Полный текст (1 484 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والمعنى أن هذا الموضع لاح للابل مع الصباح, ولاح الشغور لها مع الضحى, ويجوز في الصباح الرفع على العطف, والنصب على أنه مفعول معه, وكذلك يجوز في الضحى والشغور, ويجوز أن يكون اشتقاقه من قولهم: بلاد شاغرة, إذا لم يكن لها من يحميها.
وقوله:
ومسى الجميعي دئداؤها ... وعادى الأضارع ثم الدنا
الدئداء: شدة العدو, ويقال: دأدأ ديداءً.
قال الشاعر: [البسيط]
واعرورت العلط العرضي تركضه ... أم الفوارس بالدئداء والربعه
يريد أنها جاءت هذه المواضع, وهي تعدو. والجميعي والأضارع والدنا: مواضع, ويقال: إن الدنا اسم ماء. وقوله:
فيالك ليلًا على أعكشٍ ... أحم البلاد خفي الصوى
أعكش: موضع, وليس في أصول الأسماء على راي سيبويه شيء على أفعل, وإنما هي جموع يسمى بها أو أفعال مضارعة, مثل أعكش وأذرح وأثمد. فأثمد جمع ثمدٍ وهو الماء القليل, أو يكون سمي فيما قيل بالفعل المضارع من قولهم: ثمدته أثمده إذا أخذته
стр. 37
شيئًا فشيئًا, وأذرح يجوز أن يكون جمع ذرحٍ, وهو خشب تعمل منه الرحال, وأعكش من قولهم: عكشت الشيء إذا جمعته, وتعكش الشيء إذا تقبض.
وبيت دريد بن الصمة ينشد على وجهين: [الطويل]
وأنت امرؤ جعد القفا متعكش ... من الأقط الحولي شبعان كانب
يروى المتعكش بالشين, أي: المتقبض, ومتعكس, أي: يشرب العكس, وهو لبن يصب على مرق. وأحم البلاد؛ أي: أسودها, والصوى جمع صوةٍ, وهي حجارة تنصب ليهتدى بها, وقيل: بل الصوة أرض غليظة. وفي حديث أبي هريرة: «إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق» , وهذا البيت يروى لامرئ القيس وغيره: [الطويل]
стр. 38
وهبت لنا ريح بمختلف الصوى ... صبا وشمال في منازل قفال
وقوله:
وردنا الرهيمة في جوزه ... وباقيه أكثر مما مضى
الجوز: الوسط, وبعض من لا علم له بالعربية يسأل عن هذا البيت, يظن أنه مستحيل؛ لأنه يحسب أنه لما ذكر الجوز وجب أن تكون القسمة عادلة في النصفين, فيذهب إلى أن قوله وباقيه أكثر مما مضى نقيض الكلام المتقدم, وليس الأمر كذلك, ولكنه جعل ثلث الليل الثاني كالوسط, وهو الجوز, ثم قال: وباقيه أكثر مما مضى, كأنه ورد والثلث الثاني قد مضى منه ربعه, وبقي ثلاثة أرباعه أو أكثر, وهذا بين واضح, والهاء في باقيه يجوز أن ترجع إلى الجوز, وإلى الليل.
وقوله:
فلما أنخنا ركزنا الرما ... ح فوق مكارمنا والعلى
أي أسندناها إلى شيء, كما جرت العادة؛ كأنه ذهب في هذا القول إلى أنهم لم يكن معهم شيء تركز إليه الرماح؛ لأنها يعتمد بها المكان العالي, فركزوها فوق مكارمهم؛ لأنها رفيعة عالية.
وقوله:
ونام الخويدم عن ليلنا ... وقد نام قبل عمىً لا كرى
جرت عادة الناس بأن يسموا الخصي خادمًا؛ وذلك شيء مصطلح عليه, وكل من خدم فهو مستحق لهذا الاسم من فحل, وخصي, ولكنهم لما رأوا الخصي ناقصًا عن رتبة الفحل قصروه على هذا الاسم, كأنه لا يصلح لغير الخدمة. والعمى هاهنا عمى القلب.
وقوله:
بها نبطي من أهل السواد ... يدرس أنساب أهل الفلا
(٦/ب) يعني بالسواد سواد العراق, وقد خص بهذا الاسم, ويرون أنهم يسمّونه بذلك لكثرة الخضرة فيه, لأنهم إذا وصفوا الليل بالسواد وصفوه بالخضرة.
стр. 39
قال القطامي: [الرجز]
يا ناق سيري عنقًا زورا ... وبادري الليل إذا ما اخضرا
وفي الكتاب العزيز: ﴿مدهامتان﴾ أي قد اخضرّتا جدا فكأنهما سوداوان, ومدهامتان مفعالّتان من الدهمة.
وقوله: من أهل السواد: ألقى حركة الهمزة على النون, وذهب مذهب ورشٍ في القراءة, وهو كثير في الشعر الفصيح؛ ومنه قول سعد بن أبي وقاص: [الوافر]
стр. 40
ألا هل اتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
يعرض بالوزير أبي الفضل جعفر بن الفرات ابن حنزابة ﵀؛ لأنه لم يحظ عنده بطائل.
ويقال: إن القصيدة الرائية التي في ابن العميد كانت فيه, وبناها على قوله جعفر ليكون ذلك في القافية, وكان قد نظمها على قوله: يابن الفرات وأي عبدٍ كبرا, فلما لم يرضه صرفها إلى ابن العميد, ولم ينشده إياها.
