← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

إذ فيها (خ ف) العنصر التفاضلي الثاني للرقم الأول: وهذه المعادلة تجرنا إلى اعتبار المادة مجموعة الحادثات المنتظمة في حركتها في الفاصلة (خ ف) لنتصور جزيئاً من المادة مستندا إلى نظام كونيّ، فهذا الجزيء المادي كل نقطة فيه تحتفظ بمكانها النسبي تجاه محورها، ويكون انطباقها على محورها في المكان مشفوعاً بانطباقها في الزمان، فكل نقطة في هذا الجزيء المادي تقع في نظام معين بالنسبة للكون المسند إليه بصورة ثابتة. وكل حركة في هذا الجزيء تتبع نظام الكون المنسوبة إليه، فحوادث الماضي والحاضر والمستقبل تحدث بدقة على خط النظام المسيطر الشامل للكون التي تحدث بالنسبة إليه الحوادث. فجزيء المادة، لما كانت الفاصلة (خ ف) تساوي المركز (م) كان: خ ف٢=ن٢خ ت٢ - خ ظ٢ (معادلة رقم (١)) فلو أبدلنا الرمز (ت) الدال على الزمان في المعادلة السابقة إلى كان: خ ف=ن خ (معادلة رقم (٢)) ومن هذه المعادلة نستنتج أن: ب ب خ ف=نخ (معادلة رقم (٣)) أأ حيث أن الرمز (خ رمز لفاصلة الزمان الخصوصية بجزيء المادة المسند للنظام الكوني في صورة ثابتة وإذا حولنا المعاني الرياضية التي في المعادلات السابقة إلى عبارات عادية أفادت مساواة خط جزيء المادة بحاصل ضرب سرعة النور في الزمان الخاص لهذا الجزيء المادي المسند للنظام المادي، أو بتعبير آخر أن العلاقة بين فاصلة الحوادث لعالم ما وسرعة النور توجد معنا الزمان الخاص بجزيء المادة؛ بمعنى أن قياس الزمن في جزيء مادي مسند إلى نظام كوني يكون بساعة أو كرونومتر مستندا إلى هذا النظام نفسه بصورة ثابتة - ٨ - لنفرض نقطة مادية مثل (ق) فمبدأ الاستمرار يقرر أن هذه النقطة المادية تتحرك حركة

стр. 11482

مستقيمة منتظمة إذا لم يؤثر في حركتها مؤثر. ولنفرض حادثتين: الأولى مثل (أ) والثانية مثل (ب) في خط حركة النقطة المادية (ق)، ولنفرض أن الحادثة الأولى (أ) تسبق الحادثة الثانية (ب)، ولما كان هنالك خطوط المجال الانتشاري بين الحادثتين فأننا نرمز لمجموعها بالرمز (خ ص) ولواحدها بالرمز (خ). فلتعيين خط من هذه الخطوط نبدأ من عند الحادثة (أ) التي حدثت في النقطة (م)، ولنفرض أن هذا الخط مسنود بصورة ثابتة لنظام مثل (ظ) ومتحرك بالنسبة لآخر مثل (ظ١)، وإذا انتهينا بالخط عند الحادثة (ب) التي حدثت في النقطة (م١) حيث يقوم بها متحرك مثل (ق١) يتحرك من (م١) إلى (م) وإذا فرض أنه كان خط حركة النقطتين المتحركتين (ق) و (ق١) منطبقين على بعضهما تمام الانطباق، وكانت النقطة المادية المتحركة المرموزة لها بالرمز (ق) منطبقة على النقطة (م)، والنقطة المتحركة (ق١) منطبقة على (م١) فخطوط الحركة بين هاتين ستكون مختلفة إذا ما تحركتا، وحركة (ق) تكون منتظمة وسيرها مستقيما، كما أن (ق١) تكتسب تعجيلا خلال حركتها من (م١) إلى (م) فإذا فرض أن حدثت الحادثة (أ) في الآونة (ت١) والحادثة (ب) في الآونة (ت٢) فستكون حركة كل من النقطتين الماديتين (ق)، (ق١) محصورة بين الأوانين (ت١) و (ت٢) والنقطة المادية (ق١) تتخذ الوضع الذي تنم عنه الرموز الرياضية ك + خ ك؛ ى + خ ى؛ ز + خ ز في الآونات (ت١) و (ت خ) و (ت) فيكون معنا المعادلة: خ=خ ت. . . . . . معادلة (١) هذه المعادلة تعين خطوط حركة الحادثتين عند الانتقال من خط سير النقطة المادية (ق١) إلى خط سير النقطة المادية (ق) كما وأنها تعين أصغر أقواس الخطوط التي تربط النقطتين ببعض. والفاصلة (خ ف٢) تعينها المعادلة خ ف٢=- خ ك٢ - خ ى٢ - خ ز٢ن٢خ ت٢ فإذا ما حولنا الرمز (خ ف) إلى الرمز (ن خ ت) لنشأ معنا المعادلة: خ ك ٢ خ ي ٢ خ ن٢ خ ف٢=ن٢خ ت٢ ١ + +=ن٢خ ٢. . . . . . معادلة (١)

стр. 11483

خ تخ ت خ ت فلو رمزنا بالرمز (س) إلى سرعة النقطة المادية المتحركة (ق١) في آوان الزمان (ت) كانت المعادلة الدالة عليه: ن٢خ ٢=ن٢خت٢ (ا - س٢ن٢). . . . . . معادلة (٢) أو أن: ا - س٢ن٢=١ث٢. . . . . . معادلة (٣) فيكون معنا أن: ن٢خ ت٢ ن٢خ ٢ =. . . . . . معادلة (٤) ث٢ ومن هذه المعادلة نستنتج أن خ تث. . . . . . معادلة (٥) ولو حولنا هذه العبارات الرياضية إلى عبارات عادية لأفادت أن خط العالم الواقع بين الحادثتين (أ) و (ب) والمنطبقة على خط حركة النقطة المادية (ق١) يكون زمانها بالنسبة لنظام مثل (ظ) تتحرك إزاءها حركة انتقالية مستقيمة أقل من مقدار الزمان بين الحادثتين. وكلما ازدادت سرعة النقطة المادية (ق) بالنسبة إلى النظام (ظ) أخذ الزمان في التقلص حتى يتساوى شطرا المعادلة رقم (٥) فيكون معنا المعادلة: بب خ ت ث معادلة (٦) أأ ولو حولنا هذه المعادلة هذه المعادلة إلى كلام عادي لأفادت أن النقطة المادية (ق١) في حركتها من (أ) إلى (ب) كلما أخذت في الانحراف عن خط سير الحركة المنتظمة المستقيمة كانت سرعتها بالنسبة إلى (ق) أكبر. ولما كانت الفترة الواقعة بين الآونتين (ت١) و (ت٢) ثابتة لا تتغير فزمان النقطة (ق١) يتناقص بهذا المقدار ويكون الخط

стр. 11484

المنطبق على خط سير النقطة المادية المتحركة حركة مستقيمة منتظمة أطول خط بين هاتين النقطتين - ٩ - من المعادلات التي سبق ذكرها نستنتج المبادئ الآتية: أولاً: سرعة النور سرعة محدودة لا تتغير لا في المكان ولا في الزمان. وسرعتها مستقلة عن حركة مصدرها، وتنتشر في الفضاء وبين الأكوان بسرعة ثابتة ثانيا: قوانين الميكانيكا الكلاسيكية (مبادئ نيوتن) لا تسري على حركة وسرعة النور والأمواج الكهربائية والإلكترو مغناطيسية، ولا على حركة وسرعة الحادثات التي تقرب في سرعتها من سرعة النور، وإنما يسري عليها قوانين اينشتين الميكانيكية ثالثاً: ليس للزمان حقيقة منفصلة عن المكان بل كلاهما يتحدان في فاصلة واحدة هي الفرق بين مربع الفاصلة المكانية وحاصل ضرب سرعة النور بمربع الفاصلة الزمنية، وهذه الفاصلة هي الفاصلة المطلقة الوحيدة في عالم الحادثات رابعاً: أطوال الأجسام تتبع حالات مشاهديها وتتغير تبع حركتهم وسكونهم فالأطوال نسبية للمشاهدين خامساً: ليست المادة كما يعبر عنها العلم الطبيعي الكلاسيكي بأنها كل ما كان لها امتدادات ثلاثة في المكان، بل المادة مجموعة توالي الحادثات في نقطة واحدة، بمعنى أن العالم ليس إلا مجموعة من الحادثات، وتوالي عدد من هذه الحادثات في نقطة واحدة يلقي في روعنا معنى المادة سادساً: الزمان الخاص بحادثة ما هو مجرد العلاقة بين فاصلة الحادثة وسرعة النور سابعاً: الخط المستقيم الواصل بين حادثتين هو أطول خط بين هاتين الحادثتين (تم البحث الثالث) إسماعيل أحمد أدهم

стр. 11485

صور الصداقة والعداوة للأستاذ عبد الرحمن شكري وَفِيٌّ غادر سمْحٌ حَقود … أرى الأضداد فيك إلى لقاءِ أمَدْحك لي انتقام من عدو … أساء إليك أم محض الثناء وفاؤك كي أبادلك التحايا … أَذَا سبب التقرب والتنائي؟ وكيما أصطلي وأشن حرباً … على من مدحه لك كالهجاء أتخدعني ولم تلحق بسني … وَلم تظفر بخُبريَ أو بلائي وتمذق لي إخاءك مذق حقد … علي وما أصبتك بالعداء تحاربني وتحسب أن ستخفي … عداؤك ليس يظفر بالخفاء كشأن نعامة للرأس تخفي … وتحسب مالها في الناس رائي ولست بأول المخفين بغضاً … نما بين المحبة والإخاء عرفت الناس قبلك يا خليلي … وذقت الغدر من حلو الوفاء فان كان الولاء كما أراه … فويلي من وفائك والولاء وبعداً للمديح وإن تغالي … وسحقاً للمروءة والصفاء سل الخلان ما فعلوا بقلبي … وهل أبقوا لشدقك من غذاء وهل أبقوا لبطنك منه شِلْواً … مريراً لا يساغ على عداء أعيذك أن أراك شبيه قوم … رجولة بعضهم فقد الحياء وهم فقدوه من ذل وعار … وهم فقدوه من فقد الأباء وكم أخفوا رخاوتهم بهُجْرٍ … كمن فقد الحياء من النساء وهم مثل الهَلوك رمت رجالاً … بما قد صح فيها من هجاء على الأبواب واقفة تنَزَّي … وترمي القوم من دان ونائي وتحسب أنها نفضت خناها … كجلد الكلب هُزَّ لنفض ماء فلا يعديك خلقهم فإني … رأيت الخُلْق يعدي كالوباء صفحت ولو أردت بلغت ثأري … وقد عُرِفَ اقتداريَ في الرماء فان يأبوا وإن تأبى سكوتي … فما صمتي بعيِّ الأدعياء

