← Адаб

Адаб · id 29591

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

أبو العلاء المعري

Полный текст (1 484 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقوله: وفارس الخيل من خفت فوقرها ... في الدرب والدم في أعطافها دفع يريد: فارس فرسان الخيل, فحذف المضاف لعلم المخاطب بما يريد القائل. وخفت, (١٠٠/أ) وإن كان ظاهره للخيل, فالمعني به الفوارس؛ لأن الخفة إذا أريد بها التسرع وضد الحلم, فإنما يستعمل ذلك في الإنس. والتوقير: التفعيل من الوقار, يقال: قر الرجل, ووقر, ووقره غيره, وكذلك وقر الفرس والدابة. قال الراجز: وذكر بعيرًا: [الرجز] يكاد ينسل من التصدير ... على مدالاتي والتوقير والمدالاة: الرفق والمداراة. والدفع: جمع دفعةٍ, وهي دم يخرج بكثرةٍ, وإنما يريد أنها تطعن أو تضرب بالسيف فيندفع منها الدم, ويحتمل أن تكون الدفع التي تصيب أعطافها من دماء من يقتل على معنى الادعاء, والأول أشبه. وقوله: وأوحدته وما في قلبه قلق ... وأغضبته وما في لفظه قذع أوحدته: أي: افترقت عنه وتركته وحيدًا, والقذع: ما لا يبنغي من القول كالشتم وما يجري مجراه؛ كأن هذه الخيل لما انهزمت أغضبت الممدوح, فلم يحمله الغضب على أن يقول كلامًا فيه قذع. يقال: ما بيننا أجل من القذع. والقذع, بسكون الذال, والتحريك أجود, وبيت زهير ينشد على وجهين: [البسيط] ليأتينك مني منطق قذع ... باقٍ كما دنس القبطية الودك ينشد: قذع, بكسر الذال, وقذع, بفتحها. وقوله: بالجيش تمتنع السادات كلهم ... والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع يقال للقوم يجتمعون للحرب: جيش, وهو اسم, أصله مصدر مأخوذ من قولهم: جاش

стр. 667

البحر يجيش جيشًا إذا زخر, أرادوا أن الأرض تجيش بهم إذا كانوا كموج البحر, ويجوز أن يكون من قولهم: جاش الصدر بالحقد؛ أي: هؤلاء القوم غضاب, فصدورهم تجيش كما تجيش المراجل, قال الشاعر: [الكامل] إلا بجيشٍ لا يكت عديده ... سهكين من صدأ الحديد غضاب وقوله: قاد المقانب أقصى شربها نهل ... على الشكيم وأدنى سيرها سرع المقنب: ما بين الثلاثين إلى الأربعين, يزعم قوم أنه لا يقال إلا للفرسان, وقيل: بل يقال للفوارس وللرجل, وكان السليك بن السلكة يقال له: سليك المقانب, يريدون أنه يغزو فيها, أو يقاتلها, قال الشاعر: [الطويل] لزوار ليلى منكم آل برثنٍ ... على الهول أمضى من سليك المقانب والنهل: أول الشرب. والشكيم: جمع شكيمة اللجام, يقال: شكيمة وشكيم, كما يقال: شعيرة وشعير, وشكيمة وشكائم, كما يقال: صحيفة وصحائف, وشكيمة وشكم, كما يقال: صحيفة وصحف. والسرع: كسر السين فيه أفصح, وحكى ابن الأعرابي أنه يقال بالفتح. والمعنى أن الممدوح قاد المقانب وهو لا يمكنها من الشرب؛ لأنه على عجلٍ, فهي تقتصر على أول الجرع, وتشرب واللجم في أفواهها؛ لإيثار التقدم. وقوله: لا يعتقي بلد مسراه عن بلدٍ ... كالموت ليس له ري ولا شبع

стр. 668

يعتقي في معنى يعتاق, يقال: عاقه عن كذا وعقاه, فهو عائق وعاقٍ. وقال الطهوي: [الوافر] فلو أني سمعتك حين تدعو ... لعاقك عن لقاء الحي عاق وقوله: حتى أقام على أرباض خرشنةٍ ... تشقى به الروم والصلبان والبيع الأرباض: جمع ربضٍ, وهو ما حول المدينة, والربض: المدينة نفسها, وقيل: بل هو ما تشمل عليه. والصلبان: جمع صليب, وهو في معنى مصلوبٍ في الأصل؛ لأن الذين يتخذونه يزعمون أن المسيح صلب, فهم يعظمون هذا المتخذ لذلك. والبيع: جمع بيعةٍ, وهي كلمة تشبه كلام العرب؛ فيجوز أن تكون من البيع, والبيع عندهم من الأضداد, فكأنهم يريدون أنهم يبيعون فيها الكفر بالإيمان. والبيع يشتمل على أخذ شيءٍ وإعطاء من يؤخذ منه عوضه. واسم البيعة يحتمل الوجهين, أن تكون من الشراء ومن البيع, أي: كأنهم يشترون الآخرة بالدنيا وتركها. وقالوا: بايع القوم الخليفة, وهم يذهبون إلى هذا الوجه كأنهم باعوه أنفسهم بما يعطيهم, ولايبعد أن البيعة التي هي أخذ العهد لما كان التابع فيها يأخذ يد المتبوع معاقدًا له على الوفاء, شبه ذلك بالمبايعة في التجارة والأسواق. وقوله: للسبى ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا لو أن الكلام (١٠٠/ب) منثور لكان الوجه أن يقال: للسبي ما نكحوا, وللقتل ما ولدوا؛ فتعاد اللام في الجمل الثلاث التي بعد الجملة الأولى, وحذفها في هذا الموضع يسميه النحويون: العطف على عاملين, وهما اللام والابتداء؛ لأن المعنى: ما نكحو للسبي, ومثله قولهم: أخوك في الدار, والبيت أبوك, يريدون: وفي البيت. وأصحاب سيبويه يختلفون في مذهبه؛ فيذهب قوم إلى أنه كان يجيز العطف على عاملين, وبعضهم ينكر ذلك.

стр. 669

وقوله: للسبي ما نكحوا, والقتل ما ولدوا وأوقع «ما» على الإنس؛ لأنها تقع على صفات الآدمييت, فإذا قال القائل: ما أميركم؟ جاز أن يقول له: طويل أو قصير أو جائر أو عادل, وإذا قال القائل: ما نكح بنو فلان؟ جاز أن يقال له: العجز أو الشواب أو الحسان أو القباح, فتقع «ما» على الصفات, وكذلك إذا قيل: ما ولدوا؟ جاز أن يقال: الجبناء أو الشجعاء, وما هو مجانس هذا اللفظ. وقوله: مخلًى له المرج منصوبًا بصارخةٍ ... له المنابر مشهودًا بها الجمع مخلًى في موضع نصبٍ على الحال, والهاء في له عائدة على الممدوح, والمرج: اسم ما لم يسم فاعله, وهو مأخوذ من قولهم: مرجت الخيل بعضها مع بعض إذا أرسلتها في رعيٍ أو غيره, وكل أمرٍ أهملته فقد مرجته, ومنه قولهم: «أمر مريج»؛ أي: مخلى مختلط. وقيل للموضع الذي تخلى فيه الخيل ونحوها للرعي: مرج, لما كان يمرج فيه. وصارخة اسم قد وافق فاعلةً من الصراخ. والجمع: جمع جمعة, يقال: جمعة وجمعة, وقد قرئ بهما إلا أن أكثر القراء على ضم الميم, ويقال: إن بني عقيلٍ يقولون: جمعة, فيفتحون ميمها, وإنما أخذت من اجتماع الناس فيها للصلاة أو لغيرها, وكانت العرب تسميها عروبة غير مصروفةٍ, قال الشاعر: [الكامل] يوم كيوم عروبة المتطاول وأدخل عليها القطامي الألف واللام فقال: [البسيط] نفسي فداء بني أم هم خلطوا ... يوم العروبة أورادًا بأوراد وكان ينبغي إذا حمل الأمر على القياس أن تكون الجمعة اسمًا حدث في الإسلام,

стр. 670

ولكن الأمر ليس كذلك, وسموا الأيام الخمسة بأسماءٍ مأخوذةٍ من العدد فقالوا: الأحد والاثنان والثلاثاء والأربعاء والخميس, فلو اطردت التسمية لوجب أن تسمى الجمعة باسمٍ مشتق من الستة, ويسمى السبت باسمٍ مشتق من السبعة؛ لأن الجمعة سادسة, والسبت سابع. والله أعلم بحقيقة الأمور. فأما السبت فقيل: إنه مأخوذ من سبت الشيء إذا قطعه؛ لأنه آخر الأيام, فكأنها تنقطع عنده, ثم يبتدأ بغيرها. ولو كان الناس مجمعين على ما يفعله اليهود في يوم السبت من التودع والراحة لجاز أن يكون السبت من ذلك؛ لأنهم سموا النوم سباتًا؛ لأنه يستراح فيه. ويقال: سبتت المرأة شعرها إذا مدته وبسطته؛ لأن ذلك كالراحة له, قال الشاعر وذكر الشعر: [الطويل] وإن سبتته مال جثلًا كأنه ... سدى ناسجاتٍ من نواسج خثعما وقوله: يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع هذا بيت زاد فيه أبو الطيب على من قبله من الشعراء؛ لأن هذا البيت يروى للأفوه: [الرمل] وترى الطير على آثارنا ... رأي عينٍ ثقةً أن ستمار ثم قال النابغة: [الطويل] إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب ثم قال الحكمي في الإسلام: [المديد] تتآيا الطير غدوته ... ثقةً بالشبع من جزره وهؤلاء الشعراء الثلاثة لم يزد أحدهم على الآخر في الصفة, وإنما الفضيلة لمن سبق منهم. وقد جعل علقمة بن عبدة الطير تتبع الحي المحتملين؛ لأنهم يزينون الهوادج بحمر

