← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وملطفا لهذا التطلع الغريزي) جلست الأخت قرب سرير أختها وأخذت تلاحظها وتدون بعض هذه الملاحظات، وانتظرت والقلم في يدها أن تكتب ما تمليه عليها كما وعدت، ولكن النعاس غلبها فنامت. لم يطل نومها حتى قامت فزعة مذعورة على صوت أختها المحشرج وهي تصيح صيحة منكرة قائلة (لن تفتر عزيمتي مهما سرت، فسر بي أيها النور، سأتبعك، سأتبعك فوق الجبال، في أعماق الانهار، في السماء، في جوف الأرض تعلو وتنخفض ولكني اتبعك. لن ارجع كما رجعت قبل يوم، ولن انظر إلى نفسي فتشغلني عنك، سر أنا وراءك.) كتبت الأخت واستمرت هي تقول (بدأت افهم، نعم عرفت، ولكني لا أقوى على التعبير عما اعرف، لماذا!؟. . . . كلا لن أفكر في هذا، سر، سر، أيها النور إني وراءك، آه ألهذا إذن نموت ولهذا إذن نحيا، نعم ولهذا يجب إلا نعرف، فهمت، عرفت، ولكن يجب أن اعرف أشياء اخرى، يجب أن اعرف السر الأعظم سر سر، إني وراءك.) (نعم لقد عرفت كل هذا ايضا، ولكن كيف أعبر عنه؟ فلأحاول فلأحاول، لا، لا أقوى سأعبر عندما أعود إلى هذا، إلى ماذا اسميه؟ إلى هذا الملعب، إلى روضة الاطفال، إلى ما يسمونه العالم. ها! ها! (لقد أعياني السير، أما آن لي أن اعرف الله، أن اعرف القوى المهيمنة على كل شيء، على كل ملاعب الأطفال هذه، ما اكثر عددها وما اشد اعتداد كل منها بنفسها! كأن ليس هناك سواها. لقد عييت، ولكن كلا كلا، سأسير، سر إني وراءك. . . (رهبة شلت حواسي، لقد امتزج هذا النور الذي انبعه بالظلام حوله، ولقد كانا قبل يزيد كل منهما في قوة الآخر. . جو غريب لا هو ظلام، ولا هو نور، شيء ثقيل ينزل على رئتي، الكلام عسير، والتنفس شاق. . . . . ستار هائل عظيم أمسكت بطرفه يد خفية. سيزاح هذا الستار دون شك ووراءه الحقيقة الكبرى. كل ما في ينبض بذلك. ازداد الثقل على رئتي. . . لا أستطيع التكلم، الستار يزاح، التنفس عسير عسير، لقد قضي كل شيء، سأعرف سأعرف، سينزل الستار، هو ينزل بالفعل قليلا. . قليلا، سأعرف سأعرف، قليلا، بطيئا، لقد عر. . . فت. . . . آه. ودوت صرختها قوة كالرعد مرعبة محشرجة، ثم ساد الصمت، صمت عميق، عميق

стр. 2312

رهيب مخيف، وقفت الأخت عن الكتابة فزعة مذعورة ولكنها لم تقو على تحريك رأسها ناحية أختها المريضة، حاولت أن تنادي فلم تفلح، وأخيرا أدارت رأسها فصرخت هي الأخرى صرخة مروعة، أمامها عينان جاحظتان خيل إليها انهما فصلتا من الرأس، وانهما كل شيء على الفراش. وحولهما عروق نافرة زرقاء متوترة مشدودة أغمضت عينيها وفتحتهما مرة ومرتين، وأخيرا استطاعت بعد لأي أن تمد يدها لتلمس الجسد أمامها، فردت يدها قشعريرة شديدة مكهربة، ودوى صوت هائل رن في أذنيها. تبينته فإذا هو ضحك استهزاء، ضحك غريب الصوت متواصل، وكأن آت من عالم آخر، ليس لها به عهد، ضحك، بل إغراق في الضحك، ثم ماذا؟ صوت كلمات، صوت هادئ رزين ولكنه مسموع برغم هذه الضحكات الهازئة العالية المتواصلة. ماذا يقول؟ ماذا؟. (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟) سهير القلماوي

стр. 2313

وجه صالح للسينما للكاتبة الألمانية فيكي بوم مؤلفة (الفندق الكبير) كانت من المصادفات النادرة الوقوع أن شاهد جوهانس فيليب المخرج السينمائي، من خلف الصحيفة التي كان يطالع فيها وهو في عربة الترام. تلك المرأة العجوز الجالسة أمامه فإذا بجسمه يضطرب اضطرابا ظاهرا وإذا البرودة تسري إلى أطرافه. كانت هذه المرأة، واسمها دريجالسكي - المادريجالسكي - من اللاتي تراهن فلا تستطيع أن تقدر لهن عمرا، تراها فكأنك ترى تمثالا للشقاء والبؤس، وكأنها الفقر عاريا متجردا في صورة إنسان ولم يكن شعرها الذي فقد لونه المنسدل حول وجهها النحيف الشاحب هو كل ما أثر في نفسه؛ بل أثرت فيها تلك التجاعيد التي لا عد لها والتي تملأ وجهها، تجاعيد حول فمها الغائر، وتجاعيد خطت سطورا متقاطعة فوق جبينها، وحفر قاتمة مظلمة تحت عينيها، اثر في نفسه منظر يديها النحيلتين اللتين برزت عظامهما ممسكتين كيسا من الجلد وضعت فيه ما أحضرته من السوق، وحذاؤها الذي لم يبق منه طول العهد غير الأثر، ثم تلك الأسمال النظيفة البالية التي ترتديها. لكن أشد ما تأثرت به نفس المخرج السينمائي هو ما بدا على المرأة من إهمال وقلة مبالاة، وملامح اليأس والتعس والقنوط التي تنم عليها عيناها تحت حاجبيها النحيلتين وأغمض عينيه لحظة ليخفف الأثر الذي فعلته في نفسه، وهنا في تلك اللحظة - مر خاطر بباله، وكأنه يرى امامه، منظر الجماهير المحتشدة في أحد المناظر التي يعدها للشريط السينمائي الجديد الذي اعتزم إخراجه ويريد أن يضع له عنونا: صرخة من (الأعماق) وخيل إليه انه يرى جمعا من النساء، وكأن كل واحدة منهن تشبه تلك التي امامه، رآهن جميعاً يتزاحمن ناحية سلم كبير وكأن بينهن تلك الجالسة أمامه الآن، إلا إنها انتحت بعيدا عنهن جميعا ثم سارت يبدو عليها البؤس والأسى وفتح المخرج السينمائي عينيه، وذكر انه في عربة الترام، فقام من مجلسه وتقدم نحو المرأة قائلا - هل لك يا سيدتي أن تحضري يوما إلى الرجل الذي أعطيك عنوانه الآن؟ وأحسبه يدفع

стр. 2314

لك أجرا طيبا. ومرت فترة حتى بلغت كلماته إدراك دريجالسكي، ولكنها لم ترفع إليه بصرها برغم إنها فهمت ما يريد، وربما كانت متعبة فلم تستطع أن تجلي فيه بصرها، أو حال الألم البادي في عينيها دون أن تنظر إليه، وأخيرا فتحت فمها المطبق وقالت: - أأعمل عمل غسالة؟ - كلا، بل عمل سهل واجر طيب، وسوف يشرحون لك كل شيء إذا ذهبت إليهم، وأجابت وقد اهتزت عربة الترام فكادت المرأة تسقط من مقعدها - أسمع!. . أني كنت أغسل. . وكنت أتناول سبعين (بفننج) اجر ساعة واحدة في اليوم، ولكن هذا العمل قد انتهى الآن، والمحل الذي كنت اشتغل فيه أغلقت أبوابه. . . على أي حال افضل أن أكون غسالة. - لا أظنك سعيدة في حياتك؟. . . وبعد أن توقف قليلا، قالت: كانت الأمور سائرة سيرها الطبيعي قبل تلك النوبات التي أصبحت تنتاب زوجي، نوبات فظيعة تصيبه فيستحيل وحشا حتى ليعجز أربعة رجال عن تهدئته ووضعه في فراشه، وهو عاطل لا يعمل. . . ينام أغلب وقته. . . ولكن حين تعود إليه النوبة!. . . كان عاملا في مصانع بوش وزابيش، فسقطت قطعة من الحديد فوق رأسه. . . غير أن الطبيب يقول ليس هذا وحده ما سبب له هذه النوبات. . . بل لأن زوجي كان سكيراً. . . ربما أصاب الطبيب. . . كذلك ولدي، عقله غير كامل. . . لسوء حظه. . . لم يكن بهذا القدر من السوء وهو صغير، كان يجلس هادئاً فوق مقعده الصغير، فلما بلغ السادسة عشرة أصبحت تصيبه نوبات شديدة. . . وذلك من سوء حظه أيضاً. . . فأنا التي أقوم بكل ما يحتاج إليه البيت. من عهد قريب كنت سائرة في الشارع فسقطت على الأرض. . . ونقلت إلى أقرب محل للإسعاف. وقال الطبيب. إنها ليست مريضة إنما قلة تغذية. . . ماذا تفعل بضعة دريهمات أمام أجور الغاز. . . وأجرة البيت؟ كانت تتكلم بصوت ضعيف خافت كأنها تخاطب نفسها، وانحنت قليلا فوق الكيس بين

стр. 2315

يديها. لا بأس. . . إذهبي وقابلي الهر ثوربج فقد يصلح حالك فيما بعد، وألح عليها في الذهاب ما استطاع، ثم ترك العربة وهزت دريجالسكي رأسها وهي تفكر كيف يمكن أن يصلح حالها. وهكذا بدأت المادريجالسكي مجدها السينمائي العظيم ومضت إلى استوديو (هالفا) وكأنها شبح ينتقل في هيكل من عظام، وسألت عن هر ثوربج - رناتس ثوربج. كاتب السيناريو الذي كان شاعراً قبل أن يشتغل بهذا الفن. وكاد ثوربج يجن فرحا ودعا إليه غيره من زملائه وقد شاركوه إعجابه. أما دريجالسكي فظلت واقفة وسط الغرفة دون أن تدرك شيئا ومع ذلك لم يبد عليها اثر من الدهش فقد علمها الشقاء إلا تأبه لشيء وطلب إليها أن تسجل أسمها لدى الكاتب المختص بذلك في الأستوديو، وذكروا لها إنها ستتناول عشرة ماركات في اليوم، فكان كل ما بدأ عليها إنها عجزت عن تصديق ذلك. كان الأستوديو غاصا بنساء كثيرات يرتدين أسمالا كتلك التي ترتديها دريجالسكي، وحول عيونهن تجاعيد كتجاعيدها إلا إنها تجاعيد زائفة من دهانات وأصباغ. وألقوا بها بين الأخريات فكانت بينهن كأنها ليست منهن، بوجهها الطبيعي وسط الوجوه المصبوغة بالطلاء وشقائها الحقيقي الذي لا تمثيل فيه. وأثرت الأضواء القوية في عينيها حتى سالت منهما الدموع. وفي الساعة الواحدة كانت واقفة تحت مصباح كبير بين النساء الأخريات، وصاح رجل كان واقفا فوق منصة عالية طالباً منهن جميعا أن يرفعن رؤوسهن ويلتفتن إلى جهة أشار إليها. . . وكان هذا آخر مناظر الموقف. وذهبت جميع النسوة إلى مطعم الأستوديو إلا دريجالسكي فلم تشاركهن، بل انتحت ناحية بعيدة وجلست فوق مقعد تأكل قطعة من الخبز أخرجتها من كيسها. وثوربج لم يحول بصره عن هذا الجسم الذي يبدو كأنه بقية إنسان. . . وهو يفكر - لو أنه ظل شاعراً لنظم في صورتها قصيدة رائعة، أما وقد أصبح مؤلفا للسينما. . . وحان وقت العمل للتصوير فعادوا جميعا، واستمر العمل حتى كانت الساعة الثامنة مساء،