стр. 11486

ولا يُعْليك بين الناس خفضي … ولم تبعد بأفقك عن سمائي لتنزلني إلى حيث استقرت … بك الدنيا تفنن في العداء تخبِّرُني اللحاظ بغل قوم … على ما نلت من فرص الرخاء وكنت أظنه حسداً لقولي … فخلت الصمت أقرب للنجاء ولو سمعوا بموتيَ ما استراحوا … ولا يشفي حقودهمُ فنائي أرادوا لي الممات ولو دهاني … لفرط الحقد أحسد للفناء فلا يرضيهمُ عيشي رخياً … ولا يرضيهمُ مني عفائي وفي الدنيا الدنيئة هان سمْحٌ … تعالى عن سلاح الأدنياء إذا ما أحرجوا سمحاً كريماً … تَدَرَّع بالقواذع في الرماء دعوني صامتاً فالصمت أوقى … لكم إن لم تصولوا بالغباء أُداجي الناس ما داجوا وإني … لأزهد في الدِّهانِ وفي الرياء ولكن الحياة لها قضاء … فمن يأباه يزهد في البقاء وما أدري لَدُنْ أُلْفِي عدُواً … أأبله أم تباَلَهَ بالعداء أَخَوَّفَهُ أذاي أخو دهاء … أَخَوَّفَهُ ذكائيَ واعتلائي أَنمَّقَ وعده بالخير إما … تمادي من تمادى في الجفاء أسَعْىُ سعاية أم قول واشٍ … يُحَكِّمُهُ المُحَكَّمُ في الخفاء أَرَجَّاهُ مُرجِّى الخوف مني … ضلالاً نيل عونِيَ أو ثنائي أعَدْوي في التثاؤب من كسول … كعدوي في العداوة والإخاء أرشح اللؤم في رهط وضيع … يفيض بما يشاء من الأداء ومن عرف الأنام رأى أُموراً … مُرَعْبَلَةً كرعبلة الكساءِ أراها كلها صُوَراً تَنَزَّى … تَنَزِّي الآل في الخرق الخواء سراب لست أتبعه فأخشى … هلاكاً لا ولا هو من رجائي أنا المرء الذي عرف البرايا … فلا يردى لعاد أو لشائي ومن خَبَرَ الأنامَ لِصُنْعِ فنٍّ … فكل الخلق من صُور الأداءِ تراموا بالهجاء فان أصابوا … فرهطهم الملطخ بالهجاء

стр. 11487

أليس الرهط فرداً ثم فرداً … وأوصافاً لها عدوى الوباء نعتم رهطكم لما نعتم … نفوسَكم بأوضار الرماء نفوسكم معرَّة كل رهط … ومدرجة الشعوب إلى الفناء ومهزلة المكارم والمعالي … وهل لؤم يؤول إلى علاء لعلكم حسبتم كل شر … إلى عود بخير وانتحاء عبد الرحمن شكري

стр. 11488

أحلام ورموز: أنا قبر بقلم السيد زكي المحاسني يا حبيبي حبي يضيق كلاماً … ليت أني أُبينُه أنغاما نغماً تفهم الجوارحُ منه … ويريح العذاب والآلاما أنت أُغرودة على الدهر تعلو … عن سماع يغدو ذووه رغاما أنت لحن سمعتُه فرماني … ضائع الرُّشد حائراً مستهاما ربما قد شككْتُ في صدق عيني … فحسبت الذي رأيت مناما كيف فرَّت حقيقةٌ من يد الحِ … سِّ فصارت في مزعمي أوهاما أأنا ذاك أم أُعيد وجودي … بعدما كنتُ في فنائي رماما أغلِق الكُوةَ المنيرة واملأ … ني ظلاماً حتى أصير ظلاما علني أسترد صورةَ ما فا … ت وعلِّي أرُدُّها أحلاما ها هو السبح يدَّني من أمامي … واجماً وجهه يلوح كهاما جللت منكبيه بردةُ بؤس … جعلتْها الأسفارُ تبدو قتاما مَدَّ لي كفَّهُ الهزيلةَ والرج … فةُ في ثغره وقال: سلاما لم أكد أهتدي إليه فأرجع … تُ الخوالي إليَّ عاماً فعاما ثم لَّما عرفتُه غاب عني … وكفاني ولو يزورُ لماما رُدَّ ضوْئِي واحملْ إليهِ حياتي … واسقِني في سُلوِّ همي مُداما داوني مثلما يداوَى عليل … خاف أهلوه أن يموتَ سَقاما أغْدُ بي في الرياضِ واقصص حديثاً … أتّخِذْ منه سَلوةً وجَماما أنا أهوى الحياةَ من كلِّ آتٍ … وأُرَجّي من البقاء دَواما إحتَفْر هُوَّةً وأنْزلْ إليها … ذِكرياتي وأردُم عليها رِجاما وكأني أَمُرُّ يوماً عليها … فتنادي: ألا رعيت ذِماما فأُبَكّي لها وأسفح دمعي … فتُبلُّ الدموعُ منها أُواما أنا قبرٌ وفيّ مَيْتٌ توارى … وبكائي عليَّ كان لزاما

стр. 11489

ليلة في (الحمراء) (عن شاتوبريان) بقلم السيد ناجي الطنطاوي ولي ذكريات أودعت مهد مولدي … عذاب وعهد في رباه أنيق فهل تذكرين اليوم يا أخت ما مضى … فأني إلى تلك الديار مَشُوق وهل تذكرين (الكوخ) حين تضمنا … إلى صدرها الأم الحنون فنجذل وشَعراً لها قد بيّض الشيب جُلَّه … نداعبه طوراً وطوراً نقبِّل؟ وهل تذكرين القصر والنهر دونه … يبلّله والبرج فيه قديم؟ إذا قرع الناقوس أعلن صائحاً … بأن نهار الأمس عاد يقوم كذا العندليب الخفُّ هل تذكرينه؟ … يلامس سطح الماء حين يطير وللقصب الزاهي انحناء وعندما … نرى الشمس في ماء الغدير تغور فهل من معيد لي (هيلين) ودوحةً … بها وجُيلاً كيف لي أن أراهما؟ تسبب لي ذكراهما الوجد والجوى … لأنيَ لا أهوى ربوعاً سواهما

стр. 11490

في غمرة الهوى بقلم السيد الياس قنصل لا تحزني إن كنتِ عاشقةً ولا … تستسلمي لتفحّع وبكاء الحبّ لا يُشقي وإن حمل الردى … بفوادح الكباتِ والأرزاء هو نفحةٌ علويةٌ سحريةٌ … تسبي الفؤاد بلطفٍ الاستهواء تحبو الخليَّ جناحَ وهمٍ خالدٍ … يسمو به عن سائر الأحياء لا تحزني، فجمالكٍ الفتان قد … تذويه عاديةٌ من البلواء والحزنُ ينفث في الحياة وكأسها … ما ليس تنفثه سوى الرقطاء وتأملي تجدي تباريح الهوى … قد ميزتكِ برقةٍ وسناء ما كنت قبل اليوم إِلا دمية … تحوي ضروب الحسنِ دون رواء يأتي الربيعُ فلا ترين جماله … إلا بعطرِ زهوره الميلاء وتدغدغ النسماتُ وجهكِ حيث لا … تلقى سوى لون بلا إغواء وإذا تمايلت الغصونُ وصفَّقت … أوراقها في الروضة الغناء لم تدركي معنى تمايلها، ولم … تقفي على همساتها الخرساء ما كان قلبك رغم كل حنوّه … إلا شبيه الصخرةِ الصماء واليوم بتِّ وقد عرفتِ لُغَي الهوى … نبتَ الخلودِ ومهبطَ الإيحاء فإذا رنوتِ إلى السما عند المسا … ورأيت سلك الأنجم الزهراء أدركتِ شيئاً لم يكن لك ظاهراً … وكشفتِ سرّ القبة الزرقاء أمسيتِ أقرب للذي أمر الورى … بالحبّ، لا بالحقد والبغضاء سرّي إذن، وليمحُ عنكِ الحزن ما … يجتاز قلبك من هوى وهناء (عاصمة الأرجنتين) الياس قنصل

стр. 11491

أندلسيات: ٣ - ابن بسام صاحب الذخيرة والشاعر أبو مروان الطُّبْني للأستاذ عبد الرحمن البرقوقي أَلَا يحسن بنا بعد أن أوردنا ترجمة ابن بسام للشاعر أبي مروان الطبني أن نردفها بترجمة الفتح بن خاقان لهذا الشاعر حتى ترى فرق ما بين الترجمتين فتتم الموازنة بذلك بين هذين الأديبين من جهة، وحتى نوفي ترجمة هذا الشاعر حقها بما في ترجمة الفتح من زيادة على مما في ترجمة ابن بسام من الجهة الأخرى. نعم، قال الفتح في المطمح في حق الطبني: من ثنية شرف وحسب، ومن أهل حديث وأدب، إمام في اللغة متقدم، فارع لرتب الشعر متسنم، له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق، ثم عاد وقد توج بالمعارف المفرق، وأقام بقرطبة علماً من أعلامها، ومتسنما لترفعها وإعظامها، تؤثره الدول، وتصطفيه أملاكها الأول، ومازال فيها مقيما، ولا برح عن طريق أحانيها مستقيما، إلى أن اغتيل في إحدى الليالي بقضية يطول شرحها، فأصبح مقتولا في فراشه، مذهولا كل أحد من انبساط الضرب إليه على انكماشه؛ وقد أثبت من محاسنه ما يعجب السامع، وتصغي إليه المسامع؛ فمن ذلك قوله: وضاعف ما بالقلب يوم رحيلهم … على ما به منهم حنين الأباعر وأصبر عن أحباب قلب ترحلوا … ألا إن قلبي سائر غير صابر ولما رجع إلى قرطبة وجلس ليرى ما احتقبه من العلوم، اجتمع إليه في المجلس خلق عظيم، فلما رأى تلك الكثرة، وماله عندهم من الأثرة قال: إني إذا حضرتني ألف محبرة … يكتبن: حدّثني طوراً وأخبرني نادت بمفخرتي الأقلام معلنة … هذي المفاخر لا قعبان من لبن وكتب إلى ذي الوزارتين أبي الوليد ابن زيدون: أبا الوليد وما شطت بنا الدار … وقلّ منا ومنك اليوم زوّار وبيننا كل ما تدريه من ذمم … وللصبي ورق خضر وأنوار

стр. 11492

وكل عتب وإعتاب جرى فله … بدائع حلوة عندي وآثار فاذكر أخاك بخير كلما لعبت … به الليالي فان الدهر دوار عود إلى الذخيرة (وأما بعد) فقد آن لنا أن نعود إلى القول على كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، وهو الأثر الفذ الباقي للمترجم له أبي الحسن علي بن بسام؛ ولولا أن لهذا الكتاب شأناً غير شأن سائر نظائره لما عرضنا للقول عليه والتعريف به، إذن لنلق عليه نظرة ليس منها بد؛ ولا سيما بعد أن بشرنا صديقنا الأستاذ الكبير محمد كرد علي بك بأن هناك لجنة من أفاضل المستشرقين تألفت برياسة العلامة المستشرق الفرنسي الأستاذ ليفي بروفنسال لا خراج هذا الكتاب الضخم الخالد الذي حُرِمت منه المكتبة العربية هذا الزمن الأطول. . . وضع قديماً أبو عبد الله هرون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم البغدادي المتوفى سنة ٢٨٨هـ كتاباً اسمه (البارع) في أخبار الشعراء المولدين جمع فيه مائة وواحداً وستين شاعراً، وافتتحه بذكر بشار بن برد وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح، واختار فيه من شعر كل واحد عيونه، وقال في أوله: إني لما عملت كتابي في أخبار شعراء المولدين ذكرت ما اخترته من أشعارهم وتحريت في ذلك الاختيار أقصى ما بلغته معرفتي وانتهى إليه علمي؛ والعلماء يقولون: دل على عاقل اختياره. وقالوا: اختيار الرجل من وفور عقله. وقال بعضهم: شعر الرجل قطعة من كلامه، وظنه قطعة من عقله، واختياره قطعة من علمه. وطول الكلام في هذا وذكر أن هذا الكتاب مختصر من كتاب ألفه قبل هذا في هذا الفن، وأنه كان طويلاً فحذف منه أشياء واقتصر على هذا القدر. ثم جاء بعده أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩هـ ووضع كتابه (يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر)، وجعله ذيلاً لكتاب البارع؛ هذا ثم جاء أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي المتوفى سنة ٤٦٧هـ؛ وألف كتاباً اسمه (دمية القصر وعُصرة أهل العصر)، وجعله ذيلاً لكتاب يتيمة الدهر؛ ثم جاء أبو المعالي سعد بن علي الوراق الحظيري المتوفى سنة ٥٦٨هـ وصنّف كتاباً أسماه (زينة الدهر)، وجعله ذيلاً على دمية القصر؛ وأخيراً ظهر العماد الكاتب الأصبهاني المعروف بابن أخي العزيز والمتوفى سنة ٥٩٧هـ، ووضع كتابه المسمى (خريدة القصر وجريدة أهل العصر)، وجعله ذيلاً على زينة الدهر للحظيري. هذا في