стр. 671

الثياب فتحسبها الطير محمرةً لأجل الدم؛ وذلك قوله: [البسيط] عقلًا ورقمًا تظل الطير تتبعه ... كأنه من دم الأجواف مدموم وقوله: ولو رآه حواريوهم لبنوا ... على محبته الشرع الذي شرعوا (١٠١/أ) الحواريون: هاهنا مراد بهم أصحاب عيسى ﵇ الذين ذكروا في القرآن في غير موضع, وزعم المفسرون أنهم سموا حواريين؛ لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب, أو لعلهم كانوا يبيضون لباسهم إيثارًا للطهارة, وإزالة الدنس, كما يفعله المتدينون, أو لأنهم كرهوا أن يلبسوا ما يلبسه المثرون من الثياب الحمر والصفر والموشية. وقيل لهذا الضرب من الخبز حوارى لبياضه, وفي الحديث المأثور عن النبي ﷺ : «الزبير ابن عمتي وحوايي من أمتي». وأصحاب الحديث يزعمون أن الحواري هاهنا مثل الوزير, فإذا أخذ بهذا القول فيجوز أن يكون قيل له: حواري؛ لأنه يحاور صاحبه, ويشاوره في الأمور, فيكون اشتقاقه من المحاورة التي هي مراجعة الكلام, ولا يمتنع أن يكون النبي ﷺ شبه أصحابه بالحواريين الذين كانوا مع المسيح, صلى الله عليه, فأما قول اليشكري: [الطويل] فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا يبكنا إلا الكلاب النوابح فأصحاب اللغة يزعمون أن الحواريات في هذا البيت نساء الأنصار سمين بذلك لبياضهن, وإذا أريد بهذا المعنى البياض؛ جاز أن تكون الحواريات واقعةً على كل امرأةٍ بيضاء

стр. 672

من أهل الأمصار وغيرهن. ولما مدح ذو الرمة بلال بن أبي بردة جعل جده أبا موسى الأشعري حواريًا للنبي ﷺ فقال: [الوافر] حواري النبي ومن أناسٍ ... هم من خير من وطئ النعالا ويقال: شرع النبي شرعًا للأمة: إذا جعل لهم دينًا يتبعونه, وهي الشريعة, ومعنى البيت: أن الحواريين الذين ذكروا في الكتاب العزيز لو رأوا هذا الممدوح لجعلوا شرعهم مبنيًا على محبته؛ أي كانوا يأمرون من تبعهم أن يجعل محبته من الديانة, وهذا غلو يجب أن يستغفر منه. وقوله: ذم الدمستق عينيه وقد طلعت ... سود الغمام فظنوا أنها قزع يقال في المنثور: عينيه, بهاءٍ مكسورةٍ, وهي أفصح اللغات. ويجوز أن تتبع الكسرة بياءٍ لتبين. وضم الهاء جائز, وإن كان قبلها ياء, فيقال: عينيه, ويتبعون الضمة واواً حرصاً على البيان في بعض اللغات. والشعراء يصرفون هذه الهاء على ما يحتمله الوزن, فإن كان يحتاج إلى أن تتبع ياء كراهة زحافٍ أو كسرٍ جاؤوا بالياء, وهذا الموضع جيء بها فيه لأنها لو تركت لحدث في البيت زحاف يكرهه السمع. ولو ضم الهاء منشد لوجب أن يتبعها واواً؛ لأنه إذا لم يفعل حدث ذلك الزحاف. والقزع: سحائب مفترقة, وفي الحديث: «فعندها يضرب يعسوب الدين بذنبه فتجتمع إليه فرق المسلمين كما يجتمع قزع الخريف». ويقال للشعر المفترق في الرأس: قزع. وفي الحديث المأثور: «أنه نهى عن القزع» وذلك أن يحلق الرأس ويترك في نواحيه شيء من الشعر. ومنه اشتقاق القنزعة والنون زائدة, وتستعمل القنزعة في الشعر والريش. قال ذو الرمة: [الطويل]

стр. 673

ينؤن ولم يكسين إلا قنازعًا ... من الريش تنواء القلاص الهزائل والمعنى أن أوائل جيش هذا الممدوح نظر إليها الدمستق فظن أنها خيل قليلة, مثل قزع السحاب ولم يعلم أنها في جيشٍ لجبٍ كأنه الغمائم السود في ألباس السماء, ويجوز أن يعني بالقزع غبارًا قليلًا مفترقًا وبسود الغمام عجاجًا ساترًا. وقوله: فيها الكماة التي مفطومها رجل ... على الجياد التي حوليها جذع أصل الجذع أن يستعمل في أسنان الخيل, وذوات الحافر, وفي الإبل, وغيرها من الضأن والمعز؛ إلا أنها كلمة كثرت حتى قالوا للأمر إذا كان قد أدبر أو خلص منه, ثم فعل فاعل ما يرده: قد رده جذعًا؛ أي: أعاده في أوله, ويقولون في الحرب: ردها جذعةً؛ أي: ردها في أول أمرها, ثم اتسعوا في الحرب, فقالوا: حرب رباعية (١٠١/ب) , فيجوز أن يريدوا تشبيهها بالرباعية من الدواب؛ لأنها أقوى من الجذعة. قال الشاعر: [المديد] إنها حرب رباعية ... مثلها آتى الفتى ذكره وقال آخر: [البسيط] لأصبحن ظالمًا حربًا رباعيةً ... فاقعد لها ودعن عنك الأظانينا وزعم بعض الناس أن أصل قولهم: ردها جذعةً أن رجلًا حذف ذنب فرسه وعرفها, فقيل: ردها جذعةً؛ أي: كأنها لم تسن, ولم يطل شعر ذنبها وعرفها. والجذاع حي من بني تميم بن مر وهم المعنيون في قول الشاعر: [الطويل] أراد حصين أن يسود جذاعه ... فأضحى حصين قد أذل وأقهرا والفطام: يستعمل في الناس, وغيرهم, قال الراجز: [الرجز]

стр. 674

من كل كوماء السنام فاطم تشحى لمستن الذنوب الراذم شدقين في رأسٍ لها صلادم ويقال: فطمت الرجل من كذا إذا كان قد تعود أمرًا فمنعته منه, وكان بعض من رد على أبي الطيب قد ادعى أنه قال: فيه الكماة الذي مفطومها رجل ... على الجياد الذي ... فاستعمل الذي في موضعين؛ وذلك مكذوب لا محالة, ولو صحت الرواية لكان له وجه, وهو أن يجعل الذي مبتدأً ويضمر بعده هو؛ فيكون التقدير: فيها الكماة الذي هو مفطومها رجل, ومثل هذا ما حكاه الخليل عن العرب من قولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا؛ أي: بالذي هو قائل لك. وقالوا للذي تذهب عليه سنة من وقت النتاج: حولي ومحول, وقال امرؤ القيس: [الطويل] من الناعمات البيض لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا ويروى: من القاصرات الطرف. وقال حسان: [الخفيف] لو يدب الحولي من ولد الذر ... ر عليها لأندبتها الكلوم وكثر استعمال ذلك حتى قالوا: حولي الحصى يعنون صغاره, كذلك زعم بعض الناس, ويجوز أن يكون الذين قالوا: أقلب حولي الحصى إنما أرادوا نسبة الحصى إلى ما حول الإنسان لا إلى حول السنة. وقوله: يذري اللقان غبارًا في مناخرها ... وفي حناجرها من آلسٍ جرع اللقان وآلس موضعان في بلاد الروم, واللقان: موافق من العربية لفظ فعالٍ من

стр. 675

لقن الشيء إذا فهمه, وآلس: موافق لفظ فاعلٍ من ألس إذا خان وغش. وحكي عن علي ابن عيسى الربعي, وكان يذكر أنه قرأ ديوان أبي الطيب عليه في شيراز, وأن عضد الدولة أمره بذلك, أنه كان يروي آلس, بضم اللام, فأما رواية الشاميين فبالكسر. ومعنى البيت أنه يصف الخيل بالسرعة فقد وردت الماء بآلس, وسارت حتى جاءت اللقان فأذرى الغبار في مناخرها ومعها بقية من ورد آلس, وهو في حناجرها, وهذه مبالغة عظيمة في الصفة, لا يجوز أن يكون مثلها, ونحو منها قول الأول: [الطويل] خلطن بباقي ماء نخلة غدوةً ... وقد رحن عنه ماء بطن الأميلح وإن القطا الكدري يطلح دونه ... وإن كن قد وافينه غير طلح ولكن أصحاب النظام يرونها من المحاسن. والحنجرة هذه: الناتئة في الحلق. يقولون في جمعها: حناجر, وحنجر, قال الشاعر: [الكامل] منعت حنفية بالأسنة منكم ... تمر العراق وما يلذ الحنجر ويجوز أن تكون النون في حنجرةٍ زائدةً, واشتقاقها من الحجر؛ لأن فيها صلابةً ليست فيها حولها. وقوله: كأنها تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع هذه من المبالغة التي تستحسن في الشعر, وهي موفية على ما قال قيس بن الخطيم: [الطويل] .................. ... يرى قائم من خلفها ماء وراءها

стр. 676

لأن الإنسان قد ينفذ بصره في الشيء الضيق, وفي (يسع) ضمير, كأنه أراد ما يسعها فحذف المضمر, والمعنى دال عليه, وهو يشبه ما قال الآخر في صفة ضربةٍ وأنها قسمت جسم الرجل قسمين: [السريع] فصار ما بينهما نفنف ... يسلكه الفارس والراجل وقوله: تهدي نواظرها والحرب مظلمة ... من الأسنة نار والقنا شمع تحريك الميم في الشمع أجود اللغتين, وقد حسن المعنى جزالة لفظه, وكونه في وزن تام لأن المعنى إذا حصل في الوزن القصير كان أقل لحسنه, وقد سبق إلى هذا المعنى, وروي لعبدالله بن المعتز: [مجزوء الرجز] وشمعةٍ جاء بها الـ ... ـفراش والليل غهب كأنها وما عليـ ... ـها من شعاعٍ ولهب رمح بكف فارس ... فيه سنان من ذهب ولم يقصر (١٠٢/أ) صاحب هذه الأبيات القصار, وهي على ضيق الوزن ليست بالمزدراة. وقوله: دون السهام ودون الفر طافحة ... على نفوسهم المقورة المزع طافحة: من قولهم: طفح المكان بالماء إذا امتلأ حتى يفيض, وطفحت القدر إذا جاشت بالزبد. والمقورة: من الاقورار, وهو مذكور في الأضداد, يجعله بعضهم الضمر, وبعضهم السمن, قال الأفوه: [الرمل] كل قوداء كمرداة الفلا ... وطمر سابحٍ فيه اقورار

