Полный текст (1 484 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وقوله: المجد أخسر والمكارم صفقةً: إن أراد أن المجد أخسر صفقةً والمكارم, فقد فصل بين الاسم المميز وبين أفعل الذي يراد به من كذا بالمعطوف, وذلك قيل إلا أنه يحتمل؛ لأن الغرض معروف, وهو كقولك: فلان أشرف وأخوه أبًا, وأنت تريد: فلان أشرف أبًا وأخوه. فإن تأول متأول أن صفقةً متصلة بالمكارم كأنه قال: والمكارم أخسر صفقةً فهو جائز, إلا أن أخسر الذي بعد المجد يكون المفسر له محذوفًا؛ فإن جعل أخسر في معنى خاسرٍ حسن الكلام؛ لأنه قد تم عند قوله: المجد خاسر, ثم يستأنف المكارم, وهي أول الجملة الثانية, فتكون الجملة الأولى تامةً, والجملة الثانية ناقصةً قلما يجيء مثله؛ لأن المعنى: المجد خاسر والمكارم أخسر منه صفقةً, فكأن القائل قال: خالد فاضل وبكر أبًا, فإن أراد: وبكر أفضل أبًا, ثم حذف أفضل فالكلام رديء, وإن جعل بكرًا معطوفًا على خالد فالكلام مستقيم؛ لأن المعنى: خالد فاضل وبكر فاضل, ثم جاء المفسر بعد ذلك.
وقوله:
ويد كأن نوالها وقتالها ... فرض يحق عليك وهو تبرع
إذا رويت: يحق فهو من قولهم: حق الأمر إذا كان حقًا, وحق عليهم العذاب إذا صح نزوله بهم, ويقال في المضارع: يحق ويحق, ومنه قوله تعالى: ﴿الحاقة * ما الحاقة﴾ , أي: الداهية التي يحق أمرها.
وإذا رويت: يحق عليه فهو من حق بكذا, فهو محقوق به, وحقيق؛ أي: كنت أيها الممدوح كأن قتالك ونوةالك شيء يفترض عليك, ولم يكن كذلك وإنما هو تبرع منك, ويقال: فلان حق عليم بكذا؛ أي: علمه به حقيق, قال الشاعر: [الطويل]
وإلا أكن كل الشجاع فإنني ... بضرب الطلى والهام حق عليم
وقال الأحنف بن قيس: [الرجز]
стр. 702
إن على كل رئيس حقا ... أن يورد الصعدة أو تندقا
فهذا جعل القتال يحق على رئيس القوم, ويروى: إن على كل كريمٍ.
وقوله:
وصلت إليك يد سواء عندها ... الباز الاشهب والغراب الأبقع
الناس يختلفون في رواية هذا البيت؛ فمنهم من يضم الزاي في الباز, ومنهم من يكسرها, ومنهم من يشددها, فإذا ضمت الزاي ففي البيت شيئان متضادان:
أحدهما: أنه قطع ألف الوصل في نصف البيت, كأنه ألزم نفسه السكوت قبل الألف, وقد ذكر سيبويه ذلك في الضرورات, وهو مثل قول القائل: [الكامل]
ودلا تبادر في الشتاء وليدنا ... ألقدر تنزلها بغير جعال
والآخر: أنه ألقى حركة الهمزة في الأشهب على اللام, وهذا - على أنه لغة كثيرة - منافٍ لقطعه الألف في قوله: الباز؛ لأن أبا الطيب لم يستعمل مثل ذلك, وإنما اضطره إليه الوزن, وإذا كسرت الزاي من الباز فالمراد: البازي على مثال القاضي, وحذفت الياء لالتقاء الساكنين قبل أن تنقل إلى اللام حركة الهمزة؛ لأنها لو حذفت بعد تحريك اللام لحسب ذلك لمن الضرورة, ولو أن هذا الكلام في منثورٍ, ونقلت حركة الهمزة إلى اللام في الأشهب؛ لجاز أن يقال: البازي لشهب؛ فتثبت الياء وتحرك اللام تحريكًا يغني عن ألف الوصل. ومن روى البازي الاشهب بالتشديد فروايته أسلم الروايات من الضرورة. ونعت الباز بالأشهب, وقابله بالغراب الأبقع لأن البازي محمود, والغراب مذموم.
وقوله:
ومن اتخذت على الضيوف خليفةً ... ضاعوا فمثلك لا يكاد يضيع
استفهم في نصف البيت الأول استفهامًا لا يقتضي إخبارًا؛ لأنه نطق به وهو عالم أنه لم يتخذ خليفةً على الضيوف. وقال في النصف الثاني: ضاعوا, ومثلك لا يكاد يضيع؛ فأعلم
стр. 703
أنه لم يكن استفهامه (١٠٧/ب) المتقدم لجهله بالأمر. ويكاد: هاهنا تحتمل وجهين؛ لأنها قد تقدم قبلها حرف نفي, ومن شأنها إذا قدم عليها النفي أن تصير موجبةً, فإذا قيل: كاد فلان يفعل, فالمعنى أنه قارب الفعل, ولم يوقعه, وإذا قيل: ما كاد فلان يفعل, فالمعنى أنه قد فعل بعد بطءٍ؛ فيكون المعنى أن هذا المرثي قد ضيع الضيوف لما قبض, وليس هو بمذمومٍ في ذلك. فهذا وجه. والوجه الآخر أن يكون من جنس قوله تعالى: ﴿لم يكد يراها﴾؛ أي لم يرها ولم يكد؛ فيكون الغرض أنك كنت في أيام حياتك لا ت ضيع الضيوف ولا تقارب إضاعتهم.
وقوله:
قبحًا لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل قبحٍ برقع
يقال: قبحًا له وقبحًا, فإذا فتحت القاف فهو مصدر قبح, وإذا ضمت القاف فهو كالاسم, وقد يجوز أن يكون مصدرًا, فيقال: قبحه الله قبحًا وقبحًا, كما يقال: شغله شغلًا وشغلًا. وإذا فتح أوله فنصبه على أنه مصدر, وإذا ضم جاز فيه مثل ذلك؛ إلا أن إضمار فعلٍ قبله أحسن, كأن التقدير ألزم الله وجهك يا زمان قبحًا, وربما قال المتقدمون: قبحه الله؛ أي: أبعده, وليس أصله إلا من سماجة الوجه, كأنهم يريدون: شوه الله خلقه. والمعنى: أن الزمان على وجهه براقع من أنواع القبح فهو لا يقابل الناس إلا بقبيحٍ
وقوله:
أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍ ... ويعيش حاسده الخصي الأوكع
يجوز رفع (يعيش) ونصبه, فرفعه على أنه معطوف على يموت, ونصبه على إضمار أن, كأنه قال: أيجتمع موت أبي شجاعً وأن لا يموت حاسده؛ أي: لا يجب أن يكون ذلك, وهذا استفهام على سبيل الإنكار. والنصب على مثل قول الحطيئة: [الوافر]
ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودة والإخاء
والأوكع: الذي تنقلب إبهام رجله على الإصبع التي تليها. فأما قولهم: سقاء وكيع فمعناه جديد قوي, وبه سمي الرجل وكيعًا, وقال الفرزدق: [الطويل]
стр. 704
ووفراء لم تخرز بسيرٍ وكيعةٍ ... غدوت بها طبًا يدي برشائها
فقيل: إنه أراد فرسًا, وقال بعضهم: أراد خصيته. وبعد هذا البيت بيت يحتمل الوجهين, وهو:
ذعرت بها سربًا نقيًا جلوده ... كنجم الثريا إذ بدت من عمائها
العماء: السحاب الرقيق.
وقوله:
أيدٍ مقطعة حوالي رأسه ... وقفًا يصيح بها ألا من يصفع
بعض الناس يقول: إن الصفع كلمة مولدة, وقد ذكره الفراء ذكر من هو عنده من كلام العرب. والقفا: مذكر في أكثر الكلام, وربما أنث. قال الشاعر: [الوافر]
وما المولى وإن عرضت قفاه ... بأحمل للملاوم من حمار
وهو مأخوذ من: قفوت الشيء إذا اتبعته, ويجوز أن يكون قفوت مأخوذةً منه؛ لأنهما من الاتباع, ومنه قولهم في آخر كلمة من البيت: قافية, وقولهم: قفاه: إذا عابه؛ أصل ذلك أن يتكلم فيه وهو غائب, أو بعدما يولي عنه, والمعروف في القفا: القصر, وقد جاء ممدودًا في بيت وذلك قوله: [الكامل]
أخذت سليفة أمه بقفائه
وإن صح أن فصيحًا قال ذلك فإنما مده على معنى الضرورة, والمعنى: أن هؤلاء القوم الذين حوالي المذكور كأن أيديهم مقطعة, وهي تدعى إلى أمرٍ لا تقدر عليه.
وقوله:
وتركت أنتن ريحةٍ مذمومةٍ ... وأخذت أطيب ريحةٍ تتتضوع
يقال: نتن الشيء, وأنتن, وقالوا: منتن, على القياس, كما قالوا: أكرم فهو مكرم, وقالوا: منتن فكسروا الميم لكسرة التاء, كما قالوا: منخر, فأتبعوا الميم الخاء, وحكي منتن, بالضم.
