(ونزرو) أي بني نزار، أسقط ألفها لأنها حرف لين، وألحقت بها الواو محاكاة لإلحاقها الأعلام في النبطية.
(وملوكهم وهرب مذحجو) أي جعل قبيلة مذحج تهرب منه، يريد أنه هزمهم.
(عكدي) أي غلابًا وقوة. قال العالم لدزبورسكي Lidzborski: إن عكدي تدل على القوة ولعلها من النبطية.
(وجاء برجى) وفي بعض النسخ نزجى؛ قال بعضهم: إنها اسم مكان. وربما كانت من برج برجًا الشيء إذا ظهر وارتفع؛ قال في لسان العرب: وإنما قبل للبروج بروج لارتفاعها وبيانها وظهورها؛ وتبرجت المرأة: أظهرت وجهها.
(في حبج نجرن) والحبج في العربية مجتمع الحي ومعظمه. أو هو الحبج أيضًا، ومعناه في العربية الظهور بغتة، مصدر حبج يحبج، ويكون المراد: جاء ظاهرًا مهاجمًا لمجتمع هذا الحي من نجران مدينة شمر.
(وملك معدو) أي قبيلة معد. (ونزل بنية الشعوب) أي القبائل العظيمة. والشعب: القبيلة العظيمة والحي العظيم تتفرع منه القبيلة، أي: استعمل بنيه على القبائل.
(ووكلهن فرسو لروم) أي كان ذلك لهم وكالة للفرس والروم. وأقام النون للجمع مكان الميم كما في الآرامية السريانية، لأن لغة النبط، التي تأثرت بها هذه القبرية، كانت متأثرة بالآرامية فسري ذلك إلى عربية هذا النقش.
(فلم يبلغ ملك مبلغه عكدى) أي لم يبلغ ملك مبلغه قوة.
هلك سنة ٢٢٣ يوم ٧ بكسول: أي سنة ٣٢٨ ب. م.
(بلسعد ذو ولده) أي دام بالسعد الذي ولده.
وبعبارة مفسرة أوضح: هلك هو فالبقاء والسعد لولده.
وقد كشف أثر منقوش فوق كنيسة بحر أن اللجا، في المنطقة الشمالية من جبل الدروز، مكتوبًا بالعربية واليونانية - سنة ٥٦٨ ب. م. ونصه العربي: "تاشرحيل بن ظلمو بنيت دا المرطول سنة ... بعد مفسد خيبر بعم" "أي بعام" وترجمة نصه اليوناني:
أسس شراحيل بن ظالم سيد القبيلة مرطول ما يوحنا سنة ٤٦٣ من الأندقطية الأولى ليذكر الكاتب.
منه هذين النصين يعلم الباحث أن البحث العربي في هذا الأثر ليس فيه خروج عن العربية الفصحى، بل هو منها ومن لبابها لفظًا وأسلوبًا. ولا يدع ولا غرابة في ذلك لأن زمنه كان قبل ولادة
стр. 37
النبي بعامين أو ثلاثة، وذلك في زمن زهرة الجاهلية. وأما حذف حرف اللين من عام وظالم وإلحاق الواو بظالم فهو اصطلاح خطي كما عرفت. وقد كان رسم هذا الأثر بعد اثر أنمارة بنحو مائتين وأربعين عامًا، فانظر مدى التطور في عبارة هذين الأثرين في هذه المدة من الزمن، وربما كان أثر أنمارة متأثرًا بمحاكاة اللغة النبطية ذات السلطان في وقته في العبارة والأسلوب، واستعارة كلمات لا وجود لها في العربية "كعدي وبر"، أكثر من مراعاتها للغة أو للهجة الدارجة يومئذ. أما (مفسد خيبر) في نقش كنيسة حران فهو من ملوك غسان، قيل: إنه الحرث بن أبي شمر الغساني، كما في المعارف لابن قتيبة، وقيل: هو أبو جبيلة من ملوك غسان، غزا اليهود في الحجاز واستباحهم، كما في تاريخ ابن خلدون.
ويتصل بحوران مما وراءها منطقة الصفا وسكانها عرب؛ قال العالم ليتمان: إنه ليس بينهم وبين قبائل العرب في الجزيرة فروق كبرى. وكانت في عصر هذا النقش مركزًا للرمان ترد عن الحاضرة غارات العرب المجاورين، ولذلك أثرت فيهم مدنية الرومان كما أنهم تأثروا قبل ذلك بمدنية الآراميين، ولكن حياتهم لم تزل صحراوية، كما يقول ليتمان.
وقد كشفت لهم آثار في هذه المنطقة ونقوش، يرجح الأستاذ ليتمان أنها ترجع غلى القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد، أكثر ألفاظها عربية بحتة أفعالًا وأسماء مثل: شتى أي أقام في الشتاء، وشنأه: بمعنى كرهه، ورعى الضأن، ووجد أثر أخيه فنقم، ورحض بمعني غسل، وذبح ذبيحة. ومثل: أسد، وليث، ولبأة، وغزال، وإبل، وجمل، وبكر، ومهر، وحمار، وضأن، وماعز، وبقر، ووعل، وضبع، وضب، وقنفذ، وغير ذلك.
وقد استعملوا الهاء أداة للتعريف. وكذلك وجدت في النقوش والآثار الثمودية التي هي أيضًا عربية، من العرب البائدة، وأسلوبها قريب من العربية الفصحى. ونذكر مثالًا منها في أحد نقوشهم وهي: (هـ ل هـ ي) يا إلهي، (أسعد) ساعد، (سعدت) سعدة، (عل) علي، (دورت) دورة.
ونقش آخر وهو شطر بيت من الشعر:
ل ت م ... ي غ ث ب ن ج ش م ... هـ وع ل
(لتيم يغوث بن جشم الوعل) أي: هذا الوعل هو لتيم يغوث بن جشيم. فقدم الظرف وهو خبر المبتدأ على المبتدأ، كما يقال: لزيد المال.
أثر التطور في اللغة العربية
الحميرية لغة عربية: بعد أن كانت الجزيرة العربية قسمين: جنوبية، وهي اليمن، باديتها
стр. 38
وحاضرتها، وشمالية موزعة بين الحجاز ونجد وما إليهما من البوادي والحواضر؛ وبعد أن كان لليمن قسطها من التمدن وكان لها دول وحكومات معروفة، تنوعت أسماؤها واختلفت ثقافاتها من معينيين وسبئيين وحميريين، ومضت على ذلك السنون، وتعاقبت الأجيال والقرون. بعد هذا اختلفت اللهجات وتنوعت اللغات القومية، حتى قال بعض الباحثين بتغاير الحميرية والعربية الشمالية ونقلوا أن أبي عمرو بن العلاء قوله: "ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا." ويمكن الاعتذار لأبي عمرو عن قوله هذا، أنه يريد باللسان واللغة، في قوله هذا، لغة القبيلة لا اللغة عامة كما تقول: إن لغة الحجازيين غير لغة بني تميم. وقد جعل ابن دريد الهسع والهميسع من أسماء الحميريين طارئتين على اللغة من العبرانية أو الآرامية، لأنه لا يعرف لها اشتقاقًا في العربية. ويقول الصاغاني في رده عليه: "إن ابن دريد قد أبعد في المرام وأبعد في السوم. ولو علم من أين تؤكل الكتف ومن أي الفصول يقتطف لتنصل من ارتكاب التكلف، وهذه الأسماء عربية حميرية. واشتقاقها من هسع إذا أسرع. فتأمل ذلك." هذا كلام الصاغاني، وهو صريح في أن الحميرية من صلب العربية.
ومع ذلك كله، فالاختلاف بين الحميرية والعدنانية مما لا ريب فيه. وذلك ليس بغريب عند من يؤمن بتطور اللغات واختلاف اللهجات، بل وبعض المفردات، باختلاف البيئة والأحوال. ولو لم يكن من المتفق عليه بين أهل الجنوب والشمال اشتراكهم في العربية، وأنهم جميعًا أبناؤها البررة، وأنها أصلهم الذي إليه يرجعون وجامعتهم التي عليها يجتمعون، لما عملوا في توحيد لهجاتهم ولغاتهم، ولما جاهدوا لتقريب ما بينهم، ولما كانوا يقولون في متون اللغة عند تعداد المعاني العربية للكلمة: لغة يمانية أو لغة حميرية؛ بل هم في ذلك كما يقولون: لغة تميمية، ولغة حجازية، ولغة لبني فلان ... وما كهلان، وقضاعة وحمير، وزيد الجمهور، ولخم، وعاملة إلا قبائل عربية كعدنان وربيعة ومضر وتممي وغيرها ...
ولا يستطيع منكر أن ينكر أن هذه القبائل كانت تجتمع من جنوبيين وشماليين في أسواقها، وتتفاهم دون أدنى كلفة. يساعدهم على ذلك أن لغاتهم أو لهجاتهم على ما كانت عليه، كانت متحدة في صميمها، وأن هذا الاختلاف لمي عد كونها لهجات للغة واحدة.
كيف توحدت اللغة؟
لم يكن بين قسمي الجزيرة تقاطع ولا تهاجر، بل دلت الآثار والأخبار على انه كان بينهما اتصال دائم كما سيأتي.
لما حمل عمالقة العراق، أيام هجرتهم إلى جنوبي الجزيرة، لغتهم، وانتشرت بين سكان
стр. 39
اليمن الذين تديروها قبلهم، وتولوا السلطة فيها، غلبت أر ذوي السلطان على من سواهم في دولتهم، ولعب فيها التطور فتشعبت كما تشعبت الشماليين العدنانية. وكانت الدولة الحميرية في الجنوب عندما تميزت لغة العمالقة عن لغة الشمال، فسميت لغة الجنوب بالغة الحميرية، وصارت إليها أكثر لهجات اليمن تقليدًا، ولكن العربية السعيدة لم تبق لها سعادتها، فطوحت بها الطوائح، وتفرقت قبائلها بالسيل العرم، فضربوا في أقطار الجزيرة بين إخوانهم عرب الشمال، ولم يكونوا بينهم غرباء عنهم، بل كانوا إخوانًا كرامًا أعزة. وكثر الامتزاج والاختلاط، وضعفت السلطة وبادت، فضعف شأن الحميرية وحلت محلها اللغة العدنانية، لغة الشعر والخطابة، حيث كانوا الشماليون، وأكثرهم أهل وبر ليس لهم من المدر سوى مدن قليلة حضرية في استيطانها، بدوية في أخلاقها وعاداتها.
كانوا لا تشغلهم زخارف المدنية التي تتوسع معها الحاجات كما استبحرت لأنهم ما عرفوها أو لم يريدوا أن يعرفوها، فاقتصر همهم على ما لديهم من وسائل العيش، وهي عندهم قليلة النفقة. وإنما يقوى الانصراف إلى المادة إذا كثرت الحاجة إليها، وتقوى الروح إذا قل الانصراف إلى المادة.
كانوا بحكم الطبع يشتغلون بالكماليات، ويزيدهم بها عناية، وإليها انصرافًا مباهاتهم ومفاخراتهم بالأحساب والأنساب والكرم وحفظ الذمام. وتلك شيمة أهل الوبر، فأصبحوا بذلك أعم الأمم بأنسابهم حتى بأنساب خيلهم وإبلهم. والمنافرات والتحدث بالغزوات يجلب بالطبع العناية بالبيان وبطرقه، وبتخير الألفاظ العذبة لتأخذ في السامع أثرها.
بهذا وبأمثاله كان للبيان والفصاحة عندهم المحل الأول. تخيروا عذب الكلام، وهم أصفى الأمم أذهانًا مما تبعثه فيهم بيئتهم النقية وسماؤهم الصافية، فكانوا في تخيرهم من أبعد الأمم غورًا في هذا السبيل. وكانت اللغة المهذبة تدعو إلى حظيرتها سائر اللهجات الغربية مهما بعدت عنها، ولو كانت أجنبية عنها لعصت عليها ولم تنقد. ودام ذلك إلى أن اتحدت بها أو فنيت بجانبها حتى الحميرية وبقاياها (١)، ولم يبق للحميرية غير مفردات مذكورة في تضاعيف كتب الأئمة. وبقي من هذه اللهجات أو اللغات إلى زمن العصر الإسلامي مخلفات يسيرة، كالطمطمانية والشنشنة والوشم وغير ذلك.
وبعد أن نزل القرآن بأحسن اللغات العربية، وظهرت بها السنة النبوية، وكان أتباع القرآن والسنة هو الدين الغالب في الأقطار العربي جمعاء، وكان لهذا الملأ من قريش، الدولة
стр. 40
والسلطان والناس على دين ملوكهم، اتجهت إلى المضرية سائر اللهجات الأخرى وفنيت في جنبها، ثم جاء عصر التدوين فكانت هي المدونة.
أسواق العرب:
وكان للعرب في جنوبي الجزيرة وشمالها أسواق تحفل بالقبائل، حاملة إليها من طرائف مفاخرها ومآثرها ما تحمله من بزها وطرائف بضائعها .. وأنى لها بطرائف البضائع وهي الأمة البدوية؟
ولعلي إذا قلت أن أكبر هم لهم في هذه الأسواق يكاد ينحصر في تخير اللغة وتهذيبها عملًا لا قولًا، لم أجئ بالغريب من القول، وعلى الأخص منذ كانت هذه الأسواق مجالس للتحدث بأيامهم وحروبهم، ونوادي يتبارى فيها خطباؤهم وشعراؤهم.
كان لهم في الجنوب:
١ - الشحر. ٢ - سوق عدن أبين. ٣ - سوق صنعاء. ٤ - .... سوق حضرموت.
وكانت لهم في أواسط الجزيرة: ١ - سوق ذي المجاز شرقي مكة بناحية عرفة. ٢ - سوق مجنة قرب مكة. ٣ - سوق حباشة إلى اليمين من مكة. ٤ - سوق عكاظ، وهو أكبرها وأشهرها وأجمعها للقبائل والشعراء والخطباء. فمن كان له أسير سعى إلى فكاكه فيها، ومن كانت له حكومة قصدها ليرتفع إلى المحكمين فيها. وموقع هذا السوق بين نخلة والطائف.
ومن أسواقهم في الشمال: ١ - سوق دومة الجندل - وفي الشرق سوق هجر ٢ - سوق عمان. ٣ - سوق المشقر.
لم تكن هذه الأسواق الوسيلة الوحيدة لاختلاط القبائل وتعارفها، بل كانت تمتزج وتختلط بالتجارات والأسفار، وبما كان يدخل القبيلة من غيرها بالسبي والاسترقاق في الحرب، وما كان يتصل بينهم بالمصاهرة والجوار في السلم.
قريش أصفى العرب لغة وأشدهم تأثيرًا في توحيد اللغة:
اتخذت قريش وهم سدنة الكعبة، البيت الحرام، وقطان أرض الحرم، مجمع العرب، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام. فنظموا برحلتيهم هاتين، جانبي الجزيرة في سلك تجارتهم. وكانوا ينزلون بالقبائل الضاربة في طريقهم فيتخيرون الحسن من الأقوال، والعذب من الألفاظ- وهم قدوة العرب في الفصاحة والبيان- ويحرصون كل الحرص على أن يكون لما يتخيرونه من ذلك، المكان الأول، فكان يؤخذ بما يتخيرون بالقدوة.
