← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وحرمت على اليهود في المستقبل مزاولة المهن والأعمال التي تقتضي درجة عالية من التعليم، وجعلت للطلبة اليهود في المدارس الثانية والعالية نسبة ضئيلة، وحددت نسبتهم في، المستقبل بواحد في المائة، ونظم الحزب الوطني الاشتراكي من جهة أخرى مقاطعة التجارة اليهودية في سائر ألمانيا، ونفذها بطريقة رسمية يوم أول أبريل الماضي رداً على دعوة اليهودية في الخارج إلى مقاطعة التجارة الألمانية، وعلى الجملة فإن الحكومة الألمانية لم تترك حقاً مدنياً أو سياسياً لليهود إلا سلبته ولم تترك لهم وسيلة مشروعة للحياة والعيش والعمل إلا سحقتها، وصيغ ذلك كله في طائفة من القوانين الاستثنائية التي لم يسمع بها، ونفذ في غمر من المناظر المروعة، وارتكبت خلال تنفيذه سلسلة من الاعتداءات والجرائم المثيرة كانت لها في الرأي العالمي أشد وقع، واتخذت ذريعة لحملات شديدة على الوطنية الاشتراكية الألمانية وعلى مبادئها ووسائلها. ولا نقف طويلاً عند هذه الحوادث المعروفة، ولكن يحسن أن نلخص الأسباب والحجج التي تبرر بها الوطنية الاشتراكية موقفها. فهي تقول إن اليهود يبلغون في ألمانيا نحو واحد في المائة فقط من مجوع الشعب الألماني (نحو سبعمائة ألف من ٦٥ مليوناً) ومع ذلك فقد استطاعوا في ظل الحكومات الديموقراطية أن يحصلوا على أعظم قسط من النفوذ والسلطان في دوائر الحكم والمالية والثقافة والمهن الحرة والفنون والتجارة والصناعة، وكل مقومات الحياة العامة، وأنهم بلغوا في بعض هذه، الميادين نسباً لم يسمع بها، مثال ذلك أن نسبة الأطباء اليهود في برلين بلغت ٥٢ في المائة من المجموع وبلغت أكثر من ذلك في المحاماة، وبلغت نسبتهم في دوائر البورصة تسعين في المائة، ووصلت أيضاً في دوائر التعليم إلى حدود مزعجة، مثال ذلك أنه كان بجامعة برزولا سنة ١٩٣١ من الأساتذة اليهود ٢٥ في المائة في كلية الفلسفة و٤٧ في المائة في كلية الحقوق و٤٥ في المائة ف كلية الطب. وأما في الدوائر المالية فقد كان نفوذهم فوق كل نفوذ، مثال ذلك أنه في سنة ١٩٢٨ كان خمسة عشر يهودياً يسيطرون على إدارة ٧١٨ شركة ألمانية وهكذا. وتزيد الوطنية اشتراكية أن كثيراً من اليهود الذين تقصدهم بالمطاردة ليسوا من اليهود الألمان، ولكنهم وفدوا على ألمانيا عقب الحرب من أوكرانيا وغاليسيا وبولونيا وأنهم من العناصر المنحطة التي يخشى منها على سلامة الجنس الجرماني. بيد أن مطاردة اليهودية في ألمانيا كانت

