← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الذين قست قلوبهم، ورثاء الذين رقت نفوسهم كما أثار معاني أخرى أقوم وأخصب وأبقى من الضحك والرثاء. قال التلميذ: لم أقصد إلى برومثيوس ولم أفكر فيه، وهل تضن أني رأيته أمس ولم أذهب إلى القوقاز وإنما أنا معك في القاهرة، ولعلي أن ذهبتإلى القوقاز فلا أرى الصخرة ولا قرينها فلم يحدثنا عنهما أحد من الذين زاروا تلك البلاد بعد ايسكولوس. قال الأستاذ فهي صورة من صور برومثيوس قصدت إليها واتخذتها نموذجا لهذا النحو من البيان كما كان يفعل القدماء. قال التلميذ لم أفكر في برومثيوس ولم اقصد إلى تقليد ايسكولوس، وإنما هو شيء شهدته أمس. قال الأستاذ وماذا شهدت؟ قال التلميذ شهدت صديقنا فلانا وقد أرادت له ظروف الحياة أن ينتقل من دار إلى دار. قال الأستاذ وقد اغرق في الضحك ما ابعد هذه الصورة التي تحدثني عنها من تلك الصورة التي كنت أذكرك بها! وأين يكون صديقنا فلان حين تنقله الظروف من دار إلى دار، من برومثيوس حين يشده كبير الآلهة إلى صخرة القوقاز، قال التلميذ فقد أثار صديقنا فلان في نفسك الضحك لأن صورته ذكرتك بتلك الصورة الضخمة العظيمة التي نصبها أبو التراجيديا للناس فلما انحدرت منها إلى هذا الشخص الضئيل النحيل الذي كان يقيم في طرف من أطراف القاهرة فأنتقل إلى طرف آخر لم تملك نفسك أن أغرقت في الضحك إغراقا. ومع ذلك فلو قد رأيته أمس كاسف البال كئيب الوجه محزون القلب معقود اللسان مقيد الرجل مغلول اليد، محصورا بين طائفة من الأثاث وأدوات البيت، مختلفة اشد الاختلاف، متباينة اشد التباين، فيها الكبير والصغير، فيهاالأنيق والدميم، قد جمعت حوله تجميعا، وكدست حوله تكديسا، وقد وضع هو بينها وضعا على كرسي أو شيء يشبه الكرسي، وقيل له أقم لا ترم حتى يأذن الله أو يأذن العمال لك بالانتقال، وهو مقيم لا يريم، لا يستطيع أن يقول شيئا، ولا ينبغي أن يقول شيئا، لأنه لا يفهم مما حوله شيئا، يريد أن يخلو إلى نفسه ويعيش مع خواطره، وإذا هو مصروف عن ضميره صرفا بهذه الأصوات العنيفة المختلفة التي تأخذ من كل مكان، والتي تؤلف من حوله نوعا فجا فظا غليظا من الموسيقى، فيه أصوات العمال على اختلافها، واصطدام الاثاث، ووقعه على الأرض، وهذا الصوت الذي يغيظ ويهيج الأعصاب ويأتي من جر الأشياء على الخشب حينا وعلى الحجر حينا آخر، وخفق الأقدام وتداعي الخدم، وتناهي الحمالين وما شئت مما يحصر وما لا يحصر، من هذه

стр. 2242

الضوضاء الغريبة التي يمتلئ بها البيت حين تفارقه الحياة، ويمتلئ بها البيت حين تدخله الحياة. قال الأستاذ محزونا مشفقا، وكم قضى المسكين من وقت على هذه الحال؟ قال التلميذ يوما كاملا نصفه في ذلك البيت الذي كان يخلو، ونصفه في هذا البيت الذي كان يعمر. ولقد فهمت أن اتحدث إليه في الانتقال من دار إلى دار، وأن اذهب معه مذهب الادباء في هذا الحديث، فأخذت أذكر له وقوف الشعراء على الاطلال واحيائهم لما يثير هذا الوقوف في نفوسهم من الذكرى وما يسفح على خدودهم من العبرات، وذهبت اروي له: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. . وانشده: لخولة اطلال ببرقة ثمهدي. . واتغنى له بدمنة ام اوفى. . واروى له ما قال ذو الرمة في ربع مية. واستطرد به إلى ما قال أبو تمام في عمورية بعد أن دمرها المعتصم تدميرا. فلم أجد منه نشاطا ولا انبساطا وإنما قال في صوت المحزونولهجة المتعب المكدود وما أنا وذاك؟ لقد تنقلت في حياتي بين دور كثيرة من حوش عطى، إلى درب الجماميز، إلى شق الثعبان، إلى مونبلييه، إلى باريس، إلى السكاكيني، إلى الحوياتي، إلى هليو بوليس، إلى الزمالك، فأقسم ما وجدت ساعة الانتقال لحظة من هذه اللحظات الحلوة التي يغنيها الشعراء غناء جميلا في شعر جميل اودع فيها دارا احببتها وبلوت فيها الحلو والمر من الوان الحياة، واستقبل فيها دارا لا اعرفها ولا أ ' رف ما ستتكشف لي فيها الايام عنه من الاحداث والخطوب. إنما هو الضجيج والعجيج وازدحام الادوات والاثاث، وصياح العمال والحمالين وخفق الاقدام، وجر الاثقال، ومجلس ضيق كهذا المجلس الذي ترى وساعات طوال ثقال كهذه الساعات التي رأيت، ثم وصل لما انقطع من الحياة، وسعى فيما أهمل من العيش، وانغماس في هذه الحركات العنيفة التي لا موضع فيها للشعر ولا مكان فيها للغناء. هنالك عدلت به عن النحو من الأدبالنو آخر. فأخذت اتحدث إليه عن قول ابي تمام نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الاول كم منزل في الارض يألفه الفتى … وحنينه ابدا لاول منزل. واخذت أساله عن احب منازله إليه وآثرها عنده فلم يحتج إلى تفكير ولا تقدير، وإنما قال في صوت حزين يشوبه الابتسام احب دار واثرها عندي إنما هي تلط التي درجت فيها

стр. 2243

طفلا في قرية من قرى الريف، وهذه الدار التي نشأت فيها شابا في حوش عطى، ثم هذه الدار التي أقمت فيها طالبا للعلم في شارع من شوارع الحي اللاتيني في باريس ولكن بشرط إلا أعود إلى الاقامة والحياة في وحدة منها، هي حبيبة إلى كريمة اثيرة عندي حين اذكرها وحين ألم بها الألمامة القصيرة اليسيرة، فأما أحب الدور إلى وآثرها عندي الآن فهي هذه التي تراها مضطربة مختاطة مملوءة بالضجيج والعجيج والصياح من كل نوع، وتراني فيها اسير سجيا بين هذه الادوات المختلطة المكدسة حولي لا أستطيع حركة ولا انتقالا لانها ستستقيم لي بعد أيام، وستحمل الي فيها ساعات الحياة من الوان العيش ما لم اذق بعد. ويكفي أن اذكر تلك الدور كلها وكيف انتقلت من احداها إلى تلك التي تليها حتى انتهيت إلى هذه الدار لتعلم اني كغيري من الناس خليق إلا امنح تلك الدور من نفسي إلا هذه الدار الذي يقترن بالذكرى، مومن يدري لعلي أن انتقل من هذه الدار التي تراها إلى دار اخرى أوثرها عليها واختصها بالتفضيل، إنما نترك في كل دار نسكنها قطعة من قلوبنا، ولكنك تعلم أن قلوبنا لا تنقص بما نفرق من أجزائها بين الدور، وإنما تكمل وتستكثر من الثروة بهذه الذكريات التي نحملها معنا إلى أن يأتي هذا اليوم الذي ننتقل فيه إلى منزل آخر لا نؤثره ولا يؤثرنا، لا نحبه ولا يحبنا، لا نسعى إليه ولا يسعى الينا، وإنما نكره عليهاكراها، ويكره هو علينا اكراها. . . هنالك أحسست مرارة الحديث فهممت أن اتحول بصاحبي إلى حديث آخر، ولكن أمور الدار وترتيبها كفتني مؤونة هذا. الانتقال، فقد اقبل المقبلون يرفعون هذا وذاك، يتصايحون ويتبادلون بينهم الامر والنهي. قال الأستاذ لا بأس بهذا الموضوع ولكن على أن تعالجه علاجاً آخر وتعرضه عرضاً فنيا يثير الضحك ويثير الرثاء وإنما يأتي ذلك حين تقصد إليه قصد صاحب الفن وتبث فيه جزءا من اجزاء نفسك يمنحه شيئا من الحياة. طه حسين

стр. 2244

ملق القادة للأستاذ أحمد أمين لست أعني بهذا العنوان أن يتملق الجمهور لقادتهم فيظهرون لهم الود والعظام بحق وغير حق، فذلك شيء قليل الخطر، فاتر الأثر، وإنما اعني أن يتملق القادة للرأي العام فيسيرون على هواه ويجرون مجراه، ويأتون ما يحب، ويذرون ما يكره، فهذا هو الداء الدَّوىّ والعلة الفادحة ومن أسوأ ما أرى في الشرق في هذه الأيام هذه الظاهرة: ظاهرة أن يحسب القادة حساب الرأي العام أكثر مما يحسب الرأي العام حساب القادة هذه الظاهرة جلية واضحة في قادة العلم، فهناك أوساط تقدس العرب كل التقديس، وتعتقد أنهم في حكمهم عدلوا كل العدل، ولم يظلموا أي ظلم، فقادتهم يتملقونهم ويستخدمون معارفهم للوصول إلى هذه النتائج التي ترضيهم، سواء رضى العلم أم لم يرض، وسواء أوْصَل البحث إلى هذه النتائج أو إلى عكسها، وهناك أوساط تعبد كل غربي من عادات وتقاليد وآداب، فقادتهم يختارون اللفظ الرشيق، والأسلوب الأنيق لتأييد هذه الآراء، ولا عليهم في ذلك أن كانوا يحقون الحق أم يؤيدون الباطل وهي ظاهرة في قادة الأدب، فأن أحب الجمهور روايات الحب والغرام ألفّوا فيها أكثر منها، وأن أدركوا أن تصفيق الجمهور يكون أشد، كلما كان الحب احد، تسابق الأدباء إلى أقصى ما يستطيعون من حدة وعنف، ومهروا في أن يستنزفوا دموع المحبين، ويهيجوا عواطفهم، ويصلوا إلى أعماق قلوبهم، وأن كره الناس أدب القوة من الأدباء، هو سمج، وهو جاف، وهو لا قلب له، وأن كان الجمهور لا يقبل إلا على الأدبالرخيص فكل المجلات أدب رخيص، لانه كلما أسرف في الرخص غلا في الثمن، وأن بدأ الجمهور يتذوق الجد تحولوا إلى الجد وداروا معه حيث دار وهي ظاهرة في دعاة الإصلاح، فهم يرون - مثلا - أن الشباب قوة فوق كل قوة، وهم عصب الأمة الكسير الحياة، وفي استطاعتهم أن يرفعوا من شاءوا إلى القمة ويسقطوا من شاءوا إلى الحضيض، فهم ينظمون لهم الدار في مديحهم وإعلاء شأنهم، وملئهم ثقة