стр. 677

فالاقورار: هاهنا الضمر؛ لأن الخيل التي توصف بلقاء الحروب لا يحمد سمنها. وقبل هذا البيت: [الرمل] نحن قدنا الخيل حتى انقطعت ... شدن الأفلاء عنها والمهار فهذا دليل على الضمر. وبيت حميد بن ثور الهلالي يحمل على السمن وهو قوله: [الطويل] وقربن مقورًا كأن وضينه ... بنيقٍ إذا ما رامه الغفر أحجما والمقور: في الحالين مشبه بالقارة, فإذا أريد به الضامر ذهب إلى أنه صلب فهو كالقارة في الصلابة وهي الأكمة الصغيرة, وإذا أريد به السمن فهو مشبه بها في العظم, والصلابة جميعًا. ويجوز أن يحمل المقور إذا أريد به الضمر على قولهم: قرت الأديم إذا قطعته, كأنهم يريدون أن لحمه قطع منه. والمزع: جمع مزوعٍ, يقال: مزع الفرس مزعًا إذا عدا عدوًا سهلًا, وكذلك مزع الظبي. وطافحة يجوز فيها الرفع والنصب, فإذا نصبت فهي حال من الجياد التي تقدم ذكرها, وإذا حمل على هذا الوجه فالمقورة بدل من الضمير الذي في طافحةٍ, ويحتمل أن تكون طافحة حالًا من المقورة, كما يقال: في الدار قائمًا أخوك, وهذا الوجه أحسن من الوجه المتقدم, وترفع المقورة على أنها في تقدير المبتدأ, كأنه قال: دون السهام والفر المقورة طافحةً على نفوسهم. وإذا رفعت طافحة جاز أن تكون المقورة في تقدير المبتدأ, ويكون قوله: دون السهام ودون الفر كالظرف الملغى إذا تقدم فقيل: في الدار قائم أخوك, ومن قال: قائم أخوك وهو يجعل قائمًا مبتدأً وأخوك قد سد مسد الخبر, وهو فاعل جاز أن يرفع المقورة بأنها فاعلة طافحةٍ, وقد سدت مسد خبرها, وطافحة مبتدأ. ويجوز أن يجعل الكلام تامًا عند قوله: طافحة على نفوسهم؛ أي: داهية قد طفحت على النفوس, ثم تجعل المقورة المزع بدلًا منها, والمعنى أن هذه الخيل تدركهم قبل إدراك السهام, وتعجلهم عن الفرار. وقوله: إذا دعا العلج علجًا حال بينهما ... أظمى تفارق منه أختها الضلع أظمى يعنى رمحًا, والظما هاهنا غير مهموزٍ, وهو من قولهم: شفة ظمياء يراد بها

стр. 678

السمرة وقلة اللحم, فإذا قيل للرمح: أظمى أريد به صلابته وسمرته, ويجوز أن يكون قولهم للمرأة ظمياء مأخوذًا من هذا اللفظ, لأنه لو كان من الظمأ الذي هو العطش لوجب أن يقال في المؤنث: ظمأى بالهمز على مثال: سكرى أنثى السكران؛ لأن المذكر: ظمآن, وإذا قيل في صفة الرماح: الظماء احتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من هذا الذي تقدم ذكره, والآخر أن يكون من الظمأ الذي هو العطش؛ لأنهم يصفون الرماح بذلك, ويقولون: الأسل الظماء, والأسل النهال, ورويت الرمح, قال الشاعر: [الطويل] رماني ثلاثًا ثم أني طعنته ... فرويت منه صعدتي وسنانيا وقال حسان: [الوافر] ................ ... على أكتافها الأسل الظماء وقال أبو شجرة السلمي: [الطويل] ورويت رمحي من كتيبة خالدٍ ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا ولا يمتنع أن يكون هذا اللفظان أصلهما واحد؛ إلا أنهم فرقوا بينهما بالهمز, كما قالوا: سبأت الخمر وسبيت العدو. والضلع عندهم أفصح من الضلع, والضلع بسكون اللام وهي لغة معروفة, والضلع مؤنثة, قال الشاعر: [الطويل] هي الضلع العوجاء لست مقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها

стр. 679

واشتقاقها من الضلع, وهو الاعوجاج (١٠٢/ب) يقال: رمح ضلع, وكذلك السيف. قال الشاعر: [الطويل] وقد يحمل السيف المهند ربه ... على ضلعٍ في متنه وهو قاطع ولو ذكرت الضلع في الضرورة؛ لأن تأنيثها غير حقيقي لم يبعد ذلك, ومعنى البيت أن العلج إذا دعا العلج الآخر ليغيثه حال بينهما رمح إذا طعن به فرق بين الضلع وأختها, والأخوة بينهما أعظم من الأخوة بين الرجلين اللذين يجمع بينهما أب وأم, لأنهما يخلقان في وقتٍ واحدٍ, ثم لا يفترقان إلا بعد فراق الحياة, وأشد أخوةٍ تكون بين الرجلين أن يكونا توأمين, والتوأم لابد له أن يفارق أخاه, كما يفارق الشخص الشخص للحاجة التي تعرض, والتصرف في شؤون الحياة, والضلع ليست كذلك. وهذا الغرض من أحسن المبالغة. وقوله: أجل من ولد الفقاس منكتف ... إذ فاتهن وأمضى منه منصرع الفقاس: لقب لرجلٍ من الروم بعض ولده المعروف بنقفور, وقد صار إليه ملك الروم, وهو الذي قتلته أم بسيل وقسطنطين, وكانت قد تزوجته وابناها صغيران؛ فخشيت أن يخرجهما من المملكة, فدست عليه وهو نائم ليلًا قومًا, منهم ابن شمشقيق الذي ذكره أبو الطيب فقتلوه. وكان والد نقفور دمستقًا وهو والد قسطنطين الذي أسره سيف الدولة في وقعة الأحيدب, وفي أيامه كانت الوقعة التي قيلت فيها هذه القصيدة, ويقال: إنه كان مع ابنه نقفور, وقد جعل الأمر إليه لما افتتحت حلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة. وبعض الناس يخبر أن الفقاس كان من آل جفنة الذين دخلوا إلى الروم في أيام عمر بن الخطاب. ويجوز أن يكون الفقاس كلمةً روميةً قد عربتها العرب فأخرجتها إلى مثال فعالٍ من قولهم: فقست البيضة. وفي هذا البيت تسلية للمدوح عن انفلات الدمستق وهو ولد الفقاس. يقول: أجل منه قد أسر وكتف, وأمضى منه قد قتل فهو منصرع.

стр. 680

وقوله: وما نجا من شفار البيض منفلت ... نجا ومنهن في أحشائه فزع ما: في أول البيت نافية, والمعنى: لم ينج, ونجا الثانية في موضع نعتٍ لمنفلتٍ, يقول: ما نجا من السيوف منفلت في أحشائه منهن فزع. وقوله: يباشر الأمن دهرًا وهو مختبل ... ويشرب الخمر حولًا وهو ممتقع يقال: امتقع لون الرجل إذا تغير من فزعٍ أو غيره, والميم هي اللغة الفصيحة, وحكى الفراء: انتقع, بالنون. ويباشر هو من التزاق بشرة الإنسان ببشرة غيره. والبشرة: ظاهر الجلد, ثم كذر ذلك حتى قالوا: فلان يباشر الأمر؛ أي: يمارسه, كما يباشر أحد المباشرين الآخر. والمعنى أن الذي نجا من القتل لم ينج نجاءً كاملًا, إذ كان قد حصل في المأمن وعقله مختبل من الذعر, وهو يشرب الخمر بعد خلاصه حولًا ولونه ممتقع, وهذه مبالغة؛ لأن الخمر شأنها أن تظهر في الوجه لونًا محمرًا, والامتقاع: هو ذهاب الدم من الوجه. وقوله: كم من حشاشة بطريقٍ تضمنها ... للباترات أمين ما له ورع الحشاشة: بقية النفس وأصلها - والله أعلم - مأخوذ من حش الشيء إذا يبس, ومنه قولهم لما يبس من الكلأ: حشيش. فإذا احتش الرجل لدابته حشيشًا, وبقي منه شيء قيل له: حشاشة؛ كما يقال لما فضل من الطعام: فضالة, ولما أغدر من الشيء المأخوذ: غدارة, فأريد أن الحشاشة بقية نفسٍ قد أخذ معظمها. والباترات: السيوف؛ لأنها تبتر؛ أي: تقطع. وأمين هاهنا يعني به القيد الذي يجعل في الأسير؛ أي: إنه إذا أودعه الإنسان فهو مأمون على الوديعة, لأن المقيد به لا يقدر على الهرب. والورع هاهنا: من قولهم: رجل ورع إذا كان يتحرج من المآثم, ولا يقدم على خيانةٍ ولا قبيح؛ أي: هذا القيد أمين, وليس هو من أهل الورع, الذين يحملهم على ذلك الأمانة, وقد جاء في الشعر القديم وصف القيد بأمين إلا أنه يراد به هذا المعنى (١٠٣/أ)؛ وذلك في البيت المنسوب إلى ابن الطثرية, وهو في صفة بعيرٍ مقيدٍ: [الطويل]

стр. 681

إذا رام فيها مطلعًا كف غربه ... أمين القوى عض اليدين فأوجعا فالأمين هاهنا: قيد وثيق قد أمن انقطاعه. والأمين الذي ذكره أبو الطيب يراد به الأمين من الأمانة التي هي ضد الخيانة؛ إلا أنه يرجع إلى الأمين الذي هو قوي شديد, لأنه إنما يمنعه من الخيانة ما هو فيه من القوة. وقوله: يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ... ويطرد النوم عنه حين يضطجع هذا البيت في صفة القيد, وأنه يمنع المقيد من الخطو, ويطرد النوم عنه إذا اضطجع؛ لأنه يؤلمه, وقد وصف المتقدمون القيد بتقصير الخطو, قال الشاعر: [الوافر] حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل يدنو لصيد قصير الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدًا أني بقيد فهذا جعل قيده من الكبر قاصرًا خطوه, كما قال الآخر: [الكامل] والدهر قيدني بقيدٍ مبرمٍ ... فمشيت فيه فكل يومٍ يقصر وقال الحكمي في صفة مقيد: [الطويل] إذا قام غنته على الساق حلية ... لها خطوه عند القيام قصير وقوله: تغدو المنايا فلا تنفك واقفةً ... حتى يقول لها عودي فتندفع هذا البيت يجب أن يكون في صفة القيد أيضًا؛ لأنه متصل بصفته, ولولا ذلك لكان تصييره للمدوح أشبه, ولكن الكلام طال, واتصل هذا البيت بما قبله اتصالًا يشهد بأنه مشفوع به, والمعنى: أن هذا المقيد تغدو عليه المنية فتنظر: إن كان يقتل حكمت فيه, وإن كان يترك القيد عليه رجعت عنه؛ لأن تركه بقيده يدل على أن قتله لم يؤمر به؛ إذ العادة جارية بأن يؤخذ قيده لينتفع به في تقييد سواه.