стр. 2347

عامة شاملة كما تقدم. والواقع أن الوطنية الاشتراكية الألمانية لا تقف في صوغ نظرية تفوق الجنس وفهمها عند هذا الحد، بل تذهب في ذلك إلى أبعد مدى. فهي تنادي بتفوق الجنس الآري على جميع الأجناس الأخرى لا على الجنس اليهودي وحده، وترى أن الأجناس غير الآرية كلها أجناس منحطة، وتعتبر شعوب البحر الأبيض الجنوبية والشعوب السامية والشرقية بوجه عام كلها من الشعوب المنحطة التي يجب أن يستعبدها الجنس الآري، ويجب أن يحرص على نقائه من الامتزاج بها. وهذه نظرية تستحق منا نحن المصريين والشرقيين عامة تأملاً خاصاً. ولسنا في حاجة لأن نقول إنها لا تقوم على سند من العلم أو البحث أو التفكير السليم، لأنها ليست إلا مظهراً جديداً لما تجيش به الشعوب الغربية نحو الشرق من أثرة وتحامل وليست إلا عنواناً جديداً لتلك النزعة الاستعمارية الغربية التي ترى في الشرق أبداً فريسة يجب التسابق لاقتسام أشلائها. على أن إغراق الوطنية الاشتراكية في نزعتها الجنسية وما أثارته باسمها من ضرام الخصومة السامية، وما لجأت إليه في تنفيذ سياستها من العنف والبطش. انتهت إلى نتائج لم تكن تتوقعها، فقد اتخذت كما قدمنا مادة لحملات شديدة على ألمانيا في معظم دول العالم، وكان لذلك أثره في هيبة ألمانيا وسمعتها ومصالحها الخارجية، وكان أكبر عامل في تحول الرأي العام في إنكلترا وأمريكا عن مناصرة ألمانيا في ميدان السياسة الدولية. هذا ما فعلته الوطنية الاشتراكية الألمانية لتنفيذ برنامجها الداخلي وسنرى في الفصل القادم كيف سارت في تنفيذ برنامجها الخارجي. محمد عبد الله عنان

стр. 2348

وقفة ثالثة على جسر إسماعيل أما أنا فلم أقف على هذا الجسر. . لأن مشيتي عليه كانت أقرب إلى العدو منها إلى الوقوف. . . . إن شيئاً فقد مني فكيف تطلب مني أن أقف. . .؟ دعني أسير لأبحث عنه. . ودع قلبي يسبق بصري إلى ما وراء الجسر. . . والجسر. . . ما وراؤه. . .؟ إنني لم أجد شيئاً. . . إن نفسي كانت حائرة. . . ولكن الحيرة لم تتطرق إلى بصري. . . فقد كان ساهماً جامداً مصوباً إلى ما وراء الجزيرة، إلى ما وراء الأفق. . . الشفق البعيد، ففيه قتمة من قتمة الليل. . وفيه ظلام من ظلم البشر. . . فكيف كنت تطلب مني يا سيدي أن أقف. . .؟ لقد كان (بافنوس) آثماً في بحثه عن (تأسيس). . لذلك كانت وقفاته كثرة. . أما أنا فلماذا أقف. . .؟ إن هرم (خوفو) بعيد عن الجسر. . فإذا وصلته فقمته بعيدة عن القاعدة. . . فإذا أدركتها فالفضاء وسيع فسيح. . . وقف أستاذي على جسر إسماعيل فتمهل وتريث. . . للجسر جمال. . . للطير تغريد. . . للماء بريق. . . أما أنا فلم أقف، لأن الأعمى لا يسر ناظريه ما قد يكون حوله من جمال أو بهاء أو رواء. . أما أنا فلم أقف لأن الأصم لا يطربه تغريد البلبل. . . والأذن المصلوم لا يزينه قرط. . أما أنا فلم أقف لأن المشرف على الغرق لا يتغزل في جمال الطبيعة ولا يستهويه خرير الماء أو تلاطم الأمواج إن النيل الذي يجري تحت الجسر لو خلبه سحر المنظر لوقف في مكانه يا سيدي كما وقفت. . . ولكنه مثلي مثقل بالهموم، مقيد بالأوهام، محمل بالأرزاء، لذلك يهرول باحثاً عن البحر. . . ليلقى فيه الغرين الذي يثقله. . . وليدفع عنه الشاطئ الذي يقيده. . وليذيب أرزاءه في صفائه، ويمزج سكونه في اضطرابه. . . . . والفرق بيني وبين النيل. . . أن النيل بجد بغيته، أما أنا فلا أجد. . . ثم وقف صديقي على جسر إسماعيل فتأوه وتأسى. . . فالأسد نائم. . . والثكنات متيقظة. . . حقاً يا صديقي إن من يرى دمعك ينهمل. . . لا تمهله دموعه. . . ولكن. . . . . . اعذرني يا صديقي لأنني لم ألق لك بالاً. . . ولم أسمع أنين قلبك وأنت واقف على جسر