стр. 705
والريحة: كلمة قليلة الاستعمال, وهي في معنى ريح الشيء, وإذا قالوا: شممت ريحه فهي مأخوذة من الريح الهابة؛ لأنهم يريدون أن عرف ذلك الشيء تحمله الريح حتى تصل به إلى من يجده, كذلك هو في الأصل, ثم كثر ذلك, حتى استعملوه فيما لا يوجد له ريح, حتى يوضع على الأنف وينتشق. وتضوعت (١٠٨/أ) الرائحة: إذا انتشرت, وتحركت, ومنه قولهم: انضاع الفرخ إذا تحرك.
وقوله:
فاليوم قر لكل وحشٍ نافرٍ ... دمه وكان كأنه يتطلع
أصل الوحش أن يكون ضدًا للإنس, والأغلب على الوحش التأنيث, قال تأبط شرًا: [الطويل]
يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
وجعله أبو الطيب هاهنا واحدًا؛ وذلك قليل في الاستعمال, إلا أن يراد به فقد الطعام, كما قال حميد بن ثورٍ: [الطويل]
وإن بات وحشًا ليلةً لم يضق بها ... ذراعًا ولم يصبح لها وهو خاشع
والمعنى: أن هذا المرثي كان مغرى بالصيد, هذه صفة حال, وليست مما يمدح به الملوك؛ لأن اشتغالهم بغير ذلك أجمل؛ إلا أن يعني بالوحش هاهنا عدوًا يستوحش فينفر خوفًا من القتل؛ فحينئذ يكون فيه مدح للمذكور؛ لأنه يصفه بأن مخالفيه كانوا في حياته ليسوا بالآمنين, ويكون ذلك من جنس تشبيههم الهارب بالنعامة, والثعلب, ونحوها.
وقوله:
وتصالحت ثمر السياط وخيله ... وأوت إليها سوقها والأذرع
ثمر السياط: جمع ثمرة, وهي عقدة تكون في طرف السوط. والسوط مأخوذ من قولهم: ساط الشيء بغيره يسوطه: إذا خلطه؛ كأنهم أرادوا أنه يخلط اللحم بالدم, أو يسوط بعض الدم ببعضٍ, وقالوا: ساط فرسه إذا ضربه بالسوط. وقوله: وأوت إليها سوقها والأذرع؛ كأنها كانت ليست معها؛ وهذا على معنى المبالغة؛ كما يقال للرجل الذي قد أتعب يده في عمل: كأن يدك ليست معك؛ أي: قد أتعبتها فصارت لا تحس بشيءٍ, فكأنها منقطعة منك. والسوق: جمع ساق, مثل دارٍ ودورٍ, وقد حكي سؤوق, وهو شاذ, فأما أسوق فالجمع المعروف. وقولهم: ساق الدابة والإنسان, وساق الشجرة من جنسٍ واحد, وأصل الساق فيما
стр. 706
يوصف بالمشي, كأنها تسوقه, ثم قيل: ساق الشجرة؛ لأنها تقوم عليها تشبيهًا بالساق من سوق الحيوان. وأوت إليها: أي: رجعت من: أويت إلى المنزل؛ أي: رجعت.
وقوله:
ولى وكل مخالمٍ ومنادمٍ ... بعد اللزوم مشيع ومودع
قوله: ولى الشيء: إذا أخذ في النقصان, وولى الميت: إذا ذهب؛ مأخوذ من قولهم: ولاهم ظهره: إذا انصرف عنهم, ثم كثر ذلك, حتى قالوا لكل ما ذهب وأخذ في نقصٍ: ولى؛ فيقولون: ولى الربيع: إذا قارب الفراغ, وولى مال فلانٍ: إذا نقص. والمخالم: مثل المصادق, والخلم: الصديق, وربما سموا كناس الظبية خلمًا؛ لأنها تألفه, فكأنه لها صديق.
وقوله:
قد كان أسرع فارسٍ في طعنةٍ ... فرسًا ولكن المنية أسرع
نصب فرسٍ هاهنا على التمييز, والمعنى: كان أسرع فارسٍ فرسًا في طعنةٍ, ولا يحسن أن يكون فرس منصوبًا بالطعنة؛ لأن الرجل إنما يمدح بطعنه الفارس لا فرسه.
ومن بيتين أولهما
بلا تستوي والورد والورد دونها ... إذا ما جرى فيك الرحيق المشعشع
وهما من الطويل الثاني على رأي الخليل, ومن السحل الأول على رأي غيره.
هذا البيت متعلق بالذي يروى للأعرج المعني, وكان أبو الطيب رآه في «كتاب الخيل» لأبي عبيدة, وهو قوله: [الطويل]
تلوم على أن أمنح الورد لقحةً ... وما تستوي والورد ساعة نفزع
стр. 707
فكأنه أنكر دعواه, وأجابه بحسب ما قال. وبلى تجيء في أول الكلام إذا كان قد سبقها قول من قائلٍ, مثل أن يقول: ألم أعطك مالًا, فيقول السامع: بلى, وربما رد بها القائل على نفسه, كما قال أبو خراشٍ: [الطويل]
فوالله لا أنسى قتيلًا رزئته ... بجانب قوسى ما مشيت على الأرض
ثم قال منكرًا على نسه ادعاءه ترك النسيان: [الطويل]
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
وإنما يجيئون بهذه الكلمة إذا تقدم نفي يوجب دخولها في الجواب, ويجوز رفع الورد نسقًا على المضمر في تستوي, والعطف على هذا المضمر لا يحسن حتى يؤكد (١٠٨/ب) إذا كان في غير الشعر مثل أن يقول: تستوي هي والورد, والرواية بالرفع, ولو نصب على أنه مفعول معه لكان ذلك أقوى في العربية. والرحيق يقال: إنه القديم من الشراب, ولم يستعملوا من الفعل. والمشعشع: الممزوج, واستعارت الشعراء المشي, والدبيب للخمر: وإنما أصلهما في الحيوان, وإنما شبهوا دبيبها بدبيب النمل, كما قال القائل: [الوافر]
أعاذل لو شربت الراح حتى ... يظل لكل أنملةٍ دبيب
إذًا لعذرتني وعلمت أني ... لما أتلفت من مالي مصيب
ومن التي أولها
أركائب الأحباب إن الأدمعا ... تطس الخدود كما تطسن اليرمعا
وهي من الكامل الأول في رأي الخليل, ومن السحل الثالث في رأي غيره.
стр. 708
وإذا كان البيت مصرعًا, ولم يتم المعنى في النصف الأول, فهو جارٍ مجرى التضمين, وأكثر ما تجيء الأنصاف المصرعة تامة في المعنى, كقوله: [الكامل]
أمن آل مية رائح أو مغتد
وقول الحادرة: [الكامل]
بكرت سمية غدوةً فتمتع
وقوله: إن الأدمع لم يتم به الكلام فاحتاج إلى أن يلحق الألف للترنم, والكلام غير تام فدخل ذلك في جملة التضمين. وتطسن من قولهم: وطس الحجر إذا كسرها. واليرمع: حجارة بيض رقاق تنفت باليد, ومن الأمثال القديمة: «كفا مطلقةٍ تفت اليرمعا» يضرب ذلك مثلًا للرجل النادم على الشيء فعله, فهو يعبث بيده, رواه الأصمعني: كفا مطلقةٍ, ورواه أبو عبيدة: يدا مطلقة, قال الشاعر: [الكامل]
وكأنهم أجادل وكأنه ... خذروف يرمعةٍ بكف غلام
وقوله:
فاعرفن من حملت عليكن النوى ... وامشين هونًا في الأزمة خضعا
خاطب الركائب, وقد علم أنها لا تفهم, وأمرها بان تعرف أن من فوقها من لظعائن لهن كرم وموضع ليس لغيرهن, فيبنغي أن تقابلنهن بالإكرام, وتمشين هونًا؛ أي: مشيًا رويدًا سهلًا, ومنه قولهم: الهوينى للشيء الهين, ويقولون: فلان يستوطئ الهوينى, أي لا يشق على نفسه في الأمور, وهو عندهم عيب, والهوينى اسم مصغر لا يستعملون تكبيره,
стр. 709
ومكبره: الهونى, ولا يكادون ينطقون به, قال النابغة: [الوافر]
يقدن مع امرئٍ يدع الهوينى ... ويعمد للملمات العظام
ومخاطبة الركائب والديار شيء اصطلحت عليه الشعراء كما اصطلحت على الكذب والإسراف في الصفات. والركائب: جمع ركوبةٍ, وهو ما ركب, ويقولون: ركوب القوم وركبوتهم, فيجوز أن يقع الركوب على الواحد والجمع, وكذلك الركوبة, وفي كتاب الله سبحانه: ﴿فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾ وقد قرئ: ركوبتهم.
وقوله:
حتى كأن لكل عظمٍ رنةً ... في جلده ولكل عرقٍ مدمعا
الرنة: كأنها جارية على قولهم في الماضي: رن رنةً, كما يقولون: أنه أنةً, وحن حنةً, وقد حكي: ﴿ن وأرن؛ إلا أن أرن أكثر, وكان بعض أهل اللغة ينكر: رن, والإرنان: صوت شديد, يقال: أرن الحمار على أتنه, وأرن الطائر على الشجرة إذا رفع صوته. والهاء في جلده عائدة على العظم.