стр. 41
وقوله:
وأسود مشفره نصفه ... يقال له أنت بدر الدجى
المشفر: إنما هو لذوات الخف, وإذا أرادوا وصف الرجل بالغلظ والجفاء جعلوا له مشافر؛ أي: كأنه من جملة الإبل:
أي: كأنه من جملة الإبل:
[ولو كنت ضبيًا عرفت قرابتي ... ولكن زنجيًا عظيم المشافر]
وشعرٍ مدحت به الكركد ... ن بين القريض وبين الرقى
الكركدن: لفظه ليست بالعربية, وليس لها مثال في كلامهم, وقد كثرت الأحاديث عن الكركدن. والذي ذكر ابن الأعرابي أنه دابة أصغر من الفيل له قرن واحد, وزعم أنه يسمى الهرميس وأنشد: [الرجز]
بالموت ما عيرت يا لميس ... قد يهلك الأرقم والفاعوس
والأسد المذرع الحوؤس ... والفيل لا يبقى ولا الهرميس
والقريض: اسم للشعر, وهو مأخوذ من قرضت الشيء إذا قطعته, شبه بقريض البعير, وهي الجرة التي يخرجها إلى فيه؛ لأن الشاعر يخرجه من صدره إلى فمه, وقالوا في المثل: «حال الجريض دون القريض» , والجريض: الغصص, فقيل: أرادوا حال الغصص دون إخراج
стр. 42
الجرة, وقيل: بل القريض في المثل الشعر بعينه, وزعموا أن أصل ذلك أن عمرو بن هند كان له يوم بؤس ويوم أنعم, فكان إذا لقيه رجل في يوم بؤساه قتله, وإذا لقيه بعض الناس في يوم نعماه أحسن إليه, فلقيه عبيد بن الأبرص في يوم بؤساه, فقال له عمرو: أنشدني قولك: [مخلع البسيط]
أقفر من أهله ملحوب
فقال عبيد: «حال الجريض دون القريض» , وهم يفرقون بين القريض والرجز؛ قال الأغلب العجلي, وقد سئل عن الشعر: [الرجز]
أرجزًا تريد أم قريضا
أم هكذا بينهما تعريضا
كلاهما أجد مستفيضا
стр. 43
ويروى: كليهما. فقد فرق الأغلب بين النوعين.
وقول أبي الطيب: بين القريض وبين الرقى كأنه ممزوج منهما؛ أي: «أردت خديعته به».
ومن بيتين أولهما
ماذا يقول الذي يغني ... يا خير من تحت ذي السماء
شغلت قلبي بلحظ عيني ... إليك عن حسن ذا الغناء
وزنهما من البسيط السادس, وقافيتهما من المتواتر.
* * *
стр. 44
حرف الباء
من التي أولها
لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب
هي من ثالث الطويل في قول الخليل, وعلى رأي غيره من السحل الأول وقافيتها من المتواتر.
يقال: حزنه الأمر وأحزنه, وأكثر القراء على فتح الياء ﴿ليحزنني أن تذهبوا به﴾ , وقرأ بعضهم: ﴿ليحزنني﴾ , قال يزيد بن الطثرية: [الطويل]
ألا طرقت ليلى فأحزن طيفها ... وقدما عدانا طيف ليلى فأحزنا
وفي هذا البيت خرم, ولم يخرم أبو الطيب إلا في موضعين: أحدهما هذا, والآخر: إن تك طيئ كانت لئامًا
стр. 45
وقوله:
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئةٍ وذهوب
يريد أن أهل الأرض المتقدمين لو كانوا باقين لم يكن المتأخرون خلقوا, وهذا مأخوذ من قول بعض الحكماء لبعض الملوك لَّما قال: ما أطيب الملك لودام؛ فقال: لودام لم يصل إليك. وقوله:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
شعوب: اسم للمنية معرفة لا تدخله الألف واللام, ولا ينصرف إلا في الضرورة, وقد صرفه أبو الطيب في هذا البيت, وأنشد ابن السكيت بعد ذكره أن شعوب لا تنصرف قول أبي الأسود الدؤلي: [المتقارب]
فقام إليها بها ذابح ... ومن تدع يومًا شعوب يجبها
الرواية الصحيحة: يجئها من جاء يجيء, وخففت الهمزة فدل كلامه على أن شعوب غير
стр. 46
مصروفة في هذا البيت, وترك صرفها يؤدي إلى زحاف تنكره الغريزة, وإن صرفت ذهب الزحاف وهو م ثل قول عبد قيس بن خفاف البرجمي:
ووقع اللسان كحد السنان ... ورمحًا طويل القناة عسولا
وبعضهم ينشد طويل قناةٍ فيذهب الزحاف. وسميت المنية شعوب؛ لأنها تشعب؛ أي: تفرّق, والشعب يكون في معنى التفرق, وفي معنى الجمع والالتئام, ومن التفرقة قول الغنوي: [الكامل]
وإذا رأيت المرء يشعب أمره ... شعب العصا ويلج في العصيان
فاعمد لما تعلو فما لك بالذي ... لا تستطيع من الأمور يدان
ومن الالتئام والجمع قولهم: شعبت القدح؛ أي: جمعت ما افترق منه. وادعاء أبي الطيب أن الدنيا لا فضل فيها للشجاعة والندى وبذل اللهى, لولا الموت, غير صحيح؛ لأن الناس لو كانوا مخلدين لم تنقص فضيلة الجود وغيره من الأشياء المحمودة.
стр. 47
وقوله:
وأوفى حياة الغابرين لصاحبٍ ... حياة امرئٍ خانته بعد مشيب
أي: الباقين. وزعم بعضهم أن غبر يكون في معنى مضى.
وقوله:
لأبقى يماك في حشاي صبابةً ... إلى كل تركي النجار جليب
قوله: لأبقى: فيه لام القسم, كأنه قدم يمينًا قبل ذلك, كأنه قال: فالله لأبقى, وأحلف لأبقى, والمعنى معنى قد, وهو مثل قول امرئ القيس: [الطويل]
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ ... لناموا فما إن من حديثٍ ولا صال
أي: لقد ناموا.
ويماك: اسم أعجمي, والأعجمية على ضربين: منها ما يوافق كلام العرب, وإن لم يكن مستقى منه, ومنها ما لا يوافق, فمما وافق قولهم: أسبار, وهو أعجمي لا محالة وهو موافق لأسبار إذا كان جمع سبر, وهو الهيئة والحال من قولهم: هو حسن السبر.
وأما الذي لا يوافق فمثل يماك, لم يذكر اليمك في شيء من كلام العرب, والنجار: الأصل, يقال: نجار ونجار ونجر.
وقوله:
لئن ظهرت فينا عليه كآبة ... لقد ظهرت في حد كل قضيبٍ
يقال: لكل سيف دق عرضه قضيب, فإذا عرض فهو الصفيحة. قال الشاعر: [الطويل]
ولم أر مغلوبين يفري فرينا ... ولا وقع ذاك السيف وقع قضيب
فإذا قيل: قاضب, فالمراد قاطع, والجمع قواضب, ويجوز أن يدعى لقولهم: قضيب, أنه في معنى قاضب, وقد نقل إلى فعيل للمبالغة, كما يقال: عالم وعليم, والأول أشبه.