стр. 2349

إسماعيل. . . لأن أنين قلبي قد طغى على نفسي فلم أر ولم أسمع. . . يا أستاذي. . . في نفسي قبس. ولكن بصري عليه غشاء. . . يا صديقي. . . في قلبي. . . من قلبك شعلة. ولكن خافقي مريض. . . . . . لقد بحثت عن حبيبتي في كل بقع الأرض فلم أجدها. . . . . من أجل ذلك رأيتني أسير مهرولاً على جسر إسماعيل محدقاً ببصري إلى ما وراء الجسر. . إلى ما وراء الأفق. . . إلى الشفق البعيد. . ففيه قتمة من قتمة الليل، وفيه ظلام من ظلم البشر. . . . . جورج وغريس

стр. 2350

كيف اختار المنصور موقع بغداد دالت دولة الأمويين وقامت على أثرها دولة بني العباس تسندها كواهل الفرس وتؤيدها سيوفهم، وكان لابد للدولة الجديدة من عاصمة جديدة، إذ يرى المتتبع لتاريخ العرب أن تغير العاصمة لابد منه عندما تتولى الحكم أسرة جديدة، ففي بدء الإسلام هاجر النبي (ص) من مكة واتخذ يثرب مقراً له فانتقل بذلك المركز السياسي لجزيرة العرب من مكة المدينة التجارية القديمة إلى يثرب التي سميت بعد مدينة الرسول، والتي أصبحت عاصمة الإسلام ومركز الحكومة، وبقيت كذلك في حياة النبي (ص) والخلفاء الراشدين الثلاثة من بعده أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلما آلت الخلافة إلى علي ﵇ اتخذ الكوفة مقراً، وحدث النزاع بينه وبين معاوية منافسه الذي مرت عليه عشرون سنة وهو أمير الشام. قد وطد فيها أمره وأسكن أقرباءه وأتباعهم، حتى إذا ما انتهى هذا النزاع بشهادة الإمام الحسن أصبحت دمشق حاضرة الإسلام، وكان موقعها مناسباً لأن تكون عاصمة حكومة الأمويين العربية، فهي واقعة وسط إقليم خصب، وهي قريبة من مكة والمدينة مركزي القوة الدينية كما أنها تقع على تخوم الصحراء العربية التي يتخذ الخلفاء من سكانها جنوداً يهاجمون بلاد الروم القريبة من دمشق أيضاً، ولم يكن يقلل من أهمية موقع دمشق أنها لم تكن واقعة على نهر صالح للملاحة، لأن تجارة المسلمين كانت حينذاك بسيطة تتبع طريق القوافل وتحمل على الإبل. وإذا ما صلحت دمشق لأن تكون حاضرة الأمويين، فإنها لا تصلح أن تكون حاضرة بني العباس، فهي مأهولة بأتباع الأمويين ومناصريهم وهي بعيدة عن بلاد فارس، مصدر قوة العباسيين ودعامة ملكهم، وفضلاً عن ذلك فقد أصبحت مهددة بالروم الذين اغتنموا فرصة ضعف الأمويين، فأخذوا يشنون الغارة تلو الغارة، كي يثأروا لاندحارهم القديم، فالعاصمة الجديدة إذن يجب أن تتجه نحو الشرق قريبة من بلاد فارس، ثم إن التبسط التجاري يقضي أن تكون على ماء يصلها بالبحر ومن هذا تعين أن يكون موقعها إما على الفرات وإما على دجلة، حيث لم يتردد العباسيون أن يجعلوها هناك. لما انتهى السفاح من حروبه ومذابحه ابتنى الهاشمية بجوار الأنبار المدينة الفارسية القديمة، واتخذها مقراً له وتقع هذه الهاشمية على ضفة