стр. 2245

بأنفسهم، فهم رجال المستقبل وعماد الحياة، وهم خير من آبائهم، وستكون الأمة في منتهى الرقى يوم يكونون رجالها - وقد يكون هذا حقا، ولكن للشباب أغلاطه الجسيمة التي تتناسب وهمته، وله غروره واندفاعه، وله تهوره وإفراطه في الاعتداد بنفسه - فكان على المصلحين أن يكثروا القول في المعنيين على السواء، فيشجعوا وينقدوا، ويبشروا وينذروا، ويرغبوا ويرهبوا حتى تتعادل قوى النفس، وحتى يشعروا بمحاسنهم ومساويهم معا - ولكن هؤلاء القادة - مع الأسف - وقعّوا فقط على النغمة التي تعجب الشباب وتحمسهم ولم يجرءوا أن يجهروا بعيوبهم، ولا أن يقولوا ولو تلميحا - في مواضع النقص من نفوسهم - فكان لنا من ذلك شباب استرسلوا في الأيمان بقول الدعاة إلى أقصى حد، واعتقدوا انهم كل شيء في الحياة وانهم فوق أن يسمعوا نصيحة ناصح أو ناقد - وكان هذا نتيجة لازمة بعد أن وقف القادة منهم هذا الموقف - وقد يكون هذا رد فعل للماضي أيضا - فقد كان طالب العلم في الجيل السابق يقدس قول أستاذه، وهو وأستاذه يقدسان ما في الكتاب الذي يتلى، وكان الشاب يجل الشيخ في قوله وفعله، ولا يرى أن له صوتا بجانب صوته، ولا رأيا بجانب رأيه، فكان سلوك هذا الجيل انتقاما من الجيل السابق، وذهابا في الإفراط يعادل إفراط آبائه، ولكن أظن أنا وصلنا إلى حد يجعلنا نفكر جديا في تثبيت هذه الذبذبة ووقفها الموقف الحق أن وقوف القيادة من الجمهور موقف الملق قلب للوضع، فالعالم إذاقال برأي للناس لم يكن لعلمه قيمة، والمصلح إذادعا إلى ما عليه الناس لم يكن مصلحا إني أفهم هذا الوضع في التاجر يسترضي الجمهور لأن نجاحه في تجارته يتوقف على رضاهم، وأفهم هذا في المعنى يقول ما يعجب الناس لأنه نَصَب نفسه لإرضائهم، واستخرج إعجابهم، ولكني لا أفهم هذا في قائد الجيش، فان له مهمة أخرى، وهي أن يظفر بخصمه، فلو كان همه أن يسترضي جنده لا أن ينتصر على عدوه لما استحق لقب القيادة لحظة، ولكان الوضع الحقيقي أن الجند هم القادة والقادة هم الجند كذلك الشأن في قائد العلم وقائد الأدب، والمصلح الاجتماعي فلكل منهم غرض يرمي إليه في علمه أو أدبه أو إصلاحه، وله خطة يريد أن يحمل الناس عليها رضوا أم كرهوا بل لا يعد المصلح مصلحا حتى ينبه الناس من غفلتهم، ويحملهم على أن يتركوا ما ألفوا

стр. 2246

من ضار، أو يعتنقوا ما كرهوا من صالح وهو في أغلب أمره مغضوب عليه ممقوت، واصطلاح الجمهور والمصلحين ليس علامة تبشر بخير، بل هي في الغالب تدل على تراجع من المصلح وانتصار للعامة وقد كان المصلحون في الشرق إلى عهد قريب أشد الناس تعبا في الحياة، وأكثر تبرما بالجمهور وأقربهم إلى عهدنا جمال الدين ومحمد عبده وقاسم أمين، لقوا في دعوتهم من العذاب الوانا، ولم يوفوا حقهم إلا بعد أن وافاهم الموت، أما اليوم فلست أرى حركة عنيفة بين القادة والرأي العام، ولا بين المصلح ومن يراد اصلاحه، وربما كان سبب ذلك أن القائد ينظر إلى نفسه أولا وقبل كل شيء وآخر كل شيء، قصد إلى أن يصفّق له أكثر مما قصد لخدمة الحق، وقد وصل إلى درجة من إعجاب الجمهور يريد أن يزيدها أو يحتفظ بها، قد خلع ثياب القائد، وارتدى لباس التاجر، يبحث عما يعجبهم ليقول فيه شعره أو يكتب فيه مقالته، أو يطنب في وصفه، ويبحث عما يسوءهم ليحمل عليه حملة شعواء بقلمه أو لسانه كما يبحث تاجر الأزياء عن آخر طراز في الزي يقبل الناس على شرائه تلك أشد حالات الانحطاط في القيادة، فأول درس يتلقاه القائد أن يكون قليل الاهتمام بشخصه، كثير الاهتمام بالغرض الذي يرمي إليه في الإصلاح، سواء أكان إصلاحا لغويا أو أدبيا أو اجتماعيا أو دينيا، وأن ينظر إلى كل ما يجري حوله في هدوء، لا يسره إلا أن يرى الناس اقتربوا من غرضه ولو بسبه، ويضحي بالشهرة فتبعته الشهرة، ويضحي بالحظ فيخدمه الحظ، بل سواء عليه عُرف أم لم يعرف، وسواء عليه لعن الحظ، بل سواء عليه عُرف أم لم يعرف، وسواء عليه لعن أم كرّم، ما دام سائرا على المنهج الذي رسم، لا يشعر بأريحية إلا أن يصل إلى غرضه، أو يقرب منه، يحب المنتصرين لرأيه ويرحم الناقمين عليه، يرفض أن يلبس تاج الفخر إلا أن يكون من نسيج ما سعى إلى تحقيقه - أن كان هذا أول درس يتعلمه القائد فهو آخر درس أيضا. أخشى أن يكون قادة الرأي فينا قد ملوا المقاومة فاستسلموا، وأن يكون قد استصعبوا الغاية فاستناموا، وأن يكونوا قد وقفوا مترددين قليلا بين عذاب الضمير وعذاب المعارضة فاحتملوا الأول، وأن يكونوا لطول ما لقوا قد رغبوا عن النظر إلى الأمام والتفتوا وراءهم إلى الرأي العام فساروا أمامه في الطريق الذي يحبه هو لا الذي يحبونه هم، أن كان هذا

стр. 2247

فيالها من هزيمة. أنى لنا بقادة في الرأي لا يتملقون إلا الحق.

стр. 2248

الحرية للأستاذ الشيخ إبراهيم الدباغ غلت فغلى في كل حي وجيبها … ولست لها! أن كان غيري مجيبها صريع هواها لا يواسى بنظرة … وجرحى أساها لا يلين طبيبها بدت واختفى فيها جمال تزينه … فهبت أعاديها ونام حبيبها وكم مزقت ستر العفاف لصونها … بحر يناجيها وعبد يعيبها حديقتها قد فتحت كل زهرة … تضل النهى أنفاسها وضروبها شكت غربة في أهلها ولداتها … وأمسى على بلواه يبكي قريبها وكم أكلت نيرانها قلب جاحد … وإني لأرجوا أن يزيد لهيبها وكم عملت في نفس حر ومنصف … وحسب الأماني أن يخف شبوبها يشرفها في كل شروق شروقها … وتغرى بها في كل غرب غروبها مطالعها في الشرق والغرب لم تعد … إلى الأفق حتى ضاق ذرعا رقيبها تعود منها المستبدون هدنة … وسلما، وردتهم لرشد حروبها وكم من غراب ناعب في رياضها … صباحا وقد أحيا الدجى عندليبها سقاها الحيا بالأمس واليوم عذبت … فيا ليت شعري في غد ما يصيبها! وهل للعوالي رغبة في مثوبة … تبارك معطيها وجل مثيبها وكائنْ لها من مهجة مثل صخرة … تذيب الليالي والليالي تذيبها مضت في الكرى واستعجلت يقظة الوغى … وساحتها أم فأين ربيبها؟ ممنعة لا تبتغي عند أمة … موزعة أهواؤها وقلوبها

стр. 2249

وأخيراً النون للعلامة الشيخ عبد القادر المغربي عضو مجمع اللغة العربي الملكي كان بيني وبين بعض الفضلاء نزاع طويل حول كلمة (انسكلوبيدي) اليوانانية الأصل واختيار كلمة عربية تقوم مقامها والانسكلوبيدي لفظ وضعه الإفرنج للدلالة على المعجم الذي يتضمن كل فن ومطلب من مطالب ثقافات الأمم، ومقومات حضارتها: ففيه كل شيء ما عدا اللغة، فان كلماتها تكفل ببيانها معجم آخر يختلف اسمه باختلاف اللغات. ولما وضع العلامة البستاني معجمه العربي الجامع لكل فن ومطلب وضع له اسما عربيا مفردا، ثم بدا فغيره إلى اسم آخر مركب من كلمتين. وتتابعت الأسماء والأوضاع على هذا النمط. (١) الكوثر؛ بطرس البستاني (سورية) سنة ١٨٧٦م (٢) دائرة المعارف؛ بطرس البستاني (سورية) سنة ١٨٧٦م (٣) لغات تأرخية وجغرافية؛ أحمد رفعت أفندي (الأستانة) سنة ١٨٨٢م (٤) مصور دائرة المعارف؛ علي سيدي ومحمد عزت وعلي رشاد (الأستانة) سنة ١٩١٤م (٥) موسوعة؛ إبراهيم اليازجي (سورية) (٦) كنز العلوم واللغة؛ فريد وجدي (مصر) سنة ١٩٠٧ (٧) دائرة معارف القرن العشرين؛ فريد وجدي (مصر) سنة ١٩٢٣ (٨) محيط المعارف؛ أمر الله أفندي (الأستانة) (٩) معلمة؛ الأب انستاس الكرملي (بغداد) (١٠) النون واشتد الجدل في اختيار أفضل هذه الكلمات وأحقها بالقبول، ثم اتفقنا على إهمال ما كان مركباً منها كدائرة المعارف، أما المفردات فالكوثر لا تدل على المراد من (الانسكلوبيدي) كما لا يخفي، و (موسوعة) مختلف في أصلها وسلامة عروبتها، فلم يبق إلا كلمة (مَعْلمَة) التي تدل على معنى (وعاء العلم) ثم عادت المناقشة فاشتدت حول قبول (المعلمة) وعدم قبولها، وحجة رافضيها إنها إنما تدل

стр. 2250

على كتاب فيه علم ولا تدل على معنى الشمول والإحاطة كما هو المقصود من فرد هذا الاعتراض بان (المعلمة) تدل على معنى الكثرة لكونها مصوغة على وزن مَأسَدَة و (مسَبْعَة) ومَذَبَّة، و (مَقشأة) و (مَلَصَّه) أي أرض كثرت فيها الأسود والسباع والذباب والقِثَّاء واللصوص. وقال الأب أنستاس (المْعلمة) فيكون قد أراد إنها كتاب كثر فيه العلم. فبقى بعض الأخوان مصراً على رفض (المعلمة) مستدلا بان كلمة (مسبعة) وأخواتها الدالة على الكثرة إنما هي صيغ خاصة وقعت للعرب في وصف الأرضيين والأماكن وحدها، حتى أن ابن سيده عقد لهذه الكلمات في مخصصه - جزء ٣، ص ٢٠٥ - بابا عَنْوَنَه بقوله (باب مفَعْلة من صفات الأرضين). فكيف يصح لنا أن نجعلها من صفات الكتب؟ فلم يبق إلا أن تكون صيغة - معلمة - كصيغة - مقلمة - بالقاف بمعنى وعاء الأقلام. وهذا يضعف من أمر اختيارها لتحل محل - انسكلوبيدي - فقال بعض الأخوان: أن الياس بك القدسي (عضو مجمعنا العلمي العربي بدمشق) كان أشار بوضع كلمة (النون) في مقابل الانسكلوبيدي مستدلا بما جاء في معجم المستشرق المشهور (كازيمرسكى) مترجم القرآن إلى الافرنسية - من أن (النون) في اللغة العربية تكون بمعنى (الانسكلوبيدي) الأعجمية. فعجبت من قوله، لأن (النون) أن كان المراد بها حرف الهجاء فلا علاقة لها بمعنى (الانسكلوبيدي) وأن كان المراد بها كلمة (النون) التي من معانيها السيف والحوت والدواة فأنها أيضا لا علاقة لها ظاهرة بالانسكلوبيدي ولم يتيسر لي أن أراجع معجم (كازيمرسكى) العربي الفرنسي، حتى وقعت لي نسخة منه منذ أيام، فوجدته يقول ومن معاني (النون) خلاصة جميع العلوم ولم يذكر كازيمرسكى صراحة أن النون تطلق على الانسكلوبيدي، فعلمت أن الياس بك ﵀ إنما استنتج كلمة الانسكلوبيدي من قول (كازيمرسكى) استنتاجا. فبقى عالقا في حفظه أنه من قول (كازيمرسكى) نفسه. وحق له هذا الاستنتاج لأن كلمة (النون) إذاكانت بمعنى خلاصة علوم البشر كانت جديرة بان تطلق على الكتاب الذي يضم بين دفتيه خلاصة علوم البشر. وقد ازددت حرصاً على معرفة المصدر الذي اعتمد عليه كازيمرسكى فيما ذهب إليه. فلم أظفر بشيء في المعاجم اللغوية العربية، لكني رأيت (السيد الجرجاني) يقول في كتاب