стр. 48
وقوله:
وفي كل قوسٍ كل يوم تناضلٍ ... وفي كل طرفٍ كل يوم ركوب
القوس: مؤنثة, وقالوا في تصغيرها: قويس, فلم يدخلوا الهاء, والحكم في الثلاثي المؤنث إذا صغر أن تثبت فيه هاء التأنيث, كما قالوا: نار ونويرة, وشمس وشميسة, ولم يحكوا قويسة, وقالوا للرجل إذا حسنت حاله: صار خير قويسٍ سهمًا, وجمع قوس في أدنى العدد أقؤس بهمز الواو لأجل الضمة؛ وذلك اختيار المازني, وذهب غيره إلى أن إظهار الواو أحسن, وقالوا في الكثيرة: قياس كما قالوا: ثوب وثياب, وقلبوا فقالوا: قسي, فلزموا الكسرة في القاف ولم تضم, كما قالوا: دلي ودلي؛ لأنهم أرادوا أن يدلوا على كسرة قياس. وأن قسيا مقلوبة منها.
والتناضل يستعمل على وجهين: أحدهما أن يرمي القوم سهامهم لينظروا أيهم أحسن رميًا. والآخر أن يتناضلوا, وهم يريدون الحرب والشر, ثم نقلوا هذه اللفظة, فقالوا: ناضل فلان فلانًا إذا نازعه في أمر أو فاخره. ومن أبيات المعاني: [البسيط]
قد ناضلوك فأبدوا من كنائنهم ... مجدًا تليدًا ونبلًا غير أنكاس
ناضلوك هاهنا في معنى فاخروك, وكان الرجل منهم إذا جز ناصية أسيره جعلها في
стр. 49
كنانته, فإذا فاخر يومًا نكب كنانته وقال: هذه ناصية فلان؛ فذلك عني القائل بقوله: مجدًا تليدًا.
وقوله:
كأن الردى عادٍ على كل ماجدٍ ... إذا لم يعوذ مجده بعيوب
يقول: كأن الردى يعدو على الماجدين إذا لم يكن لهم عيب, وكانت العرب في الجاهلية تعلق على أولادها ومن تشفق عليه عظام الميتة, ورؤوس الأرانب, والأنجاس, قال الشاعر: [الطويل]
لو كنت في نيقٍ على رأس هصبة ... وعلق أنجاسًا علي المنجس
إذًا لأتاني الموت يحدوه سائق ... إليَّ وهادٍ دون ذاك منقرس
وقال امرؤ القيس: [المتقارب]
يا هند لا تنكحي بوهةً ... عليه عقيقته أحسبا
مرسغةً بين أرساغه ... به عسم يبتغي أرنبا
قيل: إنه أدخل الهاء للمبالغة, وإنما هو مرسغ.
(٧/ب) [المتقارب]
يعلق في ساقه رأسها ... حذار المنية أن يعطبا
والماجد: الكريم بن الكرماء, وقال قوم: بل يكون الماجد بنفسه دون آبائه, ويزعمون
стр. 50
أنه أخذ من قولهم: مجدت الإبل, إذا امتلأت بطونها من الرعي, ويقال: استمجد من الشيء إذا استكثر منه, والمثل السائر: «في كل شجر نار, واستمجد المرخ والعفار»؛ أي: استكثر من النار.
والعيوب يجوز فيها كسر العين وضمها, وكذلك ما جمع على فعول من ذوات الياء, مثل: شيخ وشيوخ, وبيت وبيوت, وجيب وجيوب.
وقوله:
ولولا أيادي الدهر والجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب د
أيادي الدهر: أي: نعمه وإحسانه, وأصل ذلك في بني آدم, ولكنهم لما أخبروا عن الدهر كما يخبرون عمن يعقل, ونسبوا إليه الإساءة والإحسان جاز أن يجعلوا له أيادي.
وتروى حكاية عن أبي عمرو بن العلاء, وأبي الخطاب الأخفش معناها أن أبا الخطاب وأبا عمرو كانا في مجلس ومعهما جماعة, فذكر أبو عمرو أن الأيادي لا تستعمل إلا في النعم, وأنه لا يقال أيادي القوم في جمع يد, فسكت أبو الخطاب فلم انصرف قال لمن صحبه: والله إنها لفي علمه, ولكنه نسي, وهو أنشدنا هذا البيت: [الخفيف]
ساءها ما تأملت في أياديـ ... ـنا وإشناقها إلى الأعناق
стр. 51
ومعنى البيت: أن الدهر لو لم يحسن إلينا بالجمع بيننا لكنا غافلين في العدم لم نشعر له بذنوب.
وقوله:
وللترك للإحسان خير لمحسنٍ ... إذا جعل الإحسان غير ربيب
هذا البيت شرح للبيت الأول, وأقامه حجةً على الدهر, كأنه قال: أحسن إلينا الدهر في بيننا, وأساء فيما صنعه من التفرقة, وترك من أحسن إحسانه أجمل به من أن يحسن ثم يجيء بإساءة. يقال: رب الإحسان إذا زاده, ودام عليه, وهو من قولهم: رببت الصبي.
وقوله:
فتى الخيل قد بل النجيع نحورها ... تطاعن في ضنك المقام عصيب
قوله: فتى الخيل: كلام فيه حذف, وإنما يريد فتى الخيل الذي يفضل الفتيان؛ كما تقول: فلان ردل بني فلان, أي: هو أفضل رجلً فيهم, وقد يجوز أن يكون فيهم جماعة يقع عليهم هذا الاسم, ومنه قول الهذلي: [الطويل]
لعمرو أبي الطير المربة بالضحى ... على خالدٍ أن قد وقعن على لحم
أي لحم رجلً عظيم الشأن. ومنه حديثٌ يروى عن رجل من اليهود أنه رأى عليًا ﵁ يشتري جهازًا لامرأة, فقال له: بمن تزوجت؟ فقال: بفاطمة ابنة محمد صلى الله عليهما, فقال اليهودي: لقد تزوجت با مرأةٍ! أي: ذات شرفٍ عظيمٍ, وقد علم أن هذا
стр. 52
الاسم يقع على جميع النساء.