وقوله:
وكفى بمن فضح الجداية فاضحًا ... لمحبه وبمصرعي ذا مصرعا
الجداية: ولد الظبي إذا بلغ ستة أشهرٍ, يقع على الذكر والأنثى, ويقال: جداية, بفتح الجيم, وهو أفصح, وجداية, بالكسر, وقال قوم: الجداية: الذكر من أولادها؛ يذهبون إلى أنه في الظباء مثل الجدي في المعز. قال الراجز: [الرجز]
لأصبحت حمل بن كوز ... علالةً من وكروى أبوز
تريح بعد النفس المحفوز ... إراحة الجداية النفوز
стр. 710
يروى: حمل بن كوز على أن حملًا اسم رجلٍ, ويروى: جمل ابن كوز, بإضافة جملٍ إلى ابنٍ:
وقوله: (١٠٩/أ)
سفرت وبرقعها الفراق بصفرةٍ ... سترت محاجرها ولم تك برقعا
يقال: سفرت المرأة إذا ألقت خمارها عن وجهها, وكذلك سفر الرجل إذا ألقى عمامته, وأسفر وجهها إذا أضاء, وكذلك الصبح, وأجاز قوم: أسفرت عن وجهها, وليس بمعروفٍ, وقال توبة بن الحمير: [الطويل]
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
ويقال: سفرت الريح الغيم إذا كشفته, واستعمل أبو الطيب الصفرة عند الفراق؛ لأنه يحدث فزعًا في المفازق. والمحاجر: جمع محجر العين, وهو ما حولها.
وقوله:
فكأنها والدمع يقطر فوقها ... ذهب بسمطي لؤلؤٍ قد رصعا
الهاء في كأنها وفوقها راجعة إلى المحاجر, والسمط خيط ينظم فيه لؤلؤ, ومنه أخذ التسميط في الشعر؛ وهو أن تجيء أبيات على قافيةٍ, ثم يجيء بيت على قافيةٍ أخرى, ثم يردد ذلك, وقد نسبوا مثل هذا إلى امرئ القيس, ولم يره أحد في ديوانه, وافتن المحدثون فيه, وزعم بعض الناس أنه يسمى السمط, ومنه قول القائل: [الطويل]
أمن آل هندٍ مربع ومصايف ... يصيح بعافيها الصدى والعوازف
عفتها السوافي بعدنا والعواصف ... وكل ملث يكثر الوبل رادف
بأسحم من نوء السماكنين هطال
وإنما جرت عادتهم أن يستعملوا ذلك في الرجز, فإذا استعملوه في غيره جاؤوةا بالأبيات
стр. 711
مصرعةً, فربما كان البيت الآخر موازنًا لما قبله, أو ناقصًا عنه بشيء يسير, أو زائدًا زيادةً ليست بالمخلة. والمصراع الأخير من الأبيات المتقدمة يزيد على ما قبله بساكنٍ. ومن السمط قولهم: ثوب أسماط, قيل: هو الذي لا بطانة له, وقيل: هو الذي قد تقطع, فكأن كل قطعةٍ منه سمط, قال الراجز: [الرجز]
تليح من حادٍ لها شرواط ... محتجرًا بخلقٍ شمطاط
على سراويل له أسماط
وقوله:
كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا
يقال: شعر وشعر, وتحريك العين أفصح, والجمع القليل: أشعار, والكثير: شعور, وقالوا للزعفران: شعر.
وجعل كل ذؤابةٍ من شعرها ليلةً, يصفها بالسواد, وهذا مذهب يستحسنه الشعراء, وإنما يريدون السواد لا غير؛ إلا أنهم قد يسرفون في ذلك فيدعون ما يحيل المعنى.
وقوله:
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقتٍ معا
القمران هاهنا: يجوز أن يعني بهما قمرين متساويين؛ لأن الوجه المستحسن يشبه بالقمر, ولم تجر عادة الليل أن يكون فيه إلا قمر واحد, ويجوز أن يعني بالقمر الذي أرته: الشمس؛ لأن الشمس والقمر لا يجتمعان, وإنما جعلوا الشمس قمرًا إذا جعلوا معها القمر الطالع بالليل, فغلبوا المذكر على المؤنث.
стр. 712
وقوله:
زجل يريك الجو نارًا والملا ... كالبحر والتلعات روضًا ممرعا
الزجل: شدة الصوت, فيجوز أن يعني به صوت الرعد, والأحسن أن يعني به صوت المطر نفسه؛ لأنه يصفه بالكثرة فيسمع له حفيف. وإذا لم يكن في الغيث رواعد, فهو أهنأ له؛ لأن الراعدة تذعر الماشية, وتوقظ النائم, وربما كانت معها الصاعقة. وقوله: «يريك الجو نارًا» يدل على أنه أراد بالزجل: ذا الرواعد, والدليل على ذلك مبالغته في صفة البرق وكثرته. والملا: الأرض الواسعة, قال الشاعر: [الطويل]
ألا غنياني وارفعا الصوت بالملا ... فإن الملا عندي يزيد المدى بعدا
يقول: ملأ هذا العارض الأرض الواسعة ماء, فصارت كالبحر.
وقوله:
ألف المروءة مذ نشا فكأنه ... سقي اللبان بها صبيًا مرضعا
أصل نشأ: الهمز, وتخفيفه جائز في القياس, وقد جاء في السماع, وهذا البيت يروى لسحيم عبد بني الحسحاس: [الطويل]
أخوهم ومولاهم وصاحب سرهم ... ومن قد نشا فيهم وعاشرهم دهرا
ويقال: هو أخوه بلبان أمه إذا كانا (١٠٩/ب) قد رضعا من ثديٍ واحدٍ, ويجب أن يكون مصدر: لابنه يلابنه لبانًا, قال الأعشى: [الطويل]
رضيعي لبانٍ ثدي أم تحالفا ... بأسحم داجٍ عوض لا نتفرق
وقوله:
نظمت مواهبه عليه تمائمًا ... فاعتدها فإذا سقطن تفزعا
هذا البيت متعلق بالبيت الأول؛ لأن التشبيه متقدم, ولولا ذلك لم يصح المعنى؛ لأنه إذا
стр. 713
قال: كأنه صبي حسن أن يقول: نظمت مواهبه عليه. والتمائم: جمع تميمةٍ فيجوز أن يكون هذا الاسم مؤديًا معنى تامةٍ؛ أي: إنها تامة المنفعة, كما قالوا: تميم؛ أي: تام, ويحتمل أنهم أرادوا تمامها في الطول؛ لأنها تكون أطول من غيرها من العوذ, فهم يذكرون التمائم لعلتين: إحداهما أنهم كانوا يدفعون بها الجن, ويخشون على الأطفال, أشد من خشيتهم على الرجال والبالغين.
والأخرى أنهم يدفعون بها العين, قال الشاعر: [الطويل]
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرضٍ مس جلدي ترابها
وقالوا: تميم في الجمع, قال عبد الله بن قيس الرقيات: [الخفيف]
يتقي أهلها النفوس عليها ... فعليها قلائد وتميم
وقوله:
ترك الصنائع كالقواطع بارقا ... ت والمعالي كالعوالي شرعا
الصنائع: جمع صنيعةٍ, وهو ما يسديه الإنسان إلى غيره من الجميل. والمعنى: أنه ظهرت صنائعه كما تظهر السيوف إذا ضرب بها, فهي بارقات ينظر إليها كل ناظرٍ. وجعل المعالي شرعًا كالعوالي: جمع عالية الرمح, كأنها كانت قبله غير مستعملةٍ, فأشرعها هو أي: جعلها شارعةً. وقولهم: رماح شوارع يريدون أنها كالواردة دماء من يطعنون؛ فكأنها شارعة فيها, كما تشرع الواردة في الماء.
وقوله:
متبسمًا لعفاته عن واضحٍ ... تعشي لوامعه البروق اللمعا
استعار العشى للبرق, وإنما أصله في العين الناظرة إذا ضعف بصرها, وقالوةا: عشي عشًى
стр. 714
إذا لم يبصر بالليل. وقال الراجز: [الرجز]
يعشى إذا أظلم عن عشائه
وكأنه يريد أن البرق يقل نوره, ويخفى إذا تبسم هذا الممدوح؛ لأن لمعان ثغره يزول عنده لمع البرق, ويغيب فيه, فجعل فقد نوره كالعشى في العين؛ لأن بصرها يضعف.
