Полный текст (679 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
درة الغواص
قال الشيخ الأجل الرئيس أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري. رحمه الله تعالى: "أما بعد حمد لله الذي عم عباده بوظائف العوارف, وخص من شاء منهم بلطائف المعارف, والصلاة على نبيه محمد العاقب, وعلى آله وأصحابه أولي المناقب". فإني رأيت كثيراً ممن تسنموا أسنمة الرتب, وتوسموا بسمة الأدب, قد ضاهوا العامة في بعض ما يفرط عن كلامهم, وترعف به مراعف أقلامهم, مما إذا عثر
ــ
قال ﵀: أما بعد حمد لله الذي عم عباده بوظائف العوارف.
العوارف: جمع عارفة, وهي كالعرف, والمعروف بمعنى الإحسان, ومن لطائف "أبي علي الباخرزي":
(ملئت "زورن" من سادة ... لهم نفوس بالعلا عارفات)
(ما أغتدي إلا ومن عندهم ... عارفة عندي بل عارفات)
(قد بقي الفخر بهم والندى ... في الناس, والبخل مع العار فات)
فإن قلت: هل يكون هذا حمداً وهو لم يحمد, وإنما ذكر أنه سبق منه الحمد؟ . قلت: نعم فإن الإخبار عن الحمد حمد, ولذا جوزوا في جملة الحمد أن تكون خبرية
стр. 2
عليه, وأثر عن المعزو إليه خفض قدر العلية, ووصم ذا الحلية, فدعاني ألأنف لنباهة أخطارهم, والعكف بإطابة أخبارهم إلى أن أدرأ عنهم الشبه, وأبين ما التبس عليهم
ــ
وإنشائية, والخطبة قد يتأخر وضعها عن الكتاب فيجوز أن يكون المصنف حمد لله بلفظه أولاً, ثم ذكره هنا لأن خطبة الكتاب كالعنوان الذي يتأخر كتابته كما قال "الغزي" في قصيدة له:
(وافي زمانك آخراً وتقدمت ... بك همة في كفها قصب الندى)
(فغدوت كالعنوان يكتب آخراً ... وبه كان القراءة يبتدى)
(وخص من شاء منهم بطائف المعارف, (والصلاة على نبيه محمد العاقب) أصل معنى الصلاة الانعطاف الجسماني لأنها مأخوذة من الصلوين على ما حُقق في شروح "الكشاف", ثم استعمل في الرحمة والدعاء لما فيها من التعطف المعنوي, ولذا عدي بعلي, كما يقال: تعطفت عليه, فلا ترد عليه أن تعدي الدعاء بعلى للمضرة فكيف تكون الصلاة بمعنى الدعاء؟ ولا حاجة إلى أن يقال: لا يلزم من كون لفظة بمعنى لفظة أن تتعدى تعديتها. (ومحمد) مفعل من الحمد والتكرير فيه للتكثير والمبالغة, وهو من اسم المفعول للتفاؤل. وفي السير أنه قيل لجده [عبد المطلب]: لم سميت ابنك محمداً وليس من أسماء آبائك؟ فقال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض. وفي شرح "الهادي" أخطأ من قال إنه مرتجل. وفيه نظر.
стр. 3
واشتبه لألتحق بمن زكا أكل غرسه, وأحب لأخيه ما يحب لنفسه, فألفت هذا الكتاب تبصرة لمن تبصر, وتذكرة لمن أراد أن يتذكر, وسميته: "درة الغواص في أوهام الخواص" وها [أنا] قد أودعته من النخب ك لبان, ومن النكت ما لا
ــ
(والعاقب) بمعني آخر الأنبياء - كما في "الصحاح" - وفي الحديث الصحيح المروي في "الشمائل" وغيره أنه ﷺ قال: "إن لي أسماء, أنا محمد, وأنا أحمد, وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي, وأنا العاقب الذي لا نبي بعدي اهـ. وفي شرح "الشفاء": العاقب الآتي عقيب الأنبياء, وليس بعده نبي. وقال "ابن الأعرابي": معناه من يخلف في الخير من كان قبله, ومنه عقب الرجل لولده, وظاهر الحديث مؤيد للأول. لكن في دلالته [عليه] بحسب اللغة خفاء, ويوجه بأن من تعقب قوماً يكون آخرهم, فلا يكون بعده أحد منهم, تفسير له يلازمه, أو هو
стр. 4
يوجد منتظماً في كتاب. هذا إلى لمعته به من النوادر اللائقة بمواضعها, والحكايات الواقعة في مواقعها, فإن حلي بعين الناظر فيه والدارس, وأحلاه محل القادح لدى القابس, وإلا فعلى الله تعالى أجر المجتهد, وهو حسبي وعليه أعتمد.
ــ
من التعريف العهدي. وإنما خصه المصنف بالذكر لأنه مأثور مع ما فيه من الإشارة إلى أن موضوع كتابه التعقيب على من قبله, ولو فسر به الحديث صح, ويكون معناه الناسخ لشرع من قبله والمكمل لسائر الشرائع. وكان الأولى أن يقول المصنف: الصلاة والسلام لأن إفراد أحدهما عن الآخرة مكروه عند كثير من العلماء, للأمر بذلك في آية: ﴿صلوا عليه وسلموا﴾. فإن قلت: ما تصنع في حديث التشهد الوارد فيه "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم" بدون سلام؟ قلت: أجاب عنه "النووي" في شرح "مسلم" بأنه اكتفى بذكره مقدماً في قوله: "السلام عليك أيها النبي" فتأمل. (وعلى آله وصحبه أولي المناقب) في "الحواشي": آله مرغوب عنه؛ لأن الإضمار يرد الكلم إلى أصولها كثيراً. وأصل أهل؛ بدليل قولهم في تصغيره: أهيل, فالوجه على أهله إلى أن يظهر فيقول: آل محمد. اهـ. أقول: هذا مذهب "الكسائي" و"الزبيدي", وهو مردود لأن إضافته إلى الضمير سمعت عن العرب نظماً ونثراً. قال
стр. 5
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"عبد المطلب": وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك. وما ذكره غير مطرد؛ ألا تراك تقول: يده ودمه وهنه بغير رد؟ وقال "ابن السيد" - في شرح "أدب الكاتب": هذا المذهب لا قياس يعضده ولا سماع يؤيده, وفي "كامل المبرد" عن معاوية في قصته: فيجتمع عليك من آلك, وكذا ورد في كثير من شعر العرب, كقول "خفاف السلمي":
(أنا الفارس الحامي حقيقة والدي ... وآلي كما تحمي حقيقة آلكا)
стр. 6
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثله كثير اهـ. وقال أيضاً في شرح "سقط الزند": كان "الكسائي" يقول: لا يضاف آل الذي يراد به الأهل إلى المضمرات ولا إلى البلاد, فكان لا يجيز صلى الله على محمد وآله, ولا يجيز آل البصرة وآل الكوفة ويقول في جميع ذلك أهل. وحكى "الدينوري: في شرحه "لإصلاح المنطق" أن من العرب من يضيف ألا إلى المضمرات, فأما إضافته إلى البلاد فلا أحفظه في قول غير "المعري":
(ولم يك آل خيبر آل خير)
وفي "سر الصناعة لابن جني": آل مخصوص بالإضافة إلى الأشرف والأخص دون الشائع الأعم حتى لا يقال آلا في نحو قولهم: آل القرآن آل الله وآل الكعبة ﴿وقال رجل من آل فرعون﴾ وكون أصل آل أهل قول لأهل اللغة وقيل: أصله أول كما بين في محله
стр. 7
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكون آل لا يضاف إلا إلى مذكر عاقل شريف أكثري لا كلي, لقول "الفرزدق":
(يموت ولم يمنن على طلاقه ... سوى زبد التقريب من آل أعوجا)
وقول "عمر بن أبي ربيعة": (أمن آل نعم أنت غاد فمبكر)
فأضافه لأعوج وهو اسم فرس ولنغم وهو علم امرأة.