стр. 682

وقوله: قل للدمستق إن المسلمين لكم ... خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا المسلمين: أي: الذين أسلموا إليكم فقتلتموهم أو أسرتموهم, وادعى على القوم أنهم خانوا الأمير فجازاهم على خيانتهم بإسلامهم إلى العدو, وهذا من الافتراء الذي يحسن به أمر الممدوح, ويقام به العذر في الهزيمة. ولعل الذين أسلموا للروم كانوا أعظم الجيش نصيحةً, وأشدهم بعدًا من الخيانة. وقوله: وجدتموهم نيامًا في دمائكم ... كأن قتلاكم إياهم فجعوا يذكر من يدعي علمًا بغزوات سيف الدولة بن حمدان أن أصحابه مروا في هذه الغزاة, وهي التي كانت تسمى في ذلك العصر غزاة المصيبة, مروا في هزيمتهم بمقتلةٍ من الروم فظنوا أن أولئك القتلى لا يجاوزهم أحد من العدو, فنزلوا في ذلك الموضع ليستريحوا, فجاءت خيل الروم فوجدتهم على تلك الحال, فنالوا منهم المراد من قتلٍ وأسرٍ. ومعنى البيت: أنكم وجدتم هؤلاء القوم نيامًا بين قتلاكم, كأنهم الذين فجعوا بهم, وذلك أن من شأن من قتل له قتيل أن يكب عليه, ويحمله الجزع على أن يتلطخ بدمه, كما أن المحزون يمترغ على القبر ويقبله لشدة الأسف. وقوله: ضعفى تعف الأعادي عن مثالهم ... من الأعادي وإن هموا بهم نزعوا نزعوا عن الشيء: إذا أقلعوا عنه. والمعنى أن هؤلاء القوم الذين أخذتم كانوا ضعفاء لا قوة لهم بالدفاع, قد جرت عادة الأعداء ألا تقتل مثلهم في الحروب؛ لأن النهي في الإسلام قد جاء عن قتل الشيخ والأسيف والعسيف. وقيل: إن الأسيف هاهنا العبد. والعسيف الأجير, ويفسر الأسيف في غير هذا الموضع بأنه الكثير الأسف والحزن والذي يسرع إليه البكاء. والأعادي جمع أعداءٍ, وأعداء جمع عدًى وعدًى, وهذا البناء اسم للجمع؛ لأنه جمع عدو, ولا يجمع فعول على فعلٍ ولا فعلٍ, وقد استعملوا العدو في الواحد والاثنين والجميع, وقالوا للمرأة: عدو, وعدوة, ولو شددت الياء من الأعادي لكان ذلك قياسًا, ولم يأت في السماع, لأن أعداءً على أفعالٍ (١٠٣/ب) فكان ينبغي أن يجيء على مثال أصرامٍ

стр. 683

وأصاريم, وأنعامٍ وأناعيم, ولكنهم ألفوا تخفيف الياء, ولم يفعلوا به ما فعلوا بصحاري لأنهم شددوا الياء, في بعض اللغات, وخففوها, فقالوا: صحارٍ, وأبدلوها فقالوا: صحارى. وقوله: لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمقٍ ... فليس تأكل إلا الميت الضبع الرمق: بقية النفس, والضبع: توصف بأكل القتلى, ونبش القبور, وجاء في الحديث المأثور عن النبي ﷺ : «أن رجلًا جاءه فقال: يا رسول الله, أكلتنا الضبع, وتقطعت عنا الخنف, وأحرق بطوننا التمر» , يعني بالضبع السنة الشديدة. وليس يرى النحويون أن فيها ضميرًا يحجز بينها وبين الفعل, والأشبه أن تكون خاليةً من الضمير, وتكون في معنى ما. وقوله: هلا على عقب الوادي وقد صعدت ... أسد تمر فرادى ليس تجتمع يروى: عقب وعقب, فإذا كسرت القاف فهو مأخوذ من عقب الإنسان وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد بالعقب آخر الوادي كما أن العقب آخر الجسد. والآخر: أن يكون العقب هاهنا ما كان قريبًا منه, كما يقال: جئت على عقب فلانٍ؛ أي: أثره, والعقب هاهنا: جمع عقبةٍ وهي معروفة. وليس في قوله: «ليس تجتمع» لو أن الكلام منثور لكان دخول التاء فيها أحسن؛ لأن ذكر الأسد قد تقدم. وقوله: تشقكم بفتاها كل سلهبةٍ ... والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع تشقكم: أي: تشق صفوفكم وجماعاتكم. وفتاها: أي: الفتى على ظهرها, وهم يتسعون في الإضافة حتى يضيفوا إلى الشيء ما هو بعيد منه, وإن كانوا يردون الإضافة إلى أصلين, وهما: اللام, ومن الخافضتان. وكل: كلمة تعم, ومن العرب من يدخل عليها الهاء

стр. 684

فيقولون: كلة رجلٍ, وإذا أضيفت إلى المؤنث كسبت منه التأنيث, فيقال: جاءتني كل امرأةٍ. ولو قيل: جاءني, لم يبعد, غير أن التأنيث أبين وأحسن. وقوله: وإنما عرض الله الجنود لكم ... لكي يكنونوا بلا فسلٍ إذا رجعوا يقال: عرض السلطان الجند: إذا اختبر أمورهم, وأحضرهم بين يديه, فنظر من يجب أن يسقط منهم, ومن يجب أن يزاد في الرزق, وطالبهم باتخاذ آلات الحرب, وارتباط الخيل السابقة. والفسل: الساقط من الناس, والمصدر: الفسالة, والفسولة. وقد قالوا: فسول الدراهم لما ردؤ منها, ومن ذلك قالوا: فسيل النخل لما صغر منها, قال الشاعر: [المتقارب] بات يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل وقوله: الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع مصطاف: موضع يصاف فيه, وهو مفتعل من صاف يصيف, والطاء مبدلة من تاء الافتعال وكذلك يفعلون بها إذا وقعت بعد حرفٍ من حروف الإطباق, وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء, فيقولون: مصطبر ومضطجع ومطلع ومظلم, وفي هذه ثلاث لغاتٍ: مطلم, بطاء مشددة, وبظاءٍ فيها تشديد, وبظاءٍ بعدها طاء, وهذه أردأ اللغات. فأما مصطبر فيجوز فيه مصبر, بتشديد الصاد, وقرأ بعض الناس ﴿أن يصلحا بينهما صلحًا﴾ ويجوز في مضطجعٍ: مضجع, بضادٍ مشددةٍ, فأما ما كان فاء الفعل منه طاءً, مثل: مطلبٍ ومطلع فليس فيه إلا لغة واحدة, والمرتبع: الموضع الذي يحل فيه أيام الربيع. يقال: مرتبع ومتربع ومربع. وقوله: وما الجبال لنصرانٍ بجاميةٍ ... ولو تنصر فيها الأعصم الصدع الأعصم: من صفات الوعل. والعصمة: بياض في أوظفته. والوعول: توصف بإلف الجبال, قال أبو خراشٍ الهذلي: [الطويل]

стр. 685

تراه قصيرًا يحسر الطرف دونه ... ولو كان طودًا فوقه فرق العصم وقال المرقش: [السريع] لو كان حي ناجيًا لنجا ... من يومه المزلم الأعصم في باذخاتٍ من عماية أو ... ترفعه دون السماء خيم والصدع: الوعل بين الوعلين, لا بالعظيم ولا بالشخت, ويوصف به الرجل أيضًا. وقد حكي تسكين الدال, وقيل: إن ذلك إذا استعمل مقصور على الرجل دون الوعل, قال ذو الرمة: [الطويل] عسفت اعتساف الصدع مجهول أرضها ... إذا ظلت الآجال عني تضوع (١٠٤/أ) ويروى: حولي تصوع, فهذا البيت في وصف أرضٍ واسعةٍ ليست مما يسلكها الوعل, وقال الأعشى: [البسيط] والدهر يحدث في خلقاء راسيةٍ ... وهيًا وينزل منها الأعصم الصدعا والمعنى أن الأعصم لو تنصر لأنزله من معقله الذي يأمن فيه, فلا يغترن الروم بما شمخ من جبالهم فإنك تنزلهم منها راغمين. وقوله: وما حمدتك في هولٍ ثبت له ... حتى بلوتك والأبطال تمتصع الامتصاع: مثل الاضطراب, يقال: تماصع القوم, وامتصعوا, مثل تخاصموا واختصموا, ومصعه بالسيف إذا ضربه به, وبين القوم مصاع, وأنشد ابن الأعرابي: [الوافر]

стр. 686

سلي عني إذا اختلف العوالي ... وجردت الصوارم للمصاع وبلوتك: أي: اختبرتك. وقوله: إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع الناس ينشدون هذا البيت برفع كل, ولو نصب لكان ذلك وجهًا قويًا يجعل السبع اسم ليس, وكل ما بعدها في موضع الخبر, وإذا رفعت كل فهو مثل البيت المنسوب إلى هشام أخي ذي الرمة, وهو: [البسيط] هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول وقد ذكر سيبويه هذا البيت في موضعين, كلاهما يبين فيه أنه يختار إضمار شيءٍ في ليس, كأنه يريد ليس الأمر ونحو ذلك, إلا أنه ذكر في الموضع الثاني كلامًا معناه: أن بعض العرب يجري (ليس) مجرى (ما) في هذا البيت, وضعف ذلك, واختار الوجه الأول. ومن تأمل مذاهب العرب علم أن من يقول الشعر بالغريزة لا يتصور الإضمار في ليس؛ لأن ذلك تكلف شديد, والذي يوجبه القياس أنهم أجروا (ليس) مجرى (ما) في بعض المواضع, كما أجروا (ما) مجرى (ليس) في اللغة الحجازية. وحكى عن العرب: «ليس الطيب إلا المسك» فهذا على معنى: ما الطيب إلا المسك. وذكر عن سعيد بن مسعدة أنه كان يضمر في (ليس) , ويجعل الكلام محمولًا

