← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.

стр. 11516

ولود وعقيم للأستاذ أحمد أمين ركبَتْ من أول محطة لترام مصر القديمة وهي كهلال الشك، جلد على عظم، وعلى يديها طفل قد جلل بالبياض، وعصبت عيناه، وغطي رأسه ووجهه بشاشة زرقاء وركب في المحطة التالية سيدة نصَف، أطيب شطريها الذي ذهب، ممتلئة البدن، سمينة الضواحي، فحيت الأولى، وتحادثتا والنساء سريعات التعارف، تراهن في طرفة عين يتحدثن إلى من لم يعرفن قبل في أدق الأمور، وأعمق الأسرار، حتى كأنهن صديقات العمر، ورفيقات الصبى؛ فهن يتحدثن بعد دقيقة في السعادة والشقاء، وأوصاف الأزواج وعيوبهم، والحموات ومصائبهن ومضايقتهن، والدخل والخرج؛ وقد ينتقلن إلى ما هو أدق من ذلك وأصعب، مما لا يستطيع الرجال أن يتكلموا في بعضه إلا بعد عمر طويل، وصداقة متينة، ومشاركة في السراء والضراء وبعد لحظة صرخ الطفل وأمعن في الصراخ، تحاول أن ترضعه ليسكت فلا يسكت، وتنميه فلا ينام، وتتبع معه كل الأساليب التي تعلمتها في إسكات الأطفال فلا تنجح، وأخيراً تدعو عليه بالموت فلا يستجاب لها - الثانية - ما له؟ - الأولى - رمدت عيناه من أيام ثلاثة فشرّبني المر، وفي الليلة الماضية لم أذق طعم النوم، وأنا طول الليل واقفة على رجلي أذرع الحجرة من أولها إلى آخرها ومن آخرها إلى أولها، وكلما هدأ وبدأ النوم ذهبت إلى السرير لأنيمه وأنام فيصرخ ويكرر النغمة عينها ويمثل الدور نفسه إلى الصباح، حتى دار رأسي، ومللت الحياة، وتمنيت الموت، ولم أر للحياة طعما مذ رأيت الأولاد، وهانا ذاهبة إلى طبيب العيون أمعك أولاد أخر؟ نعم - معي خمسة وهذا سادسهم؛ وقد حاولت بكل الوسائل أن أمنع الحمل بعد أول ولد ففشلت وفشلت. ومرة حاولت أن أخلص من جنين فكدت أخلص من نفسي وبقى الجنين. ومرة أصبت بنزيف شديد فعرضت نفسي على طبيب فقال إنه إجهاض، وليس من أمل كبير في بقاء الجنين؛ ثم أمرني أن ألتزم سريري ولا أتحرك، وأنام على ظهري دائماً،

стр. 11517

وكتب لي دواء يمنع النزيف. فامتنعت من شرب الدواء، وأكثرت الحركة، وعملت كل شيء عكس ما نصح الطبيب رغبة في الإجهاض، ثم مع هذا كله ارتفع الدم وثبت الجنين. وهذا هو الذي على يدي و (اسم الله عليهم) كلهم ذكور؟ لا والله! أربعة ذكور وبنتان، وكلهم في الهم سواء، وكل يوم نوع جديد من أنواع العذاب. ففي آخر السنة نضع يدنا على قلبنا عند الامتحان؛ وتظهر النتيجة، فهذا نجح، وهذا سقط بلا ملحق، وهذا له ملحق؛ ونمضي الإجازة في عناء! وتبتدئ السنة، فمن نجح في الشهادة الابتدائية ظهر متأخر الترتيب فلا نجد له مدرسة أميرية تقبله؛ والشهادة في يد، والمصاريف في يد، والمدرسة في رفض! ثم هذا صحيح وهذا مريض، وهذا ذاكرَ وهذا لم يذاكر. ولا تسألي عن وقت ذهابهم إلى المدرسة! هذا يبحث عن جزمته فلا يجدها، وهذا عن طربوشه فلا يجده، ونرى الفرد جورب في حجرة وفرداً آخر في حجرة أخرى، فلا يكادون يذهبون إلا وقد بلغت الروح الحلقوم. وعند مجيئهم من المدرسة هذا يغضب على الأكل وهذا يرضى، وهذا ينازع ذاك، ولا ينقذنا من كل هذا إلا نومهم. ثم هذا الشهر شهر أقساط المصاريف، وهذا شهر كسوة الصيف، وهذا شهر كسوة الشتاء، وماهية الزوج لا تكفي هذا وذاك، والعيش كله عناء في عناء. وأنت؟ أليس عندك أولاد؟ كان منظراً غريباً، فقد طفرت الدمعة فجأة من عين السيدة الثانية، فلما أخرجت منديلها ومسحت دمعتها قالت: أبى الله أن يرزقني في حياتي ولداً، وطالما دعوته وسألته! وحججت مرة، وكان أكبر همي من حجي أن أقف في أشرف بقعة وأسأل الله أن يهبني ابناً أو بنتاً! وليكن الابن ذكياً أو غبياً، ولتكن البنت جميلة أو دميمة؛ فأنا راضية بأي مولود على كل حال، ولكنه لم يفعل، وفي القرآن الكريم: (يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيما) فقد شاء أن يجعلني من الصنف الأخير - لتمنيت أن يكون لي أولاد، وأتحمل فيهم أضعاف ما ذكرتِ من عناء. ثم أراهنك أني أكون سعيدة مغتبطة لا أشكو ولا أتألم - لقد طرقت كل الأبواب لذلك فلم أنجح، ذهبت إلى الأطباء فعملوا لي عملية، واحتملت في سبيلها كل الآلام؛ وذهبت إلى المشايخ فرقَوا وعزَّموا؛ وذهبت إلى الشيخات (فحضَّرن) وبخرن و (وصفن)؛ وقالوا

стр. 11518

تخافين؛ فخفت ونزلت القبر، وركبت وابور (لونابارك)؛ وقالوا وقالوا، وفعلت وفعلت، فذهب ذلك كله هباء، ورزقني الله مالاً كثيراً استطعت أن أفعل به كل ما وصفوا حتى السفر إلى أوربا واستشارة أطبائها، ولكن إذا أبى الله فماذا يفعل العبد؟ لم يبق لي من ذلك كله إلا التلهف على الولد والحسرة الدائمة؛ وكل شيء حولي يذكرني بالأولاد فيثير أشجاني وأحزاني. لقد رأيت في حديقتي أشجار البرتقال والليمون تحمل أثمارها فقلت يا لله! أتسبل نعمك على الأشجار فتحمل كل عام أثمارها، وتضنّ علي فلا أحمل مرة ثمرة! وعندي قطة تحمل دائماً وتضع ما لا يعد من الأولاد، وكلما حملت ذكرتُ حملي، وكلما ولدت بكيت أولادي الذين لم يوجدوا بعدُ؛ وأرى الفقيرات البائسات العاريات في الشارع كل واحدة منهن تحمل في بطنها ولداً، وترضع ولداً، وتجر ولداً، فيتجمع الحزن في قلبي، وتنفجر منه عيني؛ واسمع (معارفي) وصواحبي، هذه ولدت، ثم هذه ولدت، ثم هذه ولدت، فأقول لم يبق عقيما إلا أنا، ولم يتخصص للشقاء غيري! رزقني الله مالاً ولم يرزقني ولداً، وليته رزقني ولداً ولم يرزقني مالاً؛ ولو كان الولد يشرى بكل ما أملك لاشتريته وكنت سعيدة؛ بل لو كان يشرى بعينيّ لاشتريته وكنت رابحة في صفقتي. وما الدنيا والمال؟ وما الحياة بغير الولد؟ لقد كنت في أول أمري أطلب الولد خشية أن يتزوج زوجي غيري، فلما أمنت جانبه، واطمأننت من ناحيته، طلبت الولد لأنه طبيعتي ولأنه حياتي بعدي، ولأنه موطن انتساخ روحي، ولأني امرأة قد خلقت للأمومة. لقد أحسست بهذه الأمومة في صغري فعملت العرائس إرهاصاً لأمومتي، ثم تزوجت تهيؤاً لهذه الأمومة، فلما تقدمت في السن ولم أجد الأمومة رأيتني فقدت طبيعتي، ورأيتني في الحياة مقدمة بلا نتيجة، أو قبة بلا شيخ، أو لوزة فارغة، وأنا والعروس من الحلوى، والعروس من القطن سواء، كلنا لا يلد. ليس لي أمل في السلوة إلا بالموت. فهو وحده بلسم الهموم، ومقبرة الأحزان! وهنا ختمت حديثها - كما بدأته - بالدموع قالت الأولى: والله لو ذقتِ مرارة الأولاد ما تمنيتِهم؛ ولو جربتِ سهر الليالي ما اشتقتهم؛ ولكن أحب شيء إلى الإنسان ما منع؛ والقصر من بُعد أجمل منظراً من سكناه؛ والخيال دائما ألذ من الحقيقة. لقد كان مرة أكبر أولادي يبكي وهو رضيع ولا نعلم سبباً لبكائه، ويبكي ويشتد في البكاء حتى بلغ معنا الهم مبلغه، وإذا بزفة عريس تمر من تحت بيتنا،

стр. 11519

فأضحكني زوجي أبو الطفل إذ قال للعريس: (غُرْ) غداً تخلف (وترى) - لو تمنيت الآن شيئاً لتمنيت أني لم أكن تزوجت، وإن تزوجت فلم أكن (خلفت) - أتبادلني؟ وضحكت؟ قالت الثانية وتأوهَتْ: وكيف يمكن البدل؟ إنما أريد أولاداً مني لا منك، أريد كبدي تمشي على الأرض أربيها، ولا أريد كبك أنميها وأغذيها - وأنت أيضاً لا تعبرين عما في نفسك تعبيراً صادقا، فمن تهون عليه أولاده؟ إنما ينفع البدل إن كان قدر لي الله أن أكون ولوداً وأن تكوني عقيما قالت الأولى: أتريدين الحق يا أختي؟ الدنيا كلها تعب فلا ولود في راحة، ولا عقيم في راحة، ولا متزوجة سعيدة، ولا عزبة سعيدة ووصل الترام إلى العتبة فنزلتا، هذه إلى طبيب أبنها وتلك لبعض شؤونها قال صاحبي: ولكن كيف أمكنك أن تسمع هذا الحوار؟ قلت: هذا سر الصنعة. أحمد أمين

стр. 11520

٤ - الدينار والدرهم للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال احمد بن مسكين: وأزفَ ترحُّلي عن (بلخ) وتهيأتُ للخروج، ولم يبق من مدة مقيلي بها إلا أيام يجيء فيها السبتُ الرابع. وكانت قد وقعت مُمَارةٌ بيني وبين مفتي (بلخ) أبي أسحق إبراهيم بن يوسف الباهلي تلميذ أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، ويزعمون أنه شحيحٌ على المال وأنه يَتَغَلَّلُه من مُسْتَغَلاَّت كثيرة، فكأنما غَشِيَتْه غمامتي، فهو لا يرى أن أتكلم في الزهد، ويحسب هذا الزهد تماوُتَ العبَّاد ونَفْضَ الأيدي من الدنيا وسوءَ المصاحبة لما يُنعم الله به على العبد، وخذلانَ القوة في البدن، وما جرى هذا المجرى من تزوير الحياة بالأباطيل التي زعم أنها أباطيل الطاعات وما أقربها من أباطيل المعصية. ولم يكن هذا المفتي قد سمعني ولا حضر مجلسي، ولولا الذي لم يعرفه من ذلك لقد كان عرف وجادلتُه فرأيته واهنَ الدليل، ضعيفَ الحجة، يُخَمَّنُ تخمين فقيه، وينظر إلى الخفايا من حقائق النفوس نظر صاحب النصَّ إلى الظاهر، كأن الحقيقة إذا ألقيت على الناس مضت نافذة كفتوى المفتي. . . ويزعم أن الوعظ وعظُ الفقهاء، يقولون هذا حرام فيكون حراماً لا يُقارفه أحد، وهذا حلال فيكون حلالاً لا يتركه أحد؛ وهو كان بعيداً عن حقيقة الوعظ ومداخله إلى النفس وسياسته فيها، ولا يعرف أن الحقيقة كالأنثى إن لم تزين بزينتها لم تستهو أحدا؛ وأن الموعظة إن لم تتأدَّ في أسلوبها الحي كانت بالباطل أشبه، وأنه لا يغير النفسَ إلا النفسُ التي فيها قوةُ التحويل والتغيير كنفوس الأنبياء، ومن كان في طريقة روحهم، وأن هذه الصناعة إنما هي وضع نور البصيرة في الكلام لا وضعُ القياس والحجة، وأن الرجل الزاهد الصحيح الزهد، إنما هو حياة تلبسها الحقيقة لتكون به شيئاً في الحياة والعمل. لا شيئاً في القول والتوهم، فيكون إلهامها فيه كحرارة النار في النار من واتاها أحسها ولعمري كم من فقيه يقول للناس هذا حرام، فلا يزيد هذا الحرام إلا ظهوراً وانكشافاً مادام لا ينطق إلا نطق الكتب ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، وقد خلا من القوة التي تجعله روحاً تتعلق الأرواحُ بها وتضعه بين الناس في موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آتٍ من الجنة منذ قريب، راجعٌ إليها بعد قريب