(والأصحاب) جمع صاحب أو صحب المخفف منه والفرق بينه وبين الآل مشهور.
(فإني رأيت كثيراً ممن تسنموا أسنمة الرتب. وتوسموا بسمة الأدب قد ضاهوا العامة في بعض ما يفرط من كلامهم وترعف به مراعف أقلامهم). رعفت الأقلام تقاطر مدادها من الرعاف, وفي كتاب الكتاب "لأبي القاسم البغدادي": إذا قطر المداد من رأس القلم, قيل: رعف يرعف وهو راعف فإذا كثر مداده فقطر قيل أرعف القلم إرعافاً وهو مرعف, ويقال استمدد ولا ترعف أي لا تكثر المداد حتى يقطر اهـ, والمراعف [جمع مرعف] وهو ما يحصل منه الرعاف كأنه
стр. 8
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
محل له يقال: رعف الرجل وأنفه بفتح الراء والعين في اللغة الفصيحة, وجاء بضم العين كحسن في لغة ضعيفة. وأنكرها "الأصمعي", وأما رعف بضم الراء وكسر العين فعامية ملحونة كما في "الفائق" وأصل معناه السبق يقال: فرس راعف أي سابق ويصح أن يراد به هنا ما تسبق به أقلامهم وهو المناسب لقوله (يفرط) لأن الفرط السبق ويكنى بهما عن الخطأ والزلة كما يقال فرط منه كذا وسبق قلمه. وفي "الأساس" من المجاز رعف أنفه أي سبق دمه والرعاف الدم السابق, وفلان يرعف أنفه علي غضباً إذا اشتد غضبه, وما أحسن مراعف أقلامهم ومقاطرها اهـ. فإن قلت: المعروف في الرعاف رعاف الأنف ولا يتبادر منه غيره فكيف يكون مجازاً والتبادر علامة الحقيقة؟ قلت: ما ذكرته بحسب اللغة ثم صار حقيقة في ذلك في عرف التخاطب فلا غبار عليه. (مما إذا عثر عليه) أي عرف واطلع عليه, [ولما] كان كل عاثر ينظر إلى موضع اطلعت على ما خفي منه كما قاله "المطرزي" فهو مجاز بحسب الأصل ثم اشتهر حتى صار كالحقيقة في الاطلاع. (والعلية) بزنة فتية جمع علي أشراف الناس. (لألتحق بمن زكا أكل غرسه). الأكل بضم الهمزة المأكول, وزكا بمعنى نما وزاد والمراد طابت ونمت آثاره فانتفع بها
стр. 9
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناس وهو استعارة. (وأحب لأخيه ما يجب لنفسه) من كونه على الحق والصواب. وهذا إشارة لما ورد في الحديث الصحيح: "لا يكمل إسلام المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". (فإن حلي بعين الناظر والدارس) أي أعجبه واعتد به قولهم حلي فلان بعيني بالكسرة. [وفي عيني] وفي صدري يحلى بالفتح حلاوة إذا سرك وأعجبك. (وأحلاه محل القادح لدى القابس). القادح من يقدح الزند وهو معروف والقابس من يأخذ جذوة ونحوها من نار غيره, أي إن اعتقد أنه مما يستفاد منه ويستضاء بأنواره وهذا تمثيل لذلك بأخذ المقتبس الضياء من قادح الزند. وفي القادح لطف هنا لأن القدح يكون بمعنى الطعن والدخل, وأما قدح الميل في العين المعروف في كتب الكحل والطب فاصطلاح لهم وعليه قول بعض المتأخرين:
(إذا انصب ماء اليأس في مقلة الرجا ... فليس لها عند اللبيب سوى القدح)
وقال "ابن الحاجب": يقال أقبسته علماً وقبسته ناراً فاقتبس, وقيل اللغتان معاً, وجواب الشرط هنا مقدر نحو حمدت الله أو سررت بذلك ونحوه مما يليق بالمقام. [وإلا فعلى الله أجر المجتهد وهو حسبي وعليه أعتمد].
стр. 10
ما أحصاه المؤلف من أوهام
[١] (قولهم في سائر):
فمن أوهامهم الفاضحة وأغلاطهم الواضحة أنهم يقولون: قدم سائر الحاج واستوفى سائر الخراج, فيستعملون "سائر" بمعنى الجميع وهو في كلام العرب بمعنى الباقي, ومنه قيل لما يبقى في الإناء: سؤر.
ــ
(يقولون قدم سائر الحاج) - الحاج هنا اسم جمع بمعنى الحجاج ولذا صح إضافة سائر إليه ويكون مفرداً. وفي "الصحاح" الحاضر الحي العظيم يقال: حاضر حي وهو جمع كما يقال سامر للسمار وحاج للحجاج اهـ (فيستعملون سائراً بمعنى الجميع وهو كلام العرب بمعنى الباقي) الكلام على سائر من ثلاثة أوجه: اشتقاقه, وإطلاقه على الجميع, وعمومه لكل باق قل أو كثر وضده.
(الأول): اختلف في اشتقاقه فقيل من السؤر وهو ما بقي في الإناء فعينه همزة, وقال "أبو علي الفارسي": هو معتل العين من سار يسير ومعناه جماعة يسير فيها هذا الاسم ويطلق عليها, ورد كونه من السؤر من وجهين:
أحدهما أن السؤر بمعنى البقية, والبقية تقتضي الأقل, والسائر يقتضي الأكثر.
والثاني: أنهم حذفوا عينه في قوله: "فهي أدماء سارها", وإنما ذلك لكونها لما
стр. 11
والدليل على صحة ذلك أن النبي ﵇ قال "لغيلان" حين أسلم وعنده عشرة نسوة "اختر أربعاً منهن وفارق سائرهن" أي من بقي بعد الأربع اللائي تختارهن, ولما وقع سائر في هذا الموطن بمعنى الباقي الأكثر منع بعضهم من
ــ
اعتلت بالقلب اعتلت بالحذف, ولو كانت عينه همزة [في الأصل] لم يجز حذفها, كذا نقله "ابن بري" عنه. وفيه أنه لا يلزم من الاشتقاق إلا الملاقاة في أصل المعنى لا المساواة من كل الوجوه ولما يلزمه على هذا من الجمع بين إعلالين.