стр. 41
قال ابن فارس: "أجمع علماؤنا بكلام العرب والرواة لأشعارهم والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم، أن قريشًا أفصح العرب السنة وأصفاهم لغة. وذلك أن الله، ثناؤه، اختارهم من جميع العرب واصطفاهم، واختار منهم نبي الرحمة محمدًا، ﷺ . فجعل قريشًا قطان وحرمه وجيران بيته وولاته. فكانت وفود العرب من حجاجهم وغيرهم يفدون إلى مكة للحج ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم. وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم. ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها وتسميهم أهلا الله لأنهم الصريح من ولد إسماعيل، ﵇، لمن تشبهم شائبة، ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة، فضلًا من الله، جل ثناؤه، لهم وتشريفًا، إذ جعلهم رهط نبيه الأدنين وعترته الصالحين. وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروه من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب."
وفي لسان العرب، عن قتادة، قال: كانت قريش تجتبي (أي تختار) أفضل لغات العرب، حتى صارت لغتها أفضل لغاتهم. فنزل القرآن بها وتحدى العرب وفصحاءهم أن يأتوا بمثله تحديًا يدل عل عظيم منزلة البلاغة عندهم.
ومن كانت هذه حالهم في تهذيب لغتهم بين أمة ترى لغتها من أكبر مفاخرها، كانوا قدوة في قومهم، بهم يقتدي وعلى مثالهم يحتذي.
هكذا كان سريان التقريب، بل التوحيد في لغات العرب، وهكذا كان جمع الشتات إلى لغة واحدة.
وكأنني من وراء خمسة عشر قرنًا انظر وفد الحجاز عند سيف بن ذي يزن، ملك اليمن، وسليل الأذواء من ملوك حمير، وطارد الأحباش عن أرض العرب، ارض اليمن، ارض آبائه وأجداده؛ وعلى رأس ذلك الوفد شيخ البطحاء وسيد قريش عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف يخطب ببيانه القرشي العدناني وبلاغته العذبة الهاشمية. وسيد اليمن بل سيد حمير يصغي إليه وهو يهنئه بنصره وبجلوسه على عرش آبائه، ثم يسمع شاعر الوفد أمية بن أبي الصلت ينشد قصيدته بلهجته الفصحى ويقول:
لا تطلب الثأر إلا كابن ذي يزن ... إذ خيمي البحر للأعداء أهوالًا
فاشرب هنيئًا عليك التاج مرتفعًا ... في رأس غمدان دارًا منك محلالًا
يصغي إليهما طروبًا لا يجد غرابة فيما يتكلمان به، بلا طرب عربي قح فتح للغة عربية خالصة
стр. 42
من قوم جمعته وإياهم جامعة اللغة والقومية، واستفزهم السرور بنصرة بني قومهم على الطارئين على ديارهم من الأحباش، الذين لا تربطهم بهم أية رابطة قومية مشتركة.
(((
الجاهلية
الجاهلية اسم حدث بعد الإسلام، ولم يكن يعرف عند العرب بمعناه المراد، وإنما أطلق هذا الاسم على الزمن الذي مضى على الأمة العربية قبل بعثة الرسول المصطفى، صلوات الله عليه. وهو غما من الجهل بأحوال ذلك الزمن على التحقيق، أو للضلالة التي كان عليها العرب قبل الإسلام من عبادة الأوثان، أو من الجهل الذي هو من نزوات الطبع والإغراق في الاندفاع مع الحمية الجاهلية. والقول الثاني هو الظاهر من كثرة إطلاقهم الجاهلية ما يقابل عصر الإسلام. فكأن معنى قولهم: عصر الجاهلية وعصر الإسلام هما عصر الضلالة وعصر الهدى. وهو ما ذهب إليه المفسرون عند تفسيرهم قوله تعالى ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾. إذ قالوا: إن معناه: أفحكم عبدة الأوثان تطلبون وأنتم أهل كتاب؟ وقالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية﴾ أي عادة آبائهم في الجاهلية أن لا يذعنوا لأحد ولا ينقادوا له.
وهذا الاسم على إطلاقه يشمل كل الزمن الذي عبد العرب فيه الأوثان، أي زمن ضلالتهم، وهو زمن غير معلوم حده على التحقيق. وقد أجمع مؤرخو العرب على أن أول من أدخل عبادة الأوثان غلى مكة هو عمرو بن طي الخزاعي، بل قيل: إنه أول من أدخلها الجزيرة العربية. جاء بها من الشام حين ذهب ليستحم بمياهها المعدنية. ولكن هذا القول يفتقر إلى دليل، وهو إلى الأسطورة أقرب منه إلى التحقيق.
قلنا: إن هذا الاسم، على إطلاقه، يشمل كل أزمان الضلالة عند العرب. ولكن المألوف المتعارف بين أهل الأخبار وحملة التاريخ العربي أن إطلاقه لا يكاد يتجاوز أواخر المائة الخامسة بعد المسيح. وقال ابن خالويه: "إن هذا اللفظ حدث في الإسلام للزمن الذي سبق البعثة النبوية.".
وقد اصطلح أصحاب السير على أن يطلقوا اسم الجاهلي على من يدرك الإسلام، والإسلامي على من تأخر عن زمن البعثة ولم تدركه الجاهلية، والمخضرم على من أدرك أواخر الجاهلية وأوائل الإسلام. ومع هذا فلم يتفقوا على الحد الفاصل بين العصرين بعينه، فقال بعضهم: الحد هو
стр. 43
البعثة النبوية، كما سمعت من قول ابن خالويه، وقال آخرون: هو الهجرة النبوية، وقال غيرهم: هو فتح مكة. وهذا أرجح الأقوال، لبانه بفتح مكة أظهر الله الإسلام فعلت كلمته على كلمة مشركي العرب، بل كسرت شوكة الشرك ودخلت عاصمة العرب الكبرى مكة في يد المسلمين، وطهرت الكعبة من رجس الأصنام، وهتف المؤذن: "الله أكبر" فوق أقدس موضع عند العرب بشهادة" أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله"؛ وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فقضي على وثنية العرب القضاء المبرم.
وأما حدها الأعلى فلا سبيل إلى معرفته إلا بالاستنتاج، إذ لا نص يدل عليه. وقد استظهر بضع الباحثين انه لم يتجاوز مائتي سنة، ويظهر من بعضهم أنه حدد بمائة وعشرين سنة. وإليك هذا:
ذكر الشريف المرتضى، علم الهدى، في "أماليه" عند كلامه على المعمرين: إن الربيع ابن ضبع الفزاري، أحد معمري العرب، أجاب عبد الملك بن مروان لما سأله عن عمره، بأنه عاش مائتي سنة في فترة عيسى ﵇، وعاش أيام الجاهلية كلها، وهي مائة وعشرون سنة، ثم ستين سنة في الإسلام؛ قال المرتضى: "إن هذا الخبر، فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له إنما كان في أيام غفلته (أي قبل خلافته) لا أيام ولايته، لأن عبد الملك ولي سنة ٦٥ للهجرة فإذا كان صحيحًا فلابد مما ذكرناه.".
هذا كلام المرتضى. وظاهره أن المرتضى يرى أن الحد الفاصل بين عصري الجاهلية والإسلام هو الهجرة. أما على القول بأن الحد (الفاصل) بين العصرين هو فتح مكة وهو في السنة الثامنة للهجرة، فيكون سؤال عبد الملك للربيع بعد خلافته بثلاث سنوات.
لا انظر في هذا الحديث عن الربيع من حيث انه صحيح أو سقيم، فقد شك فيه المرتضى بقوله: "إن كان هذا الخبر"، وإنما أنظر إليه من حيث أنه دلالة على مدة أيام الجاهلية وحصر لها بمائة وعشرين سنة. لأن الربيع عاش قبلها وبعدها وقطع أيامها، وهي على قوله مائة وعشرون سنة. والمرتضى، على علمه بأيام العرب وأحوالها ورسوخ قدمه في لغة العرب وتاريخ العرب، ومع شكه في الوقت الذي سأل فيه عبد الملك الربيع، لم ينف تحديد مدة الجاهلية المزعومة في كلام الربيع، أو لم يأت على الأقل بما يفيد أنه شاك فيها.
وأنا أشك في قول الربيع، على تقدير صحته، أنه عاش قبل الجاهلية أي في فترة عيسى مائتي سنة لأنه يقول فيما روي عنه في شعره:
ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلي ومولدي حجرا
стр. 44
أبا امرئ القيس هل سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا
يقول في هذا الشعر: إن عقله ومولده أدركا زمن حجر، , أبي امرئ القيس، وهو حجر بن عمرو الكندي. ومعنى إدراكه هذا أنه ولد في أيامه وعقل فيها. ولا ريب أن ابنه امرأ القيس الذي طرده أبوه قبل موته حين أنكر سيرته، قد عقل أباه أيضًا، فهو إذًا مماثل للربيع في هذا على أقل تقدير، إن لم يكن إمرؤ القيس أكبر منه سنًا. وقد ولد امرؤ القيس في سنة ٥٠٠ للمسيح. فيكون مولد الربيع في مفتتح القرن السادس بعد المسيح، ويكون عمره وقت جوابه لعبد الملك نحو مائة وثمانين سنة أي أيام الجاهلية كلها، وهي مائة وعشرون، وستين سنة في الإسلام.
متانة اللغة أول عصر التدوين:
إنك إذا نظرت اللغة العربية في أخريات الجاهلية وأوائل الإسلام، رأيت لغة جرت على سنن واضح في اشتقاقها، وعلى طراز أنيق من روائها وبهجتها، وعلى نمط فاخر من طلاوتها، وعلى بيان عذب في تركيبها وأسلوبها. وسعت صدرها للاشتقاق فكان له في صلبها قوام متين، وفسحت سوحها للمجاز فحفلت باستعارته البديعة وبمرسله المستملح، وكان لها في ذلك الميزة الظاهرة على غيرها من اللغات، وحتى وسعت بعد ذلك ما وعاه تمدنها من العلوم يوم ملكت أقطار الأرض، وحازت علوم الأولين.
انظر تر لغة تؤثر الخفة في لفظها تسهيلًا للنطق مع وفرة بيان. فهي تقلب الحرف إا ثقل مكانه إلى ما هو أخف منه على النطق "كميزان وميعاد" وما جاء على بابهما. وتأبى الجمع بين الساكنين فتنقص حرفًا أو تغير حركة لتتخلص منه.
تجد لغة كلماتها قليلة الحروف، يغلب عليها الثلاثي من الأبنية الأصلية، بل يكاد هذا يبلغ ثلاثة أرباع المستعمل من كلماتها (١).
تجد لغة إذا دخلتها كلمة أجنبية عنها قلق موضعها، حتى تأخذ وزن كلمات اللغة وهيئة حركاتها لتشاكلها وتماثلها وتأتلف معها. لذلك تراهم يشذبون الكلمات الأعجمية الطارئة التي لم تأت على أوزان العرب بالحذف والإبدال، حتى تلائم الأسلوب العربي الموجز الخفيف. فإذا عربوا الأعجمي ورأوه ثقيلًا بعض الشيء منعوه من التنوين، حتى لا تزيد حروفه حرفًا على المنطق.
تجدهم في بيانهم يجمعون المعنى الكثير تحت اللفظ القليل. فكم تحت قولهم "قيمة كل امرئ
стр. 45
ما يحسن" من المعاني، وكم تحت قولهم "الحلم عشيرة" وقولهم "ما عال من اقتصد" وكثير أمثال هذا من بدائع المعاني الكثيرة التي يدل عليها هذا اللفظ القليل دلالة وافية بالمرام! وفي القرآن الكريم آيات بينات، تشرق في سماء البيان، فيبهر نورها الأبصار.
قال ابن فارس ﵀: "وللعرب بعد كلم تلوح في أثناء كلامهم كالمصابيح في الدجى، كقولهم للجموع للخير: قثوم. وهذا أمر قاتم الأعماق أسود النواحي، واقتحف الشراب، وامرأة حيية، وكثرة ذات اليد، ويد الدهر، وتخاوصت النجوم، ومجت الشمس ريقها، ودرأ الفيء، ومفاصل القول، وأتى بالأمر من فصه، وهو رحب العطن، غمر الرداء، وهو ضيق المجم قلق الوضين، رابط الجأش، وهو ألوى بعيد المستقر، وهو جزيلها المحكك وعديقها المرجب ... وما أشبه هذا من بارع كلامهم".
وقال ابن قتيبة: "كان العربي إذا ارتجل كلامًا، في نكاح أو حمالة أو تخصيص أو صلح أو ما أشبه ذلك، لم يأت به من واد واحد، بل يتفنن، فيختصر تارة إرادة التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرر تارة إرادة التوكيد، ويخفي بعض معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين، ويكشف حتى يفقهه بعض الأعجمين، ويشير إلى الشيء ويكني عن الشيء، وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل، وكثرة الحشد وجلالة المقام. ثم لا يأتي بالكلام مهذبًا كل التهذيب ومصفى كل التصفية، بل تجده يمزج ويشوب، ليدل بالناقص على الوافر وبالغث على السمين. ولو جعله كله بحرًا واحدًا، لبخسه بهاه، وسلبه ماءه. ومثل ذلك الشهاب مع القبس يبرزه للشعاع. والكوكبان يقترنان فينقص النوران، والسخاب ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان، ولا يجعله كله جنسًا واحدًا من الرفيع السمين ولا النفيس المصون."
أثر اختلاف اللغات في الفصحى:
إن اختلاف الزمان والمكان وانتشار أماكن القبائل في أطراف الجزيرة، قد أبقى في كل لهجة شيئًا من تراثها القديم. فكانت لغة حمير ذات مفردات لم تبدل كلها، ولكنها مزجت بالعدنانية. وكان لبعض اللغات ميزات خاصة من حيث التصريف والهيئة والإبدال وأوجه الإعراب والبناء. فترى بين اللغات اختلافًا في حركة نون المضارعة، قريش تفتحها وأسد تكسرها. وفي الحركة والسكون كالعين في معكم، فهي تحرك عند الجمهور وتسكن عند ربيعة وغنم. وفي الإبدال كأولئك وأولالك، ولأنك ولهنك، وبكر ومكر، وما اسمك وبا اسمك. والميم والباء يتعاقبان في لغة مازن. واختلافًا في التقديم والتأخير كصاعقة وصاقعة، وجبذ وجذب، وفي الإعراب كإعمال ما النافية عند الحجازيين وإهمالها عند تميم. وكنصب خبر ليس مطلقًا في الحجاز ورفعه إذا اقترن بألا، حملا على ما التميمية. وكإعراب المثنى والأسماء الخمسة بالحروف أو
стр. 46
بالحركات المقدرة على الألف. واختلافًا في الإعراب والبناء كحذام وقطام، فهي مبنية على الكسرة عند قوم، معربة إعراب ما لا ينصرف عند غيرهم، وكاختلافهم في "أي" فهي معربة مطلقًا عند قوم، مبنية في أكثر حالاتها عند آخرين. واختلافًا في الإدغام فالحجازيون يفكونه في مثل "إن تعضض" والتميميون يدغمون. واختلافًا في التاء المربوطة، فهي تاء في الوقوف عليها عند قوم هم طيء، وهاء عند الآخرين كأمت وأمه. واختلافًا في صور الجمع كأسارى وأسرى، وهذا كثير عند الإحصاء. واختلافًا في الأسماء وهذا أظهر في لغة حمير ولا تخلو منه غيرها: كالمدية، والشناتر، والصنارة في لغة حمير للسكين، والأصابع والأذن في غيرها.