стр. 11521

والفقيهُ الذي يتعلق بالمال وشهوات النفس ولا يجعل همَّه إلا زيادة الرزق وحظ الدنيا - هو الفقيه الفاسدُ الصورة في خيال الناسُ يفهمهم أولَ شيء ألاَّ يفهموا عنه إذ حرصه فوق بصيرته، وله في النفوس رائحةُ الخبز وله معنى خمسٌ وخمس عشرة. . . وكأن دنياه وضعت فيه شيئاً فاسداً غريباً يفسد الحقيقة التي يتكلم بها؛ ولست أدري ما هو هذا الشيء ولكني رأيت فقهاء يعظون ويتكلمون على الناس في الحرام والحلال وفي نص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم لم أجد لكلامهم نفعاً ولا رداً، إذ يلهمون الناس بأرواحهم غير المعنى الذي يتكلمون فيه؛ وتسخر الحقيقة منهم - على خطرهم وجلال شأنهم - بذات الأسلوب الذي تسخر به من لص يعظ لصاً آخر فيقول له لا تسرق. . . قال ابن مسكين: فلما دار يوم السبت أقبل الناس على المسجد أفواجاً، وكانوا قد تعالموا إزماعي الرحيل عن بلدهم - وجاء (لقمان الأمة) في أشياعه وأصحابه، وجاء أبو اسحق المفتي في جماعته؛ واستقر بي المجلس فنفذْتُ الناسَ بنظري فكأنهم نبات غطى الأرض، فأذكرني هذا شيخنا السريَّ بنَ مُغلَّس السقَطي، وكان قد لزم داره في بغداد لا يخرج منها ولا يراه إلا من قصد إليه، وهممتُ أن أجعل الموعظة في شرح كلمته المشهورة: لا تصحُّ المحبة بين اثنين حتى يقولَ أحدهما للآخر: يا أنا. وما نقلوا عنه من أنه قال مرة لبعض أصحابه: منذ ثلاثين سنة وأنا في الاستغفار من قولي (الحمد لله). فقال صاحبه: وكيف ذلك؟ قال: وقع ببغداد حريق فاستقبلني رجلٌ فقال: نجا حانوتك. فقلت الحمد لله؛ فأنا نادم من ذلك الوقت على ما قلت إذ أردتُ لنفسي خيراً من الناس. قال ابن مسكين: ولكني أحببت أن أكلم المفتي ومالَ المفتي؛ فحدثتهم حديث معرفتي بالسّري أني سمعتُ يوماً غيْلان الخياط يقول: إن السري كان اشترى كُرّ لوز بستين ديناراً وأثبته في رزنامجه وكتب أمامه: ربحه ثلاثة دنانير؛ فلم يلبث أن غلا السعر فبلغ تسعين ديناراً؛ فأتاه الدلال الذي كان اشترى له فقال: أريد ذلك اللوز. قال الشيخ: خذه. قال: بكم؟ فقال بثلاثة وستين ديناراً. وكان الدلال رجلاً صالحاً فقال للشيخ: إن اللوز قد سار الكُر بتسعين. فقال السري: ولكني عقدت بيني وبين الله عقداً لا أحلُّه، فلست أبيع إلا بثلاثة وستين ديناراً. فقال الدلال: وأنا عقدت بيني وبين الله عقداً لا أحله ألاّ أغشَّ مسلماً، فلست أشتري منك إلا بتسعين؛ فلا الدلال اشترى منه والسريُّ باعه

стр. 11522

قال أحمد بن مسكين: فلما سمعت ذلك لم تكن لي همةٌ إلا أن ألقى الشيخ وآخذ عنه، فلم أُعرَّج على شيء حتى كنت في المسجد الذي يصلي فيه فأجده في حَلْقته وعنده ممن كنت أعرفهم: عبدُ الله بن أحمد بن حنبل وإدريس الحداد وعلي بن سعيد الرازي، وحوله خلق كثير وهو فيهم كالشجرة الخضراء بين الهشيم تعلوه نَضْرةُ روحه وكأنما يُمدُّه بالنور عِرق من السماء فهو يتلألأ للعين؛ ولا يملك الناظر إليه أن يحس في ذات نفسه أنه الأدنى من رؤيته في ذات نفسه أن هذا هو الإنسان الأعلى ورأيت على وجهه آلاماً تمسحه مسحةَ الأشواق لا مسحة الآلام، فهي آثارُ ما يجده في روحه القوية، لا كآلام الناس التي هي آثار الحرمان في أروحهم الواهنة الضعيفة فلا تمسح وجوههم إلا مسحة الغم والكآبة. وما يخطئ النظر في تمييز آلام السماء على هذه الوجوه السعيدة من آلام الأرض في الوجوه الأخرى فأن الأولى تتندَّى على روح الناظر بمثل الطّل إذا قطَّره الفجر، والأخرى تتَثَوّرُ كما تَهيج الغَبرةُ إذا ضربت الريحُ الأرض كان الشيخ في وجود فوق وجودنا فلا تتلون له الأشياء ولا تعدو عنده ما هي في نفسها، ولا يحمل الشيء له إلا معناه من حيث يصلح أو لا يصلح، ومن حيث ينبغي أو لا ينبغي. فإنما تتلون الأشياء عندما يضع الشيطانُ عينَه في عين الناظر إليها؛ وإنما تزيد وتنقص في القلب عندما يكون روح الشيطان في القلب؛ وإنما يشتبه ما ينبغي وما لا ينبغي عندما يأتي الشيء من جهتين: جهته من طبيعته هو، وجهته من طبيعتنا نحن. وبهذا قد يجمع الإنسان المال ثم لا يجد في المال معنى الغنى، وقد تتفق أسباب النعيم ولا يكون منها إلا الذل. وكم من إنسان يجد وكأنه لم يجد إلا عكس ما كان يبغي، وآخرَ لم يجد شيئاً ووجد بذلك راحته. قال ابن مسكين: وما كان أشدّ عجبي حين تكلم الشيخ فقد أخذ يجيب على ما في نفسي ولم أسأله كأن الذي في فكري قد انتقل إليه؛ فروى الحديث: إذا عظَّمتْ أمتي الدينارَ والدرهم نُزع منها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر حُرموا بَركةَ الوحي. ثم قال في تأويله: إن ملك الوحي ينزل بالأمر والنهي ليخضع صولةَ الأرض بصولة السماء، فإذا بقي الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر بقي عملُ الوحي إلا أنه في صورة العقل، وبقيت روحانية الدنيا إلا أنها في صورة النظام، وكان مع كل خطأ تصحيحُه فيصبح الإنسان بذلك تنفيذاً

стр. 11523

للشريعة بين آمرٍ مطاع ومأمور مطيع، فيتعامل الناس على حالة تجعل بعضَهم أستاذا لبعض، وشيئاً منهم تعديلا لشيء، وقوة سندا لقوة؛ فيقوم العزمُ في وجه التهاون، والشدة في وجه التراخي، والقدرة في وجه العجز. وبهذا يكونون شركاءَ متعاونين، وتعود صفاتهم الإنسانية وكأنها جيشٌ عامل يناصر بعضه بعضا فتكون الحياة مفسرةً مادامت معانيها الساميةُ تأمر أمرها وتلهم إلهاَمها ومادامت ممثَّلة في الواجب النافذ على الكل والناس أحرار متى حكمتهم هذه المعاني فليست حقيقة الحرية الإنسانية إلا الخضوع للواجب الذي يحكم، وبذلك لا بغيره يتصل ما بين الملك والسُّوقة وما بين الأغنياء والفقراء اتصالَ الرحمة في كل شيء واتصالَ القسوة في التأديب وحده. فبركة الوحي إنما هي جعل القوة الإنسانية عملا شرعيا لا غير أما تعظيم الأمة للدينار والدرهم فهو استعباد المعاني الحيوانية في الناس بعضِها لبعض، وتقطُّعُ ما بينهم من التشابك في لحُمة الإنسانية، وجعل الكبير فيهم كبيرا وإن صغرت معانيه والصغير فيهم وإن كبر في المعاني؛ وبهذا تموج الحياة بعضها في بعض ولا يستقيم الناسُ على رأي صحيح، إذ يكون الصحيح والفاسد في ملك الإنسان لا في عمل الإنسان، فيكنز الغني مالا ويكنز الفقير عداوة كأن هذا قتل مالَ هذا وكأن أعمالا قتلت أعمالا، وترجع الصفاتُ الإنسانية متعادية وتباع الفضائل وتشترى، ويزيد من يزيد ولكن في القسوة، وينقص من ينقص ولكن في الحرية، وتكون المنفعة الذاتية هي التي تأمر في الجميع وتنهي، ويدخل الكذبُ في كل شيء حتى في النظر إلى المال فيرى كل إنسان كأنما درهمهُ وديناره أكبر قيمة من دينار الآخر ودرهمه فإذا أعطي نقص فغش، وإذا أخذ زاد فسرق؛ وتصبح النفوس نفوساً تجارية تساوم قبل أن تنبعث لفضيلة وتُماكِسُ إذا دُعيت لأداء حق، ويتعامل الناس في الشرف على أصول من المعِدة لا من الروح، فلا يقال حينئذ إن رغيفين أكثر من رغيف واحد كما هي طبيعة العدد، بل يقال إن رغيفين أشرفُ من رغيف كما هي طبيعة النفاق أما التجارة وهي التفسير الظاهر لمعاني النفوس فتصبح بين الغش والضرر والمماكرة، وتكون يقظة التاجر من غفلة الشاري وتفسد الإرادة فلا تحدث إلا آثارها الزائغة. وما التاجر في الأمة القوية إلا أستاذ لتعليم الصدق والخلق في الموضع المتقلب فكلمته كالرقم

стр. 11524

من العدد لا يحتمل أزيد ولا أنقص مما فيه، ويمتَحَن بالدنيا والدرهم أشدَّ مما يمتحن العابد بصلاته وصيامه. وقد شهد رجل عند عمر بن الخطاب في قضية فقال عمر: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل أثنى عليه خيراً، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال فكنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورعُ الرجل؟ قال: لا قال عمر: أظنك رأيته قائماً في المسجد يُهَمْهمُ بالقرآن يخفض رأسه طوراً ويرفعه أخرى. قال: نعم قال: فاذهب فلست تعرفه وإنما التاجر صورة من ثقة الناس بعضهم ببعض وإرادة الخير واعتقاد الصدق، وهو في كل ذلك مظهر توضع اليد عليه كما تجسُ اليدُ مرض المريض وصحته فإذا عظمت الأمة الدينار والدرهم فإنما عظمت النفاق والطمع والكذب والعداوة والقسوة والاستعباد؛ وبهذا تقيم الدنانير والدراهم حدوداً فاصلة بين أهلها، حتى لتكون المسافة بين غني وفقير كالمسافة بين بلدين قد تباعد ما بينهما. وإنما هيبة الإسلام في العزة بالنفس لا بالمال، وفي بذل الحياة لا في الحرص عليها، وفي أخلاق الروح لا في أخلاق اليد، وفي وضع حدود الفضائل بين الناس لا في وضع حدود الدراهم، وفي إزالة النقائص من الطبع لا في إقامتها، وفي تعاون صفات المؤمنين لا في تعاديها، وفي اعتبار الغني ما يُعمل بالمال لا ما يجمع من المال، وفي جعل أول الثروة العقل والإرادة لا الذهب والفضة هذا هو الإسلام الذي غلب الأمم، لأنه قبل ذلك غلب النفس والطبيعة (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 11525

عصر الخفاء البارون فون أوفنباخ داعية ومغامر ومشعوذ للأستاذ محمد عبد الله عنان كان القرن الثامن عشر عصر الخفاء في أوربا، تزدهر فيه الدعوات والحركات السرية، ويزدهر فيه أقطاب الدعاة السريين؛ ففي أوائله نرى حركة البناء الحر (الماسونية) تتغلغل في أنحاء أوربا، وتقوم طائفة أخرى من الحركات والجمعيات السرية؛ وفي أواخره نرى طائفة من أقطاب المغامرين الذين يتشحون بأثواب الخفاء والشعوذة يجوبون أوربا من أقصاها إلى أقصاها، ويثيرون الروع والدهشة أينما حلوا؛ ولهؤلاء الدعاة المغامرين سير عجيبة تفيض بها سير القرن الثامن عشر، وتبدو كأنها قصص مغرق، بيد أنها ترجع في الغالب إلى كثير من الحقيقة، وكل ما هنالك أن هذه الحقيقة يكتنفها كثير من الغموض والخفاء يرجع إلى ظروف العصر والمجتمعات التي ظهر فيها أولئك الدعاة المغامرون ومما يلاحظ أن معظم المغامرين والدعاة السريين الذين ظهروا في هذه الفترة هم يهود أو ينتمون إلى أصل يهودي، وأن معظم الحركات والدعوات السرية التي ازدهرت فيها ترجع أيضاً إلى أصل يهودي، أو نلمس فيها على الأقل وحي الدعاية اليهودية؛ وهذه الملاحظة ترجع في الواقع إلى ظاهرة تاريخية أعم، وهي أن اليهودية كانت منذ العصور الوسطى مستقى أو مبعثاً لكثير من الحركات والجمعيات السرية التي قامت في أوربا، ومعظمها يرمي إلى غايات هدم دينية أو اجتماعية، تقصد بها النصرانية ومبادئها وعقائدها قبل كل شيء وقد كانت (الكابالا) اليهودية منذ العصور الوسطى أكبر مصدر لهذه الدعوات والرموز السرية. والكابالا شهيرة في تراث اليهودية الروحي والفلسفي، وهي عبارة عن مزيج من الفلسفة والتعاليم الروحية، والرموز السحرية، يتوارثها أحبار اليهودية ودعاتها منذ أقدم العصور، وأخص تعاليمها الروحية أن الله وهو الكائن المطلق الخالد ينفث من نفسه إلى عالم الأرواح النقية، وأن روح الإنسان تنتقل من جسم إلى جسم حتى تعود في النهاية إلى