стр. 11493

المشرق، وأنت فانك تعلم أن الأندلسيون كثيرا ما يحذون حذو المشارقة في سائر مناحيهم؛ ومن ثم نحوا نحوهم في وضع هذا النوع من التواليف، فوضع الأديب الكاتب الشاعر أبو عمر أحمد بن فرج - وكان معاصراً للخليفة الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر - كتاباً اسمه (الحدائق) قدمه للخليفة المستنصر وعارض به (كتاب الزهور) لأبي محمد بن داود الأصبهاني ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئاً - وسنترجم لهذا الأديب - ثم جاء من بعده صاحبنا أبو الحسن علي بن بسام فوضع كتاب (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) وجعله ذيلا على حدائق ابن فرج. وفي عصره صنف الفتح بن خاقان كتابي القلائد والمطمح، وجاء بعدهما الأديب أبو عمر بن الإمام وذيل على الذخيرة والقلائد بكتاب اسمه سمط (الجمان وسقيط المرجان) ذكر فيه من أخل ابن بسام والفتح بتوفية حقه من الفضلاء، واستدرك من أدركه بعصره في بقية المائة السادسة؛ وذيل على هذا الكتاب أبو بحر صفوان بن إدريس الكاتب الأندلسي الكبير بكتاب سماه (زاد المسافر) ذكر فيه جماعة ممن أدرك المائة السابعة. وهنا نذكر أن أكثر هذه الكتب مفقود كما أن هناك تواليف كثيرة من هذا القبيل لم نسمع بها فضلا عن أنها غير موجودة. فلقد أخبرنا الإمام أبو محمد بن حزم في رسالته التي يشيد فيها بفضائل الأندلس أن للشاعر الوشاح أبي بكر عبادة بن ماء السماء كتاباً في أخبار شعراء الأندلس أثنى عليه وقال أنه كتاب حسن معناه. وحدثنا أيضاً بأغرب من هذا وهو أن من بين الكتب التي وضعت للخليفة الحكم المستنصر كتاباً في أخبار شعراء (أًلبِيَره) في نحو عشرة أجزاء. . . فتأمل. . . ومما يتصل بهذا وما هو أقعد في باب الغرابة ما حدثنا به ابن حزام أيضاً من أن هناك شاعراً أندلسياً كان في عصر جرير والفرزدق اسمه أبو الأجرب جَعْونَة بن الصِّمّة الكلابي يقول ابن حزم في حقه: ونحن إذا ذكرنا أبا الأجرب في الشعر لم نباه إلا جريرا والفرزدق لكونه في عصرهما؛ ولو أنصف لاستشهد بشعره فهو جار على مذهب الأوائل لا على طريقة المحدثين. وحكى ابن سعيد صاحب كتاب المغرب قال: إن عباس ابن ناصح الشاعر الأندلسي لما توجه من قرطبة إلى بغداد ولقي أبا نواس قال له أنشدني لأبي الأجرب قال: فأنشدته، ثم قال: أنشدني لبكر الكناني، فأنشدته؛ فأين شعر هذين الشاعرين الأندلسيين العظيمين؟ إنا وا أسفاه لم نعثر لهما على شيء قط. . . . . . ثم وأين كتاب المسهب للحجاري، وكتاب المغرب

стр. 11494

لابن سعيد، وكتابا المبين والمقتبس لمؤرخ الأندلس الأكبر أبي مروان حيان ابن خلف!؟. . . وأين وأين. . .!؟ أين سكناك لا أين لهم … أحجازا أوطنوها أم شاما فاسألنها واجعل بكاك جواباً … تجد الدمع سائلا ومجيباً عبد الرحمن البرقوقي

стр. 11495

القصص مأساة من أسخيلوس ثأر أورست الدرامة الثانية من (الأورستية) للأستاذ دريني خشبة تتمة - ٦ - ويسأل أورست عن هذه الزقاق من أرسلها، وعن هذه الخمر فيم يصبانها على ثرى أبيه، وقد تصرمت السنون على جدثه، فتحدثه رئيسة المنشدات عن رؤيا الملكة: - (حلم! حلم! أيها الأمير! حلم مزعج مروع أقض مضجعها؛ وأذهلها عن نفسها! رؤيا انبجست عن ضميرها المضطرب الملوث بالآثام!) - (رؤيا! وأي رؤيا هذه؟) - (حملت واستكرشت، ثم وضعتها أفعى هائلة) - (أهذا كل شيء؟) - (لقد هبت مروعة مشدوهة، وطفقت تصيح وتصخب كأنها طفلة جائعة. . .) - (الحية الرقطاء! وأي غذاء يرد شرهها! زادها الله سغباً!) - (لقد كانت تمسك صدرها بيديها، كأنها تخمد فيه ناراً!) - (وكيف لم ينفث السم في ثدييها. . .) - (كلا! بل لقد قطر ثدياها دماء. . . لا لبنا!) - (يالها من رؤيا. . . لو تتم!. . .) ثم انطلقت تصيح في أبهاء القصر، وهب العذارى يحملن المشاعل ويغسلن ظلام الليل؛

стр. 11496

وأمرت بهذا القربان الخمري فصُبّ في تلك الزّقاق، وحملناه إلى. . .) - (قبر زوجها! الغادرة الفاجرة! ليشفى سعارها! يا آلهة الأولمب! ويح لك يا أرض الآباء! رحمة لك يا قبر! يا سيد الأولمب! يا ربات المقادير! أكتبي أن أكونه، أكتبي أن أكون هذا الأفعوان الهائل الذي يقر فوق صدرها. . . لن يردني شيء! سأغمد خنجري في الصدر الذي شببت فوقه! سأمزق الأثداء التي قطرت في فمي علقم الحياة! اكتبي يا ربات المقادير! لتمت موتة دامية! سأذبحها! أنا الأفعوان لا ريب! اشهدن أيتها العذارى! سجلي يا سماوات! هلم ببلاديز! هلم يا صديقي لنأخذ فيما قدمنا له؛ وأنت يا إلكترا كوني رائدنا في القصر؛ تحسسي لنا أخباره، وقصي آثاره، فإذا أزفت الآزفة لم تفلتهم الغيلة التي دبرناها لهم، كما دبروها لمولاهم من قبل؛ ولم يفلتهم الشرك الذي نصبوه بأيديهم، وآن لهم أن يقعوا فيه. . . . . ليذوقوا وبال أمرهم مادام أن النفس بالنفس! هلمي إلكترا! سأبدو أمام البوابة الكبرى معي صديقي ببلاديز في زي مهاجرين، وسنتحدث بلهجة أهل هذه البرية التي نثقفها جيداً، يا للآلهة! إن أحدا من أهل القصر لن يمنحنا ابتسامة، أو يتصدق علينا بنظرة!!. . . لا علينا! بيد أننا سنترصد لأبجستوس، فإذا حانت لنا منه غفلة فسننقض عليه وننفذ خناجرنا فيه! إلكترا! ارقبي القصر جيداً، واحذري أن تحركي لسانك بكلمة تفسد علينا كل شيء. . . . تكلمي إذا كان في الكلام خير لنا. . . . . وإلا. . . . . فالصمت. . . . الصمت الذي يشبه الكبرياء يا أختاه. . . وأنتن أيتها العذارى. . . هاتين موثقكن (يقسمن له أنهن معه) إذن. . . إلى اللقاء. . .) - ٧ - (المنظر: أمام قصر البلوببديه) (يهزج المنشدات بلحن طويل حلو، ويتغنين أشجان القصر العتيق، ويرددن ذكريات الماضي المظلم المضرجة بالدم، ويلمعن إلى الهول الأكبر الذي ينتظر المجرمين. . .) (يدخل أورست ويطرق باب القصر) - (أنتم يا من هنا؟. . . (ويطرق ثانيةً). . . يا أهل هذا المنزل الرحب. . . (ويستمر في الطرق). . . يا سادةَ هذه الدار!. . . الأمير إيجستوس! أريد الأمير إيجستوس! ماذا؟ ألا

стр. 11497

من أحدٍ هنا. . . في الدار المضيافة. . . (يطرق بعنف) البواب: (هيه! من؟ من أنت؟ (في غضب) من أين أقبلت؟ تكلم أيها الريفي! - (لقد جئت لسادة هذا القصر بأخبار هامة. . . غريبة. . . فالبدار البدار أيها البواب!. . . قل لهم إن بالباب رجلا من بدو البرية يريد لقاءهم. . . هيا. . . و. . . اسمع أيها البواب. . . اسمع، أرجو أن. . . لقد أوشك الليل يرخي سدوله، ولا بد لابن السبيل من ملجأ كريم يأوي إليه. . . فحبذا لو لقيت أيَّا من ذوي الشأن هنا - وحبذا لو كان رجلاً. . . إن لديَّ أنباءً هامة، وقد أرتبك إذا ألقيتها لامرأة. . . أما إن كان رجلا. . . فالرجل يصارح الرجل من دون ما حياء. . . بل لا يكاد ذهنه يشرد في حضرته كما قد يشرد في حضرة امرأة. . . . . .) (تدخل كليتمنسترا) - (ماذا أيها السيد؟! غريب لاجئ! مرحبا مرحبا. . . إن قصر البلوببديه لن يضيق بالجائع المعتر، ولا بالطامئ الصادي. . . انزل أهلا، وحل سهلا. . . ولكن. . .! يبدو عليك أنك رسول ولديك أنباء! إذن. . . ما وراءك؟ هذا إن لم تكن رسالتك للأمير. . .) - (أنا؟. . . أجل. . . رسول! لقد قدمت من بلدتي دُوليس، إلى آرجوس، في بعض شأني. . . و. . . بينا أنا في بعض الطريق، إذا رجل طوال وقور الهيئة يلقاني فجأة ويسألني إلى أين؟ لم أكد أجيبه أنني ميمم شطر آرجوس حتى لهث لهثة شديدة وقال: إذن لي رجيّة عندك ما أحسبك إلا مؤديها لي. . . ومناني بالخير الكثير، ووصل حديثه فقال: إذا كنت في آرجوس فاقصد من فورك قصر الإمارة. . . البلوبيديه الشاهق. . . والق ال. . . ملـ. . . الأ. . . مير. . . ونبّئه أن أورست قد قضى نحبه. . . مات. . . ثم سلهم، هل يرون أن تنقل رفاته فتقر في ثرى الوطن. . . أم يؤثرون أن تظل حبيسةً في دار الغربة كما عاش صاحبها إلى آخر أنفاسه مشرداً في أقصى الأرض، طريدا من رحمة أبويه. . . أما الرجل فقد ذكر لي أنه ستروفيوس وأنه من فوسيز. . . وقد ألح في أن أعود إليه برد على ما طلب. . . و. . . و. . . فاتني أن أذكر أن رفات الأمير الصغير ما تزال محفوظةً في إران نحاسي. . . و. . . أنه يبكيها. . . و. . . ولكن يا سيدتي بحق الآلهة عليك! لقد ذكرت كل شيء. . . هل أديت الرسالة للأُدُن التي طلب مني الرجل أن تعيها؟ إذ ينبغي