والخيل يراد بها هاهنا فرسان الخيل, ولكنهم يحذفون المضاف كثيرًا, والتطاعن إنما يكون من الفرسان لا من الخيل. ومن حذف المضاف قول الراجز: [الراجز]
كأن بزا تحته وقزّا ... أو فرشًا محشورةً إوزّا
أي: ريش إوز. وضنك المقام أي: ضيقه, والمعنى في مكان ضنكٍ مقامه, وعصيب: أي: شديد, كأنه يعصب القوم كما تعصب السلمة ليخبط ورقها, يقال: يوم عاصب وعصيب. وهذا البيت ينسب إلى تأبط شرًا [الكامل]
وإذا دعيت لشر يومٍ عاصبٍ ... فاصبر ليوم الشر حتى ينجلي
وقوله:
يعاف خيام الريط في غزواته ... فما خيمه إلا غبار حروب
الريط: جمع ريطة, وهي كل ثوبٍ لم يكن لفقين.
وقوله:
تسل بفكرٍ في أبيك فإنما ... بكيت وكان الضحك بعد قريب
ذكر ابن السكيت: الفكر, بالفتح, وكأنه عنده أفصح من الفكر, بكسر الفاء, ويقال في تثنية أبٍ: أبوان على الإتمام, وأبان على ترك الاسم منقوصًا. وفي النصب أبوين وأبين.
стр. 53
فأما قولهم في الجمع: أبون وأبين فيجوز أن يكون على الإتمام, وعلى النقص؛ لأنه إذا قال في التثنية أبوان وجب أن يقول في الجمع أبوين على القياس؛ وذلك لا يجوز. ولو سميت رجلًا بعصًا لقلت في التثنية: عصوان, وفي الجمع المنصوب عصين, والأصل: عصوين فاستثقلوا الكسرة على الواو فسكنوها فالتقى ساكنان, فحذفت الواو, وبقيت الصاد مفتوحة.
أو يكونوا جاؤوا بياء الجمع بعد ألف عصا (٨/أ) فالتقى ساكنان فحذفت الألف.
والنحويون يقولون: قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ وذلك لا يحتاج إليه, بل يقال: إن الياء راموا دخولها بعد ألف عصا وهي ساكنة فأوجب ذلك لها السقوط, وهذا الشعر ينسب إلى الفرزدق: [مجزوء الكامل]
يا خليلي اسقياني ... أربعًا ثم اثنتين
من شرابٍ كدم الجو ... ف يحر الكليتين
واصرفا الكأس عن الجر ... هل يحيى بن حصين
لا يذوق اليوم كأسًا ... أو يفدى بالأبين
وقول الشاعر: [المتقارب]
فلما تسمعن أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا
يجوز أن يكون جمع أبٍ على الإتمام, وهو جمع على النقص. وكذلك قولهم: أخون وأخين في جمع أخ. قال الشاعر: [الوافر]
وكان لنا فزارة عم سوءٍ ... وكنت له كشر بني الأخينا
стр. 54
وقوله:
وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاءٍ أو سكون لغوب
الزفرات: جمع رفرة, وهو الزفير؛ وذلك صوت يخرج عن حبس النفس في الجوف, ومنه قولهم: طوى الفرس على زفرته؛ أي: أنه مجفر الجنبين, زفر, ثم خيط على ذلك, فثبت, ولم يزل عن تلك الحال, قال الجعدي: [المنسرح]
خيط على زفرةٍ فتم ولم ... يرجع إلى دقةٍ ولا هضم
واللغوب: الإعياء, وقد حكي بفتح اللام, وروي أن أبا عبد الرحمن السلمي قرأ: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ , بفتح اللام.
وقوله:
وكم لك جدًا لم تر العين وجهه ... فلم تجر في آثاره بغروب
الغروب: جمع غرب, وأصل الغرب حدة الشيء, وأصحاب النقل يتجوزون في العبارة فيقولون: الغروب: الدمع, وقيل: الغرب أن لا ترقأ الدمعة, قال الراجز: [الرجز]
مالك لا تذكر أم عمرو ... إلا لعينيك غروب تجري
والمعنى أن الإنسان إنما يحزن لمن يعرف ويشاهد, فأما جدوده الذاهبون فلا يدركه عليهم البكاء, وهو معنى قول أبي خراش الهذليّ: [الطويل]
ولكنّها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
стр. 55
وقوله:
وفي تعبٍ من يحسد الشمس نورها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب
ضريب الإنسان مثله وشبهه, وأصل ذلك فيما يضرب من الدراهم والسيوف. يقال: هذا من ضرب هذا؛ أي: أنه قد ضرب معه فهو له مشابه, وكأن ضريبًا جاء على قولهم: هو يضاربه أي يكون من ضربه الذي ضرب معه, إما من السيوف, وإما من الدراهم, كما يقال: جالسه فهو جليسه, وصادقة فهو صديقه, ونحو ذلك.
ومن أبيات أجاز بها بيتا أولها
فديناك أهدى الناس سهمًا إلى قلب ... وأقتلهم للدارعين بلا حرب
هي من الطويل الأول في قول الخليل, وفي قول غيره من السحل الأول إلا أنه لا يجعله في أول شيء من ضروبه, وقافيتها من المتاتر.
أفعل إذا كان للتفضيل فبينه وبين أفعل الذي للتعجب مناسبةً؛ وذلك أنه يقال: هذا أقول منه, وما أقوله, فتصح الواو في المثالين.
وتمتنع أن يقال: هذا أحمر من هذا؛ أي: أشد حمرةً, كما يمتنع أن يقال: ما أحمرة أي: ما أشد حمرته.
وفعل التعجب يبنى من الأفعال الثلاثية, وهي ثلاثة أبنية, وهي: فعل وفعل وفعل, ولا
стр. 56
يبنى إلا من فعلٍ قد سمي فاعله, ولا يجوز أن يبنى من فعلٍ فاعله غير مسمى, فيقال: ما أضرب أخاك؛ لأن هذا اللفظ مأخوذ من قولهم: ضرب أخوك, ثم وقع التعجب من كثرة ضربه أو شدته. فإذا قلت: ضرب أخوك لم يحسن أن تقول: ما أضرب أخاك, وأنت تريد ما أشد الضرب الذي ضربه.
وقوله: أهدى الناس سهمًا يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مأخوذًا من قولهم: هدى الوحشي إذا تقدم, فيكون سهم منصوبًا على التمييز, ويكون أفعل مبنيًا من فعل له فاعل, ويكون الفعل للسهم, والآخر أن يكون الفعل للمخاطب من قولهم: هديته الطريق؛ فإذا حمل على ذلك فسهم ينتصب بفعل مضمر يدل عليه قوله: أهدى؛ لأن فعل التعجب لا يجوز أن ينصب مفعولًا, وكذلك أفعل الذي للتفضيل, وعلى ذلك حملوا قول الشاعر: [الطويل]
فلم أر مثل الحى حيا مصبحًا ... ولا مثلنا لما التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا في اللقاء القوانسا
نصب القوانس بفعل مضمر كأنه قال: وأضرب منا في اللقاء فتم الكلام, وأضمر نضرب القوانس. والدارع: الذي عليه الدرع.