стр. 11526

الله وتفنى فيه؛ ولكن الكابالا اشتهرت بالأخص برموزها السرية وتعاويذها السحرية، وقد كانت هذه مدى العصور تراث الخفاء في يد الدعاة والمشعوذين، يستغلون به سذاجة الكافة، ويتخذونه سلاحاً قوياً لبث دعواتهم وتحقيق غايتهم في مجتمعات مؤمنة يروعها السحر والخفاء على كر العصور وقد بلغت هذه الدعوات والتعاليم السرية اليهودية ذروة القوة والذيوع في القرن السابع عشر؛ وكانت بولونيا، وبالأخص مقاطعة بودوليا التي كانت يومئذ منزلا لطوائف كثيرة من اليهود، مركزاً للدعوة الكابالية؛ وكانت هذه الدعوة تتمخض من آن لآخر عن فورات دينية يتردد صداها في المجتمع اليهودي كله. وفي أواسط القرن السابع عشر ظهر في تركيا شابتاي زيبى، وهو داعية يهودي زعم أنه المسيح المنتظر، فأثار ظهوره ومزاعمه فتنة كبيرة في المجتمع اليهودي؛ ولم يكن (المسيح المنتظر) سوى داعية ماهر من دعاة (الكابالا)؛ وفي أواسط القرن الثامن عشر ظهر في بولونيا عدة متعاقبة من الدعاة الكاباليين، أشهرهم إسرائيل البدولي الذي أسس طائفة (الحسديم)؛ وكان إسرائيل بارعاً في ضروب الشعوذة واستخدام الرموز والتعاويذ السحرية، فلقيت دعوته صدى كبيراً، والتف حوله كثير من اليهود الذين خرجوا على تعاليم (التلمود) وتقاليده وفي ذلك الحين أيضاً ظهر داعية من أعظم دعاة الكابلا، وأشدهم خفاء وغموضاً، فأثارت شخصيته الغامضة، وحياته العجيبة، ومزاعمه الخارقة، وبذخه الطائل أيما روعة ودهشة في مجتمعات أوربا الوسطى. واسم هذا الداعية الغريب يعقوب فرنك، وكل ما نعرف عن نشأته وحياته الأولى أنه ولد في بولونيا، وكان في حداثته يشتغل بتقطير الخمور؛ ثم تجول حيناً في بلاد القرم وفي تركيا، ودرس تعاليم (الكابالا) ورموزها دراسة عميقة، واتصل بأنصار شابتاي زيبى ودعاهم إلى لوائه، ثم عاد إلى بودوليا منزل الحركة الكابالية، وهنالك أسس في سنة ١٧٥٥ طائفة جديدة تعرف بجماعة (الزوهاريين) نسبة إلى (زوهار) أو كتاب الضوء، وهو من الكتب العبرية الكابالية؛ ولم يلبث أن ذاعت دعوته وقويت عصبته؛ ونهض لمقاومته جماعة (التلموديين) الرجعيين، ونشبت بينهما خصومة قوية، فالتجأ فرنك إلى حماية أسقف كامنيك وأفضى إليه بميوله النصرانية، وأحرق التلمود علناً؛ وعاونه الأسقف على مقاومة خصومه حيناً ولكنه لم يلبث أن توفى، واشتد الأحبار اليهود في

стр. 11527

مهاجمة فرنك ومطاردته، وأوقعوا به لدى حكومة وارسو، ولدى مبعوث البابا، وصوروه للسلطات الدينية والمدنية يهودياً مرتداً، ونصرانياً مماذقاً، وأن دعايته خطر على العقائد المرعية، فهبت السلطات لمقاومته، وبدأت يد المطاردة تعمل لسحق (الزوهاريين) وتشريدهم والواقع أن مذهب فرنك لم يكن يهودية خالصة ولا نصرانية خالصة، بل كان مزيجاً غريباً من اليهودية والنصرانية والوثنية؛ ولم تكن بولونيا مهداً خصباً لمثل هذه الدعوات الجريئة؛ فلم يمض بعيد حتى قبض على فرنك بتهمة الارتداد الكاذب ونشر الإلحاد والكفر، وزج إلى قلعة شنتشوف، وبادر كثير من أنصاره بالفرار إلى تركيا، واعتنق الكثلكة كثير ممن بقى منهم في بولونيا، ولكنهم بقوا يهودياً في سرائرهم، وقبض على عدد منهم، وحكم على البعض بالأشغال الشاقة، ولكن كثيرين منهم استطاعوا أن يتقوا بستار الكثلكة ويل المطاردة؛ ولقي الذين هاجروا إلى تركيا عنتاً واضطهاداً من السلطات الدينية في مولدافيا، وانقض عليهم العامة ونهبوهم، وتفرقوا في كافة الأنحاء. أما يعقوب فرنك فلبث يرسف في سجنه حتى سقطت قلعة شنتشوف في أيدي الروس في سنة ١٧٧٢، وعندئذ أطلق سراحه؛ فتجول حيناً في بولونيا وبوهيما ومورافيا متشحاً في الظاهر بثوب الكثلكة، وهو يجمع الأموال والرسوم الفادحة من أنصاره وأبناء جلدته، ويثير الروع والإجلال بين الكافة بمظاهر بذخه؛ وكان مذهب الزوهاريين قد ذاع في المجتمعات اليهودية في تلك الأنحاء، وكانت تعاليمهم أكثر جنوحاً إلى النصرانية، فهم ينكرون التلمود، ويسلمون بالتثليث والحلول، ولكن ينكرون أن المسيح وحده أهل للحلول؛ وكان هذا المزيج بين المذاهب والتعاليم المختلفة ملاذ الدعاة في كل عصر، فهم يزعمون دائماً أنهم ينشئون مذهباً أو ديناً جديداً، ولكنهم يعمدون دائماً إلى الاقتباس من المذاهب والأديان القائمة، ويسبغون على مزيجهم نوعاً من الجدل الغامض للتمويه على العامة والبسطاء على أن يعقوب فرنك غدا مذ قوضت دعائم طائفته رجلا آخر، فهو لم يبق بعد داعية يتزعم مذهباً جديداً؛ ولم يبق بعد اعتناق الكثلكة يهودياً ينفث دعاياته إلى أبناء دينه؛ بل غدا في الواقع شخصية جديدة يحوطها خفاء من نوع جديد؛ ذلك أنه ظهر فجأة في المجتمع الرفيع، يعيش في بذخ شرقي طائل، ويحيط نفسه بحاشية كبيرة فخمة، ويدهش المجتمعات

стр. 11528

الرفيعة في ألمانيا والنمسا بروعة مظاهره وفيض بذخه؛ ومازالت حياة فرنك في تلك الفترة لغزاً، وما زال مصدر تراثه المدهش سراً على التاريخ؛ ومن ذلك الحين يعيش فرنك في فينا وفي برون على مقربة منها، تحيط به أروع مظاهر الفخامة والبذخ، كما يحيط به أعمق الأسرار وأغرب المزاعم؛ ولبث فرنك مدى حين يدهش البلاط النمسوي وكل مجتمع فينا الرفيع بشخصيته الخفية، وحياته الفخمة الباذخة؛ وكانت له ابنة حسناء تدعى (حوه)، استطاعت أن تتقرب من الإمبراطورة ماريا تيريزيا، وأن تنال لديها حظوة ونفوذاً، وأن تمهد لأبيها كثيراً من السبل؛ ولكن الريب الذي يلاحقه أينما حل كان يحيط دائماً بشخصيته ومحيطه ووسائله ومزاعمه؛ ولم يلبث أن اضطر إلى مغادرة النمسا ليتقي شر الاتهام والمطاردة، وعندئذ تحول إلى مدينة أوفنباخ بألمانيا على مقربة من فرانكوت، واستقر بها مع حاشيته الكبيرة، وعاش هنالك بنفس البذخ الطائل الذي كان مثار الروع والدهشة والإعجاب أينما حل وعاش فرنك في أوفنباخ أعواماً طويلة، وتسمى بالبارون فون أوفنباخ، وهو لقب يغلب عليه في كتب التاريخ والقصص؛ وأثار بروعة بذخه ومظاهر طلعة المجتمع الألماني ودهشته كما أثار دهشة المجتمع النمسوي من قبل. ويقدم إلينا المؤرخ الألماني بيتر بير وصفاً روائياً شائقاً لحياة فرنك العجيبة وبذخه المدهش فيقول لنا: (كانت له حاشية من بضع مئين من الفتيان والفتيات اليهود ذوي الحسن الرائع؛ وكان يذاع أن صناديق المال تنهمر عليه في كل يوم ولا سيما من بولونيا، وكان يخرج كل يوم في موكب حافل ليقيم شعائره في العراء، في عربة تجرها جياد مطهمة، ومن حوله عشرة أو اثنا عشر فارساً بروسيا في حلل حمراء خضراء موشاة بالذهب، وقد شهروا الرماح ووضعوا في قلنسواتهم رموزأً من النسور أو الوعول أو أهلة وشموساً وأقماراً؛ وكان الماء يصب دائماً حيثما كان يقيم شعائره؛ وكان يؤم الكنيسة في مثل هذا البذخ، وهنالك يؤدي القداس بطريقة خاصة، وفي خشوع خاص؛ وكان أنصاره يعتقدون فيه الخلود، بيد أنه توفى في سنة ١٧٩١؛ ودفن في بذخ يعدل بذخ حياته، وسار وراء نعشه موكب من ثمانمائة؛ بيد أن سر ثرائه وبذخه دفن معه في قبره؛ وانحدرت أسرته بعد وفاته إلى حالة من البؤس تدنو إلى التسول؛ وعبثاً حاولت تستدر عطف أنصاره أو صدقتهم؛ ولم يمض سوى قليل حتى غمرها النسيان

стр. 11529

والعدم، واضطرت لكي تعيش أن تزاول أعمال الحياة الفانية) هذه في قصة يعقوب فرنك وقصة حياته العجيبة. قصة مغامر ومشعوذ بارع استطاع أن يستغل ظروف عصره، وما كان يسود مجتمع عصره من إيمان وتعلق بالخوارق والأساطير. بيد أنه من الخطأ أن نقف عند هذه الصورة الظاهرة من حياته. ذلك أن حياة فرنك كانت سراً من الأسرار التي لا تنفذ إليها طلعة الكافة، وكان وراء هذه الحياة الفخمة الباذخة ناحية أخرى يغمرها الخفاء المطبق. كل كان فرنك يعمل لنفسه وبوسائله الخاصة أم كان يعمل بوحي قوة خفية أخرى تمده بأسباب البذخ الطائل وتدفعه إلى المجتمع مزودا بتلك المظاهر الرائعة لكي يعمل الرائعة لكي يعمل على بث داعية معينة وتحقيق أغراض معينة؟ وتحقيق أغراض معينة؟ لقد كان العصر الذي ظهر فيه فرنك عصر الخفاء حقاً، وكانت موجة من الخفاء والتعلق بالخوارق والمجهول تغمر مجتمعات أوربا الرفيعة وتملك عليها تفكيرها وأهواءها؛ وفي نفس الوقت الذي ظهر فيه فرنك مسلحاً بأسراره ومظاهره العجيبة، ظهر يوسف بلسامو أو الكونت كاجيلو سترو مسلحاً بمثل هذا الخفاء وأثار دهشة المجتمعات الرفيعة ولا سيما في فرنسا بمظاهره وأعماله العجيبة ومزاعمه الخارقة؛ وظهر في نفس الوقت مغامر آخر من نفس الطراز وإن كان أقل روعة وتأثيراً، وهو الكونت سان جرمان واقتفى أثر زميله في التذرع بالخوارق. ومما يلفت النظر أن الثلاثة كانوا يهوداً؛ وقد كانت اليهودية يومئذ مبعث الحركات والدعوات السرية، وكانت الكابالا اليهودية كما أسلفنا مستقى خصباً للدعاة السريين فيما يعرضون من ضروب الرموز والأساليب السحرية، وكانت حركة البناء الحر (الماسونية) يومئذ تضطرم في جميع أوربا؛ وقد أثبت البحث الحديث أن لحركة البناء الحر أغراضاً خفية غير الأغراض الإنسانية التي تتظاهر بها، وأنها تعمل لغاية ثورية شاملة هي سحق الأديان والمعتقدات القائمة كلها، وإدماج الإنسانية كلها في نوع من التفكير الحر المطلق والمساواة الاجتماعية المطلقة. ويرى بعض الباحثين أن الثورة الفرنسية كانت مؤامرة (ماسونية) ونفثة من نفثات البناء الحر، وأن محافل البناء الحر هي التي نظمت خططها وبرامجها الأولى، بل يرى بعض الباحثين أن الثورة البلشفية الحديثة ليست بعيدة عن تأثير البناء الحر، وأن ما ترمي إليه من إحداث ثورة عالمية يطابق نفسه الغاية التي يعمل لها البناء الحر؛ وقد كان أولئك الدعاة المغامرون

стр. 11530

الذي خلبوا الباب أوربا في القرن الثامن عشر يتصلون بمحافل البناء الحر اتصالاً وثيقاً وإن يكن خفياً. أفليس لنا نعتقد بعد ذلك أن يعقوب فرنك لم يكن مغامراً أفاقاً يعمل لنفسه ولمطامعه الشخصية، وأنه بالعكس كان داعية خطيراً يبعث حركة خطيرة لها صلة بخطط البناء الحر وغاياته؟ وأنه كان يستمد المال الوفير والنصح والحماية من قوة خفية أعظم؟ هذا ما نرجح، وهذا ما يؤيد خفاء حياته وخفاء وسائله ومزاعمه وغاياته، واتشاحه بثوب الدعوة الدينية التي كانت على كر العصور ملاذاً لمختلف الدعوات والغابات. محمد عبد الله عنان