стр. 2351

الفرات الشرقية، حيث يتفرع منه النهر الكبير الذي عرف فيما بعد باسم نهر عيسى، وفيها توفي السفاح سنة ١٣٦ هجرية. وبعد قليل من تبوئ المنصور كرسي الخلافة شرع في بناء مقر له سمي بنفس الاسم، وتقع هذه الهاشمية الثانية بين الكوفة والحيرة على الجانب الغربي من الفرات، في مجل لا يبعد كثيراً عن البطائح، مصب الفرات في القرن العاشر الميلادي وتقول رواية أخرى أنها كانت قرب مدينة ابن هيبرة القريبة من الكوفة. ومدينة ابن هبيرة هذه غير قصر ابن هبيرة. لم يكن موقع الهاشمية الثانية مناسباً ليكون عاصمة بني العباس لقربها من الكوفة مركز شيعة العلويين ولأن القبائل التي تقطنها كانت لا تفتأ تثور وتشاغب، وقد تركها المنصور بعد ثورة الراوندية الذين تظاهروا بتقديسه وكادوا يفتكون به. وإذا ما انتقلت العاصمة إلى العراق فمن الواضح أن فائدة بقعة على دجلة خير منها على الفرات لأنها تكون وسط إقليم خصب فقد كانت مياه الفرات تسقي الأرض التي بينه وبين دجلة كما كانت مياه هذا الأخير تروي الأرض الواقعة شرقيه، وفضلاً عن ذلك فإن القسم الأسفل من دجلة كان أصلح للملاحة من الفرات. وقد قام المنصور برحلات عدة للتفتيش على موقع لائق بالعاصمة فسافر من جرجايا إلى الموصل، متبعاً شاطئ دجلة ووقع اختياره أولاً على موقع قرب باريما جنوب الموصل عند الموقع الذي يعرف اليوم باسم الفتحة، حيث يقطع نهر دجلة جبال حمرين ولكنه تركه حين علم بغلاء المرة وقلتها فيه وأخيراً اختار قرية بغداد الفارسية الواقعة، على ضفة دجلة الغربية، شمال مصب نهر الصراة تماماً وأسس فيها عاصمته الجديدة سنة ١٤٥ للهجرة (٧٦٢ للميلاد). ويظهر من الاستكشافات التي قام بها السير هنري رولنصن سنة ١٨٤٨ للميلاد أنه قد كان

стр. 2352

في هذا المحل مدينة من المدن القديمة جداً فقد وجد آجراً مكتوباً عليه سم بختنصر ولقبه، كما وجد في خرائط الآشوريين الجغرافية اسماً لمدينة يقرب من اسم بغداد. وقد كانت تقام في قرية بغداد الفارسية أثناء حكم الساسانيين سوق شهرية اشتهرت كثيراً في صدر الإسلام، إذ هاجمها المسلمون سنة ١٣ للهجرة وغنموا كثيراً من الذهب والفضة ثم لم يعد يظهر اسم بغداد في التاريخ حتى سنة ١٤٥ للهجرة حين أخذ المنصور يفتش عن موقع لعاصمته الجديدة، وقد كان في هذا الموقع لذلك الحين عدد من الأديرة وخاصة أديرة الرهبان النسطوريين، ومنهم عرف المنصور خلو هذا المحل من البعوض الذي يكثر في المحلات الأخرى من دجلة، وأن لياليه باردة حتى في الصيف وكانت هذه المميزات بلا شك مما أغرى المنصور على اختيار هذا المكان موقعاً لعاصمته. وقد أطنب مؤرخو العرب وجغرافيوهم، في الكلام عن فوائد موقع بغداد المتعددة، فيذكر لنا المقدسي مثلاً أن الخليفة انتصح بقول ساكني هذا المحل، ولخص في الأسطر التالية الكلام الذي خوطب به المنصور (الذي أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طساسيج (مقاطعات) في الجانب الغربي طسوجان، وهما قطريل وبادرابا، وفي الجانب الشرقي طسوجان، وهما نهر بوق وكلواذى فأنت تكون بين نخيل وقرب الماء فإن أجدب طسوج وتأخرت عمارته، كان في الطسوج الآخر العمارات، وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من المغرب في الفرات، وتجيئك طرائف مصر والشام، وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من أرمنية وما اتصل بها في تامرا حتى تصل إلى الزاب، وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل في دجلة. وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر وخربت القناطر لم يصل إليك عدوك، وأنت بين دجلة والفرات لا يجيئك أحد من المشرق والمغرب إلا احتاج إلى العبور، وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسواد كله، وأنت قريب من البر والبحر والجبل). إن التبصر الذي أظهره الخليفة المنصور في اختيار موقع بغداد يظهر جلياً في تاريخ بغداد الأخير، فقد توسعت هذه المدينة توسعاً كبيراً حتى كانت المدينة الثانية بعد القسطنطينية في العصور الوسطى ولم يكن لها نظير في جلالها وعمرانها بين مدن آسيا الغربية، ولم