стр. 687

على التقديم والتأخير, كأنه قال: ليس إلا الطيب المسك, وهذا قول من تأمله تأمل منصفٍ غير محابٍ, علم أن العرب لا تتعسف إلى هذا النحو؛ لأنهم يؤثرون ما سهل من الكلام, وكذلك قول من قال في بيت حميدٍ الأرقط: [البسيط] فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كل النوى يلقي المساكين إذا نصب كل أضمر في ليس كيلا يليها شيء انتصب بغيرها, وهذا بعيد جدًا, وإنما (ليس) في معنى (ما) كأنه قال: وما يلقي المساكين كل النوى, فهذا أشبه بمذاهب العرب من الإضمار, وكذلك قول الآخر: [الطويل] قنافذ دراجون حول خبائهم ... بما كان إياهم عطية عودا يزعمون أن في كان ضميرًا, والأمر أيسير من ذلك التأويل, وإذا أضمروا في كان لزمهم أن يرفعوا عطية بالابتداء, وإنما هو مرفوع بكان ومن التي أولها حشاشة نفسٍ ودعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنين أشيع وهي من ثاني الطويل في قول الخليل, ومن أول السحل الأول في قول غيره. يروى: الظاعنين على الجمع, والظاعنين على التثنية؛ فإذا كان جمعًا فهو على ما يجب من الكلام؛ لأنه جعل الحشاشة مودعةً, وجعل المودعين جمعًا, وإذا روي على التثنية فإنه أجرى المودعين, الذي ذكرهم في قوله: ودعوا جارين مجرى الخليط, وهو نحو من قول

стр. 688

الأسود بن يعفر: [الكامل] إن المنية والحتوف كلاهما ... موفي المخارم يرقبان سوادي جعل الحتوف بمنزلة العدو, والوجه الأول عندي أحسن؛ لأنه لا يفتقر إلى مثل هذا التأويل. وقوله: أشاروا بتسليمٍ فجدنا بأنفسٍ ... تسيل من الآماق والسم أدمع الآماق: جمع موقٍ, وفيه لغات: مؤق, ومأق, ومؤقٍ, وحكى الفراء مأقي في وزن مفعلٍ مثل مأوي الإبل, وهما نادران في هذا الباب, ولم يأت على مفعلٍ غيرهما, وقد حكي في واحد الآماق: أمق وأمق, فإذا قيل مؤق بالهمز فالجمع آماق, مثل سؤرٍ وأسآرٍ؛ أي: بقية. قال الشاعر: [مجزوء الكامل] فارقت هندًا ضلةً ... فأسيت عند فراقها فالعين تسفح عبرةً ... للوجد من أمآقها ومن قال: آسار في جمع سؤر, فقدم الهمزة, فجعلها تلي همزة أفعالٍ, ثم جعلها ألفًا فإنه يقول: آماق, والذين يقولون: موق, فيجعلون الهمزة واواً, لو قالوا: أمواق كما قالوا: عود وأعواد لم يبعد ذلك, إلا أن تركه (١٠٤/ب) على الهمز في الجمع أحسن, كما أن الذين قالوا: ذيب فجعلوا الهمزة ياءً لا يقولون: أذياب, كما يقولون: عيد وأعياد, والذين قالوا: مأقٍ على مثال مفعلٍ يقولون في الجمع: مآقٍ, قال الراجز: [الرجز] جارية بيضاء في رتاق ... تدير طرفًا أكحل المآقي وقال ذو الرمة في تثنية مأقٍ: [الوافر]

стр. 689

على وجناء يذرف مأقياها ... من العيدي قد ضمرت كلالا ومن قال: ماقٍ فخفف رده إلى الهمز في الجمع, كما أن الذي يقول: مأكل ثم يخفف الهمزة يقول في الجمع: مآكل, ولا يجريه مجرى خاتمٍ وخواتم, فيقول: مواكل ومن قال: أمق وأمق قال في الجمع: آماق في وزن آمالٍ, وهو على هذا القول أفعال؛ لأن الهمزة الأصلية هي التي صارت ألفًا, ومن قال: مؤق ثم قال: آماق فوزنها على قوله: عفال؛ لأن الهمزة المتوسطة صارت واليةً همزة أفعالٍ, ومن قال: مؤقٍ فجمعه مثل جمع مأقٍ. والمراد بالمؤق مؤخر العين الذي يلي الأنف, ومن قال: ماق فخفف الهمزة لم يبعد أن يقول في الجمع أمواق. والسم فيه لغات, وقد مضى ذكرها, وهذا المعنى يتردد في الشعر كثيرًا. وتدعي الشعراء أن الدمع هو نفس الإنسان, وقد استعمل ذلك أبو الطيب في قوله: [الكامل] أرواحنا انهملت وعشنا بعدها ... من بعد ما قطرت على الأقدام وقوله: حشاي على جمرٍ ذكي من الهوى ... وعيناي في روضٍ من الحسن ترتع لو كان الكلام منثورًا لكان الواجب أن يقول: ترتعان, ولكنه جعل الاثنين جمعًا, وذلك مثل قول الفرزدق: [الوافر] فلو بخلت يداي بها وضنت ... لكان علي للقدر الخيار ومما يجانس هذا قوله تعالى: ﴿قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعضٍ﴾ , وأصل الرتوع: ذهاب الماشية في الرعي ومجيئها فيه, ثم كثر ذلك حتى استعمل للآدميين, وفي كتاب الله سبحانه: ﴿أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب﴾ , وقالوا: وحش رتاع ورتوع,

стр. 690

وكذلك قالوا في الإبل, قال القطامي: [الوافر] أكفرًا بعد دفع الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا وقوله: ولو حملت صم الجبال الذي بنا ... غداة افترقنا أوشكت تتصدع أصل الصمم في الأذن, وقالوا للصخرة: صماء وللجبل: أصم, وهم يريدون أنه إذا ضرب بالملطس لم يكسره, وقالوا للفرس الشديد: صمم, قال الشاعر: [البسيط] سميت نفسك فيها سابقًا صممًا ... وكان غيرك فيها السابق الصمم وكأنه أخذ من الصمة, وهي الشدة, وقالوا للأسد: صمة, وكذلك للشجاع. وأوشكت: أي أسرعت. وجاءت أفعال للمقاربة لا تجيء معها (أن) , كقولهم: جعل يفعل, وكرب يقول, وكاد يطير من السرور؛ وكأن أبا الطيب شبه أوشك هاهنا بتلك الأفعال. وتتصدع: في موضع نصبٍ على الحال؛ كأنه قال: أوشكت متصدعةً؛ أي: أسرعت في التصدع, ونحو من ذلك قولهم: أقبل يقول كذا أي: أقبل قائلًا, ولو كان الكلام منثورًا لكان ظهور (أن) هاهنا حسنًا, وإذا ظهرت صارت وما بعدها في موضع مفعولٍ, وبطل معنى الحال؛ لأن (أن) تدل على أن الفعل غير واقعٍ. والتصدع: التفرق, وصدع الإناء إذا شقه؛ لأنه يفرق أجزاءه, وكذلك صدع الرداء. قال عبد يغوث الحارثي: [الطويل] كأني لم أركب جوادًا ولم أقل ... لخيلي كري كرةً من ورائيا ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لأيسار صدقٍ أعظموا ضوء ناريا وأعقر للشرب الكرام مطيتي ... وأصدع بين القينتين ردائيا

стр. 691

وقوله: بما بين جنبي التي خاض طيفها ... إلى الدياجي والخليون هجع هذا مثل قولهم: بنفسي التي؛ لأن قوله: بما بين جنبي مؤد معنى النفس, فيجوز أن تكون «التي» وصلتها في موضع رفعٍ, ويكون التقدير: المفدية بما بين جنبي التي خاض طيفها, ويجوز أن يكون المضمر أفدي, وتكون «التي» في موضع نصبٍ. والدياجي: جمع لا يستعمل واحده, وأشبه الأشياء به أن يكون واحده ديجوًا على مثال فيعولٍ من قولهم: دجا الليل يدجو إذا ألبس الأرض, فلما جمع قلبت الياء واواً؛ لأن كسرة الجمع وقعت قبلها, كما يقال في جمع ديجور: دياجير, ثم خففت الياء, كما فعلوا ذلك (١٠٥/أ) في أماني ونحوها, فإن ادعى مدعٍ أن أصل دياجٍ دياجير أو دياجيج, ثم حذفت الراء أو الجيم فقد ذهب مذهبًا, إلا أن الأول أشبه. وقوله: أتت زائرًا ما خامر الطيب ثوبها ... وكالمسك من أردانها يتضوع استعمل زائرًا للمؤنث؛ لأنه ذهب إلى الشخص أو المحبوب, ومن هذا النوع قولهم للمرأة: ظبي وغزال, قال أبو دواد: [مجزوء الكامل] ولقد دخلت الخدر يحـ ... ـفزني إلى الفرش القرام فإذا غزال عاقد ... كالبدر فشغه المنام وقال ابن أبي ربيعة: [السريع] يا من لقلبٍ دنفٍ مغرم ... هام إلى هندٍ ولم يظلم هام إلى ريمٍ لطيف الحشى ... عذب الثنايا حسن المبسم ولكن أبا الطيب قال: أتت زائرًا فجاء بالفعل وفيه علامة التأنيث, وجاء بزائرٍ على لفظ التذكير؛ فكان ذلك أبعد من غيره, ولم يقل كما قال ذو الرمة استعمل زائرًا في المؤنث: [الطويل]

