Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
زالت تختلف إلى مجلس أبي بلال بعض الليالي تأنس بالشيخ وبصحبه فينمو إيمانها في هذا الجو المشبع إيمانا ويقوى جلدها على احتمال أتعاب النهار وأخطاره
جلس أبو بلال ذات ليلة وانضم حوله الصحاب متشوقين إلى سماعه، فما عرفوا لديه إلا الصواب، متلهفين إلى حجمه وآيات إيمانه، فقد كانت لقلوبهم وعقولهم خير غذاء في هذا الجو المكفهر المضطرب. ولكنه ما كاد يلتئم جمعه ويبدأ حديثه حتى قام إليه أحدهم وهو غيلان بن خرشة الضبي وقال: (يا أبا بلال أني سمعت الأمير البارحة عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء واحسبها ستؤخذ.)
وجم المجلس وفكر الشيخ طويلا. فالبلجاء كانت من خير أعوانه، وكان الذين دخلوا على يديها في المذهب الجديد غير قليلين، فلابد إذن أن ابن زياد عرف هذا ولابد أنه بعد أن عرف قدر وفكر، ولابد انه من بعد أن قدر قرر، ويا عظم ما قرر! وتنازعت نفسه عوامل عدة ولكن أقواها كان الخوف على البلجاء، خوف العار لا خوف القتل.
ولم يستمع القوم لأبي بلال هذا المساء فقد كان فكره مشغولا وعقله مضطربا. ينتظر البلجاء فلا تأتي، ويطول الانتظار. وما كاد المجلس يخلو حتى عدا إليها مسرعا. وفي الطريق قدر رغم إسراعه وفكر. ماذا يقول لها؟ ثم يصحها؟ لقد كان يذكي إيمانها كل يوم فيسره هذا الإذكاء، أيطفئ اليوم هذا النور بيده أو يداريه فيحجب شعائه، ولكن بطش زياد عظيم وانه لجبار عنيد.
وصل إلى بيت البلجاء فوجدها قد آوت إلى فراشها من تعب النهار ولكنها ما كادت تسمع صوت أبي بلال في الفناء حتى قامت إليه مسرعة وقلبها يكاد يحطم صدرها من اضطرابه ما سر هذه الزيارة المتأخرة؟ وماذا عند أبي بلال وقد آوى الناس إلى فراشهم إلا القليل؟ ولكن أبا بلال لم يطل عليها الاضطراب فقد قر رأيه ولم يعد لديه إلا قولا واحد يقوله لها
- إن الله قد وسع على المؤمنين بالتقية فاستتري فان هذا المسرف على نفسه، الجبار العنيد قد ذكرك.
وكان موقف البلجاء جليا واضحا فلم يكن ذكر ابن زياد لها أمرا مستبعدا ولم يكن خوف أبي بلال عليها شيئا غير منتظر ولكن ألام يدعوها أإلى اليقين وهل عرف التقية ذوو الإيمان القوي؟ ورنت في إذنها الآية (إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان) أي رحمة، أي
стр. 2207
شفقة، أي تقدير للإنسان أي فهم لضعفه ولنواري ولكن الإيمان النار القوية الملتهبة ما هذه الحشرات التي تدنو منها الخوف؟ أخوف الموت؟ أعار التعرية؟ والنار القوية تحرق كل حشرة تدنو منها فتزداد بهذا الاحتراق قوة ولهبا وهؤلاء الذين دعتهم فلبوا أيشهدون خبو هذه النار التي مسهم شررها فآنسوا إليه؟ كلا كلا وايم الله!
- أن يأخذني فهو أشقى أما أنا فما احب أن يعنت إنسان بسبي.
السوق هائجة مائجة والناس تروح فيها وتغدو وعلى وجوههم غبرة قاتمة حاسرة. كل وجه عليه مزيج من علائم الحزن والاضطراب والاشمئزاز والسخط ماذا في السوق ما الذي يثير كل هذه العوامل في نفوس الناس فتغير من ملامحهم تغييراً أليما منكرا:
جاء أبو بلال إلى السوق والفى القوم على تلك الحال ولكن لم يتساءل فقد وجد أبصارهم عالقة بشيء منصوب عن بعد فما لبث أن رفع هو بصره إليه، مإذا؟ أجسد امرأة قطعت يداها ورجلاها؟ ومن تكون تلك التي أثارت حفيظة الأمير فنكل بها هذا التنكيل البشع؟ الجواب يضطرب في صدره ولكنه لا يقوى على تصديقه والمرء إزاء المصائب اعزل لا سلاح له إلا محاولة إنكار الواقع أيكون حلما؟ أأكون مخدوعا؟ والمصائب ثابتة في عالم الحقيقة تهزأ بهذا الإنكار.
دنا أبو بلال من أحدهم وفي نفسه أمل ضعيف خائر وهمس في إذنه من تكون؟
- البلجاء
واقترب أبو بلال من الجسد المنصوب وعيناه عالقة به ونفسه كليمة حسرى. ما اعجب الحياة وما أمر هزء الحقيقة إذا ما انتصرت على كل إشفاق من حقيقتها.
وأملت البلجاء على أبي بلال درسا عوض كل ما ألقاه عليها من دروس. ما هو؟ ما قيمته؟ وما قيمة تعظيم الجماعة إياه امام هذه في عليائها؟ ما أعظمها! ما اجلها! وما أحلى رضائها عن نفسها! وعض الشيخ على لحيته وقال لنفسه:
لهذه أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك يا مرداس.
سهير القلماوي
стр. 2208
العَالم المسرحيّ والسّينمائِي
أزمة المسرح في مصر
لناقد (الرسالة) الفني
أصيب المسرح المصري في السنوات الأخيرة بضربات شديدة قضت عليه أو كادت. وانه ليحتضر الآن. ولا مفر من أن نشيعه عاجلا أو آجلا إلى مثواه الأخير لنعيد خلقه من جديد إذا وسعتنا الحيلة، وتوفرت الوسيلة، وتهيأت الأسباب التي تؤدي بنا إلى هذه الغاية.
وانظر كيف أصبح اليوم، وماذا كان بالأمس، وها نحن أولاء في أواخر ديسمبر والموسم المسرحي لم يبدأ إلا منذ أيام، ويالها من بداية فاترة لا تبشر بخير ولا تسفر عن عظيم. ولا نرى من الفرق القديمة إلا فرقة رمسيس، ثم إن هناك فرقة دار التمثيل العربي التي ألفت هذا الموسم وما نظن أن العمر سيمتد بها كثيرا لفقرها المادي والمعنوي وان كنا نرجو مخلصين للأستاذ عزيز عيد كل توفيق ونجاح، فقد خدم المسرح في السنوات الأخيرة خدمات كثيرة لا شك في قيمتها ونفعها، ولقد كان وما يزال من أهم العوامل البارزة في المسرح.
وهذا الفشل الذريع الذي أصيب به المسرح يرجع إلى عوامل عدة، يتصل بعضها برجال المسرح أنفسهم، وبعضها بالحكومة والبعض الآخر بظروف لم يكن في الوسع التغلب عليها إلا بتضافر القوى والجهود وهو ما لم يحدث مع الأسف.
وأعتقد مخلصا ان رجال المسرح هم الذين يحملون العبء الأكبر من المسئولية في هذا الانحطاط الذي وصلت إليه حالة المسرح اليوم. وأذ أقول رجال المسرح إنما اعني في المقدمة مديري الفرق لأنهم الرءوس المفكرة والأيدي العاملة، ثم هم الممولون الذين يتحكمون في كل شيء بحكم سيطرتهم المإليه فعليهم تقع التبعة الكبرى، ولا مناص لهم من مواجهة الحقائق والاعتراف بخطئهم.
قام نزاع شديد بين النقاد وبين مديري الفرق حول تقدير ذوق الجمهور الفني وتذوقه لبعض الأنواع من الروايات وإقباله عليها. فمديرو الفرق يقولون أن الميلودراما هو النوع المفضل عند الجمهور وان الروايات الفنية التي يطلب النقاد تمثيلها، لا يتذوقها المتفرجون ولا يقبلون على مشاهدتها الإقبال الذي يضمن لمدير الفرقة نفقاته التي تكبدها فضلا عن الربح
стр. 2209
الذي ينتظره كغيره من أصحاب رءوس الأموال. وطال النزاع بين الفرقين وكل يصر على رأيه، على أن مديري الفرق اندفعوا يخرجون على مسارحهم الروايات الميلودرام المليئة بالمشاهد المفزعة، المثيرة للأعصاب، وحذرهم النقاد من مغبة الأمر ولكنهم مضوا في طريقهم غير آبهين لشيء.
والآن. . . ها هو الزمن يقول كلمته الحاسمة في الحكم على الفريقين أيهما كان أهدى سبيلا وأبعد نظرا، وهذا الفشل الذي مني به المسرح أخيرا دليل صادق وحجة قاطعة على إن مديري الفرق كانوا على ضلال، وان النقاد كانوا على حق في تحذيرهم. فلو أن الجمهور كان يتذوق حقا الميلودراما لكان مديرو الفرق اليوم من أثرياء العالم المعدودين، فقد ظلوا لا يخرجون إلا هذا النوع من الروايات، ولكان حال المسرح اليوم غير هذه الحال، ولكن هذا الفشل الذي أصيب به المسرح، وصيحات الاستغاثة التي يصم بها مديرو الفرق آذاننا، دليل قاطع على انهم لم يجدوا في الميلودراما كنز قارون الذي كانوا يتوهمون.
على أن جريرة مديري الفرق لم تقف عند هذا الحد فقد أبعدوا عن المسرح خير الكتاب والأدباء الذين خدموا هذا الفن الجليل منذ نشأته بأقلامهم وروايتهم فرفعوا من شأنه، ووجهوا أنظار الشعب إليه، وجعلوا له مكانة محترمة ومنزلة سامية في النفوس، وانفض هؤلاء الكتاب عن المسرح وما يزال مكانهم شاغرا إلى اليوم، وخسر المسرح بابتعادهم خسارة لا تعوض.
ومن الحق ان نذكر ان الحكومة ينالها من المسئولية فيما يصل إليه حال المسرح الشيء الكثير، فسياستها حياله كانت دائما سياسة ملؤها التردد والحيرة، وطابعها البارز الاضطراب والفوضى. فقد بدأت بأن أقامت مباراة للمثلين، ثم أوفدت أحد المبرزين فيها في بعثة فنية إلى أوربا؛ وكان المظنون أنها ستتبع هذه الخطة الحميدة في السنين التإليه، ولكنها عدلت عنها حتى اليوم وبقى الأستاذ زكي طليمات عضو البعثة الوحيد. على ان الوزارة عدلت عن طريقة المباراة السنوية وألفت لجنة تمر على دور التمثيل طوال السنة وفي نهايتها توزع مبالغ متفاوتة من المال على مديري الفرق وعلى الممثلين في حدود المبلغ المخصص لذلك.
стр. 2210
وقامت الوزارة بإنشاء معهد لفن التمثيل، ثم ما لبثت أن الغته واستعاضت عنه بما سمته قاعة المحاضرات، ووضعت في السنة الماضية شروطا دقيقة لتوزيع إعانتها السنوية على مديري الفرق ولكنها لم تتقيد هي نفسها بالشروط التي وضعتها.
ولا ننسى قبل كل شيء أن ننوه بالمبلغ الضئيل المخصص لاعانة المسرح المصري إذ لا يتجاوز عشر المبالغ التي تصرف على دار الأوبرا وتقدم للفرق الأجنبية التي تفد للتمثيل على مسرحها في موسم الشتاء.
من هذا، ودون أن ندخلفي تفصيلات دقيقة أخرى، نرى مبلغ التردد وعدم الاكتراث في سياسة الوزارة حيال فن التمثيل حتى هذه المبالغ الضئيلة التي تقدمها للممثلين كل سنة على سبيل (الإعانة) لم يكن لها أثر، لضآلتها أولا، ولان الوزارة لم تشرف على نفاقها ثانيا، ومن يدرينا لعلها صرفت في أغراض شخصية لا تتصل بالفن في كثير ولا قليل؟
ومن العبث على ما أرى أن نطيل الحديث مع الوزارة فأنها إلى اليوم لم تنظر إلى المسرح وإلى فن التمثيل نظرة جدية، وأغلب الظن أنها إذ تقدم هذه المبالغ الزهيدة لرجال المسرح في نهاية العام تقول: (إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) وما دام هذا هو يقين الوزارة فكل حديث معها عبث محض وضياع للوقت فيما لا طائل تحته.
بقيت بعد ذلك بعض الظروف الطارئة التي كانت عاملا من العوامل التي ساعدت على اشتداد أزمة المسرح، منها هذه الأزمة التي اكتسحت مصر في السنوات الثلاث الأخيرة وشدت عليها الخناق، ومنها طغيان السينما الناطقة ونجاحها هذا النجاح الباهر الذي نراه ونلمسه كل يوم، ثم رخص الأجور في دور السينما عنها في المسارح مع فخامة ما نراه هناك على الشاشة الفضية، وضآلة ما نشاهده هنا.