стр. 2353

تستطع الحروب والحضارات وانتقال الخلافة منها إلى سامراء، وحتى تخريب المغول لها، كل هذه لم تستطع أن تحط من مركز بغداد وكونها عاصمة ما بين النهرين، فاتخذها الأتراك مقراً لهم، والآن بعد أن مر عليها أحد عشر قرناً، أصبحت عاصمة الحكومة العراقية. سليم محمود الأعظمي

стр. 2354

من صور الحياة صديق. . . إلى تلك النفس الظلوم قلبي الساعة مجال لصراع عنيف بين عاطفة من الحب والوفاء، وعاصفة من شيء يشبه المقت وأنا بينهما حائر مضطرب: لي صديق لا يزال حياً، ومع ذلك فأنا أميل إلى الاعتقاد بأنه مات، لأني كفنته في أثواب الإهمال، ودفنته في زوايا النسيان، ولأن أباه قضى، ووفاءه مضى، وليس بعد فقد الآباء والوفاء معنى للحياة. إذن مات صديقي بالنسبة لي على الأقل. ولكنه أورثني فيما خلف لي من تركته المثقلة بالهم، جروحاً لا يزال الدم يقطر منها ولكم وددت لو أن الأيام عقدت حول اسمه ورسمه سحباً من النسيان لا ينفذ إليها شعاع من الذكرى وطالما جاهدت نفسي في أن أجعل بيني وبينه من التناسي أستاراً صفيقة، وأسواراً منيعة، فلا يسعى إلي ولا أصل إليه، فلم أوفق. ولا تزال ذكراه تلم بي وتحوم حولي، ولا أزال أتردد على رسائله وصوره كما يتردد العابد إلى محرابه ولقد يتفق لي أحياناً أن أصادف هذا الصديق الميت الحي، فأقف أمامه مضطرب العاطفة إنه يشبه صديقي في جماع شكله، إلا أن صديقي كان صفي النفس وفي القلب نقي الضمير، وليس هذا الإنسان من تلك الصفات في قليل ولا كثير! لقد أتممت اليوم قراءة الصفحة الثانية بعد العشرين من كتاب حياتي، وعاشرت الناس بقدر ما اتفق لي أخياراً وأشراراً فلم أر شيئاً أوقع في النفس من خيانة الصديق. وكنت ولا أزال أحتقر نوعاً من الصحاب يصادقون شهراً وينافقون دهراً، ثم يتقلصون أخيراً عن الصاحب فإذا هو عندهم منكر الطلعة كأن لم يكن بينهما من أسباب الود القديم ما يربط أحدهما بالآخر. . . وصديقي من صميم هذا النوع. قطعت معه في طريق الحياة أشواطاً لم يقف الأمر خلالها بيننا على ما يكون بين الصديق صاحبه من المجاملة، بل نشأ بيننا لون من الضب العميق الوثيق لم تعبث به الأغراض، ولم تفسده الأعراض فأخلصت له كما يجب أن يخلص الصاحب، لا أبتغي على ذلك جزاء ولا شكوراً إلا أن يأخذ نفسه بشيء من الإخلاص، فأعطاني على ذلك الموثق وأقسم جهد أيمانه ومضى يزعم أن شيئاً في الوجود لا يستطيع