وقوله:
الحازم اليقظ الأغر العالم الـ ... ـفطن الألد الأريحي الأروعا
نصب الحازم على إضمار فعلٍ, كأنه قال: أعني الحازم أو أمدحه, أو نحو ذلك من الأفعال. ويقال: يقظ ويقظ؛ أي: لا يغفل عن الأشياء, وإذا وصفوا الرجل بأنه فطن للأشياء غير مغفلٍ للرأي وصفوه باليقظ واليقظان, وإذا عجبوا من غفلته وإضاعته ما يليه شبهوه بالنائم, قال الشاعر: [الوافر]
أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
ويصفون الرجل بقلة النوم, قال الراجز: [الرجز]
أعرف فيه قلة النعاس ... وخفةً من راسه في راسي
كيف رأيت عنده مراسي
ويقولون للرجل: أغر إذا وصفوه ببياض الوجه, ويسمون الوجه غرةً, يقولون: هو ميمون الغرة, وأصل ذلك في الخيل. وأصل الألد: الشديد الخصومة؛ كأنهم يريدون أنه يلد خصمه بما يكره, أو أنه يميله في لديده, واللديد: صفحة العنق, ويجوز أن يسمى الجنب: لديدًا, ومنه قولهم: تركته يتلدد؛ أي: يميل في جانبيه, وهم يحمدون البلاغة واستظهار الرجل على خصمه, ويذمون العي والانقطاع, قال الشاعر: [الطويل]
يكاد يزيل الأرض وقع خطابهم ... إذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر
стр. 715
لأنهم كانوا إذا أرادوا الكلام أخذوا شيئًا في أيديهم, كأنهم يستمرون به المنطق. والأريحي: الذي يرتاح للمعروف, ولا ريب أن اشتقاقه من الريح, وهي من ذوات الواو, ولكنهم لما قالوا: ريح, وفي الجمع رياح, أنسوا بالياء, فقالوا: أريحي, وكرهوا أن يعيدوه إلى أصله؛ لأنهم كرهوا أن يقولون: أروحي, فيشتبه بالنسب إلى الأروح الرجلين, كما كرهوا أن يقولون في جمع العيد: أعواد, فيشبه جمع عودٍ.
وقوله (١١٠/أ):
الكاتب اللبق الخطيب الواهب النـ ... ـدس اللبيب الهبزري المصقعا
كانت الكتابة في الجاهلية قليلةً, فكان الرجل إذا كتب صار ذلك فضيلةً له, ثم كثرت الكتابة في الإسلام حتى لم يوصف بها إلا من هو متميز من غيره, يحسن الخط أو البلاغة, أو يكون في خدمة رئيس يكتب بين يديه, فيحسن أن يوصف بذلك. واللبق: الذي يلبق به ما يصنعه يقال: لبق ولبيق, وبيت الحارثي ينشد على وجهين: [الطويل]
وإني إذا ما الخيل شمصها القنا ... لبيق بتصريف القناة بنانيا
ويروى: رفيق. والهبرزي: صفة محمودة؛ فبعضهم يقول: هو الجميل الوجه. وقال قوم: الهبرزي: الإسوار من أساورة الفرس, وهو عندهم معرب, ولما كان يقال للإسوار من الفرس: هبرزي؛ وصفوا به من هو عندهم ذا غناءٍ وفضلٍ, كما قالوا للرئيس من العرب: بطريق, وإنما هو للروم في الأصل. وقال قوم: الهبرزي: الجيد من كل شيءٍ, حتى قالوا: خف هبرزي, أي: جيد, وقالوا للدينار: هبرزي إذا كان خالص الذهب, قال الشاعر: [الطويل]
فما هبرزي من دنانير أيلةٍ ... بأيدي الوشاة مشرقًا يتأكل
стр. 716
وقوله:
يهتز للجدى اهتزاز مهندٍ ... يوم الرجاء هززته يوم الوعى
يصفون الرجل بالهزة إذا سئل, وهو مثل قولهم: أريحي. قال الشاعر: [الطويل]
وتأخذه عند المكارم هزة ... كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب
والوعى: الصوت, مثل الوغى, وقوله: هززته يوم الوعى في موضع وصفٍ لمهندٍ.
وقوله:
أقصر ولست بمقصرٍ جزت المدى ... وبلغت حيث النجم تحتك فاربعا
يقال: ربع إذا أقام. والنجم: يحتمل أن يكون هاهنا الواحد من النجوم, لا يخص به بعض دون بعضٍ, ويجوز أن يعني الثريا؛ لأنهم إذا قالوا: النجم أوقعوه عليها دون غيرها في كثير من المواضع, قال الشاعر: [الطويل]
إذا النجم وافى مغرب الشمس عطلت ... مقاري حيي واشتكى الغدر جارها
لأن الثريا في الشتاء تطلع عشاءً, وإذا طلعت مع الصبح فذلك من دلائل الحر.
وقوله:
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنت ... عن شأوهن مطي وصفي ظلعا
الِشأو: الطلق, وإنما هو مأخوذ من قولهم: شاءه يشاؤه إذا سبقه, وقالوا: شأوته وشأيته, إلا أنهم ثبتوا على الواو في الشأو. واستعار المطي للوصف, ويجوز أن يجعل القصائد كالمطي؛ لأنها تحمل المديح, وتسير به في البلاد.
وقوله:
وجرين جري الشمس في أفلاكها ... فقطعن مغربها وجزن المطلعا
قوله: جرين: يجوز أن يعني به المفاخر, وأن يعني به مطي وصفه, وكذلك قوله: وخشين ألا تقنعا: يحتمل الوجهين.
стр. 717
ومن التي أولها
ملث القطر أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا
وهي من أول الوافر على رأي الخليل, ومن أول السحل الرابع في قول غيره.
يقال: ألث القطر: إذا دام, وقد جرت عادة الشعراء أن يستسقوا للربوع, فخالفهم أبو الطيب في هذا الموضع, وذكر العلة في تركه استسقاء الغيث, وسؤاله إياه إن سقاها أن يكون ما يسقيه سمًا نقيعًا؛ وذلك قوله:
أسائلها عن المتديريها ... فلا تدري ولا تذري دموعا
جعل صمتها عن إجابة السائل, وأنها لا تدري ما فعل أهلها ولا تظهر عليهم البكاء, ذنبًا لها يوجب سؤاله الغيب أن يعطشها أو يسقيها نقيع السمام. وهذا من تكذب الشعراء الذي يستحسن ويسوغ في حكم النظم, وهو مجانس لقول الآخر: [البسيط]
إذا سقى الله أرضًا صوب غاديةٍ ... فلا سقاهن إلا النار تضطرم
إلا أن هذا القائل ذم هذه (١١٠/ب) البلاد؛ لأنها ليست منازل أحبابٍ فقال: [البسيط]
لا حبذا أنت يا صنعاء من بلدٍ ... ولا شعوب هوًى مني ولا نقم
ولن أحب بلادًا قد رأيت بها ... عنسًا ولا بلدًا حلت به قدم
والهاء في المتديريها, على مذهب بعض النحويين, في موضع نصبٍ, ولا يمتنع أن تكون مخوضةً, وبعضهم يختار الخفض لا غير, وقوم يعادلون بين الوجهين. ويقال: أذرى الدمع يذريه إذا ذرفه من عينيه, وهو من أذرته الريح.
وقوله:
لحاها الله إلا ماضييها ... زمان اللهو والخود الشموعا
стр. 718
يقال: لحاه: إذا لامه, وهو مأخوذ من لحيت العصا إذا قشرتها, وفيه لغتان: لحيت, ولحوت, فإذا أريد به اللوم لم يستعملون إلا بالياء, والشموع: المزاحة؛ يقال: شمع يشمع, وهي المشمعة, قال الهذلي: [الكامل]
فلبثن حينًا يعتلجن بروضةٍ ... فيحد طورًا في العلاج ويشمع
ويجوز أن يكون اشتقاق (شمع) في معنى (مزح) من الشمعة الموقدة؛ لأنها تضيء ولا يدوم ضياؤها, وكأنها ليست بجادةٍ في ذلك. وقالوا أشمع السراج: إذا اشتد ضوؤه, فكأنه صار مثل الشمعة في الضياء.
وقوله:
منعمة ممنعة رداح ... يكلف لفظها الطير الوقوعا
هذا معنى يتداوله الشعراء, مثل أن يقولوا: لو نادى فلان الطير لأجبنه, ولو سمعت العصم كلامه لنزلت إليه, ونحو منه قول النابلغة: [الكامل]
بتكلمٍ لو تستطيع حواره ... لدنت له أروى الهضاب الركد
وقال آخر: [الطويل]
ولو سمعت غربان ضرخة لفظها ... لأخرت عليها بين مثنى وموحد
وقوله:
ترفع ثوبها الأرداف عنها ... فيبقى من وشاحيها شسوعا
يقال: وشاح وإشاح, وهو شيء ينظم, وتجعله المرأة على خصرها, فربما كان لؤلؤًا, وربما كان خرزًا أو ودعًا. وقالوا: حمام موشح إذا كان فيه لون مخالف معظم لونه, قال ذو الرمة: [الطويل]
قد ارتحلت مي فهاتيك دارها ... بها السحم تردي والحمام الموشح
стр. 719
والردف: العجز, وكل ما تبع شيئًا فهو ردف له, يقال: ردفه وأردفه, والردف واحد كغيره من أعضاء البدن؛ إلا أن الشعراء يقولون: ثقيلة الأرداف يريدون مآخير الجسد.