стр. 692

أتت تخبط الظلماء من جانبي قسًا ... وحب بها من خابط الليل زائرا وقولهم: حبذا هند زائرًا, وحبذا هي طارقًا أحسن من قولهم: جاءت زائرًا. وقوله: فيا ليلةً ما كان أطول بتها ... وسم الأفاعي عذب ما أتجرع في هذا الكلام حذف, والمعنى: ما كان أطولها, ولو كان في غير الشعر لجاز (بتك) مكان (بتها) , ويكون المعنى ما كان أطولك, ولما قال: بتها وجب أن يكون التقدير: ما أطولها, وهم يحذفون مفعول التعجب إذا كان المعنى دالًا عليه, كما يقال: لقيت فلانًا فما أعز وأكرم, فلما جئت باسم المتعجب منه في أول كلامك جاز أن تحذف العائد عليه, قال الشاعر: [الطويل] نزلنا بسهمٍ والرياح تلفنا ... فلله سهم ما أدق وألأما وقوله: تذلل لها واخضع على القرب والنوى ... فما عاشق من لا يذل ويخضع إن جعلت (من) معرفةً فعاشق خبر مقدم, كأنه قال: فما من لا يذل ويخضع عاشق, ويجوز أن ترفع عاشقًا بما, وتجعل (من) مرفوعًا بفعله, فإن جعلت (من) نكرةً جعلت عاشقًا اسم ما, ومن وما بعدها خبر. وقوله: فأرحام شعرٍ يتصلن لدنه ... وأرحام مالٍ ما تني تتقطع يقال: لدن, بضم الدال, ولدن بفتحها, وزعموا أن فتحها لا يجوز إلا مع غدوةٍ إذا قلت: جئتك لدن غدوةً, ويقال لدن, بسكون الدال وفتح اللام, ولدن, بضم أوله, ولد, بغير نونٍ, ولد, بضم اللام والدال, ولد ساكنة الدال, والتشديد مع غير النون التي يراد بها الكناية عن الجمع قليل؛ لأنهم يقولون: لدنا, كما يقولون: عندنا, فإن كانت النون شددها بعض الفصحاء في مثل قوله: لدنه, ولدنك فإنما اجترأ على ذلك؛ لأنه سمعها مشددةً في

стр. 693

مثل قوله تعالى: ﴿وعلمناه من لدنا علمًا﴾ , وزعم بعض النحويين أن الفرق بين لدن وعند أن لدن تختص بمن تضاف إليه, فإذا قيل: جئتك من لدن محمدٍ فإنما يراد ما قرب منه, وإذا قيل: لدن فلانٍ مال فإنما يراد ما هو حاضر لديه, ولا يحسن عند صاحب هذا القول أن يقال: لدنه مال وهو بالشام, والمال بالعراق. ويحسن ذلك في عند, وليس هذا القول بشيء, ولا فرق بين معناهما في الحقيقة؛ إلا أن لدن كثرت فيها اللغات, وعند لزمت كسر العين وسكون النون, وقد حكيت عند وعند؛ وذلك قليل مهجور, وإذا قالوا: لدني فإنما شددوا النون ليسلم سكونها في قولك: لدن, كما أنهم قالوا: مني وعني, فجاؤوا بالتشديد كراهة أن يجيئوا بياء أن يكون مصنوعًا, وذلك قوله: [المديد أو الرمل] أيها السائل عنه وعني ... لست من قيسٍ ولا قيس مني وهذا البيت لا يثبت تخفيف النون فيه, إلا أن يكون ما بعده من الأبيات دالًا على ذلك, لأنها لو شددت والبيت فارد لكان الوزن قويمًا, إلا أنه في حال التخفيف (١٠٥/ب) يكون من ثالث الرمل, وفي التشديد يكون من أول المديد. وسيبويه يزعم أنهم إذا قالوا: لدن غدوةً فنصبوا الاسم بعدها فإنما شبهوه إذا ضمت الدال بقولك: هذا ضارب خالدًا, وإذا فتحت الدال شبه بقولهم: اضربن فلانًا, وقول الفراء في هذا أقرب؛ لأنه يذهب إلى أن (كان) بعد لدن مضمرة؛ كأنه قال: جئتك لدن كان الوقت غدوةً؛ لأن لدن يقع بعدها الفعل, كما قال القطامي: [الطويل] صريع غوانٍ راقهن ورقنه ... لدن شب حتى شاب الذوائب

стр. 694

وأنشد الفراء: [البسيط] لدن كبيرًا إلى أن مسه الخرف لأن لدن إذا وقعت على الزمان فقد صارت من أسمائه, فجاز أن يقع بعدها الفعل كما يقال: جئتك حين جاء فلان, وآتيك حين يقدم الحاج. واستعار الأرحام للشعر والمال, كما تفعل الشعراء فتخرج الأشياء من أصولها مستعارةً, فيقولون: يد الدهر, وماء الصبابة, وغمام العطاء, ونحو ذلك. وقوله: فتًى ألف جزءٍ رأيه في زمانه ... أقل جزيءٍ بعضه الرأي أجمع هذا بيت لابد فيه من تقدير محذوفٍ, وإلا لم يصح معناه, وقوله: رأيه في زمانه في موضع مبتدأ, كأنه قال: فتًى رأيه في زمانه ألف جزءٍ أقل جزيءٍ منه, فكأن قوله: أقل جزيءٍ متصل بقوله: ألف جزءٍ, وقوله: أقل جزيءٍ: مبتدأ, وهو كالصفة لجزءٍ, ومثل هذا الحذف قليل جدًا, وبعضه: مبتدأ, والرأي أجمع: خبر لبعضٍ, وبعض وما بعدها في موضع وصفٍ لجزيءٍ, والهاء في بعضه عائدة على جزيءٍ. وقوله: غمام علينا ممطر ليس يقشع ... ولا البرق فيه خلبا ليس يلمع الغمام: جمع غمامة, وهو مأخوذ من الم؛ أي: الستر, كأنه يغم الشمس. قال الهذلي: [الطويل] كأن الغلام الحنظلي أجاره ... يمانية قد غم مفرقها القمل ويقال: أقشع السحاب: إذا تجلى, وقشعته الريح إذا سفرته, وهذا أحد ما جاء على أفعل الشيء وفعله غيره, مثل: أكب لوجهه وكبه غيره, وله أمثال كثيرة. وبرق خلب؛ أي: خادع.

стр. 695

وقوله: إذا عرضت حاج إليه فنفسه ... إلى نفسه فيها شفيع مشفع يقال: حاجة وحاج, كما يقال: ساعة وساع, وحاجة وحوج على غير قياسٍ, وحاجة وحوائج كأنهم جمعوا حائجةً, وقالوا: رجل محوج إذا احتاج إلى النفقة, وهذا على غير قياسٍ لأن الأكثر أن يعلوا هذه الواو, فيقولوا: أقام فهو من قام يقوم, وألام إذا أتى ما يلام عليه وهو من اللوم, وربما أصحو في مثل هذه الأفعال, كما قالوا: أحول المنزل, وأحال, إلا أنهم قالوا: أحوج الرجل, ولم يقولوا: أحاج فيعلوا, إلا أن يكون في كلامٍ شاذ. وقوله: خبت نار حربٍ لم يهجها بنانه ... وأسمر عريان من القشر أصلع خبت النار إذا سكن لهيبها, والمصدر الخبو, وقالوا: خبوت النار, قال الشاعر: [الوافر] وتوقد باليفاع الليل ناري ... تشب إذا يحس لها خبوت كأنه أبدل من الواو الآخرة تاءً, وذلك مشابه لقولهم: تخمة من الوخامة, وتكأة من توكأت؛ أبدلوا التاء من الواو المضمومة في أول الكلمة, فيجوز أن يكون الخبوت من هذا الجنس؛ لأن الواو قد أبدلت منها التاء في حال الحركة والسكون, فقالوا في افعتل من الوعد: اتعد, والرجل متعد, وقالوا: أتلج الشيء في الشيء بمعنى أولج, ولا يمتنع أن يكون خبت اللهيب أصلًا في كلامهم, ويكون مأخوذًا من الخبت وهو المطمئن من الأرض مع سهولةٍ, ومنه قالوا: أخبت الرجل إذا تأله وخشع, كأنه ذل حتى لصق بالخبت من الأرض, وقد قالوا: خبت الرجل بمعنى أخبت. وقوله: خبت نار حربٍ؛ الأحسن أن تكون على معنى الدعاء, كما يقال: لا كانت حرب لم يهجها فلان. ويعني بالأسمر العريان من القشر: القلم, (١٠٦/أ) وجعله أصلع؛ لأنه لا نبات عليه, ومن ذلك قولهم للرأس: أصلع, وللجبل إذا لم يكن فيه شجر, وقالوا للحجر: صلع؛ لأنه لا ينبت. وقوله: نحيف الشوى يعدو على أم رأسه ... ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع

стр. 696

قد مضى الكلام في الشوى, واتفق في هذا البيت أنه أراد بالشوى رأس القلم الذي يكتب به, وجعله نحيفًا؛ لأنه يقلم فيدق, وإنما يستعمل الشوى في القوائم, وقد استعمله هاهنا في الرأس, وإنما حسن ذلك؛ لأن القلم كالذي يمشي على رأسه فشبه رأسه بشوى الفرس, ولا يحسن أن يجعل الشوى هاهنا جمع شواةٍ؛ أي: جلدة الرأس, وإنما قوي استعماله نحيف الشوى في هذا الموضع؛ لأنهم يقولون في صفة الفرس: عبل الشوى. ويحفى من حفي الفرس إذا رق حافره من العدو أو المشي, لما جعل له شوًى جاز أن يصفه بالحفا, وذكر أنه يحفى تارةً ويعدو أخرى, ومثل هذه الأشياء سائغ كثير. وأم الرأس: مجتمعه ومعظمه. وقوله: وليس كبحر الماء يشتق قعره ... إلى حيث يفنى الماء حوت وضفدع يقول: ليس هذا الممدوح كبحر الماء يمكن استقصاؤه ويشتقه إلى منتهاه الحوت والضفدع. وفي الضفدع لغتان: ضفدع, وهي اللغة المعروفة, وقد حكي ضفدع, بفتح الدال. وقعر الشيء: أسفله. وحوت مرفوع بيشتق, كأنه قال: ليس كبحر الماء يشتق حوت وضفدع قعره إلى حيث يفنى ماؤه. وقوله: أبحر يضر المعتفين وطعمه ... زعاق كبحرٍ لا يضر وينفع يقال: ماء زعاق إذا لم يستطع شربه لمرارته وملوحته. يقال: قليب زعاق وأقلبة زعاق, ويقع على الواحد والجمع, قال الشاعر: [الكامل] وكأن حيًا قبلهم لم يشربوا ... منه بأقلبةٍ أجن زعاق وكأنه سمي زعاقًا؛ لأن شاربه يزعق أي يصيح لما يجده في فمه من كراهة الماء. ومن قولهم: زعق إذا صاح, وقالوا لفراخ الحجل: زعاقيق, ويجوز أن يقال ذلك للحجل لكثرة صياحه, قال الشاعر, وهذا البيت يروى لوعوعة بن الطرماح: [المتقارب] كأن الزعاقيق والحيقطان ... يبادرن في المنزل الضيونا