стр. 11531

فلاسفة الإسلام والتوفيق بين الفلسفة والدين للدكتور إبراهيم بيومي مدكور مدرس الفلسفة بكلية الآداب سيداتي، سادتي! أشكر قسم الخدمة العامة بالجامعة الأمريكية على أن هيأ لي فرصة للتحدث إليكم الليلة في موضوع جاف ودقيق؛ ولست أدري هل دقته منشأ جفافه، أم جفافه زاد في دقته وغرابته؛ ومهما يكن فالذي أستطيع أن أؤكده لكم أنكم لستم بصدد موضوع من تلك الموضوعات الطريفة المسلية التي تمر بالمستمع في شوق ورغبة وهدوء وسكون، وقد أعذر من أنذر! على أن لي في سعة صدركم وعظيم انتباهكم ما يشجعني على القول برغم ما يصادفني من صعوبات. وما فكرت في أن أخوض معكم غمار هذه الأحاديث إلا رغبة منى في أن أوجه النظر إلى شطر من الثقافة الإسلامية أهمله أهله وتغافل عنه ذووه. وأعني بهذا الشطر الدراسة العقلية والبحث النظري في الإسلام. للإسلام فلسفة انفردت بخصائصها ومميزاتها وأضحت ذات شخصية مستقلة. فليست مجرد الفلسفة الأرسطية مصوغة في عبارات عربية كما يزعم رينان، ولا فلسفة مدرسة الإسكندرية منسوبة فقط إلى بعض رجال الإسلام كما يدعي دهيم. كلا بل هي فلسفة ذات موضوع خاص ومشاكل معينة وطريقة البحث جديدة إلى حد كبير. هذه الفلسفة مجهولة ومهملة إلى درجة لم تصل إليها فيما أعتقد أية فلسفة أخرى. فرجالها لا يكادون يعرفون، وكتبهم ليست أعظم حظاً منهم؛ ولا يزال قدر منها مخطوطاً إلى اليوم دون أن يفكر أحد في طبعه ونشره. ولو لم يقيض الله لهذا التراث بعض المستشرقين لما عرف عنه شيء وتقي في طي الكتمان إلى الأبد. وما أجدرنا أن نقوم نحن على إحياء مجدنا والإشادة بذكر رجالنا كي يتصل حاضرنا بماضينا ونؤسس نهضتنا على أسس متينة من القديم الحي والجديد النافع قلت أيها السادة إن موضوعنا دقيق، وعنوانه كاف للدلالة على ما فيه من أمور شائكة ومشاكل عويصة. فان الأبحاث الدينية في جملتها مثار اتهامات وتأويلات وشبه لا حصر لها. وقد ساد بلدنا في العشرين سنة الأخيرة روح اتهام خبيثة ترمي بالإلحاد والزندقة والتمرد والكفر كل من حاول تفسير ظاهرة من الظواهر الدينية تفسيراً تاريخياً أو عقلياً.

стр. 11532

لذلك تحاشى كثير من الباحثين هذا الميدان وتجنبوه اتقاء لما فيه من شرر متطاير وعراك ونضال. غير أني أشعر بنسمة من نسمات التسامح الإسلامي القديم تهب علينا من جديد، وألمح في صفوف قادة الرأي والمفكرين اتجاها نحو الحرية وسعة الصدر وطلاقة التفكير. ولا أدل على هذا من خمود تلك النعرة القديمة، نعرة الإباحيين والمستمسكين واللادينيين والدينيين. ويغلب على ظني أنه لو كان تقدم الزمن عشر سنين بكتاب ككتاب (حياة محمد) مثلاً للدكتور هيكل لعد في صف المؤلفات المحاربة المطرودة. أما اليوم فانه مقروء ومرغوب فيه بشكل يدعو إلى الإعجاب والتقدير. وليس هناك شك في أن لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي يداً في هذه النزعة الصالحة والتسامح الجديد. وإذا كانت النفوس اليوم أكثر استعداداً لتفهم مسائل الدين في جو حر طليق فأني لا أرى غضاضة في أن أتحدث عن بعضها. على أني لست في هذا الحديث إلا رسول الأمين والناقل الصادق لما قال به فلاسفتكم الأقدمون. فمهمتي أن أنقل إليكم آراء كبار فلاسفة الإسلام، وأردد بينكم أصواتاً تقادم بها العهد، وأبعث من تحت الرغام أشباحاً طال رقادها، وأبين لكم كيف حاول الفارابي وابن سينا وابن رشد التوفيق بين الفلسفة والدين الدين وحي الله، ولغة السماء وغذاء القلوب، ومصدر الأوامر والنواهي. فكيف نوفق بينه وبين الفلسفة التي هي صنع البشر ولغة الأرض، ومجال الأخذ والرد والبحث والتعليل؟ كيف نوفق بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية، والأولى عمادها الإلهام، والثانية أساسها البرهان؟ كيف نوفق بين السمعيات والعقليات، بين المسلمات واليقينيات؟ كيف نوفق بين أفكار العامة المبنية على البساطة والسهولة، وآراء الخاصة الناتجة عن التفكير الزائد والتأمل العميق؟ مهمة شاقة قطعاً ومحاولة يعز أن تكلل بالنجاح. ولكنها ضرورية لقوم عاشوا في العالم الإسلامي واعتنقوا الإسلام، وكانت دراستهم بل حياتهم كلها خاضعة للجو المحيط بهم، ومتأثرة بمختلف العوامل والظروف التي استولت على عصرهم. فلم ير الفلاسفة المسلمون بداً من محاولة التوفيق بين معتقداتهم وأبحاثهم. وهذه المحاولة هي حجر الزاوية في فلسفتهم وأخص خصائصها، وبها تتميز من الفلسفة الأرسطية وتبدو في ثوبها الفذ المستقل. ففي كل خطوة من خطاهم، وفي كل بحث من أبحاثهم، صوب هؤلاء الفلاسفة نحو هذا الغرض واتجهوا نحو هذه الغاية. وكان لمجهودهم أثر يذكر في انتشار

стр. 11533

الفلسفة ونفوذها إلى صميم الدراسات الإسلامية الأخرى. ويعد الفارابي أول من سلك سبيل هذا التوفيق وأظهره في شكل مهذب منسق. ثم أتى بعده ابن سينا فسار على سنته واهتدى بهديه، ووسع طريقته وكمل ما فاته، إلا أن محاولة التوفيق التي قام بها هذان الفيلسوفان لم ترق لدى الغزالي، فشن عليها الغارة وأثار عليها حرباً شعواء ونقض أصولها وفروعها وأعمل معوله في هدم بنائها الفخم وأركانها المتينة؛ وكتابه تهافت الفلاسفة قائم على انتزاع أحجار هذا البناء الواحد بعد الآخر، وإثبات أن الفلاسفة أساءوا إلى الفلسفة والدين معاً بمحاولتهم التوفيق بينهما. وقد جاء ابن رشد أخيراً مدافعاً عن أسلافه الفلاسفة ومبيناً ما في حجج الغزالي من مغالطة وسفسطة. ولم يمنعه تعصبه الزائد لأرسطو وعنايته الكبيرة بالفلسفة القديمة من أن يقف على هذه المشكلة ثلاثة كتب هامة هي: تهافت التهافت في الرد على الغزالي، وفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ومناهج الأدلة في عقائد الملة. ولا يعنينا كثيراً أن نعرف ما إذا كان هؤلاء الفلاسفة مخلصين في عملهم أو غير مخلصين، فهذه مسألة تتجاوز دائرة بحثنا وتتعلق بأشخاصهم وصلتهم بربهم. وما لنا نتتبع بواطن الناس وقد دلت ظواهرهم على حسن نيتهم؟ ومن لنا بالوقوف على أمر هذه البواطن والله وحده هو الذي يتولاها ويدرك كنهها وخفاياها؟ على أن البحث عن السرائر مقرون غالباً بالشك وإلصاق تهم بأشخاص لم يقم دليل من أقوالهم وأفعالهم على اتهامهم. فلندع هذا جانباً، ولنقنع بأن نقرر أن فلاسفة الإسلام الذين نتحدث عنهم خلفوا كتباً تشهد برغبتهم الأكيدة في التوفيق بين دراستهم وعقائدهم، وفلسفتهم كلها قائمة على هذا الأساس واضح أن التوفيق يستلزم على الأقل جانبين متقابلين وطرفين متنافرين. ومهمة الموفق أن يبعد أسباب الخلاف ويقرب الشقين المتباعدين؛ وهذا ما حاوله الفارابي وابن سينا في ربط الفلسفة بالدين، فقد كان أمامهما من جهة الفلسفة الأرسطية تراث الإغريق وأسمى صورة لما أنتجه العقل الإنساني في ذاك الزمن، كما كانا يعتنقان من جهة أخرى عقائد الإسلام والملة الحنيفية السمحاء التي تدعو إلى تحرير الإنسان من قيوده وتوجيهه نحو البحث والنظر. وفي فلسفة أرسطو نواح لا تلائم أصول الدين، كما أن في الإسلام تعاليم قد لا تتفق ظواهرها والروح الفلسفية؛ فعنى الرجلان بصبغ مذهب أرسطوا بصبغة دينية وكسوة الدين بثياب فلسفية، وبذا أصبحت الفلسفة دينية، والدين فلسفياً؛ أو بعبارة أدق أصبحت

стр. 11534

فلسفتهما ديناً ودينهما فلسفة. وليس في مقدورنا أن نأتي هنا على تفاصيل أوجه التوفيق التي حاولاها، وإنما نكتفي بالمسائل الرئيسية التي أدخلاها في الفلسفة والدين معاً. فنتبين النقط التي خالفا فيها أرسطو والحلول التي عرضناها لبعض المشاكل الدينية. وعلى هذا فأوجه التوفيق تنقسم إلى شعبتين، تتصل إحداهما بالفلسفة والأخرى بالدين، وكأن الموفقين شاءا أن يخطوا بالفلسفة نحو الدين في الوقت الذي قربا فيه الدين من الفلسفة؛ وكأن التصالح بين الطرفين، إن صح هذا التعبير القضائي، تم على تساهل متبادل وتضحية مشتركة. في الفلسفة الأرسطية ثلاث مسائل جوهرية تبعد عن تعاليم الإسلام: الأولى فكرة الإله ومدلولها الصحيح وتحديد صفات البارئ وخصائصه؛ والثانية الصلة بين الله والعالم وبيان ما إذا كانت الحركة والمادة محتاجتين إلى الله أو غير محتاجتين؛ والثالثة النفس وخلودها، نظرية كلامية ميتافيزيقية، وأخرى فلكية طبيعية، وثالثة سيكلوجية. هذه هي النقط الثلاث الهامة التي تباعد بين آراء أرسطوا وما جاء به الإسلام، وفي التعاليم الإسلامية من جانب آخر مشكلتان عظيمتان هما: مشكلة النبوة ومشكلة السمعيات. وقد شغل الفلاسفة بهما وعنوا بتفسيرهما تفسيراً علمياً ينطبق على مبادئ البحث العقلي. وسأعرض عليكم سريعاً أوجه الخلاف هذه وطريق علاجها لم يعن أرسطو عناية خاصة بمعرفة الله، ولم يعتبرها غرضاً رئيسيا لفلسفته، ولم يدخلها في قوانينه الأخلاقية ولا في نظمه السياسية، ويظهر أنه نظر أولاً إلى العالم الحسي وبين أسبابه وعلله دون أن يفكر في قوة خفية تدبره، وبعد أن استكملت الطبيعة وسائلها وانتظمت الأفلاك في سيرها انتهى به المطاف إلى محرك أول أخص خصائصه أنه يحرك غيره ولا يتحرك هو. هذا المحرك الساكن أو المحرك الصوري هو الإله في رأيه، ولا يذكر من صفاته إلا أنه عقل دائم التفكير، وتفكيره منصب على ذاته. فإذا ما طالبته بتفاصيل أكثر وبيان أشمل ألفيت نفسك أمام صمت عميق وسكون مطبق. ذلك لأنه يتحرج عن الكلام في المسائل الدينية، ويعدها فوق مقدور البشر، ويصرح بأن الكائنات الأزلية الباقية وإن تكن رفيعة مقدسة ليست معروفة إلا بقدر ضئيل. وليت أرسطو وقف عند هذا الحد، بل جاوزه إلى ما هو أقبح وأشنع، فإن نظرياته المختلفة تشعر بتردد بين الوحدة والتعدد. حقاً إنه ينادي بالوحدة مردداً قول هومير إنه (ليس حسناً أن يكون هناك سادة

стр. 11535

متعددون) ويلاحظ أن وحدة نظام العالم تستلزم وحدة سببه الغائي، ولكنه يقرر في مقام آخر أن لكل فلك محركا خاصاً لا يختلف كثيراً عن المحرك الأول والإله الأعظم. فالأفلاك وحركاتها تقوده إلى التعدد وإن جهر بالوحدة وبرهن عليها، وبذا لم يستطع التخلص تماماً من التقاليد الإغريقية القديمة التي كانت تعتبر النجوم آلهة. ففكرة الإله عنده غامضة وغير متمشية مع مذهبه، ولا تشغل حيزاً واضحاً في فلسفته، وأراني في غنى عن أن ألاحظ أن هذه الفكرة تختلف كل الاختلاف عن العقيدة الإسلامية. لذلك اضطر الفلاسفة المسلمون أن يبينوا حقيقة الله ويشرحوها شرحاً لا يدع مجالاً للإبهام والشك؛ وقد أثبتوا أن الله هو الموجود الأول والسبب الحقيقي لسائر الموجودات، وأنه منزه عن الشريك والنظير والمثيل والضد، هو الإله الواحد الحي القادر العليم الحكيم السميع البصير. يقول الفارابي: (الموجود الأول هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها وهو بريء من جميع أنحاء النقص. . . فوجوده أفضل الوجود وأقدم الوجود ولا يمكن أن يكون وجود أفضل ولا أقدم من وجوده. . . فهو أزلي دائم الوجود بجوهره وذاته من غير أن يكون به حاجة في أن يكون أزلياً إلى شيء آخر يمد بقاءه، بل هو بجوهره كاف في بقائه ودوام وجوده. . . وهو مباين بجوهره لكل ما سواه ولا يمكن أن يكون الوجود الذي له لشيء آخر سواه). وفي هذا المعنى يقول ابن سينا إن (الأول لا ند له ولا ضد له ولا جنس له ولا فصل له فلا حد له ولا إشارة إليه إلا بصريح العرفان العقلي. وهو معقول الذات قائمها، فهو قيوم بريء عن العلائق والعهد والمواد وغيرها مما يجعل الذات بحال زائدة. وقد علم أن ما هذا حكمه فهو عاقل لذاته معقول لذاته. تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول ووحدانيته وبراءته عن الصمات إلى تأمل لغير نفس الوجود ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله وإن كان ذلك دليلاً عليه، لكن هذا الباب أوثق وأشرف، أي إذا اعتبرنا حال الوجود فشهد به الوجود من حيث هو وجود، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود. وإلى مثل هذا أشير في الكتاب الإلهي: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم). أقول هذا حكم لقوم؛ ثم يقول: (أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟) أقول إن هذا حكم الصدِّيقين الذين يستشهدون به لا عليه)، وقد برهن الفيلسوفان على وحدة الله بطريقة مبتكرة وفي مهارة ولباقة خلابتين، وإذا كان الله واحداً فإنا لا نستطيع أن نتصور له صفات خارج ذاته، بل هو عالم حي سميع

