← Гариб и словари

Гариб и словари · id 29613

معجم متن اللغة

أحمد رضا

Полный текст (3 489 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

معجم متن اللغة موسوعة لغوية حديثة للعلامة اللغوي الشيخ أحمد رضا عضو المجمع العلمي العربي بدمشق المجلد الأول دار مكتبة الحياة بيروت ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م

стр. 2

معجم متن اللغة ١

стр. 3

كلمة الدار إن الإنجازات التي حققتها وتحققها دار مكتبة الحياة، في حقل الترجمة والنشر، لهي الآية الكبرى على فائق اهتمام هذه الدار بالتراث العربي والإنتاج العلمي واللغوي، اللذين تغني بها الثقافة العربية، وتعمق بهما جذورها في نفوس أفراد الجيل الجديد. وليس إقدام الدار على تحقيق طباعة متن اللغة، ثم الوسيط والموجز، إلا حلقة من سلسلة مشروعاتها الكبرى التي تتقدم بها إلى الرأي العام العربي الواعي، راجية التأييد والتشجيع، لتتمكن من متابعة جهودها في تعميق النتاج الثقافي العربي وتوسيعه. والدار قبل هذا كله، تقدم على عملها، متوكلة على الله، راجية منه تعالى التوفيق والرعاية. دار مكتبة الحياة

стр. 4

تصدير أتى على العربية حين من الدهر طويل، لملمت فيه أطرافها، وسكنت خلاله إلى جهود جهابذتها الأولين؛ ثم لم تجد من أبنائها من يكرس جهده أو بعضًا منه لنشر ما طوي منها في بطون الكتب وإحياء ما كاد يدرس من معالمها. لولا أن انفجرت في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، حماسة كانت راكدة، ورغبات أمست باردة؛ فلم يلبث فريق من رواد البحث اللغوي الحديث، تحت تأثير النهضة القومية، وتوق أبناء العروبة إلى تجددي ما بلي أو كاد يبلي من تراثها، حتى اندفع في تقييد أوابدها وتجميع شواردها والتفريع عن أصولها، مستهدفًا اللحاق بالركب العالمي، جاهدًا في استيعاب ما تجدد من الفكر والصناعات، مستنيرًا بمعطيات اللغة الأصيلة وفلسفة تكوينها، فأصاب من التوفيق ما تفاوت بتفاوت حظوظ أفراده، من الثبات في العمل، والسعة في الإدراك، والقدرة على التحميص. ثم نشأت أثناء ذلك مجامع ومؤسسات، وبخاصة في القاهرة ودمشق؛ فكان في القاهرة مجمع دار العلوم والمجمع المكي، وكان في دمشق المجمع العلمي العربي، تضاف إليها جهود أعلام في مصر وبلاد الشام، من بينهم المغفور له الشيخ محمد عبده، وأحمد تيمور، والمرصفي، ثم الأب أنستاس الكرملي وغيرهم من المتخصصين في دراسة اللغة العربية، ممن لا تتسع هذه العجالة لذكر أعمالهم واستعراض مباحثهم. كانت هذه المحاولات الأولية شهبًا اخترقت ظلمات الليل، ومصابيح ألقت شعاعًا على جوانب خفية من اللغة العربية ذات أصالة بالغة. وقد دفعت المجمع العلمي العربي بدمشق إلى تكليف المغفور له العلامة الشيخ أحمد رضا خلال سنة ١٩٣٠ م (١٣٤٩ هـ) العمل على إعداد معجم مطول يجمع فيه ما تناثر من جواهر العربية في بطون المطولات اللغوية القديمة، وإلحاق ما استحدث من الألفاظ والمصطلحات به؛ فعل هذا ثقة منه بكفاءة الشيخ العلامة، وقدرته الفائقة على الصبر في التمحيص، والثبات في الجمع، والعمق في الوعي اللغوي وإدراك أسرار العربية. فما تردد المرحوم في النهوض لهذه المهمة، ولا نكص عما هم به من هذا العمل الجليل. ثم

стр. 5

عكف على البحث والتنقيب مفنيًا في التحصيل والتنسيق والجمع والوضع، سنوات طويلة من حياته الدراسية، معتمدًا على المطولات اللغوية القديمة: كلسان العرب، والتاج، ومحكم ابن سيده، وصحاح الجوهري، وجمهرة ابن دريد، ونهاية ابن الأثير، وتهذيب الأزهري، وأساس اللغة للزمخشري، والمصباح المنير للفيومي. ومضت سنوات طويلة أخرى اقتنص خلالها ما وضعه اللغويون المحدثون، أو صحح بعض ما وضعوه من كلمات مستحدثة للمعاني الجديدة، مضيفًا إليها ما وضعوه هو شخصيًا من الألفاظ، نشرت في أعداد متتابعة مجلة المجمع، ذاكرًا الكلمات العامية التي لها أساس صحيح ثم حرفتها العامة، وما جرى على أسلات أقلام الكتاب والأدباء وعم وشاع. وقد أفرد الكلمات العامية المحرفة في كتاب خصا سماه "رد العامي إلى الفصيح" وطبع في مطبعة العرفان بصيدا. وفي سنة ١٩٤٧ تمت ملحمته الخالدة. فكان نتاج عمله تتويجًا لجهده المستمر وإخلاصه الذكي. ثم أعاد الكرة يصحح يضبط مرة ومرات كثيرة حتى أصبح المعجم معدًا للطبع والإخراج. ثم ألحق بمعجمه المطول قاموسين آخرين: الوسيط من متن اللغة، والموجز، تسهيلًا على الطلاب والمبتدئين، في الرجوع إلى مصدر مناسب لهم. وأفرد للكلمات المستحدثة للمعاني الجديدة كتابًا خاصًا سماه "التذكرة في الأسماء المنتخبة للمعاني المستحدثة.". وكاد المجمع العلمي العربي يباشر طبع المعجم المطول الذي قدمه المؤلف، ﵀، إليه تحت عنوان: متن اللغة، بعد أن أرصد له في ميزانيته مبلغ "٤٢٥٠٠" ليرة سورية سنة ١٩٤٨ وحوله إلى لجنة مؤلفة من الأساتذة: محمد كرد علي رئيسًا، وخليل مردم بك، والأمير سعيد الجزائري، والشيخ عبد القادر المغربي، والدكتور جميل صليبا أعضاء، لولا أن مرضا ألم بالمؤلف فقعد به عن متابعة الاهتمام بالطبع والإخراج، بعد أن فجعه الدهر في الثامن من آذار ١٩٤٨ بولده البكر الدكتور محمد علي رضا، وهو بعد في ميعان الصبا وبوادر الشباب. وبعد إبلاله من مرضه حالت الأحداث السياسية في سوريا العزيزة، وما رافقها من انقلابات عسكرية، دون تحقيق هذه الأمنية؛ فاختفى المجمع واختفت معه مشاريعه، ولم تبق منه غير الذكريات. وفي السابع من تموز سنة ألف وتسعمائة وثلاث وخمسين لبى داعي ربه، بعد أن ملأ حياته بصالح الأعمال، وزود أمته بتراث لغوي خصب وجهود تطويرية قيمة. ومرت سنوات قليلة أخرى حالت فيها الظروف المادية دون مباشرة الإخراج والطبع، حتى قيض الله لهذه المهمة أحد المواطنين في الكويت الشقيقة، رجلًا لم يخل حق من حقول الخير في لبنان بخاصة من فيض يده وسماحة نفسه، نمسك هنا عن ذكر اسمه عملًا بمشيئته، والتلميح إليه

стр. 6

كما لا يخفى يغني عن التوضيح، فتبرع بمبلغ عشرة آلاف ليرة لبنانية مؤازرة منه لهذا المشروع الطباعي الضخم. ثم تقدمت دار مكتبة الحياة في بيروت لحمل ما بقي من عبء إنجازه، ثقة منها بعظيم فائدة المعجم والقاموسين وجليل آثارها كلها، في نشر تراثنا اللغوي، وتطويره والتمكين له في نفوس الناشئة والحقول الجامعية. وقد تألفت لطبع هذه الآثار: متن اللغة، والوسيط، والموجز، لجنة من الأساتذة: الشيخ سليمان الظاهر، الشيخ أحمد عارف الزين، الدكتور عمر فروخ، محمود صفي الدين، الدكتور كمال الحاج، السيد محمد الحسن، محمد جميل بيهم، الدكتور نزار رضا، رمضان لاوند، مصطفى دمشقية، غالب رضا، يحيى الخليل، واضعة ثقتها المطلقة في العناية الإلهية، مطمئنة إلى تشجيع الرأي العام وتأييده، شاكرة للذين يشاركونها من ذوي الرأي والاختصاص في إخراج هذه الأسفار النفيسة، جميل سعيهم وخالص جهودهم، ذاكرة بالثناء العاطر مبادرة كثير من الإخوان المهاجرين في المهاجر الأفريقية والأميركية إلى تشجيعها على تحقيق هذه الخطوات المباركة، وتأييد بعض المسؤولين في حكومات عربية شقيقة، وفي لبنان، راجية أن يجد القارئ والباحث والطالب ما هم في حاجة إليه من هذه الموسوعات المعدة للطبع، والإخراج في أجمل حلة وأصح منهج وطريقة. والله من وراء القصد ...

стр. 7

ترجمة حياة المؤلف نشأ المؤلف نشأة أترابه من أبناء مدينة النبطية الصغيرة الواقعة إلى الجنوب من لبنان. وقد ولد في اليوم الرابع من حزيران ١٨٧٢؛ ثم ألحقه والده سنة ١٨٧٨ بكتاب البلدة، فقرأ فيه القرآن وجوده، كما تعلم أصول الخط. وفي سنة ١٨٨٠ رحل الطفل، وهو بعد في الثامنة من عمره، إلى قرية أنصار، لطلب العلم فيها على يد العلامة السيد حسن إبراهيم، فدرس فيها الصرف والنحو. حتى إذا قضى عشرين شهرًا بين يدي أستاذه، استدعاه والده، بعد أن فقد عليًا أكبر أبنائه، ليتسلى به عن همومه. فأخذ الطفل يتردد في بلدته على مدرسة النبطية الرسمية، متعلمًا فيها مبادئ الحساب والجغرافيا، كما راح يختلف إلى مجلس العلامة السيد نور الدين قارئًا عليه شرح الألفية لابن الناظم. ثم انقطع عن طلب العلم بعد أن توفي والده خلال عام ١٨٨٤. ولم يصل ما انقطع من دراسته حتى هبط إلى بلدته السيد محمد إبراهيم، العالم الذي تميز بالخبرة، والسعة في الأفق، والشمول في المعرفة، فلازمه وقرأ عليه علوم المعاني والبيان والمنطق والطبيعيات، وتأثر بأستاذه تأثرًا بالغًا في شغفه بالعلوم العصرية والدراسات الفلسفية. ولما لم يكن يومئذ مدارس تتيح له فرصة التزيد من هذه العلوم فقد اجتهد وسعه في المطالعة وتثقيف نفسه، وبذل جهدًا شديدًا في اقتناء الكتب معلقًا عليها، شارحًا ما غمض منها، مستعينًا بمن يفوقه في المعرفة والدراية حتى أدى به ذلك إلى قصر البصر. كان انتشار الجهل يؤلمه، وفقدان المدارس يحز في نفسه. فكأنه، في إكثاره من المطالعة والدراسة، يحاول أن يعوض عن الأمية الشاملة التي أخنت بكلكلها على بلدته. وما كاد يبلغ السابعة عشرة من عمره حتى وضع، مع فريق من إخوانه، حجر الأساس لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في النبطية، مستهدفًا بها تأسيس مدرسة أو أكثر لتسهيل أسباب المعرفة أمام سكان بلدته., وقد استولى الأتراك على ممتلكات هذه الجمعية وألغوا رخصتها خلال الحرب العالمية الأولى؛ ثم هدمت تلك الممتلكات. ولكنه أعاد الكرة بعد الحرب يؤازره إخوان له، فاستعاد للجمعية قوتها حتى أصبحت لها ممتلكات تقدر قيمتها- اليوم- بمليون ليرة لبنانية. وفي سنة ١٨٩١ قدم العلامة السيد حسن يوسف مكي إلى النبطية، وافتتح فيها مدرسة