стр. 697

وقالوا: مهر مزعوق إذا كان نشيطًا حديد النفس كأنه زعق به؛ أي: صيح. وقوله: يتيه الدقيق الفكر في بعد غوره ... ويغرق في تياره وهو مصقع التيار: الموج؛ لأنه يجيء تارة, ويذهب أخرى, والمصقع من قولهم: صقع: إذا رفع صوته, وقيل: خطيب مصقع, إذا رفع صوته ليسمع الناس, ويجوز أن يكون أصله السين؛ لأنها إذا كانت في كلمة وبعدها قاف أو خاء أو طاء جاز أن تجعل صادًا فيقولون: سويق وصيوق, وسلخ الغنم وصلخها, وبسط وبصط. وقوله: ألا أيها القيل المقيم بمنبجٍ ... وهمته فوق السماكين توضع يقال: وضع البعير في سيره, وأوضعه صاحبه, وكأن الوضع دون الخبب؛ أي: قد وضع عنه وحطت منزلته. وقوله: أليس عجيبًا أن وصفك معجز ... وأن ظنوني في معاليك تظلع يقال: ظلع البعير وغيره: إذا لحق قوائمه ما ينكر من شدة السير, ثم استعير ذلك لمن أبطأ وقصر, حتى قيل: ظلعت الكواكب: إذا أبطأت في السير, قال طفيل الغنوي: [الطويل] وقد سمنت حتى كأن مخاضها ... تفشغها ظلع وليست بظلع وقالوا في الأمثال: «جاء بعدما نام ظالع الكلاب» , فقيل: أرادوا أنه به ظلعًا, فهو ينتظر أن تنام الكلاب فيعاظل الكلبة؛ لأنه لا يطيق هراشها, وقيل: بل الكلب إذا اشتدت حاجته إلى الغطال أصابه ظلع, قال الحطيئة: [الطويل]

стр. 698

فحياك ود من هداك لفتيةٍ ... وخوصٍ بأعلى ذي طوالة هجد تيممتنا من بعد ما نام ظالع الـ ... ـكلاب وأخبى ناره كل موقد ويقال في المثل: «ارق على ظلعك»؛ أي: تكلف الأمر على ما بك من ضعفٍ, ويقال: ارقأ (١٠٦/ب) على ظلعك, بالهمز. قال الأفوه: [الرمل] فارقأن منك على ظلعك قد ... فاتك القوم نجارًا وسعه ومن التي أولها تالحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع وهي من الكامل الأول على رأي الخليل, ومن السحل الثالث على رأي غيره. عصي: في معنى عاصٍ؛ لأنه جاء على فعيلٍ للمبالغة, كما قالوا: عليم وعالم, ورحيم وراحم, ولا يمتنع أن يكون عصي على وزن فعولٍ في الأصل, كأنه قال: عصوي, كما يقال في ضاربٍ: ضروب, فلما وقعت الواو الساكنة قبل الياء قلبت ياءً, كما فعلوةا ذلك في معصي؛ لأنه على مثال مفعولٍ, وأصله معصوي, ومثل عصي في احتمال الوجهين قولهم للسيل الذي يأتي من غير البلد الذي همى فيه: أتي, فيجوز أن يكون مثل عليمٍ, أو مثل ضروبٍ. وطيع في معنى طائع, وأكثر ما يجيء هذا المثال في معنى فاعلٍ, مثل: هينٍ ولينٍ وسيدٍ, إلا أنهم قالوا: ناقة ريض؛ أي: التي قد بريضت ولم تكمل رياضتها. وقد ذكروا الريض في الأضداد, تكون في معنى التي لم ترض, والتي قد ريضت شيئًا, قال الراعي: [الكامل]

стр. 699

وكأن ريضها إذا ياسرتها ... كانت معاودة الرحيل ذلولا وقوله: أين الذي الهرمان من بناينه ... ما قومه ما يومه ما المصرع الهرمان: قد ذكروا في الكلام القديم, فبعض الناس ينطق بهما على حالهما بالهاء, قال الشاعر وهو يذم امرأةً: [الطويل] وتكشر عن قلحٍ عدمت حديثها ... وعن جبلي طي وعن هرمي مصر كأنهم يريدون أنهم أهرما الدهر لطول بقائهما عليه. وبعض الناس يقول: إرمي مصر. والمعروف في إرمٍ كسر الهمزة, يراد به العلم من الحجارة, وقد حكي أرم, بالفتح, فكأنه يجعل الهاء بدلًا من الهمزة, ويرى أنها كذلك هي في أصل التسمية, وأن العامة غيرتهما إلى الهاء كما جرت عادتهم بتغيير الأشياء. ويزعم أناس أن الذي بناهما ملك يعرف بسنان ابن المشلل؛ وهذا أمر لا يعرف كيف هو؟ ولا سبيل إلى معرفة حقيقته؛ لأنه خطب متقادم. وقوله: ما يومه؟ أي: شيء, وفي أي زمان هلك, وكذلك قوله: ما قومه؟ أي: إنه لا يدري من أي الناس هو؟ ولا أين مصرعه من الأرض. وقوله: لم يرض قلب أبي شجاعٍ مبلغ ... قبل الممات ولم يسعه موضع أبو شجاع: من الكنى التي يجوز أن تدخل فيها الألف واللام؛ لأن شجاعًا وصف توصف به النكرة والمعرفة, فإذا نقل من النكرة إلى التسمية تعرف بغير ألفٍ ولامٍ, مثل ما تعرف محمد وغالب, وإذا نقل من المعرفة فعلامة التعريف موجودة فيه, إلا أنه يصير كالعلم, ولم يستعمله أبو الطيب بالألف واللام, وقد مدح رجلين يكنيان بهذه الكنية:

стр. 700

أحدهما فاتك والآخر عضد الدولة, ومدح أيضًا شجاع بن محمد المنبجي. وإذا نقل شجاع من التسمية إلى قولهم لضرب من الحيات: شجاع؛ فهو من هذا الباب كالنعت؛ لأن ذلك الضرب من الحيات إنما قيل له: شجاع لإقدامه وخفته. وقوله: كما نظن دياره مملوءة ... ذهبًا فمات وكل دارٍ بلقع يريد أنها بلقع من الذهب, ليس فيها شيء منه. وقد دل البيت الذي بعد هذا على أن الصوارم والقنا في دياره, وكذلك المكارم؛ لأنه قال: وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شيءٍ يجمع فأما ما يقع عليه اسم المكرمة فلا يشغل مكانًا, وأما السيوف والرماح فتشغل الأماكن؛ فلا يجوز أن يقال للمكان إذا كانت فيه: بلقع, إلا أن يعنى أنه خالٍ من غيرها. وفي الحديث: «الأيمان الكاذبة تذر الديار بلاقع»؛ أي: تخليها من أهلها. وأعوج: لإحل من فحول الخيل, وهما أعوجان: أعوج الأول, وأعوج الثاني, وبناته تقع على الذكور والإناث؛ لأن ما لا يعقل يجمع بالألف والتاء, فيقال في جمع ابن عرسٍ: بنات عرسٍ, وكذلك في جمع ابن ماءٍ من الطير: بنات ماءٍ, وقالوا لضرب من الكمأة: ابن أوبر, وفي جمعه: بنات أوبر. والمعنى: أن هذا المذكور لم يكن يجمع شيئًا إلا المكارم والصوارم والقنا. والمكارم (١٠٧/أ) مرفوعة بالابتداء, وكل خبرها. وقوله: المجد أخسر والمكارم صفقةً ... من أن يعيش لها الكريم الأروع الصفقة من قولهم: صفق المتبايعان إذا فصلا البيع. ومن أمثالهم: «صفقة لم يشهدها حاطب». وحاطب هذا يقال: إنه حاطب بن أبي بلتعة, وكان رجلًا حازمًا, لإباع رجل من أهله شيئًا أو اشتراه فغبن فيه, فقيلت هذه المقالة؛ أي: لو كان حاطب حاضرًا لم يغبن رجل من أهله أو أصحابه, ثم قيل ذلك في كل رجل يغبن في بيعٍ.

стр. 701

وقوله: المجد أخسر والمكارم صفقةً: إن أراد أن المجد أخسر صفقةً والمكارم, فقد فصل بين الاسم المميز وبين أفعل الذي يراد به من كذا بالمعطوف, وذلك قيل إلا أنه يحتمل؛ لأن الغرض معروف, وهو كقولك: فلان أشرف وأخوه أبًا, وأنت تريد: فلان أشرف أبًا وأخوه. فإن تأول متأول أن صفقةً متصلة بالمكارم كأنه قال: والمكارم أخسر صفقةً فهو جائز, إلا أن أخسر الذي بعد المجد يكون المفسر له محذوفًا؛ فإن جعل أخسر في معنى خاسرٍ حسن الكلام؛ لأنه قد تم عند قوله: المجد خاسر, ثم يستأنف المكارم, وهي أول الجملة الثانية, فتكون الجملة الأولى تامةً, والجملة الثانية ناقصةً قلما يجيء مثله؛ لأن المعنى: المجد خاسر والمكارم أخسر منه صفقةً, فكأن القائل قال: خالد فاضل وبكر أبًا, فإن أراد: وبكر أفضل أبًا, ثم حذف أفضل فالكلام رديء, وإن جعل بكرًا معطوفًا على خالد فالكلام مستقيم؛ لأن المعنى: خالد فاضل وبكر فاضل, ثم جاء المفسر بعد ذلك. وقوله: ويد كأن نوالها وقتالها ... فرض يحق عليك وهو تبرع إذا رويت: يحق فهو من قولهم: حق الأمر إذا كان حقًا, وحق عليهم العذاب إذا صح نزوله بهم, ويقال في المضارع: يحق ويحق, ومنه قوله تعالى: ﴿الحاقة * ما الحاقة﴾ , أي: الداهية التي يحق أمرها. وإذا رويت: يحق عليه فهو من حق بكذا, فهو محقوق به, وحقيق؛ أي: كنت أيها الممدوح كأن قتالك ونوةالك شيء يفترض عليك, ولم يكن كذلك وإنما هو تبرع منك, ويقال: فلان حق عليم بكذا؛ أي: علمه به حقيق, قال الشاعر: [الطويل] وإلا أكن كل الشجاع فإنني ... بضرب الطلى والهام حق عليم وقال الأحنف بن قيس: [الرجز]