стр. 11498

أن يعلم أبَوَا الأمير قبل كل أحد) - (ويلاه! يا للداهية تنعت في هذا الخبر الأسود! إيه أيتها اللعنة التي ما تفتأ ترنق على هذا القصر! إيه يا عُقاب الردى هويت من شاهق على حَمَلِنَا! إيه يا سهم المنية اخترمته من بُعد! بينا كنت أحسبه في مأمن من مزالق الحتوف، إذا هو يموت، ويغادرني في تعاستي وحدي! أورست! يا رحمتا لك يا بُني! لقد كنت أدخرك لتشفي أوجاع هذا البيت. . . يا أملي الوحيد! يا آخر رجاء لي في الحياة! لقد جاء النعي فلا شك!. . .) - (وا أسفاه! كم كنت أود لو أتيت بالبشريات الغُر لأنال رفد هؤلاء السادة الأثرياء! ولكن! لا عَليّ! فلقد ظل قلبي يحدثني عما في النبأ الذي حُمّلت من شر! إ. . . إ. . . إنما!. . . ما لي ولذاك! أيتها الأميرة! أمن رد على ستروفيوس. .؟) - (ليطمئن قلبك على الرفد أيها الرسول! ولا يحزنك أنك جئت إلينا بهذا النبأ، فقد كان غيرك يجيء به لو لم تفعل. . . والآن. . . هلم أيها الخادم بالضيف الكريم إلى أفخر غرف الضيافة، وليصحبه تابعه، ولتكرم مثواه،، فما أظنهما إلا قد أظناهما السفر، ونال منهما الطريق. . . أما نحن، فسنبلغ الملك وسنرى ماذا يكون في مسألة الرفات) (يخرج الجميع ماعدا المنشدات) - ٨ - (تدخل مرضع أورست) رئيسة الخورس: (هيا يا وصيفات القصر! صلاةً مباركة للآلهة أن تحرس أورست وأن تلحظه بعين الرعاية. . . وصلاة مباركة على روح الوالد القتيل، الذي لابد هو راع ولده الذي جاء ليثأر له من الآثمين!. . . هيه! من؟ مرضعة أورست؟ كيليسّا؟ ماذا جاء بك يا كيليسا؟! تبكين؟ ماذا يبكيك يا طيبة القلب؟!) - (عِمَنْ مساء يا عذارى طروادة! لا شيء! فقط،. . . لقد طلبتْ إليّ الملكة أن أدعوَ إليها أميرها إيجستوس ليتلقى بأذنيه أنباء النعي! ويلاه! ويلاه عليك يا أورست! يا طفلي العزيز! شجن جديد يغطش سماءك أيها القصر! أنت يا مأوى الأشجان وكهف الأسرار! يا بيت أتريوس كم مصيبة خبأتها لك الأقدار؟! آه يا طفلي! يا من غذوتك من ثدييّ لبن المحبة والحنان! أنا كيليسّا المفجوعة فيك. . . أنا التي غذوتك ونشّأتك وسهرت عليك بأمر

стр. 11499

أبيك الملك! أنا التي كنت أفديك بالحياة. . . لقد انتزعوك مني. . . ونفوك في أقصى الأرض حتى لا تروع أحلامهم وتقف في سبيل لذاتهم! اللئام. . .! أنا أذهب الآن لأدعو إيجستوس! لأملأ سمعيه بخبر وفاتك! يا ولدي. . . يا ولدي. . .!) - (مسكينة! يا ويح لك يا كيليسّا! ولكن!. . .، اهدئي، فان لنا لسؤالاً نحب أن تجيبي عنه. . .!) - (. . .؟. . .؟. . .) - (وبم أمرت الملكة؟ هل أمرتك أن يأتي إيجستوس ومعه أحد؟) - (لا أفهم. . . أفصحن بحق الآلهة عليكن!) - (نعني، هل يأتي وحده، أم يكون معه حرس؟) - (لا! بل أمرت أن تكون حوله فرقة من حملة الرماح!) - (صه!. . . لا. لا. . . إياك يا كيليسا! قولي له إن الملكة تريد أن تذهب إليها بمفردك. . . و. . . نرجوك!. . . نحن نترك البقية لحسن فهمك!. . .) - (ماذا؟. . . وهل لكن الحق في إصدار أوامر؟) - (لا. . . ولكن إن كنت حقاً وفية لأورست فلا تقولي إلا ما أشرنا عليك به!) - (لست أفهم!. . . لقد أردى أورست وكان منتهى آمالنا. . . فماذا نرجو بعد؟) (وتبكي) - (لترقأ عبرتك يا كيليسا! وليفرخ روعك! هوني عليك يا طيبة القلب، فقد يكون حياً يرزق! من يدري؟ لقد أُلقي إلينا أن. . .) - (ماذا؟ نبوءة! نبوءة بالله عليكن؟. . أم سمعتن أنباء خاصة؟) - (صه. . .! هيا هيا. . . اذهبي إلى إيجستوس وليقصد إلى الملكة وحده!) (تخرج كيليسا) (وتصلي المنشدات من أجل أورست، ضارعات إلى الآلهة أن تكون معه؛ والى هرمز أن يحرسه) - ٩ - (يدخل إيجستوس)

стр. 11500

- (هيه!. . . هأنذا قد أتيت! ياله من خبر! أين الغريبان! ماذا؟ أحقا مات أورست؟! ما كنا نؤثر أن يموت! يا للجرح الذي ينغل في أحشائك أيها القصر؟ هاك فادحا آخر ينوء بكلكله عليك! ولكن!. . . لا. . . لا أصدقه! لا أصدقه. . .! أنا في شك من النبأ مريب! المرأة! لقد زخرفوا لها الخبر الأسود وقذفوا به في روعها! أكبر ظني أنها إشاعة لا تلبث أن تذوب! خبرن يا وصيفات! أحق ذاك النبأ؟) - (لقد سمعنا كما سمعت! ولكن!. . . لتدخل أنت، ولتلق الطارقيْن الغريبيْن! فقد خُيّل إلينا أنها مجرد إشاعة! وقد تجلو الحقيقة حينما تواجههما) - (ما احسبني أصدّقهما إلا أن يقولا رأيناه يجود بآخر أنفاسه! إن لي لعقلاً، وإنه لا تجوز عليه الأباطيل!) (ويخرج) وما تكاد المنشدات يترنمن بأنشودة قصيرة يصلين فيها لزيوس حتى تُسمع صرخة من الداخل: - (آه. . . آه. . . ذُبحت! لقد ذُبحت!) المنشدات: - (ها!. . . اشتدي أزمة!) - (آه. . . آه. . .) - لقد نفذ السهم وقضي الأمر!. . . (يدخل أحد الخدم) ٍ - (ويلاه! قتل الأمير! أخبروا الملكة!. . . ويلاه! افتحوا البوابة لأميرة القصر! (تحاول المنشدات فتح البوابة فلا تستطعن) أنتن ضعيفات! ليفتحها الرجال الأشداء! الغوث الغوث! آه. . . لا غوث اليوم، لقد انتهى كل شيء! أين الأميرة! أين الملكة! أين كليتمنسترا؟ يا ويح لها حين يفجعها النبأ!. . .) - ١٠ - (تدخل كليتمنسترا) - (من ذا يصيح ويصخب هنا؟ ماذا؟ أنت الذي تصخب أيها الخادم؟) - (أ. . . أنا. . .؟

стр. 11501

- (ماذا؟ تكلم!) - (لقد انتفض الأموات تحت أطباق الثرى فذبحوا الأحياء! هنا في هذا القصر!) - (آه! الخديعة! جلوت السحر وكشفت الطلِّسم! هلم فهات لي بلْطا! وليكن حديداً مشحوذا! هلم هلم! عليِّ وزر هذا العمل أو لي خيره! لأصارع الأقضية، ولاُنازل المقادير هذه النوبة أيضا!) (وينزاح ستر فيبدو أورست وأمامه جثة إيجستوس وإلى جانبه بيلاديز) أورست: (آه. . .! هَلَا! هذي أنتِ! لقد فرغت من إيجستوس، وقد جاء دورك!. . .) (كليتمنسترا وقد هالها مقتل إيجستوس) - (قُتِلْت! ويلاه! سكتت نأمتك، وشالت نعامتك، يا أعز الناس عليّ!) - (أعز الناس عليك! ها ها ها. . . إذن سترقدين إلى جانبه آخر الدهر ليتم له وفؤك يا آثمة!) (ويهم أن يفتك بها فتعرف فيه ولدها) - (أورست! أهو أنت؟ ولدي! حاشاك! ارحم هذا الصدر الذي طالما دلّلَك، والثدي الذي طالما أرضعك!) (ينثني أورست ليستشير صديقه) - (ببلاديز! أشر عليّ يا أعز الأصدقاء! هل تفل الرحمة من غرب هذا السيف من أجل أمي؟) - إذن أين ما أوحي إليك من لدن أبوللو؟ وأين النبوءة الصادقة وما ناشدتك السماء أن تؤديه لها؟ روِّ سيفك غير راحم يا أورست. كن صديق السماء واغسل بغضبتك أدران الأرض!) - (آه. . . شكراً لك يا ببلاديز! حقاً إنك المخلص الأمين! أنا أبداً في حاجة إلى مشورتك! سأقتلك إذن يا أدنس الأمهات! سأقتلك لتخرّي إلى جانب عاشقك المجرم النجس! لقد فضلته على ملكك في الحياة، فقري معه بعد الموت! حبيبك المتيم الذي كان غيره أجدر بحبك لو عرف قلبك إثارة من الطهر! يا فاسقة!) (ويهم أن يفتك بها ثانية)

стр. 11502

- (أورست! لقد أرضعتك، وكنت آمل أن تكون سندي في شيخوختي!) - (سنداً لها! الفاسقة! وكيف يظلني سقف وقاتلة أبي! مثلومة العرض!) - (قدر محتوم يا أورست!) - (والقدر المحتوم هو الذي يكتب عليك ما تلقين اليوم) - (ولعنة أمك! ألا تخيفك يا أورست!) - (أمي التي قذفت بي من حالق فريسة لأشجان الحياة!) - (أنا قذفت بك من حالق؟ حاشا! لقد أرسلتك إلى أعز الأصدقاء ليكلأك ويرعاك!) - (لقد كانت مقايضة خاسرة بالنسبة لي! حرية وملك، بعبودية وذل!) - (وأين الأعطيات التي بعتك بها يا بني؟) - (الأعطيات؟ يا للعار حين نخوض في ذلك من غير ما احتشام؟) - (قد لا تذكر أيام أن أنحرف أبوك وضل!) - (لا تنحي على الغائب بلائمة!) - (ألا تقدر لأواء أم محزونة مهجورة، يا أورست!) - (بلى! وأعرف أنها ظفرت بكل ما تشهت!) (ويهم أن يقتلها) - (آه! أتقتل أمك يا بني؟) - (أنا؟ أنا لا أقتلك! ولكن تقتلك آثامك!) - (ها!. . . وأين تهرب من هامة أمك إذا قتلتها!) - (وأين أهرب من هامة أبي إذا خلّيتك يا آثمة!) - (كأني أخاطب فيك قبراً فلا يسمع!) - (أجل وهو قبر أبي الذي يضرب وجهك بزفير جهنم!) - (آه! الأفعى! لقد ولدتها وربيتها. . . وهاهي ذي تنفث سمها في حياتي!) - (إذن: هي رؤياك قد جعلها أبوللو حقا!) - (. . .!. . . تبدو كليتمنسترا كأنما يكاد يغمى عليها) - (القصاص يا أتعس الأمهات! لقد زرعت وزراً، فلتجن اليوم أوزاراً!)