وقوله: (٨/ب):
تفرد بالأحكام في أهله الهوى ... فأنت جميل الخلف مستحسن الكذب
стр. 57
الأفصح الكذب, وهم ينقلون فعلًا إلى فعل كثيرًا, فيقولون: كبد وكبد, وكتف وكتف.
وقوله:
ومن خلقت عيناك بين جفونه ... أصاب الحدور السهل في المرتقى الصعب
الحدور: كل مكانٍ ينحدر فيه, فهو عندهم أسهل من الصعود؛ لأن الصعود شاقةً, ولذلك قالوا: تصعدني هذا الأمر إذا شق علي, ومنه قوله تعالى: ﴿سأرهقه صعودًا﴾ , وقال الهذلي: [الوافر]
وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل
وكلام أبي الطيب مؤد هذا المعني كأنه قال: أصاب الحدور السهل في الصعود, والصعود والحدور يستعملان على التأنيث, وذكر الحدور هاهنا؛ لأنه جعله كالنعت لمكان.
ومن بيتين أولهما
لعيني كل يومٍ منك حظ ... تحير منه في أمرٍ عجاب
وهما من الوافر الأول في قول الخليل, ومن السحل الرابع في قول غيره, وقافيتهما من المتواتر.
стр. 58
فعيل إذا أريد به المبالغة إلى فعال, فإذا أرادوا الزيادة شددوا فقالوا: فعال؛ من ذلك: عجيب وعجاب, فإذا أرادوا أن يزيدوا للمبالغة قالوا: عجاب, وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ﴿إن هذا لشيء عجاب﴾ , وقالوا: طويل وطوال وطوال, وأنشد الفراء: [الرجز]
جاء بصيدٍ عجبٍ من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب
وقوله:
حمالة ذا الحسام على حسامٍ ... وموقع ذا السحاب على سحاب
حمالة السيف, بالكسر, وهي مأخوذة من الحمل, يقال: حمالة ومحمل, قال الراجز:
نحن ضربنا مخلدًا في هامته ... بصارمٍ أوفى على علاوته
حتى هوى يعثر في حمالته ... ياثكل أميه وثكل خالته
يجوز أن يعني بأميه أمه وجدته, أو أمه وعمته, أو أمه وظئره التي أرضعته. والحسام من أسماء السيف, وهو وصف في الأصل من قولهم: حسم إذا قطع, وربما أدخلوا فيها الهاء فقالوا: حسامة, ويقولون: حساماه في معنى حديه. قال الشاعر: [الطويل]
وعندي حساما سيفه وحمائله
стр. 59
ومن أبيات أولها
تجف الأرض من هذا الرباب ... ويخلق ما كساها من ثياب
وهي في وزن ما قبلها. يقال: جف الثوب يجف, بكسر الجيم, وهي اللغة العالية, وحكى الكسائي: جف يجف, يقال على اللغة الأولى: جففت يا ثوب, وعلى اللغة الثانية جففت. والرباب: سحاب دون السحاب الأعلى. قال الشاعر: [المتقارب]
كأن الرباب دوين السحاب ... نعام يعلق بالأرجل
ويقال: خلق الثوب وأخلق.
وقوله:
تسايرك السواري والغوادي ... مسايرة الأحباء الطراب
السواري: السحب التي تمطر بالليل؛ لأن السرى مخصوص بها المسير في الليالي دون الأيام, والغوادي ما غدا من السحب. وكأن السير كلمة عامة والسرى كلمة مخصوصة.
وقد استعمل أبو الطيب السير هاهنا لسواري السحب, وقوى ذلك أنه أشرك معها الغوادي, إلا أنه غير الممتنع أن يقال ساروا ليلًا, كما يقال: سروا.
والأحباء: جمع حبيبٍ, وهو جمع قليل على رأي أبي زيد, ولم يذكره النحويون في أبنية الجموع القليلة, فأما الأحبة فجمع قليل بلا اختلاف, والطراب جمع طرب, وهو الذي تأخذه خفة من الفرح أو الحزن.
стр. 60
ومن التى أولها
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا
وهي من الطويل الأول, وقافيتها من المتواتر.
الربع: المنزل في كل الأحيان, والمربع: المنزل (٩/أ) في الربيع خاصة.
وقوله:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلم ربه ركبا
الركب: جمع راكب, وهم أصحاب الإبل خاصة, كذلك يقول أصحاب النقل, فإذا جاؤوا بالفعل قالوا: ركب, [ثم] توسعوا في هذه الكلمة فقالوا: ركب الناقة والفرس والحمار وغير ذلك. فإذا قالوا: أركوب فقد اختلفوا فيه فقيل: الأركوب مثل الركب, وقيل: هو أكثر منه, وقيل بل الركب أكثر من الأركوب, وإذا صغروا الركب قالوا: ركيب, قال الشاعر: [الطويل]
وأين ركيب واضعون رحالهم ... إلى أهل نارٍ من أناسٍ بأسودا
وقوله:
نذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا
السحاب: جمع سحابة, وكل جمع ليس بينة وبين واحده إلا الهاء يجوز أن يحمل على
стр. 61
التوحيد فيقال: هذا تمر طيب, وإن قيل: هذا تمر طيبة فحسن.
وقوله: الغر قد جاء بالنعت مجموعًا, ولو قيل: السحاب الأغر لكان صوابًا, ومثل مجيء النعت مجموعًا قوله تعالى: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ , ولو أنه في غير كتاب الله سبحانه لجاز أن يقال: السحاب الثقيل.
وقوله:
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى ... إذا لم تعد ذاك النسيم الذي هبّا
قالوا: أصيل وأصائل, قال الهذلي: [الطويل]
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
ويقال: أصل, وزعم بعضهم أنه جمع أصيلٍ, مثل: رغيفٍ وزغفٍ, وقال بعضهم: بل هو واحدٌ والجمع آصال, وقالوا: أصيل وأصلان, كما قالوا: رغيف ورغفان, وقالوا في التصغير: أصيلان, وأبدلوا اللام من النون فقالوا: أصيلال.
