سهيلٍ: أيام شديدات الحر تأتي قبل طلوعه أو بعده, وبعض الناس يرويها: معتدلات, بالدال؛ أي: أنهن قد استوين من شدة الحر, والذي يروي بالذال يريد أنهن يتعاذلن ويأمر بعضهن بعضًا إما بشدة الحر, وإما بالكف عنه.
وقوله: التائه جاء بالهاء الأصلية مع هاء الإضمار في القوافي, وربما فعلت الشعراء ذلك, وهو قليل, ومنه قول الأنصاري: [الكامل]
أبلغ أبا عمروٍ أحيـ ... حة والخطوب لها تشابه
أني أنا الليث الذي ... تخشى مخالبه ونابه
وسوداء القلب وسويداؤه وأسوده وسواده واحد, وهي علقة من دمٍ أسود تكون فيه.
وقوله: [الكامل]
يشكو الملام إلى اللوائم حره ... ويصد حين يلمن عن برحائه
стр. 19
البرحاء: شدة الشوق والحزن, والمعنى أن الملام يشكو إلى اللوائم اللواتي يلمن هذا المحب؛ لأنه إذا وقع في سمعه صار إلى قلبه, فوجد حرارةً شديدةً, وهذا من دعوى الشعراء المستحيلة.
وقوله: [الكامل]
الشمس من حساده والنصر من ... قرنائه والسيف من أسمائه
السيف من أسمائه: يعني اللفظة دون جوهر السيف؛ لأن الحديدة لا تكون من الأسماء, وإنما يكون اسمها؛ لأن الاسم عرض, والحديد جوهر, ولا يكون أحد الجنسين من الآخر, وعلى ذلك فسره أبو الفتح بن جني.
ومن التي أولها
أتنكر يابن إسحاقٍ إخائي ... وتحسب ماء غيري من إنائي
وهي من الوافر الأول على رأي الخليل, ومن السحل الرابع في قول غيره, وقافيتها من المتواتر.
قوله: [الوافر]
أأنطق فيك هجرًا بعد علمي ... بأنك خير من تحت السماء
الهجر: ما لا ينبغي من القول, يقال: أهجر الرجل إذا جاء بالهجر, قال الشماخ: [الطويل]
كما جدة الأعراق قال ابن ضرةٍ ... عليها كلامًا عاب فيه وأهجرا
стр. 20
فإذا قالوا: هجر الرجل فهو بمعنى هذى من الهذيان إذا أريد به الكلام, ومنه قوله تعالى: ﴿مستكبرين به سامرًا تهجرون﴾؛ أي: تهذون. وقد قيل: إن «تهجرون» من الهجر الذي هو القطيعة؛ أي: تهجرون سامرًا لا تحضرونه. وقوله: [الوافر]
وما أرمت على العشرين سني ... فكيف مللت من طول البقاء
وما أرمت: أي: ما زادت, ويقال: رمت وأرمت بمعنى, وقال الشاعر, ويقال: إنه لحاتم الطائي: [الطويل]
ومطردًا لدنًا كأن كعوبه ... نوى القسب قد أرمى ذراعًا على العشر (٤/ب)
وقوله: [الوافر]
تطيع الحاسدين وأنت مرء ... جعلت فداءه وهم فدائي
وأنت مرء, والأجود أن يقال: وأنت امرؤ, ولا تحذف الهمزة من أوله إلا مع الألف واللام إذا قالوا: المرء, وربما استعمل ذلك في الشعر, قال الشاعر: [الطويل]
ولست أرى مرءًا تطول حياته ... فتبقى له الأيام حالًا ولا عما
وقوله:
وهاجي نفسه من لم يميز ... كلامي من كلامهم الهراء
الهراء من القول: مالا نظام له, قال ذو الرمة: [الطويل]
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
стр. 21
وقوله: [الوافر]
وإن من العجائب أن تراني ... فتعدل بي أقل من الهباء
البهاء: التراب الدقيق, ويسمي هباءً, ويقال: أهبت الخيل إذا ارتفع الغبار عن ركضها.