وفي لغات العرب من آثار الاختلاف:
"العنعنة" وهي إبدال الهمزة عينًا، يقولون: "عنك" و"عنت" في "إنك" و"أنت"، وهي لتميم وقيس.
الكشكشة": وهي إلحاق كاف الخطاب المؤنث شينًا وبعضهم يجعلها مكان الكاف، وهي لربيعة.
"الكسكسة": وهي كالكشكشة إلا أن شينها سين، وهي لربيعة أيضًا.
"الغمغمة" وهي إخفاء بعض الحروف في الكلام فلا تكاد تظهر، وهي عند قضاعة.
"الفحفحة": وهي إبدال الحاء عينًا كقولهم في حتى: "عتى" وهي في هذيل.
"العجعجة": وهي قلب الياء الأخيرة جيمًا "كالساعج" في الساعي و"علج" في علي، وهي في قضاعة.
و"الشنشنة": وهي قلب الكاف في لبيك شينًا. يقولون: "لبيش اللهم لبيش" في "لبيك اللهم لبيك" وهي لليمن.
"الطمطمانية": أو "الطنطنانية": وهي قلب لام التعريف ميمًا كامصيام في الصيام، وهي لحمير.
و"اللخلخانية": وهي حذف ألف ما شاء الله يقولون: "مشالله" وهي في الشحر وعمان واليمن.
"التلتلة": وهي كسر تاء المضارعة، يقولون: "تلعب" وهي في بهراء.
"الوتم": وهو قلب السين المتطرفة تاء كالنات في الناس، وهي لأهل اليمن.
"الوكم": وهو كسر كاف الخطاب المتصلة بميم الجمع فيقولون "عليكم" و"بكم" وهي في ربيعة (قوم من كلب).
стр. 47
"الوهم": وهو كسر هاء الضمير المتصلة بميم الجمع إذا لم تسبقها ياء ساكنة، وهي لكلب.
"الترخيم": وهو قطع آخر الكلمة في غير النداء، يقولون: "أبو الحكا" في "أبي الحكم".
"الاستنطاء": وهو قلب العين الساكنة قبل الطاء نونًا، يقولون: "أنطى" في "أعطى" وهي لغة سعد بن بكر، وهذيل، والأزد، وقيس، والأنصار، وهي اليوم لغة الأعراب كإبدالهم للكاف شينًا أو جيمًا فارسية. وكقلب الشين ضادًا عند ربيعة واليمن، يقلبونها غير خالصة بل هي بين الضاد والشين، فيقولون في "مشط" "مضط" وفي "اشتر لي" "اضطر لي".
وقد كان أصل المشترك فيما أرى أن كل لفظة منه للغة، فلما جمعت اللغات العربية كان من هذا عدة أسماء لمسمى واحد. وهكذا الحال في الأضداد: "فثب" بمعنى "اجلس" في لغة حمير من الوثاب وهو الفراش، ولكنها بمعنى الوثوب ضد الجلوس في لغة غيرهم، و"كالناهل" للعطشان والريان، وكالجون للأبيض وللأسود، وهكذا سائر الأضداد.
وإن في اللغة المدونة كلمات ذات لغات في أبنيتها من حيث الحركات والسكون، ومن حيث الإعلال، ومن حيث الهمز والتليين. فمن ذلك ما جاء فيه لغتان مختلفتا الحركات: كرطل ورطل، وبخل وبخل، وسبروت وسبريت، وعباءة وعباية. وما جاء في ثلاث لغات: كرشوة وربوة ووجنة وزجاج، مثلثة أوائلها. وما جاء فيه أربع لغات: كعضد وعضد، مثلثة الأول. وما جاء فيه خمس لغات: كعجز بتثليث الأول مع سكون الثاني، وفتح الأول مع ضم الثاني. وما جاء فيه ست لغات: كفسطاط بضم الأول وكسره مع سكون السين ومع كسرها، وفستات بهما، وفساط كذلك. وما جاء فيه ثماني لغات: كتراب وتراب وتيرب وتورب وتريب وترباء وترباء وتوراب وتيراب. وما جاء فيه اثنتا عشرة لغة: كشمال، وشمال، وشأمل، وشامل، وشمل، وشمل، وشيمل، وشمول، وشميل، وشومل. وما جاء في ثلاثة عشرة لغة: كالنخيب، وفضل، وقفل، وهمزة، وعنق، وكلمة، وكتف، وفلز، وجمرة، وهجف، ومنتخب، وينخوب، ومنخوب.
عناية العرب بلغتهم:
تقدم القول أن العرب كانوا أهل بادية وحاضرة؛ فالبادية من مشارف الشام إلى حدود اليمن يدخل فيها الحجاز ونجد وتهامة واليمامة وأرض عمان؛ وفيها مدن قليلة كمكة ويثرب والطائف، على أن مكة لم تنتقل من الوبر إلى المدر إلا بعد أن بنى قصي بن كلاب دار الندوة؛ وأما الحاضرة
стр. 48
فهي اليمن وما إليها من أرض حضر موت والشحر وفيها بواد فسيحة؛ وفي جنوبي فلسطين بدوي حضري؛ وفي أرض حوران عمرت بصرى، وكان من مدنهم في الشمال البتراء.
كانوا على عزلتهم في ديارهم هذه وعزة نفوسهم التي لم تستذلها الدول العظمة المكتنفة أرضهم، كانوا يرون أنفسهم في غبطة وسرور من حال ألفوها، وشاعرهم ينشد في باديته القفراء مفتخرًا بنعيم عيشه فيقول:
إذا ما شربنا كل يوم مذيقة، ... وخمس تميرات صغار حوامز
فنحن ملوك الناس شرقًا ومغربًا، ... ونحن أسود الغاب وقت الهزاهز
وكم ممتن عيشة لا ينالها، ... ولو نالها أضحى بها جد فائز!
كانوا وهم في هذه الحال في حرز حريز من أن يتطرق إلى لغتهم الصافية ما يكدرها، ويحرصون عليها حرص الشحيح على ماله، حتى أصبح ذلك خلة راسخة في نفوسهم وملكة ثابتة في طباعهم. وتعدى ذلك إلى أتباعهم وحواشيهم.
قال الجاحظ: "رأيت عبدًا أسود لبني أسد، قدم علينا من اليمامة فبعثوه ناطورًا في البساتين.
وكان وحشًا لطول تغربه في اليمامة ورعي الإبل، فأصبح بعد أن صار ناطورًا لا يجتمع إلا بالأكراد وفلاحي النبط الفاسدي اللغة، فكان لا يفهم منهم ولا يفهمون منه؛ فلقيته يومًا فأنس بي، وكان مما قال لي: أبا عثمان، لعن الله بلادًا ليس فيها عرب! أبا عثمان، إن هذه العرب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس، فلولا أن الله رق عليهم، فجعلهم في حاشية الأرض، لطمست هذه العجمان آثارهم.".
أنف هذا العبد الأسود الزنجي العرق السكني في بلاد ليس فيها عرب، ولعن البلاد الخالية منهم. ويقول: إن من نعمة الله عليهم أن عزلهم في ناحية من الأرض لتبقى لغتهم سليمة من التحريف. ويدلنا كلامه على تغير عظيم في اللغة وتباعد بين لغة عرب اليمامة ومستعربي الأمصار حتى عسر التفاهم بينهم. رأى العرب، وهم في هذه العزلة بل هذه العزة، أنهم فوق الأمم مجدًا وشرف محتد وطيب عنصر وعزة نفس وإباء ضيم. وهذه امرأة بدوية، وهي ليلى بنت لكيز، لم ترض أن تكون في نساء كسرى ملك العجم، لما حملت إليه مكرهة، فتقول:
يكذب الأعجم ما يقربني، ... وعمي بعض حساسات الحيا
غللوني قيدوني ضربوا ... ملمس العفة مني بالعصا!
تنبز كسرى، ملك الملوك، بالأعجم احتقارًا لسلطانه لأنه غير عربي. وتفر من النعمة السابغة
стр. 49
والعيش الهني في حرم كسرى، مفضلة عليها سكنى الوبر وعيشه الخشن وطعامه الجشب في ظل الحرية والانطلاق، وحرصًا على الدم العربي أن يشاب بدم غيره، فلا يقربها الأعجم ما دام معها بعض حساسات الحياة، ولو كان له ملك كسرى! وإذا عرض الشك في صحة هذه القصة فإن النعمان، عامل كسرى، قد امتنع أن يزوج إحدى بناته من كسرى، لا جهلًا بمقام كسرى، ولا اعتقادًا منه بأنه أعلى منه شرفًا ومنزلة، ولكنه امتنع خوفًا من العار الذي يلحقه بين العرب من أنه زوج ابنته من غير عربي، وإن كان ملك الملوك، فيحط بذلك منزلة بناته بزواجهن من غير الأكفاء، ولا كفؤ للعربي إلا العربي.
امتنع النعمان فأثار حفيظة كسرى، فقتله بين أرجل الفيلة؛ ولكن أمته العربية الأبية ثارت له لأنه قتل في سبيل الشرف العربي؛ فكانت وقعة ذي قار.
بهذه الخلة قل امتزاجهم بالأمم، فقل التحريف والتبديل في لغتهم؛ وليس هذا وحده، بل انصرفوا بجهودهم كلهم إلى العناية بتحسين اللغة وصقلها، ما شاءت لهم قرائحهم وعلومهم. لذلك بلغت لغتهم هذا المبلغ من السلعة في المادة وفي مراعاة مقتضى الحال بإيجاز الكلام أو إطنابه، وفي الرواء والعذوبة.
عناية الأئمة بحفظ لغة القرآن والسنة وتدوينها
جاء القرآن بأفصح لغات العرب. ودان العرب بالإسلام دين القرآن. وجرت السنة النبوية هذا المجرى؛ فكانت لغة القرآن والسنة أولى بالتدوين والحفظ، لما آن أوانها وأخذت سنة التطور طريقها في اللغة الفصحى، منذ خرج العرب من عزلتهم واختلطوا بالأعاجم، ودخل الأعاجم في سلطانهم. وكان لهم ما للمسلمين العرب، وعليهم ما عليهم من حرية وإخاء ومساواة. وبعد أن كثر تسريبهم بالأعجميات لكثرة السبي في أيديهم، يوم اتسعت فتوحاتهم، وشعر أبو الأسود الدؤلي، أقدم أئمة العربية، ببادرة من التغير بدرت على لسان ابنته إذ قالت لأبيها متعجبة وقد نظرت إلى السماء ونجومها في لسلة صافية: "ما أحسن السماء" فرفعت أحسن، وحقها في التعجب النصب، وفي الاستفهام الرفع؛ ففهم أبوها الاستفهام على ظاهر ما تكلمت به فقال لها في الجواب: نجومها؛ أي: أحسنها نجومها. فأدركت خطأها وقالت: أنا متعجبة ولست بمستفهمة. فهب أبو الأسود إلى إمام المسلمين والعرب في العلم والعمل، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵇، وأخذ منه أصول النحو. فعكف القوم بعد هذا على تقرير قواعد اللغة والنحو واختيار الفصيح من الكلام. وعمل الأئمة على التقاط فرائد اللغة من البوادي البعيدة عن الأمصار، لبعدها عن مجاورة الأعاجم وفاسدي اللغة. فكانت رحلة الأئمة إلى بوادي الحجاز وتهامة ونجد واليمامة.
стр. 50
قال الفارابي في أول كتابه المسمى "الألفاظ والحروف": "كانت قريش أجود العرب لأفصح الألفاظ، وأسهلها على اللسان، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانة عما في النفس. والذين نقلت عنهم العربية وبهم اقتدى، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين القبائل العربية هم: قيس وتميم وأسد. فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه. وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف. ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين؛ ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر القبائل. وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البوادي ممن كان يسكن أطراف البلاد المجاورة لسائر الأمم حولهم. فلم يؤخذ عن لخم ولا عن جذام لمجاوراتهم أهل فارس، ولا عن قضاعة وغسان لمجاورتهم أهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا عن تغلب واليمن فإنهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونان، ولا عن بكر لمجاورتهم للفرس، ولا عن عبد القيس وأزد عمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين الهند وفارس، ولا عن أهل اليمن لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا عن بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا عن ثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم، ولا عن حاضرة الحجاز، لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم، حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب، قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم، والذين نقلوا اللغة واللسان العربي عن هؤلاء، وأثبتوها في الكتب وصيروها علمًا وصناعة، هم أهل البصرة والكوفة من أمصار العرب."
كان الباحث عن اللغة في بوادي العرب يقامر بنفسه، غير مبالٍ بحرها ولا ببردها ولا بخشونة عيشها ورتق مشربها، السنين الطوال ليكتب عن فضائحهم شيئًا من كلامهم. وروي أن الكسائي أنفذ خمس عشرة قنينة من الحبر في الكتابة عنهم.
وكان الإمام منهم يفضل استفادة كلمة واحدة على حمر النعم. ويروي عن أبي عمرو ابن العلاء قال: "إني كنت هاربًا من الحجاج بن يوسف، وكان يشتبه علي "فرجة" هل بالفتح أو بالضم، فسمعت قائلًا يقول:
ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال
فحرك الفاء بالفتح، ثم قال: ألا إنه مات الحجاج؛ قال أبو عمرو: فما أدري بأيهما كنت اشد فرحًا: أبقوله فرجة، بفتح الفاء، أو بقوله مات الحجاج! "
وكان من مزيد عناية القوم باللغة أن ميزان التفاضل بين الأئمة وحملة اللغة كان سعة معرفة الرجل بكلام العرب ولغاتها وغريبها. وكان الأمراء والملوك والخلفاء وأعيان الأمة يتسابقون إلى تأديب أبنائهم، أي تعليمهم الأدب العربي من اللغة والنحو والشعر وأخبار العرب ومفاخراتهم
стр. 51
ومنافراتهم، ليحفظوا كلامهم ويقووا به ملكاتهم اللغوية. وكان أكبر عيب في الشريف العربي أن يلحن في كلامه، فلا يأتي بالحركات الإعرابية أو الحركات اللغوية على وجهها؛ كل ذلك كان في سبيل حفظ اللغة ورونقها وجدتها، وتقوية ملكة الفصاحة في النفوس.
بدء انحراف العامية عن الفصحى
قلنا: إن أبا الأسود الدؤلي رأى بادرة التغير في كلام ابنته، فلجأ إلى أمير المؤمنين علي ووضع أصول النحو. والظاهر أن بدء الانحراف كان قبل ذلك، وعلى كل حال لم يكن قبل عصر الراشدين.