стр. 11503

(تنطلق كليمنسترا داخل القصر فيعدو أورست في أثرها) - ١١ - ويذكر المنشدات - عذارى طروادة التاعسات - أوطانهن، وما حاق بإليوم وبريام من دماء وتقتيل. فيتغنين آلامهن، ويرجعن ذكرياتهن، ويهتفن بعروس الهلسبنت، ويناجين العظام النخرة التي نامت إلى الأبد تحت أسوارها. . . ثم. . . . . . . ثم ينزاح ستر صفيق عن أورست. . . بين الجثتين الجبارتين جثة أمه الفاسقة كما دعاها. . . وجثة إبجستوس المتهتك، الذي لم يطهر ثأره بالحفاظ والنقاء. . . بل لطخه بفضائح الدعارة وحياة الهوى التي عاقر خمرها مع كليتمنسترا - (اشهدن يا عذارى! هاهما قاتلا أبي، وهادما مجد الوطن! لقد استويا بالأمس على عرش آجوس فلطخاه بالإثم، وهما اليوم مجندلان فوق ثرى واحد. . . وبيد واحدة. . . وهو من البر بالأقسام! أجل! لقد برا بيمينهما. . . أليس أحدهما قد أخذ الموثق على صاحبه أن يقتلا مولى هذا القصر. . . وأن يقتسما النتيجة؟ إذن: لقد برت بيمينها. . . ولقد حاق بهما المكر السيئ، وعلقا في الشرك الهائل الذي حاكاه أولاً. . . فمدت لهما فيه السنون والأيام!. . . ولكن. . .! وا أسفاه! لقد جشمتني المقادير مهمة ملعونة. . .! وكيف؟ أنا. . . . أورست المسكين قاتل أمه! يا للشقاء!. . . أبوللو. . . أبوللو. . . كن شاهدي يا سيد الشمس!. . . لقد أمرتني. . . وأوحيت إلي أن اقتل أمك واحمل بعدها غصن الزيتون!. . . فلو لم أفعل لكان شقائي أدهى وأنكى! وكيف أطيق صبراً على قاتليْ والدي؟! وأنا ابنه الوحيد. . . والسماء تطلب دمه من رجولتي! وأنتن يا طرواديات! تكلمن بحق السماء! أترين إليّ مذنباً ينقض ظهره الإثم. . . أم بريئاً امتشقت العدالة سيفها بيمينه. . .! أيها الأصدقاء! لقد قضت السماء أن أقتل أمي. . .! أمي التي ظلت حياتها سلسلة من المخازي ومستنقعاً من الفضائح. . . حياتها التي كانت تحديّا يا للسماء. . . لقد أقدمت وفوبوس يحدوني. . . لم يكن لي رائد سواه. . . ولا كنف إلا كنفه. . . . . . هلم يا شعب الأرجيف المجيد. . . كن شاهدي ومؤيدي. . . وأنت يا عمي منالايوس. . . ستأتي. . . ستعود إلى الوطن يوماً وتقر ما أقدمت عليه بوحي السماء!. . .

стр. 11504

لن يلومني أحد. . . فإذاً. . . . . . فلن أضيق بالمنفى من جديد. . . سأذرع الأرض ثانية. . . سأجوب الآفاق. . ولكن راضياً مطمئن النفس. . . لأني ثأرت لوالدي. . . ولشرف آرجوس كلها) - حاشا حاشا أيها الأمير! لن يلومك أحد على ما فعلت فلا تحرك لسانك بهذا اللغو. . . ولا تملأ نفسك بذاك التشاؤم. . . لقد أعدت للأرجيف حريتهم وشرفهم حين حطمت رأس الأفعى، وثنيّت بذنبها!) - ١٢ - ولكن الأمير الشاب ما يزداد إلا ذعراً حين يرى إلى أمه مضرجة بدمائها. . . وسرعان ما تكظ وجدانه رؤى كالحة وأشباح. . . ثم تستيقظ في نفسه كلماتها الأخيرة: (وأين تهرب من هُولني يا أورست؟ إن هامتي ستلاحقك في كل مكان صارخة في وجهك: يا قاتل أمه!. . .) فيجن جنونه. . . ويصيح ويصرخ ويصخب. . . - ويلاه! آه. .! ما هذه السمادير التي ترقص في حبر من الظلام! آه! أين المهرب؟) - (اطمئن يا أعز الأبناء! إنها أوهام يا أورست! هدّئ من روعك!) ليست أوهاماً يا عذارى! ويلاه. .! إنها تنقض علي! هامة أمي!. . . هاهي. . . آه!) - بل هي صورة هذا الدم الذي ما يزال يلوث يديك. . . اطمئن. . .) - (لا. . . أنا بريء! أدركني يا إلهي أبوللو! يا سيد الشمس هذه الجرجون المهلكة الثعابين تتحوى فوق رؤوسها. . . عيونها تقدح الشرر. . . اللهب يندلع من أفواهها. . . السم!. .) - (أدع أبوللو. . . أدع فهو بك بر رحيم؟) (آه!. . . إنها تنشب أظفارها. . . الهرب. . . الهرب!) دريني خشبة

стр. 11505

البريد الأدبي جون نيتل ومشروعه لتعليم الفلاح المصري جون نيتل من أنبه الكتاب السويسريين ذكرا، وأجملهم أسلوباً، وأصدقهم فناً في نقل صور البلاد، والقيام بتحقيقات اجتماعية رائعة، وقد تجلت موهبته لا في دقة الملاحظة فحسب، بل في سحر أسلوبه وسلاسة عباراته، بحيث تنفذ إلى نفس القارئ وتحدث في عواطفه أعمق تأثير ومما يدل أبلغ الدلالة على تفوق هذا الكاتب في فنه أنه برغم كونه سويسريا استطاع أن يثبت شخصيته أمام الإنجليز، وتمكن في روايته (الدكتور إبراهيم) من أن يدفعهم إلى الاعتراف بأن ثمرة تعليمهم في مصر هوت إلى الحضيض، وأن استعمارهم أصبح كابوساً لا يطاق لشعب نشر ألوان الحضارة والمعرفة، على حين كانت أوربا تغط في ظلمات الجهالة ومخلفات القرون ويبدو لنا أن حالة الفلاح المصري أحدثت تأثيرا عميقاً في نفس هذا الكاتب، وجعلته أشد عطفاً عليه، وأميل إلى أن ينقل لقرائه صوراً رائعة من أفكاره ومعتقداته وسوء حالته المعيشية، مع حث المصريين على تجهيز قوافل برية ونيلية تؤلف من متاحف صغيرة متحركة، وتزود بآلات للسينما وأجهزة علمية لتغزوا الجهل المتفشي في القرى والدساكر وتقضي عليه قضاء مبرما ولقد حدث من سنوات أن قام جون نيتل برحلة طويلة إلى مراكش حيث الاستعمار الفرنسي يرتع في بلد فطري، فما كاد يستقر هناك بضعة شهور حتى ثارت ثائرته على مظاهر الاستبداد الفظيعة، وكتب كتابه المشهور (مراكش وعبد الكريم) فغضبالفرنسيون لصراحته، وأحدث ظهور كتابه ضجة هائلة في الأوساط الاجتماعية والسياسية بفرنسا ويظهر أنه وضع روايته الجديدة (الدكتور إبراهيم) عن مصر وهو على ثقة من أنه سيستهدف لغضب الإنجليز ونقمتهم، وتبرم صحافتهم بصراحته، لكنه لم يحفل بهذا كله ومضى يسرد الوقائع بين سطور كتابه ويصورها بريشة الكاتب الواقعي الذي لا يخضع لسلطان سوى سلطان فنه، غير عابئ بالحملات الشديدة التي أعلنت عليه، ولا بمختلف الانتقادات النارية التي استقبلت بها الصحافة الإنجليز كتابه

стр. 11506

غير أن هذا الكتاب العظيم صادف هوى في نفوس الأمريكيين الذين يشيدون بمظاهر العدالة، فمجدوا شخصية جون نيتل وأفردوا لكتابه الفصول الطوال لافتين الأنظار إلى ما يجري في الريف المصري من تفشي الأمراض والجهل الفاضح والوقوع تحت أثقال ديون المرابين الأجانب ففي هذه القرى لا يصرف قرش واحد لنظافة البيوت والطرقات ونقل القاذورات وتجفيف المستنقعات، حتى لقد تبلغ الدرجة فيها أن تبقى رمم الحيوانات ملقاة بين المساكن فتتجمع عليها أسراب الجوارح والذئاب وتتصاعد منها روائح خبيثة وفي أسواق القرى لا يوجد مرحاض واحد يفي بحاجة من يؤمه من التجار الذين يضطرون لقضاء حاجاتهم في أركان الأسواق لتبقى هذه القاذورات هدفاً لأسراب الغربان والطيور والكلاب وجامعي الأحطاب، أو تلقى بقيتها في الترع والقنوات. فالعمل على تجنب الأضرار الناشئة من الماء الملوث الآسن يجب أن يكون قبل تدبير الماء الصالح للشرب في القرى، وهذا لا يتأتى إلا بإرشاد الفلاح إلى طرق النظافة، وتوقي الأمراض المعدية، ولن يكون إرشاده إلا بتجهيز قوافل علمية تطوف بمساكنه من وقت لآخر وتعمل على أن تنشل الفلاحين المساكين من وهاد القذارة والجهل، وتخرج بهم من الظلمات إلى النور ولقد كانت المحاضرة التي ألقاها جون نيتل في مساء الأربعاء الماضي بقاعة يورت التذكارية تحت إشراف معهد جان جاك روسو للتربية بجنيف، تدور حول هذه المشكلة، مشكلة إصلاح حال الفلاح المصري ورفع مستواه الاجتماعي مع المحافظة على تقاليد أسلافه. فذكر المحاضر بأن كل فكرة ترمي إلى تعليم الفلاح بقصد انتزاعه من أرضه ونزوحه إلى المدن هي محاولة فاشلة، فالواجب تشويق الفلاح إلى أرضه وتنمية مداركه وتوسيع آفاق فكره ومعارفه العامة؛ فإذا أردنا مثلاً أن نرشده إلى الأحوال الجوية ومعرفة سير الكواكب كان علينا أن نزوده ببعثة فلكية مكونة من محاضرين بارعين، مزودين بسيارات بها آلات ومراصد فلكية، فيحل أعضاء البعثة بقريته يوما أو بعض يوم، ويجمعون الفلاحين في مكان واحد ثم يلقون عليهم محاضرات بلغة بسيطة سهلة عن علم الفلك وحركة الكواكب والنجوم مع مساعدتهم على استيعاب هذه المعلومات بواسطة المجاهر الفلكية