وقوله: [الوافر]
وتنكر موتهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أبناء الزناء
إثباته الألف في أنا هو عند بعض الناس ضرورة؛ لأن هذه الألف لا تثبت إلا في الوقف, وكان محمد بن يزيد يتشدد في ذلك, ولا يجيزه. وقد جاء في مواضع كثيرة, ومن ذلك قول الأعشى: [المتقارب]
فكيف أنا وانتحالي القافـ ... ـي بعد المشيب كفى ذاك عارا
стр. 22
وقول حميد بن بحدل: [الوافر]
أن زين العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذريت السناما
والزناء يمد ويقصر, وجاء في كتاب الله مقصورًا. وكأنه إذا مد مصدر زانى يزاني زناء, قال الشاعر: [الطويل]
أبا حاضرٍ من يزن يعرف زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا
ومن التي أولها
إنما التهنئات للأكفاء ... ولمن يدني من البعداء [الخفيف]
وهي من الخفيف الأول على رأي الخليل, وعلى رأي غيره من الطلق, وقافيتها من المتواتر.
وقوله: [الخفيف]
مستقل لك الديار وإن كا ... ن نجومًا آجر هذا البناء
стр. 23
الآجر: معرب, وفيه لغات: آجر بالتشديد, وآجر بالتخفيف, وأجرون, وينشد لأبي دؤاد الإيادي:
ولقد كان ذا كتائب خضرٍ ... وبلاطٍ يلاط بالأجرون
ويروى بالأجرون. قال أبو كدراء العجلي: [البسيط]
بنى السعاة لنا مجدًا ومكرمةً ... لا كالبناء من الآجر والطين
وقال ثعلبة بن صعيرٍ المازني: [الكامل]
..................... ... فدن ابن حية شاده بالآجر
وقوله: [الخفيف]
وبساتينك الجياد وما تحـ ... ـمل من سمهرية سمراء
بساتين: كلمة معربة, وليس لها في كلام العرب أصل, والسمهرية زعم أناس أنها منسوبة
стр. 24
إلى رجل يقال له: سمهر, وهو زوج ردينة فيما يزعمون, والذي يوجبه الاشتقاق أن السمهري الشديد الصلب, يقال: اسمهر الرجال إذا كان شديدًا في أمره.
قال رؤبة: [الرجز]
فازجر بني النجاخة الفشوش
عن مسمهر ليس بالفيوش
وقوله: [الخفيف]
وبمسكٍ يكنى به ليس بالمسـ ... ـك ولكنه أريج الثناء
الأريج: الطيب الرائحة, يقال: أرج وآرج وأريج.
وقوله: [الخفيف]
وبأيامه التي انسخلت عنـ ... ـه وما داره سوى الهيجاء
الهيجاء: تمد وتقصر, وهي اسم للحرب, واشتقاقها من الهيج, قال لبيد في القصر: [الرجز]
стр. 25
يا رب هيجا هي خير من دعه
وقال آخر في المد: [الطويل]
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك عضب مهند
وقوله: [الخفيف]
لا بما تبتني الحواضر في الريـ ... ـف وما يطبي قلوب النساء
يطبي: أي: يجتذب, يقال: اطباه يطبيه وطباه يطبيه ويطبوه.
وقوله: [الخفيف]
نزلت إذ نزلتها الدار في أحـ ... سن منها من السناء والسناء
السنا من النور: مقصور, والسناء من الشرف: ممدود, والسنا من النبت مقصور.
وقوله: [الخفيف]
تفضح الشمس كلما ذرت الشمـ ... ـس بشمسٍ منيرةٍ سوداء
(٥/أ) يقال: ذرت الشمس؛ وذلك في أول طلوعها.
وقوله: [الخفيف]
من لبيض الملوك أن تبدل اللو ... ن بلون الأستاذ والسحناء
السحناء: ما بظهر من هيئة الرجل, والأستاذ كلمة ليست بالعربية, وإنما جرت عادتهم أن يقولوا للحاذق في الصنعة: (أستاذ) , ولا يوجد ذلك في الشعر الجاهلي. واصطلحت العامة إذا أجلّوا الخصيَّ أن يخاطبوه بالأستاذ, وإنما أخذ من الأستاذ الذي هو الصانع؛ لأنه: ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم, فكأنه أستاذ في حسن الأدب, ولو كان عربيًا لوجب أن يكون اشتقاقه من الستذ, وليس ذلك بمعروف.