стр. 8

الحميدية التي التحق بها المؤلف الشاب طالبًا ومعلمًا. فكان يلقي دروسًا في النحو والصرف والمنطق والبيان على طلاب الصفوف الأولية، ويتلقى، بدوره من رئيس المدرسة، دروسًا في الفقه وأصوله وعلم الكلام والفقه الاستدلالي. ثم سافر غلى الحجاز لأداء فريضة الحج سنة ١٨٩٣. حياته السياسية والعلمية كان، ﵀، دائم التطلع إلى كل جديد، تدفعه رغبة شديدة في تغيير الأوضاع السيئة التي وجد عليها سكان بلدته بصورة خاصة، وأولئك الذين كانوا يعيشون في مختلف القرى والدساكر المحيطة بالبلدة. كل شيء كان يؤلمه: الفقر، والجهل، والتمسك الأعمى بالتقاليد، وسلطان الإقطاع العشائري، وتخلف الناس واستسلامهم للأغلال التي كانوا يرسفون بها فلا يكادون يتحركون. فأقبل على مقاومة هذه العلل ما وسعته المقاومة، مستعينًا بالوسائل التي تهيأت له، رغم اشتغاله بتجارته، فتعاون مع إخوان له في تأسيس محافل أدبية وعلمية، وجمعيات سرية ذات أهداف سياسية لم تلبث أن تهاوت جميعها بسبب طغيان النظام الإقطاعي، وعجز المواطنين عن إدراك حقيقة أهدافه. ولكن محاولاته كانت مسمارًا، بل مسامير دقت في نعش هذا الإقطاع. ثم كرر هذه المحاولات وأعاد النظر في أساليبه، وبقي جاهدًا مناضلًا، رغم تقدم السن به، حتى آخر نفس من أنفاس حياته. ولما لم يجد في بلدته ما يحقق له خطته بالسرعة التي يريدها، التحق بالحركات التحريرية العربية، واشترك في معترك السياسة العامة. فكان عضوًا مسؤولًا في يبعض الجمعيات السرية التي كانت تسعى إلى تحرير البلاد العربية من نير الحكم العثماني. واكتشفت السلطات العثمانية الحلقات السرية لهذه الجمعيات أو أكثرها، فكان المؤلف مع رضا بك الصلح وولده رياض وعبد الكريم الخليل وغيرهم من أفراد القافلة الأولى التي قدمها السفاح جمال باشا للمحاكم العرفية في بلدة عالية. ولكن الله سلمه كما سلم المرحومين رضا بك ورياضًا من حبل المشنقة. ولما لمك يجد ورفاقه، بعد انسحاب الأتراك، ما يحقق لهم "أهدافهم الوطنية" تابعوا نضالهم وقاوموا الانتداب الفرنسي مقاومة شديدة بالغة، واشترك المؤلف في ثورة جبل عامل على الاحتلال الفرنسي سنة ١٩٢٠، فنكل به وأبعد عن بلده، كجزء من خطة وضعها الاستعمار الفرنسي للقضاء على القائلين بالأمة العربية الواحدة ذات السيادة الكاملة التامة. وقد مثل بلاده في عدة مؤتمرات سياسية وأدبية، منها: مؤتمر الوحدة السورية، ومؤتمر الساحل، ومؤتمر بلودان، ثم المؤتمر الإسلامي العام في القدس، وانتخب عضوًا فخريًا بلجنة دار الكتب في المسجد الأقصى، وأخيرًا مؤتمر بيت مري الثقافي الذي عقدته جامعة الدول العربية.

стр. 9

وفي اليوم الثامن عشر من شهر تشرين الأول سنة ١٩٢٠ قرر المجمع العلمي العربي بدمشق انتخاب صاحب الترجمة عضوًا في المجمع. وكتب إليه ما نصه: "كتابي إليكم والمجمع في جلسته الثمانين المنعقدة لاثني عشر يومًا خلت من شهر تشرين الأول سنة عشرين وتسعمائة وألف قد قرر انتخابكم عضو شرف لما يعهد فيكم من الكتابة في العلم والتمكن من آداب اللغة العربية التي نعدكم من فرسانها، لما قمتم به من الخدمات الجلي بلسانها، ولذلك يرجو مجمعنا هاذ، الصغير بأعماله اليوم، الكبير بآماله، أن يصل بكم حبله ويشد بمعاضدتكم عضده، وينير بنبراس أبحاثكم سبله، عسى أن يبلغ أمله وأمده ... الخ". وفي سنة ١٩٣٠ م (١٣٤٩ هـ) انتدبه المجمع العلمي العربي بدمشق لتأليف معجم يجمع فيه متن اللغة باختصار مفيد، ويضم إليه ما وضعه مجمعًا دمشق ومصر من الكلمات المنتخبة للمعاني المستحدثة، وما دخل في الاستعمال وطرأ على اللغة زمن العباسيين والأيوبيين ومن بعدهم. فتم له ذلك كله بعد جهد ونصب داما نحو ثماني عشرة سنة. وخلاصة القول أنه كان للمؤلف أثر بارز، وكانت له مشاركات واسعة في مختلف وجوه النشاط السياسي والثقافي والاجتماعي، يملأ وقته كله بالتفكير والكتابة، فهو مناضل سياسي، وهو مؤلف وكاتب. نشر مئات المقالات في مختلف المجلات والجرائد، وعند صداقات واسعة صحيحة مع رجال العلم والأدب والسياسة، فكانت له في القلوب منزلة الراعي الأديب والعالم الثقة. مؤلفاته طبع منها: رسالة الخط، هداية المتعلمين، الدروس الفقهية، رد العامي إلى الفصيح. قيد الطبع: معجم متن اللغة. المخطوطة: معجم الوسيط، المعجم الموجز، التذكرة في الأسماء المنتخبة للمعاني المستحدثة. كتاب الوافي بالكفاية والعمدة. أما مقالاته اللغوية والعلمية والأدبية والسياسية والتاريخية وقصائده الشعرية، فما تزال متفرقة في بطون المجلات والجرائد من مثل مجلة المقتطف بمصر، ومجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، ومجلة الكلية، ومجلة المقتبس، ومجلة العرفان بصيدا، وجريدة جبل عامل بالنبطية وغيرها.

стр. 10

وفاته: فجع المؤلف سنة ١٩٤٨ بوفاة أكبر أبنائه وأقربهم إليه، الدكتور محمد علي رضا، وهو في شرخ شبابه وميعة صباه، فأصابه من هذه الكارثة شر كثير طرحه في فراش المرض سنتين ونيفًا صور خلالها آلامه في قصائد شعرية مختلفة. وفي ليلة السابع من تموز ١٩٥٣ لبى داعي ربه بعد حياة حافلة بالنشاط المستمر والتضحيات الجلى. لقد كان ﵀ رائد نهضة، ومعلم جيل، ومدماكًا من مداميك التقدمية في جبل عامل، مسقط رأسه، وملعب طفولته. اللجنة.

стр. 11

مقدمة المؤلف (مولد اللغة) (١) نشأة اللغات وطوائفها اللغة "فعلة" بضم الفاء؛ قال الجوهري: أصلها لغي أو لغو، والهاء عوض. وزاد أبو البقاء: ومصدره اللغو وهو الطرح، فالكلام لكثرة الحاجة إليه يرمى به، وحذفت الواو تخفيفًا. جمعه لغات، ولغون، ولغى، والفعل لغا يلغو لغوًا إذا تكلم؛ أو من لغي به لغًا "كرضي" إذا لهج به. وقال الراغب: لغي بكذا إذا لهج به، ولهج العصفور بلغاه أي بصوته. ومنه قيل للكلام الذي يله جبه فرقة فرقة: لغة. وفي المصباح: لغي بالأمر يلغى، من باب "تعب": لهج به. وفي الأساس: "لغوت بكذا: لفظت به وتكلمت. وإذا أردت أن تسمع من الأعراب فاستلغهم واستنطقهم. ومنه اللغة." وجاء في لسان العرب: "اللغة اللسن، وحدها أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وهي "فعلة" من لغوت أي تكلمت." الحاجة إلى اللغة الإنسان أرقى أنواع الحيوان وأوسعها إدراكًا. وبسعة إدراكه كثرت حاجاته كثرة لا يستطيع معها الاستقلال بها وحده. فاحتاج إلى التعاون مع بني نوعه. لكن هذا التعاون يحتاج إلى تفاهم، وإلى أن يعرف كل من المتعاونين ما عند الآخر، وإلا تعذر العمل. فهو بذلك محتاج إلى واسطة للتفاهم، وقد منحه الله قوة النطق. وهو أخصر طريق للإفهام وأوفاه بالمراد، فلم لا يكون به وفاء الحاجة؟

стр. 12

كيف تكلم الإنسان؟ قلنا: إن الإنسان باتساع إدراكه احتاج إلى التعاون، فاحتاج من ثم إلى اللغة؛ ولا ريب في أن اتساع المدارك كان يتدرج بتدرج النمو فيها، فيكون احتياج اللغة بطريق التدرج أيضًا. وبعد أن كان التفاهم بالإشارات ثم بالمقاطع الصوتية القليلة، أصبح بمقاطع أكثر لحاجات أكثر؛ وهكذا إلى أن نمت اللغة بنمو الإدراك وتكاثر الحاجة، وكيفت المقاطع حروفًا أمكن حصرها، فكان منها اللغة. هل أم اللغات واحدة؟ إذا ساغ لنا أن نسمي ما تفاهم به الإنسان الأول من المقاطع البسيطة والألفاظ القليلة لغة، صح لنا أن نقول: إن أم اللغات واحدة كما اتفق عليه الجمهور. وهذا القول مبني على وحدة أصل النوع، ثم تفرعت اللغات بتفرق الناس واختلاف أحوالهم، وبنسبة التغير والتبدل الطارئ مع تشتت الحال والديار. كانت اللغة التي نسميها أم اللغات بسيطة جدًا، خاضعة كثيرًا لسنة التغيير والتبديل والتحريف والاستنباط الجديد، مع اختلاف العادات والمعايش وسائر الأحوال. وربما أنكر السامع بادئ ذي بدء، ولأول وهلة، أن اللغة الصينية هي أخت اللغة العربية، أي أنها أمهما الأولى واحدة وأنهما من أصل واحد، مع ما بينهما من الفروق الكثيرة والبون الشاسع الذي يستبعد معه العقل أن يسلم باتحاد الأصل. ولكن التوغل في قدم افتراق الألسن، وشدة تأثير الزمان والمكان في تكييف اللغة- ولاسيما في لغة ليست بذات أصول وقواعد تمسكها عن التهور في التغيير والتبديل- كل ذلك يجعل الاختلاف في بنات الأصل الواحد إلى هذا الحد، غير مستحيل عادة. وقد أثبت الماجور "كوندر (١) " في مقال قرأه في جمعية فيكتوريا الفلسفية، أن الأصول في اللغات الآرية والسامية والمغولية، وفي اللغتين القديمتين الأكدية والمصرية، كلها متشابهة، تدل على أصل واحد، وأتى بأربعة آلاف كلمة من هذه اللغات لإظهار المشابهة. من هو واضع اللغة الأولى؟ ترى الطفل أول ما يلغى ويتحرك لسانه بالكلام يكون ذلك منه بالحروف السهلة على النطق، فإذا أدرك الأشياء أخذ يطلق عليها من هذه الحروف ما لا يخلو من مناسبة مع اسمها الموضوع لها في اللغة التي فتق عليها سمعه، فإذا اتسع إدراكه وانطلق لسانه بالحروف الأخرى،

стр. 13

قلد من هم حواليه بما يسمعه منهم من إطلاق الألفاظ على معانيها، وهو في ذلك ينتقل في كلامه من لغو الأطفال، إلى لثغة الوليد، إلى تمرين الصبي، ثم إلى بهجة العشيرة، فتهذيب المدرسة. وهكذا تلقن اللغة. ولا أحسب أن في هذا جدالًا يعتد به، ولو فرض وجوده فهو بلا ثمرة، وإنما الكلام في الأصل الذي نشأت منه هذه الألفاظ التي فتق عليها سمع الصبي حتى أصبحت لغة يأخذها الوليد بالتقليد. وقد ذهب علماء اللغات قديمًا وحديثًا في أصل الوضع مذاهب ستى، فقال بعضهم بالوحي والإلهام. اللغة من وحي الله وإلهامه: قالوا: إن اللغة تعليم من الله علمه آدم/ وفسروا الآية: "وعلم آدم الأسماء كلها" بأنها هذه الأسماء التي يتعارفها الناس. رووا ذلك عن ابن عباس، وزادوا فقالوا: إن الأسماء التي تعلمها آدم هي أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها إلى أن تفرق ولده في الدنيا. وعلق كل فريق بلغة من تلك اللغات، فغلبت عليه واضمحل عنه ما سواها لبعد عهده بها. وأراد بالأسماء هنا اللغة كلها: أسماءها وأفعالها وحروفها على التغليب، لأن الأسماء ركن في الكلام لا يمكن خلو جملة من جمله عنها، فصح، والحال هذه، إطلاقها عليها بخلاف الفعل إذ يجوز خلو الجمل عنه. وعلى هذا المذهب تكون اللغة محصورة في ما علمه الله آدم من اللغات، فلا تغيير ولا تبديل فيها، بل هي على ما تكلم به أبو البشر بلا تحريف آخر الدهر. وهذا معنى قولهم: إن اللغات توقيفية لا تتعدى اورد. والظاهر أن ناموس التغير والتبدل لم يخطر لأصحاب هذا المذهب ببال. فحسبوا أن اللغة باقية على وضعها الأول الذي تعلمه آدم في كل لغة من اللغات، وانتقلت متوزعة بين أبنائه كما كان ألقاها هو. مذهب ابن فارس: وقال أبو الحسين أحمد بن فارس، في كتابه "فقه اللغة" المعروف بالصاحبي: "والدليل على صحة ما نذهب إليه من التوقيف، إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه، ثم احتجاجهم بأسعارهم. ولو كانت اللغة مواضعة واصطلاحًا، لم يكن أولئك بالاحتجاج بأولى منا لو اصطلحنا على لغة، اليوم، ولا فرق. ولعل ظانًا يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توقيفية إنما جاءت جملة واحدة، وفي زمن واحد، وليس الأمر كذلك، بل وقف الله آدم، ﵇، على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه وانتشر من ذلك ما شاء الله،