والشسوع من (شسع) إذا بعد, وهذا المعنى مجانس لقول الآخر: [الكامل]
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
وقوله:
إذا ماست رأيت لها ارتجاجًا ... له لولا سواعدها نزوعا
ماست المرأة: إذا اضطربت في مشيها وتمايلت, وكذلك ماس الغصن, ومن أمثالهم: إن الغني طويل الذيل مياس» , يراد أنه من الأشر يتمايل. والارتجاج: الاضطراب, وفي كلام يروى عن ابنة الخس لما قيل لها: بم تعرفين لقاح ناقتك؟ قالت: أرى العين هاجا والسنام راجا وأراها تفاج ولا تبول. وقالوا: سمعت رجة الرعد؛ أي: صوته؛ وإنما يعنون أن صوته شديد ترتج له الأرض. والهاء في له عائدة على الثوب. ونزعا: فعول من (نزع الشيء) إذا نحاه عن موضعه, يقول: لولا سواعد هذه المرأة تمنع ثوبها من أن يزول عنها لألقاه عنها ارتجاجها في المشي.
وقوله:
تألم درزه والدرز لين ... كما تتألم العضب الصنيعا
تألم في معنى تتألم, والغالب على تفعل أنه لا يتعدى, وقد يجيء متعديًا كقولهم: تعلمت العلم, وتسديت الأمر؛ أي: ركبته, وعلوته. والمعنى تتألم من درزه, والدرز: أثر الخياطة, وهو قليل التردد في الكلام القديم, وقال بعضهم: إن الدنيا يقال لها أم درزٍ, يراد أنها تحوج إلى أن تخدم, كما يحوج الثوب إلى أن يخاط.
стр. 720
وقوله: (١١١/أ)
ذراعاها عدوا دملجيها ... يظن ضجيعها الزند الضجيعا
الدملج: كلمة قديمة, يقال: دملج ودملوج. قال الراجز: [الرجز]
كأن بين المرط والدمالج ... نافجةً من أطيب النوافج
فهذا جمع دملجٍ, ومن قال: دملوج؛ فقياسه أن يقول في الجمع: دماليج. والدملج يكون في العضد, وليس الذراع موضعًا له؛ لأن الذراع من المرفق إلى الكوع, والعضد من المرفق إلى المنكب, قال الراجز: [الرجز]
يا بكر بكرين ويا خلب الكبد ... أصبحت مني كذراعٍ من عضد
والمعنى أن دملجيها يثبتان في العضدين, ولا يقدران أن يخرجا إلى الذراع؛ فكأنهما للذراعين عدوان؛ لأن العدو يبعد ممن عاداه. ودملجاها قد غصا بعضديها, ففهما ثابتان, وهم يصفون المرأة بأنها تغص الحلي, ويملأ ساقها الخلخال, وزندها السوار, ومن ذلك قول المرار الأسدي: [الرمل]
يضرب السبعون في خلخالها ... فإذا ما أكرهته ينكسر
أي: يضيق عن مخدمها, فإذا أكرهته انكسر. والزند: موضع السوار, وقد أفرط في صفتها بالسمن حتى خرج إلى أمرٍ لو كان لأدى إلى الذم.
وقوله:
غدا بك كل خلوٍ مستهامًا ... واصبح كل مستورٍ خليعا
الخلو من قلبه خالٍ من هوى, وكل من فقد شيئًا فهو خلو منه. والمستهام الذي قد حمله الحب على أن يهيم في الأرض؛ أي: يذهب فيها. وأصل الخليع في الرجال هو الذي قد خلعه قومه فصاروا لا ينصرونه, ولا يحملون عنه إذا غرم, فهو فعيل في معنى مفعولٍ؛ أي: قد خلع من قومه, ثم كثرت هذه الكلمة, حتى قيل لمن شهر باللعب واللهو: خليع؛ أي: هو ممن
стр. 721
ينبغي ألا يلتفت إليه أهله. ويجوز أن يكون مأخوذًا من الثوب الخليع؛ أي: الخلق, وكانوةا في الجاهلية يقامرون فربما قمر الرجل ماله وأهله, فيقال له: خليع عند ذلك؛ أي: قد خلع مما كان له. وقالوا للذي يقامر بالميسر: مخالع؛ لأنه إذا أسرف خلع من ماله, قال الطرماح: [الكامل]
في تيه مهمهةٍ كأن صويها ... أيدي مخالعةٍ تفيض وتنهد
وقوله:
أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرًا وابن إبراهيم ريعا
أو في معنى حتى هاهنا, وثبير: جبل, وهذا كما يقال: لا أكلمك حتى يشيب الغراب ويبيض القار؛ أي: إن ذلك لا يكون أبدًا, ومعنى البيت: أن حبي لك ثابت إلى أن يجر النمل ثبيرًا, أو يقول قائل: ريع ابن إبراهيم, وذلك شيء لا يكون أبدًا.
وقوله:
بعيد الصيت منبث السرايا ... يشيب ذكره الطفل الرضيعا
الصيت: مثل السمع, وهو ما يذهب للإنسان من ذكرٍ بين الناس, ويقال: ذهب صوته في معنى صيته, وأصات الرجل إذا صار له صيت, قال الشاعر: [الوافر]
ألا من مبلغ عوف بن كعبٍ ... فكيف أصات بعدكم النقيل
والنقيل: الذي ينتقل عن قومه. يقول: كيف صار له صيت لما اغترب؟ والسرية: جماعة يرسلها صاحب الجيش ليلًا, وهي مأخوذة من سرى وأسرى إذا سار الليل.
وقوله: يشيب ذكره الطفل الرضيعا: كلام قد اصطلح عليه الناس, وإنما يريدون به المبالغة في الأمر؛ أي: إن هذا الممدوح يشيب من خوفه الطفل, وهذا شيء لا يجوز أن يكون في الدار العاجلة, ولعل الله يحدثه في القيامة, كما قال تعالى: ﴿يومًا يجعل الولدان شيبًا﴾ , وهم يدعون أن الرأس يشيب من الفرق, حتى زعم بعضهم أنه
стр. 722
شاب في ليلةٍ. قال علي بن الجهم: [الخفيف]
إن أمرًا جنى علي مشيب الر ... أس في ليلةٍ لأمر عظيم
وقوله:
إن استعطيته ما في يديه ... فقدك سألت عن سر مذيعا
قدك: في معنى حسبك, وهي مما يستعمل بعده المضمر, فيقال: قدني, وقدك, قال زيد الخيل: [الوافر]
ولولا قوله يا زيد قدني ... إذًا قامت نويرة بالمآلي
وأدخلوا النون بعد الدال ليسلم لها السكون, كما فعلوا ذلك في عني ومني, وربما قالوا: قدي, قال الراجز (١١١/ب): [الرجز]
قدني من نصر الخبيبين قدي ... ليس الأمير بالشحيح الملحد
فقدي في آخر البيت: قيل: إن ياءها هي الياء التي في قدني, وقيل: ياؤها للإطلاق, وزعم قوم أنها إذا وليت الاسم الظاهر جاءت مخفوضةً, ويجوز فيها النصب, وقلما يستعمل بعدها الظاهر, وتم الكلام عند قوله: فقدك, ثم استأنف فقال: كأنك إذا سألته ما في يديه سألت عن سر من جرت عادته أن يذيع الأسرار, فأنت مستغنٍ عن سؤاله.
стр. 723
وقوله:
قبولك منه من عليه ... وإلا يبتدئ يره فظيعا
في هذا البيت ضمير مصدرٍ قد دل عليه الفعل, والضمير الذي قبل الهاء في قوله: يره راجع إلى الرجل, والهاء تعود على مضمرٍ آخر, كأنه قال: وإلا يبتدئ ير ترك الابتداء فظيعًا؛ أي: قبيحًا. يقال: أفظعني الأمر إذا أفزعني, وأمر مفظع وفظيع, وداهية مفظع, قال طفيل الغنوي: [الطويل]
أناس إذا ما الكلب أنكر أهله ... حموا جارهم من كل شنعاء مفظع
والمن إذا إذا استعمل في معنى الإحسان والعطية جاء على ضربين:
أحدهما: أنه إكرام ليس معه ما يكدره من الاعتداد بالصنيعة.
والآخر: أن يكون ثم ذكر, فهذا يعترض عليه التكدير, وكثيرًا تقول العرب: أسر فلان فلانًا فمن عليه؛ إذا لم يطلب منه فداءً, ولم يقتله إن كان له ذحل عنده.
وقوله:
لهون المال أفرشه أديمًا ... وللتفريق يكره أن يضيعا
الهون: الهوان, وأفرشه أديمًا؛ أي: جعله كالفراش له, ومن شأنهم أن يفرغوا المال على نطعٍ, والكلام يتم عند قوله: وللتفريق, ثم قال: يكره أن يضيعا كالمفسر لما سبق من البيت, أي: إنه إنما أفرشه الأديم كراهةً لضياعه.
وقوله:
إذا مد الأمير رقاب قومٍ ... فما لكرامةٍ مد النطوعا
واحد النطوع: نطع في وزن ضلعٍ, وهذه أفصح اللغات, وقد قالوا: نطع, بفتح النون والطاء, ونطع, بفتح النون وسكون الطاء, ونطع على مثال جذعٍ, قال الراجز: [الرجز]
يضربن بالأزمة الخدودا ... ضرب الأكف النطع الجديدا
стр. 724
وقوله:
فليس بواهب إلا كثيرًا ... وليس بقاتلٍ إلا قريعا
القريع: السيد, وقد ذكر في الأضداد؛ فيجيء في معنى الكريم الرئيس, وفي معنى المغلوب الذليل, وكلاهما معدول عن مفعولٍ؛ فإذا كان مدحًا فهو من قولهم: قرعت الشيء, فهو مقروع: إذا أخذت خياره, فيقال: مقروع للمختار, ومقروع للذي بقي بعد أخذ الجيد. يقول: هذا الممدوح لا يقتل إلا سيدًا من القوم؛ لأن ذلك أعظم لخطره.