стр. 26
وقوله: [الخفيف]
ولقد أفنت المفاوز خيلي ... قبل أن نلتقي وزادي ومائي
المفازة: الأرض المقفرة, سميت بذلك على سبيل الفأل؛ لأنها مهلكة, وهو من نحو قولهم للديغ: سليم يتيمنون له بهذا الاسم, ويقال: فوز الرجل إذا هلك, ومنه قول كعب بن زهير: [الطويل]
فمن للقوافي بعد كعبٍ يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوز جرول
ويقال: إن عليّا ﵁ لما ضربه ابن ملجم - لعنه الله - قال: فزت ورب الكعبة, ففسر ذلك على وجهين: أحدهما أنه أراد مت ورب الكعبة, والآخر أنه أراد فزت من الفوز في الآخرة؛ لأنه رأى أنه شهيد.
وسكن الياء في أن نلتقي للضرورة.
стр. 27
ومن التي أولها
أسامري ضحكة كل راءٍ ... فطنت وأنت أغبى الأغبياء
وزنها من الوافر الأول, وقافيتها من المتواتر.
سامراء, اسم محدث يسمى بشيء فغيرته العامة؛ لأن الذي سماها جعلها سر من رأى, فثقل ذلك على ألسن العوام فغيروه إلى ما هو عكسه, وأنشدوا لعبد الله بن سعيد الأموي وكان من أهل العلم: [الوافر]
لعمرك ما سررت بسر من را ... ولكني عدمت بها السرورا
فهنا قال: را فحذف الهمزة. وقد حكى ذلك عن العرب, وينشد: [الوافر]
ومن را مثل معدان بن ليلى ... إذا ما النسع جال على المطية
وقال بعض المحدثين: [مخلع البسيط]
ما سر من را بسر من را ... بل هي سوء لمن رآها
ومن العجيب أن البحتري سماها سامراء على مذهب العامة ولم يتهيب الخليفة, قال: [الكامل]
أخليت منه البذ وهو قراره ... ونصبته علمًا بسامراء
стр. 28
وهذه كلمة جرت على غير ما يجب لأنها مسماة بجملة. وإذا سمي بالجمل وجب ألا يغير, فكان ينبغي أن يقول في غير الشعر بساء من رأى, أو: من راه, أما الكسر فلا يتسلط على آخر الاسم كما لا يدخل على قولك: تأبط شرًا؛ لأنه يسمى بجملة, وكان ينبغي ألا ينسب إليها على هذا الوجه, كما لا ينسب إلى من اسمه: برق نحره ونحو ذلك.
وأبو الطيب أجرى هذه الكلمة على ما يستعمله الناس؛ لأنها غير صحيحة في الأصل.
ومن التي أولها
ألا كل ماشية الخيزلى ... فدى كل ماشية الهيذبا
وهي من المتقارب الثالث وقافيتها من المتدارك.
الخيزلى: مشية فيها تفكك من مشي النساء, يقال: مشيت الخوزلى والخيزلى والخيزرى والخوزري بمعنى واحد. قال الشاعر: [الطويل]
من اللا تمشي بالضحى مرجحنةً ... وتمشي العشايا الحوزلى رخوة اليد
стр. 29
والهيذبى: ضرب من مشي الخيل, ويقال: الهيذبى والهيدبى, بالذال والدال. وبيت امرئ القيس ينشد على ثلاثة أوجه: [الطويل]
إذا راعه من جانبيه كليهما ... مشى الهيذيا في دفه ثم فرفرا
فرفر اللجام في فيه إذا حركته. يروى: الهيذبا والهيدبا بالذال والدال, وبعضهم يروي الهربذا, وفسروا الهربذا بأنه مشية الهرابذة, وهم الذين يصلون بالمجوس, ومعنى البيت الذى لأبي الطيب: ألا كل امرأة فداء لكل فرسٍ, كأنه ذم النساء, ومدح الخيل.