стр. 702

إن على كل رئيس حقا ... أن يورد الصعدة أو تندقا فهذا جعل القتال يحق على رئيس القوم, ويروى: إن على كل كريمٍ. وقوله: وصلت إليك يد سواء عندها ... الباز الاشهب والغراب الأبقع الناس يختلفون في رواية هذا البيت؛ فمنهم من يضم الزاي في الباز, ومنهم من يكسرها, ومنهم من يشددها, فإذا ضمت الزاي ففي البيت شيئان متضادان: أحدهما: أنه قطع ألف الوصل في نصف البيت, كأنه ألزم نفسه السكوت قبل الألف, وقد ذكر سيبويه ذلك في الضرورات, وهو مثل قول القائل: [الكامل] ودلا تبادر في الشتاء وليدنا ... ألقدر تنزلها بغير جعال والآخر: أنه ألقى حركة الهمزة في الأشهب على اللام, وهذا - على أنه لغة كثيرة - منافٍ لقطعه الألف في قوله: الباز؛ لأن أبا الطيب لم يستعمل مثل ذلك, وإنما اضطره إليه الوزن, وإذا كسرت الزاي من الباز فالمراد: البازي على مثال القاضي, وحذفت الياء لالتقاء الساكنين قبل أن تنقل إلى اللام حركة الهمزة؛ لأنها لو حذفت بعد تحريك اللام لحسب ذلك لمن الضرورة, ولو أن هذا الكلام في منثورٍ, ونقلت حركة الهمزة إلى اللام في الأشهب؛ لجاز أن يقال: البازي لشهب؛ فتثبت الياء وتحرك اللام تحريكًا يغني عن ألف الوصل. ومن روى البازي الاشهب بالتشديد فروايته أسلم الروايات من الضرورة. ونعت الباز بالأشهب, وقابله بالغراب الأبقع لأن البازي محمود, والغراب مذموم. وقوله: ومن اتخذت على الضيوف خليفةً ... ضاعوا فمثلك لا يكاد يضيع استفهم في نصف البيت الأول استفهامًا لا يقتضي إخبارًا؛ لأنه نطق به وهو عالم أنه لم يتخذ خليفةً على الضيوف. وقال في النصف الثاني: ضاعوا, ومثلك لا يكاد يضيع؛ فأعلم

стр. 703

أنه لم يكن استفهامه (١٠٧/ب) المتقدم لجهله بالأمر. ويكاد: هاهنا تحتمل وجهين؛ لأنها قد تقدم قبلها حرف نفي, ومن شأنها إذا قدم عليها النفي أن تصير موجبةً, فإذا قيل: كاد فلان يفعل, فالمعنى أنه قارب الفعل, ولم يوقعه, وإذا قيل: ما كاد فلان يفعل, فالمعنى أنه قد فعل بعد بطءٍ؛ فيكون المعنى أن هذا المرثي قد ضيع الضيوف لما قبض, وليس هو بمذمومٍ في ذلك. فهذا وجه. والوجه الآخر أن يكون من جنس قوله تعالى: ﴿لم يكد يراها﴾؛ أي لم يرها ولم يكد؛ فيكون الغرض أنك كنت في أيام حياتك لا ت ضيع الضيوف ولا تقارب إضاعتهم. وقوله: قبحًا لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل قبحٍ برقع يقال: قبحًا له وقبحًا, فإذا فتحت القاف فهو مصدر قبح, وإذا ضمت القاف فهو كالاسم, وقد يجوز أن يكون مصدرًا, فيقال: قبحه الله قبحًا وقبحًا, كما يقال: شغله شغلًا وشغلًا. وإذا فتح أوله فنصبه على أنه مصدر, وإذا ضم جاز فيه مثل ذلك؛ إلا أن إضمار فعلٍ قبله أحسن, كأن التقدير ألزم الله وجهك يا زمان قبحًا, وربما قال المتقدمون: قبحه الله؛ أي: أبعده, وليس أصله إلا من سماجة الوجه, كأنهم يريدون: شوه الله خلقه. والمعنى: أن الزمان على وجهه براقع من أنواع القبح فهو لا يقابل الناس إلا بقبيحٍ وقوله: أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍ ... ويعيش حاسده الخصي الأوكع يجوز رفع (يعيش) ونصبه, فرفعه على أنه معطوف على يموت, ونصبه على إضمار أن, كأنه قال: أيجتمع موت أبي شجاعً وأن لا يموت حاسده؛ أي: لا يجب أن يكون ذلك, وهذا استفهام على سبيل الإنكار. والنصب على مثل قول الحطيئة: [الوافر] ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودة والإخاء والأوكع: الذي تنقلب إبهام رجله على الإصبع التي تليها. فأما قولهم: سقاء وكيع فمعناه جديد قوي, وبه سمي الرجل وكيعًا, وقال الفرزدق: [الطويل]

стр. 704

ووفراء لم تخرز بسيرٍ وكيعةٍ ... غدوت بها طبًا يدي برشائها فقيل: إنه أراد فرسًا, وقال بعضهم: أراد خصيته. وبعد هذا البيت بيت يحتمل الوجهين, وهو: ذعرت بها سربًا نقيًا جلوده ... كنجم الثريا إذ بدت من عمائها العماء: السحاب الرقيق. وقوله: أيدٍ مقطعة حوالي رأسه ... وقفًا يصيح بها ألا من يصفع بعض الناس يقول: إن الصفع كلمة مولدة, وقد ذكره الفراء ذكر من هو عنده من كلام العرب. والقفا: مذكر في أكثر الكلام, وربما أنث. قال الشاعر: [الوافر] وما المولى وإن عرضت قفاه ... بأحمل للملاوم من حمار وهو مأخوذ من: قفوت الشيء إذا اتبعته, ويجوز أن يكون قفوت مأخوذةً منه؛ لأنهما من الاتباع, ومنه قولهم في آخر كلمة من البيت: قافية, وقولهم: قفاه: إذا عابه؛ أصل ذلك أن يتكلم فيه وهو غائب, أو بعدما يولي عنه, والمعروف في القفا: القصر, وقد جاء ممدودًا في بيت وذلك قوله: [الكامل] أخذت سليفة أمه بقفائه وإن صح أن فصيحًا قال ذلك فإنما مده على معنى الضرورة, والمعنى: أن هؤلاء القوم الذين حوالي المذكور كأن أيديهم مقطعة, وهي تدعى إلى أمرٍ لا تقدر عليه. وقوله: وتركت أنتن ريحةٍ مذمومةٍ ... وأخذت أطيب ريحةٍ تتتضوع يقال: نتن الشيء, وأنتن, وقالوا: منتن, على القياس, كما قالوا: أكرم فهو مكرم, وقالوا: منتن فكسروا الميم لكسرة التاء, كما قالوا: منخر, فأتبعوا الميم الخاء, وحكي منتن, بالضم.

стр. 705

والريحة: كلمة قليلة الاستعمال, وهي في معنى ريح الشيء, وإذا قالوا: شممت ريحه فهي مأخوذة من الريح الهابة؛ لأنهم يريدون أن عرف ذلك الشيء تحمله الريح حتى تصل به إلى من يجده, كذلك هو في الأصل, ثم كثر ذلك, حتى استعملوه فيما لا يوجد له ريح, حتى يوضع على الأنف وينتشق. وتضوعت (١٠٨/أ) الرائحة: إذا انتشرت, وتحركت, ومنه قولهم: انضاع الفرخ إذا تحرك. وقوله: فاليوم قر لكل وحشٍ نافرٍ ... دمه وكان كأنه يتطلع أصل الوحش أن يكون ضدًا للإنس, والأغلب على الوحش التأنيث, قال تأبط شرًا: [الطويل] يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا وجعله أبو الطيب هاهنا واحدًا؛ وذلك قليل في الاستعمال, إلا أن يراد به فقد الطعام, كما قال حميد بن ثورٍ: [الطويل] وإن بات وحشًا ليلةً لم يضق بها ... ذراعًا ولم يصبح لها وهو خاشع والمعنى: أن هذا المرثي كان مغرى بالصيد, هذه صفة حال, وليست مما يمدح به الملوك؛ لأن اشتغالهم بغير ذلك أجمل؛ إلا أن يعني بالوحش هاهنا عدوًا يستوحش فينفر خوفًا من القتل؛ فحينئذ يكون فيه مدح للمذكور؛ لأنه يصفه بأن مخالفيه كانوا في حياته ليسوا بالآمنين, ويكون ذلك من جنس تشبيههم الهارب بالنعامة, والثعلب, ونحوها. وقوله: وتصالحت ثمر السياط وخيله ... وأوت إليها سوقها والأذرع ثمر السياط: جمع ثمرة, وهي عقدة تكون في طرف السوط. والسوط مأخوذ من قولهم: ساط الشيء بغيره يسوطه: إذا خلطه؛ كأنهم أرادوا أنه يخلط اللحم بالدم, أو يسوط بعض الدم ببعضٍ, وقالوا: ساط فرسه إذا ضربه بالسوط. وقوله: وأوت إليها سوقها والأذرع؛ كأنها كانت ليست معها؛ وهذا على معنى المبالغة؛ كما يقال للرجل الذي قد أتعب يده في عمل: كأن يدك ليست معك؛ أي: قد أتعبتها فصارت لا تحس بشيءٍ, فكأنها منقطعة منك. والسوق: جمع ساق, مثل دارٍ ودورٍ, وقد حكي سؤوق, وهو شاذ, فأما أسوق فالجمع المعروف. وقولهم: ساق الدابة والإنسان, وساق الشجرة من جنسٍ واحد, وأصل الساق فيما
следующие страницы →