(الثاني): أنكر قوم إطلاقه على الجميع بناء على أنه من السؤر وهو البقية, وأجازه "أبو علي" ومن تبعه, إما بناء على أنه من سار يسير كما سمعته آنفاً واستدلوا عليه بأبيات منها قول "ابن الرقاع":
(وحجرا وزباناً واربد ملقط ... توفي فليغفر له سائر الذنب)
وقول "ابن أحمر": (فلن تعدموا من سائر الناس راعياً
стр. 12
استعماله بمعنى الباقي الأقل. والصحيح أنه يستعمل في كل باق أو كثر لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث إذا شربتم فأسئروا أي أبقوا في الإناء بقية ماء,
ــ
في أبيات أخر لا يخلو بعضها من نظر, أو أنه لا مانع من كون الباقي جميعاً باعتبار آخر, لكونه جميع ما بقي أو ترك ونحوه, فتجوز به عن مطلق الجميع وهذا أسهل مما مر.
الثالث: ظن قوم أنه مختص بالأكثر استدلالاً بما وقع في حديث "غيلان" حين أسلم وعنده عشر نسوة فقال له النبي ﷺ : اختر أربعاً [منهن] وفارق سائرهن وارتضاه "أبو علي"وابن دريد" وقالوا: سائر معظمه واستدلوا بقول "مضرس":
(فما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر)
وسيأتي ما في كلام المصنف من الإشارة إلى رده. (قال لغيلان حين أسلم إلى آخره). "غيلان بن سلمة" الثقفي الصحابي وهو الذي أسلم وعنده عشر نسوة فأمره رسول الله ﷺ أن يمسك أربعاً ويفارق سائرهن. فقال فقهاء الحجاز: يختار أربعاً. وقال فقهاء العراق: بل يمسك التي تزوج أولاً ثم التي تليها إلى الرابعة. واحتج فقهاء الحجاز بأن رسول الله ﷺ , لم يستفصل أيتهن تزوج أولاً وترك الاستفصال دليل على أنه مخير, حتى قال أهل
стр. 13
لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقى الأكثر, وإنما ندب للتأدب بذلك لأن الإكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم وملأمة عند العرب, ومنه ما جاء في حديث "أم زرع" عن التي ذمت زوجها فقالت: "إن أكل لف وإن شرب اشتف" أي تناهى في الشرب إلى أن يستأصل الشفافة وهي ما يبقى من الشراب في الإناء,
ــ
الأصول: ترك الاستفصال في حكايات [وقائع]- الأحوال مع الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما في "الروض الأنف" وله تفصيل ليس هذا محله. (والصحيح أنه يستعمل في كل باق أو كثر لإجماع أهل اللغة على أن معنى الحديث إذا شربتم فأسئروا أي أبقوا في الإناء بقية ماء [لأن المراد به أن يشرب الأقل ويبقي الأكثر]. اعترض عليه "ابن هشام" وغيره بأنه كلام مختل لأنه يقتضي كون سائر من السؤر, وكون معنى أسئروا أبقوا الأقل يقتضي أن يكون سائر للأقل ولم يقل به أحد, وإنما قيل إنه للجميع أو للأكثر, فهذا لا يدل له ولا لغيره. والذي خيل له أنه قد ثبت بقوله [ ﷺ ]: "وفارق سائرهن" أنه يستعمل للأكثر وباشتقاقه من أسئروا أنه يستعمل للأقل وهذا خلف؛ لأن ما اشتق من شيء لا يخرج عن معناه, والجواب أن المدعي أن سائرا بمعنى البقية وأنها من السؤر بمعنى البقية أيضاً وإطلاقها على الكثير لا نزاع فيه. ومحل النزاع الإطلاق على القليل. فاستشهد عليه بإطلاق السؤر على القليل ولم يتعرض لإقامة دليل على أن السؤر يستعمل بمعنى الكثير, وقد ثبت عن "أبي
стр. 14
ومما يدل على أن سائراً بمعنى باق ما أنشده سيبويه:
(ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع)
ويشهد بذلك أيضاً قول "الشنفري":
ــ
علي" اختصاصه بالقليل. اهـ. وهذا غريب منه فإنه نص على أن السؤر في الحديث شامل للقليل والكثير بإجماع أهل اللغة. نعم قول "أبي علي" يبطل إجماعه ولو استند في ذلك إلى سماع كان أقوى لما في دليله مما لا يخفى, مع أن أخذه من السؤر غير متعين, واعلم أن "ابن السيد" قال في شرح "السقط" قال النحويون: سائر لا تضاف إلا إلى شيء قد تقدم ذكر بعضه كقولك رأيت فرسك وسائر الخيل [ولو قلت: رأيت حمارك وسائر الخيل] لم يجز لأنه لم يتقدم للخيل ذكر؛ ولكن إن قلت: رأيت حمارك وسائر الدواب جاز, ويخالف هنا قول "المعري":
(كم جاوزن من بلد بعيد ... وسائر نطقنا هيد وهاد)
стр. 15
(ولا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر)
(إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقي ثم سائري)
فعني كل شاعر بلفظ سائر ما بقي من جثمانه بعد إبانة رأسه وقد اشتملت
ــ
لأنه لم يتقدم للنطق ذكر, وإنما جاز هذا لأنه جعل سائراً بمعنى الأكثر والأعظم فكأنه قال: وأكثر نطقنا إلى آخره, وإذا كان أكثره هذا علم أن أقله بخلافه, فهذا كلام محمول على المعنى اهـ. (وإنما نذب إلى التأدب بذلك لأن الإكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم) المراد بكونه منبأة أنه يدل عليه كما يقال: الولد مبخلة مجبنة, وسيأتي تحقيقه, والنهم الحرص على المطعم والمشرب, وهذا وجه وجيه, وفيه وجه آخر وهو أن قعر الإناء لا يخلو من قذى كدر فتركه أبعد من الكدر كما قيل:
(العمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره)
(ما جاء في حديث "أم زرع" عن التي ذمت زوجها: فقالت إن أكل لف وإن شرب اشتف إلى آخره) يستأصلها بمعنى يفنيها, وأصله أخذ الشيء بأصله ثم كنى به عن أخذ الجميع. وحديث "أم زرع" حديث صحيح مشهور وقد ذكر بطوله في الشمائل [مروياً] عن "عائشة" ﵂. وفيه أن إحدى عشرة امرأة تعاهدن على أن لا يكتمن شيئاً من أخبار أزواجهن, فقالت كل واحدة منهن ما قالت من مدح أو ذم على ما فصل فيه, فقالت السادسة: زوجي إن أكل لف وإن شرب اشتف وإن اضطجع التف, ولا يولج الكف ليعلم [البث]. ورمته بالشر وقلة الشفقة عليها, وأنه إذا رآها عليلة لم يدخل يده في ثوبها ليجسها فيتوجع لما بها كما جرت العادة كذا في
стр. 16
هذه الأبيات على ما يقتضي الكشف عنه لئلا يحتضن هذا الكتاب ما يلتبس شيء منه. أما قول الشاعر الأول:
(ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه)
فإنه أراد به مدخل رأسه الظل, فقلب الكلام, كما يقال: فأدخلت الخاتم في إصبعي, وحقيقته إدخال في الخاتم وقلب الكلام
ــ
"الفائق" - واللف أكل الأخلاط من الطعام, والاشتفاف شرب ما في الإناء كله, والبث الحزن. قيل [وهو] يحتمل الذم كما قلناه, وإليه ذهب المصنف, ويحتمل المدح أيضاً, بأن يراد أنه لا يمنع حق العيال ولا يدخر لغد شيئاً ولا يسأل عن حزنها ومرضها المانع له عن مضاجعتها. وهو بعيد. وفي "شرح مسلم للنووي": اللف في الطعام الإكثار منه مع التخليط من صنوفه حتى لا يبقى شيئاً, والاشتفاف في الشرب أن يستوعب جميع ما في الإناء, مأخوذ من الشفافة - بضم الشين - وهو ما بقي في الإناء من الشراب, فإذا شربها قيل: اشتفها وتشافها, وقولها: لا يولج الكف إلى آخره. قال "أبو عبيدة": أحسب أنه كان بجسدها عيب بجسدها أو داء تكتئب به لأن البث الحزن. فكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك فيشق عليها فوصفته بالمروءة وكرم الخلق. وقال "الهروي" قال "ابن الأعرابي": هذا ذم له, أرادت وإن اضطجع ورقد التف في
стр. 17
من سنن العرب المأثورة, وتصاريف لغتها المشهورة ومنه في القرآن ﴿ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾ لأن تقديره ما إن العصبة لتنوء بمفاتيحه أي تنهض بها على تثاقل.