وكان الفراء يقول: إن أصيلالاً تصغير آصال, وإنهم جعلوا زيادة اللام عوضًا مما حذفوه؛ لأنهم لو جاؤوا به على الأصل لقالوا: أو يصال, وكان يشبّهه بقولهم: دهر وأدهر ثم قالوا: دهارير, كأنه يذهب إلى أنهم أرادوا: أداهير.
والضحى: مؤنثة, وتصغيرها عندهم ضحي, وهذا خلاف ما أصلوه في مؤنث الثلاثي؛
стр. 62
لأنهم يرون زيادة الهاء, فيقولون: شمس وشميسة, وقدم وقديمة, واحتجوا في أنهم قالوا في تصغير ضحى ضحي, فلم يزيدوا الهاء بأنهم فعلوا ذلك ليفرقوا بين تصغيرها وبين تصغير ضحوة, وقالوا: فعل كذا ضحوًا في معنى ضحى, فيجوز أن يكون قولهم: ضحي تصغير ضحو. قال الشاعر: [الطويل]
طربت وهاجتك الحمام السواجع ... تميل بها ضحوًا غصون نوايع
والنسيم: أول الريح, ولا يكون إلا ضعيفًا.
وقوله:
فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما أصبا
حذف الياءات التي للإضافة وهي اللغة الجيدة, ويجوز في غير هذا الموضع: فيا شوقي بياء ساكنة ويا شوقي بياء مفتوحة, ويا شوقًا بياء منقلبة إلى الألف, وقوله: يا لي: يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أراد اللام المفتوحة التي للاستغاثة, كما يقال: يال فلان, ويال بكرٍ. والآخر أن يكون أراد اللام المكسورة التي تكون في المستغاث من أجله كأنه قال: يا قوم اعجبوا لي من النوى.
وقوله: ما أجرى, وما أصبى, وما أبقى: كله على إرادة الكاف, كأنه أراد ما أبقاك, وما أجراك, وما أصباك, وحذف لعلم السامع.
وقوله:
لقد لعب البين المشت بها وبي ... وزودني في السير ما زود الضبا
أشبه ما يقال في هذا البيت أنهم يزعمون أن الضب إذا خرج من بيته فبعد لم يهتد للرجوع فيقال: «هو أحير من ضب» , «وأبله من ضب». ويجوز أنه يعني أنه لم يزود شيئًا كما أن الضب لا يزود, وخص الضب؛ لأنه لا يحتاج إلى الماء, وكأنه يزود ماءً ولا غيره.
стр. 63
وقوله:
عليم بأسرار الديانات واللغى ... له خطرات تفضح الناس والكتبا
اللغى: جمع لغةٍ, ردت في الجمع إلى الأصل, كأنها لغوة, وربما قالوا في الجمع: لغين, كما قالوا: ثبة وثبين, وقالوا: لغات, وهو المعروف, وقال الشاعر في لغين: [الطويل]
وصهب اللحى شتى اللغين كأنهم ... ضفادع جياتٍ لهن نقيق
(٩/ب) وقوله:
فبوركت من غيثٍ كأن جلودنا ... به تنبت الديباج والوشي والعصبا
الديباج: كلمة معربة, وقد استعملوها في الكلام القديم, وقالوا: دبجه الغيث؛ أي: أظهر فيه زهرًا وألوانًا مختلفةً. والوجه كسر الدال من ديباج, وقد حكي فتحها, وهي رديئةً, وقالوا في الجمع: ديابيج. قال ذو الرمة: [الطويل]
يلس الندى حتى كأنه سراته ... عليها دهان أو ديابيج تاجر
والوشي: كل ما كان فيه ألوان مختلفة. والعصب: صله الغزل, ثم قيل للثياب: عصب لأنها تنسج منه. والعصاب: الغزال, كذلك فسروا قول رؤبة: [السريع]
طي القسامي ثياب العصاب
والأشبه أن يكون العصاب هاهنا بائع الثياب التي تسمى عصبًا أو ناسجها.
стр. 64
وقوله:
ومن واهبٍ جزلًا ومن زاجرٍ هلا ... ومن هاتكٍ درعًا ومن ناثرٍ قصبا
هلا: من زجر الخيل, فإن شئت نونت, وإن شئت لم تنون, وقد أخرجوه من زجر الخيل فاستعملوه للآدميين, قالت الأخيلية: [الطويل]
وأي حصانٍ لا يقال لها هلا
والجزل: أصله في الحطب, وهو ما غلظ منه. قال حاتم الطائي: [الطويل]
ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزلٍ إذا أوقدت لا بضرام
ثم قالوا: عطاء جزل؛ أي: كثير, والقصب: المعى, وربما قالوا: هو النصف الأسفل مما في البطن. قال الشاعر: [الطويل]
تمشي بها الدرماء تسحب قصبها ... كأن بطن حبلى ذات أونين متئم
стр. 65
وقوله:
وهل رد عنه باللقان وقوفه ... صدور العوالي والمطهمة القبا
المطهم: الحسن الخلق من الخيل والناس. وقالوا: مطهم. قال النمر بن تولب: [المتقارب]
فأحبلها رجل نابه ... فجاءت به جعظرًا مطهما
الجعظر: الكثير العظل واللحم, والقب: جمع أقب وقباء, وهو الذي لحق بطنهُ بخاصرته, وأكثر ما يقال: أقب, وربما قالوا: بطن مقبوب. قال الشاعر: [البسيط]
فاليد سابحة والرجل ضارحة ... والعين قادحة والبطن مقبوب
وقوله:
مضى بعدما التف الرماحان ساعةً ... كما يتلقى الهدب في الرقدة الهدبا
ثنى الرماح؛ لأنها من حيزين: حيز الروم وحيز المسلمين, وربما ثنوا هذا الجمع الذي له وزن في الآحاد, مثل: رماح وجمال؛ لأنهما على وزن حمار وعذار, ويقبح أن يقولوا في مساجد مثل ذلك؛ لأن مساجد جمع لا نظير له في الآحاد. قال أبو النجم: [الرجز]
стр. 66
تبقلت في أول التبقل ... بين رماحي مالكٍ ونهشل
وقال الآخر: [البسيط]
سعى عقالًا فلم يترك لنا سبدًا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
لأصبح الحى أوبادًا ولم يجدوا ... عند التحمل للهيجا جمالين
والهدب: ما نبت على شفر العين من الشعر.