стр. 11536

قادر بذاته. (فليس يحتاج في أن يتعلم إلى ذات أخرى يستفيد بعلمها الفضيلة خارجة عن ذاته، ولا في أن يكون معلوماً إلى ذات أخرى تعلمه، بل هو مكتف بجوهره في أن يَعلم ويُعلم، وليس علمه بذاته شيئاً سوى جوهره، فإنه يعلم وأنه معلوم وأنه علم، كل ذلك ذات واحدة وجوهر واحد) فالفارابي وابن سينا يقولان، كالمعتزلة، بوحدة الذات وبلغيان الصفات الخارجة عنها، وفكرة الإله عندهما أساس الذهب جميعه، وكل المسائل الأخرى متفرعة عنها. وفي هذا ما يبين مسافة الخلف بينهما وبين أستاذهما أرسطو لم يفارق فلاسفة الإسلام أستاذهم في هذه النقطة فحسب، بل انفصلوا عنه في مسألة أخرى هي نتيجة لهذه، ألا وهي الصلة بين الله والعالم. وذلك أن أرسطو وقد قال يقدم المادة والحركة لم يدع لله مكاناً في هذا العالم. نعم إنه يسميه المحرك الأول ومعنى هذا أنه علة فاعلية، ولكنه يعود فيقول إنه محرك ساكن؛ وكل ما هنالك أن العالم يتجه إليه في حركته. فهو غرض وغاية فقط؛ وليس تأثيره في العالم بأكثر من تأثير التمثال الجميل في نفس المعجب به. وإله هذا شأنه يتنافى مع ما يصرح به القرآن من أن الله خالق كل شيء. فلا المادة ولا العالم يتصور لهما وجود بدون الله. والتغيرات الكونية على اختلافها ترجع إلى الخالق المبدع جل شأنه. إزاء هذا التناقض الواضح فجاء الفارابي وابن سينا إلى حل وسط فقالا إن المادة مخلوقة وقديمة. خلقها الله بفيض من عنده أولاً وتعهدها بعنايته ورعايته فيما بعد. وكلمة (فيض) هذه ليست من الكلمات التي تمر بنا دون أن نعيرها أية أهمية فإنها ذات مدلول خاص وأهمية تاريخية. ويراد بها أن الله وهو عقل محض وتفكير مستمر قد صدر عنه العقل الأول كما يصدر الضوء عن الشمس، وعن العقل الأول صدر العقل الثاني وهكذا إلى العقل العاشر. وهذه العقول مرتبة ترتيباً تنازلياً فأسماها العقل الأول وأدناها العقل العاشر. وهي موزعة على الأفلاك المختلفة لتمدها بالحركة وتحقق فيها النظام. ويختص العقل العاشر أو العقل الفعال بالعالم الأرضي وعنه صدرت المادة التي هي مخلوقة وقديمة في آن واحد. يقول الفارابي: (وأول المبدعات عنه شيء واحد بالعدد وهو العقل الأول ويحصل في المبدع الأول الكثرة بالعرض لأنه ممكن الوجود بذاته، واجب الوجود بالأول، ولأنه يعلم ذاته ويعلم الأول. وليست الكثرة التي فيه من الأول لأن إمكان الوجود هو لذاته وله من الأول وجه من الوجود. ويحصل من العقل الأول بأنه

стр. 11537

واجب الوجود وعالم بالأول عقل آخر ولا يكون فيه كثرة إلا بالوجه الذي ذكرناه. ويحصل من ذلك العقل الأول بأنه ممكن الوجود وبأنه يعلم ذاته الفلك الأعلى بمادته وصورته التي هي النفس. والمراد بهذا أن هذين الشيئين يصيران سبب شيئين: أعني الفلك والنفس. ويحصل من العقل الثاني عقل آخر وفلك آخر تحت الفلك الأعلى. وإنما يحصل منه ذلك لأن الكثرة حاصلة فيه بالعرض كما ذكرناه بديا في العقل الأول، وعلى هذا يحصل عقل وفلك من عقل، ونحن لا نعلم كمية هذه العقول والأفلاك إلا على طريق الجملة إلى أن تنتهي العقول الفعالة إلى عقل فعال مجرد من المادة؛ وهنالك يتم عدد الأفلاك؛ وليس حصول هذه العقول بعضها من بعض متسلسلاً بلا نهاية، وهذه العقول مختلفة الأنواع كل واحد منها نوع على حدة، والعقل الأخير منها سبب وجود الأنفس الأرضية من وجه، وسبب الأركان (العناصر) الأربعة بواسطة الأفلاك من وجه آخر)، ويقول ابن سينا كذلك إن (الأول يبدع جوهراً عقليا هو بالحقيقة مبدع ويتوسطه جوهراً عقلياً وجرماً سماوياً. وكذلك عن ذلك الجوهر العقلي حتى تنم الأجرام السماوية وتنتهي إلى جوهر عقلي لا يلزم عنه جرم سماوي. فيجب أن تكون هيولي العالم العنصري لازمة عن العقل الأخير وعلى هذا فالفارابي وابن سينا يثبتان الخلق الذي جاء به القرآن وإن كانا يصورانه بصورة عقلية روحية، ويسلمان مع أرسطو بقدم العالم وإن اعترفا بمبدئه (يتبع) إبراهيم مدكور

стр. 11538

التاريخ في سير أبطاله ٣ - ميرابو ميرابو. . . تلك الأعجوبة! جوته للأستاذ محمود الخفيف تتمة صارت الغلبة للشعب، فلقد وقف ميرابو وقفة حاسمة كان في الثورة كما رأينا نجاتها؛ وليت شعري هل يحمل عمله هذا على الهدم أم هو يحمل على البناء؟ أتراه يوجه السفينة إلى حيث لا عاصم لها من الموج، أم تراه يجنبها الصخرة المعترضة؟ أدر الدفة يا ربانها! لكن الربان اليوم يزجيها ويستحثها! أكان عن طيش ذلك أم عن خبل؟ كلا فأنى لليطش أو الخبل أن يبلغا هذا الرأس الأشم؟ أولم ير الأشراف يأتمرون بالثورة ويرى الملك يتنمر بغتة ويهم أن يأتها من مقتلها؟ إنه يعرف ما يفعل يدرك متى يتخذ الهجوم سلاحاً ومتى يجعل من الصبر مثابة وأمنا. وإنك لتراه يجمع في ذلك إلى إقدام القائد حنكة السياسي أكبرته باريس وكانت قد أعجبت بما قرأت له في صحيفته التي كان يصدرها دفاعاً عن آرائه، واليوم تخلص له الحب، ولو كان للرجل يومئذ مآرب خاصة كما تقول عنه خصومه لكان له من تلك الشهرة أعظم فرصة، ولكنه وقف من باريس موقف الحذر الفطن، إذ كان يخشى أن تنقلب الثورة من مظهرها الدستوري إلى مظهر دموي هو عنده الطامة الكبرى ولكنه إذ يعمل على تفادي الخطر من ناحية الشعب لم يكن يأمن جانب البلاط، ولم ير في إذعان الملك وحمله السادة الممتازين على مجالسة العامة إلا سكون المتحفز الذي يتربص بالجمعية الدوائر ليضربها الضربة القاضية ولم تلبث الحوادث أن أيدت ما رأى، فقد طافت شائعات السوء بالجمعية ثم أيقنت أن الملك يحشد حول باريس وفرساي من جنده نحو أربعين ألفاً، وأنه موشك أن يعود إلى سالف موقفه منها وهو اليوم بهؤلاء الجند أشد بطشاً وأعظم حولاً، ولقد أنكر ميرابو هذه السياسة المذبذبة من لدن ذلك الملك الذي كان بسياسته يوقظ لفتنة ويحركها؛ وتساءل في دهشة وفي

стр. 11539

قوة حجة: (إذا كان الملك يريد أن ينفرد بالأمر دوننا فلم دعانا إليه؟ وإذا كان قد دعانا لحاجة إلينا فكيف يسوغ له أن يشهر السلاح في وجوهنا)؟ وتطلعت الجمعية إلى رجلها من جديد وانتظرت باريس منه القول الفصل، ووثب ديموستين الفرنسي مرة ثانية إلى الصدر فهز جنبات القاعة بل جوانب فرنسا بخطاب من أبلغ ما فاه به. ثم أراد أن يأخذ الطريق على من يكيدون للجمعية بالدس فاقترح أن ترسل وفداً إلى الملك يعلن له ولاءها ويرجوه أن يسحب الجند من حول باريس. ولقد جعلت الجمعية ميرابو على رأس ذلك الوفد؛ فلما جاء الملك أجاب متهكما: (إنه وحده الذي يحرك جنده كما يريد، وإذا كان النواب يخافون هؤلاء الجند فلينسحبوا إلى ما وراء باريس؛ وبعد ذلك بيومين عزل (نكر) من الوزارة يوم ١١ يوليو سنة ١٧٨٩ أدرك ميرابو أن الكارثة واقعة لا محالة. ولم تنقض ثلاثة أيام على عزل نكر حتى حملت باريس السلاح ودكت ذلك الحصن العتيد سجن الباستيل رمز الطغيان والعبودية دخلت الثورة في دورها الدموي الرهيب؛ ولقد ذعرت الجمعية وخشيت أن تقع الحرب الأهلية فتقضي على الثورة والجمعية معاً؛ وكان رجلها غائباً عنها لما علم من وفاة أبيه. فلما عاد عاودها الأمل وأوفدت وفداً جديداً يعيد على الملك ملتمس الجمعية، ووقف ميرابو ينصحه قائلا: (بلغوا الملك أن جنوده الذين أحاطوا بنا من كل صوب قد غمرتهم أيدي أمرائه وأميراته ورجال حاشيته بالهدايا والتحف. وأن هؤلاء الجند وقد بهرهم بريق الذهب ولعبت برؤوسه الخمر باتوا يتغنون بسحق فرنسا وكل ذلك في اليوم السالف لليلة سان بارنلميو) ولكن هاهو ذا رسول من قبل الملك ينبئ الجمعية بأنه في الطريق إليها، وهاهو ذا ميرابو ينصح إليها أن تلاقيه جادة صامتة معلنة حدادها على من قتلوا في باريس قائلا: (إن في صمت الشعوب درساً للملوك) وجاء الملك يستعين بالجمعية على تهدئة الحال في باريس ثم يدخلها في رهط من النواب معلناً رضاءه عما اتخذته بعد سقوط الباستيل! ويسحب الجند منها ومن فرساي! وكانت باريس بعد أن أعلنت غضبتها قد سيطرت على الموقف فألفت الحرس الوطني وجعلت رياسته للافيات وانتخبت بابي عمدة لها وأسست كثيراً من الصحف والنوادي

стр. 11540

الثورية أدر الدفة يا ربانها! لقد أحدق الخطر بها، فالربان مشفق يرقب مجراها وهو أشد حذرا وأكثر تشاؤما. لقد وقع ما كان يخشاه وجرت الدماء في باريس، وطاف شبح الفوضى بالأقاليم، وبات الشعب في سكرة النصر يتوعد ويتوثب، والملك لا يزال ألعوبة في يد بطانته وعلى الأخص في امرأته، والمهاجرون من الأشراف يؤلبون أوربا على الثورة، وغول الخراب المالي يطالع البلاد من كل ناحية ولكن الربان وسط العاصفة لا يعرف اليأس سبيلا إلى قلبه. زار باريس فهبت تزاحم مهرجانه باريس، وطاف بخرائب الباستيل يشهد مصرع الظلم فامتلأت عربته بالزهور، ورأى الحرية الحمراء تعلن عن نفسها في أجواء المدينة راقصة صادحة، فهل أطربه ما سمع وما رأى؟ كلا بل أمضه ذلك وأزعجه زادت الحوادث مهمته صعوبة ولكنها لم تفل من عزمه، ولعله كان يأمل أن يجد في اشتداد الأزمة مخرجا من الأزمة! وإن بدا ذلك متناقضا. كان يرجو أن يكف أعوان الملك من غلوائهم، ويصالحوا على الثورة نفوسهم، ولكنه ما لبث أن عرف أنهم لا يزالون يبيتون لها وهم بذلك يرسمون طريقهم إلى الهاوية ويجرون معهم ملكهم المسكين. ومن له بأن يدرك هؤلاء عاقبة طيشهم؟ يا لله! ألم يأن للذين استذلتهم شهواتهم وحطهم كبرياؤهم أن يفيقوا من غمرتهم؟ ما بال فرساي تتحدى في أشخاصهم باريس؟ ما بال أوانس البلاط وفرسانه تخف أحلامهم فيهينون في حفل بهيج يقيمونه لفرقة سويسرية من فرق الحرس الملكي شعار الثورة ويسخرون من مبادئها؟ يا ويحهم! ألم يكفهم ما باتوا فيه يتقلبون من نعمة، فهم ضاحكون ممن يبيتون على الطوى ويفيقون على الوساوس والأوهام؟ ولكن باريس ترسل إلى أختها رهطا من نسائها وغوغائها، فإذا الملك وحاشيته رهائن عندها يتخذ على الرغم منه من التويلري سجنا له! أدر الدفة يا ربانها! لكنها جمحت اليوم والتوت عليه. وأنى للجمعية أن تقنع بما كانت تقنع به بالأمس؟ لقد صارت الكلمة لعامة باريس وأندية باريس وصحف باريس! وإن المرء ليتساءل لم يخاف ميرابو كل ذلك الخوف من خطوات الشعب وانتصاراته؟ والجواب على ذلك يسير، فقد كان يرى في خطة الشعب ما يباعد بينه وبين الملكية وما