стр. 2316

والمخرج واقف فوق سلم أمام النسوة، ومن ورائهن رجال آخرون يلقون عليهن الأوامر من الأبواق المكبرة للصوت. وأخيرا أمرهن أن يسرن إلى الأمام. وقيل لدريجالسكي أن تبتعد عن زميلاتها، وأن تتقدم وحدها لتصعد السلم، وأن تفعل ذلك حين تسمع كلمة: (الآن! سيري.) وما عليها إلا أن تسير في مشيتها الطبيعية المعتادة، وحين سمعت الإشارة تباعدت عن زميلاتها وسارت ثم رفعت يدها لتحجب عن عينيها النور الذي اثر فيهما، فلم تعد تبصر شيئا. . . والمصور واقف فوق منصته يدير آلة التصوير وقد أخذ الإعجاب كل مأخذ منه، فكان يصيح: ما اعجب هذا!. . ما أبدع هذا!. . وقال ثوربج لدريجالسكي قبل أن تمضي تعالي غدا لأخذ منظر آخر، وصورت في اليوم التالي وهي تحمل طفلا، وصورت في اليوم الثالث ثم قدموا لها ثلاثين ماركا! وسألتهم: متى أعود ثانية؟ فأجاب الرجل الذي نقدها أجرها وهو يمزح - سنكتب إليك حين نحتاجك، فليس العمل منظما هنا كعمل الغسالات! - وعادت دريجالسكي متهالكة من التعب، لم تدرك شيئاً من كل ما حدث، عادت إلى بيتها في انتظار أن تدعى مرة أخرى واستدعيت المادريجالسكي مرات كثيرة في الأشهر التالية. وكان منظر المرأة في بساطته وصدقه قد أعجب كل من رآه، ولهج النقاد بذكره كثيراً، وبلغ إعجاب الجمهور به مداه، وطلب إلى دريجالسكي أن تقوم بدور آخر في رواية جديدة، ومنحت عشرين ماركا أجر هذا الدور. وسألت شركة سينمائية أخرى عن عنوانها وأرسلت إليها تستدعيها، وهكذا تسابق إليها المخرجون، فكان مظهرها يكسب الموقف لوناً طبيعيا رائعاً: لون الألم والبؤس الصحيح الذي لا أثر للصناعة فيه. وخرجت دريجالسكي من عزلتها التي كانت فيها، فتعرفت إلى غيرها من النساء اللاتي تستخدمهن شركات السينما، وعرفت منهن أن تتردد على مكاتب الأستوديو إذا طال عليها الأمد ولم يستدعها أحد؛ ولكنها برغم ذلك كله لم تدرك من الأمر شيئاً، وكان كل ما عرفته أن أجرها يزيد خمس ماركات إذا صورت وحدها عما لو صورت بين جمع من النساء. وقد تعلمت الطمع والجشع فكانت تبذل جهدها لتحذق عملها الذي تؤمر به حتى يزيد أجرها صرفت دريجالسكي أول نقود نالتها في أجرة طبيب. ثم صرفت ما كسبته بعد ذلك في

стр. 2317

جنازة زوجها ودفنه. وتحسنت الأحوال بعد موت هذا الزوج. فقد كانت تخشى أن تترك أبنها المعتوه في البيت لئلا يعبث بالكبريت. أما الآن فقد اصبح في وسعها أن تودعه مصحة للأمراض العقلية، ولم يبق معها بعد ذلك إلا القليل من النقود ومع هذا فقد استشعرت الراحة والاطمئنان لقد كانت مدفونة تحت أطلال حياتها التعسة وأحست اليوم إنها تستنشق الهواء، وهجرت مهنتها الأولى كغسالة. ومع ذلك فقد ساق إليها حظها الجديد رجلا يستأجر غرفة في بيتها وهو انتون بوش الأعزب الذي كان يبيع المثلجات في الشارع وكانت دريجالسكي ترى فيه رجلا ظريفا، وحسدها الجيران لنجاحها في فن السينما، واعتزت بنفسها إذ أدركت منهم ذلك الحسد. وكان الهر بوش يدفع لها اثني عشر ماركا في الشهر ويدفع نصف أجرة الغاز وكان كريما شديد الإخلاص، لها وقد ابتاع لها فستانا من الحرير الأزرق وكانت تطهي له الطعام بنفسها وتقدم له شطائر ليتناول منها طعامه في جولاته. وانك لتدرك من ذلك أن غذاءها هي نفسها قد تحسن كثيرا وزالت التجاعيد عن وجهها شيئا فشيئا وقد بلغت الآن قمة النجاح واصبح اسم دريجالسكي اسما يردده المخرجون! التتمة في العدد القادم محمود عزى

стр. 2318

الكتب العراق نقد لكتاب جغرافية العراق تأليف الفريق طه باشا الهاشمي بقلم الدكتور محمد عوض محمد صديقنا الفريق طه الهاشمي باشا مدير معارف العراق سابقا ورئيس أركان حرب جيشه حالا به نسيج وحده اليوم في الجمع بين أدب السيف وأدب القلم، توفر علي الإصلاح المنتج الصامت من طريق التعليم والتأليف، ورضي من سعادة العيش ومتاع الحياة بشرف الدفاع عن الوطن ولذة الجهاد في سبيل العلم، فلم يدخل في فتنة، ولم يساهم في حزبية، ولم يوزع همه وجهده إلا على مكتب في وزارته، ومكتب في بيته. ومن يطلع ثبت مؤلفاته في التاريخ والجغرافيا وفنون الحرب لا يسعه إلا إكبار هذا الرجل. وهذا كتاب جديد أسفر عنه عزمه في جغرافية العراق سيحدثك عنه صديقنا الدكتور محمد عوض، والدكتور عوض أستاذ هذا العلم كان في الجامعة المصرية ثم في مدرسة التجارة العليا، فحديثه عن الكتاب نفق، وشهادته للمؤلف الفاضل أصدق المحرر إن حديث العراق يثير في النفس أحاسيس لا سبيل إلى دفعها، وظمأ لا سبيل إلى ريه. ويبعث أمام العين صوراً قوية جذابة، ويحرك في القلب شجناً وأي شجن. ويثير في الخاطر ذكرى عهود وأي عهود!. فهات الحديث أذن عن الزوراء وعن هيت، وعن سامراء وتكريت، وعن الموصل وكربلاء وعن البصرة والكوفة! أو اعد بهذا الحديث ذكرى ذلك العهد الجليل - كان عهدا جليلا للناطقين بالضاد، وكان عهدا جليلا لبني الإنسان كافة - أيام كان الوطن العربي كتلة واحدة، كأنه العقاب الهائل باسطا جناحيه على المشرق والمغرب، أيام كان هذا الوطن العربي هو في العالم كل شيء وما سواه ليس بشيء، أيام لم يكن في العالم نور سوى ما ينبعث من نبراسه، ويضئ أرجاءه. ولم يكن في الدهر كله راية أسمى، ولا منار أرفع من هذه الراية الإسلامية التي تظل تلك الأقطار الفسيحة

стр. 2319

المنتشرة، من المحيط الأطلسي إلى أقصى بلاد الصين، حين كان سائر العالم في دياجين من الجهل لا يعرف لنفسه منها مخرجا - في ذلك الزمن كان السائح المتجول ينتقل من القطر إلى القطر ويتجول في الإقليم بعد الإقليم، وما ينتقل من وطن إلا لينزل في وطن، فحيثما سار، وأينما حط رحاله، لن يخرج عن الوطن العربي الفسيح، سواء أصعد أم أسهل، وأتهم ام أنجد. وكانت هذه الأقطار كالعقد المنظوم، انبسطت حباته على محيا البسيطة ينتظمها جميعا سلكان ذو قوة ومتانة برغم أنف الزمان، وهما الدين الإسلامي واللسان العربي وليس من شك في أن للعراق في هذا العقد منزلة خاصة. ولئن لم أنه واسطة ذلك العقد، لأننا لسنا في مقام المفاضلة. فلا أقل من أن نؤكد أن العراق جوهرة ثمينة براقة في ذلك العقد النظيم الذي لم يشهد الدهر له ضريبا. على أن صورة الدولة الإسلامية ليست الصورة الوحيدة التي يثيرها حديث العراق. هذه صورة يهتم لها العالم الإسلامي، والناطقون بالضاد. ولكن هنالك صورة أخرى تعني العالم كله، لا فرق بين شرقه وغربه، ومسلمة وغير مسلمة. وهي صورة العراق أيام كان مهد الحضارة الأولى. في أقدم عصور التاريخ. فهنا، في سهول دجلة والفرات، نهضت حضارة سومر وأكد قبل ميلاد المسيح بأربعين قرنا، أيام لم يكن في العالم كله ثقافة ولا حضارة، اللهم إلا في الوادي الشقيق الذي نعيش فيه. إن هذه الحقيقة وحدها لكافية لأن تثير في قلب كل إنسان شغفا بالعراق الذي كان مهد لكل هذه الحضارات، والذي ظل عامرا زاهرا كل هذا الدهر الطويل، الذي يتضاءل بجانبه عمر هذه الدويلات المحدثة، التي ملأت عصرنا هذا عجبا وضوضاء إذن هنالك أسباب عدة لأن نعني بدرس جغرافية العراق دراسة خاصة. وأخلق بنا - نحن مدرسي الجغرافيا - أن نذكر هذا أبدا، وأن نكون دائما على استعداد - في مقام التمثيل والاستشهاد. لذكر البلاد الشرقية والديار العربية فإذا كنا نتحدث عن الأنهار وجغرافيتها، فلا ننسى أن نذكر انهار الشرق، دجلة والفرات، وسيحون وجيحون والأردن والعاصي، ولا نكتفي بذكر الرون والرين، والطونه والسين. على أن الكتب العربية الحديثة التي وفت هذه الموضوعات حقها من البحث قليلة جدا،

стр. 2320

والمشتغلون بالجغرافيا في البلاد العربية - وعلى الأخص في مصر - قلما يكتبون ابتغاء وجه العلم، بل يكتب أكثرهم ابتغاء عرض الحياة الدنيا. ولهم في ذلك أعذار مقبولة وأخرى غير مقبولة، وعلى كل حال لقد أصبحنا في مصر - مثلا ولدينا عشرات من الكتب (المقررة) للمدارس الابتدائية وغيرها، وليس لدينا كتاب واحد حديث يفصل لنا جغرافية مصر تفصيلا علميا متقنا لهذا كانت دهشتي عظيمة حين تناولت كتاب (جغرافية العراق) تأليف الفريق طه الهاشمي باشا، رئيس أركان حرب العراق. فرأيته يتناول جغرافية العراق بالبحث المفصل الواضح، لم يغادر ناحية من نواحي علم الجغرافيا إلا عالجها في قدرة فائقة تشهد بالفخر لمن كانت حرفته الجغرافيا. فكيف والكتاب من إنتاج رجل حرفته الأولى تعبئة الجيوش، ورسم الخطط الحربة، وتدبير المعارك الحاسمة؟ ولئن كنا مضطرين إلى إكبار هذا الجهد الفائق وإلى الإعجاب الشديد به، فانه يحق لنا أن نعجب كيف بدأ التأليف الجغرافي بالعراق ناضجا كاملا على هذا النحوت من غير إرهاصات ولا مقدما. ولا دون نشوء ونمو. اللهم إلا تكون هنالك مؤلفات سابقة ليس لنا بها علم. وكل مطلع على هذا الكتاب بمن له أقل خبرة بالتأليف الجغرافي لابد أن يدرك ما عاناه المؤلف في جمع كل هذه الإحصائيات الدقيقة، وفي إخراج هذه المصورات المتقنة. خصوصا إذا ذكرنا أنه يطرق أبوابا جديدة، ويعالج أمورا لم يعالجها المؤلفون قبله. ويسير في سبيل لم تمهد ولم تعبد ان العراق هو أشد أقطار العالم شبها بمصر ولقد تكون أمطاره في بعض نواحيه أغزر منها في وادي النيل، غير أن العراق يعتمد قبل كل شيء على ماء أنهاره كما تعتمد مصر على نيلها. والعراق نهران يكاد ذكر اسميهما أن يكون من الفضول: دجلة (الفتاة) التي تجري في شطره الغربي، والفرات (الفتى) الذي ينساب في الجانب الغربي. كلاهما يبدأ مجراه في جبال أرمينيه. وكردستان وليس بين منابعهما مسافة كبيرة. فأما دجلة فتنحدر مسرعة أو متسرعة - كسائر الإناث لا تلتفت يمينا ولا يسارا، بل تجري معجلة إلى البحر (خليج العجم). وإما الفرات فيسيل مغربا حتى يدنو من بلاد سورية. وكأنما كان يريد أن