وأول ما سمع ذلك في الحركات الإعرابية زمن خلافة أمير المؤمنين عمر، ﵁، على ما جاء في طبقات الأدباء لابن الانباري؛ وذلك أنه قدم أعرابي في زمن خلافته فقال: "من يقرئني شيئًا مما أنزل على محمد؟ " فأقرأه رجل سورة براءة وقال: "إن الله برئ من المشركين ورسوله "بالجر، فقال الأعرابي: "أو قد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ منه فأنا أبرأ منه! " فبلغ ذلك عمر فدعاه وقال له: أتبرأ من رسول الله يا أعرابي؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن، فسألت: "من يقرئني؟ " فأقرأني هذا سورة براءة فقال: "إن الله يبرئ من المشركين ورسوله" فقلت: "أوفد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله برئ منه فأنا أبرأ منه! " فقال عمر: "ليس هذا يا أعرابي". فقال: "كيف يا أمير المؤمنين؟ " قال عمر: "إن الله برئ من المشركين ورسوله" ورفع رسوله، فقال الإعرابي: وأنا أبرأ ممن برئ الله ورسوله منهم. فأمر عمر أن لا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة.
وكان أهل الحاضرة يومئٍذ، كيثرب، فيهم العلماء باللغة وغير العلماء، ولهذا خصص عمر أمره بالعالم باللغة.
وروى عاصم قال: جاء أبو الأسود الدؤلي إلى زياد، وهو أمير البصرة، فقال: إنني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وفسدت ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم؟ فقال زياد: لا تفعل؛ قال: وجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير! توفي أبانا وترك بنون؛ فقال زياد يرجع كلامه: توفي أبانا وترك بنون؟ ادع لي أبا الأسود؛ فلما جاءه قال: "ضع للناس ما كنت نهيتك عنه."
وسئل أبو الأسود: من أين لك هذا النحو؟ فقال: لفقت حدوده من علي بن أبي طالب.
وأما اللحن في بناء الكلمة فكان بعد ذلك العهد. ويظهر أنه كان في سكان الحاضرة أيضًا، ولم يأتِ زمن الحجاج حتى فشا اللحن في كلمات اللغة، وحتى صار يستهجن الفصيح في كلمات العامة.
стр. 52
قال في الطبقات: "قال محمد بن سلام: أخبرني أبي أن يزيد بن الملهب كتب إلى الحجاج: إنا لقينا العدو ففعلنا وفعلنا واضطررناه إلى عرعرة الجبل. فقال الحجاج: ما لابن المهلب وهذا الكلام؟ فقيل له: إن يحيي بن المعمر عنده. فقال: ذاك إذًا. ويحيي بن المعمر هذا هو من حملة اللغة وأئمتها."
سارت العامة على خطها المنحرف، وامتد سيرها هذا لما كثر توغل العرب الفاتحين في بلاد الأعاجم، وكلما امتد السير زادت بعيدًا عن الفصحى؛ إلا أن هذا الطريق لم يكن ممهدًا بل كانت تعترضه عقبات من عناية العلماء بالفصحى، لما رأوا ما منيت به من التحريف، فأخذوا في محاربة هذا الداء، وصنفوا في تقويم العامية وردها إلى الفصحى وتطهيرها، أو تطهير أقلام الكتبة على الأقل، من اللحن.
ونجد كثيرًا من هذه الجهود في مثل: "أدب الكاتب" لابن القتيبة، و "درة الغواص" للحريري. فلم يكن، والحال هذه، سير العامية في خطتها الملتوي، شديد الاندفاع كما هو الحال في غير العربية من اللغات. وإن اللغات الراقية اليوم، التي دونت فصحاها بعد تدوين فصحى العربية بقرون، ترى فصحاها بعيدة عن عاميتها أكثر من بعد فصحى العربية عن عاميتها.
يقول جبر ضومط، أستاذ اللغة العربي في الجامعة الأميركية في بيروت، بعد أن أثبت أن للإنكليزية والفرنسية والألمانية- وهي في مقدمة اللغات الراقية في هذا العصر- لغة فصحى مكتبية، ولغة عامية دارجة: " فالمكتبية في أعلى درجات الفصاحة، والدارجة في أحط الدرجات في بعض أقسام لوندرة وباريس وبرلين، عواصم هذه اللغات الثلاث." ثم ذكر أنه تعرف بمستشرق اسوجي جاء بيروت لدرس اللغة العربية الدارجة، وكان عارفًا خبيرًا، فأخبره أن عندهم لغتين: فصحى ودارجة، وأن الدارجة الأجنبية أكثر من الدارجة العربية بعدًا عن الفصحى.
وأنا لا أرتاب في أن اللغة التي حملها الفرنسيس، أيام الحملات الصليبية إلى سورية، لم تكن كاللغة التي حملها حُفَداؤهم إليها في هذه الأيام؛ وأن اللغة التي نظم بها شكسبير قصائده لا يفهمها العامي الإنكليزي اليوم أكثر مما يفهم العربي قصائد المتنبي وأبي العلاء المعري. ولكن لغة موليير الفرنسية، فيما أحسب، بعيدة عن لغة أميل زولا بعد لغة ملتون الإنكليزية عن لغة دوسكن. بينما لم تتغير لغة المتنبي عن لغة شوقي وبينهما ألف عام. إلا أن لغة المتنبي وابن الأحنف والطائيين تخالف لغة الزاجل في شعره اليوم، بل إن لغة الزاجل اليوم تخالف لغة الزاجل في عصر ابن خلدون.
стр. 53
الحركات الإعرابية
في اللغة العربية
من البديهي أن مفردات اللغة مؤلفة من الألفاظ، وأن مادة اللفظ لا تتعدى حروف الهجاء، ولكن للحروف هيئات في اللفظ من حركات وسكون يطلق عليها، على سبيل التغليب، اسم الحركات؛ وهذه الحركات إما عارضة لمادة الكلمة ومبناها، أو عارضة لآخرها. وتسمى الأولى حركات المباني كما ترى في حركات: غَمر، وغِمر، وغُمر، وغَمِر، وغُمَر، وغَمَر؛ فهذه كلمات ست، وهي مع اتفاقها في الحروف وفي ترتيبها مختلفة المعاني باختلاف حركاتها اختلافًا من أصل الوضع. وتسمى الثانية حركات الإعراب أو علامات الإعراب لأنها تعرب عن مراد المتكلم بموقع الكلمة من الجملة، ولكنها لا تؤثر بمعنى الكلمة الوضعي شيئًا. فسعيد في قولك "رأى سعيد أحمد" وهو سعيد نفسه إذا رفعته فاعلًا أو نصبته مفعولًا به، ولكن حاله واقعًا منه الفعل، غير حاله واقعًا عليه؛ وإنما يعرف اختلاف حاليه من اختلاف حركات الإعراب.
فائدتها
لهذه الحركات أثرها في المعنى التركيبي، خاصة وهي تعطي الجملة إيجازًا بديعًا لا مثيل له، فيما أحسب، في غير العربية. والإيجاز في اللفظ مع الوفاء بالدلالة على المراد من أعظم ميزات اللغة.
انظر إلى قولنا: "ما أحسن زيد" فإنك تجد لهذه الجملة ثلاثة معان تختلف باختلاف الحركات في أواخر كلمتها، مع بقاء مبانيها وتركيبها اللفظي كما هي، فنقول:
١ - " ما أحسن زيدًا! " تنصبها، وأنت تريد التعجب فيكون ذلك قائمًا مقام قولك: "أعجب كثيرًا لحسن زيد".
٢ - "ما أحسن ويد؟ " ترفع أحسن وتخفض زيدًا، وأنت تريد الاستفهام، وهي قائمة مقام قولك: "استفهم واسأل عن أحسن شيء في زيد".
٣ - " ما أحسن زيد؟ " تفتح أحسن وترفع زيدًا، وأنت تريد الاستفهام أيضًا، وهي قائمة
стр. 54
مقام قولك: "أي شيء من الإحسان فعله زيد".
ثم انظر إلى قولنا: "هذا كريم أحسن منه عالم" فإذا رفعت كريمًا وعالمًا كان المراد شخصين اثنين أحدهما عالم والآخر كريم، ولكن العالم أحسن منه الكريم؛ وإذا نصبتهما كانا شخصًا واحدًا عالمًا وكريمًا، ولكنه في كرمه أحسن منه في علمه.
وانظر إلى قولنا: "كم كتاب قرأت" فإذا جررت كتابًا كنت تريد الإخبار بكثرة ما قرأت من الكتب، وإذا نصبت كنت تريد الاستفهام عن عدد الكتب التي قرأتها.
قال ابن قتيبة في "مشكلات القرآن" ما نصه: "وللعرب الإعراب الذي جعله الله وشيًا لكلامها، وحلية لنظامها، وفارقًا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين والمعنيين المختلفين: كالفاعل والمفعول، لا يفرق بينهما، إذا تساوت حالاهما في إمكان أن يكون الفعل لكل واحد منهما، إلا بالإعراب, ولو أن قائلًا قال: هذا قاتل أخي، بالتنوين، وقال آخر: هذا قاتل أخي، بالإضافة، لدل بالتنوين على أنه لم يقتله، وبحذف التنوين على أنه قتله. ولو أن قارئًا قرأ: "فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون" وترك طريق الابتداء بإنّا، واعمل القول فيها بالنصب، على مذهب من ينصب أن بالقول كما ينصبها بالظن، لقلب المعنى على جهته، وأزاله عن طريقته، وجعل النبي محزونًا لقولهم " إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون" وهذا كفر ممن تعمده وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به. وقال رسول الله، صلوات الله عليه: "لا يقتل قرشي صبرًا بعد اليوم" فمن رواه جزمًا أوجب ظاهر الكلام أن لا يقتل إن أرتد، ولا يقتص منه وإن قتل؛ ومن رواه رفعًا انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش أنه لا يرتد أحد منهم عن الإسلام فيستحق القتل. أفما ترى الإعراب كيف فرق بينهما؟ ثم قال: "وقد تكتنف الشيء معان فيشتق لكل معنى منها اسم من ذلك الشيء كاشتقاقهم من البطن الخميص "مبطان" وللمنهوم "بطن" وللعليل البطن "مبطون". انتهى كلام ابن قتيبة.
وإنما اختلف المراد فيما ذكر باختلاف الحركات الإعرابية، مع أن الجمل المذكورة لم يتغير شئ من تركيبها وتنسيقها غير علامات الإعراب. ولكن المعنى التركيبي قد تغير معها تغيرًا لا يستهان به، كما سمعت من كلام ابن قتيبة.
وكذلك إذا قلت: "علم زيد خالد الكتاب" لا تعلم أيهما المعلم وأيهما المتعلم: فإذا رفعت ونصبت علمت أن المرفوع هو المعلم وأن المنصوب هو المتعلم، تقدم أو تأخر لا فرق، وبقي للتقديم والتأخير فائدة خاصة من البيان، كما شرحه علماء الفصاحة والبلاغة، وإذا طرحت الحركات جانبًا وجعلت الدلالة على الفاعل تقدمه، وعلى المفعول تأخره بأن يكون الفاعل واجب التقديم مطلقًا،
стр. 55
كما إذا كان مقصورين لا تظهر عليهما علامات الإعراب، فاتتك النكات البيانية من المعاني التي يفيدها تقديم ما حقه التأخير أو العكس، وهي إفادات تأتيك من ترتيب الجملة دون زيادة في لفظها؛ وهذا من خصائص العربية فيما أحتسب.
وإني قد أسهبت القول في فوائد الإعراب في اللغة، ليعلم أن القول بتفضيل إهمال الحركات على استعمالها، بحجة أن المعنى لا يفسد بإهمالها، ولأن كل أبناء العربية يفهمون من قولنا "زيد مسافر" بالتسكين، كما يفهمون "زيد مسافر" بالتحريك هو قول باطل. إنه عجيب حقًا، ولاسيما إذا كان من علامة مدقق ذي علم وغيرةٍ على الفصحى، كصاحب المقتطف الدكتور يعقوب صروف. وقد ظهر لك مما تقدم أن كثيرًا من الجمل إذا أهمل فيها الإعراب اشتبه على السامع فهمها، لاحتمالها معاني لا يميزها إلا الإعراب، أو إطالتها بكلام مفصل يدل على المعنى المراد.
من أين جاءت؟
من الحقائق التي لا أحسب فيها جدالًا، وإذا كان فهو غير معتمد به، أن العرب الذين تبدوا وقل اختلاطهم بغيرهم من الأمم، كانوا أحفظ للغة وأصون لقديمها من غيرهم، لأن الاختلاط بغير أهل اللغة من أكبر الأسباب في تطورها. وهذا القديم الذي حفظوه وصانوه بانعزالهم وببداوتهم، إن لم يكن هو نفسه اللغة الأم، أي التي تفرعت عنها اللغات السامية، فهو أقرب اللهجات المتفرعة عنها إليها، لأن المفروض أنه مصون ومحفوظ كل الصون والحفظ أو بعضهما، فلم يكن فيه من التطور ما كان في غيره من الفروع الأخر. وهذه الحقيقة ليست بغريبة عن استنتاج العلماء؛ فقد ذكرها كثير من الباحثين كمسألة لا تحتمل الجدال.
ثم أنه جاء في التاريخ القديم أن اللغة التي انتشرت في المملكة البابلية، قبل زمن حمو رابي بعشرين قرنًا أو أكثر، وهي أم اللغات السامية، كانت ذات حركات للإعراب؛ وأنها قضت أكثر من ألفي عامٍ وهي ذات حياة في سجلات الحكومة ودواوينها وعلى ألسنة العلية من القوم. وإن كلام العلامة مسبيرو، ظاهر في أن لهجة العامة من سكان المدن والقرى أي أهل الحاضرة، كانت الآرامية. أما لهجة سكان البوادي، وهم بدو الآراميين، فلم تكن اللغة الآرامية.
إن أهل الحاضرة هم الذين اختلطوا بغيرهم من الأمم، فاستعجمت لغتهم التي كانت فصحى بهذا الامتزاج، وكانت منه اللهجة الآرامية "العامية البابلية"، كما امتزج بعد الإسلام أهل الحاضرة من العرب بغيرهم من الأمم، فاستعجمت لغتهم وكانت منها اللهجة العامية.
هذه اللغة التي ثبتت ألفي عام فأكثر في السجلات الرسمية والدواوين العالية، وعلى ألسنة العلية من القوم، هي ولا ريب اللغة الأم. وقد كان لها حركات إعرابية، ثم استعجمت في ألسنة العامة من
стр. 56
أهل الحواضر. وكان أول ما أضاعته هو حركات الإعراب. فكانت السريانية القديمة، اللغة المستعجمة المتطورة منها، وهي ليست بذات إعراب؛ لأن ما لا يوجد في الأصل لا يوجد في الفرع. أما سكان البادية وهم بدو الآراميين أو العرب فلم يفقدوها، فبقيت هذه الحركات ثابتة في لهجاتهم.