стр. 11541

يحمل الملك وبطانته على الجد للقضاء على الثورة وهو لا يرى لها نجاحاً إلا في التوفيق بين القوتين، هذا إلى ما كان يخشاه من احتمال تدخل أصحاب العروش لحماية عرش فرنسا إذ كان المهاجرون لا يفتأون يوقعون بينهم وبين شعبهم العداوة والبغضاء، وأهم من ذلك كله فقد راحت الجمعية تعلن حقوق الإنسان وتثير عقيم الجدل حول الدستور، دون أن تتناول مشاكل البلاد الأساسية بالحل. فلقد ظلت الحالة المالية على ما هي عليه إن لم تكن ازدادت سوءا، وتعقد الموقف السياسي بين فرنسا وإنجلترا والنمسا، ومما ضاعف حرج الموقف أن الجمعية رأت ألا تجعل للملك سلطة فعلية في الاعتراض على القوانين، وفي إعلان الحرب والسلم، ولقد هال ذلك ميرابو فقال يوماً لصديقه لامارك: (إن البلاد مقدمة على أشد ضروب الفوضى، وما لم تتدارك الملكية فالفناء مصيرها حتما، ويوم يحيق بها الفناء وتضرب الفوضى بجرانها يساق الشعب إلى الرضى بالاستبداد المطلق، إذ يكون المستبد في تلك الحال في نظره هو المنقذ المصلح). وإنك لتراه بهذا كأنما يرى المستقبل ويصف لك مذابح سبتمبر وعهد الإرهاب وديكتاتورية روبسبير مما يدل على لقانة مدهشة! وقف في الجمعية وكانت قد انتخبته رئيساً لها يدافع في عزم وقوة عن حق الملك في الاعتراض على القوانين، داعياً بكل ما في وسعه إلى تقرير مبدأ الملكية الدستورية؛ ولا تسل عما كان يبذله من جهد أعانته عليه قوة بدنه، وعما كان يعرض من آراء أوحت بها إليه دقة فهمه، وبعد نظره، وصدق تجربته؛ وهو في هذا الموقف الذي يؤود حمله الجبابرة لا يغفل شؤون وطنه فيفاوض (بت) في إنجلترا، ويتلمس حلا لإرضاء النمسا، ويلقي على الجمعية البيانات المسهبة في المشكلة المالية، ويلفت إليها أصحاب الرأي. وجملة القول أنك تراه يعمل عمل رئيس حكومة، وإن لم يكن له مركزه، حتى لقد وصفه كاي ديمولان بطل الهجوم على الباستيل بأنه (قنصل أكثر منه رئيس جمعية دستورية) ألا ترى في ذلك الإخلاص كأروع ما يكون الإخلاص، وتلمس فيه الرجولة كأقوى ما تكون فيه الرجولة؟ ألا ترى كيف ينسى الرجل نفسه، ولا يذكر إلا وطنه؟ ولكن الجمعية وا أسفاه قد خذلته حين كان ينتظر منها العون. وظلمته حيث كان يطلب إليها الإنصاف! أخذ الشك في نياته يتسرب إلى نفوس النواب، والشك إذا تملك النفس يعمي ويصم، وليس مثله داء يبدل عرف الناس نكرا، ويجعل نهارهم ليلا، ويلبس الحق بينهم بالباطل. أنظر

стр. 11542

إلى هؤلاء النواب كيف يرون في رجلهم اليوم رجل الأمس، تخيفهم طويته وإن أعجبتهم حجته، أو تريبهم حماسته وأن هزتهم فصاحته، وتدفعهم إلى معارضته بديهته وإن أنقذتهم يقظته! ولكن أخيل الثورة لم تلن قناته وإن جاء غمزها ممن يعمل لهم، ولم تنفك عنه عبقريته وإن التوت عليه الأمور أو كادت؛ وظل يبسط آراءه للناس وينذرهم أن الثورة تقتل نفسها إن جرد الملك من سلطانه وجعل التشريع والتنفيذ جميعاً للشعب. وكان قد أدرك يومئذ أن الملك بعد أن صار رهينة في باريس، وبعد أن ترامى إلى سمعه وسمع حاشيته ما يريد العامة بنفوذه، وما تقول الصحف عنه، لابد أن يفكر في الالتجاء إلى أعداء البلاد، وما لبث ميرابو أن تحقق من ذلك، إذ علم أن المفاوضات كانت جارية بين البلاط الفرنسي والبلاط النمسوي؛ ومعنى هذا أن الحرب عما قريب ستكون كبرى مصائب البلاد! وفي هذا الجهد الذي يبذله ميرابو دليل على مقدرة فائقة في السياسة تزيد إعجابنا بهذا الرجل، ويدحض فرية من يصفون أعماله بالهدم، وتسخر ممن يذكرونه فيجرؤن على تسميته كبير الغوغاء! على أن لكل عظيم حساده وأعداءه، كما أن له مناصريه وأصفياءه. وليست الحنكة السياسية فحسب ما ينطوي عليه موقف ميرابو، بل إن المرء ليعجب ببسالته، حين يواجه الثوار بتلك الآراء وحين يترفع عن تملق الشعب واسترضائه، وحين يجعل الإخلاص لما يرى أنه الحق فوق العواطف والأهواء الشعبية، ولو لم يكن له غير ذلك من المآثر والصفات، لعد بذلك الخلق وحده عظيما من العظماء! يئس ميرابو من النواب ولكنه لم ييئس من نفسه وسنراه اليوم يخطو خطوة جعلها خصومه كبرى خطيئاته، وأود لو أجعلها كالعنوان من حسناته لولا ما أحاط بها من ظروف وما اكتنفها من ظنون، بل وما لحق بها من عيوب! كان طبيعياً أن يلجأ إلى الملكية بعد أن أعياه صرف الشعب عن غيه، وبعد أن حيل بينه وبين منصب رسمي يستعين فيه بالقوة على تنفيذ سياسته. ولو أن نواب الجمعية أدركوا حقاً مصلحة وطنهم لعلموا أن هذا الرجل كان يومئذ خير من يضطلع بأعباء الحكم. ولكنه حين اقترح عليهم السعي إلى استبدال الوزارة القائمة بوزارة قوية بادروا إلى إصدار قرار يحرم الوزارة على كل عضو من أعضاء الجمعية، وما كان المقصود بهذا القرار سوى ميرابو وحده!

стр. 11543

ولقد ثارت ثائرته لهذا القرار، فلم يتمالك أن صاح بالنواب قائلا: (سوف تذرفون الدمع دماً على ما تفعلون). وندم ميرابو أشد الندم أو قل أسف أشد الأسف على أن لم يكن بباريس عقب سقوط الباستيل، إذ لولا غيابه عنها لتشييع رفات والده لانتخب عمدة لها بدل باي، ولقد كان هذا المنصب يمكنه من صد تيار العنف أو على الأقل يمهد له سبيل الاتصال بالملك. وهل كان في تطلع ميرابو إلى الحكم ما يشينه؟ كلا بل إن في ذلك ما يزيدنا احتراماً له وتقديراً لسياسته مادام الحكم إحدى وسائله إلى تنفيذ غرض يعتقد حقاً في صلاحيته، فضلا عن دفعه به خطراً يكاد يجتاح البلاد. وإن أعجب فعجب عد ذلك من نقائصه أو من نقائص أي زعيم في مثل موقفه يرى في الحكم طريقا إلى الخلاص! إن النقيصة كل النقيصة ألا يسعى الزعيم في تلك الحيلة ما وسعه السعي للوصول إلى الحكم خطا ميرابو خطوته نحو الملكية ووسط صديقه لامارك لدى البلاط، وأخيراً قبل الملك أن يستعين بآرائه، وصار ميرابو منذ مايو سنة ١٧٩٠ المستشار السري للملك! وهنا يأبى سلوكه الخاص إلا أن يختلط بسياسته العامة فيلحق بها كثيراً من الشوائب أطلق الناس فيما بعد من أجلها ألسنتهم فيه بكل فاحش من القول وباطل من الاتهام. وبيان ذلك أن ميرابو وقد غرق في الدين من أخمصيه إلى قمة رأسه بسبب تبذيره من ناحية وبسبب انشغاله بشؤون وطنه عن شؤونه الخاصة من ناحية أخرى، قد قبل أن يدفع عنه الملك ديونه وأن يجعل له أول كل شهر ستين ألفاً من الفرنكات أيفسر عمله هذا بالخيانة؟ ويعتبر قبوله المال رشوة؟ هل غير خطته فمالأ الملك على حساب أمته في نظير ما أخذ من مال؟ كلا! بل لقد ظل أميناً لمبدئه وفياً لوطنه، إذاً فمن الظلم أن يفسر عمله بالخيانة، ومن الإسراف أن نعتبر قبوله المال رشوة، بيد أني وإن نفيت الخيانة والرشوة عنه وشايعت من يعتبرون هذا المال مكافأة له على خدماته، لا يسعني إلا أن أقرر أنه ليؤلمني أن يلجأ من كان له مثل عظمته وبسالته إلى العمل في الخفاء مهما كان من نقاء طويته ومهما جر ذلك من غضب الشعب عليه، كذلك ما كان لزعيم أن يبيع خدماته بالمال ولو عدم قوت يومه أخذ ميرابو يقدم التقارير للملك، كما أخذ يدافع بكل ما في نفسه من قوة عن مبدأ الملكية

стр. 11544

الدستورية، ولكن الجمعية أوشكت أن تتم الدستور في سبتمبر وجعلت حق الملك في الاعتراض على القوانين حقاً معلقاً، ولم يسع الملك سوى الإذعان، فلقد أصبحت باريس قوة خطيرة وظهر اليعاقبة أبطال الإرهاب فيما بعد واستهان الناس بالملكية واجترأت عليها الصحف والأندية على أن الأمر قد أصبح اليوم أعظم خطراً من الدستور وما يتعلق بالدستور. فلقد يئس الملك من الثورة وما تدعوا إليه ويئس أصحاب الثورة من الملكية وما تحافظ عليه، ولذلك لم يكن عجباً أن يلجأ الملك إلى أعداء فرنسا، وأن يلجأ الثوار إلى الاستعداد واليقظة حتى لقد عول الملك على الهرب سراً! وكان ميرابو الرجل الوحيد الذي لم يأخذه دوار الزوبعة فألم بالموقف من شتى نواحيه، وتمثلت لعينه الساهرة تلك الهوة السحيقة التي أوشكت أن تتردى فيها البلاد، فتلفت حوله عله يصيب من يعينه، فهذا موقف يتطلب معونة الرجال، ولكن بصره وا أسفاه ارتد إليه خائباً، فلقد أبى سوء طالعه، أو على الأصح سوء طالع فرنسا إلا أن تحرم من خبرة الرجل الوحيد الذي كان يستطيع خدمتها، إذ أحيط بالريبة من جميع الجهات. تطلع إلى الملكة وكان يقول: (إنها الرجل الوحيد في حاشية الملك)، ولكن الملكة لم ترى فيه سوى صعلوك يتكلف خلال العظماء على حساب الظروف، وتطلع صوب الملك، ولكن الملك ما وثق به يوماً وما كان يرى فيه إلا خصما يظهر عكس ما يبطن، ولذلك اتقى شره فاشتراه بماله واحتمى خلفها. كتب شاتوبريان بعد الثورة يقول: (كانت المأساة الحقيقية أن الملك في أحرج أيامه لم يثق في هذا الرجل، وما كان يضره أن جاء ذلك متأخراً. وما كان يضره أن يعمل بنصائحه أو أن يتقبلها قبولاً حسناً ولو في ظاهر الأمر، وأي مأساة لعمري أفظع من أن تهيئ الأقدار رجلاً مثل هذا، وفي مثل هاتيك الظروف فلا ينتفع به؟! على أنه وقد أعوزه الرجال قد اهتدى إلى رجل واحد، وذلك هو شخصه، هو نفسه، فأطلع الملك على جلية الأمر ذاكراً له أن الهرب معناه التنازل عن العرش وضياع حقه فيه، وما على مولاه سوى أن يخرج في جيشه إلى مدينة غير باريس فيتحاكم إلى شعبه طالباً إنصافه ومعونته معلناً رضاءه عن مبادئ الحرية والمساواة، ولو فعل لانتصف له الشعب، ولكنه لم يفعل وما كان مثله ليستطيع ذلك، وليس من يفكر في الهرب بقادر على أن يواجه الحقائق