стр. 14

ثم علم بعد آدم من عرب الأنبياء، صلوات الله عليهم، نبيًا نبيًا، ما شاء أني علمه حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد، ﵌، فآتاه الله من ذلك ما لم يؤته أحدًا قبله، تمامًا على ما أحسنه من اللغة المتقدمة. ثم قر الأمر قراره فلم نعلم لغة بعده حدثت. أهـ". ثم قال: "وقد كان في الصحابة، رضوان الله عليهم، وهم البلغاء الفصحاء، من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به، وما علمناهم اصطلحوا على اختراع لغة أو إحداث لفظة لم تتقدمهم. ومعلوم أن حوادث العالم لا تنقضي إلا بانقضائه، ولا تزول إلا بزواله، وفي ذلك دليل على صحة ما ذهبنا إليه من هذا الباب. أهـ". الرد على هذا المذهب: يظهر أن أبا الحسين بن فارس يخص بحثه باللغة العربية فيقول: إنها جاءت بالوحي والإلهام إلى الأنبياء من أبناء العرب، من آدم إلى خاتم الأنبياء، صلعم، وإنها كانت تأتي على قدر الحاجة من طريقهم فقط. ولكنها تثبت كما أتت زكما نصوا عليه. ويقول بنفي المواضعة والاصطلاح، ثم أورد دلليه على ذلك. أما حصر بحثه في اللغة العربية فلأنها مدار البحث في كتابه. وأما الوحي والإلهام، وأنه كان يأتي على قدر الحاجة فلا نعرف له دليلًا مما جاء به على صحته. ولم نجد في تعاليم نبي من الأنبياء مما وصل إلينا منها ما يدل على شيء من ذلك، فهي إذًا دعوى بلا دليل. والدعاوى، ما لم تقيموا عليها ... بينات، أبناؤها أدعياء وأما نفيه المواضعة والاصطلاح فله رأيه، وكثير غيره نفوه، ولكن ما أورده من الدليل لا ينهض بالمراد، وليس فيه قوة ولا شبه قوة تؤيد إنكاره هذا لها. وما كان إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم ليمنع من كونها مواضعة واصطلاحًا، بل يصح لنا الاحتجاج بكلامهم على هذا التقدير كما نحتج في أصل أو قاعدة من أصول العلم وقواعده بكلام الأئمة في ذلك العلم. فكذا يصح لنا الاحتجاج هناك مع كونه اصطلاحًا عليه، يصح لنا الاحتجاج هنا مع كونها كذلك لا فرق. وكما لا يصح لنا أن نجعل موضوعات وأصولًا جديدة في أصول العلم المصطلح عليها لشلا تقع الفوضى في الوضع، كذلك لا يصح لنا وضع أسماء لما وضعوا له، ليكون لنا مثل حالهم من حق الاحتجاج بكلامهم. ثم إننا اصطلحنا على لغة اليوم، كما قال ابن فارس، فهل يكون اصطلاحنا هذا هو من تلك اللغة؟ - والمفروض أنه مغاير لاصطلاحهم - أو هو إحداث لغة جديدة؟

стр. 15

لا حاجة إلى القول، بأن ما نصطلح عليه هو غير تلك اللغة المصطلح عليها قبلنا، والتي نريد الاحتجاج لها كما هو المفروض؛ لأن اصطلاحنا الجديد إن لم يكن غير المصطلح القديم، كان نفسه أو مماثلًا له، فيكون اصطلاحنا على هذا تحصيلًا للحاصل ولا فائدة منه. فكيف لا يكونون أولى منا؟ وأين مكان الأولوية لوضعنا الجديد؟ ولو صح لكل متكلم أن يقول: أنا اصطلحت وأنا وضعت، لكانت الفوضى بعينها، وهل الفوضى غير ذلك؟ أما إحداث الألفاظ الجديدة، فإن كان لمعان جديدة طارئة على اللغة لم تكن قبل، فهو صحيح لا غبار عليه، ولا يجوز أن يكون مثله محظورًا. والمعاني تتجدد على مرور الزمن بتجدد حوادث العالم، وابن فارس نفسه يقول: "إن حوادث العالم لا تنقضي إلا بانقضائه ولا تزول إلا بزواله.". وإن كان إحداثها لمعان ليست طارئة بل لها مسميات في اللغة وأسماء، فإن كان لزيادة في المعنى أو نقصان، أو لنكتة سائغة أو لمقتضيات أخر فلا بأس، ولا يعارض ذلك الوضع القديم؛ وإن كان ليس لشيء من ذلك بل لشهوة الوضع وحب التفنن فيه وإظهار الحذق، فهو لزوم ما لا يلزم، وهو غير مرغوب فيه بل هو مما يرغب عنه. اللغة مواضعة واصطلاح: قال ابن جني في الخصائص: "إن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف. وذلك بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدًا يحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات فيضعون لكل سمة لفظًا إذا ذكر عرف به مسماه.". ثم قال: "ولابد لأولها من أن يكون تواضعًا بالمشاهدة والإيماء.". الظاهر أن هذا القول كسابقه لا يعترف بتطور اللغة، والظاهر أيضًا، أن القائلين به يريدون أصل كل اللغات بدليل قول ابن جني: "ولابد لأولها من أن يكون تواضعًا بالمشاهدة والإيماء" وإن الحكماء يجمعونه ليضعوا بطريق المشاهدة والإيماء أسماء لمسميات. فهؤلاء الحكماء، إما أن يكونوا ليسوا بذوي لغة أصلًا كما هو الظاهر، فلا أعلم، بل لا أتصور كيف يفي الإماء بحاجاتهم في مثل اجتماعهم هذا، المنعقد لوضع ألفاظ ثابتة على الدهر، للغة لا تتغير، ولا تتبدل، ولا تتحرف، وهم ليسوا بأصحاب لغة؛ ولا كيف كانوا حكماء واضعين وليس لهم لغة تصل بهم إلى الحكمة ليكونوا فيها بهذه المرتبة التي لا يبلغها أحد بغير التعلم. والعلم ينحصر بالفهم الذي لا يكاد يتم على الوجه الأوفى أو الوافي على الأقل بغير مطارحة الكلام المتوقفة على معرفة اللغة. وإما أن يكون هؤلاء الحكماء أولي لغة سابقة واجتمعوا لإحداث لغة جديدة، فلا إخال أن الباحثين عن أصل

стр. 16

اللغات يريدونه. ثم لا أعلم ما الفائدة لقوم أولي صالحة للتفاهم، يجتمعون لإحداث لغة جديدة على لغتهم، إلا إذا كانوا يريدون تهذيب اللغة والتوسع فيها بوضع ألفاظ لمعان طارئة بحوادث الزمن كما تفعل المجامع اللغوية اليوم. فهم إذًا على هذا ليسوا بواضعين، وإنما هم مهذبون، وهو غير مراد في هذا البحث. اللغة أصوات طبيعية عامة: قال ابن جني: "وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو الأصوات المسموعة كحنين الريح، ودوي الرعد، وخرير الماء، وشحيح الحمار، ونغيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات من ذلك فيما بعد". قال: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب مقتبل.". أو ليس بغريب أن نسمع من مثل ابن جني هذا القول، المبني على إعمالا الفكر المجرد دون تقيد بتقاليد سابقة، فكان في ذلك على غير سنن الكثير من علماء عصره؟ وإنه لم يرض أن يكون القول بالإلهام والوحي قولًا برأسه، بل صرفه بالتأويل المقبول إلى غير ما حملوه عليه فقال: "إن أبا علي قال لي يومًا: هي من عند الله، واحتج بقوله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها." وهذا لا يتناول موضع الخلاف لأنه قد يجوز أن يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله لا محالة، فإذا كان ذلك غير مستنكر سقط الاستدلال." وهذا لمذهب قال به جماعة من المتأخرين مثل "آدم سميث" و"دوكلد ستيورت" ونقل عنهم: أن الإنسان كان يعبر عما في ضميره بالإشارات والحركات حتى تكاثرت، فجعل يحكي الأصوات التي يسمعها، فكان إذا أراد أن يشير إلى الغراب قال: غاق، ولما وجد حكاية الأصوات هذه تفي بالمقصود اعتمد عليها فحصلت منها أصوات اللغة؛ ثم طرأ عليها التركيب والنحت والحذف والتغيير وما شاكل، فتألفت سائر ألفاظ عن كل خاطر يخطر في النفس (١). مذهب ابن جني: لكن ابن جني لم يمض في الجزم بترجيحه هذا الرأي على غيره، بل تردد فقال: "واعلم أنني، على تقادم الوقت، دائم التنقير والبحث عن هذا الموضوع، فأجد الدواعي والخوالج قائمة التجاذب لي، مختلفة جهات التغول على فكري، وذلك لأنني تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، فوجدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاب والرقة ما ملك على جانب الفكر، فعرضت

стр. 17

صحة ما وفقوا لتقديمه منه ولطف ما أسعدوا، وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله، فقوي في نفسي اعتقاد كونها توفيقًا من الله سبحانه وأنها وحي. ثم أقول في ضد هذا أنه كما وقع لأصحابها ولنا، وتنبهوا وتنبهنا على تأمل الحكمة الرائعة الباهرة، كذلك، لا ننكر أن يكون الله قد خلق قبلنا، وإن بعد مداه عنا، من كان ألطف منا أذهانًا وأسرع خواطر وأجرأ جنانًا .... فأقف بين الخلتين حسيرًا وأكاثرهما فانكفئ مكثورًا. وإن خطر خاطر بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها قلنا به." اللغة من الأصوات الطبيعية للإنسان: وقالوا في نفي القول المتقدم وإثبات ما يريدون: إن الإنسان الذي هو أرقى الحيوانات أجدر أن لا يقلد العجماوات، مع أن له أصواتًا خاصة طبيعية تعرض له عند تقلب حالاته، فله العويل في البكاء، والقهقهة في الفرح، وآخ في الألم، وآه عند التوجع، وأوه عند التضجر، وأشباه ذلك، أفلا تكون هذه الأصوات الطبيعية أصل اللغات؟ - ما قيل في هذين القولين: وقيل فيهما: إنه لو كانت اللغات مشتقة من هذا أو ذاك، لكان الشبه بين الأصوات والمسميات حاصلًا، مع أن التباين واضح بحيث يعسر رد أحدهما إلى الآخر. وأي مناسبة بين نزيب الظبي واسمه، وبين عواء الكلب واسمه، وبين "آخ" الصادر عن الألم وكلمة ألم الموضوعة له. وقد علم أنه بزيادة تحليل الألفاظ وتجريد الأصول، يقل عدد الكلمات المحكية حتى لا يبقى ريب في أن الأصول ليست منها. رد مكس مللر على المذهبين: ورد مكس مللر على المذهبين: "بأن حكاية الأصوات إن استعملها المتكلم عندما تعوزه الحاجة إلى الكلام، إنما يريد بها جزئيًا مشخصًا، لأنها تحل محل الإشارة التي تتخصص بالدلالة على الجزئي دون الكلي. فإذا قلد الهر بالمواء وهو يريد الإشارة إلى هر خاص، فهو إنما يريد هذا الجزئي، ثم أطلقه على كل هر لعدم الفارق عنده بين هذا الجزئي وكليه. ولكن الصحيح أن الإنسان وضع الألفاظ للدلالة على الصور الكلية ثم طبقها على الجزئيات." اللغة صوت طبيعي لقوة في الدماغ: ثم قال مكس ملللر: "إن لكل جسم من الأجسام صوتًا خاصًا به إذا قرع ظهر هذا الصوت متميزًا عن غيره. فللذهب مثلًا رنة غير رنة الفضة، وهكذا الحديد والخزف والخشب،

стр. 18

فلكل منها غير ما لصاحبه. وفي الإنسان قوة من شأنها التعبير عما في ضميره بكلمات ملفوظ فكان الفكر أول ما يجول في دماغه، كأنه يقرع تلك القوة فتصوت بألفاظ يفهم الفكر منها، وهذه الألفاظ هي أصول اللغة، ثم تقلبت عليها أطوار التعبير والتركيب فتألفت مفردات اللغة. ولما تم الاستنباط درج عليها الاستعمال ولم يبق لهذه القوة من حاجة، فأهملت وتضعضعت ولم تعد تحس، كما يضعف البصر والسمع لقلة الاستعمال." في هذا الرأي نظر، وذلك لأن خلاصة ما فهمته من هذا المذهب أمران: الأول: قرع الفكر عند جولانه لتلك القوة، وأنه صوت طبيعي لها كرنة الذهب إذا قرع. فالصوت لازم طبعًا لهذه القوة عند جولان الفكر، ويفهم الفكر من هذا الصوت، وهذه هي أصول اللغة. الثاني: أنه بعد أن تم استنباط الأصول من هذا الصوت الطبيعي قل قرع الفكر لهذه القوة، فأهمت فلم تعد تحس لقلة الاستعمال، وإذا كان هذا الصوت نتيجة طبيعية لجولان الفكر كان غير اختياري، لأن ما يكون بالطبع لا مجال فيه للاختيار. لكنا لا نعلم كيف يحصل الإهمال للقوة حتى يقل قرع الفكر لها، مع أن الفكر في الإنسان لا يسكن في نوم ولا يقظة، فهو دائم الجولان فيكون دائم القرع. وهذا حكم اللازم الطبيعي وإلا لم يكن لازمًا، فتكون هذه الأصوات دائمة ما دام القرع، لأن علة لها، فتكون دائمة ما دام الفكر. والفكر دائم، فهي دائمة. فمن أين أتى هذا الإهمال؟ نعم إن استنباط الألفاظ الأصول يقلل المبالاة بالأصوات المذكورة، ولكنه لا يضعفها لأنه نتيجة طبيعية للفكر. والفكر مستعمل دائمًا فكيف يتأتى الإهمال فالضعف؟ فإذا هي غير مهملة فلا تضعف فلا تفقد. ولكن الواقع المحسوس به أنها مفقودة ولا دليل على وجودها سوى: الحدس والافتراض، وهما غير الحس والوجود، فلا يرويان غلة ولا يؤيدان دعوى. خير ما يقال في أصل اللغة: وهو الذي يمكن أن يستقر عليه الرأي من تلك الأقوال ومن القياس على الأشباه والنظائر. إن اللغة نشأت متدرجة من إيماء وإشارات إلى مقاطع صوتية على أبسط ما تكون، وفيها تقليد وحكايات للأصوات الطارئة على سمع الإنسان، طبيعية كانت أو غير طبيعية، مختلفة باختلاف المناسبات الطبيعية أو المرتجلة من القوة والضعف، والقرب والبعد. وكان للبيئة والزمان والأحوال