وقد حدث مثل ذلك لأهل الحواضر العربية، فأضاعوا حركات الإعراب التي كانت في لغة أهل البوادي منهم باستعجام لغتهم. وكان أول ما أضاعوه منها هذه الحركات، كما سمعت ما سلف من قضية الأعرابي الذي جاء المدينة في خلافة عمر ليتعلم القرآن، فسمع اللحن في حركات الإعراب وأدى ذلك، بحكم الطبع في ذلك الأعرابي، إلى فهمه غير المراد فأنكره؛ وكما سمعت من قصة ابنة أبي الأسود مع أبيها الذي فهم منها غير ما أرادته بسبب الاختلال في هذه الحركات.
كان نصيب سكان البوادي الأولين كنصيب سكان البوادي الآخرين في حفظ اللغة بحركاتها الإعرابية ما استطاعوا إليه سبيلًا، وبقدر ما بعدوا عن الأمم الأخرى. وهكذا نقيس بقياس التمثيل بين العصرين، ونعلم حال القديم الذي لم نره ولا تحققنا خبره، بحال الحديث الذي عرفناه وتحققناه. ونطمئن إلى القول بأن حركات الإعراب التي كانت في اللغة الأم الأولى قد حفظتها لها البداوة حتى ظهرت في عربيتهم الأخيرة؛ وذلك باستصحاب القهقرى كما يسميه علماء الأصول. وقد خلت منها اللغات الأخرى الأخوات إلا أثارًا في لغة بطراء ولغة تدمر وأهلها من بقايا العمالقة (١).
ثم نقول: لكن بدو الآراميين الذين سكنوا البادية العربية، والذين سموا عربًا، لم تذهب منهم هذه الحركات أو أشباهها، بدليل وجودها عند أعقابهم وحفدائهم يوم أخذنا اللغة عنهم، وبدليل أن الذين أخذوها وجدوها راسخة فيهم رسوخ الملكة الطبيعية في النفس، تجري على ألسنتهم في مواقعها دون أدنى قصد أو تعمل ولا كلفة، مما يدل على طول عهدهم بها حتى أصحبت جارية مجرى الطبع.
إن هذه الحركات إذًا متصلة بنا من ميراث اللغة الأولى، أم لغتنا العربية، حفظتها لنا البداوة وحفظها بعد حامليها عن فساد اللسان بالعزلة، وعدم امتزاجهم بالأمم الأخرى.
قلنا: إن هذه الحركات كانت في العرب، واتصلت في الأعقاب على مدى الأحقاب حتى وصلت إلينا. وسواء أكانت هي كما رأيناها أو اعتراها بعض التحرير، فهي إن لم تكن عينها فليست بعيدة عنها؛ ففي واديها ربيت، وعلى غرارها طبعت، وفي حجرها نشأت، وبدرها غذيت. والقول بأن العرب عرفوا هذا بمعرفتهم النحو وأنهم احتذوا فيه مثال اليونانيين، فلا أراني كثير الحاجة لدفعه، لأن الإلمام بأحوال العرب قبل الإسلام فضلًا عن الاضطلاع به يكفينا أمره.
стр. 57
وأنى لسكان البادية بمعرفة قواعد النحو كعلم من العلوم؟ وقد سئل أعرابي: أتجر فلسطين؟ فقال: إنني إذًا لقوي، فقيل له: أتهمز إسرائيل؟ فقال: إنني إذًا لرجل سوء! ففهم هذا البدوي، وهو ممن يوثق بعربيته ويتخذ أئمة اللغة كلامه حجة في النحو واللغة، فهو الجر والهمز بمعناهما اللغوي، ولم يكن للمعنى الاصطلاحي أقل مساس بفهمه وعلمه. إن الإعرابي القادم من البادية إلى الحاضرة ليتعلم القرآن، وهو بعد لم يبل بفساد اللسان، قد عرف تغير المعنى بتغير حركة "ورسوله" لا من حيث أنه رفع وخفض، بل من حيث أن إفادتها مرفوعة غيرها إذا كانت مخفوضة؛ هكذا فطر طبعه ونمت غريزته.
كيف وضعت الحركات؟
إن الذي اتفق عليه المحققون أن وضع اللغات لم يكن بالتنصيص على لفظ خاص لمعنى خاص، وإنما كان الوضع بالتوسع في الاستعمال على قدر الحاجة وتنوعها بامتداد الزمن وتطاول المدة، وعلى حسب ما هو معروف من سنن التطور. ويبعد في مثل هذه الحال أن توضع الحركات الإعرابية بمثل هذا النحو من الوضع، وأن تكون على هذه الطريقة، لأن الحركات الإعرابية على ما هو الظاهر ليست مما تدعو إليه الحاجة الماسة بأن تكون ركنًا من أركان التفاهم، فلا يتم بدونها، حتى يقال: إنها جاءت على قدر الحاجة إليها ثم نمت وامتدت، كما يصح أن يقال هذا في الكلمات؛ ولهذا نجدها لا تطرد على لسان من يتعودها دون مرانٍ وممارسة. فكيف كانت إذا هذه الحركات الإعرابية؟ هل هي بقايا كلماتٍ كانت تدل على ما تدل عليه علامات الإعراب، ثم اختزلت بتطاول المدة وصقلت بالاستعمال فصارت كما نراها؟
يقول بهذا القول كثير من العلماء؛ وقد جاء في المقتطف ما نصه: "يستدل علماء اللغات على أن أصل هذه الحركات كلمات اختصرت على تمادي الزمن، وبقيت الحركات دلالة عليها" هذا قوله.
ولكن هل كانت هذه الكلمات، والتي هي أصل هذه الحركات، خاصة بأم اللغة العربية المعربة، وفي حيزها اختصرت هذا الاختصار؟ أو أنها في أمها الأولى ثم جاءت إليها بالإرث؟ وعلى تقدير أنها كانت في أصل الفرع الأسيوي الأول الذي منه كانت اللغات السامية والآرية والمغولية، فهل أصابها هذا الاختصار كله أو بعضه قبل انفصال السامية (أم العربية) عنه، أو أنه كان من صيغ اللغة السامية؟
ربما يعرف ذلك، ويكشف هذه الغوامض ويحل هذا الإشكال، الباحثون في مقابلة اللغات وتحليلها، إذا تيسر لهم ذلك، وكان في أخوات اللغة العربية وخالاتها ما ينير لهم الطريق بأن كان لهذه الكلمات الإعرابية ما يدل عليها، أو يشير إليها في هذه اللغات.
стр. 58
أما إذا كان مجرد حدسٍ وتخمين، فللحدس والتخمين أيضًا مجال آخر. وحينئٍذ يجوز لذاهب أن يذهب إلى أن الحركات الإعرابية ربما كانت وضعت بوضع خاص، وذلك بأن يقال: إن أبناء اللغة الأولى كانوا في تمدنهم وعلومهم بمنزلٍة صالحة تدل عليها آثارهم، وقد دلت الآثار أنه كان للبابليين مدارس منظمة يعلمون فيها الحكمة والطب والفلك، وظهر من آثار هذه المدارس وجداول الضرب الحسابية التي كانت تدرس فيها. وأخبرنا التاريخ عن مزيد عنايتهم بلغتهم الفصحى والتي حفظوها واتخذوها لغة رسمية لهم، وكانت مصقولة مهذبة، كما تقدم القول عن العلامة مسبيرو، فلا يبعد، والحال هذه، عن الذين صقلوا لغتهم وهذبوها، أن يكون في جملة ما عملوه في صقلها وتهذيبها وتحريهم البلاغة فيها أنهم تعمدوا الاختصار في الكلام مع الوفاء بالدلالة على المراد، وهو المسمى في علم البيان بالإيجاز، وهو من أعلى ضروب البلاغة. ومن ضروب هذا الاختصار وضع العلامات الإعرابية على شكل حركات لا تطول بها الجملة، ولا يتغير بها وضع الكلمة من موقعها فيها، فدلوا بهذه الحركات على مرادهم بها في جملتها، فاعلة أو مفعولة أو غير ذلك، مقدمة أو مؤخرة، لتدل في التقدم والتأخير على معان مراده، وأن يكون ذلك جرى في مجامع لهم خاصة أو عامة أو من جماعات أو أفراد لهم محل القدوة من الأمة؛ فأخذه عنهم عليه القوم وتبعهم في ذلك المقتدون المتشبهون بهم، وجرى مجرى الاستحباب أولًا ثم تأصل عادة وتقليدًا، ثم ملكة راسخة على طول المدة والممارسة. ويكون ذلك منهم حيث قل انتشار الفساد في اللغة، وسرى ذلك في سكان البوادي فحفظوه وجروا عليه.
ولنفرض لذلك مثلًا فنقول: استعمل أبناء اللغة "ما" الاستفهامية بدلًا من "أي شيء" اختصارًا، فاشتبهت "بما" التعجبية ووقعت أفعل بعدها كأحسن في قولك: "ما أحسن زيد"، واشتبه على السامع أي المعنيين يريد المتكلم: ما الاستفهام أو التعجب؟ ونصب القرينة اللفظية تطويل، والمفروض أننا فررنا منه، فحركوا حينئِذ ما وقع بعد التعجب بالنصبـ، وما بعد ما الاستفهامية بالرفع؛ وليس في هذا مشقة ولا إطالة.
وكذلك يتميز الفاعل بالرفع والمفعول به بالنصب، وفي هذا لا يشتبه الفاعل بالمفعول به سواء تقدم أو تأخر. وتبقى اعتبارات التقدم والتأخر وفوائدها البيانية صحيحة سليمة؛ ولكن هذا إنما يجري حيث يكون الفاعل صالحًا لأن يكون مفعولًا به، أما إذا لم يكن صالحًا لذلك في مثل: "كسر الزجاج الحجر" و "قال الشاعر قصيدة" فإنه يستغنى عن ذلك؛ لكن القسم الأول أكثر في الكلام وأشهر، فكان ذلك لأجله. ولعل مثل هذا احتجاج إلى مدة متطاولة، وبعد اختلافات كثيرة بين الأصقاع والقبائل في الاستعمال، حتى استقر وثبت منه الأحسن والأصح في الاستعمال، فعم وشاع وذهب ما عداه.
стр. 59
والقول "بالكلمات المختصرة إلى الحركات" تعترضه صعوبات كبيرة في تعليل هذا الاختصار، وتطبيقه على الحركات الإعرابية التي لا يمكن تذليلها إلا بتكلف كثير. وإذا رأينا أنه من السهل مثلًا أن نقول: إن علامة الرفع (الضمة) قد اختصرت من الكلمة الدالة عليها إلى الواو، الذي هو علامة للرفع أيضًا، ثم اختزل الواو إلى الضمة، فلسنا نرى من السهل تطبيق ذلك على غير هاتين من علامات الرفع، كالألف في المثنى، وثبوت النون في الأفعال الخمسة؛ وكذلك في علامات النصب والخفض والجزم.
ويعترض الحدس المفروض للوضع الخاص أن هذه العلامات نراها أول ما يذهب من اللغة عند امتزاج أهلها بغيرهم، وأن صيرورتها إلى الملكة أمر لا يقبله العقل بسهولةٍ وبدون مشقة.
وكيفما كان أحال فقد اتصل إلينا أن أم اللغة العربية أورثت ابنتها هذه نظام الإعراب بالعلامات، فتقف عند هذا القدر المحقق من البحث، ونترك ما عداه إلى المحققين في اللغات، حتى يظهر البحث ما تطمئن إليه النفوس. والذي تحقق من ذلك أن العرب، وهم بدو الآراميين، قد اتخذوا هذا الميراث، وجرى فيهم مجرى الملكة، وهم في عزلتهم، فلم يتسرب إليهم الإهمال، وحفظته لهم البادية فلم يتأثروا بما تأثر به إخوانهم، وأصبح ملكة راسخة فيهم.
وليس معنى قولنا إنه أصبح ملكة راسخة، أنهم لا يقدرون على اللحن ولا يمكن أن تجري عليه ألسنتهم، كما كنا نتلقاه من مشايخنا زمن الدراسة، بل معناه أن ألسنتهم تجري بلا تعمل ولا كلفة على هذا النظام، شأن من يتمرن عليه في هذه الأيام، فينطلق به لسانه دون تعمل أيضًا؛ وإذا كان لا يسلم متمرن اليوم من الخطأ والغلط الذي يكثر ويقل بحسب مرانه، فلأن مرانه كان ناقصًا من حيث أنه يتمرن في بيئة ملؤها الخطأ والغلط. وعلى العكس متمرن ذلك الزمن الذي ببيئته ملؤها صواب وصحة.
إن سكان هذه الجزيرة اتخذوا حفظ اللغة على هذا النحو تقليدًا لهم، في التجاوز عنه كل العيب والعار. ولا ترسخ عادة في قوم ما لم تتخذ تقليدًا عامًا مستحبًا يعاب تاركه على تركه أو تجاوزه. فكان التمرن عليها راسخًا يشب عليه الصغير ولا يشذ عنه الكبير، فيكون عامًا شاملًا شائعًا بين صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وتجاهلهم. ولم يحجم نقله اللغة من الأئمة، الآخذون اللغة عن الإعراب، أن يعتدوا بلغة الصبيان والمجانين لأنهم آمنون على ملكتهم من الخطأ، فكان بعضهم يحتج لمذهبه بكلام أمثال هؤلاء ولا ينكره عليه منكر.
قال ابن دريد في "أماليه" عن الأصمعي: "سمعت صبية بحمى ضرية يتراجزون، فوقفت وصدوني عن حاجتي وأقبلت أكتب ما أسمع، وإذا بشيخ أقبل فقال: أتكتب عن هؤلاء الأقزاع الأدناع؟ "
стр. 60
لم يحجم الأصمعي، وهو إمام اللغة، عن أن يكتب عن هؤلاء الأقزاع الأدناع أي صغار الناس وأراذلهم، لأنه يرى في كلامهم حجة لا تنكر عليه. وأما قول الشيخ: "أتكتب": مستنكرًا، فما هو إلا استصغار لأمرهم واحتقار لأمرهم واحتقار لشأنهم من حيث أنهم أقزاع أدناع، لا من حيث أنه مخطئ أو مصيب بالأخذ عنهم. فهو نظير أن تختار لأمرك حاذقًا فيه، ولكنه صغير المنزلة دنئ الحسب مستقذر العيش، مع أنك لا تعدم حاذقًا مثله يكون كريم الحسب رفيع المنزلة ظاهر المروءة. ويصح لمن يغار عليك أن يلومك على هذا الاختيار، وليس معنى لومه أنه يطعن في حذقه بل كان الطعن عليه من حيث نفسه وحاله.
آخر عهد البادية بها
إن هذه الملكة الراسخة في هؤلاء الأعراب قد أهملت أولًا في القبائل المجاورة للأعاجم بالاختلاط بهم، ولم يسمع عن أحد من العرب الجاهليين أن الأئمة تحرزوا عن الاحتجاج بلغته قبل عد بن زيد العبادي، الذي نشأ بين الفرس وفي خدمة الأكاسرة.
ولما فسدت لغة الأمصار كان ذلك يسري منها إلى البادية بقوة الاختلاط وضعفها، وكانت السلامة تتقهقر أمام هذه القوة، وبقى هذا الغزو مستمرًا إلى أخريات القرن الثالث للهجرة وما بعده بقليل، حتى ذهبت هذه الملكة أو كادت. وعم اللحن أقطار العربية، باديها وحاضرها، وصينت الفصحى المعربة في دفاتر العلماء والأدباء، وفي المجامع العلمية، وعلى ألسنة الخطباء والشعراء والكتاب.