وقوله: [المتقارب]
وكل نجاةٍ بجاوية ... خنوف وما بي حسن المشى
يقال: ناقة نجاة في معنى ناجية, وهي السريعة التي تنجي صاحبها, وهذا اسم وضع للإناث دون الذكور؛ لأنهم قالوا للناقة: نجاة, ولم يقولوا للبعير نجًا. وبجاوية منسوبة إلى البجاة, ويقال: إنه اسم جيل من الناس, وقيل: بل البجاة البلد, ولهم نجب موصوفة, ويجب أن يكون قوله بجاوية منسوبًا على غير قياس (٥/ب)؛ لأنه لو حمل على لفظ البجاة لقيل: بجوي.
والخنوف: التي تقلب خفها إلى جانبها الوحشي. والاسم: الخناف. والمشى: جمع مشيةٍ, كما يقال: الفرى: جمع فرية.
وقوله: [المتقارب]
ولكنهن حبال الحياة ... وكيد العداة وميط الأذى
جعل النوق حبالًا للحياة؛ لأنه يتوصل إليها بهن, وميط الأذى: إزالته, يقال: مطت
стр. 30
الشيء, وأمطته: إذا أزلته.
وقوله: [المتقارب]
ضربت بها التيه ضرب القما ... ر إما لهذا وإما لذا
جعل ضربه التيه بهذه النجائب كضرب المقامر, إما له وإما عليه, وهو نحو من قوله: [الوافر]
وأيا شئت يا طرقي فكوني ... أذاةً أو نجاةً أو هلاكا
وقوله: [المتقارب]
إذا فزعت قدمتها الجياد ... وبيض السيوف وسمر القنا
جعل النجب تفزع, وإنما يفزع ركبانها, وقدمتها؛ أي: كانت قدامها, والخيل تكون مجنوبة إلى الإبل, فإذا أرادوا الغارة أو لقيهم عدو ركبوا الخيل, فكانت هي المتقدّمة, ومن ذلك قول الحطيئة: [البسيط]
مستحقبات رواياها جحافلها ... يسمو بها أشعري طرفه سام
يريد أنهم إذا فزعوا ركبوا الخيل, وسلوا السيوف, وأشرعوا الرماح.
وقوله: [المتقارب]
فمرت بنخلٍ وفي ركبها ... عن العالمين وعنه غنى
نخل: اسم موضع.
стр. 31
وقوله: [المتقارب]
وأمست تخبرنا بالنقا ... ب وادي المياه ووادى القرى
قوله: بالنقاب: هو من قولهم: ورد الماء نقابًا إذا لم يشعر به حتى يهجم عليه. وقد بالغ في صفة النجائب, فأخبر أنها تعلم الركبان بمكان المياه؛ فهي أعلم بها منهم. وقوله: وادي المياه ووادي القرى هو بدل تبيين من قوله: النقاب كما يقال: حدثني فلان عن الشام: حلب وجلق, والأردن.
وقوله: [المتقارب]
وقلنا لها أين أرض العراق ... فقالت ونحن بتربان هنا
تربان: موضع, وذكره يتردد كثيرًا في الشعر. قال النابغة الذبياني:
أو ذو وشومٍ بحوضى ظل منصلتًا ... يقرو الدكادك من تربان والأكما
وقوله: ها: حكاية عن الإبل؛ أي: هو قريب. وفي الكلام حذف؛ كأن المراد هذا هو, كأنها تومئ لهم إليه, وليس للألف في تربان حكم في هذا البيت؛ لأنه منفصل من ها. والشعر مقيد.
стр. 32
وقوله:
وهبت بحسمى هبوب الدبو ... ر مستقبلاتٍ مهب الصبا
حسمى: موضع, ويقال: إن بها ماءً من بقية الطوفان. وحدث محدث عن أبي الطيب أنه كان يصف حسمى بالطيب, وقال يومًا لبعض الناس: لو رأيت حسمى لرأيت أطيب بلاد الله.
وفي حسمى جبال, وهي التي ذكرها النابغة في قوله:
وأمسى عاقلًا بجبال حسمى ... دقاق الترب محتزم القتام
والصبا تجيء من مطلع الشمس. والدبور تقابلها. فدلّ هذا الكلام على أنها سائرة من المغرب إلى المشرق, واستعار الهبوب للعيس؛ لأنه شبهها بالريح.