стр. 11507

وهب أننا نريد أن نلقي على فلاحي قرية كذا درساً في النظافة والصحة العامة، فنوفد إليهم قافلة صحية بمتحفها الصحي المؤلف من نماذج مختلفة الأشكال، وبأفلام سينمائية معها نشرات مكتوبة في اللغة العامية يستطيع المربون الذين يرافقون القافلة أن يتلوا منها نصائح عملية على جماهير الفلاحين المحتشدين لاستقبالهم فالتعليم الحديث بواسطة القوافل العلمية هو الوسيلة التي يرمي إليها مشروع جون نيتل لرفع مستوى الفلاحين، إذ لا فائدة ترجى من إنشاء المدارس لتعليمه مبادئ الحساب والجبر وقواعد اللغة والرياضة إلى جانب تزويده بالمعارف العامة وتثقيفه الثقافة الشعبية الصحيحة التي تساعده على تربية الجيل الجديد تربية خالية من الجمود وشوائب الجهل ونوه المحاضر بأنه لا يرمي إلى أن يظهر في مشروعه بمظهر من يملي إرادته، ولكنه مشروع مفيد وضع بعد دراسات طويلة للتضامن مع الذين يهمهم رفع مستوى الفلاحين، وتحسين أحوال معيشتهم، كما أن تحقيقه على الوجه الأكمل يقتضي عشرات المئات من الشبان المتعلمين أن يساهموا في إسداء هذه الخدمة الإنسانية الجليلة؛ وإن في استخدامهم لهذا الغرض لحلاً لجانب كبير من مشكلة الشبان المتعلمين ومكافحة الأمية في القرى والدساكر وأهاب المحاضر في ختام محاضرته بأن في تغافل الحكومة وفي تركها الفلاح غارقا في محيط جهله خطرا عظيما على مستقبل الأمة، لأنه سيصبح في مصر طبقتان بينهما هوة عميقة: الشباب المتعلم في المدارس العالية وفي معاهد أوربا، وجمهور الفلاحين الذين يظلون بعقلية القرون الوسطى ويعيشون تحت إرهاب أساليب عصور الظلام كتاب الذخيرة لابن بسام نعرف أن لابن بسام الأديب الأندلسي الكبير أثراً حافلا عن حياة الأندلس الأدبية والسياسية في القرن الخامس الهجري، وهو (كتاب الذخيرة في التعريف بمحاسن أهل الجزيرة)، وإلى أعوام قلائل لم نكن قد ظفرنا بعد بنسخة كاملة من هذا الأثر الحافل؛ وكل ما انتهت ألينا منه نسخ مغربية وأندلسية ناقصة، ولكن العلامة المستشرق الأستاذ ليفي بروفنسال مدير مدرسة الدراسات العليا في مراكش قد ظفر بعد البحث الطويل في إحدى مجموعات المغرب بنسخة كاملة من كتاب الذخيرة؛ والأستاذ بروفنسال حجة في شؤون (الغرب

стр. 11508

الإسلامي) أعني الأندلس والمغرب وله مؤلفات قيمة عن عرب أسبانيا والمغرب، وقد نشر فوق ذلك طائفة نادرة من الكتب والوثائق عن تاريخ الأندلس والمغرب الأقصى: منها الجزء الثالث من كتاب البيان المغرب، ووثائق عن ابن تومرت (المهدي)، وجزء من تاريخ ابن حيان. ومن مؤلفته كتاب بالفرنسية عن أحوال الأندلس أيام الدولة الأموية، وقد تألفت أخيراً لجنة من أفاضل المستشرقين برياسة العلامة المذكور لتقوم على طبع كتاب الذخيرة وتحقيقه وتذييله، وربما شغل الكتاب أربعة مجلدات كبيرة؛ وهو ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول خاص بقرطبة وأعيانها؛ والثاني خاص بغرب الأندلس وأعيانه وأخبار بني عباد؛ والثالث خاص بأخبار بلنسية وأعيانها؛ والرابع خاص بأخبار الجزيرة. ولدينا في دار الكتب من كتاب الذخيرة نسخة ناقصة تحتوي على قسمين منه فقط هما الأول والثاني وقد استفاد من كتاب الذخيرة كثير من العلماء المشتغلين بتاريخ الأندلس مثل دورزي وسيبولد، وذلك قبل أن يوجد نصه كاملا؛ والكتاب من أنفس آثار الأدب الأندلسي، وقد كتب بأسلوب بديع، وبه معلومات قيمة عن أحوال دول الطوائف خلال القرن الخامس الهجري، وليس من ريب في أن نشره سيكون خدمة جليلة للتاريخ الأندلسي تراث جاك بانفيل أشرنا في عدد سابق إلى وفاة الكاتب والمؤرخ الفرنسي الكبير جاك بانفيل. وقد قرأنا أخيرا في إحدى المجلات الفرنسية الكبرى فصلا عن الكاتب الراحل للعلامة المؤرخ أوكتاف أوبري الذي زار مصر منذ حين وألقى بها عدة محاضرات تاريخية شائقة، يصف فيها تراث بانفيل التاريخي ويحلل مواهبه وكفاياته كمؤرخ وفيلسوف للتاريخ. وقد كان بانفيل قبل كل شيء كاتباً سياسيا؛ وكان رجل جدل قوي يذود عن آرائه بيقين وحرارة؛ وكانت تغلب عليه الروح الفلسفية في كتابه التاريخ. ويرى الأستاذ أوبري في كتابيه (تاريخ فرنسا) و (نابليون) أثرين جليلين يمتازان بقوة خاصة. وقد كان بانفيل ملوكياً يؤمن أشد الإيمان بالملوكية ونظمها وتقاليدها؛ وكان يدافع عن عقيدته في هذا الوسط الجمهوري المضطرم بحرارة المؤمن؛ ومن ثم كان رأيه في الثورة الفرنسية واعتبارها حركة دموية طائشة. وهو في هذا يتفق مع كتاب عظام ناصروا الملوكية مثل لامرتين؛ بيد أنه يفوقهم جميعاً في حرارة إخلاصه للملوكية وشدة وطأته على الثورة. ويعتبر الأستاذ أوبري كتابه

стр. 11509

عن نابليون أفضل مما كتب عنه تاين وميشليه؛ ويرى في كتابه (تاريخ الأجيال الثلاثة) صورة صادقة قوية من أحداث فرنسا ومحنها ومواطن عظمتها وضعفها منذ واقعة واترلو حتى معاهدة فرساي بيد أن بانفيل يبدو في ذروة قوته كفيلسوف مؤرخ في كتابه الأخير، وهو كتاب (الحاكمون بأمرهم)، وقد استعرض فيه تاريخ الطغاة والطغيان منذ العصور الغابرة؛ ويبدي بانفيل في بحثه وتحليله لخواص الطغيان والطغاة مقدرة تطبعها رزانة خاصة؛ ويرى أوبري أن أثر بانفيل عن الطغاة يجب أن يتبوأ مكانه بجوار كتاب (الأمير) للفيلسوف الإيطالي مكيافيللي، برغم أن بانفيل يهتدي في كتابه بمثل أخلاقية واجتماعية غير تلك التي يهتدي بها مكيافيللي في كتاب (الأمير). ولتقدير الأستاذ أوبري لتراث بانفيل التاريخي أهمية خاصة لأنه يتبوأ مكانة سامية بين مؤرخي فرنسا المعاصرين أحرب أم سلام نشر الكاتب الإنكليزي الكبير الدوس هكسلي حفيد العلامة هكسلي مقالا عن مصاير السلام يقول فيه إن عام ١٩٣٦ سيكون عاماً حاسماً في تاريخ البشرية؛ ذلك أنه إما أن يكون عام حرب أو عام سلام؛ إما أن يستطيع الساسة فيه أن يحتفظوا بسلام أوربا وإما أن تفلت الحوادث من يدهم وينحدر العالم إلى الحرب والدول التي تسيطر على مصاير العالم اليوم هي سبع: بريطانيا العظمى وفرنسا والولايات المتحدة والروسيا - وهذه في نظر الكاتب هي الدول (الراضية) - ثم ألمانيا وإيطاليا واليابان، وهذه هي الدول (غير الراضية)، وذلك لأن الاحتكار الاستعماري والاقتصادي الذي تنعم به الدول الراضية قد اشتدت وطأته في الأعوام الأخيرة من جراء السياسة القومية التي تتبعها، والنظم الجمركية والاقتصادية التي تنظمها، لتوطيد تجارتها وسحق تجارة الدول الأخرى. والدول غير الراضية لها كل الحق في أن تنقم على الدول الراضية هذا الاستئثار؛ ذلك لأن مستوى الحياة في إيطاليا وألمانيا واليابان يهبط بالتدريج، وسيستمر على هذا الهبوط؛ والحياة في هذه البلاد تغدو كل يوم أشد وطأة، حتى أصبحت ترى أن المغامرة بخوض الحرب أفضل من أي سلام مسكين تجنيه في ظل هذه الظروف التعسة. وقد قامت في هذه الدول الثلاث حكومات تعد شعوبها بأن ترد بالقوة القاهرة عنها هذا

стр. 11510

الحيف؛ فأما اليابان فقد انقضت على بعض أقاليم الصين؛ وتحاول إيطاليا أن تفتتح الحبشة؛ وربما أقدمت ألمانيا في فرصة قريبة على محاولة نيل الترضية اللازمة، وربما كان ذلك على حساب روسيا أو أوربا الوسطى وقد شهدت السياسة الدولية تطوراً عظيما في المبادئ، وذلك بتطبيق مبادئ وإجراءات إجماعية (أخلاقية)؛ ولكنا إذا أردنا السلام وجب أن نشتد في تطبيق هذه المبادئ الإجماعية إلى حدود أخرى؛ وإذا كانت إيطاليا تتبع سياسة غاشمة فذلك لما حاق بها من الظلم؛ وليس ثمة وسيلة واحدة لدفع هذا الحيف عن الدول غير الراضية سوى معاملتها ومعاملة دول أوربا الوسطى بعدالة ويرى الكاتب أن الحرب والسلام بيد الدول نفسها، فإذا أصرت الدول الراضية على التمسك باحتكارها الاقتصادي الذي كسبته بوسائل غير عادلة، وإذا حاولت أن تتسلح حتى الذروة لتحتفظ به، فإن الحرب واقعة لا محالة وأما إذا اعتزمت الدول الراضية أن تسير طبقاً لمبادئ الأخلاق، وهي في نفس الوقت مبادئ حسن التصرف، فان السلام يغدو محققاً مكفولا الحياة المصرية المعاصرة ظهر أخيراً في إنكلترا كتاب عن الحياة المصرية منذ أواخر القرن الماضي حتى يومنا، عنوانه (حياة في مصر) بقلم سيدة إنكليزية، أنفقت طول حياتها في هذه البلاد هي السيدة مابل جايارد. ويتناول هذا الكتاب وصف الحياة المصرية منذ أواخر عهد إسماعيل حتى سنة ١٩٣٥؛ أعني خلال ستين عاما. وكان والد السيدة مابل موظفاً في الحكومة المصرية منذ أوائل عهد الاحتلال؛ وكانت مس مابل يومئذ فتاة ناشئة، فقطعت حياتها الحافلة في هذه البلاد، بين الإسكندرية ومصر، وشهدت تطورات الحياة المصرية في هذه الحقبة، واتصلت بكثير من الشخصيات البارزة في هذا العهد، ووقفت على كثير من الشؤون والمعلومات العامة والخاصة. وتقدم المس مابل في كتابها عن مصر صوراً ساحرة لهذا العهد الذي كانت الحياة فيه ما تزال ناعمة هينة؛ وتصف لنا مدينة القاهرة والمجتمع القاهري في أواخر القرن الماضي، حين كانت لا تزال في طور نشوئها العظيم؛ وكانت لا تزال مدينة شرقية تحتفظ بكامل جمالها وسحرها الشرقي الذي مازال يملأ مخيلة الكتاب والسائحين؛