стр. 2321

يتجه إلى البحر الأبيض ثم غير رأيه، أو كأنما أراد أن يطل على القطر الشقيق ليقرئه السلام، ثم يلتوي بعد ذلك في هدوء ورزانة، ويولي وجه شطر العراق، ولا يزال يجري هو أيضا حتى يصل إلى خليج العجم، لكن في شيء من التؤدة والتأني، وفي منتصف الطريق بين المنبع والمصب يشتاق الفرات إلى دجلة فيأخذ في الاقتراب منها، وفي هذا الجزء الأوسط من العراق يقترب النهران حتى ليظن انهما سيجتمعان. فلا يفصلهما غير مسافة أربعين كيلومتر. وفي هذا الموضع قد احتشد كثير من مدن العراق الشهيرة قديما وحديثا. فهنا نجد آثار بابل ومدائن كسرى، ونشاهد بغداد الزاهرة وكربلاء المقدسة. كلها في هذه المنطقة التي يتدانى فيها النهران، على أن اجتماعهما لا يتم بعد، بل يتباعدان مرة أخرى - ثم يلتقيان بعد لأي عند القرنة، فيتكون منهما نهر واحد هو شط العرب الذي ينحدر إلى خليج فارس. هذان النهران هما رأس مال العراق وينبوع ثروته فمنهما ما﴾ هـ الذي يسقيه، ومنهما تربته الخصبة التي يعيش أهله من ريعها ولقد تكون سهل العراق الفسيح مما حملة هذان النهران من الروساب والطين. فاستطاع السهل الخصب أن ينمو ويمتد إلى البحر، حتى أصبح خليج فارس أصغر مما كان عليه حتى في العصور التاريخية. ولا يعرف في العالم كله سهل نهري يزداد نموه بسرعة تعادل سرعة نمو سهل العراق. فهنا يتقدم البر وينكمش أمامه البحر بسرعة معدومة النظير، ولهذا كانت أرض العراق في عصر السومريين أصغر مما هي اليوم. بحيث كانت المدن السومرية القديمة: أور واردو ولاجاش واقعة على البحر أو قريبة منه. وهكذا يعرض المؤلف أمام أعيننا صورا شائقة ممتعة لجغرافية العراق. ويعرضها في ترتيبها المنطقي المتسق. فتراه في الفصول الأولى يشرح موقع البلاد بالنسبة لما جاورها من الأقطار ثم يأخذ في شرح التكوينات الجيولوجية، وكيف تكونت أرض العراق في الأزمنة الجيلوجية، ثم ينتقل إلى وصف تضاريس البلاد وما بها من سهول مطمئنة، وجبال شاهقة تفصل ما بينه وبين بلاد الترك والفرس. ثم يصور لنا كيف يفيضان، ومقدار ما يجري فيهما من الماء، وفي أي الشهور يفيض، أو يغيض الماء ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة المناخ والحيوان. . .

стр. 2322

وبهذا يكون المؤلف قد أكمل الصورة الطبيعية للبلاد في كافة نواحيها، وهنالك يصبح ذهن القارئ مهيأ لأن ينتقل من البيئة إلى السكان، ومن الجغرافيا الطبيعة إلى الجغرافيا البشرية والناحية البشرية تحتل الشطر الأكبر من الكتاب، ويحق لها أن تنال كل هذه العناية، فنرى المؤلف يمعن في ذكر القبائل وموطنها، وحاضرها وباديها. وكيف تنتقل من موطن إلى موطن، وبعضها قد يتنقل من العراق إلى فارس أو تركيا أو سوريا في بعض الشهور، ثم يعود إلى العراق في شهور أخرى. ومن أفضل أبواب الكتاب تلك الفصول التي يشرح فيها المؤلف الجغرافيا الاقتصادية في العراق، ويبين للقارئ طرق الزراعة والري والمعادن والتجارة، وطرق الموصلات على كافة أنواعها. ولن يتسع المقام هنا للإفاضة في ذكر فصول الكتاب. وحسب كل مشتغل بعلم الجغرافيا أن يعلم أنه قد بات في متناوله اليوم كتاب واف عن جغرافية بلاد نحن في أشد الحاجة إلى أن نلم بجغرافيتها إلماما صحيحا دقيقاً. وسيجد القارئ المصري صعوبة في فهم بعض المصطلحات العلمية. لأنها في كثير من المواضع قد تخالف ما اصطلح عليه المشتغلون بالجغرافيا في مصر. ولكن لن يلبث القارئ طويلا حتى يعتاد لغة الكتاب ومصطلحاته. وإنا لنرجو على مدى الزمن أن تزداد المؤلفات الجغرافيا العربية، فنستطيع بمبادلة الرأي أن نوحد المصطلحات العلمية في اللسان العربي. ولابد لنا أن نذكر بشيء كثير من الثناء ما اشتمل عليه الكتاب من خرائط ملونة وغير ملونة. وكثير منها من نوع فريد لا يسهل العثور على مثله. ولنذكر على سبيل المثال الخرائط التي تبين مناطق الزراعة، وكثافة السكان، والأجناس والشعوب والقبائل. والكتاب مفعم بالصور توضح جميع نواحي البحث في الكتاب كله. ونحن نهنئ المؤلف الفاضل بجهوده المثمرة. ولا نشك في أنه ماض في عمله الجليل، حتى يشق في بحثه الجغرافي سبلا جديدة. وتزداد مؤلفاته الجغرافيا عددا واتقانا على إتقان. . أن رجال الجيش طالما أدوا إلى علم الجغرافيا خدمات، جليلة ومن ذا الذي لا يسره أن يرى اسم هذا القائد العربي بين أسماء من خدموا وأحسنوا إلى المشتغلين بها. عوض

стр. 2323

العدد ٢٨ - بتاريخ: ١٥ - ٠١ - ١٩٣٤

стр. 2324

من جد الشتاء الدكتور طه حسين من جد الشتاء أن تهنئ الزيات بعيدين يطلع بهما عليه فجر يوم واجد، هو هذا اليوم الذي تظهر فيه الرسالة للناس، وتشرق بهما عليه شمس واحدة هي شمس يوم الاثنين، ويستقبل فيهما ابتسامتين ما أعرف أن في الحياة شيئاً أحب إليه ولا أحسي في نفسه وقعاً، ولا أجمل في قلبه صورة، ولا أشد إحياء في الأمل واستدعاء للغبطة، وإثارة للابتهاج منهما، إحداهما مقصورة عليه أو كالمقصورة عليه. استغفر الله، بل هي مقسومة بينه وبين شطر نفسه وشريكته في الحياة، وهي ابتسامة ابنه (رجاء)، والأخرى شائعة بينه وبين أصدقائه وأحبائه وخصومه وأعدائه في مصر كلها، وفي الشرق العربي كله، وفي كل طرف من أطراف الأرض تقرأ فيه اللغة العربية ويذاق فيها الأدب العربي، وهي ابتسامة بنته (الرسالة). فقد رزق الزيات في مثل هذا اليوم من العام الماضي هذين الوليدين العزيزين، فسعد بأولهما في نفسه وأسرته، وسعد بثنتيهما في نفسه وأمته، وأنفق عامه كله معنياً بنتشئ رجاء وتنمية الرسالة، يقصر جهد عقله على هذه، ويختص بفيض قلبه ذاك. ويجني من هذه كما يجني من ذاك هذه الثمرات الحلوة المرة، اللذيذة المؤلمة، التي يجنيها الأحياء من حب الأحياء والعناية بهم والانصراف إليهم عن كل شيء. يبتسم رجاء للحياة فيبتسم قلب الزيات وتنعم نفسه، وتبتسم الرسالة للحياة فيبتسم عقل الزيات وينعم ضميره، تعرض الآم الحياة لرجاء فيكتئب قلب الزيات، ويأرق ليله وينغص نهاره، وتظلم الحياة في وجهه، وتعرض المصاعب للرسالة فيبتأس عقل الزيات ويقلق ضميره وتضيق به الأرض ويضيق هو بالأرض، لا يطمئن ولا يستريح ولا يتذوق لذة العيش إلا إذا استقبل النهار في بيته، وبابتسامة الرسالة خارج البيت. أليس من الجد أن نهنئ صديقنا إذا استدار العام وأقبل يوم الاثنين، فإذا رجاء يقبل على الحياة مبتسماً لها، مغتبطاً بها، آخذاً منها بهذا الحظ الحلو، الجميل الصفو، الخالص من كل شائبة، الذي لا يتاح إلى للأطفال، والذي أتيح لنا جميعاً في وقت من الأوقات، ثم محته من نفوسنا وقلوبنا وذاكرتنا هذه الأيام التي تمضي وهذه الليالي التي تتبعها، فإذا نحن لا نذكره ولا نقدره، وإنما نأسى عليه ونود لو استطعنا أن نحقق المستحيل فنسعد لسذاجته النضرة، ونحتفظ مع

стр. 2325

ذلك بمصدر ما نكره من الألم والحزن، ومن الكآبة والشقاء، وهو العقل والضمير. أليس من الجد أن نهنئ الزيات إذا استدار العام وأقبل يوم الاثنين، فإذا الرسالة تستقبل الحياة واثقة بإقبال القراء عليها وتأييدهم لها، وحرصهم على أن يستقبلوها كلما دار الأسبوع قوية نشيطة، ممعنة فيما هي فيه من تصوير الحياة الأدبية الشرقية، والآمال الأدبية الشرقية بما فيها من جد وهزل، ومن قوة وضعف، ومن أمل ويأس، ومن نور وظلمة، ومن نشاط وخمول. بل أن من الجد كل الجد أن نهنئ صديقنا بهذا اليوم السعيد لقلبه وعقله معاً. وأن نتمنى لصديقنا أن يستدبر الأعوام والأعوام، وأن يستقبل هذا اليوم كلما أتم الفلك دورته بهاتين الابتسامتين اللتين تملان قلبه وعقله وضميره وغبطة واطمئناناً لأداء الواجب واستعداداً للنهوض بأعباء الحياة. ومن جد الشتاء أن نذكر لهو الناس بلذات الشتاء، وما أكثر لذات الشتاء وما أعذبها، وما أشد تنوعها واختلافها، وما أحسن موقع بعضها من القلوب، وما أجمل أثر بعضها في النفوس، وما أقل حظنا من الرغبة في خيارها والإقبال على طيباتها. أما دور السينما فحافلة والحمد لله في جميع ليالي الأسبوع، وفي جميع أيامه، كثيرة ولكنها على ذلك مزدحمة بالمختلفين إليها، مكتظة عليها تعرض عليهم كثيراُ من السخف وقليلاً جداً من القيم المفيد، وهم بذلك راضون، وفي ذلك راغبون، لأنهم لا يبتغون إلا هذه اللذة اليسيرة القصيرة التي تلهيهم عن هموم الحياة وأثقالها ساعات من ليل، أو ساعات من نهار، وأما دور التمثيل فالأمر فيها مختلف، منها العربي الذي يعيد ما يبدئ، ويبدئ ما يعيد، يصاحب الحياة دون أن يحيا، ويستقبل الأيام والليالي، لأن الأيام والليالي تمر به وتغمره كما تمر بكل شيء، وكما تغمر كل شيء. لا يحدث جديداً ولا يبتكر طريفاً، والناس مع ذلك يغشون هذه الدور في كسل، وفتور لأنهم تعودوا أن يغشوها كما تعودوا أن يغشوا الأندية والقهوات ينفقون فيها ساعات فارغة من حياة فارغة. ثم يعودون إلى بيوتهم بنفوس فارغة وقلوب فارغة وأجواف ممتلئة. والله يعلم بأي نوع من أنواع الطعام والشراب، وأنك لتسأل نفسك وتسأل الناس وتسأل الأدباء، وتسأل النقاد عن القصة الطريفة من قصص التمثيل والآية البديعة من آيات الفن التي استقبلنا بها فصل الشتاء، فلا تظفر إلا بهز الرءوس ورفع الأكتاف وابتسامة فيها السخرية وفيها الحزن، وفيها اليأس من الحياة والازدراء للحياة

стр. 2326

والانصراف عما يجعل للحياة قيمة أو يجعلها خليقة بالتفكير والتقدير. ومنها دار الأوبرا الملكية التي تنام تسعة أشهر، وتستيقظ ثلاثة أشهر من كل عام، تنام لأنها في بلد يحب النوم، وتستيقظ لأن قوماً من الأجانب يوقظونها كلما انتهى الخريف وأقبل الشتاء، وهم يوقظونها لأنهم يدعون إلى ذلك ويرادون عليه. تدعوهم إلى ذلك الدولة. لأنها لا تريد أن ننام طول العام، أو لان يظن بنا الناس أننا ننام طول العام، أو أن يزورنا السائحون فلا يجدوا عندنا ما يلهيهم ويريحهم من تعب النهار. ويدعوهم إلى ذلك ضيفنا الأجانب الذين لا ينامون لا في الصيف ولا في الشتاء، ثم أيقاظ في بلادهم إذا أقبل الصيف، وهم أيقاظ في بلادنا إذا كان الشتاء، هم يلهون في بلادهم على حساب أنفسهم إذا أقبل الصيف، وهم يلهون في بلادهم على حسابنا نحن إذا أقبل الشتاء، والغريب أننا نلهيهم ولا نلهو معهم. وحق الضيافة على أقل تقدير يقضي علينا بأن نشاركهم فيما نقدم لهم من اللهو. ولكن أحصيت لي الطرابيش التي كانت في الأوبرا يوم الاثنين الماضي. فلم تبلغ العشرين. فأما العمائم فما لها وللأوبرا؟ وكيف يظن بها أن تختلف إلى هذه الدار؟!