ولعل من اشد العوامل التي كان لها اكبر أثر في المستوى الذي هبط إليه المسرح إخراج الأفلام المصرية وما لاقته من النجاح والإقبال مما ساعد أصحابها على موالاة الجهود وزيادة الإتقان في العمل ولفت أنظار الآخرين إليها، حتى رأينا بعض مديري الفرق أنفسهم ينصرفون إلى هذه الناحية الجديدة ويخصصون لها من المال والجهد أضعاف ما ينفقون في مسارحهم.
والجهد الذي يجب أن يبذل للنهوض بالمسرح لابد من أن يتناول كل هذه النواحي التي
стр. 2211
الممنا بها في مقالنا وكل هذه العوامل المختلفة إذا أردنا أن يكون لعملنا أثره ونفعه المنتظر، فمن الخير أن يعود مديرو الفرق إلى رواياتهم الأولى التي كانوا يغذوننا بها من سنوات، والتي عدلوا عنها لغير علة إلى توع الميلودرام الذي يقوم على محض الافتعال وارتجال المواقف الكاذبة ارتجالا قد يكون له أثره الوقتي، ولكن سرعان ما ينقضي دون أن يخلف في نفس المتفرج شيئا له قيمته أو خطره،
ومن الخير أن نجتذب كبار الكتاب والأدباء ليعودوا إلى خدمة المسرح والكتابة له كما كانوا يفعلون
ومن الخير أن تجد الوزارة في موقفها حيال المسرح وترصد لأعانته ألوف الجنيهات سنويا على أن تشرف عليه إشرافا فعليا وتتحرى أوجه الصرف بحيث لا تتعدى النواحي الفنية التي يكون لها أثرها في تقدم المسرح والنهوض به
على أن المسرح يتطلب دما جديداً يغذيه وينشر فيه روحا فنية خالصة، أساسها الثقافة والموهبة والدراسة الحقة، وقد كان معهد فن التمثيل هو النبع الذي سنستقي منه هذا الجديد، فإذا أصرت وزارة المعارف على غلق أبوابه فلنفكر إذن في إيفاد بعثات فنية إلى أوربا من الشبان الذين تؤهلهم لذلك ومواهبهم الشخصية وميولهم، على أنه يجب قبل هذا أن تعد سياسة إنشائية إيجابية لخدمة المسرح يقوم بتنفيذها أعضاء بعثتها عندما يرجعون، أما أن يعودوا ليأكلوا أنفسهم من اليأس وخيبة الأمل وتجاهل الوزارة لثقافتهم واستعدادهم، وعدم إفساح المجال أمامهم للعمل، فهذا يكون عبثا وسخفا وخير للوزارة أو تكتفي بعضو بعثتها الذي لم تحاول أن تستفيد من كفاءته واستعداده، ولا خير لها ولا للمسرح في أن تزيد صفوف الساخطين المتذمرين
الحركة المسرحية والسينمائية في الخارج
لندن
يعد الآن في لندن فلم سينمائي عن (مارشال هول) من أشهر رجال المحاماة والقانون في إنجلترا، وهو الذي تولى الدفاع عن قاتلة المرحوم علي فهمي كامل وفاز لها بحكم البراءة، وسيتولى خراج هذا الفلم المخرج العالمي هتشكوك
стр. 2212
يعد الآن تحت إشراف مصلحة البريد في إنجلترا فلمان الأول ترى فيه كل الخطوات التي يمر بها خطابك من ساعة ان تكتبه حتى يصل إلى يد مرسله وسيكون هذا الفلم شاملا لكل التحسينات التي أُدخلت من عهد حمل البريد بواسطة العربات التي تجرها الجياد إلى العهد الحاضر، ويعرض مختلف الطرق التي كانت تستخدم لهذا الغرض بكل تفصيلاتها. أما الفلم الثاني فسيكون خاصا بإظهار شبكة الأسلاك التلفونية التي تربط بريطانيا ويبلغ طولها ٩ , ٠٠٠ , ٠٠٠ ميل وترى فيه كل العمليات والخطوات التي تتخذ أثناء المحادثات التلفونية وقد أعلن مدير مصلحة البريد في إنجلترا انه يسترشد في إعداد هذين الفلمين بآراء لجنة من رجال الفن السينمائي الأخصائيين
والآن. . . هل لنا أن نقترح على مصلحة البريد المصرية إعداد فلم يجمع بين هذين الغرضين بمناسبة انعقاد مؤتمر البريد الدولي في القاهرة وتعرض فيه الطرق التي كانت تستخدم في نقل البريد في مصر في عهودها المختلفة؟!
مستر دنيس جوزيف كلارك من اشهر رجال المسرح في إنجلترا وله صيت ذائع في أوربا كلها، وهو يدير عدة مسارح في (بركنهد) كما يتولى بنفسه إخراج بعض الروايات المسرحية ثم هو فوق ذلك عضو المجلس البلدي في بركنهد منذ أربع وعشرين سنة، وقد عرض عليه حزب العمال الإنجليزي ان يتولى منصب محافظ بركنهد بمناسبة انتهاء مدة المحافظ السابق. ومن عادة الأحزاب الإنجليزية أن يتولى أحدها كل عام مهمة اختيار المحافظ الجديد على التناوب، وكان من حق حزب العمال هذا العام اختيار المحافظ، على إن أعضاء هذا الحزب تنازلوا عن هذا الحق، الذي يسمح لهم بطبيعة الحال أن ينصبوا رجلا من أنصارهم إذا وافق مستر كلارك على إسناد المنصب إليه مع انه من حزب المحافظين. ولا شك أن تنازل حزب العمال عن حقه وتنصيب رجل في هذا المركز الكبير من غير رجال حزبه شرف عظيم لمستر كلارك وشهادة لها خطرها بما له من المكانة والاحترام، وقد كان هذا الحادث مثار اهتمام الصحف الإنجليزية، كما أثار عاطفة الفخر والكبرياء في الأوساط المسرحية في إنجلترا وعده رجال المسرح الإنجليزي من دواعي مجدهم الفني وسيقيمون حفلة كبيرة لتكريم الرجل
باريس
стр. 2213
انتهى موريس روستان نجل أدمون روستان الشاعر الفرنسي المعروف من وضع رواية مسرحية عن (أسكار وايلد) الكاتب الإنجليزي الشهير. وليس بين شخصيات الرواية سيدات وسيقوم الممثل الفرنسي كونيه بوييه بتمثيل دور البطل
بودابست
(مجموعة اللآلئ) أسم لاستعراض مسرحي حديث أخرج أخيراً في بودابست اشترك فيه أكثر من ثلاثمائة قروي بملابسهم الوطنية الزاهية الألوان وبرقصاتهم الريفية الجميلة مما جعل الإقبال على هذا الاستعراض منقطع النظير. وبرغم ضخامة عدد الممثلين والممثلات وتكاليف الاستعراض من مناظر وملابس وغيرها، فسيجني مدير المسرح ربحا طائلا لأن هؤلاء الريفيين الهواة لا ينظرون إلى الناحية المادية ولا يأبهون لمسألة المرتبات التي يتقاضونها إلى جانب الفخر الذي نالوه بظهورهم على المسرح ولجدة الحادث بالنسبة لهم. ولعلها المرة الأولى التي تحاول فيها مثل هذه التجربة فتلقى هذا النجاح الكبير. ولا شك أن رواد المسرح سعداء بهذه الفرصةالتي أتيحت لهم مشاهدة رقصات حقيقية. يرقصها أصحابها لا ممثلين يدربون عليها، فلا يجيدونها مهما بذلوا من مقدرة كما يجيدها أصحابها أنفسهم. وأثناء الرقص يلقي هؤلاء القرويون أناشيد القرية وأغانيهم الساحرة ليكون لها أشد وقع في النفوس
стр. 2214
القصص
قصة شاءول بن شمويل اللاوي
للأستاذ محمد فريد أبو حديد وكيل مدرسة القبة الثانوية
قد كان لي ولع بالتجوال في البراري، ففيها كان الهواء مما يلذ امتلاء الصدر منه، وفي سمائها صفاء يروق الأبصار لا تدانيه زرقة البحر إلا في أيام الخريف الوادعة، ورمال الصحراء أخاذة باللب في لآلائها واختلاف لون حصاها، فإذا ما جرت عليها قطرات من الغيث في الشتاء غسلت عنها ما يغشاها من التراب، فإذا هي تزري باليواقيت وللآلئ، وإذا أسعد الإنسان الحظ فجاس خلال تلك الرمال في عقب سيل لا تزال منه بقية تجري في جدول رأى منها المعجب والفاتن حتى ليتمثل العذراء الحإليه وقد راعها ذلك الحصى فلمست جانب عقدها النضيد. وقد جمع حب ذلك التجوال بين قلوب مختلفة الأصول متباينة الطباع، يرضعون جمعيهم معا من ثدي تلك الطبيعة الجميلة حتى لقد نما في قلوبهم إخاء هو أقوى من الإخاء المعتاد إذ قد عرف كل منهم أخاه وكشف عن مخبوئه في تلك المعاشرة الطويلة، واعتاد كل منهم أن يكون مستعدا لان يبذل كل شيء حتى حياته ذاتها في سبيل الإخلاص لصديقه. لا عجب أن تكون الصحراء مهد جلائل الأمور!
وقد قصدت يوما مع صديق من الانجليز، وهو ممن يهيمون بالصحراء هياما، وقصدنا معا إلى برية سيناء نقطع الفيافي بمركبة القرن العشرين ونطوي أميالها مرحلة بعد مرحلة، فكانت صحبة عجيبة من كل الوجوه.
قلت له في فترة من فترات ما بين التفكير المتصل: كأني بك من أبناء الصحراء يا مستر لي. فأن حبك للصحراء وصبرك على مشتقاتها ينمان عن بدوي في اصله)
فقال لي باسما (إن البدوي وجواب البحار أخوان، فإذا لم يكن في دم البدوي فان في بغير شك دما من جوابي البحار)
قال لي ذلك وهو يحدق بنظرة في ناحية من الصحراء إلى يسارنا ونحن نطوي مراحلها، ثم قال لي:
انظر إلى هذا الموضع. كأني به فناء بيت من بيوت الجان، إنني اشعر بانجذاب عجيب نحوه. ألا ترى أن نقف هنا قليلا؟ أن التمتع بالصحراء لا يكون إلا إذا سرنا فيها كما كان
стр. 2215
يسير البدو على الإبل أو الحمير أو ما سوى ذلك من وسائل السير الوئيد. أما هذه السيارات السريعة فليست هنا إلا دخيلة غريبة. إنها تدخل السرعة والعجلة والقلق إلى ارض خلقها الله لتكون وادعة متئدة مطمئنة
قال هذا وعرج إلى الموضع الذي أشار إليه وأوقف دولاب السيارة والقينا عصا السير وجلسنا إلى جانب صخرة قائمة كأنها المائدة، واعددنا عدة الطعام إذ كان وقته قد أظلنا، وكان سمرنا على ذلك الطعام حديثا أوحاه إلينا الموضع. وأي حديث لمن يسير في برية سينا أقرب من حديث قوم موسى؟ لقد كان المكان يوحى به وحيا فاستغرق خيالنا حتى كأننا كنا نعيش في ذلك الوقت ونحس بما كان ينبض به قلب أهله
كان ذلك الموضع متسعا من الأرض تحيط به تلال من كل نواحيه إلا من جهة الغرب المائل إلى الشمال، وكان متدرجا في العلو من خارجه إلى داخله، ولا يكاد تمر عليه ساعة من النهار وليس في ناحية منه ظل ممتد. وكانت الرياح كلها محجوبة عنه إلا الرخاء التي تتهادى إليه من الشمال الغربي. فجلسنا به جلسة هنيئة زادت حديثنا اطمئنانا واستغراقا.
وخاطبت صاحبي في شيء من الدعابة قائلا (كم شهدت هذه البقعة من مناظر جليلة! أترى قد شهد موضعنا هذا بعض مواقف بني إسرائيل يحرجون صدر موسى بذكريات عدس مصر وفولها؟ فأجاب صاحبي (لقد كنت أفكر في هذه اللحظة في أن مكاننا هذا لابد قد وطئته أقدام من خرجوا من مصر مع موسى) وكنا قد فرغنا عند ذلك من أكلنا فقمنا نمشي رويدا ونتحدث. وحدث أن ضربت بقدمي حجرا من الأحجار على عادة كانت بي منذ صغري كنت اعتدتها في عبث الصبا، وما كان اشد عجبي إذ رأيت أن ذلك لم يكن حجرا بل كان قطعة من عظام جمجمة آدمية.