стр. 11545

ولكن هل يدنو اليأس من ميرابو؟ كلا. فما كان ليزداد على الشدة إلا مضاء وعزماً، فوقف كالطود يتلقى عن البلاد السهام ويطرد عنها شبح الحرب، ويجد في إنقاذها من الجوع، ويسعى في التقريب بين الملك والثورة، يواصل العمل طيلة يومه وشطرا من ليله حتى لقد قال عنه كاي ديمولان: (لقد كان يوم هذا الرجل بعشرة أيام من عمر غيره) ولكن الموقف ازداد سوءا على سوء حين وقفت الجمعية موقفها من رجال الدين وأعلنت الدستور المدني للكنيسة بحيث صار منصب الأكليروس بالانتخاب على أن تدفع لهم الحكومة أجرا ويستولي على أراضي الكنيسة وعشورها مما أغضب البابا وأزعج الملك فأعلن اعتراضه على قرارات الجمعية، ولكن أنى للجمعية أن تفرض له اليوم وجودا؟ لقد أجابت على عمله بأن من لا يقسم اليمين على احترام ذلك الدستور جزاؤه الطرد أدر الدفة يا ربانها! لكن الأيدي تتكالب اليوم عليها والريح جانحة عاتية. والربان يغالب المرض ويتحامل على أعصابه، بل ويستمهل الموت. ما باله يدخل الجمعية في مارس سنة ١٧٩١ مصفوراً مضعوفاً على خلاف عادته، ما باله يكتنز كل يوم وما بال بريق عينيه يتضاءل لولا ما يشع فيهما من يقين وعزيمة؟ ترفق أيها الموت بالربان! إنه رجل أمة بل إنه أمة في رجل! يا لقسوة القدر! ولكن أنى لجسم مهما كانت قوته أن يطيق مثل ذلك المنصب؟ وحسبك أن تعلم أنه خر مغشياً عليه في أواخر مارس وهو في طريقه إلى الجمعية ولكنه على الرغم من ذلك وصل إليها وألقى خطاباً مطولا. لا. إنه يسر إلى صديق من أصدقائه أنه يموت! وفي أوائل أبريل في أشد ما تكون الحاجة إليه يرقد هذا الطود الأشم، ويحيط الناس بمنزله من جميع الطبقات والهيئات، والأطباء يصدرون تقاريره مرة كل ثلاث ساعات، والملك يستفسر في السر مرات وفي العلن مرات، والأندية تستنبئ عنه بلا انقطاع، والشعب يعلق أنفاسه في انتظار ما يطمئنه وقد غشيه من الهم ما غشيه والرجل عظيم في الموت كما كان عظيما في الحياة، يقول لصديق يستند له رأسه: (ليتني أعيرك هذا الرأس) ويسمع صوت المدفع فيقول: (أهكذا يحتفى بدفني كأخبل) ويتذكر الملكية فيقول والأسف يمزق نياط قلبه: (إني أحمل معي الملكية إلى القبر) ويفيق الناس من غشيتهم على الخبر الفاجع، فتفيض عيون وتدمى قلوب، ويخرج شعب بأسره يشيع

стр. 11546

جثمان رجله، وتقضي العاصمة أياماً في حدادها، ويجهش أشداء الرجال بالبكاء في طرقات الجمعية وفي ردهات البلاط، ثم. . . ثم تسير السفينة بلا ربان! إنه فرد ينقص من البلاد، ولكن فرنسا يزعجها ويهولها ما ترك وراءه من فراغ، ولم تلبث الكوارث أن داهمتها من كل صوب، فلقد فر الملك وألقي القبض عليه عند الحدود، ثم وقف عن عمله، واندلعت فرنسا في طريقها إلى الحرب، ثم إلى إعدام الملك، ثم إلى المذابح الأهلية وعهد الإرهاب! ولو عاش ميرابو عاماً واحداً لتغير تاريخها، بل وتاريخ العالم؛ ولكن للقدر أحكاما مباغتة هي التي تصنع التاريخ! الخفيف

стр. 11547

٢ - التعليم والحالة الاجتماعية في مصر للأستاذ إسماعيل مظهر أظهرت في المقال السابق الوجوه التي تربط بين التعليم والحالة الاجتماعية، وعددت كثيراً من التأملات التاريخية التي قد يكون لها اتصال كبير أو صغير بالحالات الجديدة التي تكتنفنا، غير أن الاقتصار على تعديد وجوه الارتباط بين التعليم والحالة الاجتماعية، والقول بأن التعليم يجب أن يتجه اتجاهاً اجتماعيا، أمر يجب أن يعزز بإظهار المخاطر الشديدة التي يتعرض إليها كياننا الاجتماعي من جراء الفصل بين سياسة التعليم، وبين ملابساتها الاجتماعية ولقد ظهر في العهد الأخير أن القائمين بأمر التعليم قد اضطروا في مواقف عديدة أن يتجهوا إلى معالجة بعض الأمور علاجاً قائماً بعض الشيء على طبيعة الحالات الاجتماعية. وإني لآسف إذ أقول إنهم لم ينجحوا فيما قصدوا إليه. وليس السبب براجع إلى قصور منهم، أو تقصير عن أداء واجباتهم كاملة، وإنما يرجع في الحقيقة إلى أن سياسة التعليم الحاضرة لا تواتيهم بكل الأسباب الضرورية التي تمكنهم من تنفيذ برامج تتفق وما تتطلب الحالة الاجتماعية من صنوف العلاج. ولا أريد أن أعدد هنا حالات بذاتها، وإنما أريد أن أبحث في مجمل الظواهر التي تترتب على الفصل بين سياسة التعليم والملابسات الاجتماعية، قدر ما تتيح لي تجاربي القليلة كتب الفيلسوف هربرت سبنسر في أواخر القرن الفارط مقالاً عنوانه (الكائن الاجتماعي) شبه فيه بنية الاجتماع الإنساني بكائن متغضن، وأخذ يقيس الظواهر المتقابلة فيهما ويوازن بين حالات خاصة في جسم الفرد وجسم المجتمع. ولا شك في أن هذا الفيلسوف الكبير قد غفل عن أمر ذي بال جعل بحثه هذا محتاجاً إلى كثير من التحوير، بل لا نبالغ إذا قلنا إن غفلته عن ذلك الأمر قد أثرت في النتائج التي حاول الوصول إليها فجاءت مفككة غير موصولة ولا مؤدية إلى فكرة محدودة ينتهي إليها البحث. ذلك بأن بين الحي والكائن الاجتماعي فروقاً رئيسية تميز بينهما تميزاً لا يقف عند حد الظواهر، وإنما يتعدى إلى التكوين الوظيفي فيهما. وقد يعلم الذين يدرسون علوم الأحياء أن الحي يتكون من خلايا دقيقة هي وحدات بسيطة التركيب تحتوي على نواة هي سر الحياة فيها. ولكن اجتماع هذه

стр. 11548

الوحدات البسيطة التركيب ينتج حياً عويص التركيب معقد التكوين جهد ما نتخيل. ذلك في حين أن الكائن الاجتماعي إنما هو كلٌ بسيط التكوين يتركب من وحدات غاية التعقيد وعلى معرفتك هذا الفرق الوظيفي، يتوقف وصولك إلى النتائج الصحيحة. فالخلايا لا قوام لها ولا حياة بغير اندماجها في بينية الكل الحي. أما الوحدات (الذوات العاقلة) التي يتركب منها الكائن الاجتماعي، فكلما كانت أكثر استقلالا عن ذلك الكائن برز أثرها وتميزت وظيفتها واستبانت قيمتها ورجل فرعها وأصبحت قوة قادرة على التأثير في الكائن الاجتماعي بما يحفظ عليه حياته الاجتماعية ويحركه نحو الرقي الاجتماعي ويبث فيه روح التطلع إلى الارتقاء المدني، وبالجملة على جعله كائناً اجتماعياً معتزاً بأثره العملي في الحياة ذلك على الضد مما لو اندمجت هذه الوحدات العاقلة في بنية الكائن الاجتماعي. فإنها إذ ذاك تفقد استقلالها وقوتها على التأثير بالعمل على رقي الجماعة، لأن اندماجها هذا إنما يسلبها القدرة على التفكير والتأمل في حقائق الأشياء، ويفقدها أخلاقها الشخصية، وبوجه عام يدمجها في ما يسميه الاجتماعيون (عقلية الجماهير) هذه حقيقة أولية، على ما فيها من تعقيد وحاجة إلى فهم، من الضروري أن نعيها وأن نجعلها نصب أعيننا كلما فكرنا في وظيفة التعليم باعتباره عاملاً من عوامل استقرار الحالات الاجتماعية في كل أمة من الأمم. أما وقد وعيناها فإنا نتساءل: أيفي التعليم عندنا بإخراج رجال فيهم من الاستقلال الخلقي والعلمي ما يجعلهم في المستقبل قوى مؤثرة في الكائن الاجتماعي، أم على العكس من ذلك يخرج رجالاً قُسّعاً يكتفون من الحياة بالاندماج في جسم الكائن الاجتماعي، فيظلون طوال أعمارهم مغمورين في عقلية الجماهير؟ وإني لآسف إذ أقول إن تعليمنا بعيد عن أن يخرج رجالاً مستقلين على النمط الذي تتطلبه طبيعة الحالات الاجتماعية الجديدة التي أخذت تشعرنا بانا مقدمون على انقلابات فكرية خطيرة. إذن فواجب التعليم ينبغي أن ينحصر في إخراج رجال مستقلين بعيدين عن التأثر بروح الجماهير. وتكوين استقلال الفرد يجب أن يكون بداءة التعليم ونهايته. أما العمل على شحن العقول بشتى المعلومات العلمية وتكوين ملكات خاصة في الأدب والفن، فلن يكون لها من أثر في الحياة، ولن تقوم من عوج الكائن الاجتماعي ما لم يسبقها الاستقلال الذاتي وتدريب الملكات الخاصة على مماشاة ما تتطلبه مقتضيات ذلك الاستقلال

стр. 11549

ولقد أظهرنا في المقال السابق أن ابن الفلاح أكثر استقلالا من الناحية العملية من المتعلم الذي فقد استقلاله الذاتي بحكم الظروف التي نشأ محاطاً بها. غير أن استقلال الفلاح العامل استقلال ناقص، إذ هو استقلال أشبه بالاستقلال الحيواني منه بالاستقلال الإنساني، ذلك بأن عدته في هذا الاستقلال تقوم على قوة عضلاته وعلى صبره واحتماله ورضاه بمحيطه الذي يعيش مكتنفاً به. وعامة ذا ليس فيه شيء من مؤهلات الاستقلال الإنساني، وإنما هو استقلال يشارك فيه الفلاح كثيراً من الحيوانات. وعلى ذلك نجد أن ما عندنا من مكملات الاستقلال الفردي عند الفلاح تنقصه الناحية الثقافية التي تمكنه من أن يصبح ذا أثر عملي في تكييف حالات الكائن الاجتماعي. ولكن هذا الاستقلال مهما كان فيه من ضروب النقص فهو استقلال على كل حال. أما المتعلم المتعطل فحالته تناقض هذه الحال. فان تعليمه لم يمكنه من أن يكون مستقلا من ناحية الثقافة، في حين أن نشأته ومحيطه قد سلباه ناحية الاستقلال الأخرى أما الأسلوب الذي يجب أن يتنحى في التعليم حتى يكون أداة صالحة لتخريج رجال مستقلين ذوي أثر في تكييف حالات الكائن الاجتماعي، فسنفرد له بحثاً خاصاً. وسنقصر كلامنا الآن على المخاطر التي يتعرض لها كياننا الاجتماعي من وجود فلاحين استقلوا حيوانياً، ومتعلمين فقدوا كل ضروب الاستقلال على الرغم من أن الأخطار التي يتعرض لها مجتمع تناحرت عليه كل هذه الظواهر كثيرة متعددة، فأن أعظم هذه الأخطار وأشدها أثراً في مستقبله، إنما ينحصر في حدوث ما يدعوه الاجتماعيون (التطفل الاجتماعي). والتطفل الاجتماعي حالة ترهق فيها طبقات غير عاملة طبقات عاملة بمطلوبات حياتها. ولهذا التطفل مظاهر عديدة أخبثها أن تكون الطبقة المتطفلة هي بذاتها صاحبة السلطة العليا في المجتمع، كما حدث في أوروبا في خلال القرون الوسطى، وكما هي الحال في كثير من ممالك الشرق في حالته الحاضرة. والويل لمجتمع تسود فيه هذه الحال التطفل حالة طبيعية لا سبيل إلى نكرانها. فهنالك حيوانات تتطفل على نباتات، ونباتات تتطفل على حيوانات. وقد يتطفل حيوان على حيوان، أو نبات على نبات. فهو ظاهرة تكاد تشتمل كل نواحي العالم الحي، وتحتكم في الكثير من مظاهره الجلي. غير أن نظرة واحدة

стр. 11550

في هذه الحقيقة الطبيعية تظهرك على أن التطفل حيثما كان وأنى كانت وسائله ومظاهره، لن ينتج إلا هدماً في الحياة، ولن يبرز إلا فسادا، ولن يؤدي إلا إلى إرهاق شامل في القوى الحيوية تختلف درجاته ومظاهره ونتائجه باختلاف الظروف. وقلما يستطيع عالم طبيعي أن يخص تلك الظروف التي يتجلى فيها فعل التطفل في عالم الأحياء، فان ذلك من الأشياء التي يستعصي على العلم تعديد مظاهرها عامة وخاصة، وفعل كل متطفل في مختلف الظروف، على كل متطفل عليه في متباين الحالات. وإنما يستطيع الإحيائي أن يدرس ظواهر التطفل في حالات يقف عليها، وأن يدرس أثر الحي المتطفل في بنية الحي المتطفل عليه، محصياً في كثير من الحالات أوجه العلاقة بينهما وتأثير دورة حياة الحي المتطفل في حاضنه ولن يعدو العالم الاجتماعي هذه الحال عينها. فليس في مستطاعه أن يحصي أوجه التطفل الاجتماعي في مجتمع بعينه، ولا يدرس الحالات درس توفر على دقائقها وتدرجاتها التي تكفل له الوصول إلى نتائج مقطوع بصحتها قطعاً تاماً. والعلم الاجتماعي أضعف وسائل من العالم الطبيعي. فان هذا بين جدران معمله، يستطيع أن يحصر الحالات ويحدد الظواهر، في حين أن زميله الاجتماعي إنما يتأمل من حالات عامة غير محصورة ولا محددة تحديداً يجعل الحكم القاطع على أصولها وظواهر أمراً سهلا هيناً. غير أن هذا كله لن يحول بين الباحث الاجتماعي وبين تبين الحالات الكلية التي يتخذ درس مظاهر التطفل الاجتماعي وسيلة إلى اكتناهها. من الحالات الكلية في التطفل الاجتماعي، بل ومن أظهر تلك الحالات أثراً في الجماعات الحديثة عامة، وفي مصر خاصة، تسلط غير ذوي الكفايات، وإن شئت فقل المتعطلين، على موارد ما تنتج الأيدي العامة من ناحية، وعلى إنتاجها نفسه من ناحية أخرى، من غير أن يكون لهؤلاء المستغلين أي ضلع في تكوين المورد أو في الإنتاج. من هنا تحدث حالة من حالات التطفل الاجتماعي تستنفذ فيها أيد متعطلة ثمرات الجهود التي أيد عاملة، بغير أن تنال الأيدي العاملة من ثمرات جهودها ما يكفي لحفظ حيويتها أو قدرتها على العمل والإنتاج. فان من شأن المتطفل أن يجتهد في استغلال حاضنه بكل صور الاستغلال، وأن يبلغ من الانتفاع بحيويته جهد ما يستطيع، وكلما قلت قوى المقاومة في الحاضن ازداد