стр. 2327

النفس والرقص للكاتب الشاعر الفرنسي العظيم بول فاليري ترجمة الدكتور طه - ٣ - أركسيماك - أي أتكتيه! ما أشد إتقانك للقرب! فيدر - كأن الموسيقى تستردها في هدوء، كأنها ترفعها. . . أركسيماك - إنما تغير الموسيقى نفسها سقراط - أي آلهة الفن، إن قوتكن لبالغة في هذه اللحظة التي تريد أن تموت. يا له من تعليق حلو للأنفاس وللقلوب. . . إن الثقل ليسقط تحت قدميها، وهذا الرداء العظيم الذي يسقط في غير صوت ينبئنا بذلك. لا يرى جسمها إلا متحركاً أركسيماك - لقد عادت عيناها إلى الضوء. فيدر - لنستمتع بهذه اللحظة الحلوة التي تغير فيها إرادتها! كأنها الطائر الذي يصل إلى حافة السقف نفسها ثم يقطع ما بينه وبين المرمر الجميل من صلة، ويسقط في طيرانه. أركسيماك - لا أحب شيئاً حبي لما يريد أن يحدث، حتى في الحب لا أجد ألذ من الشعور الأول. والفجر أحب ساعات النهار إلي. لهذا أريد أن أرى في شيء من الحنان ظهور الحركة المقدسة على هذه الفتاة الحية. أنظر. . .! إنها تنشأ من هذا اللحظ المنزلق الذي يجذب في قوة رأسها ذا الأنف الحلو إلى كتفيها المضيئتين، وهذا العصب الجميل كله، عصب جسمها الصريح القوي، يظهر ويلتوي شيئاً فشيئاً من العنق إلى العقب. ثم تمضي الرعشة في كل شيء. ويصور في بطء مولد وثبة. ويحظر علينا أن نتنفس حتى تنبع هذه الوثبة ملائماً في تقدير خفي مفاجئ لطرق الصنج الذي يمزق الهواء. سقراط - ما أعجبها! هاهي ذي تدخل في الاستثناء وتمضي في غير الممكن. إن نفوسنا لمتشابهة أيها الصديقان أمام هذا السلطان الذي هو واحد كامل بالقياس إلى كل واحدة منها. . . إنها لتشرب معاً كل ما هو جميل. أركسيماك - إنها لتستحيل كلها إلى رقص وتفرغ كلها للحركة الكاملة.

стр. 2328

فيدر - كأنها قبل كل شيء تمحو بهذه الخطوات التي يملؤها العقل من الأرض كل تعب وكل حمق. وهاهي ذي تتخذ لنفسها منزلاً يرتفع قليلاً فوق الأشياء كلها، وكأنها تهيئ لنفسها عشاً في ذراعيها الناصعتين. . ولكن ألا يظن الآن أنها تنسج لنفسها بقدميها بساطاً من الاحساسات لا يكاد يحد. هي تلائم وتخالف وتنسج الأرض بالزمن. ياله من أثر بديع هذا العمل القيم تأتيه بإبهاميها العاقلتين اللتين تهجمان وتختلسان، وتعقدان وتحلان، وتتطاردان، ثم تطيران. . . ما أرعهما! ما أنشطهما هاتين الماهرتين في إنشاء اللذة التي ينفق فيها الوقت الضائع!. . . إن هاتين القدمين لتتناغيان وتختصمان كأنهما حمامتان. إن نقطة من الأرض لتثير بينهما من الخصومة ما تثيره الحبة بين الحمامتين. ترتفعان معاً ثم تصطدمان في الهواء أيضاً. إني لأقسم بآلهة الفن ما اشتهت شفتاي قط قدمين أكثر مما تشتهيان هاتين القدمين. سقراط - وكذلك تحسد شفتاك هاتين القدمين البارعتين على فصاحتهما البالغة، وتود لو أعارتا كلماتك جناحيهما ولو زينتا ما تقول بوثباتهما. فيدر - أنا؟. . . أركسيماك - لم يكن يفكر إلا في أن ينقر حمام الأقدام. وهذه نتيجة لعنايته الحادة التي يختص بها منظر الرقص. أي غرابة في هذا يا سقراط؟ أي شيء أدنى إلى السر الساذج الجميل، إن صديقنا فيدر مسحور بهذه الحركات الحفية الظاهرة المضيئة التي تزدهي بها إبهاماً (اتكتيه) هو يلتهمهما بعينيه، هو يمد إليهما وجهه، هو يظن أنه يحس على شفتيه جرى أظفارهما السريعة. لا تعتذر أي فيدر العزيز، لا يأخذك اضطراب ما. فأنت لم تشعر بشيء إلا وهو مباح غامض أي ملائم كل الملازمة لطبيعة الناس، ألسنا عبثاً منظماً؟ وتأليفنا الحي أليس اختلاطاً نعمل في نظام، واضطراباً يحدث آثاره؟ أليست الحوادث، والرغبات، والخواطر تتغير في نفوسنا على أشد الأنحاء ملاءمة للضرورة ومباعدة للفهم. . . أي اختلاط من العلل والآثار. فيدر - ولكنك وضحت بنفسك أحسن التوضيح ما شعرت به أنا شعوراً ساذجاً. سقراط أيها العزيز فيدر في الحق أنك لم تتأثر بغير سبب. وكلما نظرت أنا إلى هذه الراقصة التي لا توصف تحدثت إلى نفسي عن الأعاجيب وأسالها كيف استطاعت الطبيعة أن تودع هذه

стр. 2329

الفتاة النحيلة الضئيلة مقداراً ضخماً من القوة والسرعة إلى هذا الحد؟ أتوجد أسطورة لهرقل وقد استحال إلى طائر؟ وكيف يستطيع هذا الرأس المحدود كأنه قبضة الصنوبر أن يثير آلافاً من المسائل والأجوبة بين أعضائه وهذه المحاولات المذهلة التي تحدثها - متخلصة منها دائماً متلقية إياها من الموسيقى ثم رادة لها في سرعة الضوء. أركسيماك - وأنا إنما أفكر في قوة الحشرة التي تستطيع بهذه الحركات التي لا تحصى في أجنحتها أن تقيم صوتها وثقلها وشجاعتها. سقراط - هذه تضطرب في شرك لحظنا كأنها الذبابة الأسيرة، ولكن عقلي الطلعة يجري في أثرها ويريد أن يلتهم ما تحدث! فيدر - أيها العزيز سقراط! ألا تستطيع إذن أن تستمتع إلا بنفسك؟ سقراط - أيها الصديقان ما حقيقة الرقص؟ أركسيماك - أليس الرقص ما نرى؟ وأي شيء أوضح في تعريف الرقص من الرقص نفسه؟ فيدر - صديقنا سقراط لا يرضى حتى يصل إلى نفس كل شيء بل إلى نفس النفس. سقراط - ولكن ما الرقص وما عسى أن تقول الخطى؟ طه حسين

стр. 2330

أحدث المبادئ الاجتماعية؟! للأستاذ حسن جلال المنظر الأول (شابان - فتى وفتاة عليهما سيما الجد الذي يقارب العبوس، يدخلان) (المكتب) ثم يتقدمان إلى صدر المكان حيث تجلس العاملة) المنوطة بأعمال المكتب فتدور بينهما المحاورة الآتية التي تبدأها العاملة عادة) فتاة المكتب - زواج أم طلاق؟ الفتى - طلاق - هل لكما أبناء؟ - كلا! - وما اسمك أيها السيد؟ - اسمي. . . . . - وما اسمك أيتها السيدة؟ - اسمي. . . . . - هاكما الأوراق (يستلم كل من الشابين ورقته ولكنه يظل واقفاً في مكانه كأنه لا يصدق أن كل ما كان بينه وبين صاحبه قد انتهى على إثر هذا الحوار البسيط. . . وتتنبه فتاة المكتب فتدرك ما هما فيه وتقول): - لقد انتهى كل شيء. - أليست هناك إجراءات أخرى؟ - كلا. لقد أصبح كل منكما حراً. إن شاء بقي كما هو وإن شاء تزوج بمن يشاء! - شكراً. (وينصرفان) المنظر الثاني (زوج آخر من الشبان. ولكنه فتى باسم وفتاة باسمة. يتقدمان أمام فتاة المكتب ليحلا محل

стр. 2331

الزوج السابق) - زواج أم طلاق؟ - زواج! - ما اسمك أيها السيد؟ - اسمي. . . . . . . - وما اسمك أيتها السيدة؟ - اسمي. . . . . - دونكما الأوراق. أرجو لكما وقتاً سعيداً! شكراً (وينصرفان هذه المرة بسرعة) هذه هي العملية التي يقال إنها تتكرر اليوم عشرات المرات في (مكاتب الزواج والطلاق) في روسيا الحمراء. وهي لا تشبهها في سرعتها وبساطة إجراءاتها إلا عمليات تناول الطعام في محلات (السندوتش) الرشيقة التي تملأ القاهرة اليوم. قضمة من بعدها أخرى، ثم كوب الماء ودفع القرش. وتنتهي العملية هنا أيضاً مما تنتهي به عادة في بلاد السوفيت: - شكراً (وينصرف) ترى أهو لصالح الجماعة هذا النظام، أم هو هادم لكيانها؟ أما أنصاره فيقولون إن (الزواج) كما يعرفه العالم اليوم لم يزد على أن يكون إحدى العادات المدنية التي اعتادها الإنسان فخرجت به عن فطرته الأولى حيث الحرية التامة وعدم التقيد بأي قيد. وإنه لجدير بإنسان الجيل الحاضر أن يتحرر من هذا القيد كما تحرر من كثير من أمثاله. لقد خبر الناس نظام الزواج أجيالاً من بعدها أجيال، فهل سعدت الإنسانية باتباعه أم شقيت؟ وهل استراح الإنسان في حظيرة الأسرة وارتقى مستواه. أم فقد تحت أثقالها حيويته، وتبددت داخل أسوارها مطامعه وآماله، وناء بأعباء العيش وتربية البنين ورعاية البنات؟ ثم يقولون وما شأن هذا النظام بالحياة الفاضلة التي ينشدها الإنسان؟ أليست جريمة الزنا وليدة هذا النظام؟ وهل في العالم اليوم جريمة أوسع انتشاراً من هذه الجريمة التي يمارسها الملوك والصعاليك على السواء؟