ــ
ثيابه في ناحية ولم يضاجعها ليعلم ما عندها من محبته. قال: ولا بث هناك إلا محبتها الدنو من زوجها , وقال آخرون: أرادت أنه لايتفقد أموري ومصالحي. وقال "ابن الأنباري": رد "ابن قتيبة" على "أبي تأويله لهذا الحرف وقال: كيف تمدحه وقد ذمته في صدر الكلام؟ ولهذا نسب الحديث إليها وقال ﷺ لعائشة حين حدثها بهذه القصة: كنت لك كأبي زرع لأم زرع, وهذا الحديث مشهور, وقد صنف القاضي "عياض" في شرح هذا الحديث تأليفاً مستقلاً, واسم أم زرع "عاتكة" والزرع: الولد:
(ترى الثور فيها يدخل الظل رأسه ... سائره باد إلى الشمس جمع)
стр. 18
وأما قول "الشنفري": ولكن أبشري أم عامر, فقد اختلف في تفسيره فقيل إنه التفت عن خطاب قومه إلى خطاب الضبع فبشرها بالتحكيم فيه إذا قتل ولم يقبر, وأم عامر كنية الضبع, والالتفات في المخاطبة نوع من أنواع البلاغة وأسلوب من أساليب الفصاحة وقد نطق القرآن به في قوله تعالى: ﴿يوسف أعرض عن هذا استغفري لذنبك﴾ فحول الخطاب عن يوسف ﵇ إلى امرأة العزيز.
ــ
حمله المصنف على القلب ولم يتركه على ظاهره ويجعل الإضافة على معنى في بدون قلب تبعاً "السيبويه", فأصله مدخل رأسه الظل, والرأس مفعول أول فقلب كما في قولهم: أدخلت الخاتم في إصبعي, وفي شرح الكتاب "للشلوبيين" إن قيل ما دعاه إلى مفعول, فكان أصل قولك مدخل رأسه دخل رأسه في الظل, ثم نقلها بهمزة فصير الفاعل مفعولا, فقيل: أدخل رأسه الظل, وقدم المفعول الثاني وذلك جائز, وصاغ من الفعل اسم فاعل وأضافه إلى الذي يليه كما في الآية. والجواب: أنه ليس مثله لأنه لا يصل إلى الظل إلا بعد إسقاط حرف الجر, [والمفعول المسقط منه حرف الجر لا] يقام مقام الفاعل مع الذي يصل إليه بنفسه, ولا يضاف إليه مع وجوده بخلاف ما في الآية, لأن الفعل يصل إليه ابتداء بنصبه وإن كان أحدهما فاعلاً معنى فهو الأولى أن يضاف إليه وأن يقام مقام الفاعل. لكن هذا العمل في العمل في الأخير جائز بخلاف ما في البيت [فلذا حمله المصنف
стр. 19
وقيل: بل الخطاب كله لقومه, فكأنه قال: لا تقبروني إذا قتلت, ولكن اتركوني للتي يقال لها: أبشري أم عامر, فجعل هذه الجملة لقباً لها.
ــ
على القلب اهـ]. والمراد بالثور الثور الوحشي وضمير فيها للفلاة, أو هاجر مر ذكرها والظل ظل كناسه, أي يدخل رأسه فيه لشدة الحر وبترك بقية جسمه في الشمس, وباد بمعنى ظاهر وأجمع توكيد لسائر, ثم ذكر بيتين للشنفري وهما:
(فلا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر)
(إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري)
وتمامه:
(هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سجين الليالي مبسلا بالجرائر
قبرت الإنسان: دفنته, وأقبرته: جعلت له موضع قبر. يريد أنه يقتل ويترك بالعراء, لا شقيق ولا حميم عنده, لأن عشيرته خذلته وأسلمته للجرائر, فخاطبهم بذلك مظهرا الاستغناء عنهم حياً وميتاً. فرفع نفسه عن الاستناد لهم. وثم بفتح الثاء المثلثة إشارة إلى المعركة, وروي بضمها على أنها عاطفة على الضمير المرفوع بدون تأكيد على ضعف فيه, أو هو معطوف على راسي, والأول أجود. وهناك إشارة إلى الوقت الذي يدنو فيه الأجل, لا لما بعد القتل, وهو ظرف لأرجو. وسجيس الليالي بمعنى امتداد, ولذا استعمل في التأبيد, فيقال: سجيس الليالي أي دائماً, وأبسلوا بمعنى أسلموا. قاله "المرزوقي".