ولم تزل للعامة في أزجالهم وأغانيهم مكانة باختلاف الأقطار العربية. والعامية في بلاد المغاربة أصبحت كأنها لغة أخرى غير عامية المشارقة؛ وتختلف عامية الشام، وعن عامية نجد والعراق.
الفصيح والعامي من حيث الاستعمال
لم تخرج العامية في تحريفها وعدم ضبط قواعدها عن كونها لغة عربية. والتحريف كان معروفًا في الفصحى باختلاف لغات العرب، كما سبق الكلام عليه، وإن كان في الفصيح أشد وأقوى وأبعد مرمى، فهو في العامي أظهر وأكثر، وبه ألصق. فالعامية بالنسبة إلى الفصحى، وهذه بالنسبة إلى المتقدمين والمحدثين على ضروب:
١ - ألفاظ انفرد بها المتقدمون من العرب وتركها المحدثون، إما لاستعمالهم مرادفها: كمبشور في الناقة الشديدة السريعة، استعملوا كأنها: علنداة؛ أو لأنها من الحواشي البعيد عن الطبع كقولهم: مخر نبق لينباع؛ قال ابن فارس: وكذلك يعلمون معنى ما تستغربه اليوم من
стр. 61
قولنا: "عبسور" في الناقة و "عيسجور" و "امرأة خناثى" و "فرس أشق أمق خبق."
ذهب هذا كله بذهاب أهله ولم يبق عندنا إلا الرسم الذي تراه، أو تركها المحدثون لأنها غير مأنوسة عندهم، وإن كانت غير حوشيه كأجبى في الحديث الشريف: "من أجبى فقد أربى."
٢ - ألفاظ استعملها المتقدمون وخواص المحدثين ولم تعرفها العامة كقولهم: "طخية عمياء، ومرة سوداء."
٣ - ألفاظ استعملها العرب وعرفتها العامة وقل استعمال الخاصة لها، فلم تشع بينها، وهو ما يسمى بالغريب الفصيح في العامي.
٤ - ألفاظ للعرب فيها لغتان أو أكثر، أخذت العامة ببعضها والخاصة ببعض آخر "كفز" عند العامة و "قفز" عند الخاصة، و "ما فيها دومري أو تومري" عند العامة و "ما فيها ديار" عند الخاصة.
٥ - ألفاظ استعملها العرب قديمهم وحديثهم، وقل استعمال العامة لها، فكانت من أجل ذلك مصونة لم تتبذل. والفرق بين هذا الضرب والضرب الثاني أن ذاك لم تعرفه العامة أو لم تكد تعرفه، وهذا عرفته ولكنها لم تألفه كـ "أمررت الحبل وأحصدته" أي فتلته. و "حبل ممر ومحصد" أي مفتول، وقد عرفت العامة منه قولهم "عقدة مرة" أي محكمة العقد.
٦ - ألفاظ مثل ذلك ولكنها ابتذلت مد عركتها العامة بألسنتها وامتهنتها بتحريفها، فاجتنبتها الخاصة وأعرضت عنها مثل قول العام: "اصطفل في الأمر" أي افعل ما تشاء، محرفة عن "افتصل" وهو افتصال من الفصل أي اتخذ الفصل الذي تريده من عملك.
٧+ ألفاظ مثل ذلك كثيرة الدوران في الكلام لا يستغني عنها، فلم يضرها كثرة الاستعمال لمكان الحاجة، كقولك: "شربت ماء، وأكلت طعامًا، وقرأت كتابًا" وهذا أكثر الكلام العربي.
٨ - ألفاظ حرفتها العامة باستعمالها إلى مستنكره، فتركت الخاصة استعمالها الأول لمكان الاستكراه في المعنى الثاني كـ "الصرم" بمعنى القطيعة و "الغائط" للمنخفض من الأرض؛ حرفت العامة الكلمة الأولى لمعنى "السرم" والثانية لمعنى "الخرء".
وإذا أردت مزيد تعمقٍ في هذا البحث وفي الفروق بين الفصيح وتحريفه العامي، فعليك بمراجعة كتابنا "رد العامي إلى الفصيح" ففيه ما يقوم بوفاء حاجتك فيه، إن شاء الله.
стр. 62
من أوهام الأعلام
العصمة لله
توفر الأئمة على جمع اللغة والتقاط أوابدها وشواردها من البادية الموثوق بعربيتها، وبذلوا في ذلك جهدًا جهيدًا، وتحرزوا من الكذب في النقل عن العرب، فكانت وثاقة الناقل وصدقة هما ميزان القبول في نقله. وجعلوا ضابط الصحيح من اللغة ما تصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، على حد الصحيح من الحديث. وإنما شرطت الثقة والعدالة في الناقل لا في المأخوذ عنه.
ومع ذلك فإن الذين دونوا اللغة ورتبوها، وأخذوها عمن كتبها من العرب لم يكونوا في عصمة عن السهو والغلط والتحريف. ولكنه قليل إلى جنب الكثير من إفادتهم وجهودهم. فلم يسلم أجل الكتب وأقدمها ترتيبًا لأشهر إمام قام بين أئمة اللغة العربية، الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو كتاب "العين" من اعتراضٍ، وإن جل قدر الخليل بينهم عن الاعتراض، فنسبوه إلى الليث ابن نصر بن سيار الذي أتم كتاب "العين". قال الجوهري: إن "المحيط" لابن عباد فيه أغلاط فاحشة، ولذا ترك الأخذ منه (تاج م ظ ع).
وإن أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس الطرابلسي اللغوي قرأ "الجمهرة" على ابن خالويه بروايته لها عن ابن دريد، وكتب عليها حواشي من استدراك ابن خالويه على مواقع منها، ونبه على أوهام وتصحيفات (المزهر: ١: ٥٨.)
وأبو زكريا الخطيب التبريزي اللغوي يقول في صحاح الجوهري: "إنه كتاب حسن الترتيب سهل المطلب لما يراد منه، وقد أتى بأشياء حسنة وتفاسير مشكلات من اللغة، إلا أنه مع ذلك فيه تصحيف لا يشك في أنه من المصنف لا من الناسخ، لأن الكتاب مبني على الحروف؛ قال: ولا تخلو هذه الكتب الكبار من سهو يقع فيها أو غلط، وقد ورد على أبي عبيد، في الغريب المصنف، مواضع كثيرة منه. غير أن القليل من الغلط الذي يقع في الكتب إلى جنب الكثير الذي اجتهدوا فيه،
стр. 63
وأتعبوا نفوسهم في تصحيحه وتنقيحه، معفو عنه." هذا كلام الخطيب التبريزي أبي زكريا، على ما نقله المزهر (١ - ٦٠).
وفي التاج: "وقد وقع فيه، أي الغلط والتحريف، جماعة من الأجلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث، حتى قال الإمام أحمد: ومن يعري عن الخطأ والتصحيف؟ "
قال ابن دريد: "صحف الخليل بن أحمد فقال: يوم لغاث، بالغين المعجمة وإنما هو بالمهملة، أورده ابن الجوزي."
وفي صحاح الجوهري قال الأصمعي: "كنت في مجلس شعبة فروى الحديث قال: تسمعون جرش طير الجنة، بالشين المعجمة، فقلت: جرس، فنظر إلي وقال: خذوها منه فإنه أعلم بهذا منا".
وقال الحافظ محمد ناصر الدمشقي في رسالة له: "إن ضبط القلم لا يؤمن التحريف عليه، بل يتطرق أوهام الظنانين إليه لاسيما من علمه من الصحف بالمطالعة، من غير تلقٍ من المشايخ ولا سؤلة ولا مراجعة."
ويقول الفيروز أبادي في مقدمة كتابه "المحيط": "واختصصت كتاب الجوهري- الصحاح- من بين الكتب اللغوية، مع ما في غالبها من الأوهام الواضحة والأغلاط الفاضحة، لتداوله واشتهاره واعتماد المدرسين على نقوله ونصوصه."
يقول هذا صاحب القاموس ويتبجج بفضله على الأوائل في صدر هذه المقدمة؛ ولكنه لم يسلم هو من التحريف والتصحيف في قاموسه، وإليك شاهدًا منها؛ وإذا أردت المزيد فعليك بتاج العروس تر فيه العجب العجاب: جاء في مادة "ت ر ع" من معاني الترعة، قال الشارح: "جعله – أي الوجه- من معاني الترعة وهو خطأ" أخذه من قول أبي عبيدة حين فسر الحديث وذكر تفسير راوي الحديث فقال: هو الوجه عندنا، فظن المصنف، الفيروز أبادي، أنه معنى من معاني الترعة. وإنما يشير إلى ترجيح ما فسره الراوي فتأمل! وفي مادة "ح ر ز" المحارزة: المفاكهة التي تشبه السباب؛ يقول صاحب التاج: "قلت الصواب فيه الجيم كما تقدم وقد تصحف على المصنف هما." وقال صاحب القاموس في مادة "ج ر ز" المجارزة: مفاكهة تشبه السباب، نقله الصاغاني، والتجارز هو التشاتم.
وفي القاموس مادة " س ع د": "وبنو ساعده قوم من الخزرج وسقيفتهم بمكة" يقول صاحب التاج هكذا في سائر المصححة والأصول المقررة، ولا شك في أنه سبق قلم، لأنه أدرى بذلك لكثرة مجاورته وتردده في الحرمين الشريفين، والصواب أنها بالمدينة كما وجد ذلك في بعض
стр. 64
النسخ على الصواب، وهو إصلاح من التلامذة. وفي مادة " ج ر ر": "الجر أصل الجبل وسفحه والجمع جرار .... " قال ابن دريد: "هو حيث علا من السهل على الغلظ وهو مجاز كما يقال قيل الجبل، أو تصحيف للفراء، والصواب: الجراصل كعلابط للجبل، والعجب من المصنف حيث لم يذكر الجر أصل في كتابه هذا- القاموس- بل ولا تعرض له أحد من أئمة الغريب، فإذًا لا تصحيف كما لا يخفى." قلت: وفي المزهر (٢: ٢٣٠) وحكي أن الفراء صحف فقال: "الجر أصل الجبل" يريد: الجر أصل الجبل.
وجاء في القاموس ما نصه: "وغلط الجوهري فاحش في دراهم زائفات "ضرب جيات" فإنه قال: أي ضرب أصبهان، فجمع جيًا باعتبار أجزائها، والصواب ضربجيات أي دريات جمع ضربجي أي زائف. وفي التاج عن ابن الأعرابي: درهم ضربجي أي زائف، ثم اعتذر الشارح بأن الأصل في ضربجي: ضرب جي، وهي المدينة القديمة.
من أغلاط الأئمة لسبق الوهم والقلم
وفي لسان العرب مادة "ح ب ك" بعد أن ذكر رواية أبي عبيد عن الأصمعي في الاحتباك أنه الاحتباء وهو غلط، وصوابه الاحتياك، بالياء، قال: "والذي سبق إلى وهمي أن أبا عبيد كتب هذا الحرف عن الأصمعي بالياء، ـ فنزل في النقط وتوهمه باء". قال: "والعالم وإن كان غاية في الضبط والإتقان فإنه لا يكاد يخلو من خطيئة بزلة، والله أعلم."
قال صاحب اللسان: "ولقد أتصف الجوهري، ﵀، فيما بسطه في هذه المقابلة، فإنا نجد كثيرًا من أنفسنا ومن غيرنا أن القلم يجري فينفط ما لا يجب نفطه، ويسبق إلى ضبط ما لا يختاره كاتبه، ولكنه إذا قرأه بعد ذلك أو قرئ عليه تيقظ له وتفطن لما جرى به فاستدركه."
وفي أيضًا مادة "ح شء": وفي التهذيب: حشأت النار إذا غشيتها؛ قال الأزهري: "هو باطل وصوابه حشأت المرأة إذا غشيتها فافهمه؛ قال: "وهذا من تصحيف الوراقين."
وفي مادة " هـ ن ن" قال أبو حاتم: "حضرت الأصمعي وسأله إنسان عن قوله: "ما ببعيري هانة ولا هنانة" فقال: إنما هو "هتاتة" بتاءين؛ قال أبو حاتم: قلت إنما هو "هانة وهنانة" ويجنبه أعرابي فسأله فقال: "ما الهنانة؟ " قال: لعلك تريد الهنانة، فرجع إلى الصواب؛ قال الأزهري: "وهكذا سمعته من العرب: الهنانة، بالنون: الشحم، كل شحمةٍ هنانة؛ والهنانة: بقية المخ."
وفي مادة "ح ل ب" عند ذكر المثل: شتى تؤوب الحلبة.
قال الشيخ أبو محمد بن بري: هذا المثل ذكره الجوهري "شتى تؤوب الحلبة" وغيره ابن
стр. 65
القطاع فجعل بدل "شتى" ونصب تؤوب. قال: "والمعروف هو الذي ذكره الجوهري، وكذلك أبو عبيد الأصبعي، وقال: أصله أنهم كانوا يوردون إبلهم الشريعة والحوض جميعًا، فإذا صدروا تفرقوا إلى منازلهم فحلب كل واحد منهم في أهله."
وفي مادة "خ ض م": والخضم المسن، لأنه إذا شحذ الحديد قطع؛ قال أبو وجزة:
حرى موقعة ماج البنان بها ... على خضم لسقي الماء عجاج
وفي الصحاح: "الخضم، في قول أبي وجزة: المسن من الإبل، قال ابن بري: "وصوابه المسن الذي يسن عليه الحديد؛ قال: وكذلك حكاه أبو عبيد، عن الأموي، وذكر البيت الذي ذكره لأبي وجزة؛ وقد أورده ابن سيده وغيره، وفسره فقال: شبهها بسهم موقع قد ماجت الأصابع في سنه على حجر خضم يأكل الحديد عجاج أي بصوته عجيج."
وأورد صاحب اللسان: "خبص خبصًا بمعنى عدا عدوًا شديدًا"؛ قال صاحب التاج: "أهله الجوهري وأورده صاحب اللسان والصاغاني، قلت: وهو تصحيف جنص جنصًا، بالجيم والنون."
وفي القاموس مادة "ص ن ق": الصنق، ككتف: المتبين الشديد الصلب كالصانق؛ قال في التاج: هكذا في سائر النسخ، وهو غلط نشأ عن تصحيف قبيح، والصواب الصنق: المتن، كالصانق كما هو نص العباب، وكأن صاحب القاموس قد تصحفت عليه كلمة المنتن بالمتين، وأعقبها من عنده بما يؤيد المتانة، وهو الشدة والصلابة، وهذا من الغرائب في الأوهام.
وفي مادة " ط وس": والطوس، بالضم: دوام الشيء؛ قال صاحب التاج: هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها دوام المثنى. وهو غلط فلحش لا أدري كيف ارتكبه المصنف مع جلالة قدره، ولعله من تجريف النساخ. والصواب دواء المشي، نسبه الصاغاني إلى ابن الأعرابي ومعناه دواء يمشي البطن، وهو الأذريطوس.