إذن لقد شهد ذلك الموضع حادثة إنسانية! وإذن فان لذلك الموضع قصته! فوقفت حيث كنت وملت إلى الموضع لأفحص موضع تلك العظمة فإذا بي أبصر عظمة أخرى قد طمرها الرمل. فتناولت حجرا وجعلت أحفر ما حولها لاستخرجها فرأيتها تتصل بهيكل إنساني. فاعتراني انقباض شديد، واسترجعت ثم ألقيت الرمال التي كنت استخرجتها لكي أعيد لتلك العظام مدفنها، وفيما أنا في ذلك إذ بدا لي سطح من الخشب الصقيل. فتركت ما كنت فيه وأقبلت على ذلك الخشب أفحص أمره، وإذا به غطاء صندوق صغير طوله نحو نصف
стр. 2216
متر في عرض اقل من ذلك بقليل وعمق أقل من عرضه، وكان صديقي عند ذلك قد بدأ يقبل على مساعدتي إذ رآني قد عثرت على شيء يستحق الاهتمام، فاستخرجنا الصندوق من مكانه ونفضنا عنه الرمال، ونزعنا عنه غطاءه فإذا فيه مجموعة من الجلود الرقيقة وقد دب إليها شيء من الفساد من اثر البلى. وكانت على تلك الجلود كتابة يميل لونها إلى السواد، وكانت بقلم غريب
انتهى بنا السير بعد ذلك إلى غايتنا، ثم عدنا وكان ذلك الصندوق قطب حديثنا في رجعتنا إلى القاهرة. ففرضنا فيه الفروض المختلفة وتناقشنا في قيمة ما فيه حتى بلغنا نهاية رحلتنا، فكان أول هم لنا أن نطرق باب صديق من علماء الآثار ليساعدنا على كشف ما وراء ذلك الطلسم.
نظر صديقنا العالم إلى صحيفة منها نظره الفاحص ثم قال: (إن هذا خط كاتب مصري. وهذا المداد مما كان يستعمله الكتاب في عصر الإمبراطورية الثانية في المحابر النحاسية التي كانوا يضعونها في مناطقهم. وهذا هو الحرف (الديموطيقي) الذي كانوا يكتبون به في الدواوين عند ذلك
قال هذا ونظر إلى أول سطر من الصفحة طويلا ثم علت وجهه ابتسامة الظفر وقال: (لم يكن كاتب هذه السطور مصريا بل هو (شاءول اللاوي) أحد بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى من مصرفي أيام (منفتاح) فرعون مصر، وقد كتبها بلغة قومه العبرانيين كاتب بارع
ولأخذ يترجم لنا الصحائف واحدة بعد واحدة فإذا هي آية العجب وفريدة الصدف وها هي:
(أنا شاءول بن شمويل بن شمعون اللاوي من عشيرة اللاويين قادة إسرائيل وساداتهم. كنت بمصر مع قومي وكنا في أرض جاشان مهد أبي وجدي، والأرض التي دفنت فيها عظامهما. كنت في أول الأمر صاحب خاتم الأمير (راحا ترع) ثم حدثت الحوادث المشئومة المعروفة فطردت كما طرد كل قومي من خدمة المصريين، ووضعت على رقابنا العبودية. وكنت أنا ممن حشروا لعمل اللبن من الطين لبناء مدينة (بيثوم) تسوقنا سياط المقدمين ورؤساء العمل ذوي الأيدي الصلبة والقلوب التي مثل خشب السنط.
وكانت مشقة العمل تزيد من يوم إلى يوم، وكلما مر شتاء علينا جاء شتاء آخر أشد منه برداً، فامتلأت نفوس الشعب الإسرائيلي من الغيظ والحقد. وبدءوا يسأمون حياتهم،
стр. 2217
ويتخلصون منها بضرب المقدمين ورؤساء العمل المصريين. وكان الذي يضرب منهم أحد هؤلاء يموت تحت السياط، وهذه ميتة أهون من الحياة الشاقة التي كان أبناء إسرائيل يحيونها.
وقد جاء رجل من أولاد عمي بني لاوي اسمه (موسى) كان هاربا من مصر من زمن. وقد عرفته كما عرفه كثيرون من أبناء أعمامي. وكان رجلا رحيما يبكي كلما رأى أحد بني إسرائيل يضرب ويصيح وتجري الدماء من جسمه، فكان في أول الأمر يزورنا في الليل ليواسينا، ولا يظهر في النهار مخافة أن يراه أحد فيعرفه، فاحبه الشعب المسكين وصار كل فرد منه يرضى أن يقتل في سبيل حمايته. وأقام سنين وهو على تلك الحال، وجعل يفهم الشعب أن وراء البرية أرضاً فسيحة يقدر أن يعيش فيها حراً ويجد فيها ماء وطعاماً. ولكن الشعب كان يخاف من البرية ولا يرضى أن يخرج من أرض مصر التي فيها عظام آبائه.
ولكن فرعون مصر عرف من جواسيسه أن هناك رجلا عبرانيا يحرض العبرانيين على العصيان والخروج. وقال له خدمه وعبيده إنه السبب في تجمع الإسرائيليين وتجمهرهم ومطالبتهم بعبادة إلههم على طريقتهم الخاصة. وقالوا له ان العبرانيين يتظاهرون بأنهم يريدون أن يسمح لهم بالخروج إلى البرية لتقديم الضحايا لألههم بعيداً عن أرض مصر، والحقيقة أنهم يريدون الذهاب إلى أرض الفلسطينيين والحيثيين لمساعدتهم على غزو مصر
فقال لهم فرعون: (وماذا ترون؟) فقال له عبيده (نرى أن تشغلهم وتضيق عليهم الخناق، فمر بمنع التبن عنهم حتى يضطروا لجمع الأعشاب الجافة ليصنعوا بها اللبن وطالبهم بأن يقدموا كل يوم ما اعتادوا ان يقدموه من قبل من اللبن اللازم للبناء)
فأمر فرعون بذلك ومنع خدمه من صرف التبن للشعب المسكين، وطالبهم بأن يقدموا له كل يوم نفس المقدار الذي كانوا يصنعونه من قبل من اللبن، مع قيامهم بجمع الأعشاب الجافة لاستعمالها بدل التبن الذي منع عنهم. فكان هذا الأمر غير ممكن. فعصا الشعب وامتنع وتجمهر وصاح بفرعون وخدم فرعون. وكان ابن عمي موسى يحرضا على العصيان ويأمرنا بالخروج معه إلى البرية، ولكنا كنا نخاف من ذلك فالموت مخيف وإن كانت العبودية صعبة.
وكثر التعذيب والضرب والقتل فينا حتى أننا ضجرنا وفزعنا، وسمعنا كلمة موسى وقمنا
стр. 2218
لنخرج إلى البرية جميعا نساؤنا وأطفالنا على الحمير، وقد لبس النساء الحلي التي استعرنها من جاراتهن المصريات. وفي الليلة الموعودة خرجنا نغطي وجه الأرض نحو البرية.
وكان الخوف يملأ قلوبنا من جنود فرعون أن تلحق بنا، فعبرنا إلى الصحراء من أقرب طريق، وخضنا في البحر بإذن الله وبركة ذلك الرجل المبارك (موسى). وتنفسنا الصعداء عند العيون التي حولها النخيل، عندما رأينا جيش فرعون قد عجز عن اللحاق بنا وعاد أدراجه بعد أن غرق منه عدد كبير. ويقال ان فرعون نفسه كان من الذين غرقوا في المياه. غير أن الحرية لا تعطي طعاما ولا ماء. فلما أكلنا الزاد الذي كان معنا بدأنا نفكر في موقفنا، وخرجنا إلى (موسى) نطلب منه أن يعطينا خبزا ولحماً.
أعطانا موسى كل ما معه، وقال لنا اقتصدوا ولا تأكلوا كثيرا ولكنا لم نقدر أن نمنع الأطفال والنساء من الأكل والشرب، ولم نقدر أن نمنع بكاءهم عندما نفذ ما كان معنا من الزاد، فقمنا بعد أسبوع من الجوع والعطش وطلبنا من (موسى) أن يطعمنا. وصرخنا له (أعدنا إلى مصر. أعدنا إلى العبودية. الإنسان قد يحيا مع العبودية. ولكنه يموت حتما بلا طعام. نريد الحياة ولو مع العبودية. لا نريد الموت في هذه الحرية وسط الصحراء).
لقد غضب موسى وظهر عليه الغيظ، وكلمنا كثيرا ولكن لم يكن لقوله ذلك الأثر الذي اعتدنا أن نجده في نفوسنا عندما كنا نسمع ألفاظه. وزاد صراخنا وعزم بعضنا على الرجوع.
وفي الصباح التالي ذهبنا إلى موسى لنخبره بأننا سنعود إلى مصر لنأكل من طعامها، فوجدناه يصلي ثم أقبل علينا ووجهه يتهلل وقال (اذهبوا إلى ذلك الوادي) وأشار بيده إلى جهة الشروق. (وهناك تجدون كثيرا من الحب على الأرض. فاطحنوه وكلوا منه فانه مثل الحنطة إذا عجنت بالزيت) ثم أشار إلى السماء وقال (انظروا إلى هذه الطيور الكثيرة الآتية من البحر. أنها تقع على الأرض عند أول وصولها إلى البحر فاذبحوا منها وكلوا فان هذا رزق حلال قد أرسله الله إليكم)
سرنا بعد ذلك في البرية نأكل من هذا الطعام ولكنا كنا كل يوم أشقى مما كنا في اليوم الذي قبله. فأين طعام مصر؟ وأين زيتها الكثير وأعشابها الخضراء المسمنة؟ وأين ماؤها العذب.
стр. 2219
وخيراتها العميمة؟ حقا لقد كنا فيها معذبين، وكنا عبيداً نسام الخسف والذلة، ولكن الجوع والموت كانا أفظع في نظرنا من الذل. أقمنا أكثر من سنة في البرية ننتقل من مكان إلى مكان ومن واد إلى واد حتى ذهبنا إلى (رفيديم) في جوار الجبال العإليه التي تغطيها ثلوج الشتاء وقد بلغ بنا الحنين عند ذلك إلى مصر مبلغا عظيما وأشتد غضبنا على ذلك الزعيم الذي أخرجنا منها.
فهل الحرية تستحق أن نسعى إلى الفقر من أجلها؟ وهل الذل والعبودية يستحقان أن يهرب منهما إلى الموت؟ لقد كرهنا كل شيء في تلك البرية حتى اسم الحرية، وذكرنا مصر بالحنين بما كان فيها من طعام وشراب، حتى لقد بلغ بنا الحنين إليها ان نحن إلى ما كان فيها من ذل وخسف، ثم حننا إلى النيران التي كنا نوقدها ليلا ونرقص حولها فرحا في أعياد (رع) و (هاتور) لا بل لقد مالت قلوبنا إلى تلك الآلهة المرحة، ووددنا لو أقيمت لنا تماثيلها الذهبية لنعبدها بدل الآله الذي لا نراه ولا تقام له الأعياد المرحة على شراب البلح والحنطة.
فما كاد (موسى) يصعد على عادته إلى الجبل العالي الذي تغطي قمته الثلوج حتى اجتمعنا وصرخنا إلى (هرون) وتجمهرنا واجتمعنا حوله، فلم يستطيع أن يمنعنا من أن نصور تمثالا (لأبيس) من الذهب الخالص، وأقمنا حوله الأعياد والأفراح ونادينا بالعودة إلى مصر. غير أن (موسى) عاد بعد قليل فرآنا على تلك الحال فغضب وحطم التمثال، وأوقع بالرؤساء، ولم يقدر أحد منا أن يقاوم أو يراجع.