стр. 19

العارضة تأثيرها الفعال، فكان التشتت والتشعب. وازداد بطول المدة، وبعد الاتصال بين الفروع والأصول، حتى ضعفت دلائل الاتصال وازدادت ضعفًا على تطاول العهد. ونستدل على ذلك: أولًا: إننا نجد الطفل قبل أن يفهم اللغة يحاول إطلاق الأسماء للدلالة على مسمياتها ولا علم له بما وضع لها من الأسماء، فيسميها بالمقاطع المشابهة لأصواتها كما يطلق على البقر اسم "النع" وعلى الجمل اسم "الهب" وعلى الكلب اسم "العو" أو "التوتو" "من الصوت الذي يدعى به -تي تي-" وعلى المعزى "المآء" - "بالمد" - وعلى ما يخفيه من غول ونحوه "الهم" وما هي إلا أشباه أصوات هذه المسميات. فلم لا نقول في الإنسان أول عهده بالكلام مثل هذا أو ما يقرب منه؟ ثانيًا: إذا أغلق على المستدل باب الدليل الحسي في أمر يريد الاستدلال به، صح له المصير إلى التمثيل والقياس بالاشتباه والنظائر. وهذا الرأي يجري فيه قياس التمثيل بتطور الكتابة التي هي اقرب شيء إلى التكلم من حيث الغاية. وقد دلت الآثار لدلالة يحس بها على تطورها فتقول: أثبت الباحثون ودلت الآثار على أن الكتابة بدأت بتصوير الوقائع ثم اتسعت الحال وكثرت الحاجة إلى الكتابة، فأصبح تصوير الوقائع أمراض عسيرًا لا يفي بالحاجة، فصنفت المقاطع الصوتية وكانت حروفًا تتدرج مخارجها من أقصى الحلق غلى الشفتين، وجعل لكل حرف صورة، فبعد أن كانت تصور صورة الجمل للدلالة على معناهـ، أصبحت الصورة رمزًا لمقطع الجيم الذي هو أول حروفه، ثم اتسعت الحاجة فاختصرت رسوم الكتابة، وأبحتن صورة رأس الجمل للدلالة على مقطع الجيم، ثم تقدمت الكتابة واتسعت صورها، واختلف باختلاف الزمان والمكان وتصاريف الأحوال، فتغيرت عن وضعها، وتباينت صورها باختلاف الشعوب وتفرقها واختلاف عاداتها. فكما أثبت الباحثون في الكتابة، نقول في اللغة أيضًا: إنها بدأت طبيعية بحكاية الأصوات، للدلالة على ما تصدر منه مما له صوت مثل: قط للقطع، وهف لهبوب الريح، والصهيل والنهيق والأطيط .. أو بحكاية ما يناسبها، مما ليس بله صوت ... أو بإحداث مقاطع صوتية مرتجلة، من غير تعمل، ـ قالها بعض فتبعه آخرون سمعوه، فشاعت فاستقرت. ثم إنه كان للإنسان أصوات تدل على حالات النفس: فللجوع والعطش وللنجدة وللحرب وللسرور وللحزن ولغيرها مقاطع أو أصوات شبه المقاطع تدل عليها، فأشبه هذا تصوير الوقائع في الكتابة أي انه كان على البساطة الفطرية. ثم اتسعت الحال باتساع الحاجة، فاحتاج الإنسان، مع اتساع تمدنه، إلى زيادة في التفاهم مع

стр. 20

إخوانه ومعاشريه. ولكن هذه المقاطع التي صيغت له على البساطة الفطرية لا تقوم بالحاجة ولا تفي بالغرض، فعمد إلى التوسع؛ فربما تركب المعنى أمامه، فركب المقاطع الدالة على جزأيه تركيبًا مزجيًا، ثم شذ بها بالنحت، فخرجت كلمة جديدة، كما قالوا في "أجنك فعلت" أي من أجل أنك فعلت. وقالوا: "برقل برقلة، بمعنى: كذب." - قال الخليل: إنه من قولهم: برق لا مطر معه -وقالوا: "حبرم: أي اتخذ حب الرمان." وكما في: بسمل، وحوقل، وجعفل، وطلبق، وكثير أمثال ذلك؛ فأشبه هذا الانتقال في الكتابة من دلالة الصور على الوقائع إلى جعلها رمزًا لمقطع حرفي. وربما عر ض للإنسان معنى يقرب من بعض المعاني التي لها مقاطع صوتية، فدل عليها بما يقرب من ذلك المقطع مع شيء من تحريف أو تبديل كما في: "درأ وطلع" أو تقديم وتأخير كما في: "جذب وجبذ"؛ وربما أطلق الكلمة على غير معناها لمناسبة أو شبه مناسبة أو لأدنى ملابسة، ثم يشيع هذا الإطلاق فيصبح وضعًا مستقلًا. وحيث أنهم لم يشترطوا في أصل الوضع قوة المناسبة، وقرب المعنى من اللفظ، اتسع نطاق إطلاق الألفاظ على المعاني بادئ بدء، فاتسعت اللغة واختلف الزمان والمكان، وطال المدى، وتعددتا الشعوب، فاختلفت جهات الاستعمال: فكانت اللغات القريبة التناسب والبعيدة فيه، كما كان ذلك في الكتابة وتنوعها. التسامح في رعاية المناسبة عند الوضع: أما أن إطلاق اللفظ على المعنى أول وضعه وكونه يصح لأقل مناسبة، فلا أحسب أحدًا يسلم به., وما أشبه الإنسان الأول - وقد احتاج إلى ألفاظ لمعان يريدها ثم لم يجدها، فتناول ما تيسرت له معرفته، وإن كانت فيه نفحة من الملابسة - ما أشبهه بالطفل الذي يرى الأشياء أمامه ولا يعرف أسماءها، فيختار لها من مخزون ذهنه الصغير اللفظ الذي ينطلق به لسانه، فيطلقه عليه. وقد رأيت بعض الأطفال الصغار لأول عهده بالكلام يسمي العصا "توتو" لأنه أول ما رآها مضروبًا بها الكلب، فكان هذا الاسم مخزونًا في ذهنه فأطلقه على العصا لأنه رآها وهو يضرب بها. وأذكر مما كنت قرأته أن بضع القبائل البادية، كانت تدل على الكلب بسحب السبابة والوسطى من الأصابع على الأرض منفرجتين، لأنهم كانوا وقت ارتحالهم يلقون عمد البيوت على أعناق الكلاب مقرونة عمودين عمودين، فتجرها هذه إلى حيث ينزلون. وإذا راجعت كتب اللغة تجد ما يدلك على التوسع في إطلاق الكلمات على المعاني المتقاربة وغيرها لأقل ملابسة. فقد جاء في اللغة، كما في المصباح: عقره عقرًا "من باب ضرب": جرحه. وعقر البعير بالسيف عقرًا: ضرب قوائمه (ولا يطلق العقر في غير القوائم). وقال أبو زيد في نوادره:

стр. 21

رفع فلان عقيرته إذا قرأ وغنى (ولا يقال في غير الخبر). وفي القاموس: العقيرة صوت الباكي والقارئ. فالعقيرة - إذًا - تطلق على الصوت إطلاقًا لغويًا صحيحًا كما تطلق على القائمة المعقورة. وجاء في كلامهم: "إن أصل إطلاق العقيرة على الصوت، أن أعرابيًا عقرت رجله فرفع صوته صارخًا متألمًا رافعًا رجله العقيرة من الألم.". وفي التاج: "قيل أصله أن رجلًا عقرت رجله فرفع العقيرة على الصحيحة وبكى عليها بأعلى صوته، فقيل: رفع عقيرته، ثم كثر ذلك حتى سمي الصوت بالغناء: عقيرة.". وقد سموا النطع بناء ومبناة لأنه من الأديم، وكانوا يتخذون منه القباب (كذا جاء في الأساس) فسموا النطع، أديمًا كان أو غير أديم، بالبناء. وقالوا: سيف سباب العراقيب: كأنما يعاديها ويسبها (كذا في الأساس). مثال في توسع الكلمات من هذه الأصوات: وإننا نجد أن حكاية بعض الأصوات قد توسع فيها توسعًا جعل منها ألفاظًا كثيرة لمعان كثيرة، حتى إن بعض تلك المعاني بعد عن الأصل بعدًا يجعل اتصاله به محل شك وريبة، وذلك مثل: قط، بمعنى قطع، ومقطعها شبيه بالصوت الطبيعي للقطع وهي تدل عليه. ثم كانت الطاء دالًا، وهما أختان تتعاقبان في الكلام، وتبدل إحداهما من الأخرى فقيل: قد، ودلت على القطع طولًا، ثم خرجت بالمجاز إلى معنى القامة. وقيل: قد الطريق، بمعنى قطعها. ومن ذلك سمي الطريق "مقدًا" وسميت قطع اللحم "قددًا". وجعل القديد لليابس من قطع اللحم. وقيل للسير الغير المدبوغ من الجلد "قد". وقيل: القدة، للفرقة من الناس. وجاء في معناه - قت - وأبدلت دالها ذالًا فقيل: قذ السهم إذا حذف أطرافه. ومنه - القذة - للريشة المقذوذة. ثم قيل: قذ السهم إذا راشه ... فخرجت عن معنى القطع. وأبدلت صادًا فقالوا- قص - وبقي معناها للقطع. وقد تتعاقب الصاد والطاء في كلامهم مثل: غمط النعمة وغمضها. ثم جاء منها - القصة - لكل خصلة من الشعر وللناصية، ثم القصة بمعنى الحديث والخبر لأنها تتقطع من جملة الكلام. ويقال: في رأسه قصة أي جملة من الكلام. وأبدلت ضادًا معجمة، وهما يتعاقبان في: وضفر بمعنى وثب، والخطب والحضب والحصب؛ وكان من معناها الكسر، وسمي الحصى الدقيق المكسر: قضًا، والحصى الكبير: قضيضًا. ثم قيل: جاؤوا بقضهم وقضيضهم إذا لم يتخلف منهم أحد.

стр. 22

وجاء في قص - كس - بإبدال القاف كافًا والصاد سينًا، وهما متقاربا المخرج ويتعاقبان كثيرًا، ومعناها: الدق الشديد. وجاء منها - قش النبات - "بالقاف والشين"، إذا يبس وآن قطعه، كما جعل القش للجمع أيضًا. وجاء - جز - من قص وبمعنى قطع - وحز - مثلها أو بمعنى فرض للقطع. ثم قيل حزازة للغيظ المؤثر في القلب كما يؤثر الحز في العصا. وجاء - جد وجذ وحذ وجث واجتث - وكثير أمثال ذلك. وزيدت قط لزيادة في المعنى فقيل - قطف - بمعنى قطع وجمع، وخصصت بالثمر، فكانت زيادة الفاء للدلالة على ما زاد على معنى القطع وهو الجمع، ولعلهم استخرجوا هذا الحرف من حفيف القطيع إذا اجتمع أو من صوت القصب أو الغصون وهي تشد وتحزم، أو من أمثال ذلك. وزيدت قط زيادة أخرى فقيل: قطم، وتعدت هذه من القطع إلى العض بأطراف الأسنان، ثم منه إلى أكل اللحم فقيل: هو قطيم "ككتف" لمشتهي أكله، وبه سمي الصقر القطامي. ثم حرفت فقيل - الكدم - للعض. وجاء من قض: عض، بإبدال القاف عينًا، ÷ وهما يتعاقبان في الفصيح: مثل توعلت الخيل وتوقلت، وجاؤوا دفعة ودفقة. وجاء من قص: قصم وقصع وقصل وقصف، ثم امتد الوضع لمناسبات أو ملابسات إلى القصيمة والقيصوم والقصيم. وجاء من قصم: قسم، ثم جعل القسم للنصيب وللسهم، ثم قيل مقسم للمهموم، وجعل القسم لليمين، وذهبت هذه الشعب في مدارجها لمعان أخر. وجاء من قض: قضم وخضم، ومن قص: فص، ومن فص: فصل، ثم المفصل لكل ملتقي عظمين في الجسد، ثم قيل للسيف ثم للحاكم: فيصل. وغير بعيد أن تكون قبض وقبص من قض وقص. وجاء من قص: قرص، ثم القرص والقرصة. وجاء من قص: قعصه بالرمح. وجاء من مختلف هذه الفروع فروع أخر كقرض بمعانيها، ومنها قرض الشعر. وجاء قصر وقلص وكسر، ثم كسر الطائر إذا ضم جناحيه للوقوع، ثم كسر الخباء لجانب البيت. وجاء قشر وكشر وجزر ثم الجزارة: لأطراف الجسم. وجاء الجزم والكسح والقلع والحذف. وجاء الحد من القد للحاجز بين الشيئين. وجاء الصد والسد. وجاء جذم. وجاء حذا النعل ثم الحذاء. وجاء: صدع وجدع السويق.