стр. 20
وأوردها على وجه الحكاية, كما قيل "لثابت بن جابر الفهمي" تأبط شراً, بأخذه سيفا تحت إبطه, وإنما لقبت الضبع بذلك لأن من عادة من يروم اصطيادها من وجارها أن يقول لها حين يحتفر عنها: أبشري أم عامر, خامري أم عامر,
ــ
[وإذا احتملت رأسي ظرف لتقبروني, أو للخبر المقدر, أو لأبشري] , وسيأتي لهذا تتمة ومنه في القرآن ﴿ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ أولى القوة لأن تقديره ما إن العصبة لتنوء بمفاتحه أي تنهض بها على تثاقل. قال "ابن عباس": تنوء بالعصبة أي تثقلهم, أما سمعت قول "امرئ القيس":
(تمشي فتثقلها عجيزتها ... مشي الضعيف ينوء بالوسق؟ والمفاتح جمع مفتح بالكسر, اسم آله يفتح به, وقيل خزائنه, وقياس واحده لمفتح بالفتح, وكونه من القلب بناء على تفسير تنوء بتنهض كما ذهب إليه بعض أهل ناء به إذا أثقله حتى أماله, وقرى: لينوء بالياء لاكتسابه التذكير من المضاف
стр. 21
وهي تبتعد منه وتروغ عنه وهو لا يزال يكرر عليها ويؤنسها به إلى أن تبرز إليه وتسلم نفسها له ولأجل انخداعها بهذا القول نسبت إلى الحمق وضرب بها المثل فيه, وأما قوله: وفي الرأس أكثري فإنه عنى به أن فيه أربعاً من الحواس الخمس التي بها كملت فضيلة الإنسان وامتاز عن سائر الحيوان, وإنما اختار هذا الشاعر تسليط
ــ
وقال "الزمخشري" في شرح "مقاماته": ناء به أماله, ومنه لتنوء بالعصبة أي تميلهم لثقلها فلا يقدرون على النهوض بها, ومنه قولهم: فعله على ما ينوؤه للازدواج, ويجوز أن يكون إتباعاً للتوكيد لا غير اهـ. ولا يرد عليه اعتراض مما قيل إن الإتباع لا يعطف كغيره من أنواع التوكيد لأنه وإن اشتهر لا أصل له, فقد ذكر في كتاب الإتباع أن الأكثر فيه عدم العطف وقد يعطف, ومثله لا يقرع له العصا. وأما قول الشنفري, ولكن أبشري أم عامر فقد اختلف فيه, فقيل: إنه إن التفت عن خطاب قومه إلى خطاب الضبع فبشرها بالتحكم فيه إذا قتل ولم يقبر, و"أم عامر" كنية الضبع على عادة العرب في وضع الكنى لما لا يعقل, "كأم ملدم" للحمى, و"أبو يحيى" للموت, وفي كتاب الذيل والصلة:
стр. 22
الضبع على أكله, وأن لا يقبر بعد قتله ليكون هذا الفعل أوجع لقلوب قومه وأدعي لهم إلى الثؤور بدمه, وقد فسر بغير ذلك إلا أنا لم نضع هذا الكتاب لهذا الفن فنستقصي فيما نشرح منه, وإنما شذرناه بما نظمنا من غير سمط فيه.
ــ
عامر جرو الضبع, ولم يعرف [بال] لإجرائه مجرى العلم. (والالتفات في المخاطبة نوع من أنواع البلاغة) والبيت حينئذ مبني على كلامين, كأنه قال: لا تدفنوني مخاطباً أصحابه, ثم أقبل على الضبع فقال أبشري أم عامر, فإنك تأكلين مني فهو من تحويل الكلام عن شيء إلى آخر, يقال بشرته فأبشر, وبشرته مخففاً فاستبشر, وحكي: أبشرته أيضاً ومن هنا علم أنه إذا ذكر أمر ثم ذكر بعده أمر آخر ولم يوقع في لبس فذكره بنداء آخر غير لازم كما في هذا الشعر, ففي مثله أربعة أوجه. فلو ألبس كما في نحو: اقبل يا زيد واذهب يا عمر لزم ذلك. فمن ظنه لازماً مطلقاً فقد غفل, فإن قلت: المخاطب في الثاني هو الضبع وهو غير الأول أعني القوم فكيف يكون التفاتاً؟ قلت: هذا نوع من تلوين الخطاب لغذاء العقول والأفهام كما يكون لغذاء الأشباح الطعام والأدباء تسميه التفاتاً, وليس هو الالتفات المشهور
стр. 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عند أهل المعاني كما نص عليه الواحدي بل هو الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر غيره. والأدباء إذا أطلقوا الالتفات إنما يعنون هذا, وقد صرح به في بعض شروح "التلخيص". و"الشنفري" بالقصر لقب لهذا الشاعر ومعناه عظيم الشفه, واسمه ثابت بن جابر وهو أحد لصوص العرب وشجعانها قديماً, وشعره مشهور ومنه لامية العرب المشهورة. ولما أرادوا قتل الشنفري قالوا له أنشدنا فقال: إنما النشيد من المسرة فصارت مثلاً وقيل بل الخطاب كله لقومه فكأنه قال: "لا تقبروني إذا قتلت ولكن اتركوني للتي يقال لها أبشري أم عامر فجعل هذه الجملة لقباً لها". هذا مذهب الخليل وقد نقله عنه "سيبويه" في "الكتاب", وارتضاه "المرزوقي" و"صدر الفاضل" قال في شرح "الحماسة": أي ولكن الضبع تأكل لحمي فأبشري أم عامر جعله لقباً للضبع, فهو مبتدأ
стр. 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خبره محذوف وهو تأكلني وتتولى أمري فصار "كتأبط شراً" وإنما لقبها بذلك لأن العادة في اصطيادها أن يقصدوا وجارها ويحفروا وهي تتأخر شيئاً فشيئاً فيقول لها الصائد: أبشري أم عامر خامري أم عامر، ولا يزال يكرر ذلك حتى ينتهي إلى آخره، فتخرج وتؤخذ، وهذا وجه حسن ذهب إليه حذاق أهل المعاني.
وحكى سبيويه في قول "الأخطل". فأبيت لا حرج ولا محروم
أنه أراد: فأبيت [بيات] الذي يقال له: لا حرج ولا محروم، فحكى ذلك الكلام وكنى به عن الضبع اهـ.
وبهذا تبين وجه ما ذكره المصنف وأنه غير منافٍ لقوله: "أم عامر" كنية الضبع وأن قوله في "الحواشي" توهم في قوله أم عامر إنه لقب للضبع، كتأبط شراً ليس بشيء، لأن تأبط شراً جملة جعلت علماً له، وأما الضبع فاسمها أم عامر، ويقال لها عند إحساس الإنسان بالقتل وتحكمها فيه: أبشري أم عامر اهـ. ليس بذلك لأنك قد عرفت أنه مذهب "الخليل" و "سيبويه"، وهو لم ينف كون أم عامر لقباً وإنما جعل ما قصد حكايته بمنزلة اللقب، كما نص عليه في "الكتاب"، وتأبط شراً لقب للشاعر المشهور، لقبته به أمه لوجوه ذكرها الرواة منها أنه تأبط سيفه أي أخذه تحت إبطه فسئلت عنه فقالت ذلك، وقيل لتأبطه بحية، وقيل غير ذلك.
стр. 25
[٢] (المتتابع والمتواتر)
[٢] ويقولون للمتتابع متواتر فيوهمون فيه. لأن العرب تقول: جاءت الخيل متتابعة، إذا جاء بعضها في أثر بعض بلا فصل، وجاءت متواترة إذا تلاحقت وبينها فصل، ومنه قولهم: فعله تارات أي حالاً بعد حال وشيئاً بعد شيء، وجاء في الأثر أن الصحابة رضوان الله عليهم لما اختلفوا في الموؤدة قال لهم "علي"
ــ
(ويقولون للمتتابع متواتر فيوهمون فيه). يقال أوهمت الشيء تركته وأوهمت الكتاب إذا أسقطت منه شيئاً، ووهم [إلى] الشيء يهم وهماً إذا ذهب إليه وهمه، ووهم يوهم وهما بالتحريك إذا غلط قاله "ابن الأثير" و"ابن السيدة" فاحفظه، فإنه قد شاع الوهم في الوهم فسرى معناه للفظة. (لأن العرب تقول جاءت الخيل متتابعة إذا جاء بعضها في أثر بعض بلا فصل وجاءت متواترة إذا تلاحقت وبينها فصل). هذا أصل معناه ويشهد له الاشتقاق، لأن التواتر أن يؤتى بالشيء وَتْراً وَتْراً، أي منفرداً فيقتضي الفصل، والتبع يكون متبوعاً، ففيه إشعار بالاتصال، لكن ورد في استعمال العرب وضع كل منهما موضع الآخر كما حكاه "الزمخشري" في قضاء رمضان إن شئت فواتر وإن شئت ففرق وفي "الكشف" أنه محتمل لهما قال "أبو عبيد في غريب
стр. 26
رضي الله عنه: إنها لا تكون موؤدة حتى تأتي عليها التارات السبع، فقال له "عمر" ﵁: صدقت أطال الله بقاءك، وكان أول من نطق بهذا الدعاء. وأراد "علي" ﵁ بالتارات السبع طبقات الخلق السبع المبينة في قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأنا خلقاً آخر﴾ يعني ولادته حياً. فأشار "علي" رضي الله
ــ
الحديث": الوتيرة المداومة على الشيء وهو مأخوذ من التواتر والتتابع. هذا لفظه فسوى بينهما، ولا شاهد له في الأثر، وقصارى ما يتحصل له تسليم العدول عن المختار إلى الجائز. ثم إن التتابع هو التوالي الذي لم يتخلله فاصل يبطل حكم تواليه نسقاً فإن اليومين قد فصلت بينهما ليلة ولكن فصلها لا يبطل حكم تواليهما وتتابعهما.