وجعل يعنفنا على ما ارتكبناه من الذنب العظيم، وكنا لا نستطيع أن نرفع أعيننا نحوه. وكأنه أراد أن يعاقبنا على ذلك عقاباً شديداً فما مضت أيام حتى أمرنا بالتأهب لغزو بلاد (مواب). بلاد مواب؟ أنستطيع أن نحارب جنود (مواب)؟ وهل خرجنا من مصر لكي نحارب؟ أي معنى لهذه الحرية وأي معنى لهذا الخلاص؟ إننا لم نفهمه ولم نفكر في شيء سوى ما كنا فيه من الحرمان. أنحارب، لا، لا إننا لن نستطيع الحرب مع أحد فلنعد إلى مصر
غضب (موسى) غضباً شديداً وصاح بنا (أيها العبيد، انكم قد نشأتم في الذل وعشتم في الخسف، ان دمكم قد تلوث بالعبودية فليس يحمى وليس يغضب. إنكم لا تعنون إلا بالطعام،
стр. 2220
كلوا واشربوا وعيشوا في الذل والخسف؛ فما أنتم إلا مثل الأنعام لا تعبئون إلا بما يملأ بطونكم. لقد حكم على جيلكم أن تظلوا عبيدا لا تهتمون إلا ببطونكم حتى تنقرضوا ويفنى كل جيلكم، فإذا نشأ جيل آخر لم تسممه العبودية استطاع أن يفهم الحرية والكرامة ستبقون في البرية أربعين عاما حتى يموت آخركم فيها، ثم ينهض الجيل الجديد الذي يقدر له أن يفهم حياة الأحرار ويغزو معي بلاد مواب) سمعنا ذلك القول ولم نستطع جوابا، ولكن قلوبنا كانت تغلي من الغيظ، ولم يكن موسى سوى أبن عم لي أنا شأول بن شمويل اللاوي. فذهبتّ تلك الليلة إلى مضجعي ولم أستطيع أن أجد النوم، وسألتني امرأتي أن أخبرها بما يقض مضجعي فأخبرتها. فقالت لي لماذا لا نعود إلى مصر؟) ولم أكن أنتظر أكثر من ذلك، فعولت على الخروج ليلا والعودة إلى مصر في الطريق الذي أتينا منه. وفي الليلة التإليه كنت في طريقي إلى بلاد فرعون. قضيت في سيري هذا ثلاثة شهور من هلال أول السنة إلى هلال الشهر الثالث، وكانت هذه الشهور الثلاثة عقابا عادلا على كل ما وقعت فيه من البطر والاعتداء لقد هربت خوفا من الجوع وعدت بنفسي لكي أعرض ظهري إلى سياط عبيد فرعون وأضع يدي في قيود الذل والظلم لكي أشبع جوعي، وأطعم امرأتي وأبنائي، ولكني لم أجد ما ابتغيت. فقد قبض علي (منحوتب) قائد رميد وأرسل أبنائي وامرأتي ليكونوا عبيدا لفرعون، ووضعوني في السجن لانتظر الموت، وهنا في هذه الحجرة أبقاني في انتظار حكم فرعون.
وإني في هذه الحجرة المظلمة أجلس الآن في انتظار الهلاك، ويمر بخاطري كل ما حدث في حياتي من الحوادث، يمر كل ما كان في أيامي الماضية كما تمر حوادث الماضي أمام عين الغريق إذا اشرف على الموت وقد رأيت أن أكتب قصة تلك الحياة لكي أخلف صرخة لمن يجئ بعدي. لقد كنا نهرب في كل أيامنا من الموت، وهاهو يجئ أخيراً ويلحق بنا مع طول هربنا منه. ونرضى بالذل في سبيل الحياة، ونرضى بالعبودية والخسف في سبيل الحصول على القوت، مع أن الحياة لا تستحق أن يحياها الإنسان إذا كانت حياة ذل وعبودية. ها قد تنبهت أخيرا إلى أن (موسى) كان عظيما حين دعانا إلى البرية وفضل الجوع والموت على حياة الشبع والذل. ولكن كنا قد مشى دم العبيد أجيالا في دمائنا، فلم يحم ذلك الدم في عروقنا غضبا للكرامة والحرية، ولم نفهم صرخة زعيمنا على وجهها، بل
стр. 2221
اندفعنا وراءه هربا من ألم السياط؛ فلما رفع عنا ألم السوط عدنا إلى بذل أنفسنا الذليلة. لقد أحرجنا صدره كثيرا بنفوسنا الوضيعة، وهربت أنا منه خوفا من الموت والجوع وفضلت أن أعود إلى ذلي في مصر لكي اشبع بطني، فوجدت الذل والأسر، ولكني لم أجد الطعام الذي يملأ البطن. وهاأنذا انتظر الموت الذي استحقه. حقا لقد فهمت الآن قول موسى إذ قال لنا عند سفح جبل سيناء إننا من جيل مسمم، وانه سيصبر حتى يهلك ذلك الجيل كله في البرية، حتى ينهض جيل جديد يفهم معنى الحرية الكرامة. إنني الآن اسمع ضجةعند باب سجني وهاهو مفتاح الباب يصر في ثقبه)
إلى هنا انتهت القصة التي عثرنا عليها في الصحراء وحقا قد كان ذلك المكان الذي عرجنا إليه جديرا بأن يكون طلل بناء قديم حصين، لم يبق منه اليوم إلا تلال الرمال، ولا تزال تحتفظ بالروح الرهيبة التي خلفتها حوادث الماضي في ثنايا الأطلال.
стр. 2222
صديقها عشيقها
رواية مصرية عصرية في فصل واحد
للكاتب الروائي الأستاذ محمد خورشيد
(تتمة)
حكمت - (في عطف) لا تمكث مرة أخرى يوما كاملا بعيدً عني ولا تحرمني رؤيتك المحبوبة. اني أحبك يا فريد من أعماق قلبي. أحبك بكل ما أملك من قوة وعاطفة.
فايد - قلبي يؤمن بحبك ويترك لقلبك تقدير حرارة، حبه ومن القلب إلى القلب رسول
حكمت - (تقترب منه وتحوطه بذراعيها في حنان وتقول) ألم تكن لنا ساعات، هنيئة ذكراها السعيدة لا يمكن أن تزول؟
فايد - نعم. نعم
حكمت - تعال اجلس بجانبي ولا تتكلم، لأن صمت المحبين هو نغمة الحب. فلنستمع ترنيم قلوبنا في سكون.
(يجلسان متقاربين برهة ثم يتعانقان، وبينما هما يتبدلان القبلات إذا بالباب يفتح ويدخل مختار فيراهما على هذه الحال فيقف مصعوقا. فيفترقان ويقفان، تتقدم حكمت إلى مختار وتقول.)
المنظر التاسع
حكمت، فايد، مختار
حكمت - لا تلمني يا أعز الأصدقاء. كن كريما وسامحني. لم أتمكن من الدفاع عن صداقتنا القديمة لأني فوجئت بهجوم حب جديد أخذ بمجامع قلبي. غلب سلطانه عزيمتي. قهرت قوته إرادتي. فأصبحت لا حول لي ولا قوة، وخضعت لأمره ومن يتحكم الحب فيه يصبح غير مسئول. . . فعفوا فعفواً. أعذرني يا صديقي وكن رحيما.
مختار - أني مذهول. حكمت هانم أنبل وأشرف فتاة تأتي إلى عشيقها كأي النساء؟! أراها بعيني بين ذراعيه؟ تصرح أمامي بشدة حبها له، تعترف لي بأنها ضحتني أنا صديقها الوفي لأجله هو؟ كنت أعلم أن أغلب النساء يفعلن ذلك، ولكن أنت! أنت! ما كان يخطر ببالي. أفكرت فيما سيذيعه الناس عنك؟ (إلى فايد) وأنت وادعاؤك السفر. لم كل هذا
стр. 2223
الخداع؟. أهذا جزائي أنا الذي احبك وأعزك كولدي؟ ألا يؤنبك ضميرك على تلويث سمعتها.؟
فايد - (يقترب منه ويقول) تأن ولا تلم. إني عند حسن ظنك بي لقد أحببت حكمت واحبتني، وعقدنا النية على الزواج فلا خوف على سمعتها.
حكمت - لكن يا فايد. . .
فايد - (يقاطعها قائلا) تمهلي، سأقول ما يجب، وما أقوله سيكون. أريد ألا يكون بحبنا ما ينتقد (يقول ذلك وهو ينظر إليها نظرة كلها رجاء) لم ادع السفر يا مختار بك. أني سأسافر فعلا ولكن لست مسافرا وحدي. سنسافر معا. وما أخفيت عنك أمر سفرها الأبناء على طلبها خشية ان تحزن لفراقها. وقد اتفقنا على أن نبادر بالكتابة إليك بمجرد وصولنا إلى أستانبول لنخبرك بكل ما حدث. وبما ان القدر شاء غير ما شئنا وحضرت والتقينا، فهاأنذا قد أخبرتك بالحقيقة كلها.
مختار - (لحكمت) أحقا ما يقول؟
حكمت - (تنظر إلى فايد وتقرأ في عينيه الرجاء الحار فيقول) نعم
مختار - إذا ستسافرين معه وتتركيني. ألا تفكرين؟ ألا تفكرين قليلا فيما ستكون عليه حياتي أثناء غيابك؟
فايد - لم يبق أمامنا سوى ساعة واحدة. سأذهب إلى منزلك لأحض خادمَك على الإسراع في الحقائبِ لا تطيلا الحديث. فالوقت قد أزف. (ويخرج)
المنظر العاشر
حكمت، مختار
مختار - إذا ستسافرين معه وتتركيني عرضة للهلاك! إلا تعلمين ان حياتي رهينة تلك اللحظات التي كنا نقضيها معا يوميا في هناء الصداقة والوفاء تلك اللحظات افقدها وكانت كل ما احب في الحياة، ستتركني فريسة للوحدة القاتلة، للحزن المؤلم المضني
حكمت - هدئ روعك يا صديقي. لا تدع الوهم يتغلب عليك. تنبه للحقيقة. ليس بها من الخطر ما تراه، ولن يكون لها من العواقب ما تخشاه. سأعود إليك بعد غياب قصير، وستعود لنا أيام الصفاء.
стр. 2224
مختار - أيام الصفاء. تعود لك وله لا لي أنا. صفاء أيامي كان في صداقتك التي فقدتها إلى الابد، لأنك أعطيته كل ما بنفسك ولم تبق منه على شيء، والبرهان استخفافك بمصابي وعدم رثائك لحالي.
حكمت - لا تحور الحقيقة ولا تبالغ. لم يغضبك حبي له؟. أيمنع ذلك أن يكون لي أصدقاء؟ كل خطأي ينحصر في أنني لم أشترك في أمر الزواج. وما منعني إلا عطفي عليك وخوفي على أعصابك من تأثير المفاجأة. والآن وقد وقعت برغم تدبيري فتأثيرها هو الذي أذهلك
مختار - أنا الذي أذهلته المفاجأة أم أنت التي أذهلك الحب حتى أصبحت لا تعين ما تقولين؟ أينحصر خطأك حقا في أنك لم تستشيريني في أمر الزواج؟ أين ذهبت تصريحاتك بأنك لن تحبي ولن تتزوجي أبداً وأنك ستظلين وفية لذكرى حبك الأول؟ وماذا فعلت بتأكيدك لي أن صداقتنا قد أخذت بمجامع قلبك فأصبح لا يرضى عنه بديلا؟
حكمت - نعم لقد أخطأت ولكن. . . النهاية سامحني يا صديقي. . . المسامح كريم
مختار - أنا لا أسامحك أبداً
حكمت - أتوسل إليك
مختار - أبداً أبداً
حكمت - حسن! أفضل أن أتركك غاضبا على أن أتركك متألما (وتسرع بالخروج)
مختار - (يبقى في ذهول لحظة وهو لا يكاد يصدق أنها خرجت ثم يصرخ): حكمت. حكمت هانم حكمت هانم (ويندفع نحو الباب ويفتحه ويلقي نظرة سريعة ثم يعدو إلى المسرح قائلا) ذهبت لقد ذهبت.
(ثم يتمالك نفسه ويقول في هدوء أولا ثم في انفعال):
حقا أن من تصل به السذاجة إلى حد أن يؤمن بصداقة امرأة ليستحق درساً قاسياً كهذا ان المرأة لا تتخذ لنفسها صديقا إلا إذا خلا قلبها من الحب، ولا تزيد صداقتها عن سد الفراغ بين حب انتهى وحب منتظر. صديقها عشيقها. هذه هي الحقيقة.
ينزل الستار
стр. 2225
الكتب
هدية الكروان
مجموعة أشعار للأستاذ عباس محمود العقاد
كلمة تقدير ونقد للأديب عبد الرحمن صدقي
بات العقاد يصغي لهتفات الكروان في الليالي الحسان السواحر، ويتطلع إلى مجال الربيع من زهر وعطر، ويتملى بجمال الحياة من حب وحسن، ويخف لشباب النفس من عطف وبشر. ومن هذه جميعا اقتبس مجموعة أشعاره الجديدة (هدية الكروان). وهي وان لم تكن جميعا منظومة في مناجاة الكروان، إلا أنها في موسيقيتها كأنما تعارض الكروان وتساجله.