стр. 23

وعلى هذا تجري في اللغة ألفاظ لم نتعمد إحصاءها وقد لا يمكن ذلك: كشذ، وسذب، وشد، وشطر، وشتر، وشظ، وشق، وشع، وشل، وأت، وبت، وبتر، وتبل، وبتل، وبث، وبثق، وبد، وحذف، وحذم، وخذم، وخد، وخدش، وخدع، ورد، وردع، وصدع .... إلى غير ذلك من الألفاظ. وإننا نجد الألفاظ المتقاربة تدل على معان متقاربة، كما نرى في: الوشم، والوسم، والرشم، والوشي، والرقش، والنقش، والوشع، والرسم، والروسم، والروشم. وكما نرى في: اللكم، واللطم، واللدم. وفي: الرنين، والحنين، والهنين، والأنين، والأنيت. والخنة، والغنة. وفي: النضح، والنصخ، والنصح، والرشح، والنشح. وفي: الجرجرة، والخرخرة، والهرهرة، والغرغرة، والقرقرة، والكركرة، والدردرة. وربما ترد الكلمة من لغة على لغة أخرى فتجريها على أساليبها بعد أن تثقلها وتشذ بها، مثال ذلك: الجلاب، من الفارسية: "كل آب" ومثل خشاف من "خوش آب" وسلحفاة من: "سوح باي" وأمثال ذلك كثير. تطور اللغات: يقول المثل العامي: الذي لا يتغير يموت. والتغير والتبدل من سنن الكون المقررة، واللغات خاضعة فيما تخضع لهذه السنة، فهي، إذًا، عرضة لذلك على مرور الزمن واختلاف الأحوال، وسبحان من لا يتغير. إن الألفاظ تدل على معانيها دلالة وضعية متعلقها وضع الواضع، وليس في الألفاظ دلالة ذاتية تمنع تخلفها عن مدلولها. فالدلالة "الوضعية" تتخلف عن مدلولها بتغير الوضع، والوضع يتغير: إما قصدًا، بأن يعدل عن هذا اللفظ إلى لفظ آخر ابتداء أو ارتجالًا. وإما عرضًا كما إذا استعمل اللفظ في غير معناه بضرب من التجوز، ثم كسر وشاع في معناه المجازي حتى أصبح فيه حقيقة تتبادر إلى الذهن عند إطلاقه. وإما لذهول أو نسيان فيمن يستعمله فينقص أو يزيد بعض الحروف، أو يقدم أو يؤخر في ترتيبها، ثم يتبعه غيره في ذلك تقليدًا؛ والناس يتبع بعضهم بعضًا في اصطلاحهم وعاداتهم. وإما لعدم التمكن من تعليم كل وليد آداب لغته، فينشأ وفي كلامه تحريف الصغار، لأن الطفل أول ما يتلقى اللغة يعسر عليه النطق بكل حروفها، فيغير ويبدل ويزيد ويحذف، فإن اهتدى

стр. 24

إلى تقويم لسانه بالحرف صار إليه، أو علم ذلك نشأ عليه، وإلا احتمل له أن يبقى في كلامه شيء من لكنة الصغير أو تحريفه. فإذا ساعد على ذلك كله أو بعضه تباعد الديار والتفرق على وجه الأرض مع قلة التواصل والتزاور، بعد الفرع عن الأصل واستقل بنفسه، وكان بعدئذ لغة قائمة برأسها معرضة لسنة التطور. وإما لأن اختلاط الأمم بعضها ببعض، وتمازجها بالتجارات أو الغارات والسباء، بعد أن صارت كل أمة مستقلة بنفسها، يدعو إلى تسرب شيء من لغة بعض إلى لغة الآخرين، فتأخذ هذه من تلك، أو بالعكس، كلمات وأساليب. فإذا كانت إحداهما غالبة أخذت المغلوبة منها أكثر مما تعطيها، إذا تساوى تمدنهما أو كانت الغالبة أرقى، وذلك بسنة تشبه الضعيف بالقوي. وهذا العامل، عامل الاختلاط، أكثر أثرًا في تبدل اللغات من سواه، ولذا تجد أهل البادية أكثر حفظًا للغة من أبناء الحاضرة لقلة اختلاط أولئك بغيرهم، وكثرة اختلاط هؤلاء. وإن سلامة لغة البدو من التحريف والتغيير إنما تكون بقدر بعدها عن الحضر. ((( هكذا كان ويكون التطور في اللغات، وهكذا تتشعب. فبينما يكون اختلاف لهجة ولهجة في قطر واحد بين مدينتين فيه أو ناحيتين من نواحيه، يكون اختلاف أكثر بين قطرين متجاورين كالشام والعراق وهو أشد أثرًا منه إذا كانا متباعدين كالشام والمغرب الأقصى. ثم يشتد التباعد مع تطاول المدة فيكون كالاختلاف بين المضرية والحميرية، فإذا ازداد شدة كان كالاختلاف بين العربية والعبرانية ... وهكذا حتى يبلغ الاختلاف أقصاه. موت اللغة وحياتها: اللغات في العالم متفاوتة جدًا في حالاتها، فبعضها ضيق العطاء في الدلالة على المراد، حتى إن منها ما لا يعرف في اسم لما فوق العدد الخامس من الآحاد، في حين أن بعضها يتسع للتعبير عن كل ما يراد. ولكن اللغات غير الصالحة للحياة لا تلبث طويلًا عند تماس أهلها بأهل اللغات الراقية فيستغنون بهذه لسعتها، عن تلك لضيق مادتها، فتندرس التي استغنى عنها تدريجيًا حتى تصبح أثرًا بعد عين. إن حياة اللغة وارتقاءها مبنيان على مقدار نصيب أهلها من الرقي والتمدن، فكلما ارتقت الأمة كسرت حاجاتها بالطبع، فاتسعت لغتها باتساع الحاجات. واللغة إذا اتسعت احتاجت إلى ضوابط وقواعد تصونها؛ فاللغة التي يسلك بها أهلها هذا السبيل، والتي حفظت نفسها، بما وضع لها الغياري عليها من ضوابط وقواعد تحفظها، وتعين على نموها، وتتسع بها للجديد، كتبت لها الحياة

стр. 25

ونمت، والتي همل فيها هذا الأمر ترجع القهقري حتى تموت، وبموتها تموت أمتها وتفنى قوميتها. فاللغات لها حياة وموت، وصحة وسقم، وشباب وهرم. اللغة بضوابطها وقواعدها: إن اللغة مشتركة بين أبنائها كسائر المصالح المشتركة فيما بينهم، فكما أن هذه تتعرض للفوضى، إذا لم يكن لها نظام يحفظها، ووازع يزعها عن الشذوذ عن النظام عند التعارض والتزاحم، كذلك اللغة فإنها تحتاج إلى مثل هذا من الضوابط والقواعد، التي هي نظام اللغة وشريعتها. وكما أن أهل الحل والعقد في الأمة هم أولو الحق في اختيار القوانين الصالحة لشريعة الأمة، كذلك أهل الحل والعقد في اللغة، وهم أئمتها من السابقين وأصحاب المجامع الصالحة من المتأخرين، هم أولو الحق في ضبط هذه القواعد وتهذيبها على سنن لا يخرج بها عن حدها، ولا يمسخها في وجهها واتجاهها القومي ومميزاتها الخاصة، وفي ذمتهم منع الفوضى وإقامة نظام اللغة على أركانه. وكما أن مبلغ رقي الأمة إنما يعرف برقي قوانينها كذلك كل لغة إنما تعرف قوتها بمتانة أصولها وانتظام قواعدها وسعة بيانها. ولا أراني مبالغًا إذا قلت: إن اللغة هي في الأغلب أصول وقواعد وأساليب تجري عليها، أكثر مما هي مفردات وألفاظ. وأن لهذه الأصول والقواعد والأساليب من الرسوخ والثبات في اللغة ما ليس للمفردات. فالمفردات كثيرة التعرض للتطور من تحريف وتبديل، وقلب ونحت مما يمكن معه، مع طول المدة، أن يتغير شكل الكلمة. وهكذا تموت كلمات وتحيا أخر. أما طرق الاشتقاق والتركيب فثابتة لا تتغير إلا فيما ندر وطال معه العهد، كما تحيا وتتجدد وتموت وتفنى دقائق الجسم الحي، وهيئة الجسم ثابتة لا تتغير. أقدم اللغات المعروفة، أو اللغة الأولى للبشر: لم يتفق الباحثون على تعيين أقدم اللغات المعروفة عهدًا وأبعدها مدة؛ فادعى الصينيون أن لغتهم هي اللغة الأصلية، ولم يستبعده بعض العلماء من حيث أنها قليلة التهذيب والتشذيب، بل لا تزال ضاربة في البساطة التي هي صفة لازمة للغة الأولى؛ ولو صح هذا لكانت لغات زنوج إفريقية وهنود أميركة هي اللغة الأصلية لأنها أعرق في البساطة من الصينية وأقل تهذيبًا. وادعى الأرمن أن لغتهم هي اللغة الأولى وأنها هي التي تفرعت فروعها فكانت منها لغات العالم، لأن الله تعالى جبل آدم من تربتهم، وأنزله بأرضهم فهم يتكلمون بلغته، ولغة أبي البشر هي الأولى، لأنه هو الإنسان الأول. وهو أيضًا منقوض: ١ - لأن مستند دعواهم أن الإنسان الأول خلق من تربتهم، ونزل بلادهم هو غير مسلم به.

стр. 26

٢ - ولو صح هذا، فلا يكون دليلًا على أن لغتهم هي لغة الإنسان الأول بعينها، لم يطرأ عليها تطور ولا تغير ولا تبديل، إذ لا ملازمة بين اللغة والأرض. ولا نعلم أيضًا أن أمة من الأمم تثبت على لغة واحدة على اختلاف العصور والأحوال، حتى تثبت لغة الأرمن على توالي الأزمنة منذ نشأة الإنسان الأول إلى اليوم. وادعى العبرانيون أن العبرانية هي اللغة الأولى، وأنها لغة الإنسان الأول لأن أسماء الأنبياء الأولين وآباء البشر أسماء عبرانية، وفي ذلك دليل على أنها كانت لغة لهم. وهذا أيضًا فيه نظرن لأننا إنما أخذنا هذه الأسماء عن العبرانية ولا نعلم هل نقلت كما هي أو تغيرت ثم نقلت، كما فعل اليونان بأسماء البلاد التي دخلت في حوزتهم، وكما يفعل الصهيونيون اليوم في أسماء البلاد التي تدخل في حوزتهم من أرض فلسطين، ومتى وقع الاحتمال بطل الاستدلال. وادعى العرب أن العربية هي لغة آدم أبي البشر، وجاء في أساطيرهم أن آدم رثى ابنه هابيل بأبيات شعر عربي. ثم قالوا: إن عربية آدم حرفت، فصارت سريانية بطول العهد وتقادمه. ولما حصل الطوفان طوفان نوح لم يكن في سفينته عربي غير جرهم، وكان لسان كل من في السفينة السرياني، وهو مشاكل للعربية إلا أنه محرف. أخرج هذا القول ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس، وقال به عبد الملك بن حبيب، وهو المفهوم من فحوى كلام ابن فارس في فقه اللغة، ولكنه قول مجرد ودعوى بلا دليل، ومال نسبوه إلى آدم من الشعر يصعب على كل ذي ذوق وأدب تصديقه. القول الحق في ذلك: لم تكن اللغة الأولى للبشر لغة صريحة مستقلة بنفسها بحيث يصح أن تسمى لغة، بل كانت، كما سلف القول به، مقاطع على أبسط ما يكون، ثم ترقت. فلا هي الصينية، ولا العربية، ولا العبرانية، وإنما هذه لغات نشأت وتفرعت منذ ها الجذر الذي بنمو فروعه التي أصبحت أمهات وطوائف، تلد كل أم أو طائفة منها بنات كانت بالنسبة إلى كل طائفة أخوات. وإنما القول في أيهن أقدم عهدًا بالأم وأقرب شبهًا بالأصل؟ هذا هو محل البحث؛ وإني أرجح أن تكون العربية، بالنسبة إلى الفرع السامي، كما ستراه. طوائف اللغات: قلنا: إن حياة اللغات وارتقاءها مبنيان على ما لأهل كل لغة من النصيب في الرقي، وعلى مقدار جهود بنيها في حفظها وصونها وتحسينها. وهكذا ارتقت لغات واتسعت، وماتت لغات لعجزها وعجز بنيها عن النهوض بها أو بموت أمتها، فكم أشرق نجم أمة وأزهر، ونالت حظها من