وفي لسان العرب مادة "خ ش ف": والمخشف النجران الذي يجري منه الباب، وليس له فعل؛ وقال صاحب التاج: والمخشف "كمقعد" اليخدان، عن الليث، قال الصاغاني: ومعناه موضع الجمد؛ قلت: واليخ بالفارسية الجمد، ودان هو موضعه وهو الصواب، وقد غلط صاحب اللسان لما رأى لفظ اليخدان في كتاب العين ولم يفهم معناه فصحفه وقال: هو النجران، وزاد عبارة: الذي يجري عليه الباب؛ ولا أخاله إلا مقلدًا للأزهري، والصواب ما ذكرناه، رضي الله عليهم أجمعين.
من طرائف الأوهام:
لهؤلاء الأئمة الأعلام طرائف أوهام، منها ما جاء في التاج مادة "س ل م": وقول
стр. 66
الجوهري: ويقال للجلدة التي بين العين والأنف سالم غلط؛ تبع به خاله أبا نصر الفارابي- هكذا جاءت في التاج وفي طبقات ابن الأنبا ري، وإنما الفارابي أبو إبراهيم أو أبو يعقوب، في كتاب "ديوان الأدب" كما صرح به غير واحد من الأئمة، واستشهاده ببيت عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵄، في ولده سالم:
يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
قال الجوهري: وهذا المعنى أراد عبد الله في جوابه على كتاب الحجاج أنه عندي كسالم؛ قال ابن بري: هذا وهم قبيح أي جعله سالمًا للجلدة التي بين العين والأنف، وإنما سالم بن عبد الله ابن عمر، فجعله لمحبته له بمنزلة جلدة ما بين عينه وأنفه. قال شيخنا: والصحيح أن البيت المذكور هو لزهير، وإنما كان يتمثل به ابن عمر.
وجاء في اللسان مادة "ح وز" عن الأزهري: وحوزة المرأة: فرجها؛ وقال امرأة:
فظلت أحشو الترب في وجهه ... عني، وأحمي حوزة الغائب
قال محمد بن مكرم: "إن كان للأزهري دليل غير شعر المرأة في قولها: "وأحمي حوزة الغائب" على أن حوزة المرأة فرجها سمع؛ واستدلاله بهذا البيت فيه نظر لأنها لو قالت "وأحمي حوزتي للغائب" صح له الاستدلال، لكنها قالت: "وأحمي حوزة الغائب" وهذا القول منها لا يعطي حصر المعنى في أن الحوزة فرج المرأة، لأن كل عضو للإنسان قد جعله الله في حوزته، وجميع أعضاء المرأة والرجل حوزة، وفرج المرأة أيضًا في حوزتها حتى تتزوج، فيصبح في حوزة زوجها .... "
"ثم وما أشبه هذا بوهم الجوهري في استدلاله ببيت عبد الله بن عمر في محبته لابنه سالم، وأورد القصة ثم قال: وكذلك هذه المرأة، جعلت فرجها في حوزة زوجها فحمته له من غيره لا أن اسمه حوزة ... إلخ"
وقيل: إن أبا عبيد قال: صآة، في الماء الذي يكون في السلي، فرد عليه وقيل له هو: صاءة، فقيله؛ وقال: الصاءة على وزن الساعة لئلا ينساه بعد ذلك.
وقال ابن الأعرابي في النوادر: "أصنع الرجل إذا أعان أخرق" فأشتبه على ابن عباد فقال هو آخر، ثم زاد عليه من عنده: وأصنع الأخرق تعلم، وأحكم، كذا في العباب؛ وقلده الصاغاني من غير مراجعة لنص ابن الأعرابي.
قلت: ثم تبعهما صاحب القاموس؛ قال في التاج: والصواب ما ذكرناه ومثله في اللسان.
стр. 67
وفي التاج مادة "ظ ر ر": واختلف في البصرة في مجلس اليزيدي نديمان له نحويان في الظروري، فقال أحدهما: هو الكيس، وقال الآخر: هو الكيش؛ فكتبوا إلى أبي عمر الزاهد يسألونه عن ذلك، فقال أبو عمر: من قال إن الظروري الكيش فهو تيس، إنما هو الكيس!
من الإصرار على الغلط
ما جاء في التاج مادة "ج د ع" وأورد لبشر بن أبي حازم:
ليبكك الشرب والمدامة ... والفتيان طرأ وطامع طمعًا.
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبًا جدعًا.
وأورده اللسان لأوس بن حجر.
قال: وقد صحف بعض العلماء هذه اللفظة؛ قال الجوهري: ورواه المفضل بالذال المعجمة ورد عليه الأصمعي؛ قلت: قال الأزهري في أثناء خطبة كتابه: جمع سليمان بن علي الهاشمي بالبصرة بين المفضل الضبي والأصمعي، فأنشد المفضل "وذات هدم" وقال آخر البيت: "جذعًا" ففطن الأصمعي لخطأه، وكان أحدث سنًا منه، فقال: إنما هو "تولبًا جذعًا" وأراد تقريره على الخطأ فلم يفطن المفضل لمراده، وقال: كذلك أنشدته؛ فقال الأصمعي حينئٍذ: أخطأت إنما هو "تولبًا جدعًا" فقال له المفضل: جدعًا جذعًا! ورفع صوته ومده، فقال الأصمعي: لو نفخت في الشبور ما نفعك، تكلم كلام النمل وأصب، إنما هو جدعًا! فقال سليمان بن علي: من تختار أن أجعله بينكما؟ فاتفقا على غلام من بني أسد حافظ للشعر، فأحضر، فعرضا عليه ما اختلفا فيه، فصدق الأصمعي وصوب قوله، فقال له المفضل: وما الجدع؟ قال: السيئ الغذاء.
ومثل ذلك ما حكاه المبرد، عن أبي محمد التوزي، عن أبي عمر الشيباني، قال: كنا بالرقة فأنشد الأصمعي:
عننا باطلًا وظلمًا كما تعنز ... عن حجرة الربيض الظباء
فقلت له: إنما تعتر من العتيرة، والعتر الذبح، فقال الأصمعي: تعتز أي تطعن بالعنزة وهي الحربة، وجعل يصيح ويشغب، فقلت: تكلم كلام النمل وأصب، والله لو نفخت في شبور يهودي وصحت إلى التناد ما نفعك، ولا كان إلا تعتر، ولا رويته أنت بعد هذا اليوم إلا تعتر! فقال الأصمعي: والله لا رويته بعد هذا اليوم إلا تعنز! قال في اللسان: ومعنى البيت أن الرجل كان يقول في الجاهلية: إن بلغت إبلي مائة تعرت عنها عتيرة، فإذا بلغت مائة ضن بالغنم، فصاد ظبيًا فذبحه؛ يقول: فهذا الذي تسألوننا اعتراض وباطل وظلم كما يعتر الظبي عن ربيض الغنم.
стр. 68
وفي المزهر: قال الزبيدي: حدثني قاضي القضاة منذر بن سعيد قال: أنبت أبا جعفر النحاس فألفيته يملي في أخبار الشعراء شعر قيس بن معاذ المجنون حيث يقول:
خليلي هل بالشام عين حزينة ... تبكي على نجد؟ لعلي أعينها
قد أسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوقة باتت وبات قرينها
فلما بلغ هذا الموضع قلت: باتا يفعلان ماذا، أعزل الله؟ فقال لي: كيف تقول أنت يا أندلسي؟ فقلت: بانت وبان قرينها.
وقال ابن جني في الخصائص، باب سقطات العلماء: حكي عن الأصمعي أنه صحف قول الحطيئة:
وغررتني وزعمت أنك ... لابن بالصيف تامر
فأنشده: لا تني بالضيف تأمر، أي تأمر بإنزاله وإكرامه.
ويحكي عن خلف قال: أخذت على المفضل الضبي في مجلس واحد ثلاث سقطات؛ أنشد لامرئ القيس:
نمس بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن سواء مصهب
فقلت: عافاك الله! إنما هو نمش أي نمسح، ومنه المنديل الغمر مشوشًا؛ وأنشد للمخبل السعدي:
وإذا ألم خيالها طرقت ... غيني بماء جفنها سجم
فقلت: عافاك اله! إنما هو طرفت؛ وأنشد للأعشى:
ساعة أكبر النهار كما شد ... محيل لبونه إعظامًا
فقلت: عافاك الله! إنه مخبل، بالخاء المعجمة، رأى خال السحابة فأشفق منها على بهمه.
وفي المزهر عن كتاب "ليس" لابن خالويه: جمع أبا عمرو الجرمي والأصمعي مجلس فقال الجرمي: ما في الدنيا بيت للعرب إلا وأعرف قائله! فقال: ما نشك في فضلك، أيدك الله، ولكن كيف تنشد هذا البيت:
قد كن يخبأن الوجوه تسترًا ... فالآن حين بدأن للنظار
فقال "بدأن"؛ قال: بدين؛ قال: أخطأت إنما هو "بدون" من بدا يبدو إذا ظهر؛ فأفحمه.
وفيه: اختلف المعمري والنحويان في "الظرورى" فقال أحدهما: الكيس، وقال الآخر:
стр. 69
الكيش؛ فقال كل لصاحبه: صفحت! وكتب بذلك إلى أبي عمر الزاهد فقال: من قال إن الظرورى هو الكيش فهو تيس، وإنما الظرورى الكيس!
ومما لا يتسامح به ما يكون في نص الآيات كما جاء في التاج في مادة "ن ز ل": وشاهد الاستنزال قوله تعالى: ﴿واستنزلوهم من صياصيهم.﴾ ليس من القرآن مثل هذا، وإنما هي عبارة الأساس على سبيل المثال، ونص الآية ﴿وانزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم﴾.
خطأ الأئمة
نقل في المزهر عن عبد الله بن بكر السهمي قال: دخل أبي علي عيسى، وهو أمير البصرة، فعزاه في طفل له مات؛ ودخل بعده شيب بن شبة فقال: أبشر أيها الأمير، فإن الطفل ما زال مجنظيًا على باب الجنة يقول لا أدخل حتى يدخل والدي! فقال أبي: يا أبا معمر، دع الظاء إي المعجمة، وألزم الطاء؛ فقال شيب: أتقول هذا وما بين لابنيها أفصح مني؟ فقال له أبي: وهذا أخطأت ثانية، من أين للبصرة لابة؟ (واللابة الحجارة السود، والبصرة الحجارة البيض) أورد هذه الحكاية ياقوت الحموي في معجم الأدباء، وابن الجوزي في كتاب الحمقى والمغفلين، والزجاجي في أماليه بسنده إلى عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي.
стр. 70
ترتيب الكتاب
وضع الكتاب باقتراح المجمع العلمي العربي بدمشق، لمكان الحاجة إليه، وقد وضعته على النسق الذي رآه المجتمع، وابتدأت في جمعه في أول سنة ١٣٥١ هـ (١٩٣٠ م) وأتممته في آخر سنة ١٩٣٩، ومنذ ذلك الحين لا يزال الكتاب قيد المراجعة والتنقيح على الأمهات من كتب الأئمة المتقدمين حتى سنة ١٩٤٧، تاريخ اتفاقي مع المجمع المذكور على البدء بطبعه سنة ١٩٤٨. وأما المنهاج الذي نهجته في ترتيبه وتصنيفه فهو ما يلي:
١ - حثت في مقدمته بحثًا طريفًا في نشء اللغات إجمالًا، وفي نشء اللغة العربية خاصة وتطورها، وقد طبع على حدة بكتاب خاص هو "مولد اللغة".
٢ - رتبته على أصل المادة المجردة من الزيادات في الحروف، كما هو الحال في سائر معاجم اللغة العربية قديمها وحديثها. وإذا انقاد غير اللغة العربية من اللغات مع مرتبي المعاجم على حروف الكلمة كما هي في أصلها وزائدها، فإن اللغة العربية لا تنقاد كذلك، لأنها من اللغات المتصرفة التي تدخل في صلبها الزيادات على المادة لزيادة في المعنى. وتتغير هيئة الكلمة، بتنوع الاشتقاق وسعته وكثرته، تنوعًا يبعث الشتات في الكلمات المشتقة من أصل واحد إذا أريد ترتيبها على صورتها، ويدعو إلى تباعدها عن محالها التي تألفها بعدًا يأباه الذوق العربي. كأكرم وكرم، فالأولى تكون حينئِذ في أول المعجم والثانية في آخره. ومكرم تأتي في مادة أخرى؛ وكذلك التكريم، وهو مصدر كرم، يجئ في غير مادتها. ومثل ذلك: ودع وأودع وأتدع وايتدع وتودع واستودع والدعة والميدع، بل لا تسلم من هذا التشتيت كلمة من المشتقات، وهي تكاد تكون جماع اللغة.
وكذلك يأخذ بعض الحروف أكثر الكلمات إليه كحرف الألف مثلًا فإنه يحتضن في شتى فصوله من الكلمات، عدا الكلمات المبدوءة بالألف الأصلية، كل الكلمات المزيدة ألفًا في أولها، وصليه كانت أو قطعية، كأفعل وافتعل وانفعل واستفعل وافعنلل وافعل وأفعال. وأنني أجد
стр. 71
أن إرجاع الكلمة إلى ًاولها للاطلاع على معناها في المعجم هو من فضائل اللغة العربية كما قال المستشرق لوي ماسينيون: "وقد وجدنا خصائص في اللغات ولاسيما اللغة العربية، فإن فيها فضائل خاصة بها دون سواها، منها: الأصول الثلاثية في الكلمات، أي إرجاع أي كلمة كانت إلى ثلاثة أحرف للاطلاع على معناها في المعجم، ولكن هذه الخاصة لا توجد في اللغات الآرية، فلا ترتب المعاجم فيها بمقتضى أصول الكلمات بل ترتب كل كلمة كما تلفظ."
وبعد، فإن من يريد أن يحمل اللغة العربية السامية على منهاج غيرها من اللغات الآرية، مع تباين ما بينها من الخصائص والمزايا والمقومات، هو كمن يطلب في الماء جذوة نار.
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
٣ - بدأت بالترتيب على نسق: فالألف قبل الياء، والألف مع الباء قبل الألف مع التاء، وهكذا في ثالث الحروف منها. وأول ما أذكر من المادة الفعل الثلاثي المجرد على ترتيب أبوابه الستة التي يجمعها قول بعضهم: "فتح ضم، فتح كسر، فتحتان، كسر فتح، ضم ضم، كسرتان." ثم أذكر بعد المجرد المعدي بالتضعيف من الثلاثي، كفرح من فرح؛ ثم المعدي بالهمز كأكرم، ثم افتعل، وتفعل، وهكذا وآخرها استفعل. ثم في الأسماء أبدأ بالثلاثي المجرد المفتوح الفاء، ثم مضمومها، ثم مكسورها، ثم المحرك، ثم صفة فاعل وفاعلة، ثم المفعول وما جرى مجراه، والفعال وما أشبهه، والفعيل وإضرابه، ثم المزيد الميم؛ ثم يتبع المادة المضاعف الرباعي، كزلزل في مادة ز ل ل، ثم أختم المادة بما جاء في أسماء العرب منها، ثم بأسماء الأمكنة والبلدان من بلاد العرب.