هذه خلاصة قولي في الديوان الأخير. وهذه الخلاصة نفسها مقتبسة من مقدمة الديوان نفسه نظما ونثرا! ولا عجب فالعقاد جبار لا يكاد يدع بعد مقاله مجالاً لقول قائل
ولقد عرض الشاعر في مقدمته المنثورة لطائره الصيدح في كلمات مشرقة ناصعة البيان، رخيمة الحواشي مصقولة الأطراف كحب الجمان، غنية بالمعاني الصادقة. قال:
(تسمعه الفينة بعد الفينة في جنح الليل الساكن النائم البعيد القرار، فيشبه لك الزاهد المتهجد الذي يرفع صوته بالتسبيح والابتهال فترة بعد فترة، ويشبه لك الحارس الساهر العساس الذي يتعهد الليل بالرعاية بين لحظة ولحظة. وينطلق بالغناء في مفاجأة منتظرة أو انتظار مفاجئ فلا تدري أهي صيحة جذل أم هي صيحة روعة وإجفال. ولكنك تشعر بالجذل والروعة والإجفال تتقارب وتتمازج في نفسك حتى لا تتفرق. كأنك تصغي إلى طفل يرتاع وهو جذلان، ويجذل وهو مرتاع، ويطلب الخطر ويشتهيه لأن الخطر في حسه طرافة وحركة، فهو من عالم التفاؤل والإقبال لا من عالم التشاؤم والنكوص
(ويطلع عليك بهتافه من هنا وهناك وعن اليمين وعن الشمال وعلى الأرض وفوق الذرى. فيخيل إليك أنك تستمع إلى روح هائم لا يقيده المكان ولا يعرف المسافة، أطلقوه في الدنيا على حين غرة فسحرته فتنة الدنيا وخلبته محاسن الليل فهو لا يعرف القرار ولا يصبر في مطار)
(فأنت تتلقى من صوت هذا الطائر الأليف النافر عالما من معان وأشجان يتجاوب فيها
стр. 2226
تقديس المصلي القانت وحدب الحارس الأمين وروح الطفولة ومناجاة الخطر المقبول وهيام الروح المنهوم بالحياة والجمال: عالم لا نظير له فيما نسمع من غناء الطير بهذه الديار)
هذا الوصف الرائع من العقاد لا يفوقه موسيقية وجيشانا، ولا يدق عنه معنى واحساسا، ولا يزيد عليه تصرفا وافتنانا إلا نظم العقاد.
وأشعار (هدية الكروان) كسابقها في وحي الأربعين، تنزع إلى الموسيقى في تقطيع أوزانها وعذوبة نظم ألفاظها ولطف وجدانياتها. تخلق حولك جوا من الموسيقى الرفيعة الساحرة تشيع روحها وتشيع حتى تملأ عليك الفضاء وتملك منك المشاعر، وحتى لتحس ان الموسيقى ليست لشعره أداة تعبير فحسب، بل هي عنصره الصميم
وأظهر ما تظهر هذه الميزة في أنشودة (ما احب الكروان) فقد افترق الشاعر وصاحب له فتراه يواعده النجوى واللقاء على البعد عند سماعها هتفات الكروان:
ما أحب الكروان!
هل سمعت الكروان؟
موعدي يا صاحبي يوم افترقنا … حيث كانت جيرة أو حيث كنا
هاتف يهتف بالأسماع وهنا … هو ذاك الكروان! هو هذا الكروان!
الكراوين كثير أو قليل … عندنا او عندكم بين النخيل
ثم صوت عابر كل سبيل … هو صوت الكروان! في سبيل الكروان
لي صدى منه فلا تنسى صداك … هو شاديك بلا ريب هناك
فإذا ما عسس الليل دعاك … ذاك داعي الكروان، هل أجبت الكروان؟
مفرد لكنه يؤنسنا … ساهر لكنه ينعسنا
واحد أو مائة ترجعه … عندنا أو عندكم مطلعة
ذاك شيء واحد نسمعه … في أوان وبيان، هو صوت الكروان
واحد بين عصور وعصور … نحن نستحي به تلك الدهور
لم يفتنا غابر الدنيا الغرور … في أوان الكروان، ما احب الكروان
وقد ألم الشاعر ببضع لمسات من ريشته المنغومة في خفة وإيجاز بليغ بحركة الكروان
стр. 2227
وطفراته في مطاره، وسرعة انتقاله هنا وهناك في الفضاء الداجي، فلا تكاد تسمعه من بعيد إلا ويصبح أقرب قريب، ولا تكاد تقول مع الشاعر: هو (ذاك) الكروان حتى تردف كما أردف: هو (هذا الكروان وحتى تجمل معه هذين معاً فتقول: هو صوت عابر كل سبيل
ولما كانت هذه الأنشودة من مستوحيات الإلهام في لحظاته النادرة، فقد اجتمع فيها ما توسع الشاعر في تنويعه وترجيعه في غيرها من القصائد الجزلة والأناشيد المطربة. وتطيب لنا الإشارة إلى مواضع هذا الترجيع تنويها بطبيعة الشاعر المطبوع الذي يعيش في معانيه! وتعيش معانيه في منبت مريع التربة خصيب فهي لا تني فيه أبداً متفتحة نامية، وأنفاسها أبداً خفاقة مرددة، وحرارتها أبداً مذكوة متجددة.
فلا غرو إذن إذا رأيت هذه الإشارة إلى طفرات الكروان يرددها الشاعر بين آن وآن، موضحا موكداً:
بينا أقول هنا، إذا بك من هنا … في جنح هذا الليل أبعد باعد
لوددت يا كروان لو ألقيت لي … صوتين منك على مكان واحد
وكما المع الشاعر في أنشودته إلى أنك لا تدري عند سماعك هتافات الكروان المتقطعة المنتقلة المتشابهة، أهو واحد أو مائة، فقد ترنم بهذا المعنى في مقطوعة صغيرة هزجة النبرات متجاوبة الأصداء
ألف صدى لهاتف … منفرد على الذرى؟
أم ألف شاد رددت … هتافها مكررا؟
أم ذاك روح أطلقو … هـ في الدنى محيرا
فردوها مستغربا … وطافها مستبشرا
فلا يقال مقبل … حتى يقال أدبرا؟
هن كراوين الليا - لي أو فقل هو الكرا
وفي عزلة هذه الليالي الساجية يساهر شاعرنا هذا الطائر الساهر، ويأنس به ويصغي لدعواته، وقد يهفو أحيانا على جناح الفكر، فيذكر الطيور المغردة في الفجر فيجري على لسانه:
لهجت طيور بالضحى وتكفلت … بالليل حنجرة المغني الخالد
стр. 2228
ثم تأخذ الشاعر النشوة وأي نشوة، ويهز أعطافه الطرب وأي طرب، فيغني طائره المغني أمتع الغناء وأعذبه:
الليل يا كروان=بشراك طاب الأوان
بشراك؟ بل أنت بشرى … تهفو لها الإذان
ان كان في السمع طيف … فأنت يا كروان
صوت ولا جثمان … لحن ولا عيدان
كأنه هاتف في … فضائه حيران
أو رجع صوت قديم … يعيده الحسبان
ليل الطبيعة صمت … وأنت فيه لسان
وظلمة الليل سر … فاقرأه يا ترجمان
واملأ من الليل نفسا … عزيزة لا تهان
لا هتفة فيه تبقى … إلى غد أو إذان
الليل يا كروان … والعالم الغفلان
ونسمة الصيف تسري … وفي يديك العنان
والصبح أول مرسى … يرتاده الركبان
الليل يا كروان! … الصبح يا كروان!
وهنا يحسن بي الصمت هنية تاركا في سمعي ومسامع القراء، وفي نفوسنا المتضعضعة السكرى جميعا، هذه الأصداء المشجية والمعاني السرية المجلوة
ننتقل بعدئذ إلى بقية الديوان، لا للكلام عنه - فأن الشعر الغنائي حظه الأجدر به الإنشاد والتطريب، لا المبالغة في الدرس والتنقيب - وإنما لنومئ إيماءة المعجب المسحور بطرف البنان، إلى بعض المقطوعات الغرر الحسان، أمثال: - جمال يتجدد - بما فيه من فلسفة للحب عميقة الأثر غنية. .، - واليوم الموعود - للمحب المشوق إليه شوق لاعج يتعجله الأيام، ولو اختلت سيرة الشموس، وانفرط نظام الدهر. . . .، و - الثوب الأزرق - وهو آية في الطلاوة وظرف الهندام وملاحة القالب،. . . و - الحب المثال - وقد خلعت المحبة بقدرتها الخالقة على كيان المحبوب شتى السمات والشكول، كلما اقترح الخيال المتفنن،
стр. 2229
وهفت بدوات الهوى المتقلب، وخيلت مقادير الأحلام. .، و - قبلة من غير تقبيل - ما للمجتمع عليها من رقابة، ولا له إليها من سبيل. . .، وذلكم الإحصاء المنمق البديع بعنوان - تسلم - وبمقتضاه يسلم الشاعر المهجور محاسن الدنيا ومجالي فتنتها لهاجره، ويسردها بين يديه، في يوم عودته كما خلفها يوم قطيعته، فالشاعر لم يفد منها متعة ولا معنى، ولم يعرف لها استعمالا، كأنما كانت الدنيا هامدة واقفة الحركة أثناء هذه الغيبة المريرة. .، ثم - حلم اليقظة - و - كلماتي - و - بلدي - و - سريان روح - و - صنوف الحب - وهذه جميعا كما ترى أغاني حب ترى فيها الشاعر عاكفاً على الجمال كأنه العابد المتبتل، يمسح بيده الملتهبة على تمثاله، ويتدله في لثمه وتقديسه، ومع هذا الاستغراق من الشاعر في حسه، وتهالكه على حبه، فليس في غزله أثر للترقق المخنث، والاسترخاء المهين والتباكي الهازل، كما أن هذه العبادة الوثنية في الشاعر للأشكال المحسوسة والصور المفرغة، مقرونة على الدوام بالتصعيد المعنوي والتجريد الروحي، فلا محسوس عنده إلا يشف عن معنى ويقوم رمزا على فكرة، ولا معنى عنده إلا يبرز في محسوس ويتجسد فيه
وهاكم ما يقوله صاحبنا نفسه في ما يسميه - الفن الحي أو الحياة الفنية -:
خذ من الجسم كل معنى، وجسم … من معاني النفوس ما كان بكرا
حبذا العيش يبدع الفكر جسما … ويرى للحياة فناً وشعرا
ويرى الفن كالحياة حياة، … ويرى للحياة فناً وشعرا
ضل من يفصل الحياتين جهلا، … واهتدى من حوى الحياتين طرا
ونحب، ونحن بمعرض الإشارة إلى أغاني الغزل، أن نعرض تحت أنظار شاعرنا الكبير أن بعض المقطوعات كالمنديل والفنجان والرقية وساعي البريد لا تقع في نفوسنا موقع سائر أغانيه، ولسنا نجهل أن من بين شعراء الشرق والغرب من عالجوا أمثال هذه العادات الشعبية والمواضيع الدارجة في شعرهم ولكنها بعد دون العقاد، وتناولها على هذه الصورة فيه ترخص ظاهر
ونزيد بهذه المناسبة - أن بالديوان منظومة عن البيرة على لسان طفل، وهي في وهمنا وبحسب ذوقنا محسوبة على الفكاهة ولا فكاهة فيها، وليست من الفكاهة في قليل ولا كثير،. ونحن نعرف للعقاد غيرها كثيرا أبدع في نوعه منها وأفكه، وقد ترفع الأستاذ عن
стр. 2230
نشرها وحق له هذا الترفع.
ونحسب في تعليل ما تقدم أن سهولة النظم، وسرعة استجابة اللفظ، ولين أداة التعبير في قبضة صناع اليدين مثله، جعلته ينظم كل خاطرة ترد على ذهنه في شتى المناسبات. ولو أنه يعاني في النظم صعوبة وعنتا لأدخر الجهد الناصب لما هو أولى به من موضوعات وأحاسيس احتضنها ورخم عليها طويلا كعهدنا به أبدا. على أنه من حق الشاعر الكبير الذي يرضينا بنيف ومائة وخمسين صفحة أن يكون له رأيه وحريته في بضع صفحات، إذا هي لم ترعنا فلعلها ترضي الآلاف من قرائه ذوي الفضل، وترضيه هو من ناحية فنية لم نعرفها بعد، أو لما يعلق بها عنده من ذكريات شخصية غإليه
بقيت كلمة إعجاب بقصيدتين إلى صديقين يوجه في إحداهما تهنئة وفي الأخرى تقريظا وفي هذه الأخيرة يقول في وصف نفس صديقه:
جبلت كالفراش في أمة الط - ير خفوقاً بين الندى والضياء
واستوت في الحياة فوق جناح … مستطار الخطى رقيق الغشاء
ولا شك في انه لم توصف نفس بأجمل من هذين البيتين بغض النظر عمن قيلا فيه
كما ان قصائد (تجريبي) و (يوم شتاء) و (القديس) تلفت قارئ الصفات والتأملات كل منهما بصفة متميزة، لاسيما (القديس) فهي مطوية على ليل سر عميق. وأخيراً (ليالي رأس البر) وهي من القصائد الخوالد تنبه فينا تلك الحالة النفسية الغامضة، التي نحس فيها اتصال مشاهد هذا العالم المشهود بمعاني العالم المستور، وقد اختار لها الشاعر وزناً طويلا، وقافية كأنفاس الحالم الممدودة فكأنما يسري القارئ منها في عالم النسيان والرضوان
حقاً هو كتيب صغير ولكنه ديوان كبير
عبد الرحمن صدقي
المآسي في الجمال والشعر والحب
للأستاذ الحوماني
قبل أن أتحدث عن هذا الكتاب القيم يجدر بي أن أتقدم بالشكر إلى الأستاذ الجليل صاحب
стр. 2231
الرسالة فقد هداني به إلى نوع من الأدب طالما تمنيت أن يجري على لسان عربي وإلى لون من الجمال والفن كثيراً ما نزعت نفسي إليه، حتى ألقيته اليوم بين دفتي هذا السفر الجليل.