стр. 11511

وتصف لنا الإسكندرية في أوائل عهد الاحتلال وتروي لنا كيف كانت الحياة فيها أحياناً صعبة غير أمينة، وكيف كانت محط المغامرات والمفاجآت المكدرة وتقدم لنا المس مابل صوراً ممتعة عن البلاط الخديوي في هذه الحقبة، وعن الخديويين وعن أكابر سيدات الحرم الخديوي الذي اتصلت به المؤلفة وعرفت كثيراً من رسومه ومظاهر الحياة فيه؛ وتصف لنا الإسكندرية والقاهرة أيام الحرب الكبرى، وكيف تحولت العاصمتان الكبيرتان إلى شبه محطة عسكرية هائلة، ثم تصف لنا ما طرأ على الحية المصرية بعد الحرب الكبرى إلى يومنا وكتاب المس مابل طريف تجدر قراءته في هذه البلاد، وإن لم يكن يخلو من بعض نواحي التحيز والتحامل التي قلما تخلو منها كتب الأجانب، وبخاصة الإنكليز، عن مصر الفوكلور المراكشي تعتبر اليوم دراسة المعتقدات والعادات والتقاليد الشعبية من الدراسات الأثرية المفيدة في تاريخ الشعوب وتاريخ الحضارة؛ وقد اتسعت هذه الدراسة وتقدمت في عصرنا حتى أضحت تكون فرعاً خاصاً يطلق عليه (الفوكلور) أو دراسة المعتقدات الشعبية. ومن المؤلفات التي ظهرت أخيراً في هذا الموضع كتاب للدكتورة فرانسواز ليجي عن (الفوكلور المراكشي) وقد عاشت الدكتوره ليجي في مراكش أعواماً طويلة، ودرست المجتمع المراكشي دراسة مستفيضة، ووقفت على معتقداته وتقاليده القديمة التي لم تنجح المدنية الفرنسية المفروضة في إزالة معالمها؛ وتناولت المؤلفة معتقدات الشعب المراكيشي الدينية، وعاداته الاجتماعية، وما تداولته الأجيال منذ العصور الغابرة في شأن الخليقة وآدم والبر والبحر والحيوان والنبات والطير، من الأساطير والأمثال السائرة؛ وتسوق لنا المؤلفة أمثلة طريفة من هذه المعتقدات في شأن بعض الأشجار والأزهار فتقول: (إنهم يعتقدون أن بعض النباتات ليست من خلق الله ولكنها من خلق الشيطان، وهذا شأن التبغ مثلاً؛ وأما شجرة الكرم وشجرة التين فقد حملهما آدم من الجنة؛ وقد نبتت الورود وزهر البرتقال من دموع النبي، ونبتت شجرة الرمان من الأزهار التي نثرتها فاطمة الزهراء ابنة النبي حينما علمت بموت ولديها الحسن والحسين)، ويعتقدون أيضاً أن بعض الحيوانات كانت بشراً ومسخت، عقاباً لها على سيئاتها

стр. 11512

والكتاب طريف في موضعه وفي مباحثه وخصوصاً فيما يتعلق بتقاليد القبائل البربرية وعاداتها؛ وفي مباحثه ما يلقي كثيراً من الضوء على المجتمع المغربي في تطوراته المختلفة، وفي ظل الوثنية والإسلام، وما لا يزال حياً في معتقداته وتقاليده من تراث العصور الغابرة

стр. 11513

العدد ١٤١ - بتاريخ: ١٦ - ٠٣ - ١٩٣٦

стр. 11514

رعاية الفلاح واجب قومي أشارت الرسالة في عددها الماضي إلى المحاضرة القيمة التي ألقاها نزيل مصر، المستر جون نيتل الكاتب السويسري الكبير، عن تعليم الفلاحين ووجوب الاهتمام بثقافتهم القروية والصحية، فذكرتنا هذه المحاضرة بمسألة لا تزال تثير في نفوسنا شجناً، هي مسألة الفلاح المصري بوجه عام أجل إن مسألة الفلاح المصري مسألة تجدر بعناية كل مصري يقدر الدور الخطير الذي يضطلع به الفلاح في حياة هذه البلاد؛ فالفلاح عماد الإنتاج القومي، وجهوده عصب الثروة المصرية العامة، وهو منبع الذكاء المصري العامل؛ يؤدي للخزينة العامة من دخله ما لا يؤديه أي مصري آخر من ذوي المناصب أو المهن أو المال ومع ذلك فالفلاح المصري أقل أبناء الأمة حظاً من عناية أولي الأمر، بل يكاد يكون منهم نسياً منسياً؛ فقلما يفسح له مجال في المشاريع والمرافق العامة، وقلما تقدر حقوقه ومصالحه قدرها الحقيقي؛ وبينما نرى جميع الطبقات والطوائف من الموظفين وذوي المهن والطلبة والعمال، بل وذوي المال، كلا تدأب على مطالبة الحكومة وأولي الأمر بتحقيق ما تنشد من الحقوق والمزايا، إذا بالفلاح يلزم الصمت والسكينة، ويرقب مصيره قانعاً بالأمل، راضياً بحكم القدر، معتمداً على الله ثم على نفسه ودأبه المتواصل بل نلاحظ مع الأسف والألم أن أصوات قادتنا ومصلحينا ترتفع في كل وقت مطالبة بتحقيق مختلف المشاريع الإصلاحية العامة، ولكن قلما يرتفع منها صوت من أجل الفلاح والعناية بانتشاله من ذلك المنحدر السحيق الذي قضى عليه أن يعيش فيه؛ وإذاً فمما يثير الشكر والعرفان أن يرتفع بيننا صوت إنساني كصوت ضيفنا المستر نيتل، مطالباً للفلاح بما نقصر نحن في المطالبة به من عناية هو خليق بها يعيش الفلاح، عصب الشعب المصري وكثرته الساحقة، في نفس الحالة التي يعيش عليها منذ آلاف السنين، في غمر من الجهل المطبق والأمراض الفتاكة، تعوزه أبسط وسائل الصحة والنظافة؛ ولا يكاد يخرج من كده ودأبه المتواصل بأكثر من القوت الضروري، بل لا نعرف في بلد من البلاد المتمدنة طبقة اجتماعية ينحط منسوب العيش فيها إلى هذا الدرك الأسفل الذي تنحط إليه معيشة الفلاح المصري ويؤدي الفلاح إلى خزينة الدولة نحو خمسة ملايين جنيه ضريبة عقارية، ويؤدي أكثر منها

стр. 11515

ضرائب أخرى مباشرة وغير مباشرة، فهو بذلك من أكبر المساهمين في تكوين الدخل العام؛ ومع ذلك فهو لا يصيب من النفقات العامة قسطاً يذكر، سواء في التعليم أو الصحة أو المنشآت والمرافق العامة. صحيح أن الدولة تنفق الملايين على أعمال الري والصرف التي ينتفع بها الفلاح، ولكنها إنما تنفق في الواقع على إدارة الثروة المصرية العامة وإحيائها؛ ومن العدالة بل من مصلحة البلاد الحيوية أن يحظى الفلاح بنصيب حسن من الإصلاحات الاجتماعية التي ترمي إلى رفع مستواه الصحي والعقلي، ففي تقدم صحة الفلاح وتقدم ثقافته ثروة حقيقية للبلاد، وزيادة في قواها المنتجة الاقتصادية والاجتماعية وليس الفلاح بحاجة إلى التدليل على قدره وأهميته في حياة البلاد؛ فهو يعمل متوارياً في صمت، ولكن شرايين الحياة المصرية كلها تمت بصلة وثيقة إلى عمله وإنتاجه؛ وهاهو ذا المعرض الزراعي الصناعي القائم الآن أسطع دليل حي على ما لهذا الفلاح المتواضع من جليل القدر في الإنتاج العام، وما يستطيع أن يقوم به من المعجزات الزراعية والصناعية إذا تعهده ولاة الأمر بالعناية الرفيقة والإرشاد المستنير إن الفلاح مستودع الذكاء المصري، وأبناء الفلاحين هم صفوة القادة والزعماء وأكابر رجال الدولة والحكومة، فكيف يعدم الفلاح بين أبنائه أنصاراً يطالبون بحقوقه في الرعاية العامة، وبقسطه من العناية الصحية والثقافية؟ لقد كانت صحة الفلاح وعقله وروحه وما زالت عصب مصر الزراعية والاقتصادية، وقد كانت ستغدو عصب الدفاع عن مصر؛ فإذا شاءت مصر أم تحافظ على قواها المنتجة، وأن تشحذها وتضاعفها، فعليها ألا تدخر وسعاً في العناية بجسم الفلاح وعقله وروحه وإذا كنا نستطيع أن نسجل لبعض الوزارات المصرية شيئاً من الفضل في الاهتمام بأمر الفلاح، ولا سيما في تقرير التعليم الأولي، وإنشاء بعض المستشفيات والمؤسسات الصحية، وردم البرك، وغيرها، فأنه لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن هذه المشروعات تسير بخطى بطيئة جداً، وأن ما تم منها لا يعدو بداية ضئيلة. ومن حق الفلاح، وهو الذي يكون أغلبية الأمة الساحقة، ويساهم بأكبر قسط في إنتاجها الحيوي، ويتحمل معظم الأعباء والتكاليف العامة، أن يفوز من ولاة الأمر، ومن مشاريع الإصلاح العامة بأوفى نصيب (* * *)

стр. 11516

ولود وعقيم للأستاذ أحمد أمين ركبَتْ من أول محطة لترام مصر القديمة وهي كهلال الشك، جلد على عظم، وعلى يديها طفل قد جلل بالبياض، وعصبت عيناه، وغطي رأسه ووجهه بشاشة زرقاء وركب في المحطة التالية سيدة نصَف، أطيب شطريها الذي ذهب، ممتلئة البدن، سمينة الضواحي، فحيت الأولى، وتحادثتا والنساء سريعات التعارف، تراهن في طرفة عين يتحدثن إلى من لم يعرفن قبل في أدق الأمور، وأعمق الأسرار، حتى كأنهن صديقات العمر، ورفيقات الصبى؛ فهن يتحدثن بعد دقيقة في السعادة والشقاء، وأوصاف الأزواج وعيوبهم، والحموات ومصائبهن ومضايقتهن، والدخل والخرج؛ وقد ينتقلن إلى ما هو أدق من ذلك وأصعب، مما لا يستطيع الرجال أن يتكلموا في بعضه إلا بعد عمر طويل، وصداقة متينة، ومشاركة في السراء والضراء وبعد لحظة صرخ الطفل وأمعن في الصراخ، تحاول أن ترضعه ليسكت فلا يسكت، وتنميه فلا ينام، وتتبع معه كل الأساليب التي تعلمتها في إسكات الأطفال فلا تنجح، وأخيراً تدعو عليه بالموت فلا يستجاب لها - الثانية - ما له؟ - الأولى - رمدت عيناه من أيام ثلاثة فشرّبني المر، وفي الليلة الماضية لم أذق طعم النوم، وأنا طول الليل واقفة على رجلي أذرع الحجرة من أولها إلى آخرها ومن آخرها إلى أولها، وكلما هدأ وبدأ النوم ذهبت إلى السرير لأنيمه وأنام فيصرخ ويكرر النغمة عينها ويمثل الدور نفسه إلى الصباح، حتى دار رأسي، ومللت الحياة، وتمنيت الموت، ولم أر للحياة طعما مذ رأيت الأولاد، وهانا ذاهبة إلى طبيب العيون أمعك أولاد أخر؟ نعم - معي خمسة وهذا سادسهم؛ وقد حاولت بكل الوسائل أن أمنع الحمل بعد أول ولد ففشلت وفشلت. ومرة حاولت أن أخلص من جنين فكدت أخلص من نفسي وبقى الجنين. ومرة أصبت بنزيف شديد فعرضت نفسي على طبيب فقال إنه إجهاض، وليس من أمل كبير في بقاء الجنين؛ ثم أمرني أن ألتزم سريري ولا أتحرك، وأنام على ظهري دائماً،