وقوله:
ولكنه ولى وللطعن سورة ... إذا ذكرتهما نفسه لمس الجنبا
أصل السورة الوثبة والعلو, وفيه ساوره الأسد؛ أي: واثبه, وقالوا: سور المدينة لارتفاعه.
وقوله: إذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا؛ أي: يظن أنه قد طعن فيلمس جنبه هل فيه طعنة أم لا, وهذا نحو من قول الحكمي: [المنسرح]
إذا تفكرت في هواي له ... مسست رأسي هل طار عن جسدي
وقوله:
وخلى العذارى والبطاريق والقرى ... وشعث النصارى والقرابين والصلبا
العذارى: جمع عذراء, وهي التي لم تقتض من النساء. وقالوا: درة عذراء, فزعم
стр. 67
بعض أهل العلم أنهم وصفوها بذلك؛ لأنها إذا فتحت عنها الصدقة وجد معها ماء قيل, يذهب إلى أن ذلك الماء مثل الدم الذي يسيل من المقتضة, ويجوز أن يكون قولهم عذراء؛ لأن الذي ظفر بها لم يظفر بها أحد قبله. ويقال في الجمع: عذارٍ مثل صحارٍ, إلا أن عذارى أكثر. والبطاريق: جمع بطريق, وهو صاحب هذه الرتبة من الروم, وكانت العرب تسمع أن البطاريق من أجلاء الروم, فإذا وصفوا الرجل منهم بالفضل قالوا: بطريق؛ أي: هو جليل مثل بطريق (١٠/أ) الروم, قال أبو ذؤيب: [الطويل]
هم رجعوا بالحزم حزم نبايع ... هوازن يحدوها كماة بطارق
والقرى: جمع قرية, وهو جمع شاذ؛ لأن فعلة لا تجمع على فعلٍ إلا في شذوذ. قالوا: لأمة للدرع والجمع لؤم, ودولة والجمع دول في حروف قليلة, وإنما سميت القرية قرية؛ لأنها موضع يجتمع فيه أهله كأنها مأخوذة من قريت الماء في الحوض إذا جمعته. والنصارى: جمع نصران, كما قالوا: سكران وسكارى, وقالوا للأنثى: نصرانة, قال الشاعر: [الطويل]
فكلتاهما خرت قليلًا وأسجدت ... كما سجدت نصرانة لم تحنف
والقرابين: جمع قربان, والأشبه أن يكون من قرابين الملك؛ أي: جلسائه, وواحدهم قربان, قال الشاعر: [الوافر]
وما لي لا أحبهم ومنهم ... قرابين النبي بنو قصي
ويجوز أن يكون أرد بالقرابين جمع قربانٍ, وهو ما يتقرب به النّصارى في دينهم.
стр. 68
وقوله:
أرى كلنا يبغي الحياة لسعيه ... حريصًا عليها مستهامًا بها صبا
المستهام: الذي يغلب عليه الحب, فيذهب على وجهه في الأرض, يقال: هام يهيم واستهامه الحب.
والصب: أخو الصبابة, وهي رقة الهوى, وقيل: رقة الشوق, والمعنى متقارب. يقال: صب الرجل يصب فهو صب, ويجوز أن يكون صب على فعلٍ, وأصله: صبب, فادغم. قال الهلالي: [البسيط]
بانوا فلست, على أني أصب بهم ... أدري إلى أي صرفي نيةٍ عتكوا
وقوله:
فأضحت كأن السور, من فوق بدؤه ... إلى الأرض, قد شق الكواكب والتربا
فوق هاهنا: غاية, والمعنى أنه وصف بناء هذا الموضع بالعلو, وأنه قد تناهى بانيه, فكان أعلاه في السماء, وأسفله قد شق الأرض.
وقوله:
تصد الرياح الهوج عنها مخافةً ... وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبا
يقال: ريح هوجاء, فقيل: هي الدائمة الهبوب, وقيل: هي التي تجريء من كل ناحيةٍ, والأشبه أن تكون ذات الهبوب الدائم؛ لأنها شبهت بالناقة الهوجاء, وهي التي تركب رأسها في السير. قال ابن أحمر في صفة الريح: [الكامل]
стр. 69
ولهت عليه كل معصفةٍ ... هوجاء ليس للبها زبر
وقوله:
وتردي الجياد الجرد فوق جبالها ... وقد ندف الصنبر في طرقها العطبا
ردى الفرس يردي, وهو عدو يرجم فيه الأرض بحوافره. وهذه الحكاية تردد عن الأصمعي كثيرًا, وهو أنه قال: سألت منتجع بن نبهان عن الرديان فقال: عدو الحمار بين آرية ومتمعكه ثم استعاروا الرديان في غير الخيل, وقالوا في أحجيّة لهم: أحاجيك؛ ماذو ثلاث: آذان يسبق الخيل بالرديان. يعنون السهم.
والصنبر هاهنا واحد الصنابر, وهي شدة البرد. قالت الأخيلية: [الطويل]
ولا تأخذ الكوام الجلاد سلاحها ... لتوبة في صر الشتاء الصنابر
وهذا أشبه من أن يكون الصنبر اليوم من أيام العجوز, الذي هو مذكور في البيت المعروف: [الكامل]
стр. 70
كسع الشتاء بسبعة غبر ... بالصن والصنبر والوبر
لأن هذا اليوم يجيء في آخر الشتاء, والبرد في وسطه أشد. والعطب, بسكون الطاء وضمها: القطن. يريد أن الثلج قد وقع على الجبال فكأنه ما ندف من القطن.
وقوله:
كفى عجبًا أن يعجب الناس أنه ... بنى مرعشًا تبًا لآرائهم تبا
تبا لآرائهم: أي: خسرانًا.
وقوله:
ولكن نفاها عنه غير كريمةٍ ... كريم النثا ما سب قط ولا سبا
النثا: ما يظهر من الحديث الحسن أو الشنيع. يقال: نثا الحديث ينثوه نثوًا.
وقوله:
وجيش يثني كل طودٍ كأنه ... خريق رياحٍ واجهت غصنًا رطبًا
الطود: الجبل, وادعى أن الجيش يثني الطود كما تثني الريح الخريق الغصن, وهذا من المبالغة التي يعدها الشعراء من بديع النظام, وهي كذب في الحقيقة. والريح الخريق: الدائمة الهبوب, وقيل: هي التي يسمع لها صوت, قال الشاعر: [الوافر]
كأن هوية خفقان ريحٍ ... خريقٍ بين أعلامٍ طوال
стр. 71
ومن أبيات أولها
ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبًا ... فداه الورى أمضى السيوف مضاربا
وهي من الطويل الثاني على رأي الخليل, وعلى رأي غيره من أول ضروب السحل الأول, لأن صاحب السحل يجعل الضرب الثاني في قول الخليل مقدمًا على الضرب الأول, وقافيتها من المتدارك.