стр. 27

الحياة والنمو، ثم عدت العوادي على أهلها فشئت شملهم، ومزقتهم كلا ممزق، فضعفوا واستكانوا وذهبت بذهابهم قوميتهم التي كانت تحرسها اللغة وأصبحوا أثرًا بعد عين، وكان ذلك نصيب لغتهم. وقد قسم العلماء اللغات المعروفة إلى ثلاثة أقسام: ١ - اللغات الحية: وهي اللغات المعروفة اليوم واليت هي لغات أمم حية ينحصر تفاهمهم المطلق بها: كالعربية، والفارسية، والإنكليزية، والفرنسية، والألمانية الخ .. ٢ - اللغات المسماة باللغات البائدة: وهي التي انقرض أهلها وبادت أممها، فطمست معالمها إلا بقايا أخذت عن الأنصاب الأثرية التي أحيت ذكراها، وأعان البحث والجهد الكبير على فك معانيها، وحجل رموزها وقراءة خطوطها بعد الإمحاء والدروس كالمصرية القديمة، والفينيقية، والبابلية، والحثية. ٣ - ما يسمى باللغات الميتة: وهي التي أصاب أصحابها المصائب، فنزعت منهم جامعتهم وقوميتهم او غلبوا على أمرهم فيها، فزجوا بين الشعوب، واندمجوا في سلك المتكلمين بغيرها من اللغات الحية، ولمي بق من أبنائها من ينحصر تفاهمه اليوم بها كالسريانية والعبرانية مما لا تزال معروفة متداولة، لكنها ليست لغة شعب حصر تفاهمه المطلق بها. وقد نظر فلاسفة اللغة إلى هذه الأقسام (١) من حيث تحليل ألفاظها، وردها إلى الأصول والمقابلة بين تصريفها، فقسموها بهذا الاعتبار إلى سبع طوائف أو سبعة أصول تتفرع منها وهي: ١ - السامية نسبة إلى سام بن نوح، وتتفرع منها الفينيقية أو الكنعانية، والأشورية والبابلية من اللغات المندثرة، والعبرانية والأرامية من اللغات الميتة، والعربية والحبشية من اللغات الحية. ٢ - الآرية وفروعها: أ- اللاتيني، ومنه الفرنسية والاسبانية والإيطالية والبرتغالية. ب- التوتوني، ومنه الروسية والبلغارية والصربية. ج- اليوناني، ومنه اليونانية القديمة والحديثة. د- الفارسي، ومنه الفارسية والكردية والأفغانية والأرمنية. هـ- السنكريتي، ومنه الهندية والبنغالية والمهراتية.

стр. 28

٣ - الطورانية: ولها فروع، منها المجري والتركي على اختلاف مواطن متكلميه ولهجاتهم، وقد عدوا من فروعها الصينية واليابانية. ٤ - الحامية: نسبة إلى حام، وأشهر فروعها المصرية من اللغات البائدة والقبطية من اللغات الميتة. ٥ - الملقية: وهي اللغات المنتشرة في جزائر الأوقيانوس الباسيفيكي بين فورموزه وزيلانده ومدغشقر. ٦ - الزنجية: وهي لغات جنوبي إفريقية. ٧ - الاميركية: وهي لغات هنود أميرك الأصليين. هذه طوائف اللغات التي ذكرها العلماء، ولكن المهم منها هو الأصول الثلاثة الأول. وقد قسموا اللغات أيضًا إلى مرتقية وغير مرتقية، وجعلوا ميزان الارتقاء سعة نطاق اللغة، وجودة بيانها، ووفاءها بالتعبير عن المقصود. وأهم ما في غير المرتقية كون ألفاظها أحادية المقطع لا يفرق فيها بين الاسم والفعل والحرف إلا بالإضافة إلى ألفاظ أخر ذات معان مستقلة. ثم قسموا المرتقية إلى جامدة ومتصرفة، وجعلوا ميزان التصرف قبل التصريف والاشتقاق بسهولة، ويكون ذلك فيها بتغيير هيئة الكلمة بالتصرف في حركاتها دون مادتها كما في: عرض عرضًا، وعرض عرضًا وعراضة، وعرض عرضة، وعرض عرضة وعرض. ويكون ذلك فيها بزيادة حروف وأدوات في صلب الكلمة لزيادة في المعنى كما في: خرج واستخرج، وكسر وتكسر وانكسر. وغير المتصرفة ليست كذلك بل هي ذات أصول جامدة على مبناها. وإنما يكون تصريفها بزيادة أدوات في آخر الكلمة لا معنى لها في نفسها، بل معناها قائم فيما زيدت عليه، كتصرف اللغة التركية، وخذ مثلًا: "كيتمك" وهو مصدر بمعنى الذهاب فقالوا في الأمر: "كيت" بمعنى اذهب، و"كيتدى" بمعنى الماضي أي ذهبي، و"كيتلر" بمعنى ذهبوا، و"كيتملى" بمعنى وجب أن تذهب، و"كيتمش" بمعنى ذهب به، و"كيده جي" بمعنى سيذهب. وأنت ترى في هذا المثال أن كلمة كيت لم يتغير مبناها بتغير معناها، بل لازم صفة واحدة طرأت عليها أدوات في آخرها تدل على هذا التغير. أما الطائفة السامية فيه من اللغات المتصرفة لأنها، كما يرى في بناتها العربية والعبرانية والسريانية، مؤلفة من أصول ثلاثية ثابتة في الاشتقاق بمادتها مع قبولها التصريف بهيئتها. وقد بلغت اللغة العربية من ذلك مبلغًا فاقت به أخواتها.

стр. 29

اللغة العربية ونشأتها النسبة: نسبت هذه اللغة إلى العرب لأن لغتهم التي فتقت عليها أسماعهم، ودارت عليها رحى بيانهم. وإنما سموا عربًا: ١ - لأنهم أهل بيان وفصاحة. واسم العرب مشتق من الإعراب وهو الإبانة، فيقال: أعرب الرجل عن ضميره إذا أبان عنه (١). ٢ - أو من "عرب" العبرانية أي أرض الغروب والظلام، والعبرانيون لا يميزون في الصورة بين العين والغين، ومن هذه اللفظة كلمة أوربة (عروبة) على ما قال مكس مللر، وكما جاء في قاموس نورث (٢). ٣ - أو من "عرب" العبرانية بمعنى الخلط والمزج لكونهم شعبًا ممزوجًا من نسل قحطان وإسماعيل ومديان ومؤاب وعمون وعملاق. وربما اختلطوا بالكوشيين في الجنوب (٣). ٤ - أو من "عرب" السامية، أي قصد الغرب، وذلك لأن العرب سموا كذلك حين ارتحالهم عن الوطن الأصلي غربًا، واللغة السامية هي الأصلية. فلفظة عرب بمعنى غرب لكنها سامية وليست عبرانية. وفي هذه الوجوه ما يقضي بأن هذا الاسم متأخر الوضع. وإن كان بعضهم قد جعل التسمية عبرانية فليس فيه دليل على أن العبرانية أقدم من العربية، لجواز حدوث التسمية وتأخرها عن المسمى، وقد سمي الخط المعروف قديمًا بالجزم - بالخط الكوفي، وهو أقدم من الكوفة بلا ريب. ٥ - وقال في لسان العرب: "اختلف الناس في العرب لم سموا عربًا، فقال بعضهم: أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب: يعرب بن قحطان، وهو أبو اليمن كلهم، وهم العرب العاربة. ونشأ إسماعيل بن إبراهيم معهم فتكلم بلسانهم فهو وأولاده العرب المستعربة. وقيل: إن

стр. 30

أولاد إسماعيل نشأوا "بعربة" وهي بلد من تهامة؛ فنسبوا إلى بلدهم إلى أن قال: وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها، أو نطق بلسان أهلها فهم عرب، يمنهم ومعدهم" قال الأزهري: "إنهم سموا عربًا باسم بلدهم العربات.". بلاد العرب: هي الجزيرة العربية، وإنما هي شبه جزيرة: يحدها شمالًا فلسطين وبعض سورية وما بين النهرين وما يليها إلى خليج العجم وبحر الهند، وجنوبًا بحر الهند، وغربًا البحر الأحمر وبرزخ السويس وبعض سورية. طولها ألف وأربعمائة ميل، ومعظم عرضها ألف ومائة وخمسون ميلًا، ومعدله ثمانمائة ميل؛ فتكون مساحة الجزيرة مليونًا ومائة وعشرين ألف ميل مربع (١). هكذا حددها التاريخ القديم، ولكن الديار العربية اليوم أفسح رقعة وأعم إطلاقًا، وهي تشمل سورية وفلسطين والعراق ومصر وبلاد المغربين وما إليها من الصحاري والبوادي حتى يعم السودان المصري، وكلها عربية الوجه واليد واللسان. كانت الجزيرة العربية معروفة عند الرومان بأقسام ثلاثة: ١ - العربية السعيدة، ويراد بها بلاد اليمن. ٢ - العربية الصخرية، وهي شبه جزيرة سينا وجانب من سواحل البحر الأحمر وعرب الشمال إلى حدود فلسطين. وهذان القسمان متمدنان. ٣ - العربية الصحراوية وأهلها أهل بادية. أما مؤرخو العرب فقد قسموها إلى ستة أقسام: ١ - بلاد اليمن: وهي بلاد حضرموت والشحر ومهرة وعمان ونجران. ٢ - تهامة: وهي ساحل البحر من اليمن حتى الحجاز. ٣ - الحجاز: وهي ما علا ارض تهامة إلى نجد شرقًا، وخليج العقبة وأرض التية غربًا، وفلسطين والشام شمالًا. ٤ - نجد: وهو ما ارتفع عن الحجاز إلى الشرق، واتصل بالعراق شمالًا وشرقًا، وباليمامة جنوبًا. ٥ - اليمامة: وهي ما بين نجد واليمن. ٦ - أرض التية: وهي العربية الصخرية المعروفة ببرية سينا.

стр. 31

هذه هي بلاد العرب. وهي، كما ترى، تغلب على كثير من أقسامها الصحراء، وما زال أهلها في عز ومنعة، يأبون أن يذلوا لسلطة قاهرة تحكم في أعشارهم وأبشارهم، اللهم إلا ما كانت تتألقهم به الدول المجاورة لهم لتتزود من نصرتهم وقت الحاجة: كالمناذرة مع الفرس، والغساسنة مع الرومان. موطن اللغة العربية الأول: يستنتج من أقوال الباحثين أن اللغة السامية الأم كانت منتشرة في منطقة واسعة الأطراف، قبل أن تلد بناتها وتتشعب إلى فروعها. فأين كانت هذه المنطقة؟ يقول بعضهم: إنها أرض أرمينية من حدود كردستان. ولم نقف على دليلهم وما استندوا إليه في هذا المذهب، ولعلهم يرجعون به إلى زمن نوح يوم استقرت سفينته على الجودي بعد الطوفان. وذهب العلامة جويدي Guide إلى أن المهد الأصلي للأمم السامية كان جنوبي العراق على نهر الفرات. ونقل بعضهم أن أقدم هجرة سامية اتجهت نحو بابل كانت من نواحي الجزيرة، وقد أسست ملكًا عظيمًا في منطقة الفرات وكان لها حول وطول في عصور شتى، وأن الهجرة الكنعانية والآرامية والعبرانية كلها صدرت عن جزيرة العرب، وانتشرت في العراق وسورية وفلسطين، بل جاوزتها إلى مصر فكان من الأسرة الحاكمة فيها المعروفة بالهكسوس أي الرعاة. وجاء في آداب اللغة الآرامية للعلامة شابو Shabot أن منبت الساميين هو الأقطار الواقعة جنوبي قزوين، رحلوا من هناك إلى بابل وانتشروا في الأقطار. وقال بهذا القول فون كريمير Von Kremer، ووافقه في بعض هذا الرأي هومل Hommel. ويقول سايس Says: إنهم من بادية العرب. وقال بقوله جماعة. وسواء أكان أصلهم من الجزيرة العربية أو جنوبي بحر قزوين، فقد استقروا في منطقة الفرات ودجلة، وكان لهمك دولة وصولة، وكانوا الغالبين على البلاد، حتى إن بعض ملوكهم نقش فيما نقش من الآثار: أنه ملك اللغات الأربع، يعني ملك أصحابها، لأن هذه الأرض سكنها الكوشيون والآريون والسوريون، والكلدان. إن هذه المملكة قد أسست قبل أن اختلفت أجناس البشر ولغاتها كثيرًا. وقد كانت اللغة الرسمية في الدولة لغة الساميين المالكين، وهي لغة الدواوين التي كتبت بها سجلات الدولة، ودامت ألفي عام وهي حافظة رونقها، ويحفظ النبلاء والمتعلمون جدتها. قال العلامة م. مسبيرو M. Mespero: إن اللهجة المصقولة التي كان كاتبه نينوى وبابل يستعملونها في عهد هيرودتس لإنشاء الكتابات الرسمية، كانت قد أضحت، منذ زمن طويل، ما