(ومنه قولهم: فعله تارات أي حالاً بعد حال وشيئاً بعد شيء).
في الحواشي: جعل المصنف تارات من التواتر غلط بين لأن التواتر فاؤه واو والتارة عينه ياء، بدليل جمعه على ثير وقال "ابن جني" عينه واو، من الثور وهو الرسول قال:
(والتور فيما بيننا يعمل ... في ضربه المائي والمرسل)
والمناسبة بينهما أن الرسول ينتقل ويذهب كما أن التارة الحالة المبدلة من حالة
стр. 27
عنه إلى أنه إذا استهل بعد الولادة ثم دفن فقد وُئِد، وقصد بذلك أن يدفع قول من توهم أن الحامل إذا أسقطت جنينها بالتداوي فقد وأدته. ومما يؤيد ما ذكرنا من معنى التواتر قوله تعالى، ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ ومعلوم ما بين كل
ــ
أخرى المتنقلة منها. وادعاء القلب فيه خلاف الظاهر والمنقول عن أهل اللغة. وإن قالوا في التارات- من قولهم: يا لتارات فلان - إنها مقلوبة من الوتر. أقول: إذا كانوا قالوا في تارات الدماء إنها مقلوبة فأي مانع من القول به في التارات جمع تارة بمعنى الحالة وهذا الذي جنح إليه المصنف. نعم ورد همزة تارة وهو يأباه ولذا ذهب صاحب "القاموس" تبعاً لغيره من أهل اللغة إلى أنه مهموز العين. قال في "المصباح": التارة المرة وأصلها الهمزة لكنه خفف لكثرة الاستعمال، وربما همزت على الأصل وجمعت بالهمزة فقيل: تأرة وتآر وتئر قال "ابن السراج": وكأنه مقصور من تأر، وأما المخفف فجمعه تارات اهـ. فما في "الحواشي" أيضاً غير متفق عليه فاختر لنفسك ما يحلو.
(وجاء في الأثر أن الصحابة ﵃ لما اختلفوا في الموؤودة قال لهم علي ﵁: إنها لا تكون موؤودة حتى يأتي عليها التارات السبع) أي الحالات السبع المذكورة في الآية الكريمة من ابتداء تكوينه إلى ولادته وخروجه من سجن الأصلاب والأرحام إلى فناء الفناء. يعني أن "علياً" ﵁ قصد الرد على توهم أن الحامل إذا أسقطت جنينها بتداوٍ وغيره فقد وأدته. قيل وهو مخالف للمروي من أن الصحابة وقعت بينهم محاجةٌ في العزل عن النساء كما ذكره المحدثون وشراح "الهداية"
стр. 28
رسولين من الفترة وتراخي المدة، وروى "عبد الخير" قال: قلت "لعلي" ﵁ أن عليَّ أياماً من شهر رمضان أفيجوز أن أقضيها متفرقة؟ قال: اقضها إن شئت متتبعة وإن شئت تترى. قال: فقلت إن بعضهم قال: لا تجزى عنك إلا متتابعة قال: بلى تجزى تترى لأنه قال: ﴿فعدة من أيامٍ أخر﴾ ولو
ــ
فكرهه بعضهم. ويروى عنه أنه قال [إنه] الوأد الخفي وعن "ابن مسعود" أنه قال: هي الموؤودة الصغرى وأجازه آخرون، ويروى عن "عبيد الله بن رفاعة" عن أبيه أنه جلس إلى "عمر" و "الزبير" و "سعد" في نفر من الصحابة فتذاكروا العزل وقالوا: لا بأس به، فقال رجل منهم: إنهم يزعمون أها الموؤودة الصغرى فقال "علي" ﵁ لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات. وأما ما رُوي عن النبي ﷺ من أنه الوأد الخفي فقيل: إنه منسوخ، وقيل: المروي أنه قيل له ﵊: إن اليهود يقولون في العزل هي الموؤودة الصغرى فقال: كذبت اليهود والمشهور في العزل أنه يجوز في الأمة، والحرة إن رضيت وإلا لا. وما فسر به كلام المصنف غير متعين لجواز حمله على
стр. 29
أرادها متتابعة لبين التتابع لما قال : ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾.
وعند أهل العربية أن أصل تترى وترى فقلبت الواو تاء كما قلبت في تُخمة وتهمة وتجاه لكون أصولها من الوخامة والوهم والوجه.
ويجوز أن تُنَّون تترى كما تنون أرطى وأن لا تنون مثل سكرى، وقد قُراء
ــ
هذا وقوله (يعني سبحانه إلى آخره) أي قوله خلقاً آخر، والأثر ما يؤثر أن يروى عن النبي والصحابة. وقد يخص بما يضاف إلى الصحابي موقوفاً كما في شرح مسلم وغيره.
(ومعلوم ما بين كل رسولين من الفترة وتراخي المدة).
هذا باعتبار الأكثر، وقد يقال: إن أحكام شرائعهم لما لم تنسخ إلا ببعثة رسول آخر كان كأنه لا فاصل بينهم وسيأتي ما يؤيده.
(اقضها إن شئت متتابعة وإن شئت تترى).
في "الحواشي": [إن] هذا الأثر إذا صح وسَلِم من التحريف شاهد لما دعاه، ود آن أن نصرح بالمقصود فنقول: المتتابع هو المتوالي الذي لم يتخلله فاصل يبطل حكم تواليه نسقاً، فإن كل يومين تفصل بينهما ليلة ولا يعد فصلاً مبطلاً للتتابع. قلت: أفاد وأجاد، وقد مر ما يؤيده مما رواه "الزمخشري" مخالفاً لما ذكره المصنف، فتذكر.
(ويجوز أن ينون تترى كما ينون أرطى)، وألا ينون مثل سكرى، وقد قرى بهما جميعاً.
стр. 30
بهما جميعاً. وحكى "أبو بكر الصولي" قال: كتب أحد الأدباء إلى صديق له وقد أبطأ جوابه عنه: كتبت إليه فما أجبت وتابعت فما واترت وأضبرت فما أفردت وجمعت فما وحَّدت. فكتب إليه صديقه: الجفاء المستمر على الأزمان، أحسن من بعض الخطاب للإخوان.