стр. 2251

التعريفات ما نصه: (النون هو العلم الإجمالي. يريد به الدواة، فان الحروف التي هي صور العلم موجودة في مدادها إجمالا. وفي قوله تعالى (ن. والقلم) هو العلم الإجمالي في الحضرة الاحدية. والقلم حضرة التفصيل اه) ففي هذا القول رموز لغة وتفسير وعقيدة وتصوف، ألف بينها لحام دقيق يمكن تفكيكه على هذه الصورة: أن حرف (ن) في الآية أريد به إجمال أو خلاصة للعلم البشري وأن (القلم) الذي ذكر بعد (ن) هو الكفيل بتفصيل ذلك العلم الإجمالي. وأن حرف (ن) إنما جاءه معنى العلم الإجمالي من كونه حرفاً من حروف الهجاء. وحروف الهجاء يتركب منها جميع الكلام الذي يدل على علوم البشر التي إنما يصورها الكاتب بمداد الدواة. فعلوم البشر مدمجة في الدواة، والدواة رمز يذكر بمجموع علوم البشر وثقافاتهم في التمدن القديم، كما أن (المطبعة) رمز يذكر بمجموع علوم البشر وثقافاته في التمدن الحديث ثم تراجع كتب اللغة والتفسير فنجد بعض المفسرين يفسر (ن) في آية (ن، والقلم وما يسطرون) - بحرف النون الهجائي، كما فسروا بقية الحروف الهجائية في مفتتح السور الأخرى. ونجد الحسن البصري يفسر (النون) بالدواة. فتفطن إلى أن الحسن رضى الله عنه لم يرد بالنون حرف النون الهجائي، وإنما أراد كلمة (النون)، ولكن الحسن البصري السلفي العظيم الذي عاش مع فصحاء العرب وبلغاء الصحابة رضوان الله عليهم - يفسر (النون) بالدواة من دون أن يكون له دليل يستند إليه نبحث فنجد أن الحبر ابن عباس رضى الله عنه يفسر النون في الآية بالحوت وهو سمكة البحر، كما هو أحد معانيها اللغوية. فنتفطن أيضا إلى أن تفسير (النون) بالدواة - وهو ما ذهب إليه الحسن البصري - إنما من جهة تفسير ابن عباس لها بالحوت ويبقى في المقام إشكال: وهو ما هي علاقة الحوت بالدواة؟ نراجع المفسر النيسابورى فنجده يقول في صدد تفسير الآية: انه بروي عن بعض الثقات أن أصحاب السحر (ويريد بهم أصحاب الصناعات الخفية أو الدقيقة) يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس (أي الحبر) أو أشد سواداً منه يكتبون به أهـ ولا يخفي أن الأخطبوط أو غيره من حيتان البحر يستخرج منه سائل كان الأقدمون

стр. 2252

يعالجونه ويَليقونه بما يجعله صالحاً للكتابة به وهكذا نرى ابن عباس يفسر النون في الآية بالحوت، ولكن أي حوت؟ ذهب بعض المفسرين الذي يحبون الأغراب في كلام الله تعالى إلى أن المراد به (الحوت) أخو (الثور) اللذان كانا وما زالا يَنُوآن بحمل الارضين السبع!! غير أن الحسن البصري رضى الله عنه ما كان من قصاص المساجد أن يذهبوا في تفسير الوحي الإلهي هذا المذهب في الأغراب والتهويل. إذ أن التسامح في ذلك بقصد التأثير في نفوس الدهماء من العامة إن سر عاجلا فانه يسوء آجلا. وهذا ما حمل الحسن البصري على تفسير (النون) بالدواة تأييداً لابن عباس رضى الله عنه في تفسيره للنون بالحوت. أما إطلاق (الحوت) وْإرادة الحبر منه فله شواهد كثيرة من اللغة العربية التي يتسع صدرها لأمثال هذا الإطلاق. بل ربما كان له شواهد أيضا في اللغات الأخرى، وها نحن اليوم نقول فيتيل (المدينة الفرنسية) ونريد ماءها المعدني الذي ينبع فيها - وكولونيا (المدينة الألمانية) ونريد ماءها المعطر الذي يصنع ويجلب منها - وجنيه (بلاد غينيا) ونريد الدينار المصري الذي استخرج ذهبه من معادنها - ويقول العرب (نون) أي الحوت، ويريدون الحبر الأسود الذي يستخرج سائله - وأنزل القرآن بلغة العرب وعلى مناحيهم في أساليب البلاغة، فافتتحت السورة بالقسم على براءة النبي ﷺ مما قاله المشركون فيه وتنبيه المخاطبين إلى عظيم فضل الله على البشر مذ هداهم إلى التسطير والكتابة، والى استخدام أدواتها من حبر وقلم. فكان ذلك سبباً لما بلغوا إليه من علم وحضارة وثقافة. ولم أرد أن أحقق هنا معنى الآية الكريمة، ولا ما هو الأصح المعتمد في تفسيرها، فان ذلك مبين في تفسيري على (جزء تبارك) المهيأ للطبع - وإنما أردت أن أبين المصدر الذي استقى منه (كازيمرسكى) القول بان النون تدل على خلاصة علوم البشر حتى رأى الياس بك القدسي إنها تصلح لان تقوم مقام الانسكلوبيدي ولا سيما أن في الإمكان تناول مشتقات مختلفة منها: فيقال مثلا (نّون تنويناً) (منّون) (منّونون) وتؤنث فيقال (النونة) الفرنسية (والنونة الألمانية) والنونة العربية وينسب إليها فيقال فلان صاحب نون ونوني

стр. 2253

دمشق المغربي

стр. 2254

الفن والروح للأستاذ الحوماني أستاذ الأدبالعربي بكلية طرابلس الفن في الأثر بدعة، وفي المؤثر بدعة وإبداع فهو في قول إحدى جواري العباسيين وهي تقلب تفاحة أهداها إليها سيدها يا رب تفاحة خلوت بها … تشعل نار الهوى على كبدي لو أن تفاحة بكت لبكت … من رحمتي هذه التي بيدي هو بدعة أنشأها الفكر بين عاطفة الحب ودقة التصوير، وإما الفن في الشاعرة نفسها فهو بدعة الجمال وإبداع الخيال ففي الطبيعة في الإنسان جمال تام، وفي غيره جمال ناقص والفن في الزهرة مثلا شكل ولون وعطر، إذاصح أن العطر في الزهرة مقابل الروح في الفنان، وهذه كل ما في الزهرة من جمال، ولكن الفن فيك - إلى هذه الثلاثة - فكرة تخلق الزهرة في نفسك جميلة الشكل واللون والعطر الفن في المرئيات نتيجة الفكر والجوارح، وإما هو فيما وراء ذلك فقد يكون وليد الفكر كالفن في الشعر، وقد يكون نتاج الفكر والجوارح أيضا كالموسيقى والخطابة ونحوها تستطيع أن تتصور حبيبك تصورا تاما، وإما أن تصفه للسامع وصفا دقيقا، أو أن تتناول الريشة وترسم ما تتصور فذلكما ليس في طوقك ما لم تكن فنانا في الشعر والرسم. من ذلك يتضح لديك الفرق بين العلم والفن، فنواة العلم أن تتصور، وإما نواة الفن فأن تتصور ثم تتصور. فتصورك المسألة علم، ثم تصورك إياها فن. من ذلك تدرك فضل الفن على العلم وأنه احفل منه بالخلود فالأثر الذي ينشأ عن الفكر وهو يكشف عن حقيقة ستار الجهل هو دون الأثر الذي ينشأ عن الفكر وهو يخلق الحقيقة خلقا فليس للحكمة أن تهب الخلود للشعر وهو عار عن الفن، ولعل النظم الفصيح القاصر على الحكمة بعيد عن حظيرة الشعر للفرق بين قوله: كبير النفس تلقاه … هزيل الجسم من سقم وقول الآخر في معناه:

стр. 2255

إذا سمنت همة في الضلوع=فآيتها البدن الناحل فليس الجمال في بيان أن هزال الجسم في عظام الرجال ينم على كبر نفوسهم، فقل من تأخذه الروعة لهذه البيان، إذ هو حقيقة مجردة، والعلم بالحقيقة المجردة أزلي في النفوس، ولكن إلباس هذه الحقيقة لونا من الخيال يجعلها حقيقة ثانية لم يسبق لها وجود في النفس فتظهر بها في مظهر الروعة والجلال. فقد لحظ الفكر في البيت الأخير بعد تصوره المعنى الحقيقي الثابت وهو استلزام كبر النفس إجهاد الجوارح، واستلزام هذا نحول الجسم. . . لحظ الفكر ما يقابل النحول وهو السمن، فشاء أن يجعل السمن الذي هو مقابل النحول علة له وهو من الغرابة بمكان، ثم لحظ الهمة التي هي مناط الطموح المفضي إلى إجهاد النفس فاسند إليها السمن بجامع العظمة بينه وبين الكبر، فصح له إذ ذاك أن يعلل به النحول، فكان من المجموع ذلك خيال يوهم النفس انه حقيقة جديدة فيستهويها بما يبتدعه من خلق ما لم يكن وإيهامها انه قد كان وإما الفكر في البيت الأول، فقد مر بالحكمة فأبرزها عارية من جمال الفن، فكانت بعيدة عما يصعد بها إلى سماء الشعر، ثم يطبعها على مرآة النفس حية خالدة فالشعر البسيط المعنى، هو بجمال فنه اعلق بالنفس الشاعرة منه بجلال معناه، وهو بعيد عن جمال الفن والنفس بطبعها ميالة إلى البحث عما تجهل (حب الاستطلاع) من اجل ذلك يستهويها الغريب فتعلق به حتى إذا الفته وأحاطت به هجرته وملت صحبته، فهي والحقيقة الراهنة قيد حواسها، تتشوف إلى ما وراء الحقيقة، فإذا أخفقت فزعت إلى الفكر فراح يعبث بها ويملأ زواياها إعجابا بما يصوره من أخيلة تتراءى لها حقائق جديدة فإذا علمت أن الحياة إنما هي حكمة وفن، وأن الحكمة نواميس يسنها في الطبيعة المبدع الأول، وفي الاجتماع المبدع الثاني، وأن الفن هو ما فيهما من جمال، وأن مناط هذه الحكمة العقل، والعقل عرضة للزوال، ومناط ذلك الفن الروح، والروح الخالدة؛ إذا علمت ذلك علمت أن الفن إنما هو قوام الحياة الأسمى، فلم نكن لنرتاد المروج والحدائق لو لم تؤخذ العين بسحر ما في زهورها وشجرها وثمرها من جمال الفن، ولا لندخل منزلا لم تسبغ عليه يد الفن جمالا يستهويك بين آرائك تتخللها المناضد، تعلوها الآنية على احدث فن