стр. 32

يشبه لغة نبيلة يفهمها نخبة القوم يجهلها العامة. وكان العامة وسكان المدن والقرويون يتكلمون باللهجة الآرامية التي كانت أثقل من تلك، وأوضح وأكثر تفصيلًا. لكن هذه اللغة النبيلة بعد أن فتك بها التطور وأبعدها عن ألسنة العامة، لم يقدر نخبة المتعلمين على حفظها في دفاترهم، فأهملتا شيئًا فشيئًا، حتى هجرت واستقر كل فرع لها في بيئته، وانتهى الأمر على ما قيل في القرن الأول للميلاد. إن الساميين لما احتلوا هذه الأرض وملكوا أمرها، ودانت لهم وانتشرت لغتهم بين سكانها، وهم من أصل صحراوي، كما يقول العلامة "سايس" وغيره، كل منهم طبعًا سكان بادية وسكان حاضرة، ولكن التطور اللغوي إنما ينمو حيث يكثر الاختلاط بين أبناء اللغات المختلفة، كما سلف القول في ذلك، وذلك متوفر في الحاضرة أكثر منه في البادية، فكانت على هذا لغة البادية، أكثر سلامة وأقرب إلى لغة الساميين الأولى. وكما أطلق على سكان الحاضرة منهم اسم الآراميين، أطلق على أهل البادية منهم اسم بدو الآراميين. وبحكم العادة والاستقراء نقول: إن البداوة سابقة على الحضارة، فبدو الآراميين أي العرب كانوا في البادية قبل أن يتحضر قسم منهم، فكانت معهم في بواديهم لغتهم الأولى قبل أن تفسدها الحاضرة ويأخذ التطور منها مأخذه. لذلك أراني كثير الميل إلى القول بأن لغة بدو الآراميين هذه هي الفصحى التي بقيت وسلمت، أو سلم أكثرها في سجلات الدولة، وعند نخبة المتعلمين، لأنهم حملوها وهم منغمسون غفي البوادي، فلمي فعل التطور في لهجتهم فعله في اللهجات الأخرى، بضعف أسبابه، إلا الذين كانوا في أطراف البادية يهبطون المدن لحاجاتهم، فإنهم يحملون شيئًا من انحراف اللسان واللهجة. وربما كان ذلك منهم تشبهًا بسكان المدن في اللهجة وتقليدًا كما نرى لعهدنا هذا. فكان بالطبع يسري عنهم سريانًا بطيئًا في داخل البادية. ويؤيد صدر هذا الكلام ما قاله جماعة من العلماء مثل سايس وسبرنجر Sprenger من ان أصل الساميين من بادية العرب، وقول ابن خلدون عند كلامه على الطبقة الأولى منن العرب: "أنهم انتقوا إلى جزيرة العرب مخيمين، ثم كان لكل فرقة منهم ملوك وآطام." على أن التاريخ نفسه يسمي أهل البادية العربية: بدو الآراميين. فإذا كانت لغتهم أبعد بنات السامية عن التحريف، كانت اقرب بناتها إليها إن لمتكن هي الأم نفسها .. وبدو الآراميين هم العرب، واللغة العربية هي لغتهم، فتكون اللغة العربية هي الأم وأقرب بناتها غليها. نزل العرب (بدو الآراميين) هذي البوادي، وانتشروا في نجد والحجاز وتهامة واليمامة وبوادي الشام، وبلغوا اليمن، وزاحموا الكوشيين أبناء حام هناك.

стр. 33

وقال جلازر ومولر: "إن المعينيين أول دول العرب في اليمن، أصلهم من عمالقة العراق الذين كانوا في الجزيرة قبل ظهور حمورابي بقرون من السنين، فلما ذهبت دولة العمالقة من العراق نزحوا إلى اليمن، واستقروا وتوطنوا الجوف، وشادوا القصور والمحافد على مثل ما عرفوا في بابل.". ضرب العرب في طول الجزيرة وعرضها، وأصبحت البادية من اليمن إلى أقصى الجزيرة شمالًا مسرحًا للقبائل الأخرى الذين سموا عرب الشمال، وأطلق عليهم بعد هذا اسم العدنانيين، وهم أشد الناس حرصًا على لغتهم. وهكذا كانت الجزيرة كلها عربية، وموطنًا أول للعرب وللغتهم الفصحى. زمن ظهور العرب: قدر العالم نولدكى في كتابه "اللغات السامية": "أن العربية الحميرية قد عرفت منها نقوش وآثار يرجع عهدها وتاريخها إلى القرن الثامن قبل المسيح، وأن العربية العدنانية، لغة النثر والشعر الجاهليين، قد ظهرت في القرن الخامس قبل المسيح.". إن الآثار التي ظهرت من القرن الثامن ق. م كانت بالطبع لقوم وجدوا قبل هذا التاريخ، وهم ذووا آثار تصلح لأن تخلد، وربما كان لهم قبلها آثار لم تظهر بعد. ولذلك لا نقدر أن نستنتج من هذا القول زمن ظهور العرب، والذي يمكن أن نقوله إنهم وجدوا قبل هذا التاريخ طبعًا. والدولة المعينية عرفت قبل المسيح بنحو خمسة عشر قرنًا، ولا يخالف أحد من المؤرخين في عدها من العرب. يقول نولدكى: "إن العربية العدنانية ظهرت في القرن الخامس ق. م، وهي التي وصلت إلينا والتي نزل بها القرآن، وتلقاها أئمة اللغة عن عرب البوادي بعد المسيح بستة قرون." فإن أراد أنها هي بلا تغيير ولا تبديل ولا تطور فهو محل نظر. وأستبعد أن يكون هذا مراده، لأن معناه أنها عصمت من التغيير والتبديل أحد عشر قرنًا انتهت بظهور الإسلام. وهذا ليس من المستطاع إثباته. ولا يعترض معترض بأن لغة القرآن ما زالت ثابتة لدينا أربعة عشر قرنًا، لم تتغير ولم تتطور في دفاتر الكتاب وعلى ألسنة الشعراء، لأنها تغيرت حيث يجري التغيير، وذلك في ألسنة العامة وتعابيرهم حتى بعدت العامية عن الفصحى بعدًا ظاهرًا لا جدال فيه. أما الذي لم يتغير ولم يتبدل ولم يتطور منها فهو ما حفظه الكتاب والسنة، وحرص عليه الشعراء والخطباء والعلماء. وليس للعرب العدنانيين قبل الإسلام مثل ذلك، فالقياس إذًا قياس مع

стр. 34

الفارق، إن حفظ لغة القرآن والحديث من الأمور اللازمة، في الشرع الإسلامي؛ وهذا اللزوم يقوم سدًا دون إهمالها، فتبقى حية ما بقي هذا اللزوم. خضوع العرب لناموس التطور: قال في المزهر عن ابن وجدة: إن العرب أقسام: ١ - عاربة عرباء: وهم الخلص. وهؤلاء تسع قبائل من ولد إرم بن سام: عاد، وثمود، وأميم، وعبيل، وسطم، وجديس، وجرهم، وعمليق، ودبار. وقال ابن دريد: وقد انقرض أكثرهم إلا بقايا متفرقين في القبائل؛ وسمي أبو الفداء هذا القسم بالعرب البائدة. ٢ - متعربة: وهم الذين ليسوا بخلص، وهم بنو قحطان، وسماهم أبو الفداء بالعرب العاربة، ومن قبائلهم: كهلان وأبناؤها القبائل من ذوي يمن: كعاملة وهمدان وطيء ولخم ومذحج وجذام، ومثل حمير وأبنائها من قضاعة، وزيد الجمهور والسكاسك وأفخاذها وعشائرها. ٣ - مستعربة: قال ابن دقية: وهم بنو إسماعيل، وهم العدنانيون وأبناؤهم من ربيعة ومصر وأنمار وإياد. وهذا التقسيم يشمل العرب كلهم جنوبيين وشماليين. وسواء أكانت هذه الأسماء كلا أو بعضًا، حقائق، كما هو الواقع، أو أساطير، كما يزعمه البعض؛ فهل كانت لغة هذه القبائل وغيرها، منذ وجد العرب، ذات لهجة واحدة أو لهجات مختلفة؟ وقد روي عن عاد وثمود بعض أبيات من الشعر لا تطمئن النفس إلى صحة نسبتها إليهم. وليس في كلام علماء العرب ما يصح الاستناد إليه في هذا الأمر. فلم يبق أمامنا، من طرق الاستنتاج المبني على الأشباه والنظائر، غير ما اكتشفه الباحثون في آثارهم من النقوش الأثرية. تقدم لنا القول في بحث تغيير اللغات وتطورها، أن التغيير والتطور سنة ثابتة وناموس مطرد، وأنه اشمل لكل اللغات فيما يشمل ويعم. وقد تقادم العهد على قبائل العرب المتفرقة بما يعد بمئات السنين قبل تدوين اللغة العدنانية. وليس للغة من لغاتهم تقليد يصونها من التغيير والتطور، ويحفظ لها صورتها الأصلية الأولى، كمنا هو الحال في اللغة العدنانية. وقد عرفنا أن لغتنا الفصحى هذه مع مزيد عناية العلماء بها، خلفًا على سلف، ومع شدة حرصهم عليها، لم تصف في ألسنة العامة، فانحرفت عنها لغة التخاطب، ومشت في انحرافها هذا إلى أن بلغت مبلغها اليوم من البعد، فكيف بتلك التي لم تسعد بما يوجب حفظها وصونها؟ فلا ريب، والحال هذه، في أن لغة هذه القبائل البائدة ليست كاللغة المصرية العدنانية المدونة.

стр. 35

الاستدلال بالآثار والنقوش: أما ما عرف من هذه الآثار فأشهرها: النقش الذي عثر عليه في خرائب أنمارة في حوران على قبر امرئ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي، من ملوك العرب، منقوشًا بخط نبطي ولفظ عربي. جاء به العالم ديسو Diessoud إلى متحف اللوفر Louvre في باريس، وهو خمسة أسطر هذا نصها بالحروف العربية: ١ - تي نفس القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسر التج. ٢ - وملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرب مذحجو عكدي وجا. ٣ - برجى في حبج نجرن مدينة شمرو ملك معدو ونزل بنيه. ٤ - الشعوب ووكلهن فرسو لروم فلم يبلغ ملك مبلغه. ٥ - عكدي هلك سنة ٢٢٣ يوم ٧ بكسول بلسعد ذو ولده. وهذا شرحها: (تي): اسم إشارة للمؤنثة ومثلها ذي. (نفس): روعي بالإشارة إليها جانب اللفظ والمراد بها الذات. يقال: هو نفس الشيء أي ذاته وشخصه، وكني بها عن القبر أي هذا قبر. (سر القيس): الهمزة في امرئ القيس تلفظ ولا تكتب لأن الخط النبطي ليس فيه لحرف اللين، ولا للهمزة، صورة. وهمزة امرئ وصلية كما لا يخفى، فحذفت الوصلية، والهمزة الأخيرة خطًا. وقد ورث ذلك منه الخط العربي فنزعت منه وجوبًا ألف الرحمن وألف هذا وهؤلاء. وفي رسم المصحف توسع في الحذف أكثر من ذلك. (بر عمرو): بر بمعنى ابن وهي نبطية، ولم يستعملها العرب، وربما استعملها بعض، محاكاة للنبطية، وفي بضع النقوش بالخط الثمودي، والمؤرخة سنة ٢٦٢ لمدينة بصرى أي سنة ٣٧٤ ب. م اسم القيض بنت عبد مناة، وفي بعضها: برت عبد مناة. (ملك العرب كله): أي كلهم، وأفرد الضمير على إرادة الشعب العربي. (ذو أسر التج): ذو: ؛ بمعنى الذي، وهي لغة طيء يستوي فيها الإفراد والجمع والتذكير والتأنيث. وأسر: بمعنى شد وعصب التاج. وفي مجاز الأساس للزمخشري: ما أحسن ما أسر قتبه: أي شده؛ وإنما حذفت ألف التاج لأنها من حروف اللين. (وملك الأسدين): بمعنى أخضع. كما يقال: ملك رقابهم.