ترى الكتب أنماطا مختلفة، فمنها ما يعتمد على زخرف القول ويستند إلى الدجل والتمويه، فلا تكاد تظهر حتى يذهب الزمان بما حوت من بهرج زائف، فتصبح كأن لم تكن بالأمس، كالفقاقيع لا تكاد تظهر حتى تنطفئ. ومنها ما يصدر عن القلب فيفيض بخلجات النفي، ويجيش بنزعات الوجدان ويزخر بخطرات الضمير: ومصير هذا النوع إلى الخلود، لأنه والحياة شيء واحد فيبقى ما بقيت الحياة.
وكتاب الأستاذ الحوماني من هذا النوع الخالد فهو مرآة صافية رفعها الكاتب الفذ فانعكست فيها الطبيعة، بما حوت من ضروب الفن وضروب المذاهب.
يقع بصرك على الكتاب فتحس أن له شخصية ممتازة، فهو مطبوع طبعا جيداً، وهو كما ترى من عنوانه سلسلة من المآسي، ولقد حليت زوايا غلافه بخطوط عريضة سوداء قوية الإشارة واضحة الدلالة، وتوسطت هذا الغلاف الأنيق صورة نقشتها ريشة ماهرة لفتاة بارعة الجمال تنحدر الدموع من عينيها الواسعتين الضارعتين وقد اشتبكت يداها على صدرها في شكل يحرك القلب ويثير الشجن. أما الوجه فانه مزيج مدهش من الجمال البارع والعفاف الوادع والالم اللاذع، وتحت هذه الصورة نقش اسم (أمل) بطلة القصة ومحور الجمال فيها.
وهي قصة قوية إذا بدأتها فلن يشغلك عنها شاغل ولن تضعها حتى تتمها، وهي إلى جانب ذلك مؤثرة إلى أقصى حدود التأثير، لا يتمالك ذو العاطفة الحساسة دمعة حين قراءتها ومؤداها أن خالدا ذلك البطل العربي، رحل عن بلاده الشام حين عافت نفسه الأبية أن تقيم على الضيم، فهبط الحجاز وأقام هناك زمناً في ضيافة عربي كريم هو الشيخ أبي وسيم، ولقد كان هناك موضع حفاوته وحفاوة ابنه وسيم. وسرعان ما أحب وسيما واحبه وسيم.
ماتت زوجه وهو بعيد عنها وبقيت ابنته أمل تعاني بؤس الحياة، وكانت تحب ابن عمها (ناظما) وكان يحبها، ولكنه كان فتى طائشا يطلق العنان لشهواته ويفهم من الحب غير ما تفهم أمل، فحبب إليها المجون ورغبها في التبرج والخلاعة، ولكنه فشل في إغرائها ورحل
стр. 2232
إلى بيروت حيث اللهو والمجون فلما علمت بذلك ابنة عمه تبعته لترى بنفسها ما ينغمس فيه من المفاسد، فرأته هناك من حيث لا يراها يغازل فتاة من بنات الهوى تدعى جوزفين فبرح بها الألم وكتبت إليه تلومه، ولكنه رد عليها ساخرا، وكرر الدعوة إليها لتحيا معه هذه الحياة. وفي تلك الأثناء كان أبوها في طريقه إلى بلده دمشق فقضى نحبه على مقربة من العقبة، ولقد ترك خطابين أحدهما لابنته والثاني لوسيم، وأوصى بأن يسلما إليهما في وقت واحد، وهرعت أمل إلى قبر أبيها هالعة جازعة والتقت هناك بوسيم واكبا على القبر يبكيان فلما أفاقا وجد كل منهما في صاحبه ضالته فربط الحب قلبيهما برباط وثيق. وحملها وسيم إلى التهامي. وأخذ ناظم يرسل إليها الخطابات يستحلفها ويعلن التوبة بين يديها فسافرت لتراه قبل موته وهو على فراش المرض فلم تكد توافيه حتى اسلم الروح وبكته ابنة عمه ولبست الحداد وأقامت بدمشق أياما. وهنا شبت نار الحرب بالبلاد العربية واشترك فيها وسيم، وجعل يدون مذكراته عن حبه ويشاء القدر الساخر أن يذهب ضحية الزلزال وهو يبحث عن أمل بعد أن وضعت الحرب أوزارها فحملت مذكراته إلى أمل البائسة.
أخاف أن يذهب هذا التلخيص بجمال القصة وأدعو الشبان مخلصا إلى قراءتها في إمعان. فليس جمالها في حوادثها فحسب بل فيما، تفيض به من دروس وعبر، وأحاديث عن الجمال والشعر والحب ووصف شائق للكون والطبيعة، كل ذلك في تعمق وخبرة وبعد نظر أما أسلوب الحوماني فهو ذلك الأسلوب العربي المتين، دقيق العبارات موسيقي الوقع مشرق، الألفاظ؛ قوي المبنى، واضح المعنى حتى ليعد في ذاته ناحية هامة من نواحي الجمال في الكتاب ولو ضيق المقام لأوردت بعض عبارته على أنني لو فعلت ذلك لاضطررت إلى إيراد الكتاب كله، فهو قطعة متسقة من الفن.
أما بناء القصة فقد سار فيه المؤلف على نهج فريد، فابتدأه بأن ترك كل فرد يتناجى ونفسه بعيدا عن بقية الأشخاص، ثم أخذ بعد ذلك يسرد الحوادث حتى اختتم الكتاب، بمذكرات وسيم وبتلك المفاجأة المؤلمة التي حملتها فريدة الوصيفة إلى سيدتها أمل. ولقد أضاف هذا إلى الكتاب قوة ونجاه من السامة الملل.
وأني أتقدم بخالص التهنئة إلى الأستاذ الحوماني راجيا إياه ان يزيد الأدب من نفثاته
стр. 2233
الرائعة التي تعد مفخرة للعربية وأهلها
محمود الخفيف
الوصية
هذه القصة التمثيلية التي تقع في فصل واحد ذي ثلاثة مناظر والتي ألفها ج. م. باري، قد نقلها إلى العربية الأستاذ خطاب عطيه
أما القصة فهازلة، تريك رجلا يصطحب زوجته إلى مكتب محام ليوصي لها بكل ما يملك بعد موته، مع انه لا يملك شيئا. ولكن شاء الدهر أن تنمو ثروة الرجل وتطرد في النمو، وكلما ازدادت نماء سارع إلى تعديل الوصية حتى تلائم موقفه الجديد، وظل كذلك يحرص على تأكيد الوصية بما له إلى زوجته حتى رزاءه القدر بموتها! وإذن فلابد أن يقلب الوصية رأسا على عقب، ولكن من ذا عسى أن يظفر بتلك الثروة الضخمة؟ انه يفكر أن يوصي بها إلى ستة رجال كانوا قد نازلون في ميدان الجهاد فصرعهم! ولكن ظرفا طارئا قد انعرج به عن هذا التفكير السقيم، واعتزم من فوره أن يبذلها في سبيل المرضى الذين يذهبون ضحية الفقر والإهمال. وهكذا أراد الكاتب إلا تكون الوصية لأشخاص الفناء، بل انتهى بها إلى عمل الخير لأنه خالد لا يزول
والأستاذ خطاب يشكر لنقله هذه القصة إلى العربية لأغذاء قراء العربية بمحصول جديد، كما أعان طلاب السنتين الرابعة والخامسة الثانويتين لأنها مقررة في منهجهم الدراسي. ولكن هل يسمح لنا بأن نأخذ عليه عبارته الركيكة الضعيفة التي بلغت من الإسراف في الركة والضعف حد الارتباك والتعقيد وحتى تمنيت في كثير من المواضع أن يكون إلى جانبي الأصل الإنجليزي لأستعين به على فهم الترجمة العربية! ولا شك في انه قد أساء بذلك بعض الشيء إلى الأدب الذي نقل عنه واللغة التي نقل إليها
ز. ن. محمود
стр. 2234
العدد ٢٧ - بتاريخ: ٠٨ - ٠١ - ١٩٣٤
стр. 2235
لطيفة النادي. . .!
منذ أسابيع استشهد في ميدان الطيران حجاج ودوس! فتقاطرت في هذا المكان عبرات الأسى سوداء من هذا القلم، وتصاعدت زفرات الأسف حارة من هذه الصحيفة، وقلنا أن الأمة التي لم تكد تأخذ بأسباب الطيران حتى يسبق إلى الشهادة في سبيله فتيان من فتيانها، ويبادر إلى خوض أهواله فتاة من فتياتها، لا يستطيع أن يكسر من ذراعها حادث، ولا يتكاءدها في طريقها إليه عقبة.
كنا نقول ذلك والقدر الذي فتح لهذين الفتيين في السماء باب الخلود، كان يشق لهذه الفتاة في الأرض طريق المجد! فماكاد يعثر بنا الحظ في الجو الُمِضَّب الغريب، حتى نهض عجلان في جونا الضَّحيان العجيب، وكان يوم نهوضه الأغر يحلق في سماء مصر الجديدة ثمانية وعشرون من نسور أوربا القشاعم! يستعدون للسباق في سمائنا المشرقة الطليقة، ويستَنوَّن للرهان استنان الجياد العتيقة، ويظنون أن مصر التي فكرت في الطيران آخر الأمم لا يمكن أن تكون إلا مطارا لكل طائر، ومائدة لكل زائر! أما أن تكونِ قرنا يغالب، وموتورا يطالب، فذلك ما لم يقع في وهم ولم يَدُر في خَلَد! ولكن مجدنا الذي تحدى القرون وغبَر وجه الفلك لا يزال جياش الغضب على غدرة الجو بشهيديه في فرنسا! فهو يُدمَث لنسوره مثوى الضيافة، ويعقد غيب ضميره على الثأر، ولا يثأر إلا بطريقة تليق بماضيه ونزكو بأصله!! نفث في روع حمامة من حمائم الوادي أن تسابق هذه النسور في حَلبْة الهواء إلى الأمد! فصفَّت الحمامة المصرية في الجو جناحها الهشّ وريشها الناعم، ثم نظرت نظرة التحدي إلى النسور المحوّمة، فتوقدت صدور الكواسر غضبا من هذه الجرأة، وشق على ملوك الهواء وجبابرة السماء أن يشعروا بهذه الحمامة وقالوا ممتعضين: ريشة تواثب الريح، وهامة تعاجز الثور، ونملة تناجز القدر! وقال (ضيوفنا) الأعزة أصحاب (النشرة البذيئة)، والفخر المتعصب يثنى اعناقهم، والزهو الساخر يلوى أشداقهم: (يا لغَرور (أبناء العرب)! متى دخلت (الحمير) مضامير السباق؟ ومتى سامت وحوش (البهائم) سوابح الطير! ألم تكفهم فضيحة (الجنديين القذرين) حجاج ودوس؟
وكانت عيون مصر حينئذ تشخص إلى السماء مغرورقة بالأمل، ومحركات الطوائر الدولية تهزم في الجو الصافي هزيم الرعود، والأجنحة المعدنية تضرب في الهواء الساكن إلى الإسكندرية، ولطيفة النادي تتقدم بطائرتها الصغيرة السرب المتعاقب المثار إلى قصبات
стр. 2236
السبق!! ثم غابت الأصوات في مطاوي الفضاء، واستولى على المطار اللجِب سكون وصمت، حتى إذاأزف موعد الرجوع سَرَحت العيون في الجو، وسبحت النفوس في الخيال، وتجاذبت أمم أوربا حبل الأمل في الظفر! هل هي فرنسا؟ هل هي إنجلترا؟ هل هي المانيا؟ ولم يقل أحد لا منا ولا منهم هل هي مصر؟ ولكن القدر على الغيب منا ومنهم قالها! وكان الجواب الحاسم عند لطيفة النادي!
من كان يخطر بباله منا - ولا أقول منهم - أن الآنسة لطيفة بنت الخدر العربي، وذات الخفر المصري، تباري أساطين الطيران ذوي الماضي البعيد والمران الطويل والخبرة الواسعة وهي لم تقض في علاج هذا الفن غير ستة شهور، فكيف يقع في الظن أن تسبق سابقهم وتهبط الأرض قبله بدقيقة كاملة؟
هنالك طفر المصريون من الفرح، وماد الأجانب من الذهول، واقبل المحكمون على الطائرة المُجَليَّة، يعصرون يدها من الإعجاب والدهشة، ويقولون والعرق البارد يتألق فوق الجباه الزٌّهر، كما يتألق رشح الرطوبة فوق الرخام الأبيض، يا آنسة قبلنا سبقك موضعاً ورفضناه شكلاً!! لان هناك على ساحل البحر (خيمة) أخرى لم تدوري حولها، والخطأ خطأ المنظمين لأنهم لم يضعوها في مكانها!