وقوله:
وليس مؤدبًا إلا بنصلٍ ... كفى الصمصامة التعب القطيعا
الصمصامة: من صفات السيف, وهو الماضي القاطع, يقال: صمصام وصمصامة, ويقولون: صمصامة عمرو بن معدي كرب وصمصامه. وقال عمرو: [الوافر]
خليل لم أخنه ولم يخني ... مع الصمصام أو سيفي سلام
أراد سلامة ذا فائشٍ الحميري فحذف الهاء, والذين يذهبون إلى أن الحرف المكرر يكون بدلًا من التشديد, كقولهم: رقرق في رقق, وغلغل في غلل, يرون أن الصمصام مأخوذ من صمم السيف إذا قطع في غير مفصلٍ. والقطيع: السوط, وهو فعيل في معنى مفعولٍ, كأنه معدول عن مقطوع.
يقول: إن هذا الممدوح لا يعاقب إلا بالسيف, فقد أراح السوط من التعب؛ لأنه لا يعاقب به, وجعل السوط يتعب على معنى الاستعارة؛ لأن الضرب به يتكرر؛ فإذا أقيم به الحد ضرب المحدود مئة سوطٍ أو ثمانين أو أربعين, والسيف طال ما قتل بضربةٍ واحدةٍ.
стр. 725
وقوله:
علي ليس يمنع من مجيءٍ ... مبارزه ويمنعه الرجوعا
يقول: إذا بارزه مبارز قتله أو أسره فيمنعه من الرجوع إلى أهله أو أصحابه. ويقال: إن أبا دلامة الشاعر بارز رجلًا (١١٢/أ) من الخوارج فلما دنا منه قال الخارجي: [الرجز]
فويجر خدعته حتى انخدع ... فر من الموت وفي الموت وقع
فقال له أبو دلامة: أظنك لم تنو أهلك, قال الخارجي: أجل, فقال أبو دلامة: لكني أنوي دلامة, ورجع إلى أصحابه. فيقول: إن الممدوح لا يمكن من بارز من أن يرجع من حيث جاء؛ لأنه يعجله عن ذلك.
وقوله:
ونالت ثأرها الأكباد منه ... فأولته اندقاقًا أو صدوعا
جعل الأكباد كأنها تطلب ثأرًا عند الرماح, لأنها تطعن بها فتجازيها بأنها تدقها أو تصدعها, وهذا كله من المستعار, ونحو منه قوله في الأخرى: [الكامل]
في كل معتركٍ كلى مفرية ... يذممن منه ما الأسنة تحمد
جعل الكلى ذامةً, والأسنة حامدةً, وليسا مما يوصف بذم ولا حمدٍ.
стр. 726
وقوله:
فحد في ملتقى الخيلين عنه ... وإن كنت الغضنفرة الشجيعا
أدخل الهاء على الغضنفر للمبالغة, والغضنفر من صفات الأسد, وقيل: إنه الغليظ الجلد, وقالوا للبن الخاثر: غضنفر لغلظه. والشجيع: في معنى الشجاع, فالشجيع جارٍ على شجع كما أن كريمًا جارٍ على كرم, ويقال: شجيع وشجاع, وفي الجمع: شجعان وشجعان وشجعة وشجعة.
وقوله:
غمام ربما مطر انتقامًا ... فأقحط ودقه البلد المريعا
يقال: قحط المطر: إذا قل, وأقحطه الله سبحانه, قال الشاعر: [الخفيف]
وربيع المجاورين إذا ما ... قحط القطر واستقل الغمام
وقوله:
رآني بعد ما قطع المطايا ... تيممه وقطعت القطوعا
القطوع: جمع قطعٍ, وهي طنفسة تكون على كتفي البعير تحت الراكب, قال الشاعر: [الوافر]
أتتك العيس تنفخ في براها ... تكشف عن مناكبها القطوع
وقال زهير: [البسيط]
مقورة تتبارى لا شوار لها ... إلا القطوع على الأكوار والورك
وتيممه: قصده, يقول: قطع المطايا عن السير قصده. والشعراء يعتادون هذه الصفة على سبيل المبالغة وإن كان الممدوح مجاورًا لهم. يقول: صارت المطي رذايا من السير, وقطعت قطوعها لبعد المسافة.
وقوله:
وجاودني بأن يعطي وأحوي ... فأغرق نيله أخذي سريعا
المجاودة تقع من اثنين, مثل المكارمة, وغيرها مما هو على المفاعلة, يقول: جاودني بأن يجود
стр. 727
علي, وأن آخذ منه جوده, وجعل أخذه كالجود على معنى المبالغة, وهذا المعنى مبني على قوله: وأخذك منه من عليه ... ............
وسكن الياء في (يعطي وأحوي) للضرورة, وذلك كثير في الشعر.
وقوله:
أمنسي السكون وحضرموتا ... ووالدتي وكندة والسبيعا
يروى عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه كان يقول في اسم القبيلة: السكون والسكون بالضم والفتح, فإذا ضم احتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون جمع سكنٍ, وهو اسم الرجل. والسكن أهل الدار فجمع الاسم؛ لأن كل طائفة منهم جعلت فريقًا, كما يقال لمن أبوهم عمرو: العمور, ولمن أبوهم كعب: الكعاب.
والآخر: أن يكون السكون مصدر سكن سكونًا, والأول أقوى.
وإذا فتحت السين فهو فعول من (سكن). وكندة: مأخوذة من الغلظ وشدة اللحم, يقال: رجل مكنود إذا كان كذلك, ولا يمتنع أن تكون كندة من: كند النعمة إذا كفرها؛ لأن الكفر وجحد النعمة إنما يكون من غلظٍ في الخلق؛ فكأنه استعير من غلظ الخلقة. يقال: كاند وكنود, وأصحاب النسب ربما قالوا: كندي بمعنى كندة. والسبيع من همدان, وحضرموت قبيلة قديمة, وفي نسبها اختلاف, وبعض الناس يقول: هو حضرموت أخو سبأ ابن يشجب, وكان اسمه عبد النور, فقاتل يومًا قدام أخيه, فقال: حضرموت؛ فزعموا أنه سمي بذلك, وقال رؤبة: [الرجز]
أحضرت أهل حضرموتٍ موتا
стр. 728
وهما اسمان جعلا اسمًا واحدًا, فيقال في الرفع: حضرموت, ويجري في النصب والخفض والرفع مجرى ما لا ينصرف, والذي منعه من الصرف أنه معرفة ومركب من شيئين, والناس اليوم يظنون أن حضرموت بلد؛ وذلك سائغ في الكلام, كأنهم يريدون البلد الذي تحله حضرموت؛ وقد جاء ذلك في الشعر الفصيح, قال عبد يغوث الحارثي: [الطويل]
فيا راكبًا إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران ألا تلاقيا
أبا كربٍ والأيهمين كليهما ... وقيسًا بأعلى حضرموت اليمانيا
(١١٢/ب) فقوله: بأعلى حضرموت يدل على أنه جعله مكانًا. وكذلك قول رؤبة: «أهل حضرموتٍ» , وحكي أن بعض العرب يضم الميم, فيقول: حضرموت, وإنما حملهم على ذلك أنهم أرادوا إخراجه إلى وزن يكون للأسماء الآحاد مثل: عقرقوفٍ وعضرفوطٍ, ومنهم من يقول: حضرموتٍ فيجعله كالاسم المضاف, فأما قول الراجر: [الرجز]
يا حضرموت بايعي أو فري ... جاءك معن وأبو الأغر
فيجوز أن يكون خاطب البلدة وهو يريد أهلها, كما يقال: يا آمد اتقي كذا وكذا, والمراد: يا أهل آمد, ويحتمل أن يريد القبيلة.
وقوله:
قد استقصيت في سلب الأعادي ... فرد لهم من السلب الهجوعا
стр. 729
يقال: سلبته سلبًا وسلبًا, وهو أحد المصادر التي جاءت على فعلٍ بتحريك العين, لأن الأكثر فيها أن تجيء على فعلٍ بالسكون. وينبغي أن يكون السلب في أول البيت مصدرًا ساكن اللام, ويكون السلب الثاني محرك اللام, يراد به ما سلب, كما يقال: نفضت نفضًا بسكون الفاء, والنفض ما نفض. والمعنى أنك قد سلبت الأعادي جميع ما يملكون, وكل خلةٍ مثل الأمن ونحوه, حتى سلبتهم الهجوع فاردده عليهم؛ لأنهم لا ينامون من خوفك.