стр. 2332

وإذا كان هذا النظام هو الذي طوح بالجماعة إلى هذه النهاية المحزنة التي أصبحت الرذيلة شعارها. أفليس من العقل أن يعدل الإنسان عن هذا النظام؟ ثم يتساءلون متى كانت صلة الرجل بالمرأة صلة دائمة في طبيعتها حتى يحتم لها الإنسان هذا الدوام في صورة عقد الزواج الحالي؟ ألم يثبت عن تجربة أن صلة الرجل بالمرأة لا يمكن أن تدوم حية إلى أبعد من بضع سنوات؟ ألم تنته هذه الصلة عند ملايين الناس في كل زمان ومكان إلى الفتور والبرود؟ ألم تعالج بعض الأديان هذه الحالة بوضع نظام آخر فيه معنى التجديد. وحاولت التخفيف من قيود الزوجية لا بتيسير الطلاق وحده بل بإباحة تعدد الزوجات؟ ففيم التقيد إطلاقاً بنظام الأسرة؟ إن انهيار نظام الملكية الفردية في روسيا يؤدي حتماً إلى زوال السرقة، وكذلك انهيار الأسرة الحالي يؤدي حتماً إلى زوال جريمة الزنا ويمهد الطريق لأن تنتشر في الكون حياة فاضلة سعيدة! هذا ما يقوله الأنصار فاسمع ما يقوله المعارضون: لا شك أن السرقة جريمة شنيعة تتنافى مع طبيعة الأمن الذي ينشده كل إنسان سواء أكان من أنصار هذا المذهب أم ذاك. ولا شك في أن الزنا جريمة مرذولة لأنها أقسى أنواع السرقات. أليس لصها يسرق القلوب؟ وهل المرء إلا قلبه! ولكن أليس أقرب إلى الهزل منه إلى الجد أن يعالج الإنسان داء السرقة في المجتمع بإباحة أموال الناس عامة؟ وأن يعالج داء الزنا بهدر الأعراض؟ وهل الشيوعية إلا هذه الإباحة والهدر. فالمال فيها مال الدولة والأبناء فيها أبناء الدولة ولا شيء فيها إلا هو للدولة! الدولة أبوكم! الدولة أمكم! الدولة دينكم! هذه هي صيحات الشيوعية وتعليماتها لأهلها! وهذا هو المذهب الذي يدعو إليه الخارجون على نظام الأسرة الحالي. فهم في سبيل مكافحة الفقر عند المعسرين يفقرون الأغنياء. وفي سبيل إخفاء معالم جريمة الزنا يريدون أن يجعلوا من العالم كله ماخورة واحدة! وبعد

стр. 2333

فقد شهدت منذ قليل رواية جميلة عنوانها ` وترجموها بقولهم (مخالفة الشريعة) والرواية تسير حوادثها هكذا: يقبل من أقصى الأرض فتى وفتاة يريدان الالتحاق بإحدى الجامعات (الروسية) الحديثة. والشابان زوجان. ويرد الشاب أن يلتحق بكلية الطب فيصادف فيها الأستاذ ر - وهو ركن من أركان السوفيتية. فينفث في الطالب من روحه، ويتأثر الطالب بنفثاته، لأنه بعجب بعلمه ومقدرته في فن الجراحة الذي يدرسه عليه، وتكون من تعليمات الأستاذ لتلميذه أن (الحب حر) وأن رباط الزوجية معطل للنبوغ مقيد للمواهب. ويضرب له المثل بنفسه فيريه أنه هو غير متزوج، ولكنه يعاشر فتاة يحبها حباً كثيراً، وأنعه يسعد بهذا الحب أضعاف السعادة التي يمكن أن يشعر بها الأزواج. وتنسكب هذه المعاني انسكاباً في قلب الفتى الغض: فتفتر همته في حب زوجته الشابة لأنها ظللتها تلك الغشاوة التي نسجها من حولها أستاذه، وتحس الفتاة بما جد على فتاها من التطور والتحول. وتدرك أن أستاذه هو السبب في ذلك. فتتوجه إليه وتستغيث به في أزمتها التي تهدد حياتها، وتتوسل إليه أن يقوم طباع تلميذه وان يخفف من تلقينه هذه المبادئ التي توشك أن تهدم هناءهما. فيقول لها الأستاذ في جمود: - وماذا عليك إن تركك فتاك؟ - أن أحبه - سوف تنسين! - إن الحب لا ينسى! - أنت طفلة ينقصك علم كثير وخبرة كثيرة، كل شيء يا بنيتي يستطيع الزمن أن يجر عليه ذيل النسيان - ولكنني لا أطيق أن أراه يعلق بفتاة غيري. - هي الغيرة إذن! لقد أصبحت هذه العاطفة عتيقة عندنا يا صغيرتي! ونحن نعمل على مطاردتها من صدور الناس لأنها سر شقائهم. ثم ما بالك أنت لا تعلقين بفتى آخر فينسى كل منكما صاحبه في جو حياته الجديدة؟ إن الحب حر في هذه البلاد! وتنصرف عنه الفتاة يائسة

стр. 2334

وتشاء المصادفة، أن ترتاح في الوقت نفسه رفيقة الأستاذ إلى طلعة الطالب وفتوته فتعمل على إغوائه حتى يتم لها ذلك. وعندئذ توعز إليه أن يطلق زوجته الأولى ليتزوجها هي، ويقبل الفتى على ذلك متأثراً بروح أستاذه وتعليماته. وبجمال معشوقته وفتنتها وإغوائها ويتم بينهما الزواج. ويتلمس الأستاذ فتاته فلا يجدها، فيظل يبحث عنها في كل مكان حتى يهتدي إليها أخيراً بين ذراعي تلميذه. . وهنا ذروة القصة ونقطة انقلابها! ماذا ترى يكون موقف الأستاذ إزاء هذا المشهد البديع؟ لقد كانت تقضي تعليماته أن يدير ظهره ويذهب من توه يبحث عن فتاة أخرى ينسى عندها حبه الأول. ولكنه بدل أن يفعل ذلك وقف يحدق ثم يحدق ثم صر أسنانه وهو يوجه القول إلى فتاته: - ماذا تصنعين هنا؟ - الحب حر! أليس هذا من مبادئك؟ ولم يكن من الأستاذ إزاء هذا الجواب المفحم إلا أن تسللت يده في حركة خفية فأخرجت مسدسه من جيبه. وكانت طلقتان أصابت إحداهما الطالب المسكين فصرعته، وأصابت الأخرى عروسه فطرحتها إلى جانبه! وكانت هذه الخاتمة المروعة هي التطبيق العملي البديع لنظريات الأستاذ الخلابة في (حرية الحب) وفي مقدرة (ذيل الزمن) على نشر النسيان بين الناس، وفي بيان ما أصاب عاطفة الغيرة من الهزائم على يد هذه المذاهب الحديثة! حسن جلال

стр. 2335

الشعر للشعر أثر كبير في تاريخ الحياة الإنسانية، ولا يستطيع أحد أن ينكر ما أفادها بنغماته السحرية الجميلة، وموسيقاه الناطقة المؤثرة، وإذا كان العلم يعطينا مدداً نافعاً، وفوائد جليلة، فإن الشعر يمنحنا هبة أعظم شرفاً، وذلك لأنه يفتح على أرواحنا النوافذ المغلقة فيصلها بالحياة التي تجري أمامها، والنور الذي ينتشر حولها، ثم هو يعرض أمام أنظارنا الجمال الهاجع في الكون مجلواً في أبهى حلله، ذلك الجمال الذي هو زهرة الحياة الدنيا وفتنتها فما هو هذا الشعر الذي يقدم لنا كل هذه الهبات؟ أما أساتذة مدارسه التي أخذت تعلمه في الشرق فقد اهتدوا منذ القرون الأولى للهجرة إلى تعريفه بأنه (الكلام الموزون المقفى) ولا شك أن هذا تعريف قاصر لأنهم تناولوا به السور الخارجي الذي يحيط بمدينة الشعر فقط، أما المدينة نفسها وما تضج به من حياة وحركة، وما تموج به من حسن وجمال، فلم تسترع أنظارهم، ولم تجذب انتباههم، ولعل رواية الشعر الجاهلي هي التي ورطتهم في هذا التعريف الأبتر، فقد كان الشعر الجاهلي يروى سواء أكان بسيطاً أم لم يكن، وسواء أكان مؤثراً أم لم يكن، وسواء أكن مفهوماً أم غير مفهوم، وكان الرواة لا يطلبون في الشعر إلا أن يطن بالوزن والقافية، وأما المعنى الذي هو روح الشعر فلم يلق منهم عناية ولا دراية إلا في الأقل القليل، فلما أخذت المدارس تعلم الشعر وتقننه فهمت أن الوزن والقافية هما كل شيء فيه، واستن لها السنة الخليل بن أحمد أستاذ المدرسة الأولى فقد قال: والشعر هو ما وافق أوزان العرب، فمادام الكلام قد ارتدى برداء الوزن فهو شعر ولو لم يكن فيه روح تنبض، ولا حياة تخفق، والذي يدعو إلى الدهش هو أن هذه الفكرة السقيمة في الشعر استمرت قائمة في هذه المدارس طوال العصور المختلفة كأنها قضية منطقية مسلم بها، ولم يفكر الأدباء في الخروج عليها. نعم أتيح للجاحظ أن يتأثر بالمدرسة اليونانية فيقول: (إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير) ولكن للأسف لم يعن هو نفسه بهذا المعنى فيما جمع من الشعر بكتابه البيان

стр. 2336

والتبيين، وعلى الرغم من أن ابن خلدون انتقد المدارس السابقة في تعريفها للشعر، استمرت عند فكرتها، ولم تحاول أن تعتق نفسها من رق هذا الخطأ، ولا أن تطلق عقولها من أغلال هذا التقصير. والأمر في تعريف الغربيين للشعر على خلاف هذا، ولنلم بطرف من تعاريفهم، ولعله يلقي على الموضوع أشعة توضحه، يقول مستر بلوك: إنه لا يمكن تعريف الشعر بشيء سوى السحر، وكان أجدر به أن يعدل في كلامه فيقول إنه لا يمكن تشبيه الشعر بشيء سوى السحر، ومهما يكن فتعريفه لا يعطينا شيئاً أكثر من فكرة أولية لا تقبل التحليل، وقال مستر تيفر: إن كلمة الشعر ككلمة الجمال من الكلمات المبهمة التي تشمل مجموعة من الأشياء المختلفة تمام الاختلاف بالنسبة لاختلاف المنتجين، وانتهى إلى أنه يمكن تعريف الشعر بأكثر من هذا التعريف الرديء لمعاجم اللغة، واعترف مستر لمبورن بأنه لا يمكن تعريف الشعر إلا إذا عرفنا الحياة والحب، اللذين يترجم عنهما. وهكذا نجد النقاد من الإنجليز مضطربين أمام تعريف كلمة الشعر، فبعضهم يعرفها تعريفاً ناقصاً، وبعضهم يعرفها تعريفاً مبهماً، ويحجم كثير عن تعريفها لأنه لا يمكن تعريفها، أو لأنها ككلمة الجمال لا يمكن تحديدها، وبمعنى أوضح لأن الشعر عمل فني، وكأنما كتب على كل عمل فني ألا تحيط به التعاريف إحاطة تامة، وأياً كان فكلمة الشعر تعني شيئاً موجوداً أمامنا، يشرح خواطرنا، ويخاطب قلوبنا، ويؤثر في نفوسنا تأثيراً جميلاً، وإذا كنا لا نستطيع أن نحدد الشعر تحديداً تاماً يبين ماهيته فليس من العسير أن نقف على أساسه، ولعل أقدم من تكلم في هذا الموضوع كلاماً مستفيضاً هو أرسطو فقد قال: إن الابتكار أساس الشعر، فالشعر عنده صورة مخترعة يخلقها الشاعر بقوة خياله، والوزن عنده شيء إضافي يلحق بالصورة حين يتم خلقها في قلب الشاعر، وماذا؟ أيخترع الشعراء الأوزان التي ينظمون عليها كلامهم؟! وهل يخلق الشعراء الألفاظ التي يوقعون عليها نغمات عواطفهم؟ إن الوزن واللفظ ملك للغة، ليس لأحد أن يدعي شيئاً منهما لنفسه وإنما الذي يستطيع الشاعر أن يعزوه إلى نفسه فيصدق هو الصورة الطريفة التي يبتدعها، وهذه النظرية جميلة في ظاهرها، ولكنها ليست دقيقة كل الدقة، وعلى الرغم مما يظهر فيها من المغالاة في تقدير الشعر استمرت محتلة أفكار النقاد مدداً طويلة، حتى جاء المؤرخ اليوناني