ــ
إشارة إلى أن ألفه للإلحاق كألف أرطى على قولٍ منه، وهو اسم شجر، وواحده أرطاة، وإذا كانت ألفه للإلحاق فينون نكرة لا معرفة، وقيل ألفه أصلية فينون دائماً وفي شرح "الكتاب" للسيرافي في جعل بعضهم ألف تترى للتأنيث وبعضهم جعلها للإلحاق بجعفر، وقيل الألف عوض من التنوين ولا مانع منه وخطُّ المصحف بالياء يؤيد الأولين، وأصله وترى، وقيل قراءة الجمهور بغير تنوين فألفه للتأنيث كدعوى، ولا نعلم مصدراً في آخره ألف إلحاق. وقال "الشمني": إنه نادر، ونونه "ابن كثير" و "أبو عمرو". فوزن (وتر) فعل وألفه بدل من التنوين وكتبت ياء على لغة من يميل [ألف] التنوين
стр. 31
وهي قليلة أو هي للإلحاق وليس بمصدر وقيل وزنه تفعل، وهو غلط، إلا أن يكون على الملفوظ. والقول بأنه تتر فوزنه فعل رد بأنه لم يسمع إجراء الحركات على رأيه، وقد علم مما قالوه أن فيه اختلافاً، فقيل: هو مصدر وقيل: اسم غير مصدر وقبل جمع.
(كتبت إليك فما أجبت وتابعت فما واترت وأضبرت فما أفردت). أضبرت بضاد معجمة وباء موحدة وراء مهملة من الإضبار بالكسر والفتح وهي الجزمة من الصحف كما في الصحاح وفي الحديث "ضبائر" [ضبائر] وهو كما في شرح مسلم ضبارة بالفتح والكسر والثاني أشهر. ولم يذكر "الهروي" غيره. ويقال إضباره بكسر الهمزة وروى ضبارات ضبارات أي جماعات [جماعات] متفرقة وفي "تهذيب الأزهري" ضبائر جماعات قال "ابن السكيت": يقال جاء بإضباره وإضمامه من كتب وهي الأضابير والأضاميم، وفلان [الآن] ذو ضبارة إذا كان مشدود الخلق وقال "الليث" إضبارة من صحف أو سهام حزمة وضبارة لا يجيزها غير "الليث" اهـ.
يعني أنه لا يألو جهداً في المكاتبة في المصادقة لمن لا يزال يعامله بضد ذلك فيبخل بالجواب فضلاً عن الكتاب.
(فكم كتاب جاءكم سائلاً ... لكنه يقنع بالرد)
стр. 32
[٣] (معنى ازف الوقت)
[٣] ويقولون أزف وقت الصلاة إشارة إلى تضايقه ومشارفة تصرُّمه .. فيحرفونه عن موضعه ويعكسون حقيقة المعنى في وضعه، لأن العرب تقول: أزف الشيء بمعنى دنا واقترب. لا بمعنى حضر ووقع، يدل على ذلك أن الله سبحانه
ــ
(ويقولون أزف وقت الصلاة إشارة إلى تضايقه ومشارفة تصرمه فيحرفونه عن موضعه ويعكسون حقيقة المعنى لأن العرب يقولون: أزف الشيء بمعنى دنا واقترب)، قال "الراغب أزفت الآزفة أي دنت القيامة وأزف وأفد متقاربان. لكن أزف يقال اعتباراً لضيق الوقت، ويقال أزف الشخوص، والأزف ضيق الوقت والآزفة القيامة] لقرب وقتها، ولذلك عبر عنها بالساعة وقيل: ﴿أتى أمر الله﴾ فعبر عنها بالماضي تبيناً لقربها وضيق وقتها اهـ. وظاهره أنه حقيقة في الضيق كالقرب وفي "الأساس" أزف الرحيل دنا ومصدره الأُزوف ومن المجاز: في عيش آزف أي ضيقٌ، كما يقال: أمر قريب ومقارب اهـ. وظاهره أنه استعمل في الضيق مجازاً. وعلى كل حال يقتضي صحة ما ادعاه خطأ. وباب التجويز والتقدير واسع، فيجوز أن يقدر أزف خروج الوقت على أن للصلاة وقت فضيلة وغيره وإذا أريد الثاني بجعل الإضافة عهدية لا يبقى لما توهمه أثر، وفي "الحواشي" قولهم أزف وقت الصلاة إشارة إلى تضايقه ومشارفة تصرمه صحيح؛ ألا ترى أن الساعة الأولى إذا قرب من الساعة الثانية فقد أشرف زمانها على التصرم.
стр. 33
سمى الساعة آزفة وهي منتظرة لا حاضرة وقال فيها: ﴿أزفت الآزفة﴾ أي دنا ميقاتها وقرب أوانها كما صرح جل اسمه بهذا المعنى في قوله سبحانه: ﴿اقتربت الساعة﴾ والمراد بذكر اقترابها التنبيه على أن ما مضى من أمد الدنيا أضعاف ما بقي منه ليتعظ أولو الألباب به.
ومما يدل أيضاً على أن أزف بمعنى اقترب قول "النابغة":
ــ
تقول: (أزف الشيء بمعنى دنا واقترب لا بمعنى حضر ووقع). يعني وما تضايق فقد وقع وحضر، فهذا كناية عما أراد فلا وجه لما في "الحواشي" من أن هذا نقض لما قدمه، ولم يذهب إلى هذا أحد، إنما يذهبون إلى تضايق وقت الصلاة ومشارفة تصرمه، وإذا قرب زمان الساعة الأولى من الثانية فقد أشرف على التصرم وكلما ازداد قرباً منه كان إشرافه على التصرم أزيد، أزف الترحل غير أن ركابنا
هذا من قصيدة "للنابغة" يمدح بها النعمان وأولها:
(من آل مية رائحٌ أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود)
(زعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك تنعاب الغراب الأسود)
(لا مرحباً بغدٍ ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبة في غد)
(أزف الترحل غير أن ركابنا ... وما تزل برحالنا وكأن قد)
إلى آخر القصيدة، وهي طويلة، وروي "أفد" بدله، وهو بمعناه- كما مر-.
стр. 34
(أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد)
فتصريحه بأن الركاب مازالت يشهد بأن معنى قوله أزف أي اقترب؛ إذ لو كان قد وقع لسارت الركاب، ومعنى قوله "وكأن قد" أي وكأن قد سارت، فحذف الفعل لدلالة ما بقي على ما أُلقي، ونبه بقد على شدة التوقع وتداني الإيقاع له، والعرب تقول في كل ما يتوقع حلوله ويرصد وقوعه: كأن قد، أي كأن قد وجد كونه وأظل وقعه.
ــ
والركاب: الإبل، وحذف الفعل بعد قد ضرورةٌ أو قليل. فقوله الآتي: العرب تقول في كل متوقع: كأن قد يقتضي خلافه فالأولى تركه.
(أظل وقته) أي قرب بزمانه، وهو مجاز مشهور. قال في "النهاية": قال النبي ﷺ في خطبة خطبها في آخره يوم من شعبان: "أيها الناس، قد أظلكم شهرٌ عظيم"، يعني رمضان، أي دنا منكم وقرب حتى كأنه ألقى عليكم ظله.