ثم منحوا المصلى الفرنسي جائزة المال، ومنحوا السابقة المصرية جائزة الشرف! وهل تبتغي مصر غير ذلك؟ ليقل لنا أصحاب (النشرة البذيئة) ما رأيهم في هذا الشعب؟ إلا يرون أنهم جحدوا فضله كما غمطوا حقه؟ إلا يجدربربائب المدنية وللعلم أن يفهموا أن عجز القيادة وتردد السياسة وطغيان الدخيل، إنما تخمد الشعور إلى حين، وتضعف الأخلاق إلى حد؟ وأن الأمم الحرة بطبيعتها، لا تلبث أن تنفي الزغل عن حقيقتها، فتظهر مجلوة الصفحة نقية الأديم؟ أفلا ينظرون إلى المصري في الميادين الحرة كيف سبقت قدمه وعلت يده؟ ألسنا في الرياضة والسباحة والغناء والأدب والطب أبطالا عالميين أو شبه عالميين؟
أن أسوأ الآراء الأوربية في مصر ربما كان عن المرأة، فانتصار البطلة لطيفة في هذا الميدان الخطير يصحح الخطأ في العقول المنصفة، ويُقر الحق في النفوس الكريمة،
افتحوا لنا باقوم طريق الحياة، وأفسحوا لنشئنا مجال العمل، وخلوا بين نفوسنا وبين الحرية، ثم انظروا بعد ذلك ماذا يفعل الفتى، كما رأيتم بعيونكم ماذا فعلت الفتاة!
стр. 2237
احمد حسن الزيات
стр. 2238
من دار إلى دار
للدكتور طه حسين
قال أستاذ البيان لتلميذه: زعموا أن البيان يعين صاحبه على أن يؤدي المعنى بعبارات مختلفة فيها الحقيقة والمجاز، وفيها التشبيه والاستعارة، وفيها الكناية والتمثيل وفيها ما نعلم وما لا نعلم من الوان الجمال اللفظي، هذه التي عن قصد، وتأتي على غير عمد، كأنما يوحي بها إلى الكتاب المبين. ولكنك تعلم أنا لا نذهب في فهم البيان هذا المذهب، ولا نقصد به إلى هذا النحو، وإنما نذهب به مذهبا اعم من هذا واشمل، كان يذهب إليه القدماء حين كانوا يتخذون البيان وسيلة إلى أداء ما يعرض للكاتب من الأغراض والمعاني في أشد الألفاظ ملاءمة لأغراضه ومعانيه، ولعلك تذكر انهم كانوا يذهبون في تعليم الطلاب فن البيان مذهبا طريفا كثيرا ما كان يضيق به المتكلفون من أصحاب الأخلاق، والذي لا يعلمون إلا ظاهرا من الفلسفة. قال التلميذ: نعم هو هذا المذهب الذي كان يحمل الأستاذ على أن يطرق أمام تلاميذه ويحمل تلاميذه على أن يطرقوا أشد الموضوعات تناقضا وأعظمها اختلافا فيؤدوها كأنهم يؤمنون بها أقوى الايمان، ويقتنعون بها أشد الاقتناع. وكانت هذه بدعة استحدثها السوفسطائية ثم ورثها عنهم أصحاب البيان فلم يغيروها، وإنما أمعنوا فيها إمعانا. وكتاب أرسططاليس في الخطابة حافل بذلك. وقد أبلى الجاحظ في هذا النحو من تعليم البيان بلاء حسنا، وقد ألف أساتذة اللغة والبيان في هذا النحو من الأدبكتبا لا تخلو من لذة ومتاع، فيها مدح الشيء الواحد وذمه، وفيها مدح النقيضين وذم النقيضين، وفيها. . . . قال الأستاذ حسبك، فقد أرى أن أشهر الصيف وما كان فيها من ارتحال وطواف، ومن اختلاف البيئات عليك وترامي أطراف الأرض بك لم تنسك ما أنفقنا فيه من أشهر الربيع من الدرس والبحث، فأنا نريد الآن أن نبتدئ من حيث انتهينا، ونمضي من حيث وقفنا، ونعود إلى ما كنا فيه من التمرين. فاختر لنا موضوعا واحدا يثير الضحك ويثير الرثاء. يثير الشماتة ويثير الرحمة. يبعث في النفوس مرحا وابتهاجا ويملا القلوب كآبة وحزنا، وهو على ذلك كله واحد لا يتغير، وإنما يتغير وجهة النظر إليه ونحو التفكير فيه، وأن الشيء الواحد قد يخالف نفسه ويباينها باختلاف الجهات التي تنظر إليه منها، والطرق التي تسلكها إلى فهمه والوصول إليه. قال التلميذ فأني لست في حاجة إلى أن أجد
стр. 2239
وأكد، أو ألتمس واختار، لأن الموضوع ماثل أمامي شهدته أمس فأثار في نفسي هذه العواطف، المختلفة، وبعث في قلبي هذه الألوان المتباينة من الشعور، وكان المتعمقون في البيان يسرفون على أنفسهم وعلى تلاميذهم وعلى الفن حين كانوا يجتنبون ما يحدث بين أيديهم من الحوادث، ويختلف عليهم وعلى أمثالهم من الخطوب، ويلتمسون الموضوعات من عند أنفسهم يخلقونها خلقاً، فيصيبون حيناً ويخطئون أحيانا، ويعيشون في عالم الخيال على كل حال، مع أنهم لو نظروا فيما حولهم من الأحياء والأشياء لما احتاجوا إلى هذا الكد والجد، ولما بعدوا بأنفسهم وتلاميذهم عن مواضع الحق والصدق والصواب، ولما نقلوا الأدبمن هذا العالم المعروف الذي يضطرب فيه إلا الوهم، ولما قطعوا الصلة بين الأدب الذي يجب أن يكون صورة الحياة وبين الناس الذين يجب أن يتخذوه مرآة يرون فيها أنفسهم وحياتهم كما هي أو كما يحبون أن تكون، أو كما يكرهون أن تكون قال الأستاذ: هات موضوعك ولا تمعن في الاستطراد، فقد علمت وقد أنبأتك بأني علمت أن أشهر الصيف لم تنسك دروس الربيع. قال التلميذ: فان الموضوع الذي شهدته أمس موضوع ويثير من المعاني ما لم تشأ، ويلهم ما أحببت من الخواطر ما لا تحب، يبعث الابتسام أن شئت أن تبتسم، ويبعث العبوس أن أحببت أن تعبس، وقد يكرهك على الابتسام وأنت عابس، وقد يكرهك على العبوس وأنت مبتسم، وقد لا يقف بك عند الابتسام، بل يغرقك في الضحك إغراقا، وقد لا يقف بك عند العبوس بل يدفعك إلى البكاء دفعاً، وقد يقفك من الابتسام والعبوس ومن الضحك والبكاء موقفا بين ذلك، فيه هدوء وعجب، وفيه رضى وسخط يضطربان في النفس ولا تظهر آثارهما على الوجه قال الأستاذ كفكف من هذا السيل اللفظي المتدفق، واقصد بنا إلى ما نريد. فقد علمت أن أشهر الصيف لم تنسك دروس الربيع في المعاني، وقد علمت أيضا إنها لم تنسك دروس الربيع في الألفاظ، وقد علمت أنك ما زلت قادراً على أن تجيد هذا الفن الذي يمكن الكاتب أو المتكلم من أن يقول فيطيل دون أن يؤدي معنى أو يدل على شيء. قال التلميذ: وكأنك تنكر هذا الفن أو تسخر منه أو تزعم أن جمال الكلام لا يأتي من الكلام نفسه، وأن الألفاظ ليست على حظ من الجمال الذاتي الذي يأتي من اتساقها والتآمها وانسجامها، قال الأستاذ: دعنا من كل هذا العبث واقصد بنا إلى ما نريد فقد نعود في يوم آخر إلى حديث الألفاظ والمعاني وما يجب
стр. 2240
أن يكون بينهما من صلة، وما يجب أن يقسم بينهما من الجمال.
ولكن اذكر أن كنت نسيت أنك شهدت أمس موضوعا واحداً يثير الضحك ويثير الرثاء فحدثني عن هذا الموضوع، كيف أثار الضحك؟ وكيف أثار الرثاء؟ قال التلميذ: وكيف أنسى موضوعاً لا يمكن أن يعدو عليه النسيان؟ وما رأيك في أديب خلق ليكتب، ويقول فيقضي عليه فجأة إلا يكتب ولا يقول؟ خلق ليفكر ويرقى بتفكيره إلى السماء فيجذب إلى الأرض جذباً، ويكره على البقاء فيها إكراها، ويؤخذ بالحياة مع أهلها أخذاً، خلق ليقرأ فيقضى عليه فجأة إلا يقرأ، خلق أطول الناس بالكلام لساناً، وأجرأهم بالقلم يداً، وأسرعهم إلى المعاني نفسا، وأخصبهم بالخواطر ذهنا: فيعقد لسانه وتغل يده وتقيد نفسه ويجدب ذهنه. خلق واضح الجبين باسم الثغر مبسوط الأسارير، تضطرب في نفسه الغنية معان غزيرة فيظهر اضطراب هذه المعاني على وجهه، فإذا هو متحرك الهيئة دائماً لا تكاد تنظر إلى محياه حتى ترى له شكلا جديداً يصور معنى جديداً، يضطرب في تلك النفس التي لا تهدأ ولا تستقر فيقضي على هيئته أن تسكن، وعلى وجه أن يتخذ صورة بعينها جامدة مستقرة لازمة لا تتحرك ولا تنتقل ولا تزول.
قال الأستاذ وماذا تنكر من أمر هذا الأديب؟ إنما هو صورة من صور برومثيوس الذي كان حركة متصلة منتجة خصبة، سريعة لبقة، تعلم الناس في غير انقطاع. وتسلك إلى تعليمهم كل السبل، وتبتغي إليه كل وسيلة، حتى لم تتحرج من أن تختلس نار الآلهة اختلاساً فتهديها إلى الناس وتمنحهم بذلك الحضارة والعلم والفن وتغنيهم أو تكاد تغنيهم عن (زوس) وأصحابه من سكان الأولمب، فغضب عليه زوس وضاق به وأزمع أن يعاقبه على ما جنى، فشده إلى صخرته تلك في القوقاز وقضي عليه أن يظل طوال الدهر مغلولا. وقد كانت الحركة جوهره عاجزاً، وقد كانت القدرة حقيقة لا يملك لنفسه ولا للناس شيئاً، لا يدفع عن نفسه ولا عن الناس شيئاً، يزوره النسر الذي وكل به من حين إلى حين، فينهش كبده نهشاً، وهو يرى ذلك ويألم له أشد الألم ولا يستطيع له دفعاً، يدعو الحرية فلا تستجيب له، لأن زوس قد كفها عنه، يدعو الموت فلا يستجيب له، لان الأقدار قد كتبت له الخلود. وقد صور ايسكولوس حال برمثيوس هذا تصويراً بديعاً ألهم من جاء بعده من الكتاب والشعراء، والمثالين والمصورين والموسيقيين. وقد أثار ايسكولوس في تصويره ضحك
стр. 2241
الذين قست قلوبهم، ورثاء الذين رقت نفوسهم كما أثار معاني أخرى أقوم وأخصب وأبقى من الضحك والرثاء. قال التلميذ: لم أقصد إلى برومثيوس ولم أفكر فيه، وهل تضن أني رأيته أمس ولم أذهب إلى القوقاز وإنما أنا معك في القاهرة، ولعلي أن ذهبتإلى القوقاز فلا أرى الصخرة ولا قرينها فلم يحدثنا عنهما أحد من الذين زاروا تلك البلاد بعد ايسكولوس. قال الأستاذ فهي صورة من صور برومثيوس قصدت إليها واتخذتها نموذجا لهذا النحو من البيان كما كان يفعل القدماء. قال التلميذ لم أفكر في برومثيوس ولم اقصد إلى تقليد ايسكولوس، وإنما هو شيء شهدته أمس. قال الأستاذ وماذا شهدت؟ قال التلميذ شهدت صديقنا فلانا وقد أرادت له ظروف الحياة أن ينتقل من دار إلى دار. قال الأستاذ وقد اغرق في الضحك ما ابعد هذه الصورة التي تحدثني عنها من تلك الصورة التي كنت أذكرك بها! وأين يكون صديقنا فلان حين تنقله الظروف من دار إلى دار، من برومثيوس حين يشده كبير الآلهة إلى صخرة القوقاز، قال التلميذ فقد أثار صديقنا فلان في نفسك الضحك لأن صورته ذكرتك بتلك الصورة الضخمة العظيمة التي نصبها أبو التراجيديا للناس فلما انحدرت منها إلى هذا الشخص الضئيل النحيل الذي كان يقيم في طرف من أطراف القاهرة فأنتقل إلى طرف آخر لم تملك نفسك أن أغرقت في الضحك إغراقا. ومع ذلك فلو قد رأيته أمس كاسف البال كئيب الوجه محزون القلب معقود اللسان مقيد الرجل مغلول اليد، محصورا بين طائفة من الأثاث وأدوات البيت، مختلفة اشد الاختلاف، متباينة اشد التباين، فيها الكبير والصغير، فيهاالأنيق والدميم، قد جمعت حوله تجميعا، وكدست حوله تكديسا، وقد وضع هو بينها وضعا على كرسي أو شيء يشبه الكرسي، وقيل له أقم لا ترم حتى يأذن الله أو يأذن العمال لك بالانتقال، وهو مقيم لا يريم، لا يستطيع أن يقول شيئا، ولا ينبغي أن يقول شيئا، لأنه لا يفهم مما حوله شيئا، يريد أن يخلو إلى نفسه ويعيش مع خواطره، وإذا هو مصروف عن ضميره صرفا بهذه الأصوات العنيفة المختلفة التي تأخذ من كل مكان، والتي تؤلف من حوله نوعا فجا فظا غليظا من الموسيقى، فيه أصوات العمال على اختلافها، واصطدام الاثاث، ووقعه على الأرض، وهذا الصوت الذي يغيظ ويهيج الأعصاب ويأتي من جر الأشياء على الخشب حينا وعلى الحجر حينا آخر، وخفق الأقدام وتداعي الخدم، وتناهي الحمالين وما شئت مما يحصر وما لا يحصر، من هذه
стр. 2242
الضوضاء الغريبة التي يمتلئ بها البيت حين تفارقه الحياة، ويمتلئ بها البيت حين تدخله الحياة.