стр. 2256

يجلل الجدار بالرسوم، والأرض بالفراش والرياش وقد يستهويك ما تسمع وترى من جمال الفن فيك فيخلق فيك فكرة الإبداع، فيسوغ لك إذ ذاك أن تقول: أن الفن في الأثر بدعة وإبداع ايضا، على انه إبداع الفن في النفس، يؤول إلى إبداع النفس في الفن آخر الأمر ثم أن للفن في المسموع لطف وقع على السمع، وبعد اثر في أعماق النفس، لن يتوفر في الفن المنظور من حيث تراك وأنت تسمع الصوت الجميل فتهتز، تتصور جمال العازف وهو بعيد عنك بجسمه، وقريب منك بروحه الموقعة على الأوتار ينقلها إليك الحاكي، أو يبعثها إلى روحك توقيع الفنان من وراء الستار، فيتوفر لديك مؤثران: الفن الذي نحسه، وجمال الفنان الذي تتخيله ضرورة انك لا تلحظ الصوت وأنت ترى الشخص الجميل، بينما لا تسمع الصوت الجميل إلا وتتصور جمال الشخص من ورائه الروح في الفن في كل كائن ثلاث ميز: جنسه، ونوعيته، وذاته؛ ففي الإنسان مثلا ما يميزه من العجماوات وهي إنسانيته، ثم ما يميز من غيره من أبناء نوعه وهي شخصيته. والشخصية هنا هي ما يميز الشخص من أفراد نوعه في شكله لا في روحه، فالروح لا تلمس إلا بآثارها، ولا يمكن للرسام وهو الشاعر الصامت أن يصورها وهي متصلة بالروح (سر الحياة الغامضة) ولكنه يستطيع إبراز شخصية النوع كآثار النفس الناطقة لما يدل عليها من أمائر تبدو على أسرة الوجه، ورسم الأعضاء على كيفية تشير إلى النفسيات بما عودت الناظر عليه في حقيقة الحي قبل رسمه فريشة الرسام لا تتناول رسم الأعضاء بما يميز الشخص في جنسه أو نوعه فحسب حتى تتناول شخصيته أي تميزه من غيره من أفراد نوعه، ومناط التفاضل بين أولي الفن إنما هو في إبراز هذه الشخصية مشفوعة بميزة النوع فإذا لم تقرأ في الرسم ما يقفك عل خصائص نوعه كآثار النفس الناطقة في الإنسان من حيث تفكيره وعواطفه، ثم نسبة هذه الخصائص الكلية في النوع إلى الخصائص الجزئية في الشخص، فلن تستطيع أن تقف من هذا الرسم على روحتلمس من وراءها جمال الفن فيه

стр. 2257

فالروح في فن التصوير هي أن تجمع إلى خصائص النفس النوعية فيما تصور خصائصها الشخصية التي يمتاز بها الفرد من غيره من أبناء نوعه فإذا توفرت هذه في الرسم خلق في نفسك - وأنت تراه - الروعة بما يمثل لك من حقيقة في الخارج حتى كأنك تلمسها بروحك وهكذا هي - أي الروح - في تصوير الأشياء: جمال في الرسم يلمسك حقيقة ما أوخذ عنه لما تجدك معه معجبا بما تنصفح من خيال رائع أما الرسوم الخيالية (كاريكاتور) كرموز الآلهة وصور الشياطين ونحوها فمناط الإبداع فيها انفعال نفس الناظر إليها بما خلقت له كالجمال والحب والخير والشر في رسوم الآلهة، وكالإرهاب والتفكهة والحمل على السخرية فيما عداها من الرسوم فروح هنا هي تأثير الرسم في النفس بما رسم له ليصح معنا أن الروح في كلا الأمرين: نقل الحقيقة وخلقها، إنما هي إلماس الرائي حقيقة ما ينقل الراسم أو حقيقة ما يتخيل والروح الفنية تختلف باختلاف فنونها، فالروح في فن الرسم هي غير الروح في فن النظم، والروح في هذين غيرها في فن الموسيقى، فهي في الرسم منتزعة من المرسوم، وإما في المنظوم فهي منتزعة من الناظم. إذ الشاعر يصور غيره في طريقه إلى تصوير نفسه، وإما الرسام فيصور نفسه في طريقه إلى تصوير غيره، فنظم الشاعر مرآة تريك نفسه ونفس الرسام مرآة تريك رسمه وبأوضح من هذا إنك وأنت تدرس فن الرسم تتلمس روح الفن من حيث اتصالها بالمرسوم قبل الراسم، وفي درسك فن الشعر تتلمس روح الفن من حيث اتصالها بالشاعر قبل ما يشعر به، من أجل ذلك تراك شديد الحرص على معرفة الشاعر لدى سماعك قطعة من شعره هي غاية في الإبداع، بينما ترى الصورة الجميلة على الجدار فتفتتن بها من حيث فنها، ثم لا تجدك شديد الميل إلى معرفة من أبدعها. فلحاظك الشاعر وهو يستهويك بشعره، فوق لحاظك الرسام وأنت تعجب بما يرسم على أن الفرق بين روحي فن الرسم وفن الشعر جد دقيق، لدقة الفرق بين الرسام والشاعر، ولعل الرسام شاعر صامت فالرسام وهو يصور لك الحقيقة في الخارج تصويرا حقا هو ابلغ أثرا في الفن منه وهو

стр. 2258

يخلق حقيقة ما يرسم، وإما الشاعر فمناط خلوده أن يخلق ما يصوره من الحقائق، لما مر بك من أن الفن إنما هو إبداع، على أن كليهما مبدع كما سيجيء فليس للفنان في الرسم مهما أبدع في خلق الصور الخيالية (كاريكاتور) ما للفنان في الشعر وهو يتخيل فينتزع لك من الصور الحقيقة صورا خيالية يوهمك إنها حقيقة جديدة وإذا قصرنا إبداع الفنان في الرسم على تصوير الحقيقة الخارجية تصويرا بالغاً فليس معنى ذلك أن الفنان لم يأت بجديد فيكون هذا القول معارضاً لما سبق من أن الفنان يخلق الحقيقة خلقا، لانا نعتبر تصويره البالغ للحقائق هو خلقا جديدا لها، إذ يوهمك انه عين ما يصور من حقيقة، فيكون هذا الإيهام إبداعا يشير إلى حقيقة ثانية خلقها فكر الفنان. فالحقيقة التي يخلقها الفنان إما أن تكون متحققة في الخارج مادة وشكلا ثم يصورها لك بشكلها ومادتها حتى كأنك تحس بها حقيقة فيثير فيك الإعجاب لما يوهمك من إنها هي فكأنما قد خلقها خلقا، أو أن الحقيقة التي يخلقها هي نفس الإيهام مشفوعا بما يبعثه فيك من الروعة ولإعجاب وأما أن تكون تلك الحقيقة المخلوقة متحققة في الخارج مادة لا شكلا كالخيال الذي يبدع الشاعر فانه ينتزع من صور الحقائق الخارجية حقيقة جديدة يوهمك إنها موجودة في الخارج كما في قول ابن خفاجة في نارنجة وحاملة من بنات القنا … أما ليد تحمل خضر العذب وتندى بها في مهب الصبا … زبرجدة أثمرت بالذهب فالزبرجد والأثمار والذهب كل منها موجود في الخارج، ولكن الشكل الذي أبدعه الخيال منها وهو أثمار الزبرجد بالذهب هو غير موجود في الخارج ولكنه من خلق الخيال. فالإيهام أذن لا يفارق الفن في الشعر والرسم، فمناط الإعجاز في فن الرسم هي الحقيقة الأولى، ومناط الإعجاز في فن الشعر هي الحقيقة الثانية، وقد يعجز الشاعر في تصويره ما في الخارج من حقيقة كما قد يعجز الرسام في إبداع ما يخلق من حقيقة ليس لها وجود في الخارج والروح في فني الشعر والموسيقى مصدرها واحد وهو العاطفة، على أن الروح في فن الرسم مصدرها الفكر والخيال، والفرق بين الروح الشعرية وروح الفن الموسيقى هو أن

стр. 2259

مظهر هذه هو الصوت من حيث توقيعه وترجيعه، ومظهر تلك هو اللفظ من حيث يبعث في نفسك ما انفعلت به نفس الشاعر وهو يلفظه، وهذه الروح التي نفرق بينها وبين روح الفن الموسيقى، إنما هي الروح التي تقابل الفن والعلم في الشعر لا الروح التي هي داخلة في قوام الفن في الشعر، فان في الشعر روحين أحدهما داخلة في قوام الشعر وهي هذه المعبر عنها بالتأثير النفسي المنتقل باللفظ من نفس الشاعر إلى نفس السامع أو المطالع كما تنقل الأوتار تأثيرات الموقع عليها إلى سامعها وثانيتهما داخلة في مفهوم فن الشعر وهي المعبر عنها بالذوق الشخصي في الشاعر ينقلها اللفظ من حيث تصويره للحقائق منقولة أو متخيلة، وهذه تتفق مع الروح في فن الرسم من حيث المصدر، فكلتاهما تصدر عن الفكر والخيال فالروح في فن التصوير تتفق مع الروح في فن الشعر من حيث مصدرهما وهو الخيال والفكر , وتختلفان من حيث إعجازهما في الإبداع؛ فالأولى إنما تعجز في نقل الحقائق، والثانية إنما تعجز في خلقها والروح الشعرية التي تقابل العلم والفن تتفق مع الروح في فن الموسيقى من حيث المصدر الذي هو العاطفة، وتختلفان من حيث المظهر، فان مبعث التأثير في نفسك من الأولى هو الصوت من حيث التوقيع والترجيع، ولا مدلول له إلا انفعال النفس من ورائه، وإما مبعث التأثير من الثانية فهو اللفظ من حيث نقله التأثير إليك بواسطة حروفه لا صوته فمدلول الصوت طبيعي من حيث يتناول ما يختلج في الصدر بلا واسطة، ومدلول اللفظ وضعي يتناول روح اللافظ بواسطة مدلوله الخارجي فلا بد لنا أذن من العود إلى أن نعيد قولنا في الشعر من أنه علم وفن وروح، فقوام العلم الفصاحة، وقوام الفن الخيال، وقوام الروح العاطفة الحوماني

стр. 2260

الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية ٢ - مرحلة الكفاح وبداية الظفر للأستاذ محمد عبد الله عنان لم يشهد التاريخ الحديث ثورة ضئيلة في نشأتها، عظيمة شاملة في نتائجها كالثورة الوطنية الاشتراكية الألمانية؛ فان تلك الجماعة المغمورة التي قامت في ميونيخ باسم حزب العمال الوطني الاشتراكي بزعامة ادولف هتلر والتي لم تتجاوز السبعة، كانت أول حجر في صرح الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية التي أخذت تغمرألمانيالأعوام قلائل من ظهورها، والتي تواجه اليوم مصير الشعب الألماني. قامت هذه الجماعة في ميونيخ سنة ١٩١٩ على نحو ما بينا وانتظم فيها الضابط الصغير والبناء النمسوي السابق ادولف هتلر، ليتولى بعد قليل زعامتها وتنظيمها، فماذا كانت ترجو وعلام كانت تعتمد؟ من الصعب أن نعتقد أن هذه الزمرة من رجال لا ماضي لهم ولا عصبة، وليست لهم أية كفاحات خاصة، كانت يوم انتظامها تؤمل أن تفوز في ميدان الكفاح السياسي بتلك السرعة المدهشة، لتفرض برنامجها بعد ذلك على الشعب الألماني كله. ولكن تأذى لا ريب فيه أن ظروف ألمانيا عقب الحرب الكبرى، وما سرى إليها من عوامل الانحلال واليأس والفوضى، كانت تفسح مجالا للظهور والمغامرة؛ وكانت أية دعوة إلى الخلاص والنهوض والأمل تلقى في هذه الغمار المظلمة قبولا. وقد كانت الحركة الوطنية المحافظة التي كانت ميونيخ مهدا لها، تتخذ شعار العمل على إنقاذ ألمانيا من ويلات الهزيمة، ومن براثن الفوضى الاشتراكية والشيوعية؛ فكانت عصبة هتلر تحمل لواء هذه الدعوة، وتعمل في جو من العطف الذي يتمتع به أبان اليأس العام كل من ألقى كلمة الخلاص والأمل. وفي هذا الجو استطاع هتلر أن ينظم حزبه وأن يجمع له الأنصار. وكانت المهمة شاقة، ولكن هتلر استطاع بكثير من العزم والمثابرة والجلد أن يحول عصبته الصغيرة إلى حزب سياسي هو: (حزب العمال الوطني الاشتراكي