стр. 35
[٤] (إضافة أفعل التفضيل)
[٤] ويقولون زيد أفضل إخوته. فيخطئون فيه لأن أفعل الذي للتفضيل لا يضاف إلا إلى ما هو داخل فيه، ومنزل منزلة الجزء منه وزيدٌ غير داخل في جملة إخوته ألا ترى أنه لو قال لك قائل: من إخوة زيد، لعددتهم دونه، كما لا يقال: زيدٌ أفضل النساء لتميزه من جنسهن وخروجه عن أن يعد في جملتهن.
ــ
(ويقولون زيد أفضل إخوته فيخطئون فيه لأن أفعل الذي للتفضيل لا يضاف إلا لما هو داخل فيه). في "الحواشي" هذه المسألة أول من منعها "الزجاج" وأجازها "ابن خالويه" رواية ودراية، فالرواية ما حكاه ابن دريد عن "حاتم" عن "الأصمعي"، أن "الفرزدق" سئل عن "نصيب"، فقال هو أشعر [أهل]
стр. 36
وتصحيح هذا الكلام أن يقال: زيدٌ أفضل الإخوة أو أفضل بني أبيه، لأنه حينئدٍ يدخل في الجملة التي أضيف إليها، بدلالة أنه لو قيل لك: من الإخوة أو من بنو أبيه؟ لعددته فيهم وأدخلته معهم.
ــ
جلدته ومثله قولهم: "علي" أفضل أهل بيته، [وأما الدراية] فإن أفضل إخوته بمعنى أفضل الإخوة كقوله تعالى ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ أي حق التلاوة، ويقويه قول الشاعر:
(فقلت لعبد الله خير لداته ... ذؤاباً فلم أفخر بذاك وأجزعا)
وقوله:
(فلم أر قوماً مثلهم خير قومهم ... أقل به منا على قومه فخرا)
وقول عبد الرحمن العتبي:
(خير إخوانه وأعطفهم ... عليهم راضياً وغضباناً ا. هـ.
وفيه بحث. وما ذكره المصنف قولٌ مشهور وقد خالفه فيه كثير من محققي
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النحاة. وتفصيله ما في "تعليق المصابيح" وهو أن لأفعل التفضيل أربع حالات:
إحداها وهي الحالة الأصلية أنه يدل على ثلاثة أمور. أحدها اتصاف من هو له بالحدث الذي اشتق منه، وبهذا المعنى كان وصفاً. والثاني مشاركة مصحوبة في تلك الصفة. والثالث مزية موصوفة على مصحوبة فيها، وبكل من هذين فارق غيره من الصفات.
الحالة الثانية: أن يخلع عنه ما امتاز به عن الصفات وبتجرد للمعنى الوصفي.
الحالة الثالثة: أن يبقي عليه معانيه الثلاثة ولكن يخلع قيد المعنى الثاني ويخلفه قيد آخر، وذلك أن المعنى- وهو الاشتراك- كان مقيداً بتلك الصفة التي هي المعنى الأول فيصير مقيداً بالزيادة التي هي المعنى الثالث. ألا ترى أن المعنى في قولهم العسل أحلى من الخل أن للعسل حلاوةً وأن [للخل] تلك الحلاوة ذات زيادة وأن زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخل؟ قال "ابن هشام" في حواشي "التسهيل" وهو بديع جداً.
الحالة الرابعة: أن يخلع عنه المعنى الثاني وهو المشاركة وقيد المعنى الثاني وهو كون الزيادة على مصاحبة فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى زيادة مطلقة لا مقيدة وذلك نحو قولهم: يوسف أحسن إخوته. وهو تفصيل بديع ومنه علم أن ما ادعاه المصنف لا وجه له فاحفظه.
стр. 38
[٥] (تغشرم وتغشمر)
ويقولون لمن يأخذ الشيء بقوة وغلظة: قد تغشرم وهو متغشرم. والصواب أن يقال فيه تغشمر وهو متغشمر بتقديم الميم على الراء كما قال الراجز:
(إن لها لسائقاً ... إذا ونين ساعة تغشمرا)
ــ
(ويقولون لمن يأخذ الشيء بقوة وغلظة: قد تغشرم وهو يتغشرم والصوام أن يقال فيه: تغشمر بتقديم الميم). قال " [أبو العلاء] المعري":
(سنججب من تغشمرها ليال ... تبارينا كواكبها سهادا)
وفي شرحه لابن السيد: التغشمر ركوب الرأس في الأمر والتعسف. وفي "ديوان الأدب"، تغشمره أخذه قهراً، وفي "المجمل": الغشمرة إتيان الأمر من غير تثبت [وفي القاموس: الغشمرة إتيان الأمر من غير ثبت] والهضم والظلم والصوت، وما ذكره من التخطئة خالفه فيه بعضهم، وما في "الحواشي" من [أن] القلب معروف في كلامهم ومن هذا قولهم تحجشر وتجحشر إذا غلظ واجتمع خلقه، وجهجهت
стр. 39
ويروى لها لسائقاً عشوزرا، وكلاهما بمعنى الشديد، ومن كلام العرب: قد تغشمر السيل إذا أقبل بشدة وجرى بحدة.
ــ
بالسبع وهجهجت به أي نفرته وزحزحت الشيء وحزحزته إذا حركته لتزيله. والقلب لازمٌ لبعض الألسنة كما في الألثغ مما يتعجب منه فإن القلب غير مقيس واللثغة لا تثبت بها اللغة وضمير لها في البيت الذي أنشده للإبل [وفيه العنشتزر].
стр. 40
[٦] (اللتيا بفتح اللام لا بضمها)
ويقولون: بعد اللتيا والتي، فيضمون اللام الثانية من اللتيا، وهو لحنٌ فاحش وغلطٌ شائن، إذ الصواب فيها اللتيا بفتح اللام، لأن العرب خصصت الذي والتي عند تصغيرهما وتصغير أسماء الإشارة بإقرار أوائلها على صيغتها وبأن زادت ألفاً في آخرها عوضاً عن ضم أولها، فقالوا في تصغير الذي والتي: اللذيا
ــ
(ويقولون بعد اللتيا والتي، فيضمون اللام الثانية من اللتيا وهو لحن فاحش وغلط شائن) هذا وإن اشتهر غير صحيح لأن ضم اللتيا لغةٌ خارجةٌ عن تصغير المبهمات جاريةٌ على قياس المتمكنات، وفي "الأشباه والنظائر النحوية" قال "ابن خالويه": أجمع النحويون على فتح لام اللتيا إلا "الأخفش" فإنه أجاز ضمها، وهذا أيضاً كلام غير مهذب. وفي "التسهيل" ضم لام [اللتيا] واللتيا لغة، ومعنى قولهم: بعد اللتيا والتي بعد الخطة الصغيرة والكبيرة. وحدثت الصلة إشارةً إلى قصور العبارة عن الإحاطة بها، والمتبادر منه أن التي هي الكبيرة واللتيا هي الصغيرة، وقيل: اللتيا عبارة عن الكبيرة والتي [عبارة] عن الصغيرة فالتصغير للتعظيم كما في دويهية، وبه صرح "الزمخشري" في
следующие страницы →