стр. 2337

(ديونيسيوس) صاحب الأبحاث البلاغية الشهيرة، فعلق على الأوديسا تعليقاً انتهى فيه إلى أن أساس الشعر إنما هو الأسلوب، وقد تبعه كثير من النقاد في أوائل العصر الحديث، كل منهم يخطئ نظرية أرسطو، ويبرهن على أن الأسلوب والوزن لهما أثر كبير في صناعة الشعر والواقع أن الشعر عمل فني يقوم على أشياء لا على شيء واحد، فلا بد له من الصورة الفنية، والموسيقى الجميلة، والخيال البارع حتى يستطيع أن ينهض من الأرض فيحلق فوق رءوسنا في السماء. وقيمة الشعر ترجع إلى أنه يترجم عن احساسات الإنسان محاولاً أن يوقظ العواطف المقابلة في قلوب الآخرين، ومادامت هذه هي قيمته، فكل منا شاعر إلى حد ما، لأن كلاً منا يملك إحساساً، وقوة بها يترجم للآخرين عما يجيش بصدره، ولكن يجب أن نعرف أن هؤلاء الذين نسميهم شعراء هم في الواقع أرق من الشخص العادي شعوراً وألطف منه وجداناً، وهم أقدر على التعبير عما يحسون ويتأثرون، قد انقادت إليهم أعنة الكلام واستسلمت لهم شوارد الأوزان، فسهل عليهم تصوير ما في قلوبهم وإخراج ما تطفح به صدورهم، والذين يعنون بدراسة الشعر ونقده يجدون مواطن كثيرة لا يجذب جمالها قلوبهم، ولا يسترعي حسنها عقولهم، يلفتهم الشاعر إليها بصوره الساحرة التي يعرضها، وموسيقاه الجميلة التي يغني بها، ولقد أحسن كيتس حين قال: (ربما جعل الله لك يا بني هذا العالم جميلاً في نظرك كما هو جميل في نظري) وحقاً أن الشاعر يتراءى له العالم جميلاً أو قبيحاً أكثر مما يتراءى لنا، وكثيراً ما يجعل الأشياء التي تبدو لنا قليلة القيمة أنيقة معجبة بما يصور من جلالها وما يظهر من جمالها. وأول محاولة في الشعر هي ترجمة العاطفة الثائرة في قلب الشاعر، فقياس الشعر ليس هو المنطق، وإنما هو العاطفة، ونحن لا نسمع لشعر الشاعر، ولا لغنائه لأنه أكثر عقلاً من غيره، بل لأنه يجعلنا نشعر بحياة قلوبنا وأحاديث وجداننا، والتعبير العاطفي هو الشعر ولكن إذا حمل لباساً جميلاً، وشكلاً أخاذاً وموسيقى بارعة، فإذا لم يحمل ذلك لم يكن شعراً بالمعنى المعروف، لأن الشعر لا يتطلب حياة عاطفية فقط، بل هو يتطلب إلى ذلك الأسلوب الجميل والموسيقى المؤثرة، ويجب أن تكون الموسيقى قوية، وطبيعية، وحرة، لتستطيع عواطف الشاعر وأفكاره أن تبقى خالدة على وجه الدهر، أما إذا كانت الموسيقى

стр. 2338

ضعيفة واهنة، أو نافرة جامحة، أو أسيرة سجينة، فإنها تفسد على الشاعر شعره، والموسيقى الشعرية لا تستطيع أن تحيا بدون التعبير العاطفي لحظة من الزمن، بخلاف التعبير العاطفي فإنه يستطيع أن يحيا، بدون الموسيقى فيكون نثراً أدبياً، وبقوة تعبيره وجمال تصويره تكون قيمته في هذه الحياة الفنية التي وقف عندها. ويجب أن تكون لغة الشعر سلسة عذبة، جميلة في مرأى العين وسمع الأذن، لا يعوزها الحسن ولا ينقصها الرواء، كما يجب أن يكون الأسلوب متماسكاً متراكباً ليعبر تعبيراً واضحاً مسرعاً عن غايته، وحسن البيان ضروري في الشعر حتى لا يقعد به سوء التعبير عما يريد الإفصاح عنه، والواجب أن يهتم الشاعر بهذه الأشياء جميعها لأنها اللباس، وكثيراً ما يدل اللباس على صفات لابسه. وكل العواطف صالحة لأه تكون موضوعاً للشعر يترجم عن مستورها ويفصح عن خبيئها، ولكن ليست العواطف كلها في مرتبة واحدة غير متفاوتة، بل منها القوي ومنها الضعيف، فإذا ترجم عن عاطفة ضعيفة فأن شعره يتدلى معها إلى أسفل فتنقص من حسنه وتغض من روعته، ويجب أنه يكون القلب الذي يعبر عن هذه العواطف سليماً غير مريض، فأن القلب هو الذي يمثل مرض الإنسان، أما القلب المريض فلا يجد من يحمله، وما أشبه العواطف بجداول مياه تنساب من لقلب فيميلها كيف يشاء. وخير العواطف ما كان يبعث على الحياة والقوة كعاطفة الإعجاب التي تملأ قلب الشاعر فتجعله يصف الأسد مثلاً، وسمو هذه العاطفة راجع إلى أن القوة مظهر الحياة، وهي تعجب الإنسان أكثر من أي مظهر آخر، فالإنسان دائماً يعتز بقوته ويخفي سوأة الضعف التي قد تتراءى له في زوايا نفسه، يتجاهلها، ويتعامى عنها، ويبعدها عن نفسه كلما ألمت به، ولهذا كانت العواطف التي تبعث على الحزن ضعيفة، لأن الألم والبكاء تنفر منهما النفس وتفر بطبيعتها إذ الإنسان لا يرضى أن يعترف بضعفه، وإذا اعترف لم يبق على هذا الاعتراف طويلاً، ومن العواطف الضعيفة عاطفة المدح فإنها عاطفة شخصية تتصل بنفس الشاعر وذاته، ولا تعبر عن شيء عام يشترك فيه الجميع. نعم إن تخلصت من ذاتيتها، فمدحت المروءة أو حضت على خلق كريم تغير حالها، وعلت مرتبتها، لأنها حينئذ تفصح عن شيء يشترك فيه الجميع ويقدره.

стр. 2339

والعاطفة، ليست وحدها كل شيء في الشعر بل يجب أن تضاف إليها الفكرة التي تنظمها وتهيئها للحياة والظهور، وكل الفنون ماعدا الموسيقى لابد فيها من الفكرة حتى تتلذذ العاطفة، وليس من الواجب أن تخترع الفكرة، وإنما الواجب أن تظهر في معرض جديد يوضح عمل صاحبها وقوة إيمانه بها، والشعر قد يكون فكراً خالصاً فيبحث في أعمق المسائل التي تشغل عقول الفلاسفة من مثل طبيعة الخير والشر، وحينئذ لا يكون شعراً بالمعنى الصحيح إلا إذا امتزج بالقلب فأصبح عاطفة قوية تفيض منه لا من العقل , تخاطب الشعور والوجدان قبل أن تخاطب الأفكار والأذهان , ولقد أحس قدماؤنا حين قالوا (الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان). والشعر في الواقع رسالة كرسالة الأنبياء، فهو يقوم على الإلهام أكثر من أي شيء آخر، والأيمان بالفكرة ووضوحها هما الملكان اللذان يوحيان إلى الشاعر بالمعاني الجميلة المعجبة، والصور الفريدة المعجزة، فيخرج للناس أفكاره نيرة واضحة، كأنها وهج الحريق في الليل البهيم، فر تجد تكلفاً ولا تعملاً، وإنما هي زهور جميلة ينثرها الشاعر على رغمه كما ينثر الزيتون زهوره، وما أشبه الفكرة القلقة يقولها الشاعر بالعصفور المضطرب الحيران التائه من عشه، ويجب أن تكون الفكرة قوية، ليكون الشاعر مبدعاً، رائعاً حتى إذا أراد أن يحلق في السماء انتهى إلى أعلاها فكان نجماً زاهراً بين نجومها، وللأسف نجد الشعر العربي تعوزه القوة في كثير من الأحيان، ولعل هذا هو السر في أن الشاعر العربي إذا أراد أن يحلق فوقنا ارتفع ارتفاع السحاب في السماء الدنيا ولم يستطع الارتفاع إلى أعلى أكثر من ذلك، لأن أجنحته ليست قوية، على أنه سرعان ما يدنو إلينا وينزل من سمائه إلى أرضنا. والعواطف والأفكار لا تكون وحدة الشعر بنفسها، وإنما الذي يصنع ذلك هو الخيال الشعري، فهو المنظم للأفكار والعواطف وهو المخرج لها، هو الذي يجمعها وينفحها بروح من لدنه فتستوي ناطقة معبرة نشخص لها ونعجب بجمالها، وإذا شاهد شخص حديقة جميلة في مكان وجاء يقول: لقد رأيت حديقة بها أزهار وأشجار ومياه لم يكن هذا شعراً، وإنما الشعر حقاً هو الذي يحمل للناس أبهة الخيال فيظهر للناس في وحدة جميلة بديعة تسترعي الأنظار، وتخلب الألباب، وأي خيال أجمل من قول كيتس (يوجد الغد مبرعماً في نصف

стр. 2340

الليل) شوقي ضيف بكلية الآداب

стр. 2341

الحركة الوطنية الاشتراكية الألمانية ٣ - البرنامج الداخلي في طور التنفيذ للأستاذ محمد عبد الله عنان رأينا كيف نشأت الوطنية الاشتراكية الألمانية واستمدت قوتها من عوامل اليأس والفوضى التي غمرت الشعب الألماني عقب الحرب، ومن مختلف المصائب والمتاعب التي توالت عليه من جراء شروط الصلح وأعبائه، ومن تفاقم الخطر الشيوعي، وفشل الديموقراطية والنظم البرلمانية في معالجة الحالة وتسيير الشؤون، من تفاقم العطلة والأزمة الاقتصادية؛ هذا من الناحية السلبية، وأما من الناحية الإيجابية فإن وعود الوطنية الاشتراكية في العمل على تحقيق وحدة ألمانيا وسلامها ورخائها؛ ومكافحة الخطر الشيوعي وحل مشكلة العطلة، وإنهاض الزراعة والصناعة والتجارة ومعالجة الأزمة الاقتصادية بوجه عام؛ ثم في تحرير ألمانيا من عسف الظافر ومن أعباء معاهدة الصلح؛ كانت كلها تبث الأمل والانتعاش في الجموع وفي الشباب بنوع خاص، وتحشد خول علم الوطنية الاشتراكية ملايين الأنصار. والآن لنر كيف عملت الوطنية الاشتراكية لتنفيذ برنامجها الداخلي منذ قبضت على مقاليد الحكم في ٣٠ يناير الماضي. لم تمض أسابيع قلائل حتى استأثر الهر هتلر وحزبه بكل سلطة حقيقية، وغمر تيار الوطنية الاشتراكية ألمانيا من أقصاها إلى أقصاها، وبدأت ككل حركة ثورية تنفذ برنامجها بمنتهى العنف والسرعة. فوجهت ضرباتها الأولى إلى الشيوعية والديموقراطية؛ سحق الشيوعية أو الماركسية من غاياتها الرسمية كما بينا، ولكنها اتجهت إلى سحق كتلة اليسار كلها باعتبارها مسئولة عن كل مصائب ألمانيا منذ خاتمة الحرب؛ وجدت في مطاردة الحزب الشيوعي فمزقته أبلغ تمزيق وصادرت مراكزه وأمواله وصحفه ونشراته، واعتقلت كل زعمائه ونوابه وأنصاره، وسحقت دعايته بكل ما وسعت، ومزقت الحزب الديموقراطي الاشتراكي أعظم الأحزاب البرلمانية منذ نهاية الحرب، ونكلت بزعمائه ونوابه وأنصاره، واعتقلتهم كالشيوعيين آلافاً مؤلفة، وصادرت كل مراكزه وصحفه، واختفت الشيوعية والديموقراطية من ألمانيا بسرعة مدهشة، في الظاهر على الأقل؛ وحققت الوطنية الاشتراكية الألمانية في ذلك ما حققته الفاشستية الإيطالية يوم قيامها، بيد أنها كانت أشد