وقوله:
إذا ما لم تسر جيشًا إليهم ... أسرت إلى قلوبهم الهلوعا
يقال: سار الجيش وأساره غيره, فهذا القياس. وقد حكي: سرت الدابة وأسرتها, فلا يمتنع على هذا أن يقال: سار الجيش وسرته؛ لأنه مأخوذ من سير الدابة. والهلوع: مثل الهلع, وهو أشد الفزع. وقيل: الهلع أن يذهب العقل من الرعب, ويقال: الهلوع والهلاك بمعنى: كما يقال: الصمات والصموت ورزاح الناقة والرزوح, وقال ذوم الرمة: [الطويل]
فمازال عن نفسي هلاع مداخل ... من الهم حتى كاد يبدو ضميرها
وقوله:
رضوا بك كالرضى بالشيب قسرًا ... وقد وخط النواصي والفروعا
يقال: وخطه الشيب في أول ما يبدو به, ووخطه بالرمح إذا طعنه طعنًا خفيفًا, والمعنى: أن أعداءك راضون بأنك قد علوتهم وهم كارهون؛ إلا أنهم لا يقدرون على دفعك كما أن الشيب يعلو المفارق على كرهٍ ممن يشيب.
وقوله:
فلا عزل وأنت بلا سلاحٍ ... لحاظك ما تكونه به منيعا
الأعزل: الذي لا سيف معه, وربما قالوا: الذي لا سلاح معه, وإنما قيل له أعزل لأنه يعتزل عن الحرب, ويقال في المصدر: أعزل بين العزل والعزل, كما يقال: السقم والسقم, والثكل والثكل, قال الهذلي: [الطويل]
стр. 730
وما هو إلا سيفه وثيابه ... وما بكم فقر إليه ولا عزل
وقالوا: السماك الأعزل ليضادوا به الرامح؛ فدل ذلك على أنه يحسن أن يقال للذي لا رمح معه: أعزل, قال كعب بن زهيرٍ: [الطويل]
فلما استقل الفرقدان زجرتها ... وهب سماك ذو سلاحٍ وأعزل
يقول: إذا كنت بلا سلاحٍ فلست بأعزل؛ لأن لحظك يقوم مقام السلاح فإذا نظرت إلى العدو انهزم.
وقوله:
لو استبدلت ذهنك ما حسامٍ ... قددت به المغافر والدروعا
المغافر: جمع مغفرٍ, وهو كمة من الزرد يجعلها الرجل على رأسه في الحرب, مأخوذ من: غفرت الشيء إذا سترته, فأما المغفر في غير هذا فضرب من الصمغ, وهو الذي يقال له: المغفور, بضم الميم وفتحها, ومن أمثالهم: «هذا الجنى لا أن يكد المغفر».
ومن بيتين أولهما
بأبي من وددته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
وهما من أول الخفيف في قول الخليل, وفي قول غيره من الطلق السادس.
وقد مضى القول في قولهم: بأبي وبنفسي. وقضى الله: في معنى حكم, ويقال: قضى الشيء إذا قطعه, وكأن القضاء فصل للحكم وقطع, ويقال: قضاني الأمر في معنى قتلني. قال الشاعر: [الطويل]
стр. 731
فمن يك لم يغرض فإني وناقتي ... بحجرٍ إلى أهل الحمى غرضان
تحن فتبدي ما بها من صبابةٍ ... وأخفي الذي لولا الأسي لقضاني
ومنه قولهم: قضى الدرع إذا فرغ من عملها, وقال أبو ذؤيب: [الكامل]
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داوود أو صنع السوابغ تبع
ومن أبيات أولها
شوقي إليك نفى لذيذ هجوعي ... فارقتني وأقام بين ضلوعي
وهي من ثاني الكامل في قول الخليل, ومن ضروب السحل الثالث في قول غيره.
قوله:
أو ما وجدتم في الصراة ملوحةً ... مما أرقرق في الفرات دموعي
أصل الصراة والصرى: الماء المستنقع, وقيل لجمتع الفرات ودجلة ببغداد: الصراة, من ذلك قال الراجز:
تشرب ما في جانب المقراة ... ما بقي في الحوض من الصراة
وقال آخر: [الرجز]
من كل حمراء شروب للصرى ... ما بقي منه في الحياض أكدرا
لا يقشعر كشحها من العرا ... ولا تطوف في الجليد الحجرا
стр. 732
ومن قطعة تنسب إلى أبي الطيب وهي ضعيفة جدًا.
وقد كان في زمانه قوم يشبهون كلامهم بكلامه, فيجوز أن تكون هذه مما عملوه. وهي من ثاني الطويل على ري الخليل, ومن أول السحل الأول على ري غيره, وألها:
قطعت بسيري كل يهماء مفزع ... وجبت بخيلي كل صرماء بلقع
(١١٣/أ) اليهماء: الأرض التي لا يهتدى بها, وقيل للجبل الذي لا يقدر على طلوعه: أيهم, ومن ذلك قولهم: الأيهمان, وجاء في الحديث: «نعوذ بالله من شر الأيهمين» وهما في البادية: السيل والفحل الهائج, وفي الحاضرة: السيل والحريق. والمعنى أنهما لا يدرى كيف يدفعان, ولم يستعمل المصدر من هذه الكلمة, لم يقولوا: اليهم, كما قالوا: الفعل في مصدر أفعل مثل الكمه في الأكمه, والعور في الأعور. ويقال: أرض مفزع, فإذا أرادوا المبالغة قالوا: مفزعة, وكثر استعمالهم الهاء إذا أرادوا هذا الوجه, فقالوا: بلاد مذأبة, وأرض مسبعة ومأسدة, ونحو ذلك, قال الراجز: [الرجز]
يا معطي الخير الكثير من سعه ... إليك جاوزنا بلادًا مسبعه
والصرماء: الأرض المنصرمة من الناس, ويقال: هي التي لا ماء فيها, ومن ذلك قيل للذئب والغراب: الأصرمان, قال الشاعر: [الوافر]
على صرماء فيها أصرماها ... وخريت الفلاة بها مليل
وقوله:
وفارقت مصرًا والأسيود عينه ... حذار مسيري تستهل بأدمع
стр. 733
أصل الاستهلال: في المطر؛ وذلك أن يسمع له وقع, ويقال: استهل السحاب, ثم استعير في الدمع لأنهم إذا وصفوه بالغزارة شبهوه بالمطر. قال النابغة:
ولما استهلت بالنسار سحابة ... تشبهها رجل الجراد من النبل
وقالوا: استهل الطفل, إذا صاح حين يولد.
وقوله:
ألم يفهم الخنثى مقالي وأنني ... أفارق من أقلي بقلبٍ مشيع
الخنثى: مأخوذ من الانحناث, وهو الضعف والتكسر, وألف الفعلى لا تكون إلا للتأنيث عندهم, وهذه الكلمة في الكلام كصاحبها في الإنس, لأنها تقع على من أمره مشكل؛ فإذا صح أنه امرأة فالألف للتأنيث, وإذا حكم أنه رجل فقد استعملت الفعلى للمذكر, ولو سمي رجل بخنثى أو امرأة وجب ألا تنون في النكرة, وكانت لعمرو بن عمرو ابن عدس فرس منثى لها ما للفحل وللإناث, وعليها نجا في يوم جبلة.
* * *
ما روي لأبي الطيب شيء على قافية الغين.
* * *
стр. 734
قافية الفاء
من التي أولها
لجنيةٍ أما غادةٍ رفع السجف ... لوحشيةٍ لا ما لوحشيةٍ شنف
وهي من الطويل الأول على مذهب الخليل, ومن الضرب الخامس من السحل الأول في قول غيره, وأراد ألف الاستفهام فحذفها, وتلك ضرورة, وقد ذهب بعض الناس إلى أن حذف ألف الاستفهام قد جاء في القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿وتلك نعمة تمنها علي﴾ قالوا أراد: أو تلك, وهذا قول يضعف. وكانت العرب إذا استحسنت الشيء نسبته إلى الجن, وكذلك إذا تناهو في صفة الرجل بالشجاعة جعلوه جنيًا, قال النابغة: [الكامل]
سهكين من صدأ الحديد كأنهم ... تحت السنور جنة البقار
وقال زهير: [الطويل]
بخيلٍ عليها جنة عبقرية ... جديرون يومًا أن ينالوا ويستعلوا
والغادة: الناعمة, ويقال: هي التي فيها انثناء, وقالوا: نبت غاد إذا كان ناعمًا متثنيًا, قال كثير: [الطويل]
وبيضاء رعبوبٍ كأن وشاحها ... على ناعمٍ من غاب دجلة غاد
والسجف, بكسر السين وفتحها, والكسر أكثر: ما يستعمل في معنى الستر, وقيل: هو أسفل الستر. وكأن الشاعر شك في هذه المذكورة فجعلها جنيةً, ثم توهم أنها غادة من الإنس, ثم انصرف عن ذلك الرأي, فظن أنها وحشية؛ لأنهم يشبهون المرأة بالظبية, والبقرة من الوحش, ثم أنكر أن تكون وحشيةً لما رأى عليها شنفًا, وهو ما علق في أعلى الأذن إذ
стр. 735
كانت الوحوش لا يكون عليها حلي. وقد يجوز أن يحمل البيت على أن ألف الاستفهام غير مرادةٍ فيه, كأنه قال: لوحشيةٍ رفع السجف, وهو لا يشك في ذلك, ثم جاء بأم؛ لأنها تجيء في معنى بل, وليس قبلها استفهام. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ , ثم قال: ﴿أم يقولون افتراه﴾ وهذا الوجه أحسن من الأول؛ لأنه يخلو من الضرورة.