قوله: (١٠/ ٥)
ومالي إذا ما اشتقت أبصرت دونه ... تنائف لا أشتاقها وسباسبا
التنائف: جمع تنوفةٍ, وهي الأرض المقفرة, ولم يصرفوا منها فعلًا. والسباسب: جمع سبسبٍ, وهي الأرض التي لا شيء فيها, وربما قالوا: سبسب مقلوب عن بسبسٍ, والمعنى واحد.
وقوله:
حنانيك مسؤولًا ولبيك داعيًا ... وحسبي موهوبًا وحسبك واهبًا
حنانيك: تستعمل مثناة, وهي موضوعة موضع المصدر, كأنهم قالوا: افعل حنانًا بعد حنانٍ, أو تحنن حنانًا بعد حنانٍ, وقد قالوا في الواحد: حنان. قال امرؤ القيس:
ويمنحها بنو شمجى بن جرم ... معيزهم حناك ذا الحنان
أي رحمتك يا ذا الرحمة, وهو مأخوذ من قولهم حنت الناقة على ولدها, وحنت إليه؛ أي: رقت له, قال الحطيئة: [المتقارب]
تحنن علي هداك المليك ... فإن لكل مقامٍ مقالا
стр. 72
ولبيك: كلمة مثناة مأخوذة من قولهم: لب الشيء, وألب به إذا لزمه. فهذا مذهب سيبويه. وكان يونس يذهب إلى أن ياء لبيك منقلبة من ألف, يذهب إلى أنها جارية مجرى على وإلى, تقول: على لان وإلى فلان, فإذا جئت بالمضمر قلت: عليك وإليك وأنشد سيبويه: [المتقارب]
دعوت لما نابني مسورًا ... فلبي فلبي يدي مسور
وكأنه يريد بهذا قول يونس؛ لأنه لو كان كما زعم لوجب أن يقول فلبا يدي مسور بألف. وحسبي كلمة معناها الكفاية. ويقال: حسبي الله, أي: كافي, وحسبي هذا الشيء أي قد كفاني. وهذه المنصوبات التي في البيت كقوله: مسؤولًا وواعيًا, الأحسن أن تكون منصوبة على التمييز, ولا يمتنع نصبها على الحال وقوله:
أهذا جزاء الصدق إن كنت صادقًا ... أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا
هذا بيت فيه عتب شديد على سيف الدولة. يقول: أهذا الفعل الذي فعلت بي من الإبعاد والإخافة جزاء مدحي لك. فإن كنت صادقًا فما يجب أن تجازيني على صدقي بقبيحٍ, وإن كنت كاذبًا فإكرامي يجب أكثر مما يجب على الصدق؛ لأني تقولت لك من المكارم ما ليس فيك.
стр. 73
ومن بيتين أولهما
أحسن ما يخضب الحديد به ... وخاضبيه النجيع والغضب
وهما من المنسرح الأول في قول الخليل, ومن الطلق السادس في قول غيره, وقافيتهما من المتراكب.
النجيع: تختلف العبارة فيه, فيقولون مرة هو الدم الخالص, ومرةً هم الدم الأحمر, ومرة هو دم الجوف. وخاضبيه: معطوف على قوله: ما يخضب؛ أي: أحسن خاضبي الحديد الدم والغضب, وإن جعل (خاضبيه) منصوبًا على أنه مفعول معه فلا يمتنع.
وقوله:
فلا تشيننه بالنضار فما ... يجتمع الماء فيه والذهب
النضار: الخالص من كل شيء, وقد صار اسمًا للذهب, والمعنى أن الحديد إذا أذهب ستر الذهب الماء الذي هو من غريزته الأصلية, وكأن الشاعر اختار أن يترك على هيئته التي بها يقطع ويحمد, ولا يغير عن تلك الحال.
ومن التي أولها
أيدري ما أرابك من يريب ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب
وهي من الوافر على رأي الخليل, ومن ثاني السحل الرابع على رأي غيره, وقافيتها من المتواتر.
يقال: أرابه ورابه بمعنىً. قال الشاعر:
стр. 74
وقد رابني من صاحبي أن صاحبي ... يليح على قرصٍ ويبكي على جمل
وقال جميل: [الطويل]
بثينة قالت يا جميل أربتني ... فقلت كلانا يابثين مريب
وقال قوم: رابني إذا عرفت فيه الريبة, وأرابني إذا ظننتها به, وأنشدوا هذا البيت:
[الطويل]
أخوك الذي إن ربته قال إنما ... أربت وإن عاتبته لان جانبه
والخطوب: الأمر العظام.
وقوله:
يجمشك الزمان هوىً وحبًا ... وقد يؤذى من المقة الحبيب
стр. 75
زعم قوم أن التجميش كلمة مولدة, وإنما يراد به قرص غير مؤلم, وقال قوم: هو مأخوذ من الجمش, وهو الحلب بإصبعين, كأنهم أرادوا أنه مس برفقٍ. والمقة: محذوفة الواو, وهي من قولهم: ومقة مقةً, وأصلها: ومقة, ولو صغرتها لقلت: وميقة.
وقوله: (١١/أ)
وأنت الملك تمرضه الحشايا ... لهمته وتشفيه الحروب
الحشايا: جمع حشيةٍ, وهي فراش محشو, وهي معدولة عن محشوة, قال عنترة:
[الكامل]
تمسي وتصبح فوق ظهر حشيةٍ ... وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
وادعى لسيف الدولة أن الحشايا تمرضه, وأن الحروب تشفيه؛ وذلك من الكذب الذي اصطلح عليه أصحاب النظم, واستحسنوه في صناعة الشعر.
وقوله:
وما بك غير حبك أن تراها ... وعثيرها لأرجلها جنيب
الهاء في تراها عائدة على الخيل, أضمرها قبل الذكر لعلم السامع بما يريد, والعثير: الغبار, يقول: ما بك داء إلا حبك أن ترى الخيل والغبار طائر من تحت أرجلها, وهو يتبعها كأنه جنيب لها.
следующие страницы →