стр. 2261

الألماني). ووضعت مبادئ الحزب الأساسية في فبراير سنة ١٩٢٠ في ميثاق وطني يتألف من خمس وعشرين مادة ترمى إلى أغراض خمسة: (الأول) الاستيلاء على الحكم والسلطة. (الثاني) سحق الحركة الماركسية (الاشتراكية والشيوعية). (الثالث) صبغ ألمانيا كلها بالصبغة الوطنية الاشتراكية. (الرابع) تحقيق وحدة الشعوب الجرمانية (المتكلمة بالألمانية). (الخامس) تنقية الجنس الألماني وتطهيره من كل شخص يجري في عروقه دم يهودي أو دم آخر غير آري. ولهذه الغاية الأخيرة التي صيغت في المادة الرابعة من الميثاق، أهمية خاصة؛ لان فكرة الإيثار الجنسي لم تبد من قبل في برنامج أي حزب من الأحزاب السياسية بمثل هذه الصراحة؛ وسنرى إنها غدت منذ استيلاء الحزب الوطني الاشتراكي على السلطة من أخطر المشاكل الاجتماعية والسياسة التي تواجهها ألمانيا، والتي مازالت تعاني من جرائها كثيرا من المتاعب والصعاب. سار الحزب الوطني الاشتراكي الجديد في طريق التقدم بسرعة، ولقي برنامجه كثير من العطف والتأييد؛ وألفى في حوادث سنة ١٩٢٣ (مثل نكبة العملة واحتلال الروهر) وما بثته في ألمانيا من البؤس واليأس مهادا خصبة لدعوته، وبلغ أعضاؤه يومئذ نحو ألفين. وأيده جماعة كبيرة من القادة والضباط القدماء وعلى رأسهم الجنرال لودندورف؛ وأيده كثير من رجال المال والصناعة الذين خشوا عواقب تقدم الحركة الشيوعية ولم يدخروا وسعا في مقاومتها؛ وأخذ هتلر يجمع الأنصار حول علمه ذي الصليب المدبب (سفاستكا) وانشأ لحزبه قوة شبه عسكرية لتحفظ النظام أثناء الاجتماعات وغيرها من المناسبات وهي التي غدت فيما بعد جناح الهجوم الشهير وانشأ حرسا من خاصة أعوامه وأنصاره لحمايته وحماية زعماء حزبه وهو المعروف بفرقة الحماية وبهذا اتخذ الحرس الوطني الاشتراكي لونا عسكريا قويا؛ وألفى هتلر في هذا الوقت نفسه (ربيع سنة ١٩٢٣) في حوادث بافاريا فرصة للقيام بأول محاولة عنيفة. وكانت بافاريا تضطرم يومئذ بحركة رجعية قوية ترمي إلى إسقاط حكومة برلين الجمهورية وإعادة الملكية في بافاريا، على رأسها فون كار رئيس وزارة بافاريا السابق والجنرال فون لوسوف مبعوث (الريخ) - حكومة برلين - العسكري والكولونيل سايزر مدير البوليس. فتفاهم زعماء هذه الحركة مع الجبهة الوطنية الاشتراكية التي يتزعمها هتلر ولودندورف لان الحركتين ترميان إلى غرض واحد؛ واتفق الفريقان

стр. 2262

على أن ينظما الزحف على برلين وإسقاط الحكومة؛ ولكن فون كار تخلى عن الوطنيين الاشتراكيين في آخر لحظة، ونظم هتلر وأصدقاؤه الحركة وحدهم، وبدأ الثورة بأن أطلق رصاص مسدسه على سقف محل للبيرة في ميونيخ في اجتماع حافل، وأعلن أن الثورة الوطنية قد بدأت ضد (حكومة برلين اليهودية). ولكن السلطات البافارية كانت على أهبة؛ فقتل عدة من رجال النازي، وجرح الكابتن جيرنج أخص أصدقاء هتلر وساعده الأيمن ولكنه حمل خلسة إلى إيطاليا؛ وقبض على هتلر ولودندورف. وصدر قرار بحل الحزب الوطني الاشتراكي ومنع اجتماعاته - نوفيمبر سنة ١٩٢٣ - . وبرئ لودندورف ولكن هتلر قضى عليه بالسجن في قلعة لخمسة أعوام - أبريل سنة ١٩٢٤ - . وزج إلى قلعة لانجسبرج فبقى فيها ثمانية أشهر كتب أثناءها كتابة المعروف (جهادي) وفيه يقص حياته ويشرح مبادئ الحركة الوطنية الاشتراكية وغايتها ويرد على خصومه اليهود. وهو مؤلف لا طرافة فيه ولا قوة، ولا ينم عن مواهب فكرية أو أدبية ممتازة، بيد أنه ينم عما تضطرم به نفس هتلر من عزم وجلد. ثم أفرج عنه. وكان حزبه قد تفرق؛ ولكنه عاد إلى جمعه وتنظيمه بنفس عزمه وهمته، وظهر يومئذ في الجماهير بمقدرته الخطابية وذلاقته وقوة تأثيره. وكان هذا التأثير ومازال اعظم خواصه ومواهبه. وكان يعمل عمله في صفوف الشباب بنوع خاص، إذ كان هذا الشباب الطامح يعانى من صفوف الشقاء واليأس والفاقة أشدها، ويتطلع دائما بحماسة ولهفة إلى طريق الخلاص المنشود. وظهر تقدم الدعوة الوطنية الاشتراكية واضحا في انتخابات مايو ١٩٢٤، إذ نال حزب هتلر نحو مليوني صوت تخوله في الريخستاج ٣٢ كرسيا. ثم فتر هذا التقدم خلال الأعوام التالية، أولا لتحسن الأحوال الداخلية ولا سيما الحالة الاقتصادية وانتعاش الآمال نوعا، وثانيا لان الحكومة المتوالية أخذت تشتد في مقاومة الحركة لما رأته من تقدمها وخطورتها. بيد أن الحزب الوطني الاشتراكي استمر في كفاحه، وعادت دعوته بعد وفاة شتريزمان وانهيار سياسة الوفاق واضطراب حكومة برلين من جراء ذلك، تسري في الجموع بسرعة، حتى بلغ أعضاؤه في سنة ١٩٣١، أربعمائة ألف؛ ونال في انتخابات ديسمبر سنة ١٩٣٠ نحو ستة ملايين ونصف مليون صوت تخوله في الريخستاج ١٠٧ كرسيا؛ ووصل ذروة ظفره في انتخابات يوليو سنة ١٩٣٢ حيث نال نحو أربعة عشر مليون صوت تخوله ٢٣٠

стр. 2263

كرسا، وهو ما يقرب من خمس أعضاء الريخستاج، وأضحى بذلك أقوى الأحزاب البرلمانية، وقوى أمله في انتزاع الحكم. ورشح هتلر نفسه في ذلك الحين لانتخاب رآسة الجمهورية ضد المارشال هندنبورج فلم يفز المارشال أمام منافسة القوى إلا في الدورة الثانية. وبذلت حكومة فون بابن القائمة وقتئذ جهودا عنيفة لوقف تيار الحركة الوطنية الاشتراكية، وحلت الريخستاج وأجرت انتخابات جديدة في نوفمبر سنة ١٩٣٢، فنال الوطنيون الاشتراكيون فيها مع ذلك ١٩٦ كرسيا. وأضحى الرئيس هندنبورج وحكومة برلين أمام الأمر الواقع؛ وأضحى واضحا انه لا يمكن لأية قوة أن تقف في وجه هذا التيار الجارف، وأن الوسائل المصطنعة لا تجدي في المقاومة، وأن السلطة صائرة إليه بلا ريب. وكان الرئيس هندنبورج قد دعا هر هتلر عقب انتخابات يوليه ليفاوضه في إمكان اشتراكه في الحكم، ولكن هر هتلر أصر على تولى السلطة كاملة غير منقوصة. وهذا ما أباه الرئيس هندنبورج مدى حين. وكان المارشال يبدي في الواقع تردداً في الثقة بالوطنيين الاشتراكيين ويخشى وجودهم في الحكم وقد ظهر ذلك واضحا في موافقته على حل البرلمان أكثر من مرة خلال أشهر قلائل، وفي تفويضه للهر فون بابن ثم من بعده للجنرال فون شليخر، أن يتذرع بالسلطة المطلقة وأن يحكم بمقتضى قوانين الطوارئ، وذلك لأن أحداً منهما لم يتمتع بثقة الريخستاج، ومع ذلك فانه لم يمض على انتخاب البرلمان الجديد شهران حتى كانت حكومة فون شلخير في دور النزع وحتى كان الرئيس الشيخ يفاوض هتلر في تولى الحكم. وقد كان هذا التطور الفجائي في موقف المارشال ومستشاريه مثار دهشة عامة، خصوصاً إذا ذكرنا أن الحزب الوطني الاشتراكي لم يكن يومئذ في ذروة قوته، ولم تكن له في البرلمان سوى أقلية، وكانت قد نضبت موارده وخبت قواه. ومن الغريب أن يكون رجل هذا التطور ومدبره فون بابن لم يدخر أثناء حكومته وسعا في سحق هتلر وحزبه وقد فسر هذا التطور يومئذ بان استدعاء هتلر إلى الحكم لم يكن إلا وسيلة لتحطيم نفوذه وتمزيق حزبه، وأن هذا الاضطلاع بأعباء الحكم ومسئولياته سيصهره ويكشف عن ضعفه، وانه من جهة أخرى لن يتمتع بالسلطة كاملة، وستتخذ الضمانات الكفيلة بكبح جماحه ومنعه من إطلاق العنان لمشاريعه المتطرفة التي كانت تعتبر يومئذ خطرة على مستقبل ألمانياومصالحها ومركزها الدولي. وعلى أي حال فقد وقع الانقلاب

стр. 2264

الحاسم أخيراً، وعهد المارشال هندنبورج إلى الهر أدولف هتلر بتولي رياسة الحكم في ٣٠ يناير سنة ١٩٣٣ ودخل الوزارة معه من أقطاب حزبه الكابتن جيرنج وزيراً للداخلية. ولكن أعطيت وكالة الرياسة ورآسة وزارة بروسيا للهر فون بابن، ووزارة المالية لزعيم الحزب الوطني الهر هوجنبرج، ووزارة الخارجية للبارون فون نويرات ووزارة الدفاع لقائد مسئول مباشرة لدى الرئيس هندنبورج، وبذاأعطيت السلطات الهامة لرجال يثق المارشال بفطنتهم واتزانهم وحسن تقديرهم على أن هذه الضمانات التي أريد أن يحاط بها حكم الوطنيين الاشتراكيين كانت نظرية، وكان هر هتلر بالعكس يعتقد أن هذه الخطوة إنما هي تحقيق للشطر الأول من برنامجه، وهو الاستيلاء على السلطة؛ ويجب أن يكون هذا الاستيلاء عمليا كاملا. وسرعان ما تدفق تيار الوطنية الاشتراكية منذ المساء الذي تقلد فيه الزعيم (أي هتلر) رآسة الحكم، وهرعت فرق الهجوم ذوي الأردية السمراء آلافا مؤلفة تحي الزعيم في مكتب الرآسة وتهتف له حتى منتصف الليل. ومنذ تلك الليلة ظهر الحزب الاشتراكي في ذروة قوته، وشعر زعماء ألمانياالسابقين وشعر الشعب الألماني كله بان عهدا جديدا سيفتتح. ثم توالت الحوادث بسرعة فوقع حريق الريخستاج في ٢٧ فبراير؛ وكان الريخستاج قد حل مرة أخرى لان هتلر لم يثق بمجلس ليست له فيه اغلبية قوية، ولم يرد أن يبقى تحت رحمة حلفائه اعضاء الحزب الوطني وحزب الوسط الكاثوليكي؛ وتحدد للانتخابات الجديدة يوم ٥ مارس فوقع حريق الريخستاج قبله بأيام قلائل، ونسبت الحكومة الجريمة إلى الشيوعيين واتخذتها ذريعة لسحق كتلة اليسار أعني الديمقراطيين والشيوعيين فقبضت على زعمائهم وصادرت مراكزهم وأموالهم وطاردتهم بمنتهى العنف والشدة؛ وصرح الهر هتلر وزملاؤه يومئذ بان لديهم الأدلة الحاسمة على أن الجريمة إنما هي بدء فقط لثورة دموية مخربة واسعة النطاق يدبرها الشيوعيون لقلب الحكومة. ولكن حريق الريخستاج لبث مع ذلك حادثاً غامضا مريبا ولم يقتنع الرأي الخارجي بهذه التأكيدات؛ ووجهت بشأنه شكوك وتهم خطيرة إلى الحزب الوطني الاشتراكي ذاته وعلى أي حال فقد ساعد هذا الحادث على ظفر الهتلريين في الانتخابات فخرجوا بأغلبية قوية وفاز الديمقراطيون مع ذلك بنحو مائة وثلاثين كرسي والشيوعيون بنحو ثمانين وعقد الريخستاج الجديد في ٢٣ مارس؛ ولم يشهد