стр. 2342

عنفاً وقسوة؛ وكانت وسائلها أشد إثارة وإغراقاً، ولا ريب أن سحق الوطنية الاشتراكية للشيوعية كانت عملاً جليلاً، بل لعله أجل خدمة أدتها إلى ألمانيا وإلى الدول الغربية كلها، ذلك أن البلشفية (الشيوعية) خطر اجتماعي على النظام والمدنية كلها، وكانت قد تقدمت في ألمانيا إلى حدود مروعة، وكانت تحمل أكبر تبعة فيما أصاب ألمانيا من الاضطراب والخراب والفوضى، وكانت ألمانيا ومازالت حاجز البلشفية من الشرق، بيد أن الوطنية الاشتراكية كانت متطرفة مغرقة في مطاردة الديموقراطية، وكانت تقصد بسحقها إلى غايات حزبية لا إلى غايات قومية، بل لم يقف الحزب الوطني الاشتراكي عند سحق كتلة اليسار، ولم يطق أن يرى إلى جانبه أي حزب آخر في ألمانيا مهما حمدت مبادئه ووسائله، فمال على الحزب الوطني الألماني، وحزب الوسط الكاثوليكي؛ وهما الحزبان اللذان حالفاه وعاوناه على استخلاص الحكم والسلطة المطلقة؛ وانتهى بحلهما وإدماج أنقاضهما فيه، وبذلك اختفت كل الأحزاب البرلمانية السابقة من ميدان السياسة الألمانية، واستطاع هر هتلر أن يفرض الوطنية الاشتراكية على ألمانيا كلها. ولما كانت الوطنية الاشتراكية حركة طغيان مطلق، وقد بدأت بتعطيل الحياة الدستورية، فقد كان طبيعياً أن تعمل على إخماد جميع الحريات الدستورية حتى لا تقف عثرة في سبيلها. ولم تكتف في ذلك بمطاردة خصومها السياسيين إلقائهم في ثكنات الاعتقال آلافاً مؤلفة دون أية تهمة، وإصدار القوانين الاستثنائية المختلفة بل عمدت إلى الصحافة مظهر الرأي الحر فسحقتها وأخضعتها لرأيها ووحيها، وجعلتها تابعة لوزارة الدعاية التي أنشأتها؛ وعطلت كل صحيفة مخالفة في الرأي، وجعلت مهنة الصحافة نوعاً من المهن الرسمية. وكما أنه لا يستطيع اليوم إنسان في ألمانيا أن يرفع بالاعتراض على شيء من أعمال الحكومة، فكذلك لا توجد صحيفة ألمانية واحدة تستطيع أن تقول رأياً غير رأي الحكومة، ووزارة الدعاية (ووزيرها الدكتور جبلز) هي التي ترسم للصحافة كلها خططها وتلقي إليها أوامرها ووحيها. والشعب الألماني لا يعرف من سير الحوادث والشئون في ألمانيا إلا ما تذيعه صحافته الرسمية. ولم تفعل الوطنية الاشتراكية الألمانية في ذلك سوى أن حذت حذو البلاشفة في روسيا والكماليين في تركيا والفاشست في إيطاليا. ومن الطبيعي أنه حيثما قام الطغيان المطلق تنعدم كل ألوان الحرية الفردية. وهذا ما وقع في ألمانيا. ويفسر لنا أنصار

стр. 2343

النظام الهتلري ذلك بأن ألمانيا قد أصبحت كلها تدين بمبادئ الوطنية الاشتراكية وغاياتها وتؤيد سياستها ووسائلها بكل ما وسعت؛ ولكن كيف يمكن استجلاء الرأي العام إذا جرد من كل وسائل الإعراب والإفصاح؟ هذا وأما من جهة تركيز السلطة فقد خطت الوطنية الاشتراكية في ذلك خطوة جريئة؛ وأصدر المستشار هتلر مرسوماً يقضي بإلغاء استقلال الحكومات والمجالس الاتحادية ويخضعها بطريقة مباشرة لسلطة الحكومة المركزية ويجردها من لك سلطة معارضة؛ وتلك بلا ريب خطوة هامة في سبيل تدعيم الوحدة الألمانية؛ وتدعيم هذه الوحدة كما رأينا من أخص غايات الوطنية الاشتراكية. ونستطيع أن ندرك أهمية هذا الانقلاب متى ذكرنا كيف كانت الحكومات المحلية في بعض الولايات القوية (مثل بافاريا) تقاوم في كثير من الأحيان سياسة الحكومة المركزية وأعمالها. وكيف كانت الدسائس الأجنبية تتسرب إليها لتنظم فيها دعوة الانفصال (مثلما حدث في منطقة الرين أيام احتلال الحلفاء) تمزيقاً لوحدة ألمانيا وأضعافاً لها. وقد حقق هر هتلير في ذلك غاية جليلة، وأتم العمل العظيم الذي بدأه بسمارك في سبيل الوحدة الألمانية. وثمة خطوة أخرى اتخذت في سبيل تركيز السلطة السياسية هي إلغاء نظام النقابات القديم وتنظيمها طبقاً لدستور جديد يحرم عليها كل عمل سياسي ويجعلها بما تضم من ملايين عديدة خاضعة للحكومة من حيث توجيهها الاقتصادي والاجتماعي؛ وهذا أيضاً تقليد من جانب الوطنية الاشتراكية للفاشستية الإيطالية التي عرفت قوة النقابات فنظمتها واستخدمتها لغاياتها. وقد بذلت الحكومة الوطنية الاشتراكية جهوداً لا بأس بها لمكافحة العطلة وإنعاش الزراعة والتجارة؛ وحذت حذو الفاشستية في العناية بأخلاق النشء ومطاردة ألوان الفساد الاجتماعي والجنسي، وتعزيز الميول الرياضية والأخلاق المحافظة؛ وفي الحد من حرية المرأة وتدخلها في الشئون العامة، وتوجيهها إلى المنزل والأسرة. وتلك من عناصر قوتها وتقدمها. والآن ننتقل إلى مشكلة من أخطر وأدق المشاكل التي أثارتها الوطنية الاشتراكية الألمانية: تلك هي مشكلة الجنس وتطهيره وتفوقه، أو بعبارة أخرى هي المسألة اليهودية: ونحن نعرف أن سحق اليهودية الألمانية غرض أساسي من أغراض الوطنية الاشتراكية، وأنه

стр. 2344

أدمج منذ الساعة الأولى في برنامج الحزب الوطني الاشتراكي في مادة خاصة هذا نصها: (لا يحق لغير أعضاء الأمة أن يكونوا موظفين في الدولة، ولا يحق لغير أولئك الذين ينحدرون من دم ألماني مهما كان مذهبهم أن يكونوا أعضاء في الأمة؛ وإذن فليس ليهودي أن يكون عضواً في الأمة) (المادة الرابعة): ويخصص هر هتلر في كتابه (جهادي) حيزاً كبيراً لنظرية الجنس؛ ويشرح بإفاضة خطر الجنس اليهودي وخواصه المنحطة؛ ويعتبر الجنس الآري وحده أهلاً لإنشاء الحضارة، والجنس اليهودي أشد الأجناس هدماً للحضارة؛ وإن الحضارات الإنسانية العظيمة لا تفنى إلا لأن الجنس المنشئ لها يفنى بامتزاج الدم وتسممه، وأن تاريخ الأمم الآرية يدل على أنها تنحط وتتدهور كلما انحرفت عن مبدأ فصل الأجناس وامتزجت بالشعوب المغلوبة؛ ويعدد هتلر مزايا الجنس الآري، ثم يتحدث عن خواص الجنس اليهودي، فيقول أنه جنس يضطرم بالأثرة، وأنه ذكي ولكنه مقلد مجرد من الابتكار والطرافة، وأنه لم يخلق لنفسه أية حضارة خاصة، ولا يحدوه أي مثل أعلى: ثم يصف الطرق التي يتبعها اليهودي في دخول المجتمعات الجرمانية، فيقول أنه يحل في أثر الجيوش الأجنبية، ويتقدم كتاجر ويشتغل بالوساطة والربا الخطر، ويحتكر التجارة ويرهق الفلاحين؛ ويجتمع اليهود في أحياء أو مجتمعات خاصة، وينشئون بذلك دولة داخل الدولة، ثم يملقون رجال السلطة والأمراء ويمدونهم بالمال، ويستظلون بنفوذهم وحمايتهم، ويسيطرون على البورصة والإنتاج؛ ثم يملقون الشعب ويبدون له في ثوب محبي الإنسانية وأصحاب النظريات الحرة، ويتكلمون الألمانية ولكنهم يحرصون كل الحرص على نقاء جنسهم، ويستعملون لتعزيز نفوذهم أداين قويتين هما الصحافة والبناء الحر (الماسونية). هذا من الناحية الاجتماعية، وأما من الناحية السياسية، فإن هتلر يعتبر الشيوعية (المركسية) يهودية في أصلها وفي غاياتها؛ ويقول لنا إن الوطنية الاشتراكية تؤمن بزعامة الجنس وأهمية الفرد وتجل الزعامة والفكرة الارستوقراطية، ولكن المركسية ديموقراطية حرة تحل مكان الفرد فكرة الجماعة وتتخذ من ذلك وسيلة لتمكين اليهودية من الاستئثار بالنفوذ العالمي. وليس فيما يقوله هر هتلر عن اليهودية شيء جديد. وإنما هو ترديد فقط للنظرية الألمانية القديمة التي قامت عليها خصومة السامية الحديثة. وكان الكاتب الألماني كرستيان لاصن

стр. 2345

أول من نوه في منتصف القرن الماضي بأهمية الفوارق الجنسية بين الجنس الآري والجنس السامي، وبتفوق الآريين في الذهنية والخواص الجنسية على الساميين، وتبعه المؤرخ الفرنسي رينان في التنويه بانحطاط الأجناس السامية. وقد كانت ألمانيا منذ أواخر القرن الماضي مهداً خصباً لخصومة السامية (أ. حركة اضطهاد اليهود) وكان بسمارك قبل قيام الإمبراطورية يصادق اليهود ويعتمد عليهم في تحقيق سياسته لأنهم كانوا بين الأحرار قوة بارزة، وكان الأحرار يؤيدون وحدة ألمانيا، فلما تحققت الوحدة الألمانية انقلب بسمارك لمحاربة الأحرار واليهودية ووجد في خصومة السامية سلاحاً قوياً، وتفاقمت الحركة غير بعيد، وأيدها المحافظون ورجال الدين وسرت الصحية بأن اليهود خطر على ألمانيا والفت صداها في الرأي العام بقوة. وعرض اليهود إلى صنوف الاضطهاد والزراية واقترح بعض النواب إبعاد اليهود عن الوظائف والمدارس، ونظمت الجهود لمقاطعة التجارة اليهودية، وكادت الحركة تضرم في ألمانيا نار الحرب الأهلية لولا أن رأى جماعة من العقلاء والمفكرين وعلى رأسهم ولي العهد (الإمبراطور ولهلم الثاني فيما بعد) خطورة الحركة وسوء عواقبها، فأذاعوا منشوراً وقعه كثير من أعلام العصر شرحوا فيه أخطار هذه الخصومة القومية، ووصفوها بأنها وصمة في شرف ألمانيا، وناشدوا الشعب أن يخلد إلى السكينة والاعتدال فهدأت الحركة واضمحلت بسرعة وانصرف عنها معظم العقلاء والمعتدلين، وهذه نفس النظرية - نظرية الخصومة السامية - التي نقلها هر هتلر وصاغها في برنامج حزبه كمبدأ أساسي يجب أن تعمل الوطنية الاشتراكية مذ تولت مقاليد الحكم لسحق اليهودية بمنتهى العنف والقسوة والسرعة، فطاردت اليهود في كل مناحي الحياة العامة بشدة، وقضت الحكومة الهتلرية بطرد جميع الموظفين غير الآريين (اليهود) من وظائفهم في جميع مصالح الحكومة المركزية والمحلية، وإقصاء جميع المستخدمين والعمال اليهود عن أعمالهم في جميع الجهات والهيئات والأعمال، وعزل جميع القضاة وأساتذة الجامعات والمعلمين اليهود، وقضت بطرد الأطباء اليهود من جميع المستشفيات العامة وشطب أسمائهم من سجل الأطباء والجمعيات الطبية، وفرضت عليهم في مزاولة العمل الخاص قيوداً تستحيل معها مزاولة المهنة، وحرمت على معظم المحامين اليهود مزاولة مهنتهم،