стр. 11517

وكتب لي دواء يمنع النزيف. فامتنعت من شرب الدواء، وأكثرت الحركة، وعملت كل شيء عكس ما نصح الطبيب رغبة في الإجهاض، ثم مع هذا كله ارتفع الدم وثبت الجنين. وهذا هو الذي على يدي و (اسم الله عليهم) كلهم ذكور؟ لا والله! أربعة ذكور وبنتان، وكلهم في الهم سواء، وكل يوم نوع جديد من أنواع العذاب. ففي آخر السنة نضع يدنا على قلبنا عند الامتحان؛ وتظهر النتيجة، فهذا نجح، وهذا سقط بلا ملحق، وهذا له ملحق؛ ونمضي الإجازة في عناء! وتبتدئ السنة، فمن نجح في الشهادة الابتدائية ظهر متأخر الترتيب فلا نجد له مدرسة أميرية تقبله؛ والشهادة في يد، والمصاريف في يد، والمدرسة في رفض! ثم هذا صحيح وهذا مريض، وهذا ذاكرَ وهذا لم يذاكر. ولا تسألي عن وقت ذهابهم إلى المدرسة! هذا يبحث عن جزمته فلا يجدها، وهذا عن طربوشه فلا يجده، ونرى الفرد جورب في حجرة وفرداً آخر في حجرة أخرى، فلا يكادون يذهبون إلا وقد بلغت الروح الحلقوم. وعند مجيئهم من المدرسة هذا يغضب على الأكل وهذا يرضى، وهذا ينازع ذاك، ولا ينقذنا من كل هذا إلا نومهم. ثم هذا الشهر شهر أقساط المصاريف، وهذا شهر كسوة الصيف، وهذا شهر كسوة الشتاء، وماهية الزوج لا تكفي هذا وذاك، والعيش كله عناء في عناء. وأنت؟ أليس عندك أولاد؟ كان منظراً غريباً، فقد طفرت الدمعة فجأة من عين السيدة الثانية، فلما أخرجت منديلها ومسحت دمعتها قالت: أبى الله أن يرزقني في حياتي ولداً، وطالما دعوته وسألته! وحججت مرة، وكان أكبر همي من حجي أن أقف في أشرف بقعة وأسأل الله أن يهبني ابناً أو بنتاً! وليكن الابن ذكياً أو غبياً، ولتكن البنت جميلة أو دميمة؛ فأنا راضية بأي مولود على كل حال، ولكنه لم يفعل، وفي القرآن الكريم: (يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيما) فقد شاء أن يجعلني من الصنف الأخير - لتمنيت أن يكون لي أولاد، وأتحمل فيهم أضعاف ما ذكرتِ من عناء. ثم أراهنك أني أكون سعيدة مغتبطة لا أشكو ولا أتألم - لقد طرقت كل الأبواب لذلك فلم أنجح، ذهبت إلى الأطباء فعملوا لي عملية، واحتملت في سبيلها كل الآلام؛ وذهبت إلى المشايخ فرقَوا وعزَّموا؛ وذهبت إلى الشيخات (فحضَّرن) وبخرن و (وصفن)؛ وقالوا

стр. 11518

تخافين؛ فخفت ونزلت القبر، وركبت وابور (لونابارك)؛ وقالوا وقالوا، وفعلت وفعلت، فذهب ذلك كله هباء، ورزقني الله مالاً كثيراً استطعت أن أفعل به كل ما وصفوا حتى السفر إلى أوربا واستشارة أطبائها، ولكن إذا أبى الله فماذا يفعل العبد؟ لم يبق لي من ذلك كله إلا التلهف على الولد والحسرة الدائمة؛ وكل شيء حولي يذكرني بالأولاد فيثير أشجاني وأحزاني. لقد رأيت في حديقتي أشجار البرتقال والليمون تحمل أثمارها فقلت يا لله! أتسبل نعمك على الأشجار فتحمل كل عام أثمارها، وتضنّ علي فلا أحمل مرة ثمرة! وعندي قطة تحمل دائماً وتضع ما لا يعد من الأولاد، وكلما حملت ذكرتُ حملي، وكلما ولدت بكيت أولادي الذين لم يوجدوا بعدُ؛ وأرى الفقيرات البائسات العاريات في الشارع كل واحدة منهن تحمل في بطنها ولداً، وترضع ولداً، وتجر ولداً، فيتجمع الحزن في قلبي، وتنفجر منه عيني؛ واسمع (معارفي) وصواحبي، هذه ولدت، ثم هذه ولدت، ثم هذه ولدت، فأقول لم يبق عقيما إلا أنا، ولم يتخصص للشقاء غيري! رزقني الله مالاً ولم يرزقني ولداً، وليته رزقني ولداً ولم يرزقني مالاً؛ ولو كان الولد يشرى بكل ما أملك لاشتريته وكنت سعيدة؛ بل لو كان يشرى بعينيّ لاشتريته وكنت رابحة في صفقتي. وما الدنيا والمال؟ وما الحياة بغير الولد؟ لقد كنت في أول أمري أطلب الولد خشية أن يتزوج زوجي غيري، فلما أمنت جانبه، واطمأننت من ناحيته، طلبت الولد لأنه طبيعتي ولأنه حياتي بعدي، ولأنه موطن انتساخ روحي، ولأني امرأة قد خلقت للأمومة. لقد أحسست بهذه الأمومة في صغري فعملت العرائس إرهاصاً لأمومتي، ثم تزوجت تهيؤاً لهذه الأمومة، فلما تقدمت في السن ولم أجد الأمومة رأيتني فقدت طبيعتي، ورأيتني في الحياة مقدمة بلا نتيجة، أو قبة بلا شيخ، أو لوزة فارغة، وأنا والعروس من الحلوى، والعروس من القطن سواء، كلنا لا يلد. ليس لي أمل في السلوة إلا بالموت. فهو وحده بلسم الهموم، ومقبرة الأحزان! وهنا ختمت حديثها - كما بدأته - بالدموع قالت الأولى: والله لو ذقتِ مرارة الأولاد ما تمنيتِهم؛ ولو جربتِ سهر الليالي ما اشتقتهم؛ ولكن أحب شيء إلى الإنسان ما منع؛ والقصر من بُعد أجمل منظراً من سكناه؛ والخيال دائما ألذ من الحقيقة. لقد كان مرة أكبر أولادي يبكي وهو رضيع ولا نعلم سبباً لبكائه، ويبكي ويشتد في البكاء حتى بلغ معنا الهم مبلغه، وإذا بزفة عريس تمر من تحت بيتنا،

стр. 11519

فأضحكني زوجي أبو الطفل إذ قال للعريس: (غُرْ) غداً تخلف (وترى) - لو تمنيت الآن شيئاً لتمنيت أني لم أكن تزوجت، وإن تزوجت فلم أكن (خلفت) - أتبادلني؟ وضحكت؟ قالت الثانية وتأوهَتْ: وكيف يمكن البدل؟ إنما أريد أولاداً مني لا منك، أريد كبدي تمشي على الأرض أربيها، ولا أريد كبك أنميها وأغذيها - وأنت أيضاً لا تعبرين عما في نفسك تعبيراً صادقا، فمن تهون عليه أولاده؟ إنما ينفع البدل إن كان قدر لي الله أن أكون ولوداً وأن تكوني عقيما قالت الأولى: أتريدين الحق يا أختي؟ الدنيا كلها تعب فلا ولود في راحة، ولا عقيم في راحة، ولا متزوجة سعيدة، ولا عزبة سعيدة ووصل الترام إلى العتبة فنزلتا، هذه إلى طبيب أبنها وتلك لبعض شؤونها قال صاحبي: ولكن كيف أمكنك أن تسمع هذا الحوار؟ قلت: هذا سر الصنعة. أحمد أمين

стр. 11520

٤ - الدينار والدرهم للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال احمد بن مسكين: وأزفَ ترحُّلي عن (بلخ) وتهيأتُ للخروج، ولم يبق من مدة مقيلي بها إلا أيام يجيء فيها السبتُ الرابع. وكانت قد وقعت مُمَارةٌ بيني وبين مفتي (بلخ) أبي أسحق إبراهيم بن يوسف الباهلي تلميذ أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، ويزعمون أنه شحيحٌ على المال وأنه يَتَغَلَّلُه من مُسْتَغَلاَّت كثيرة، فكأنما غَشِيَتْه غمامتي، فهو لا يرى أن أتكلم في الزهد، ويحسب هذا الزهد تماوُتَ العبَّاد ونَفْضَ الأيدي من الدنيا وسوءَ المصاحبة لما يُنعم الله به على العبد، وخذلانَ القوة في البدن، وما جرى هذا المجرى من تزوير الحياة بالأباطيل التي زعم أنها أباطيل الطاعات وما أقربها من أباطيل المعصية. ولم يكن هذا المفتي قد سمعني ولا حضر مجلسي، ولولا الذي لم يعرفه من ذلك لقد كان عرف وجادلتُه فرأيته واهنَ الدليل، ضعيفَ الحجة، يُخَمَّنُ تخمين فقيه، وينظر إلى الخفايا من حقائق النفوس نظر صاحب النصَّ إلى الظاهر، كأن الحقيقة إذا ألقيت على الناس مضت نافذة كفتوى المفتي. . . ويزعم أن الوعظ وعظُ الفقهاء، يقولون هذا حرام فيكون حراماً لا يُقارفه أحد، وهذا حلال فيكون حلالاً لا يتركه أحد؛ وهو كان بعيداً عن حقيقة الوعظ ومداخله إلى النفس وسياسته فيها، ولا يعرف أن الحقيقة كالأنثى إن لم تزين بزينتها لم تستهو أحدا؛ وأن الموعظة إن لم تتأدَّ في أسلوبها الحي كانت بالباطل أشبه، وأنه لا يغير النفسَ إلا النفسُ التي فيها قوةُ التحويل والتغيير كنفوس الأنبياء، ومن كان في طريقة روحهم، وأن هذه الصناعة إنما هي وضع نور البصيرة في الكلام لا وضعُ القياس والحجة، وأن الرجل الزاهد الصحيح الزهد، إنما هو حياة تلبسها الحقيقة لتكون به شيئاً في الحياة والعمل. لا شيئاً في القول والتوهم، فيكون إلهامها فيه كحرارة النار في النار من واتاها أحسها ولعمري كم من فقيه يقول للناس هذا حرام، فلا يزيد هذا الحرام إلا ظهوراً وانكشافاً مادام لا ينطق إلا نطق الكتب ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع، وقد خلا من القوة التي تجعله روحاً تتعلق الأرواحُ بها وتضعه بين الناس في موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آتٍ من الجنة منذ قريب، راجعٌ إليها بعد قريب
следующие страницы →