стр. 2265

النواب الديمقراطيون والشيوعيون لأنهم كانوا جميعا في السجن أو المنفى، وفي هذه الجلسة حصل الهر هتلر على تفويض بالحكم المطلق والتشريع لمدة أربعة أعوام، ولم يبق له حاجة بعد ذلك إلى موافقة الرئيس هندنبورج أو توقيعه، وتحققت بذلك الدكتاتورية المطلقة التي ينشدها الحزب الوطني الاشتراكي، ولم يمض سوى قليل حتى انتزع هتلر الوزارات التي كانت بيد حلفائه وشغلها بأصدقائه ومعاونيه، وتوارى جميع الزعماء والقادة الآخرين من الميدان؛ وأضحى هتلر سيد ألمانياالمطلق ومن ورائه حزب زاخر قوامه اليوم خمسة ملايين. (يتبع) محمد عبد الله عنان

стр. 2266

مشكلات التاريخ نكبة البرامكة للسيد مصطفى جواد لعل أغرب ما وهم المؤرخون فعمي عليهم سبب تدمير الرشيد للبرامكة أنهم عدوا بني برمك دعاة للعلويين ومذيعين لمذهب التشيع في البلاد، والمشكلة التاريخية إذا استبهم جانب منها تشعب فيها الظنون واختلفت الآراء واضطربت الأحكام. ولو علم المؤرخون أن البرامكة كانوا يتقربون إلى الرشيد بالسعي على العلويين والسعي بهم وتبغضيهم لوجدوا إلى سبب تلك الفتكة الهاشمية سبيلا، وعلى الجلية دليلا، ولعلموا أنهم لما حق عليهم العذاب دمرهم الله تدميرا، لم يكن استئثارهم بالحكم وحده سبب هلاكهم، ولا غزارة ثرائهم مدعاة إلى النقمة عليهم، ولا الزواج الذي اختلقته الشعوبية موجبا لاستئصالهم، ولا إلحادهم منبها على عقابهم، وإنما الندامة التي ندمها الرشيد بعد أن استدرجوه إلى تشريد بني عمه العلويين واستحلال دمائهم الزكية وتعذيب الأبرياء منهم العذاب الهون؛ لم يكن الرشيد ملحداً حتى لا يندم، ولا بليداً حتى لا ينتبه، ولا شقيا حتى لا يتوب، ولا مقصراً حتى لا يتدارك. من شفيعهم إليه وقد ولغوا في دماء بني علي وطلبوا الزلفى بتعذيبهم، وأعلوا مراتبهم بخفض العصبية الهاشمية واجتثاث الشجرة النبوية؟ ولقد جرؤوا بالحادهم وسوء سيرتهم أن (جعفرهم) حز رأس حبيسه العلوي (عبد الله الشهيد بن الأفطس) في يوم النوروز، وأهداه إلى الرشيد في طبق الهدايا، فلما رفعت المكبة من فوق الطبق ورأى الرشيد في الطبق رأس ابن عمه استعظم ذلك، فقال له جعفر: ما علمت أبلغ سرورك من حمل رأس عدوك وعدو آبائك إليك، وكان الرشيد قد حبسه عند جعفر وأمره بان يوسع عليه. وقال ذات يوم: اللهم اكفنيه على يدي ولي من أوليائي وأوليائك، فلم يجد هذا الشقي الكفاية إلا بقتله صبراً لا سيف معه يذود به عن نفسه، ولا بنو علي حوله يحيطونه ويكلأونه، ولا شفيع يرد عنه لؤم الزنادقة، وهو

стр. 2267

الذي شهد وقيعة (فخ) متقلداً سيفين ينفح عن حق كان يراه مبزوزاً، ويكافح عن سيد كان يرى نفسه محلاً عن مكانته، فلما أسر أخذه الرشيد وحبسه عند جعفر - على ما قدمنا - فضاق صدره بالحبس وكتب إلى الرشيد رقعة يشتمه فيها شتما قبيحا، فلم يلتفت إلى ذلك لأنه عالم بالعزة العلوية والاستبسال الهاشمي، ولم يأمر إلا بالتوسيع عليه والترفيه عنه، فكان من أمره مع جعفر ما كان. وقال السيد نعمة الله الجزائري في سبب هلاك البرامكة على يد الرشيد (وقد ذكرنا أن السبب فيه ظاهرة حكاية العباسة أخت الرشيد، وإما السبب الحقيقي فهو دعاء أبي الحسن الرضا - ع - على آل برمك في موقف عرفة لأنهم سعوا بالكاظم - ع - وكانوا أقوى الأسباب في شهادته وهذا التعليل وأن أورده الجزائري على حسب اعتقاده وتربيته الدينية؛ ففيه رد شديد على القائلين بأن هوى البرامكة كان مع العلويين؛ وبلغ الطيش ببعضهم أن جعلوا كل حركة للفرس دعوة للعلويين وطلاباً بحقهم، وانتصاراً لهم، ونشراً لمذهبهم، وأين الزندقة من صريح الإسلام؟ وقال بهاء الدين أبو الحسن علي بن فخر الدين عيسى الأربلي الكردي في ترجمة الإمام موسى بن جعفر الكاظم ما صورته (وكان السبب في قبض الرشيد على أبي الحسن - ع - وقتله ما ذكره أحمد بن عبيد الله بن عمار عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه. . عن مشايخهم قالوا: كان السبب في أخذ موسى بن جعفر - ع - أن الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك وقال: إن أفضت إليه الخلافة زالت دولتي ودولة ولدي، فاحتال على جعفر بن محمد - وكان يقول بالإمامة - حتى داخله وأنس به، فكان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره ويرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه، ثم قال لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرفني ما أحتاج إليه، فدل على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه يحيى بن خالد مالا، وكان موسى - ع - يأنس بعلي بن إسماعيل ويصله ويبره، ثم أنفذ إليه يحيى بن خالد يرغبه في قصد الرشيد ويعده بالإحسان اليه، فعمل على ذلك، فأحس به موسى - ع - فدعا به وقال له (إلى أين يا ابن أخي؟) قال إلى بغداد. قال وما تصنع؟ قال علي دين وأنا مملق، فقال له موسى: أنا أقضي دينك وأفعل لك واصنع.

стр. 2268

فلم يلتفت إلى ذلك، وعمل على الخروج، فاستدعاه أبو الحسن - ع - وقال له: أأنت خارج؟ قال: نعم لابد لي من ذلك، فقال له: انظر يا ابن أخي واتق الله ولا توتم أطفالي: وأمر له بثلثمائة دينار وأربعة آلاف درهم. فلما قام من بين يديه، قال لمن حضره: والله ليسعين في دمي ويوتمن أولادي. فقالوا: (جعلنا فداءك، وأنت تعلم هذا من حاله وتعطيه وتصله؟ قال: نعم، حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله - ص - أن الرحم إذا قطعت فوصلت فقطعت قطعها الله، وإنني أردت أن أصله بعد قطعه، حتى إذا قطعني قطعه الله، قالوا فخرج علي بن إسماعيل حتى أتى يحيى ابن خالد فتعرف منه خبر موسى ابن جعفر - ع - فرفعه إلى الرشيد، وسأله الرشيد عن عمه فسعى به إليه وقال له: إن الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب وأنه. . .) حتى قال (ثم خرج يحيى بن خالد على البريد حتى وافى بغداد، ثم دعا السندي بن شاهك فأمره في موسى بن جعفر بأمره فامتثله، وكان الذي تولى به السندي قتله جعله سما في طعام قدم اليه، ويقال إنه جعله في رطب فأكل منه موسى وأحس بالسم ولبث بعده ثلاثاً موعوكا ثم مات في اليوم الثالث. . . واخرج ووضع على الجسر ببغداد. . . فأمر يحيى بن خالد أن ينادي عليه عند موته: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا إليه) فهذا الدليل الثاني على خطأ من نسب البرامكة إلى التشيع والإمامة، فلقد كانوا حربا على الإمامة وعيونا على التشيع وراءها الفتك والزندقة، ومحاربة الإسلام بلأمته، ونقل علي بن عيسى الأربلي المذكور أن محمد بن الفضل قال: (لما كان في السنة التي بطش هرون فيها بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى وحبس يحيى بن خالد ونزل بهم ما نزل كان أبو الحسن (علي بن موسى الرضا) واقفا بعرفة يدعو ثم طأطأ رأسه فسئل عن ذلك فقال: إني كنت ادعوا الله على البرامكة فقد فعلوا بابي ما فعلوا، فاستجاب الله لي فيهم اليوم فلم يلبث إلا يسيرا حتى بطش هرون بجعفر وحبس يحيى وتغيرت حالهم) فهذا الخبر كالذي أورده السيد نعمة الله الجزائري مضارة بن برمك لبني علي، ولكنه أقدم منه نقلا - كما نعرف من تاريخ المؤلفين - وكلاهما نظر فيه نظراً دينيا، ومع ذلك يدلان على كره الإمام الثامن من الأئمة الاثنى عشر للبرمكة ودعائه عليهم ريه، وقال محمد تقي التبريزي (من الأغلاط المشهورة ما اشتهر من أن البرامكة كانوا من المتشيعة حتى أن

стр. 2269

أيدمر بن علي الجلدكي، ذكر في كتاب نهاية الطلب في شرح المكتسب بتقريب: أنه كان سبب بطش هرون الرشيد بهم ما اشتم منهم أنهم يريدون تحويل الدولة من آل العباس إلى آل علي، وذلك كله غلط نشأ من قلة التتبع، فان البرامكة - لعنهم الله - هم الذين سعوا في قتل موسى ﵇ فان يحيى بن خالد هو الذي بعث علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن أخي موسى على السعاية بموسى عند هرون لداع دعاه إلى ذلك مذكور في كتب الأخبار، والفضل بن يحيى هو الذي بعث بالسم إليه فقتله بأمر هرون وبيد السندي بن شاهك، بل روى أن يحيى لم يكتف بذلك حتى أراد أن يغري هرون بقتل الرضا، فقال هرون: أما يغنينا ما صنعنا بأبيه؟ أتريد أن نقتلهم جميعا؟ وقد رواه الصدوق في العيون (عيون اخبار الرضا) عن صفوان بن يحيى وذكر في آخره أن البرامكة كانوا متعصبين على أهل بيت رسول الله - ص - مظهرين العداوة لهم، وبالجملة الذي يظهر من الأخبار المعصومية أن الله لم يغير ما بالبرامكة من النعمة إلا من جهة سعيهم ومباشرتهم قتل موسى، فكيف يجري فيهم هذا الاحتمال؟) عن صحيفة الأبرار (٣٩٦: ٢) وهذه شهادة من أقوى الشهادات، فان محمد تقي التبريزي هذا شيخي المذهب فارسي الأصل والبرامكة من جنسه، ولكن الحق عزيز على أهله فلا يضيعونه ولا يفارقونه، وحل هذه المشكلة التاريخية (إن البرامكة إذ أدخلوا الرشيد سياسة البغي واستدرجوه إلى قسوة الحكم وقتل السادة الأبرار الأبرياء من بني عمه تلقفهم بالرأي الحازم الحاسم ووضع فيهم السيف وعراهم بالمصادرة والعذاب، فعفى على آثارهم وبئست عاقبة القوم المكذبين بالدين الساعين في قتل السادة العرب وحفظة الإسلام وأهل الهدى والتقوى، ولو لم يكن لهم من المساعي الخبيثة النتائج إلا قتلهم موسى بن جعفر لاستحل خليفة الزمان قتلهم، فكيف وقد ضحوا بكثير من العلويين وغيرهم من بهاليل العرب؟ فالرشيد أذن قد ندم على ما كان من الغفلة وأسف على أرواح أولئك الأبرياء وفطن لما يريد بنو برمك به وبالإسلام وسادات العرب، فانتقم وتدارك واستغفر، وهل من دليل على ذلك أقوى من قوله ليحيى - وقد نقلناه (أما يغنينا ما صنعنا بأبيه؟ أتريد أن نقتلهم جميعا؟) ومن أنه لما أرسل مسروراً الخادم لقتل جعفر بن يحيى قال له جعفر: بم يستحل أمير المؤمنين دمي؟ فقال له مسرور (قال أمير المؤمنين: بقتلك ابن عمه عبد الله بن الحسن بن علي بغير إذنه. فهذا دليل أصرح ما يكون