وقوله: [المتقارب]
روامي الكفاف وكبد الوهاد ... وجار البويرة وادي الغضا
هذه كلها أسماء مواضع. وقوله: روامي الكفاف يعني العيس؛ أي: أنها قد رمت بأنفسها هذه المواضع.
وقوله: [المتقارب]
وجابت بسيطة جوب الردا ... ء بين النعام وبين المها
стр. 33
بسيطة: موضع, ربما سلكه حجاج بيت الله الحرام, وهي معرفة لا تدخلها الألف واللام.
والبسيطة في غير هذا الموضع بين مكة والكوفة, وقول الراجز:
إنك يا بسيط التي التي ... أنذرنيك في الطريق إخوتي
يحتمل أن يريد بسيطة هذه, ويجوز أن يعني البسيطة التي تقدم ذكرها. وجابت؛ أي: قطعت.
والمها: بقر الوحش سمين بذلك لبياض ظهورهن, ويصفون الأشياء البيض بمهًى؛ فالمها البلور, ويقولون للأسنان مهًا.
قال المسيب بن علس: [الكامل]
ومهًا يرف كأنه إذ ذفته ... عانية شجت بماء يراع
(٦/أ) ويجعلون الشمس مهاة؛ لأنهم يصفونها بالبياض, وقال الشاعر, وهو يريد الشمس: [الطويل]
стр. 34
وبيضاء لم تطبع ولم تدر ما الخنا ... ترى أعين الفتيان من دونها خزرا
وقال أبو الصلت الثقفي: [الخفيف]
ثم يجلو الظلام رب قدير ... بمهاة لها ضياء ونور
وقوله:
إلى عقدة الجوف حتى شفت ... بماء الجراوي بعض الصدى
عقدة الجوف: موضع, والجراوي: ماء معروف. أنشد ابن الأعرابي: [الطويل]
ألا لا أرى ماء الجراوي شافيًا ... صداي وإن روى غليل الركائب
стр. 35
وقوله:
ولاح لها صور والصباح ... ولاح الشغور لها والضحى
ذكر عن أبي الفتح ابن جني ﵀ أنه قال كلامًا معناه: صور: لا يعرف في المواضع وإنما المعروف صورى, وإنما أخذه أبو الفتح من الكتب الموضوعة في المقصور والممدود.
وإنما أراد أبو الطيب صوأر فألقى حركة الهمزة على الواو وحذفها, وقد ذكر الفرزدق هذا الموضع في شعره فقال: [الطويل]
فما جبرت إلا على عنتٍ بها ... قوائمها إذ عقرت يوم صوأر
وفى هذا الموضع كانت المعاقرة بين غالب أبي الفرزدق, وسحيم بن وثيلٍ الرياحي,
стр. 36
والمعنى أن هذا الموضع لاح للابل مع الصباح, ولاح الشغور لها مع الضحى, ويجوز في الصباح الرفع على العطف, والنصب على أنه مفعول معه, وكذلك يجوز في الضحى والشغور, ويجوز أن يكون اشتقاقه من قولهم: بلاد شاغرة, إذا لم يكن لها من يحميها.
وقوله:
ومسى الجميعي دئداؤها ... وعادى الأضارع ثم الدنا
الدئداء: شدة العدو, ويقال: دأدأ ديداءً.
قال الشاعر: [البسيط]
واعرورت العلط العرضي تركضه ... أم الفوارس بالدئداء والربعه
يريد أنها جاءت هذه المواضع, وهي تعدو. والجميعي والأضارع والدنا: مواضع, ويقال: إن الدنا اسم ماء. وقوله:
فيالك ليلًا على أعكشٍ ... أحم البلاد خفي الصوى
أعكش: موضع, وليس في أصول الأسماء على راي سيبويه شيء على أفعل, وإنما هي جموع يسمى بها أو أفعال مضارعة, مثل أعكش وأذرح وأثمد. فأثمد جمع ثمدٍ وهو الماء القليل, أو يكون سمي فيما قيل بالفعل المضارع من قولهم: ثمدته أثمده إذا أخذته
стр. 37
شيئًا فشيئًا, وأذرح يجوز أن يكون جمع ذرحٍ, وهو خشب تعمل منه الرحال, وأعكش من قولهم: عكشت الشيء إذا جمعته, وتعكش الشيء إذا تقبض.