٤ - إذا ذكرت الفعل الثلاثي ذكرت مصادره كلها لأنها ليس لها ضابط مطرد. أما مصادر الثلاثي المزيد والرباعي مجردًا أو مزيدًا فلم أذكرها اكتفاء بعلم القارئ، لأنها مطردة إلا ما شد منها عن القاعدة، وهو نادر، فإني ذكرته إلى جانب فعله مثل: توضأ وضوءًا، وتطهر طهورًا، وصلى صلاة، وأدركه دركًا ومدركًا. على أنني وضعت للمصادر المطردة جدولًا في هذا الكتاب، يستحضر الطالب فيه ما يغيب عن ذهنه منها.
٥ - في الأكثر أذكر مع الفعل اسم الفاعل منه واسم المفعول. أما إذا كان في ذكره مفردًا فائدة، فإني أفرده في الذكر.
٦ - ذكرت النسب الشاذة عن القياس: كالجزي في النسبة إلى سجستان، والصنعاني في النسبة إلى صنعاء، والداوردي في النسبة إلى دراب جرد (بلد بفارس). ونبهت على شذوذها، ولم أذكر النسب القياسية إلا فيما ندر.
стр. 72
٧ - أشرت إلى الفعل المستقبل في الثلاثي المجرد بحركة عينه فوق خط أفقي، إن كان مفتوحها أو مضمومها، وتحت الخط أن كان مكسورها.
٨ - ذكرت الجموع ما استطعت لأنها في الثلاثي سماعية في الأغلب، ليس لها ضابط مطرد.
٩ - عند اختلاف عبارات الأئمة في تفسير الكلمة أختار فيما اتفق معناه أفضلها بحسب نظري، وأوفاها بالمراد. وربما جاءت عبارتهم مغلقة لا يفهم كل طالب المراد منها، فأردفها بما يفسرها جمعًا بين حفظ النص وفهم الطالب. مثال ذلك في مادة "ح ض ب" قالوا: الخصب سرعة أخذ الطرق الرهدن (الطرق: الفخ، الرهدن: العصفور). وربما جئت بالمعنى وحده في التفسير حيث يقتضيه الاختصار؛ مثاله: قالوا: الطحنة جوبة تنجاب في الحرة، فقلت: الطحنة أرض لينة وسط الحرة. وأما ما كان فيه اختلاف بينهم فإني أذكر الأقوال بعبارات موجزة.
١٠ - تجنبت ما استطعت مرد كل أقوال الأئمة في الاستدلال على ما ذهبوا إليه منهاـ، وتركت تعليلاتهم، إذ أن الطالب لا يطلب غير معنى الكلمة، وزبدة الأقوال فيها؛ وربما اقتصرت في هذه الأقوال على الأكثر استعمالًا والأشهر.
١١ - أشرت إلى المجاز معتمدًا في الحكم بمجازيته على أقوال الأئمة، ولاسيما الزمخشري في الأساس، وصاحب التاج، وعلى ما جاء في تضاعيف كتب الأئمة، وصل إليه بحثي ووقع في يدي، وعلى ما كانت العلاقة فيه ظاهرة.
١٢ - أشرت ما استطعت إلى الأصل في معنى الكلمة معتمدًا على نصوص الأئمة في ذلك. وأما لم يرد نص منهم في أصل معناه، وظهر لي فقد قلت فيه: والظاهر أن الأصل في المعنى كذا.
١٣ - كثيرًا ما كنت أعثر في تضاعيف مواد اللغة في كتب الأئمة على كلمة نادة عن مادتها، ولاحقة عرضًا بغيرها من المواد، بحيث يعسر الاهتداء إليها إذا طلبت، فأخذتها من حيث وجدتها وأبلغتها مأمنها في مادتها التي هي منها، وأشرت إلى المادة التي نقلتها ليراجعها من يريد.
١٤ - ذكرت ما وضعه أو صحح إطلاقه مجمعًا اللغة في عصرنا هذا (وهما مجمع اللغة العربية الملكي في مصر وهو المعروف بجمع فؤاد الأول، والمجمع العلمي العربي بدمشق) من الأسماء الجديدة للمسميات الحديثة منذ أنشئ المجمعان إلى يومنا هذا. وأشرت إلى المجمع العلمي العربي بدمشق بـ "م د" وإلى مجمع اللغة العربية الملكي بمصر بـ "م م".
١٥ - رأيت أن الأوزان والمكاييل ومقادير المساحة قد اختلفت قديمًا كما تختلف حديثًا باختلاف الأزمان واختلاف الأمكنة والبلدان، وتتفاوت الاصطلاحات عليها، وكثيرًا ما يرى
стр. 73
الناظر في الكتب العربية اسم الطسوج والقيراط والدرهم والمثقال والإستار والكيلجة والقفيز والجريب والكر والوسق ونحو ذلك، ولا يهتدي إلى نسبتها فيما يعادلها من مقادير هذا العصر؛ فحرصت على حل المشكل بقدر ما أستطيع. وعثرت في منشورات مجلة المقتبس الدمشقية على رسالة لنجم الأئمة الشيخ رضي الدين الإسترابادي، استخرج فيها من أقوال الأئمة اللغة وأئمة الفقه آراءهم في هذه المقادير، وبينها بالحبة والدرهم والمثقال، واعتمد على أشهر الأقوال التي اعتمدها الفقهاء في تقاديرهم الشرعية، فعنيت بتطبيقها على الأوزان والمكاييل العشرية من الغرام والمتر. واستخرجت النسبة من معادلة الدرهم العثماني الذي هو الدرهم البغلي المعروف عند اللغويين بأنه ٦٤ حبة على أنه ٣ غرامات و ٠.٢٠٧٣٦٢ من الغرام، حسب بيان دار الضرب العثمانية كما هو وارد في التقادير الرسمية، ووضعت لها جداول خاصة في كتابي هذا.
١٦ - رأيت كلمات طرأـ على اللغة في العصر العباسي، بعضها اندثر ولكنه لا يزال مذكورًا في مؤلفات ذلك العصر مثل الكردناج والبزماورد والدقدان والشامرك، وبعضها ما زال مستعملًا إلى اليوم. وهذه الطارئة ليست من صلب اللغة وأكثرها دخيل، ولكنها شاعت، ولم يتحرج مؤلفو هذا العصر من إدماجها في عباراتهم، فكان من الخير أن أتعرض لها في كتابي هذا. وقد وقع لأحد الجهابذة، وهو أبو عبد الله بن الطيب الفاسي المتوفى سنة ١١٧٠ هـ، أن أنكر على صاحب القاموس تفسيره العنة بالدقدان لأنه لم يعرف معناه فقال: ولعل المراد به الغليان. والدقدان من الألفاظ العباسية لما ينصب عليه القدر، ويعرف اليوم في لبنان بالمنصب. فبحثت فيما اطلعت عليه منها بقدر وسعي وأثبتها في كتابي هذا.
١٧ - كنت وما زلت أجد كثيرًا من العامي الذي يمكن رده إلى الفصيح، وأحس تحريف الفصيح في الكلام العامي، فتتوق نفسي إلى ولوج باب البحث فيه، فأقدمت بعد إحجام لصعوبة البحث ووعورة الطريق، وعنيت به، وفتحت الباب للمحققين بما أقدمت عليه بقدر المستطاع، وبقدر ما وصل إليه علمي وبحثي من جذبه إلى الفصيح وتطبيقه عليه. وقد يكون المأخذ قريبًا سهلًا، وقد يكون بعيدًا يحتاج إلى شيء من التكلف، وقد تكون الكلمة دخيلة من الآرامية أو الفارسية أو غيرهما. ومهما تيسر لي ردها إلى أصل عربي كان عندي أولى من حملها على ًال غير عربي، واعتبارها دخيلة، ما دام لي مجال لإلحاقها بالمادة العربية.
سلكت هذا الطريق وأنا أعلم أنني سلكت سبيلًا شاقة، وتوقلت عقبة صعبة لا آمن فيها العثار، ولا أبرأ من الزلل- والعصمة لله- ولكنه فتح يجب أن ينفتح ليستقر أمره وينتظم. ولا بد لإدراك الثمرة من أن يتسع فيه المقال وتظهر آراء الرجال.
ولكنني خشيت أن يختلط الصحيح الفصيح بالعامي في متن الكتاب، فجعلت مكان العامي هامش
стр. 74
الكتاب، والله الموفق للصواب.
ولا حاجة لأن أقول أن أكثر ما ذكرته من العامي إنما هو من اللهجة التي أسمعها كل يوم، بل تدخل سمعي كل ساعة، وهي لهجة بلاد ساحل الشام من سفوح لبنان، وبالأخص لهجة بلدي جبل عاملة. ولم آل جهدًا في إثبات ما سمعته من عامية غير هذه الديار.
على أنني توسعت في هذا البحث في كتاب خاص أسميته "رد العامي إلى الفصيح".
١٨ - حرصت أن لا تفوت كتابي هذا مادة ذكرت في لسان العرب وتاج العروس، وهما أكثر كتب الأئمة المعروفة لدينا جميعًا لمواد اللغة، فكان كتابي هذا جامعًا لكل ما يمكن أن يطلبه طال اللغة، فلا تمر به كلمة من كلماتهم إلا ويكون لها تفسير فيه؛ فإن بلغت بذلك رضا الطالب فهو غاية المرام، وإلا فاللغة بحر لا يدرك ساحله.
وقد رأيت كثيرًا من ناشئة اليوم قد أولعوا بالإعراض عن الكلمات الغريبة الوحشية التي هي غير مأنوسة في الاستعمال. فإن كان هذا من حيث الاستعمال فصالح، وهو حق وصواب، ويحسن بنا أن نتخير لكلامنا في منظومنا ومنشورنا الألفاظ العذبة السائغة ونتجنب الحوشي والوحشي الثقيل على السمع واللسان. وإن كان من حيث هجرها المطلق وطلاقها البائن حتى لا تذكر في معاجمنا، فذلك غير صالح لأنها من تراث اللغة القديم الذي لا يستغنى عن معرفته متأدب ينظر في كلام العرب وخطبهم وأشعارهم وأخبارهم، وهجرها هذا يقطع الصلة بينا وبين سلفنا، ذلك السلف الذي نفتخر ببيانه وشرف لسانه، بل هو بت للحبل بين قديم اللغة وحديثها. وقد تجد كلمات كانت غير مأنوسة في زمن، وأتى عليها زمن آخر تداولتها الألسن، فأنست بعد نفار، وتأهلت بعد استيحاش.
١٩ - رأيت منذ شرعت في كتابي هذا أن الاعتماد على كتب الأئمة السالفين، وهم الذين أوتوا خطأ وافرًا من العلم باللغة، وافنوا زهرة أيامهم في تحصيله، وبذلوا في سبيله كل جهد، وتحملوا كل عناء، حتى بلغوا من ذلك الذروة أو كادوا، وأحرزوا فيه ملكة راسخة، وتحقيقًا واسعًا، رأيت أ، الاعتماد عليهم هو الذي يجب علينا أن نهتم له، وأن نعني به كل العناية، لأن كتب المتأخرين المعاصرين غير مأمونة الخطأ. فتجنبت بادئ بدء مراجعة كتب المتأخرين المعاصرين حتى لا تسري إلى أغلاطهم من حيث لا أشعر بها، وهذا كتاب أقرب المواد للشرتوني، وهو أكثر كتب المعاصرين رواجًا بين أيدي الكتاب والطلاب على جلالة قدره، فإني راجعت أوائله بعد إتمام مؤلفي هذا فاستخرجت له نحوًا من أربعمائة غلطة من ثلاثمائة صفحة نشرتها في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق في المجلد: ٢١ صفحة ١١٨ و ٢١٨ و ٣١٧، وفي المجلد: ٢٢ صفحة ٣٤٥.
стр. 75
ولكن ما وصل إلينا من كتب الأئمة وتداولته أيدينا على جامعيته الكبرى وتحقيقه الجم، كان عسير المأخذ لقلة ترتيبه، كلسان العرب لجمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الخرزجي الأفريقي، المعروف بابن منظور وبابن مكرم المتوفى سنة ٧١١ هـ. وهو الذي جمع فيه تهذيب الأزهري، ومحكم ابن سيده، وصحاح الجوهري، وحاشية ابن بري، وجمهرة ابن دريد، ونهاية ابن الأثير وغير ذلك، والذي قيل فيه: انه أعظم كتاب ألف في مفردات اللغة! ومثل: تاج العروس في شرح القاموس للسيد محمد بن محمد، المعروف بالمرتضى الزبيدي الحسني المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ؛ فلا يكاد الطالب يظفر بحاجته إلا بعد عناء وجهد.
فوضعت أمامي تاج العروس إلى جنب القاموس المحيط للشيخ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزابادي الشيرازي المتوفى سنة ٨١٧ هـ إلى جنب لسان العرب؛ فكنت آخذ المادة فأطالعها في القاموس مدققًا بقدر الاستطاعة في شرحها في التاج واختصرها في مسودة، ثم أعارضها بما في لسان العرب- والقاموس وشرحه التاج عيالان على لسان العرب كما لا يخفي- واحرص في الاختصار أن لا أخرج عن مرادهم ومدلول كلامهم؛ ثم انظر بعد ذلك في كتاب أساس اللغة للزمخشري، وفي مختار الصحاح للرازي، وفي المصباح المنير للفيومي؛ وبعد ذلك كله أثبت ما استخرجته في موضعه من كتابي هذا، على أنني فيما أنقله من هذه الكتب الخمسة لا أنبه إلى اسم الكتاب المنقول عنه؛ وأما ما أنقله عن غيرها فإني أنبه إليه وإلى اسم الكتاب.
وإنني أرجو أن لا يتسرع منتقد كتابي هذا بالحكم علي بالخطأ، إذا رأى ما يخالف نص بعض كتب الأئمة كالقاموس مثلًا، قبل أن يرجع إلى كتاب إمام آخر؛ فإنني وجدت اختلافًا بين هذه الكتب في ضبط الكلمة حتى بين التاج واللسان، مع أن الأول قد أخذ عن الثاني، وكثيرًا ما يكون أخذه بالحرف الواحد، فإذا رأى المخالفة لهما معًا ولم يكن مذكورًا سند القول عندي، صح له أن يسجل على الخطأ، وأما اختيار أحد القولين فليس من الخطأ في شيء.
٢٠ - لم أذكر في معجمي اصطلاحات العلوم والفنون لأنها خارجة عن اللغة، اللهم إلا ما كان منها له أساس بالمتن.
٢١ - أما الحديث عن الواو والياء في المعتل الأجوف والناقص في كتابي هذا، فإنني وجدت من سنن العرب أنهم يدخلون أحد حرفي اللين على الآخر أي تدخل الواو على الياء، والياء على الواو، لأنهما من حيز واحد وهو الهواء، وهما حرف لين كما صرح به صاحب اللسان عن الأزهري في مادة "ح ي ض" وكما جاء في التاج في مادة "ط ل و" وحكاه الأحمر عن العرب من قوله: أن عندك لأشاوي، في جمع شيء، وأصلها أشايا؛ وكما جاء في الطلاوة لما يطلي به الشيء فإنها من "طليت" نص عليه صاحب التاج؛ وكما جاء في الدعاية فإنها من دعوت، وقد جاءت دعاية في