стр. 2270

على الندم والتوبة وبه تسقط آراء كثير من المؤرخين في نكبة البرامكة، وحسبنا بهذا أننا كشفنا غمة تاريخية بالأدلة الناطقة والبراهين الصادقة، فاستقام بها مجرى من مجارى التاريخ كان متعرجاً ملتويا لا تطرد فيه الحوادث ولا تسترسل فيه الآراء مصطفى جواد

стр. 2271

حول (الوضوح والغموض) عقد الأستاذ عباس فضلي فصلا طويلا تحت هذا العنوان، تكلم فيه عن غموض الشعر وأسبابه وقيمته، وانتهى في حزم إلى أننا يجب أن نرفض كل شعر غامض لأن الغموض والجمال لا يجتمعان في صعيد واحد، ويظهر أن الأستاذ إنما يريد هذا النوع من الغموض، الذي يتجلل من حنادس الليل بحجب وأستار، فإذا أعملنا فيه عقولنا وأجهدناها ما وسعنا الأعمال والاجهاد، لم نتبين شيئا غير الظلام الموحش، والحلوكة الدامسة، وليس هذا هو الغموض الفني أو الشعري الذي يجعله الدكتور طه حسين سببا من أسباب جمال الشعر، وإنما يريد الدكتور - فيما أفهم - غموضا آخر جميلا، لا تنفر منه النفس ولا تستوحش، وإنما تقبل عليه، وتهش له، وتجد فيه لذة ومتاعا كبيراً، وهو أشبه ما يكون بالظلال لا تحجب النور ولكن ترسله بقدر، ومهما كثر هذا الغموض وفاض فلن يحول بيننا وبين التأثر الجميل بالقطعة الشعرية وما يغمرها من سحر وإبداع، بل ربما كان هو مثار إعجابنا وتقديرنا، ومبعث سرورنا وغبطتنا، هو غموض حقا، ولكنه غموض ذو بهجة، تقر به النفس، ويسر به الذهن، وما أشبهه بهذه السدول الرقيقة التي يرخيها الضباب على الطبيعة، فلا يزيدها إلا سحراً وجمالا، ولا يزيدنا إلا إعجابا واستحسانا. وهذا الغموض الشعري له أسباب مختلفة، ولعل كثيراً منها يرجع إلى فقر اللغة وقصورها في الإفصاح عن عواطف الشعراء النفسية، وميولهم، ورغباتهم، فكثيرا ما تعجز اللغة عن أداء المعاني التي تضطرب في صدورهم، وحتى هذه الألفاظ التي ظفرت بالإفصاح عن بعض هذه المعاني، لم توفق في القيام بمهمتها الشاقة توفيقا كبيرا، وذلك لأن المعاني تفصح عنها لا تخضع لشيء خاص محدود يعرفه الجميع، فالمعاني ليست مادية محسوسة، وإنما الألفاظ هي المحدودة بحروف معدودة وفراغ مخصوص، ومما يزيد الموضوع خطرا، أن كل كلمة من هذه الكلمات التي يستعملها الشعراء تعبر عند كل واحد منهم عن حالة مخصوصة لا يشركه معه فيها أحد مشاركة تامة، وما هذه الكلمات إلا حيل وتدابير يستعملونها للإفصاح عن هذه المعاني التي تزفر بها نفوسهم، ولا شك في أن بها كثير من التسامح، كما أن بها كثيرا من الإبهام والغموض، ويخطئ كثيرا من النقاد فيظنون أن لا خلاف بين الحياتين العقلية والنفسية، الواقع أن هناك اختلافا كثيرا، فالحياة العقلية قد درست واستطاع العلماء أن يعرفوا مقدماتها وطرق استدلالها، فكان علم المنطق، أما الحياة

стр. 2272

النفسية فلا تزال على أشد ما تكون إبهاما وغموضا، ولهذا كان تحليل الحادثة الشعرية إلى عناصرها، من إحساس، وشعور، وخيال، وعاطفة منشأ غموض كثير ينتشر بين أجزاء القصيدة الواحدة، ومن هنا كان الخلاف كثيرا ما يقوم بين النقاد في فهم القطع الشعرية المختلفة، لأنهم لا يعتمدون على مبدأ معروف للمناقشة والمقارنة، فهم لا يستنيرون بتحليل واضح سابق مشابه للحوادث الشعرية التي يتناقشون فيها، وعلماء النفس أنفسهم يقولون أن الشعور مصدر الإبهام، فما بالنا بالحياة النفسية كلها وما تنطوي عليه من رغبات وعواطف، وميول وشهوات، لا سبيل إلى حدها وحصرها، وإذا كانت هذه هي الحياة النفسية وهي على أشد ما تكون التواء وتعقدا أفلا نسمح لما يخرج منها أن يحمل شيئا من آثار إبهامها ما دام جميلا نشغف به، ونعجب بحسنه وجماله والواقع أن الأمر لا يحتاج منا إلى إصدار حكم ليفارق الشعر الغموض ويقاطعه، بل إن ذلك يرجع كما رأينا إلى الحياة النفسية ذاتها، وسواء أرضينا أم غضبنا فيستمر الغموض مسيطرا على الشعر حتى تنضج الحياة النفسية، ولا سبيل إلى هذا الإيضاح الآن وتاريخ الشعر يؤيد أن هذا الغموض لازم الشعر منذ نشأته الأولى، فقد كان الإنسان - قبل أن يتحول محيط عواطفه إلى جليد تسطع عليه أشعة الأفكار والألفاظ - يعبر عن هذه الحياة الصاخبة في نفسه بأصوات مبهمة، ولما أخذت الأفكار والألفاظ تقوم بتجسيم هذا التعبير رأى الشاعر الأول إنها عاجزة عن القيام بمهمتها قياما تاما فأضاف إليها الوزن الشعري عله يكمل بنغماته المعنى الذي يريد الإفصاح عنه، وللموسيقى الشعرية شأن كبير في الشعر، وذلك لأنها إذا ارتقت إلى أسمى درجاتها، استطاعت أن تؤثر في نفوس السامعين بدون حاجة إلى فهم الأفكار التي تحملها، فلا يكادون يسمعونها حتى يجدوا لذة جميلة لا يستطيعون أن يرجعوها إلى مصدر سوى هذه النغمات السحرية التي يبثها الشاعر في آثاره الشعرية وغموض الشعر لا يأتي دائما من الشاعر وشعره بل كثيرا ما يأتي من القارئ وقراءته، فالناس يختلفون في فهم القصيدة بل في فهم البيت الواحد، ولا سبيل إلى كبح جماح هذا الخلاف، لأنه يرجع إلى حوادث سيكولوجية، فأن كل صورة في الشعر أو فكرة فيه حين ينقلها من عالمها الخارجي إلى عالمنا النفسي الداخلي تصادف مناطق من الشعور تختلف

стр. 2273

باختلاف القراء، ولهذا ينتهي كل قارئ غالبا إلى صورة أو فكرة لا يشترك معه فيها غيره، ولكي يكون حكم القارئ للشعر صحيحا، يجب أن يكون ماهرا، في إخراج نفسه من كل ما يؤثر فيه، بارعا، في فهم الحالات العقلية التي تلائم الموضوع الشعري الذي يقرأ فيه، كما يجب أن يتخلى عن كل النزاعات فلا يؤثر شيئا لقدمه، وبقائه، ولا يحتقر شيئا لجدته وحداثته والإبهام كثيرا ما يأتي مما ترمز إليه الفكرة الشعرية، لان الفكرة الفنية لا تلهم القارئ دائما برموز محدودة، فمثلا إذا صور إنسان فتاة رامزا بها إلى الأنوثة ولم يعرف الناس ماذا أراد، رأيتهم يختلفون فيما بينهما اختلافا شديدا، هذا يقول إنه يرمز إلى الجمال، وذاك يقول إنه يرمز إلى الدلال، ويقول ثالث بل إلى الجلال، وقلما يهتدون إلى الرمز الحقيقي الذي أراده الرسام لصورته، وكذلك المناظر الطبيعية فهي لا تملي علينا فكرة محدودة، وهذا هو الذي يجعلنا نقول إن الإنسان يرى من الجمال في المرة الثانية ما لم يره في المرة الأولى، أي إنها توحي ألينا بألوان مختلفة من الأفكار العذبة والصور الساحرة، كلما نظرنا إليها وأمعنا فيها، وليس الأمر كما يظن الأستاذ فضلي من أنه يرجع إلى أننا لا نفهم الجمال مرة واحدة، إذ الجمال ليس مسألة حسابية يعوزها الفهم، ولا تمرينا هندسيا ينقصه البرهان، وإنما هو معين لأفكار كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، ولن ينضب من هذه الأفكار الساحرة إلا إذا فنيت لا - قدر الله - حياتنا النفسية، ويتبين جمال إطلاق الشعرية من قيود التحديد في كثير من الآثار الشعرية، كما نجد في رواية هملت، فأن الناس يختلفون اختلافا كثيرا في شخصية هملت نفسه، ولا يكاد ينتهون إلى رأي واحد معين، ولكنهم مع ذلك يتفقون على أن هذه الرواية من أعظم أعمال شكسبير إن لم تكن أعظمها، وربما كان يستحسن - لهذا السبب - أن يعتمد الشعر على الإيجاز حتى يصبغ أفكاره بشيء من الإبهام والغموض يسمح لنا أن نستوحي من أفكاراً مختلفة جميلة، ولا يضع الإيجاز من قيمة الشعر بل هو على العكس يرفع منه ويسمو به إلى الأفق الأعلى، وإنما الذي يضع منه حقاً هو الإطناب الذي لا يزال بالفكرة حتى يظهرها عارية أمامنا، فسرعان ما نبتذلها ونحتقرها وإذن فالغموض الشعري يجب أن نقدره التقدير اللائق به، فلا نغالي في ازدرائه وتحقيره، يجب أن نعرف أنه من أهم أسباب جمال الشعر وحسنه، ومن يدري؟ ربما كان من أهم