стр. 2346

وحرمت على اليهود في المستقبل مزاولة المهن والأعمال التي تقتضي درجة عالية من التعليم، وجعلت للطلبة اليهود في المدارس الثانية والعالية نسبة ضئيلة، وحددت نسبتهم في، المستقبل بواحد في المائة، ونظم الحزب الوطني الاشتراكي من جهة أخرى مقاطعة التجارة اليهودية في سائر ألمانيا، ونفذها بطريقة رسمية يوم أول أبريل الماضي رداً على دعوة اليهودية في الخارج إلى مقاطعة التجارة الألمانية، وعلى الجملة فإن الحكومة الألمانية لم تترك حقاً مدنياً أو سياسياً لليهود إلا سلبته ولم تترك لهم وسيلة مشروعة للحياة والعيش والعمل إلا سحقتها، وصيغ ذلك كله في طائفة من القوانين الاستثنائية التي لم يسمع بها، ونفذ في غمر من المناظر المروعة، وارتكبت خلال تنفيذه سلسلة من الاعتداءات والجرائم المثيرة كانت لها في الرأي العالمي أشد وقع، واتخذت ذريعة لحملات شديدة على الوطنية الاشتراكية الألمانية وعلى مبادئها ووسائلها. ولا نقف طويلاً عند هذه الحوادث المعروفة، ولكن يحسن أن نلخص الأسباب والحجج التي تبرر بها الوطنية الاشتراكية موقفها. فهي تقول إن اليهود يبلغون في ألمانيا نحو واحد في المائة فقط من مجوع الشعب الألماني (نحو سبعمائة ألف من ٦٥ مليوناً) ومع ذلك فقد استطاعوا في ظل الحكومات الديموقراطية أن يحصلوا على أعظم قسط من النفوذ والسلطان في دوائر الحكم والمالية والثقافة والمهن الحرة والفنون والتجارة والصناعة، وكل مقومات الحياة العامة، وأنهم بلغوا في بعض هذه، الميادين نسباً لم يسمع بها، مثال ذلك أن نسبة الأطباء اليهود في برلين بلغت ٥٢ في المائة من المجموع وبلغت أكثر من ذلك في المحاماة، وبلغت نسبتهم في دوائر البورصة تسعين في المائة، ووصلت أيضاً في دوائر التعليم إلى حدود مزعجة، مثال ذلك أنه كان بجامعة برزولا سنة ١٩٣١ من الأساتذة اليهود ٢٥ في المائة في كلية الفلسفة و٤٧ في المائة في كلية الحقوق و٤٥ في المائة ف كلية الطب. وأما في الدوائر المالية فقد كان نفوذهم فوق كل نفوذ، مثال ذلك أنه في سنة ١٩٢٨ كان خمسة عشر يهودياً يسيطرون على إدارة ٧١٨ شركة ألمانية وهكذا. وتزيد الوطنية اشتراكية أن كثيراً من اليهود الذين تقصدهم بالمطاردة ليسوا من اليهود الألمان، ولكنهم وفدوا على ألمانيا عقب الحرب من أوكرانيا وغاليسيا وبولونيا وأنهم من العناصر المنحطة التي يخشى منها على سلامة الجنس الجرماني. بيد أن مطاردة اليهودية في ألمانيا كانت

стр. 2347

عامة شاملة كما تقدم. والواقع أن الوطنية الاشتراكية الألمانية لا تقف في صوغ نظرية تفوق الجنس وفهمها عند هذا الحد، بل تذهب في ذلك إلى أبعد مدى. فهي تنادي بتفوق الجنس الآري على جميع الأجناس الأخرى لا على الجنس اليهودي وحده، وترى أن الأجناس غير الآرية كلها أجناس منحطة، وتعتبر شعوب البحر الأبيض الجنوبية والشعوب السامية والشرقية بوجه عام كلها من الشعوب المنحطة التي يجب أن يستعبدها الجنس الآري، ويجب أن يحرص على نقائه من الامتزاج بها. وهذه نظرية تستحق منا نحن المصريين والشرقيين عامة تأملاً خاصاً. ولسنا في حاجة لأن نقول إنها لا تقوم على سند من العلم أو البحث أو التفكير السليم، لأنها ليست إلا مظهراً جديداً لما تجيش به الشعوب الغربية نحو الشرق من أثرة وتحامل وليست إلا عنواناً جديداً لتلك النزعة الاستعمارية الغربية التي ترى في الشرق أبداً فريسة يجب التسابق لاقتسام أشلائها. على أن إغراق الوطنية الاشتراكية في نزعتها الجنسية وما أثارته باسمها من ضرام الخصومة السامية، وما لجأت إليه في تنفيذ سياستها من العنف والبطش. انتهت إلى نتائج لم تكن تتوقعها، فقد اتخذت كما قدمنا مادة لحملات شديدة على ألمانيا في معظم دول العالم، وكان لذلك أثره في هيبة ألمانيا وسمعتها ومصالحها الخارجية، وكان أكبر عامل في تحول الرأي العام في إنكلترا وأمريكا عن مناصرة ألمانيا في ميدان السياسة الدولية. هذا ما فعلته الوطنية الاشتراكية الألمانية لتنفيذ برنامجها الداخلي وسنرى في الفصل القادم كيف سارت في تنفيذ برنامجها الخارجي. محمد عبد الله عنان

стр. 2348

وقفة ثالثة على جسر إسماعيل أما أنا فلم أقف على هذا الجسر. . لأن مشيتي عليه كانت أقرب إلى العدو منها إلى الوقوف. . . . إن شيئاً فقد مني فكيف تطلب مني أن أقف. . .؟ دعني أسير لأبحث عنه. . ودع قلبي يسبق بصري إلى ما وراء الجسر. . . والجسر. . . ما وراؤه. . .؟ إنني لم أجد شيئاً. . . إن نفسي كانت حائرة. . . ولكن الحيرة لم تتطرق إلى بصري. . . فقد كان ساهماً جامداً مصوباً إلى ما وراء الجزيرة، إلى ما وراء الأفق. . . الشفق البعيد، ففيه قتمة من قتمة الليل. . وفيه ظلام من ظلم البشر. . . فكيف كنت تطلب مني يا سيدي أن أقف. . .؟ لقد كان (بافنوس) آثماً في بحثه عن (تأسيس). . لذلك كانت وقفاته كثرة. . أما أنا فلماذا أقف. . .؟ إن هرم (خوفو) بعيد عن الجسر. . فإذا وصلته فقمته بعيدة عن القاعدة. . . فإذا أدركتها فالفضاء وسيع فسيح. . . وقف أستاذي على جسر إسماعيل فتمهل وتريث. . . للجسر جمال. . . للطير تغريد. . . للماء بريق. . . أما أنا فلم أقف، لأن الأعمى لا يسر ناظريه ما قد يكون حوله من جمال أو بهاء أو رواء. . أما أنا فلم أقف لأن الأصم لا يطربه تغريد البلبل. . . والأذن المصلوم لا يزينه قرط. . أما أنا فلم أقف لأن المشرف على الغرق لا يتغزل في جمال الطبيعة ولا يستهويه خرير الماء أو تلاطم الأمواج إن النيل الذي يجري تحت الجسر لو خلبه سحر المنظر لوقف في مكانه يا سيدي كما وقفت. . . ولكنه مثلي مثقل بالهموم، مقيد بالأوهام، محمل بالأرزاء، لذلك يهرول باحثاً عن البحر. . . ليلقى فيه الغرين الذي يثقله. . . وليدفع عنه الشاطئ الذي يقيده. . وليذيب أرزاءه في صفائه، ويمزج سكونه في اضطرابه. . . . . والفرق بيني وبين النيل. . . أن النيل بجد بغيته، أما أنا فلا أجد. . . ثم وقف صديقي على جسر إسماعيل فتأوه وتأسى. . . فالأسد نائم. . . والثكنات متيقظة. . . حقاً يا صديقي إن من يرى دمعك ينهمل. . . لا تمهله دموعه. . . ولكن. . . . . . اعذرني يا صديقي لأنني لم ألق لك بالاً. . . ولم أسمع أنين قلبك وأنت واقف على جسر

стр. 2349

إسماعيل. . . لأن أنين قلبي قد طغى على نفسي فلم أر ولم أسمع. . . يا أستاذي. . . في نفسي قبس. ولكن بصري عليه غشاء. . . يا صديقي. . . في قلبي. . . من قلبك شعلة. ولكن خافقي مريض. . . . . . لقد بحثت عن حبيبتي في كل بقع الأرض فلم أجدها. . . . . من أجل ذلك رأيتني أسير مهرولاً على جسر إسماعيل محدقاً ببصري إلى ما وراء الجسر. . إلى ما وراء الأفق. . . إلى الشفق البعيد. . ففيه قتمة من قتمة الليل، وفيه ظلام من ظلم البشر. . . . . جورج وغريس

стр. 2350

كيف اختار المنصور موقع بغداد دالت دولة الأمويين وقامت على أثرها دولة بني العباس تسندها كواهل الفرس وتؤيدها سيوفهم، وكان لابد للدولة الجديدة من عاصمة جديدة، إذ يرى المتتبع لتاريخ العرب أن تغير العاصمة لابد منه عندما تتولى الحكم أسرة جديدة، ففي بدء الإسلام هاجر النبي (ص) من مكة واتخذ يثرب مقراً له فانتقل بذلك المركز السياسي لجزيرة العرب من مكة المدينة التجارية القديمة إلى يثرب التي سميت بعد مدينة الرسول، والتي أصبحت عاصمة الإسلام ومركز الحكومة، وبقيت كذلك في حياة النبي (ص) والخلفاء الراشدين الثلاثة من بعده أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلما آلت الخلافة إلى علي ﵇ اتخذ الكوفة مقراً، وحدث النزاع بينه وبين معاوية منافسه الذي مرت عليه عشرون سنة وهو أمير الشام. قد وطد فيها أمره وأسكن أقرباءه وأتباعهم، حتى إذا ما انتهى هذا النزاع بشهادة الإمام الحسن أصبحت دمشق حاضرة الإسلام، وكان موقعها مناسباً لأن تكون عاصمة حكومة الأمويين العربية، فهي واقعة وسط إقليم خصب، وهي قريبة من مكة والمدينة مركزي القوة الدينية كما أنها تقع على تخوم الصحراء العربية التي يتخذ الخلفاء من سكانها جنوداً يهاجمون بلاد الروم القريبة من دمشق أيضاً، ولم يكن يقلل من أهمية موقع دمشق أنها لم تكن واقعة على نهر صالح للملاحة، لأن تجارة المسلمين كانت حينذاك بسيطة تتبع طريق القوافل وتحمل على الإبل. وإذا ما صلحت دمشق لأن تكون حاضرة الأمويين، فإنها لا تصلح أن تكون حاضرة بني العباس، فهي مأهولة بأتباع الأمويين ومناصريهم وهي بعيدة عن بلاد فارس، مصدر قوة العباسيين ودعامة ملكهم، وفضلاً عن ذلك فقد أصبحت مهددة بالروم الذين اغتنموا فرصة ضعف الأمويين، فأخذوا يشنون الغارة تلو الغارة، كي يثأروا لاندحارهم القديم، فالعاصمة الجديدة إذن يجب أن تتجه نحو الشرق قريبة من بلاد فارس، ثم إن التبسط التجاري يقضي أن تكون على ماء يصلها بالبحر ومن هذا تعين أن يكون موقعها إما على الفرات وإما على دجلة، حيث لم يتردد العباسيون أن يجعلوها هناك. لما انتهى السفاح من حروبه ومذابحه ابتنى الهاشمية بجوار الأنبار المدينة الفارسية القديمة، واتخذها مقراً له وتقع هذه الهاشمية على ضفة
следующие страницы →