стр. 11551

المتطفل شرة وبأساً، حتى ينتهي الأمر بحدوث ما يسميه الاجتماعيون (بالتنكس الاجتماعي) وهي حالة تتساوى فيها طبقات المجتمع لا من حيث الكفايات العليا ولكن من حيث العجز عن العمل المنتج. وما لهذا الأمر من نتيجة إلا الفوضى الغامرة، ولا ينكر أحد أن في مجتمعنا هذه الظاهرة الخبيثة. فالأيدي العاملة لا تنال من منتوج عملها ما يكفي للاحتفاظ بحيويتها، والأيدي المتعطلة تبدد ثمرات تلك الجهود. وعلم ما يترتب على ذلك عند الله. ومن تلك الحالات هجر الريف والعيش في المدن. ولقد بحث هذه الظاهرة كثير من الكتاب منهم: أدمون ديمولاند الفرنسي، والأستاذ استن فريمان الإنجليزي، في بحوث مستفيضة عالجوا فيها الحالات التي نشأت في فرنسا وإنجلترا وعطفوا بعض الشيء على حالات نشأت في غيرهما من بلدان أوربا. ولا جرم أن هذه الحالات تتشابه. فالأسباب التي تدعو الفرنسي أو الإنجليزي إلى هجر الريف والإقامة في المدن، أو بالأحرى حب التّحضر (بمعنى المعيشة في الحواضر) تكاد تكون نفس الأسباب التي تحمل المصري على أن يفعل ذلك. غير أن النتائج تختلف باختلاف البلدان على مقتضى ما في كل شعب من الاستعداد والصفات، وفي الأكثر على مقتضى الثقافة التقليدية التي يختص بها كل شعب من الشعوب ولسوف نبين في مقال آت فكرتنا في أثر الثقافة التقليدية في الكيان الاجتماعي بكل أمة من الأمم. ونكتفي الآن بأن نقول إن شعبا كالشعب المصري الزراعة ثقافته التقليدية منذ أبعد عصور التاريخ، لابد من أن يتأثر بزيادة الميل إلى التحضر تأثراً عظيما لا يحسُّه شعب آخر ثقافته التقليدية غير زراعية. بل على الضد من ذلك أعتقد أن الشعوب التي تكون ثقافتها التقليدية صناعية أو تجارية، يجب أن تحتمي بحياة التحضر صيانة لمصالحها العامة. أما تحضُّر شعب ثقافته التقليدية الزراعة، فتلك هي الطامة الكبرى على كيانه الاجتماعي؛ وتلك هي الطفرة العظيمة إلى أبشع صور التطفل الاجتماعي ونحن نعلم علم اليقين بأن مدننا المصرية مدن غير صناعية بالمعنى المفهوم من ذلك في أوربا. بل أعتقد وأظن أنني أعتقد بحق، أن مدننا ليست إلاَّ أسواقاً تستهلك فيها منتوجات الريف؛ وهذه الحقيقة وحدها كافية لأن تظهرنا على أن ميلنا إلى التحضر، مع التعطل عن العمل يرهق المنتج ويرهق السوق المستهلكة؛ لأن المتعطل في الواقع عبء على الجمعية؛

стр. 11552

ذلك بأنه قوة مستنفدة لا قوة منتجة من ناحية، ولأن الحاجات التي يستنفدها لا ينتج ما يقابلها لصالح الجمعية من ناحية أخرى. وبذلك يصبح المتعطل عبئاً على الحاضرة التي يسكنها، وعبئا على العناصر المنتجة معاً. وهنا يتضاعف تطفله، إذ يصبح متطفلاً باعتبارين: الأول أنه يزاحم أهل المدن ويشاركهم أرزاقهم من غير إنتاج من ناحية، والثاني أنه يرهق العناصر العاملة في الريف بأن يستهلك ولا ينتج، وبالأحرى بأن يأخذ ولا يعطي ومن تلك الحالات ما يسميه الاجتماعيون (الجشع الاجتماعي) ولا أريد هنا أن أطنب في تعريف (الجشع الاجتماعي) ولا أن أناقش في مختلف التعاريف التي وضعها المؤلفون الذين أتيح لي الاطلاع على مؤلفاتهم، وإنما اقتصر على ذكر حالات يستطيع القارئ أن يدرك منها، مطبقة على حالات تقوم بين ظهرانينا، ما يقصد بالجشع الاجتماعي وعندي أن أخبث ما يؤدي إليه الجشع الاجتماعي من تكييف عقلية طبقات خاصة في مجتمع ما بمقتضياته، إنما ينحصر في أن تتطفل جماعات، لا أفراد، على جسم الكائن الاجتماعي. وقد تلبس الجماعات التي تنتابها سورة الجشع الاجتماعي صوراً مختلفة، فمن اتحادات تجارية إلى اتحادات صناعية إلى جمعيات علمية أو اقتصادية أو سياسية، تتخذ التأثير في عقلية الجماهير بمختلف، الوسائل طريقاً تسلكه إلى غرضها الذي ترمي إليه، والذي يجعلها جديرة بأن تنعت بأنها جماعات مصابة بجنون الجشع الاجتماعي. أما ذلك الغرض فينحصر في أن تنال من الجمعية أقصى ما يمكن أن تصل إليه من الربح المالي أو النفوذ أو السلطة أو الجاه أو الحكم بأقل جهد ممكن أن يبذل أو تضحية من ناحيتها وفي مثل هذه الحالات تتضاعف خبائث التطفل الاجتماعي بأن يصير تطفلاً (مركباً) لا تطفلا بسيطا. ونعني بالتطفل (المركب) أن هذه الجماعات المصابة بجنون الجشع الاجتماعي يكون فيها عنصر خاص يعيش متطفلاً على جسم الجماعة نفسها. ذلك العنصر هو عنصر انتهازي لن تسلم منه جماعة أصيبت بذلك المرض الخبيث. فكما أن الجماعة تتطفل على جسم المجتمع، يتطفل ذلك العنصر الذي هو (واجب الوجود) فيها بمقتضى تكوينها النفسي، على بقية عناصرها وتسير قافلة المتطفلين، ولكن إلى البوار الصرف. مثلها كمثل حُيَيَّات زرعت على مادة

стр. 11553

هلامية في زجاجة اختبار في معمل من المعامل. فأنها تتكاثر ثم تتكاثر، حتى إذا ملئ فراغ الزجاجة واستحالت المادة الهلامية أجساماً حية انتكس الأمر وبدأت الأحياء تنحدر إلى الهلاك المحتوم هذه إلْمَامَات موجزة في حالات نشاهدها قائمة من حولنا. فهل يمكن أن نتخذ التعليم أداة إصلاح نتقي بها بعض ما يكتنفنا من شرور وخبائث؟ وهل يمكن للتعليم أن يؤدي إلى الأجيال المقبلة رسالة إصلاح عملي يرفع عن كاهلهم بعض ما نتوقع لهم من متاعب؟ أظن أننا نستطيع أن نجيب بالإيجاب، وموعدنا البحوث الآتية إسماعيل مظهر

стр. 11554

ذكرى ساقية! للأستاذ علي الطنطاوي (. . . . . . كل ما في الوجود يولد ويحيا ويموت: ألا تمر بالدار ألف مرة فلا تلتفت إليها، ولا تحس بها. ثم ترى فيها إنساناً يتصل قلبك بقلبه، أو يمتلئ فؤادك بحبه، فإذا هذه الدار (تولد) في فكرك و (تنمو) وتزداد لهذا الإنسان حباً، فتزداد الدار عندك حياة؛ ثم ينزح الحبيب عن الدار، فإذا هي (تموت) وإذا أنت تألم لموتها، وتبكي فيها ذكريات لك عزيزة، وماضياً لك حلواً؛ ثم تمحو الأيام هذه الذكر، وتنسيك هذا الماضي، فإذا الدار قد عادت إلى العدم، كما بدأت من العدم، وإذا أنت تمر بها من بعد ألف مرة، فلا تلتفت إليها، ولا تحس بها؟. . .) من مقالة قديمة (علي) هي ساقية صغيرة عرفتها من يوم عرفت الدنيا، تجري في رحبة (الدَّحداح)، في ظاهر دمشق، فكنت أزورها دائماً، وأجلس إليها راضياً وساخطاً، مسروراً ومكتئباً، شجيّ النفس وخليّ البال، فأحدثها حديث سروري ورضاي، وأبثها شجوي واكتئابي، فأجد فيها الصديق الوفيّ، حين عزّ في الناس الصديق، والأخ المخلص حين ارتفع من الأرض الإخلاص؛ وكنت أفرّ إليها كلما نابتني من الأيام نائبة، أو نالني الدهر بمكروه، فأجد فيها عزائي وأنسي، وراحة نفسي. . . فررت إليها أمس كما كنت أفرّ، فإذا الأرض غير الأرض، وإذا الساقية قد عدا عليها الزمن فمحاها، وأقام دار البستاني على رفاتها. . . فجلست على حافتها الجافة، أودّع هذه البقعة الحبيبة إليّ، قبل أن تبتلعها المدينة الضاجة الصاخبة التي ابتلعت ما كان حولها من حقول واسعة، ورياض وجنات، وأشيع حياة لي في هذه الساقية كلها سعادة واطمئنان، عشتها كما تعيش الضفادع، غير أن الضفادع تسبح في ماء الساقية، وتنام على كتفها، وأنا أسبح في ذكرياتي التي أودعتها حافتيها، وآمالي التي رأيتها من خلال أمواهها. . . وهل يعيش ابن آدم إلا في الساقية والطريق، والقمر والمئذنة؟ أليس في كلّ ساقية يجلس إليها، وكل طريق يسلكها، وفي القمر الذي يتأمل صفحته في الليالي البيضاء، والمئذنة التي يرى هلالها من شباك غرفته، أليس في كل ذلك - أثر من نفسه -

стр. 11555

وقطعة من حياته؟. . رحمة لك أيتها الساقية. . . منذ كم أنت تجرين وتسرعين، أفبلغت غايتك بعد جري القرون، أم قطعك عنها عدو جبار، أم ادركك عجز الشيخوخة وضعف الهرم، فجف ماء حياتك، كما تجف الحياة في عروق الشيخ القحْم، وفروع الشجرة النخرة، وجدر البيت الخاوي؟ وهل كنت تجرين يوماً واحداً لو عرفت أن غايتك الفناء وأنك إنما تسعين إلى أجلك برجلك؟ وهل كان يبني الباني، ويزرع الزارع، ويعمل العامل، لو عرف أن أجله أدنى إليه من أمله، فبينما هو ينتظر إشراق الفجر، إذا احتوته ظلمة القبر، وبينما هو يحلم بالسراب، إذ واراه التراب؟ وهل كان يطمع في الحياة طامع لو عرف أن كل يوم يزيد من حياته إنما ينقص من حياته، فإذا بلغ كمال الحياة فقد صار إلى الموت؟ إن الإنسان يأمل أن يملك الدنيا ويعيش إلى الأبد، وأنت تأملين أن تصيري نهراً ثم تصبحي بحراً، والله يريد أن تتم حكمته في الحياة فيسعى كل ساع إلى الفناء، يدعوه الأجل، ويحدوه الأمل. . . ولا رادّ لما أراده الله! وهل كنت تذكرين أيتها الساقية أصدقاءك وأحباءك وتحنين إلى ذكراهم، وتبكين عهدهم؟ أم قد أمات حسك تقلب الأيام وغدر الزمان، فأقبلت تجرين، لا تذكرين ماضياً ولا تحفلين حاضراً ولا تنتظرين آتياً؟ وهل تذكرين يوم فرننا إليك من شيخ الكتاب القاسي، وعصاه الطويلة التي كان ينال بها رؤوسنا وهو على سرير ملكه، في هذه الغرفة الضيقة، المثقبة الجدران المسدودة النوافذ، الفاسدة الهواء؟ لقد مللنا البقاء في هذا السجن الرهيب، فشكونا إلى أهلينا فما وجدنا مشكياً فتجاوزنا (البحرة الدفاقة) وتخطينا هذا السياج، ولجأنا إليك فما وجدنا منك إلا الكرم والعطف والإحسان؟ آمنت خوفنا، وبدلتنا بمدرسة الشيخ وعصاه، هذه الدنيا الفسيحة وهذه الحقول التي لا تنتهي، فطابت أنفسنا بجمال الكون، وانجلت أبصارنا بمرأى البساتين، ونظرنا من هنا فإذا قبة النسر ومآذن الأموي تشرف علينا جليلة عظيمة، فاستشعرنا جلال الدين وعظمته، ونظرنا من هناك فإذا قاسيون يطل علينا مشمخراً عالياً، تقوم عليه الدور
следующие страницы →