وبيت دريد بن الصمة ينشد على وجهين: [الطويل]
وأنت امرؤ جعد القفا متعكش ... من الأقط الحولي شبعان كانب
يروى المتعكش بالشين, أي: المتقبض, ومتعكس, أي: يشرب العكس, وهو لبن يصب على مرق. وأحم البلاد؛ أي: أسودها, والصوى جمع صوةٍ, وهي حجارة تنصب ليهتدى بها, وقيل: بل الصوة أرض غليظة. وفي حديث أبي هريرة: «إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق» , وهذا البيت يروى لامرئ القيس وغيره: [الطويل]
стр. 38
وهبت لنا ريح بمختلف الصوى ... صبا وشمال في منازل قفال
وقوله:
وردنا الرهيمة في جوزه ... وباقيه أكثر مما مضى
الجوز: الوسط, وبعض من لا علم له بالعربية يسأل عن هذا البيت, يظن أنه مستحيل؛ لأنه يحسب أنه لما ذكر الجوز وجب أن تكون القسمة عادلة في النصفين, فيذهب إلى أن قوله وباقيه أكثر مما مضى نقيض الكلام المتقدم, وليس الأمر كذلك, ولكنه جعل ثلث الليل الثاني كالوسط, وهو الجوز, ثم قال: وباقيه أكثر مما مضى, كأنه ورد والثلث الثاني قد مضى منه ربعه, وبقي ثلاثة أرباعه أو أكثر, وهذا بين واضح, والهاء في باقيه يجوز أن ترجع إلى الجوز, وإلى الليل.
وقوله:
فلما أنخنا ركزنا الرما ... ح فوق مكارمنا والعلى
أي أسندناها إلى شيء, كما جرت العادة؛ كأنه ذهب في هذا القول إلى أنهم لم يكن معهم شيء تركز إليه الرماح؛ لأنها يعتمد بها المكان العالي, فركزوها فوق مكارمهم؛ لأنها رفيعة عالية.
وقوله:
ونام الخويدم عن ليلنا ... وقد نام قبل عمىً لا كرى
جرت عادة الناس بأن يسموا الخصي خادمًا؛ وذلك شيء مصطلح عليه, وكل من خدم فهو مستحق لهذا الاسم من فحل, وخصي, ولكنهم لما رأوا الخصي ناقصًا عن رتبة الفحل قصروه على هذا الاسم, كأنه لا يصلح لغير الخدمة. والعمى هاهنا عمى القلب.
وقوله:
بها نبطي من أهل السواد ... يدرس أنساب أهل الفلا
(٦/ب) يعني بالسواد سواد العراق, وقد خص بهذا الاسم, ويرون أنهم يسمّونه بذلك لكثرة الخضرة فيه, لأنهم إذا وصفوا الليل بالسواد وصفوه بالخضرة.
стр. 39
قال القطامي: [الرجز]
يا ناق سيري عنقًا زورا ... وبادري الليل إذا ما اخضرا
وفي الكتاب العزيز: ﴿مدهامتان﴾ أي قد اخضرّتا جدا فكأنهما سوداوان, ومدهامتان مفعالّتان من الدهمة.
وقوله: من أهل السواد: ألقى حركة الهمزة على النون, وذهب مذهب ورشٍ في القراءة, وهو كثير في الشعر الفصيح؛ ومنه قول سعد بن أبي وقاص: [الوافر]
стр. 40
ألا هل اتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
يعرض بالوزير أبي الفضل جعفر بن الفرات ابن حنزابة ﵀؛ لأنه لم يحظ عنده بطائل.
ويقال: إن القصيدة الرائية التي في ابن العميد كانت فيه, وبناها على قوله جعفر ليكون ذلك في القافية, وكان قد نظمها على قوله: يابن الفرات وأي عبدٍ كبرا, فلما لم يرضه صرفها إلى ابن العميد, ولم ينشده إياها.
следующие страницы →