стр. 36

(ونزرو) أي بني نزار، أسقط ألفها لأنها حرف لين، وألحقت بها الواو محاكاة لإلحاقها الأعلام في النبطية. (وملوكهم وهرب مذحجو) أي جعل قبيلة مذحج تهرب منه، يريد أنه هزمهم. (عكدي) أي غلابًا وقوة. قال العالم لدزبورسكي Lidzborski: إن عكدي تدل على القوة ولعلها من النبطية. (وجاء برجى) وفي بعض النسخ نزجى؛ قال بعضهم: إنها اسم مكان. وربما كانت من برج برجًا الشيء إذا ظهر وارتفع؛ قال في لسان العرب: وإنما قبل للبروج بروج لارتفاعها وبيانها وظهورها؛ وتبرجت المرأة: أظهرت وجهها. (في حبج نجرن) والحبج في العربية مجتمع الحي ومعظمه. أو هو الحبج أيضًا، ومعناه في العربية الظهور بغتة، مصدر حبج يحبج، ويكون المراد: جاء ظاهرًا مهاجمًا لمجتمع هذا الحي من نجران مدينة شمر. (وملك معدو) أي قبيلة معد. (ونزل بنية الشعوب) أي القبائل العظيمة. والشعب: القبيلة العظيمة والحي العظيم تتفرع منه القبيلة، أي: استعمل بنيه على القبائل. (ووكلهن فرسو لروم) أي كان ذلك لهم وكالة للفرس والروم. وأقام النون للجمع مكان الميم كما في الآرامية السريانية، لأن لغة النبط، التي تأثرت بها هذه القبرية، كانت متأثرة بالآرامية فسري ذلك إلى عربية هذا النقش. (فلم يبلغ ملك مبلغه عكدى) أي لم يبلغ ملك مبلغه قوة. هلك سنة ٢٢٣ يوم ٧ بكسول: أي سنة ٣٢٨ ب. م. (بلسعد ذو ولده) أي دام بالسعد الذي ولده. وبعبارة مفسرة أوضح: هلك هو فالبقاء والسعد لولده. وقد كشف أثر منقوش فوق كنيسة بحر أن اللجا، في المنطقة الشمالية من جبل الدروز، مكتوبًا بالعربية واليونانية - سنة ٥٦٨ ب. م. ونصه العربي: "تاشرحيل بن ظلمو بنيت دا المرطول سنة ... بعد مفسد خيبر بعم" "أي بعام" وترجمة نصه اليوناني: أسس شراحيل بن ظالم سيد القبيلة مرطول ما يوحنا سنة ٤٦٣ من الأندقطية الأولى ليذكر الكاتب. منه هذين النصين يعلم الباحث أن البحث العربي في هذا الأثر ليس فيه خروج عن العربية الفصحى، بل هو منها ومن لبابها لفظًا وأسلوبًا. ولا يدع ولا غرابة في ذلك لأن زمنه كان قبل ولادة

стр. 37

النبي بعامين أو ثلاثة، وذلك في زمن زهرة الجاهلية. وأما حذف حرف اللين من عام وظالم وإلحاق الواو بظالم فهو اصطلاح خطي كما عرفت. وقد كان رسم هذا الأثر بعد اثر أنمارة بنحو مائتين وأربعين عامًا، فانظر مدى التطور في عبارة هذين الأثرين في هذه المدة من الزمن، وربما كان أثر أنمارة متأثرًا بمحاكاة اللغة النبطية ذات السلطان في وقته في العبارة والأسلوب، واستعارة كلمات لا وجود لها في العربية "كعدي وبر"، أكثر من مراعاتها للغة أو للهجة الدارجة يومئذ. أما (مفسد خيبر) في نقش كنيسة حران فهو من ملوك غسان، قيل: إنه الحرث بن أبي شمر الغساني، كما في المعارف لابن قتيبة، وقيل: هو أبو جبيلة من ملوك غسان، غزا اليهود في الحجاز واستباحهم، كما في تاريخ ابن خلدون. ويتصل بحوران مما وراءها منطقة الصفا وسكانها عرب؛ قال العالم ليتمان: إنه ليس بينهم وبين قبائل العرب في الجزيرة فروق كبرى. وكانت في عصر هذا النقش مركزًا للرمان ترد عن الحاضرة غارات العرب المجاورين، ولذلك أثرت فيهم مدنية الرومان كما أنهم تأثروا قبل ذلك بمدنية الآراميين، ولكن حياتهم لم تزل صحراوية، كما يقول ليتمان. وقد كشفت لهم آثار في هذه المنطقة ونقوش، يرجح الأستاذ ليتمان أنها ترجع غلى القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد، أكثر ألفاظها عربية بحتة أفعالًا وأسماء مثل: شتى أي أقام في الشتاء، وشنأه: بمعنى كرهه، ورعى الضأن، ووجد أثر أخيه فنقم، ورحض بمعني غسل، وذبح ذبيحة. ومثل: أسد، وليث، ولبأة، وغزال، وإبل، وجمل، وبكر، ومهر، وحمار، وضأن، وماعز، وبقر، ووعل، وضبع، وضب، وقنفذ، وغير ذلك. وقد استعملوا الهاء أداة للتعريف. وكذلك وجدت في النقوش والآثار الثمودية التي هي أيضًا عربية، من العرب البائدة، وأسلوبها قريب من العربية الفصحى. ونذكر مثالًا منها في أحد نقوشهم وهي: (هـ ل هـ ي) يا إلهي، (أسعد) ساعد، (سعدت) سعدة، (عل) علي، (دورت) دورة. ونقش آخر وهو شطر بيت من الشعر: ل ت م ... ي غ ث ب ن ج ش م ... هـ وع ل (لتيم يغوث بن جشم الوعل) أي: هذا الوعل هو لتيم يغوث بن جشيم. فقدم الظرف وهو خبر المبتدأ على المبتدأ، كما يقال: لزيد المال. أثر التطور في اللغة العربية الحميرية لغة عربية: بعد أن كانت الجزيرة العربية قسمين: جنوبية، وهي اليمن، باديتها

стр. 38

وحاضرتها، وشمالية موزعة بين الحجاز ونجد وما إليهما من البوادي والحواضر؛ وبعد أن كان لليمن قسطها من التمدن وكان لها دول وحكومات معروفة، تنوعت أسماؤها واختلفت ثقافاتها من معينيين وسبئيين وحميريين، ومضت على ذلك السنون، وتعاقبت الأجيال والقرون. بعد هذا اختلفت اللهجات وتنوعت اللغات القومية، حتى قال بعض الباحثين بتغاير الحميرية والعربية الشمالية ونقلوا أن أبي عمرو بن العلاء قوله: "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا." ويمكن الاعتذار لأبي عمرو عن قوله هذا، أنه يريد باللسان واللغة، في قوله هذا، لغة القبيلة لا اللغة عامة كما تقول: إن لغة الحجازيين غير لغة بني تميم. وقد جعل ابن دريد الهسع والهميسع من أسماء الحميريين طارئتين على اللغة من العبرانية أو الآرامية، لأنه لا يعرف لها اشتقاقًا في العربية. ويقول الصاغاني في رده عليه: "إن ابن دريد قد أبعد في المرام وأبعد في السوم. ولو علم من أين تؤكل الكتف ومن أي الفصول يقتطف لتنصل من ارتكاب التكلف، وهذه الأسماء عربية حميرية. واشتقاقها من هسع إذا أسرع. فتأمل ذلك." هذا كلام الصاغاني، وهو صريح في أن الحميرية من صلب العربية. ومع ذلك كله، فالاختلاف بين الحميرية والعدنانية مما لا ريب فيه. وذلك ليس بغريب عند من يؤمن بتطور اللغات واختلاف اللهجات، بل وبعض المفردات، باختلاف البيئة والأحوال. ولو لم يكن من المتفق عليه بين أهل الجنوب والشمال اشتراكهم في العربية، وأنهم جميعًا أبناؤها البررة، وأنها أصلهم الذي إليه يرجعون وجامعتهم التي عليها يجتمعون، لما عملوا في توحيد لهجاتهم ولغاتهم، ولما جاهدوا لتقريب ما بينهم، ولما كانوا يقولون في متون اللغة عند تعداد المعاني العربية للكلمة: لغة يمانية أو لغة حميرية؛ بل هم في ذلك كما يقولون: لغة تميمية، ولغة حجازية، ولغة لبني فلان ... وما كهلان، وقضاعة وحمير، وزيد الجمهور، ولخم، وعاملة إلا قبائل عربية كعدنان وربيعة ومضر وتممي وغيرها ... ولا يستطيع منكر أن ينكر أن هذه القبائل كانت تجتمع من جنوبيين وشماليين في أسواقها، وتتفاهم دون أدنى كلفة. يساعدهم على ذلك أن لغاتهم أو لهجاتهم على ما كانت عليه، كانت متحدة في صميمها، وأن هذا الاختلاف لمي عد كونها لهجات للغة واحدة. كيف توحدت اللغة؟ لم يكن بين قسمي الجزيرة تقاطع ولا تهاجر، بل دلت الآثار والأخبار على انه كان بينهما اتصال دائم كما سيأتي. لما حمل عمالقة العراق، أيام هجرتهم إلى جنوبي الجزيرة، لغتهم، وانتشرت بين سكان

стр. 39

اليمن الذين تديروها قبلهم، وتولوا السلطة فيها، غلبت أر ذوي السلطان على من سواهم في دولتهم، ولعب فيها التطور فتشعبت كما تشعبت الشماليين العدنانية. وكانت الدولة الحميرية في الجنوب عندما تميزت لغة العمالقة عن لغة الشمال، فسميت لغة الجنوب بالغة الحميرية، وصارت إليها أكثر لهجات اليمن تقليدًا، ولكن العربية السعيدة لم تبق لها سعادتها، فطوحت بها الطوائح، وتفرقت قبائلها بالسيل العرم، فضربوا في أقطار الجزيرة بين إخوانهم عرب الشمال، ولم يكونوا بينهم غرباء عنهم، بل كانوا إخوانًا كرامًا أعزة. وكثر الامتزاج والاختلاط، وضعفت السلطة وبادت، فضعف شأن الحميرية وحلت محلها اللغة العدنانية، لغة الشعر والخطابة، حيث كانوا الشماليون، وأكثرهم أهل وبر ليس لهم من المدر سوى مدن قليلة حضرية في استيطانها، بدوية في أخلاقها وعاداتها. كانوا لا تشغلهم زخارف المدنية التي تتوسع معها الحاجات كما استبحرت لأنهم ما عرفوها أو لم يريدوا أن يعرفوها، فاقتصر همهم على ما لديهم من وسائل العيش، وهي عندهم قليلة النفقة. وإنما يقوى الانصراف إلى المادة إذا كثرت الحاجة إليها، وتقوى الروح إذا قل الانصراف إلى المادة. كانوا بحكم الطبع يشتغلون بالكماليات، ويزيدهم بها عناية، وإليها انصرافًا مباهاتهم ومفاخراتهم بالأحساب والأنساب والكرم وحفظ الذمام. وتلك شيمة أهل الوبر، فأصبحوا بذلك أعم الأمم بأنسابهم حتى بأنساب خيلهم وإبلهم. والمنافرات والتحدث بالغزوات يجلب بالطبع العناية بالبيان وبطرقه، وبتخير الألفاظ العذبة لتأخذ في السامع أثرها. بهذا وبأمثاله كان للبيان والفصاحة عندهم المحل الأول. تخيروا عذب الكلام، وهم أصفى الأمم أذهانًا مما تبعثه فيهم بيئتهم النقية وسماؤهم الصافية، فكانوا في تخيرهم من أبعد الأمم غورًا في هذا السبيل. وكانت اللغة المهذبة تدعو إلى حظيرتها سائر اللهجات الغربية مهما بعدت عنها، ولو كانت أجنبية عنها لعصت عليها ولم تنقد. ودام ذلك إلى أن اتحدت بها أو فنيت بجانبها حتى الحميرية وبقاياها (١)، ولم يبق للحميرية غير مفردات مذكورة في تضاعيف كتب الأئمة. وبقي من هذه اللهجات أو اللغات إلى زمن العصر الإسلامي مخلفات يسيرة، كالطمطمانية والشنشنة والوشم وغير ذلك. وبعد أن نزل القرآن بأحسن اللغات العربية، وظهرت بها السنة النبوية، وكان أتباع القرآن والسنة هو الدين الغالب في الأقطار العربي جمعاء، وكان لهذا الملأ من قريش، الدولة

стр. 40

والسلطان والناس على دين ملوكهم، اتجهت إلى المضرية سائر اللهجات الأخرى وفنيت في جنبها، ثم جاء عصر التدوين فكانت هي المدونة. أسواق العرب: وكان للعرب في جنوبي الجزيرة وشمالها أسواق تحفل بالقبائل، حاملة إليها من طرائف مفاخرها ومآثرها ما تحمله من بزها وطرائف بضائعها .. وأنى لها بطرائف البضائع وهي الأمة البدوية؟ ولعلي إذا قلت أن أكبر هم لهم في هذه الأسواق يكاد ينحصر في تخير اللغة وتهذيبها عملًا لا قولًا، لم أجئ بالغريب من القول، وعلى الأخص منذ كانت هذه الأسواق مجالس للتحدث بأيامهم وحروبهم، ونوادي يتبارى فيها خطباؤهم وشعراؤهم. كان لهم في الجنوب: ١ - الشحر. ٢ - سوق عدن أبين. ٣ - سوق صنعاء. ٤ - .... سوق حضرموت. وكانت لهم في أواسط الجزيرة: ١ - سوق ذي المجاز شرقي مكة بناحية عرفة. ٢ - سوق مجنة قرب مكة. ٣ - سوق حباشة إلى اليمين من مكة. ٤ - سوق عكاظ، وهو أكبرها وأشهرها وأجمعها للقبائل والشعراء والخطباء. فمن كان له أسير سعى إلى فكاكه فيها، ومن كانت له حكومة قصدها ليرتفع إلى المحكمين فيها. وموقع هذا السوق بين نخلة والطائف. ومن أسواقهم في الشمال: ١ - سوق دومة الجندل - وفي الشرق سوق هجر ٢ - سوق عمان. ٣ - سوق المشقر. لم تكن هذه الأسواق الوسيلة الوحيدة لاختلاط القبائل وتعارفها، بل كانت تمتزج وتختلط بالتجارات والأسفار، وبما كان يدخل القبيلة من غيرها بالسبي والاسترقاق في الحرب، وما كان يتصل بينهم بالمصاهرة والجوار في السلم. قريش أصفى العرب لغة وأشدهم تأثيرًا في توحيد اللغة: اتخذت قريش وهم سدنة الكعبة، البيت الحرام، وقطان أرض الحرم، مجمع العرب، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام. فنظموا برحلتيهم هاتين، جانبي الجزيرة في سلك تجارتهم. وكانوا ينزلون بالقبائل الضاربة في طريقهم فيتخيرون الحسن من الأقوال، والعذب من الألفاظ- وهم قدوة العرب في الفصاحة والبيان- ويحرصون كل الحرص على أن يكون لما يتخيرونه من ذلك، المكان الأول، فكان يؤخذ بما يتخيرون بالقدوة.
следующие страницы →