وقوله:
نفور عرتها نفرة فتجاذبت ... سوالفها والحلي والخصر والردف
(١١٣/ب) النساء يوصفن بالنفار, وكأنما ذلك محمول على أنهن ينفرن من الريبة, قال الشاعر: [الطويل]
تريع إلى أنس الحديث وإن ترد ... سوى ذاك تذعر منك وهي ذعور
ولذلك وصفوا المرأة بالنوار, قال الباهلي: [الوافر]
أنورًا سرع ماذا يا فروق ... وحبل الوصل منتكث حذيق
وقال العجاج:
يخلطن بالتأنس النوارا
والسوالف: جمع سالفةٍ, وهي مقدم العنق, وكأنها مأخوذة من قولهم: سلف الشيء إذا
стр. 736
تقدم. يقول: ألمت بهذه المذكورة نفرة, فتجاذب جيدها وحليها؛ يعني بالحلي ما يكون في العنق, والحلي يقع على الذهب والفضة, ويدخل اللؤلؤ وما جرى مجراه مما تتزين به النساء من زبرجدٍ وجزعٍ, وغير ذلك, قال المرقش: [الطويل]
تحلين ياقوتًا وشذرًا مفصلًا ... وجزعًا ظفاريًا ودرًا توائما
يريد أن المرأة ارتجت للنفرة فوقع التجاذب بين أعضائها.
وقوله:
وخبل منها مرطها فكأنما ... تثنى لنا خوط ولا حظنا خشف
المرط: كساء من صوفٍ, ويمكن أن يقال للكساء من الخز: مرط, وفي الحديث: «أن النبي ﷺ كان يصلي في مروط نسائه» وخبل: أي: أحدث فيها خبالًا؛ أي: اضطرابًا, والخبل والخبل والخبال اشتقاقهن واحد, وهن يستعملن في الفساد والاضطراب, وكثر في الكلام القديم استعمالهم الخبل في قطع اليد والرجل, قال متمم: [الطويل]
وكل فتى في الناس بعد ابن أمه ... كذاهبة إحدى يديه من الخبل
فأما قول الآخر: [الطويل]
من الدارميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنة والخبل
فالخبل: هاهنا يقع على كل داءٍ يفسد الصحة, وإنما سموا الجن خبلًا؛ لأنهم يذهبون إلى أنهم يخلبون الإنس أي: يفسدون عقولهم وأجسامهم. والخوط: الغصن القومي. والخشف: ولد الظبية, وإنما قيل له: خشف من قولهم: خشف في الشيء إذا دخل فيه؛ يريدون أنه يدخل في الأشياء فيستتر فيها.
وقوله:
هراقت دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حلف
стр. 737
أصل الحلف من قولهم: حلف يمينًا, وقالوا: فلان حلف فلانٍ؛ أي قد حالفه على أمرٍ يفعلانه, والقوم أحلاف. ثم كثرت هذه الكلمة حتى قالوا: فلان حلف كذا؛ أي: لازم له, وإن لم تكن ثم يمين, فيقال: هو حلف جودٍ وحلف غدرٍ؛ أي: كأنه قد حالفه.
وقوله:
ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثيابًا غيرها الشعر الوحف
يقال: ومن كلما جردتها من ثيابها ... كساها ثيابًا غيرها الشعر الوحف
يقال: شعر وحف, أي: كثير النبات بين الوحافة والوحوفة, ومنه قولهم: وحفت البعير إذا أحكمت طلاءه بالقطران؛ كأنهم يريدون أنهم جعلوه في السواد مثل الشعر الوحف. ويقال: إن الوحاف حجارة سود, فيجوز أن يكونوا شبهوها في اللون بالحوف من الشعر, وقال قوم: الوحفة: أرض حمراء, وجمعها وحاف, ومن هذا الاشتقاق قول لبيدٍ: [الكامل]
فصوائق إن أيمنت فمظنة ... منها وحاف القهر أو طلخامها
والشعراء تغرق في وصف الشعر بالكثرة والخصب حتى تخرج بذلك إلى حالةٍ لا تحمد, كقول النابغة: [الكامل]
وبفاحمٍ رجل أثيث نبته ... كالكرم مال على الدعام المسند
وقوله:
وقابلني رمانتا غصن بانةٍ ... يميل به بدر ويمسكه حقف
الشعراء تشبه الثديين بالرمانتين, وكثر لك حتى ألقوا حرف التشبيه, كما طرحوه في كثير من المواضع, قال النابغة: [الطويل]
ويخبأن رمان الثدي النواهد
стр. 738
وفي حديث أم زرعٍ: «معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين» فذهب قوم إلى أن المراد الثديان ولم ير أبو عبيدة ذلك, وذهب إلى أن المراد رمانتان من هذا الرمان (١١٤/أ) المعروف. وفي هذا البيت من الصنعة أنه جعل الرمانتين في غصن بانٍ, والبان لا يثمر رمانًا, ولكن الشعراء يشبهون القد المستحسن بغصن البان, ويخصونه بذلك دون غير من الشجر, ويقال: إن هذه الكلمة التي هي البان ليست عربيةً في الأصل, وإنها مهموزة, وأما الشعراء فحمولها في العيافة على أنها من البين, وهذا الشعر يروى لسوار بن مضربٍ السعدي: [الوافر]
تنادى طائران ببين سعدى ... على غصنين من غربٍ وبان
فكان البان أن بانت سليمى ... وفي العرب اغتراب غير دان
وكذلك قول الآخر: [الطويل]
فقال غراب باغترابٍ من النوى ... وبان ببينٍ من حبيبٍ تجاوره
والعرب تسميه الشوع, ويروى لأحيحة بن الجلاح الأوسي: [السريع]
إذا جمادى منعت درها ... زان جنابي عطن معصف
في مشرفٍ يسمق جباره ... بحافتيه الشوع والغريف
стр. 739
والحقف: كثيب صغير من الرمل, وأصل اشتقاقه من أن يكون فيه اعوجاج وجمعه أحقاف, وقالوا: ظبي حاقف ففسر على وجهين: أحدهما: أنه الذي قد حقف عنقه؛ أي: حناه, والآخر: أنه في حقف رملٍ, وقالوا: احقوقف الشيء إذا انحنى, قال العجاج: [الرجز]
ناجٍ طواه الأين مما وجفا ... طي الليالي زلفًا فزلفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا
وقوله:
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا ... كآرائه ما أغنت البيض والزعف
الزعف: من صفات الدروع, فقيل: الزغف: الواسع, وقيل: اللين. والواحدة زغفة, ويجيء في الشعر القديم بالسكون والتحريك؛ فيجوز أن تكون فيه لغتان, كما قالوا: نهر ونهر, وزهر وزهر, ويجوز أن يكون التحريك للضرورة, وأما البيض من الحديد فإنما شبه في الأصل ببيض النعام, وهو من التشبيه الذي حذف منه الحرف, قال الراجز: [الرجز]
الدرع والبيضة لا تنجيني ... من قدر الله إذا يأتيني
وقوله:
أديب رست للعلم في أرض صدره ... جبال, جبال الأرض في جنبها قف
القف: غلظ من الأرض, وجمعه: قفاف, قال الشاعر: [الطويل]
لحى الله أدنانا من اللؤم زلفةً ... وأيسرنا عن عرض والده ذبا
وأجدرنا أن يدخل البيت باسته ... إذا القف أبدى من مخارمه ركبا
стр. 740
ولولا أن الكلام منظوم لكان الأحسن أن يقال: جبال الأرض في جنبها قفاف ليقابل جمعًا بجمعٍ, ولكن يمكن أن يجعل هذا من المبالغة؛ لأنه يجعل الجبال وهي جمع كالقف الواحد.
وقوله:
ولما فقدنا مثله دام كشفنا ... عليه فدام الفقد وانكشف الكشف
الهاء في عليه: راجعة على مثله, ولولا أنه منظوم لكان الأشبه بهذا الموضع أن يقال: عنه في موضع عليه. يقول: لما فقدنا مثله طال كشفنا عن مثله لعلنا نجده, فدام فقدنا مثله, وانكشف كشفنا, أي: زال؛ لأنا يئسنا من وجدان مثله, وهو من قولهم: انكشف القوم إذا ولوا.
وقوله:
وما حارت الأوهام في عظم شأنه ... بأكثر مما حار في حسنه الطرف
يقول: ما حارت الأوهام في عظم شأنه بحيرةٍ أكثر مما حار الطرف في حسن وجهه, وإنما حسن دخول الباء هاهنا لمجيء ما في أول الكلام؛ لأنها تدخل على خبرها كثيرًا, وهذا الكلام محمول على معناه؛ كأنه يريد: وما حيرة الأوهام في عظم شأنه بأكثر من حيرة العيون في وجهه, ولو أن الكلام غير منظومٍ وحذفت الباء لم يخل حذفها بالمراد, ودخولها هاهنا يشبه دخولها في قول الشاعر: [الوافر]
فما رجعت بخائبةٍ ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها
وقوله:
ولا نال من حساده الغيظ والأذى ... بأعظم مما نال من وفره العرف
قد جاءت الباء هاهنا كمجيئها في البيت الذي قبله, ومجيئها في البيت الأول أقوى لمجيء «ما» في أوله.
следующие страницы →