стр. 2274

أسباب خلود الشعر وبقاءه، فان الآثار الشعرية تشرق عليها الحياة في العصور المختلفة، بينما تبلى القطعة العلمية بمرور الزمن، وتنطمس معالمها، وأكبر ظني أن هذا يرجع إلى وضوح القطع العلمية، فالشيء الذي يتضح أمام الإنسان لا يفكر في ترديده وتكرار النظر فيه. وأي حاجة تستدعي ذلك؟. أما الآثار الشعرية فإنها لا تنضج أمام الإنسان جملة واحدة، ولهذا نحن نقرأها مرة ومرتين وثلاثاً، وقد نحفظها ونكررها ولا نحس بضجر ولا بملل، بل نحن نجد في ذلك لذة مغرية ومتعة طيبة والغريب كل الغرابة أن الأستاذ فضلي يدعي (أن كل بديع في هذا الكون من منظر إلى صوت إلى شعر يلازمه الوضوح كيفما تكيف وتطور وتصور) ثم ينتهي إلى أن (الوضوح هو جوهر الجمال) وما أعرف أن أحداً يستطيع أن يوافق الأستاذ على دعواه، بل إن نقاد الفنون المختلفة يكادون يجمعون على أن الوضوح إذا عرض للآثار الفنية أفقدها كثيراً من روعتها وجمالها، والدلالة على ذلك كثيرة فنحن نعجب بنور القمر أكثر من إعجابنا بنور الشمس، وما هذا إلا لأن نوره أكثر إبهاما وأوفر غموضا، وكذلك نحن نعجب بالمناظر الطبيعية تتراءى لنا في ثياب أضواء الفجر الغامضة، أكثر من إعجابنا بها وهي متبرجة في أضواء الهاجرة، ونحن أيضا لا نطلب في الموسيقى انكشافا ولا وضوحا فمشاعرنا تتهيج بالسماع فقط، وليس من الضروري أن نفهمها، بل إن كثيرين يتأذون من فهمها، ويقلقون من وضوحها، والشعر لا يخرج عن بقية الفنون الجميلة، فهو كلما كان أكثر وضوحا، كان أقل قيمة وأدنى درجة لأنه لا ينطق حينئذ إلا بظاهر من القول وضحل من التفكير، نعم هناك مسألة مهمة يجب أن يأخذ الأدباء لأنفسهم الحذر من شرها، وذلك أن كثيرا من شعرائنا افسدوا أذواقنا في حكمنا على الشعر فجعلونا نضن أن بين الجمال والوضوح علاقة وثيقة، لأننا نجدهم يحسون بالضوء أكثر من إحساسهم باللون أو أي شيء آخر، فإذا وصفوا لنا روضا لم يشاءوا أن يصفوه إلا والسماء مصحية، وقرص الشمس يلتهب التهابا، وقلما تحدثوا بشيء عن هذا الروضإذا تنفس الصبح أو بزغ القمر، ولو تدبر شعراؤنا لعرفوا أن الجمال لا يبدوا عاريا مكشوفا أمام العيون، وإنما يتخذ دائما سرابيل تقيه شر الوضوح والابتذال سواء في الطبيعة، أو في الشعر، أو في أي شيء آخر. شوقي ضيف

стр. 2275

بكلية الآداب

стр. 2276

مدينة زائفة! للدكتور عبد الوهاب عزام قال صاحبي، وأنا أسايره في شارع الكورنيش ليلة من ليالي الصيف: (ما أجمل هذه المدينة! أنظر هذا المهيع الممهد ما بين رأس التين والمنتزه مشرفا على لجة يمعن فيها البصر والفكر إلى غير غاية. وأنظر هذه الأبنية الهائلة الشامخة تزحم السحاب بذراها، وتقابل السماء بمثل نجومها، وتنسج في الأمواج أشعتها، وتأمل هذا العقد من المصابيح الكبيرة، يطوق هذا الخليج الجميل. والسيارات تطوي الأرض ذات اليمين وذات الشمال، فيها المصطافون قد أخذوا من الحياة متعتها، واهتبلوا من الأيام فرصتها، والحان الموسيقى تتدفق من هذه الأندية والمراقص فتموج في الهواء، حتى تختلط بأمواج الدأماء. وهذا البحر الزاخر من الناس، والمحافل المزدحمة بشتى الأجناس يحوطها النظام، ويهيمن عليها القانون والسلطان، ويرقبها الشرط والعسس، كل آخذ بحقه مأخوذ بعدوانه، يا أخي لقد استبحر العمران، وشمل الناس الأمان، وأمكنهم العيش السعيد، واسلس لهم الزمان العصى، وأطلعت لهم المدنية من النعيم ألوانا، وأنبتت لهم من اللذات أفنانا - يا أخي إنها لمدينة. . . ثم صمت صاحبي، وتمادى بنا المسير حتى ملنا ذات الشمال إلى محطة الرمل فمررنا بباب القنصلية الايطالية، فرأيت بجانب الجدار شبحين ضئيلين فاقتربت أنعم النظر فيهما فإذا طفلان نائمان، جلس أحدهما القرفصاء واعتمد بجانبه على الجدار، وتمدد الآخر على الأرض عرضة لأقدام السابلة، قلت: وا رحمتاه! طفلان شريدان ألجأهما الشقاء إلى هذا الجدار! ويعلم الله ما بهما من السغب والنصب وما لقيا في يومهما وأمسهما، وما يلقيان في غدهما. قال صاحبي: (لا تعجب فأمثال هذين كثير يعثر بهم السائر حيثما ذهب) فأنقلب الأسى في نفسي غضبا على صاحبي قلت: (أرأيتك مدينتك هذه العظيمة، وطرقها المعبدة، وقصورها الشاهقة، ومصابيحها المتلألئة، وسياراتها الخاطفة، ومصطافيها الناعمين، ومراقصها اللاهية، وأنديتها الحافلة!! - أرأيتك القانون والسلطان، والنظام والشرطة والعسس، وهذا العمران المستبحر، والسعادة التي شملت الناس، وألوان النعيم التي طلعت بها المدنية، والعيش الخفض، والزمان المواتي، ومدنيتك الرائع الفاتنة! أليس في هذه

стр. 2277

المدينة العظيمة لهذين الطفلين سعة؟ أليس في هذا العمران لهذين الطفلين مأوى؟ أليس في هذه القوانين لهذين الطفلين حماية؟ أليس في هذا النظام لهذين الطفلين موضع؟ أليس في هذه المدنية لهذين الطفلين لون واحد من الحياة؟ أليس في هذه القلوب لهذين الطفلين مرحمة - يا صاحبي! حسبك حسبك! لا تحدثني عن المدنية ونعيمها، لا تخدعني بالمدنية وقوانينها! أنها لمدنية زائفة! عبد الوهاب عزام

стр. 2278

عام جديد! بين عام مضى وعام آتى … موقف للمنى والذكريات يهتف الشيخ بالقديم وداعاً … ويحي الجديد في السنوات ويرى الكهل في الشباب مراحا … حفلا بالجمال والصبوات لم يزل طيره على الفنن المن … ضور يدعو إلى متاع الحياة ويغني الشاب بالأمل المعسو … ل دنيا خلابة البسمات أيها العام ما حسابك أيا … مٌ تقضت في يقظة وسبات رب يوم يمر في البؤس عاما … وسنين تمر كاللمحات أيها العام كن على مصر خيرا … طال عهد الشقاء والأزمات فانشر النور والسلام على الوا … دي وأطلق سواحر النغمات يس عبد الله

стр. 2279

الشافعي واضع علم أصول الفقه للأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب - ٥ - أ - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي. ب - أهل الرأي وأهل الحديث ج - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث وآثاره وكتبه د. وضع الشافعي علم أصول الفقه وفي صدر العهد العباسي تمكن الاستنباط واستقرت أصوله وجعل لفظ (الفقه) ينتهي بالتدريج إلى أن يكون غير مقصور على المعنى الأصلي أي الاستنباط من الأدلة التي ليست نصوصاً واصبح المعنى الأول للفقه هو: (الأحكام الشرعية العملية المأخوذة من أدلتها التفصيلية) نصوصا كانت أو رأياً وسمي أهل هذا الشأن بالفقهاء ونشأ التأليف في الفقه بهذا المعنى وانقسم الفقه إلى طريقتين طريقة أهل الرأي والقياس، وهم أهل العراق، وطريقة أهل الحديث وهم: أهل الحجاز ب - أهل الرأي وأهل الحديث ومقدم جماعة أهل الرأي الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه هو: (أبو حنيفة) المعتبر أبا لمذهب أهل العراق، أسسه وأعانه على تأسيسه تلميذاه الجليلان: (أبو يوسف) القاضي المتوفي سنة ١٨٢هـ - ٧٩٧م و (محمد بن الحسن) الشيباني المتوفي سنة ١٨٩هـ - ٨٠٤ م ولئن كان حماد بن سليمان الكوفي المتوفى سنة ١٢٠هـ - ٧٣٧ و٧٣٨ م هو أول من جمع حوله طائفة من التلاميذ يعلمهم الفقه. مع ميل غالب للرأي. وكان (أبو حنيفة) من هؤلاء التلاميذ فان حماداً لم يترك آثراً علميا مكتوبا. أما أبو حنيفة فيقول صاحب (الفهرست)؛ وله من الكتب (كتاب الفقه الأكبر) - كتاب رسالته إلى اليسقى - كتاب العالم والمتعلم - رواه عنه مقاتل - كتاب الرد على القدرية - والعالم براً وبحراً، شرقا وغربا، بعداً وقرباً، تدوينه رضى الله عنه) ص ٢٠٢ ويذكر الموفق بين أحمد المكي الحنفي في كتابه (مناقب الأمام الأعظم) آثر أبي حنيفة في

стр. 2280

الفقه بقوله جـ١ ص ١٣٦، ١٣٧: (وأبو حنيفة أول من دون علم هذه الشريعة، لم يسبقه أحد ممن قبله لأن الصحابة والتابعين لم يضعوا في علم الشريعة أبوابا مبوبة ولا كتبا مرتبة إنما كانوا يعتمدون على قوة فهمهم وجعلوا قلوبهم صناديق علمهم فنشأ أبو حنيفة بعدهم فرأى العلم منشرا فخاف عليه الخلف السوء أن يضيعوه ولهذا قال - صلعم -: أن الله تعالى لا يقبض العلم انزاعا ينتزعه من الناس وإنما ينتزعه بموت العلماء فيبقى رؤساء جهال فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون فلذلك دونه أبو حنيفة فجعله أبوابا مبوبة وكتبا مرتبة. فبدأ بالطهارة ثم بالصلاة ثم بسائر العبادات على الولاء ثم بالمعاملات ثم ختم بكتاب المواريث وإنما ابتدأ بالطهارة ثم بالصلاة لأن المكلف بعد صحة الاعتقاد أول ما يخاطب بالصلوات لأنها أخص العبادات واعم وجوبا، وآخر المعاملات لأن الأصل عدمها وبراءة الذمة منها وختمه بالوصايا والمواريث لأنها آخر أحوال الإنسان فما احسن ما ابتدأ به وختم وما أحذقه وأفهم وأفقه وأمهر وأعلم وأبصر ثم جاء الأئمة من بعده فاقتبسوا من علمه واقتدوا به وفرعوا كتبهم على كتبه، ولهذا روينا بإسناد حسن عن الشافعي - رح - أنه قال في حديث طويل: (العلماء عيال على أبي حنيفة في الفقه) وروى عن ابن سريج - رح - أنه (سمع رجلا يتكلم في أبي حنيفة فقال له يا هذا مه، فان ثلاثة أرباع العلم مسلمة له بالإجماع والرابع لا نسلمه لهم، قال: وكيف ذلك؟ قال: لان العلم سؤال وجواب، وهو أول من وضع الأسئلة فهذا نصف العلم، ثم أجاب عنها فقال بعض: أصاب، وبعض: أخطأ، فإذا جعلنا صوابه بخطئه صار له نصف النصف الثاني والربع الرابع ينازعهم فيه ولا يسلم لهم. . . ولأنه - رح - أول من وضع كتابا في الفرائض وأول من وضع كتابا في الشروط. والشروط لا يستطيع أن يضعها إلا من تناهى في العلم وعرف مذاهب العلماء ومقالاتهم لأن الشروط تتفرع على جميع كتب الفقه ويتحرز بها من كل المذاهب لئلا ينقضها حاكم بنقض أو فسخ. . . وقد قيل بلغت مسائل أبي حنيفة خمسمائة ألف مسألة وكتبه، وكتب أصحابه تدل على ذلك) وجملة القول: أن مذهب أهل الرأي هو الذي رتب أبواب الفقه، وأكثر من جمع مسائله في
следующие страницы →