قال الأستاذ محزونا مشفقا، وكم قضى المسكين من وقت على هذه الحال؟ قال التلميذ يوما كاملا نصفه في ذلك البيت الذي كان يخلو، ونصفه في هذا البيت الذي كان يعمر. ولقد فهمت أن اتحدث إليه في الانتقال من دار إلى دار، وأن اذهب معه مذهب الادباء في هذا الحديث، فأخذت أذكر له وقوف الشعراء على الاطلال واحيائهم لما يثير هذا الوقوف في نفوسهم من الذكرى وما يسفح على خدودهم من العبرات، وذهبت اروي له: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. . وانشده: لخولة اطلال ببرقة ثمهدي. . واتغنى له بدمنة ام اوفى. . واروى له ما قال ذو الرمة في ربع مية. واستطرد به إلى ما قال أبو تمام في عمورية بعد أن دمرها المعتصم تدميرا. فلم أجد منه نشاطا ولا انبساطا وإنما قال في صوت المحزونولهجة المتعب المكدود وما أنا وذاك؟ لقد تنقلت في حياتي بين دور كثيرة من حوش عطى، إلى درب الجماميز، إلى شق الثعبان، إلى مونبلييه، إلى باريس، إلى السكاكيني، إلى الحوياتي، إلى هليو بوليس، إلى الزمالك، فأقسم ما وجدت ساعة الانتقال لحظة من هذه اللحظات الحلوة التي يغنيها الشعراء غناء جميلا في شعر جميل اودع فيها دارا احببتها وبلوت فيها الحلو والمر من الوان الحياة، واستقبل فيها دارا لا اعرفها ولا أ ' رف ما ستتكشف لي فيها الايام عنه من الاحداث والخطوب. إنما هو الضجيج والعجيج وازدحام الادوات والاثاث، وصياح العمال والحمالين وخفق الاقدام، وجر الاثقال، ومجلس ضيق كهذا المجلس الذي ترى وساعات طوال ثقال كهذه الساعات التي رأيت، ثم وصل لما انقطع من الحياة، وسعى فيما أهمل من العيش، وانغماس في هذه الحركات العنيفة التي لا موضع فيها للشعر ولا مكان فيها للغناء. هنالك عدلت به عن النحو من الأدبالنو آخر. فأخذت اتحدث إليه عن قول ابي تمام
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الاول
كم منزل في الارض يألفه الفتى … وحنينه ابدا لاول منزل.
واخذت أساله عن احب منازله إليه وآثرها عنده فلم يحتج إلى تفكير ولا تقدير، وإنما قال في صوت حزين يشوبه الابتسام احب دار واثرها عندي إنما هي تلط التي درجت فيها
стр. 2243
طفلا في قرية من قرى الريف، وهذه الدار التي نشأت فيها شابا في حوش عطى، ثم هذه الدار التي أقمت فيها طالبا للعلم في شارع من شوارع الحي اللاتيني في باريس ولكن بشرط إلا أعود إلى الاقامة والحياة في وحدة منها، هي حبيبة إلى كريمة اثيرة عندي حين اذكرها وحين ألم بها الألمامة القصيرة اليسيرة، فأما أحب الدور إلى وآثرها عندي الآن فهي هذه التي تراها مضطربة مختاطة مملوءة بالضجيج والعجيج والصياح من كل نوع، وتراني فيها اسير سجيا بين هذه الادوات المختلطة المكدسة حولي لا أستطيع حركة ولا انتقالا لانها ستستقيم لي بعد أيام، وستحمل الي فيها ساعات الحياة من الوان العيش ما لم اذق بعد. ويكفي أن اذكر تلك الدور كلها وكيف انتقلت من احداها إلى تلك التي تليها حتى انتهيت إلى هذه الدار لتعلم اني كغيري من الناس خليق إلا امنح تلك الدور من نفسي إلا هذه الدار الذي يقترن بالذكرى، مومن يدري لعلي أن انتقل من هذه الدار التي تراها إلى دار اخرى أوثرها عليها واختصها بالتفضيل، إنما نترك في كل دار نسكنها قطعة من قلوبنا، ولكنك تعلم أن قلوبنا لا تنقص بما نفرق من أجزائها بين الدور، وإنما تكمل وتستكثر من الثروة بهذه الذكريات التي نحملها معنا إلى أن يأتي هذا اليوم الذي ننتقل فيه إلى منزل آخر لا نؤثره ولا يؤثرنا، لا نحبه ولا يحبنا، لا نسعى إليه ولا يسعى الينا، وإنما نكره عليهاكراها، ويكره هو علينا اكراها. . .
هنالك أحسست مرارة الحديث فهممت أن اتحول بصاحبي إلى حديث آخر، ولكن أمور الدار وترتيبها كفتني مؤونة هذا. الانتقال، فقد اقبل المقبلون يرفعون هذا وذاك، يتصايحون ويتبادلون بينهم الامر والنهي. قال الأستاذ لا بأس بهذا الموضوع ولكن على أن تعالجه علاجاً آخر وتعرضه عرضاً فنيا يثير الضحك ويثير الرثاء وإنما يأتي ذلك حين تقصد إليه قصد صاحب الفن وتبث فيه جزءا من اجزاء نفسك يمنحه شيئا من الحياة.
طه حسين
стр. 2244
ملق القادة
للأستاذ أحمد أمين
لست أعني بهذا العنوان أن يتملق الجمهور لقادتهم فيظهرون لهم الود
والعظام بحق وغير حق، فذلك شيء قليل الخطر، فاتر الأثر، وإنما
اعني أن يتملق القادة للرأي العام فيسيرون على هواه ويجرون مجراه،
ويأتون ما يحب، ويذرون ما يكره، فهذا هو الداء الدَّوىّ والعلة الفادحة
ومن أسوأ ما أرى في الشرق في هذه الأيام هذه الظاهرة: ظاهرة أن يحسب القادة حساب الرأي العام أكثر مما يحسب الرأي العام حساب القادة هذه الظاهرة جلية واضحة في قادة العلم، فهناك أوساط تقدس العرب كل التقديس، وتعتقد أنهم في حكمهم عدلوا كل العدل، ولم يظلموا أي ظلم، فقادتهم يتملقونهم ويستخدمون معارفهم للوصول إلى هذه النتائج التي ترضيهم، سواء رضى العلم أم لم يرض، وسواء أوْصَل البحث إلى هذه النتائج أو إلى عكسها، وهناك أوساط تعبد كل غربي من عادات وتقاليد وآداب، فقادتهم يختارون اللفظ الرشيق، والأسلوب الأنيق لتأييد هذه الآراء، ولا عليهم في ذلك أن كانوا يحقون الحق أم يؤيدون الباطل
وهي ظاهرة في قادة الأدب، فأن أحب الجمهور روايات الحب والغرام ألفّوا فيها أكثر منها، وأن أدركوا أن تصفيق الجمهور يكون أشد، كلما كان الحب احد، تسابق الأدباء إلى أقصى ما يستطيعون من حدة وعنف، ومهروا في أن يستنزفوا دموع المحبين، ويهيجوا عواطفهم، ويصلوا إلى أعماق قلوبهم، وأن كره الناس أدب القوة من الأدباء، هو سمج، وهو جاف، وهو لا قلب له، وأن كان الجمهور لا يقبل إلا على الأدبالرخيص فكل المجلات أدب رخيص، لانه كلما أسرف في الرخص غلا في الثمن، وأن بدأ الجمهور يتذوق الجد تحولوا إلى الجد وداروا معه حيث دار
وهي ظاهرة في دعاة الإصلاح، فهم يرون - مثلا - أن الشباب قوة فوق كل قوة، وهم عصب الأمة الكسير الحياة، وفي استطاعتهم أن يرفعوا من شاءوا إلى القمة ويسقطوا من شاءوا إلى الحضيض، فهم ينظمون لهم الدار في مديحهم وإعلاء شأنهم، وملئهم ثقة
стр. 2245
بأنفسهم، فهم رجال المستقبل وعماد الحياة، وهم خير من آبائهم، وستكون الأمة في منتهى الرقى يوم يكونون رجالها - وقد يكون هذا حقا، ولكن للشباب أغلاطه الجسيمة التي تتناسب وهمته، وله غروره واندفاعه، وله تهوره وإفراطه في الاعتداد بنفسه - فكان على المصلحين أن يكثروا القول في المعنيين على السواء، فيشجعوا وينقدوا، ويبشروا وينذروا، ويرغبوا ويرهبوا حتى تتعادل قوى النفس، وحتى يشعروا بمحاسنهم ومساويهم معا - ولكن هؤلاء القادة - مع الأسف - وقعّوا فقط على النغمة التي تعجب الشباب وتحمسهم ولم يجرءوا أن يجهروا بعيوبهم، ولا أن يقولوا ولو تلميحا - في مواضع النقص من نفوسهم - فكان لنا من ذلك شباب استرسلوا في الأيمان بقول الدعاة إلى أقصى حد، واعتقدوا انهم كل شيء في الحياة وانهم فوق أن يسمعوا نصيحة ناصح أو ناقد - وكان هذا نتيجة لازمة بعد أن وقف القادة منهم هذا الموقف - وقد يكون هذا رد فعل للماضي أيضا - فقد كان طالب العلم في الجيل السابق يقدس قول أستاذه، وهو وأستاذه يقدسان ما في الكتاب الذي يتلى، وكان الشاب يجل الشيخ في قوله وفعله، ولا يرى أن له صوتا بجانب صوته، ولا رأيا بجانب رأيه، فكان سلوك هذا الجيل انتقاما من الجيل السابق، وذهابا في الإفراط يعادل إفراط آبائه، ولكن أظن أنا وصلنا إلى حد يجعلنا نفكر جديا في تثبيت هذه الذبذبة ووقفها الموقف الحق
أن وقوف القيادة من الجمهور موقف الملق قلب للوضع، فالعالم إذاقال برأي للناس لم يكن لعلمه قيمة، والمصلح إذادعا إلى ما عليه الناس لم يكن مصلحا
إني أفهم هذا الوضع في التاجر يسترضي الجمهور لأن نجاحه في تجارته يتوقف على رضاهم، وأفهم هذا في المعنى يقول ما يعجب الناس لأنه نَصَب نفسه لإرضائهم، واستخرج إعجابهم، ولكني لا أفهم هذا في قائد الجيش، فان له مهمة أخرى، وهي أن يظفر بخصمه، فلو كان همه أن يسترضي جنده لا أن ينتصر على عدوه لما استحق لقب القيادة لحظة، ولكان الوضع الحقيقي أن الجند هم القادة والقادة هم الجند
كذلك الشأن في قائد العلم وقائد الأدب، والمصلح الاجتماعي فلكل منهم غرض يرمي إليه في علمه أو أدبه أو إصلاحه، وله خطة يريد أن يحمل الناس عليها رضوا أم كرهوا
بل لا يعد المصلح مصلحا حتى ينبه الناس من غفلتهم، ويحملهم على أن يتركوا ما ألفوا
следующие страницы →