стр. 2355

العبث ثم إذا هو أخيراً يتكفل بنقض دعوى نفسه وترجيح الشك فيها على اليقين. على أني مع ذلك لست أكرهه، ولست أطمع كذلك في رجعته، فإن النفس الجاحدة أثبت على الباطل ولكن ما أخوفني أن يفيق ضميره في الفينة بعد الفينة كما يفيق المجنون! فربما حاسب نفسه فأحس أنه أساء إلي، وربما يحس في أغوار نفسه مرارة الحسرة وحرارة الندم، ولست أحب أن يمسه شيء من ذلك: فبعض الظالمين وإن تناهى … كهى الظلم مغفور الذنوب أي صديقي الميت الحي! عزيز علي أن تكون هذه صورتك! ولكن الله يشهد أني لم أزد على الأمانة في رسمها للناس، ومهما أكن حريصاً على رضاك فإني على رضا الحق أحرص. البكري القلوصناوي

стр. 2356

الطفلة الراقصة للآنسة سهير القلماوي ليسانسيه في الآداب كان اليوم يوم عيد الأطفال فأخذ أهل المصيف يتوافدون على فندق كبير وكل معه طفل أو طفلان. وقد ارتدت الأطفال أزياء مختلفة جميلة. فهذا الطفل من سكان الجبال، وذاك راجات الهند، وهذه شريفة، روسية، وتلك راقصة إسبانية. وهكذا اجتمعت للمتفرجين مجموعة طريفة جميلة من أزياء مختلفة يزيد جمالها أن ممثليها كلهم أطفال تقل أعمارهم عن العشر سنوات. وصدحت الموسيقى الراقصة وحملت نسمات البحر أنغامها إلى الآذان فهزت القلوب هزاً لذيذاً مطرباً. واندفع الأطفال في حماس بريء يرقصون ويضحكون ويهللون. وكانت هي بينهم طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها. مرتدية لباس راقصة حديثة لونه أخضر جميل. وقد بدت منه تقاطيع جسمها جميلة منسجمة بديعة التكوين. وما كاد نصف الأطفال ينأى عن مكان الرقص ليستريح حتى اندفعت هي إليه ترقص رقصاً فنياً رشيقاً مدهشاً. واتجهت إليها الأنظار كلها. وخجل الأطفال من رقصهم البسيط الفطري فانتحوا ناحية يفسحون المجال لتلك الطفلة الراقصة. ما دهشت لرقص قدر ما دهشت لرقصها، وما هزني الطرب لمنظر أعجبني قدر ما اهتززت لمنظرها، أي جمال! أي فن! أي طفولة مرحة بريئة ساذجة! هذه هي الحياة عندها: رقص وموسيقى، فرح ومرح، حب وإعجاب، لقد دوى التصفيق في أذنها مراراً فاتسعت له حدقتا عينيها اتساع النشوة والرضى، وأغراها التصفيق بالمزيد، بل بالتفنن في المزيد، فمازال بها ظمأ إلى الإعجاب والاستحسان. ترى أتظل الحياة لها هكذا؟ أتظل هي هي مرحة، طروباً لاهية، راقصة؟ أم ستضطرها الحياة إلى تذوق ألوان أخرى منها؟ أستعرف الألم، أستعرف العذاب؟ أستنسى المرح؟ أستظل راقصة أم سيبدل الدهر رقصها نحيباً مشجياً؟ لهفي عليك، طفلتي يوم تودين الرقص فلا تستطيعين! لهفي عليك نوم تذكرين أيام طفولتك بالحسرة اللاذعة والألم الأليم! ترى أستظل نظرتك كما هي إلى تصفيق الناس وإعجابهم

стр. 2357

بك؟ أستظلين ظامئة إليهما تسعين إلى المزيد ولا ترضين إلا به، أم ستستتفهين هذا الإعجاب وتزدرين هذا التهليل والتصفيق؟ ترى أتظلين حريصة على رضى الناس عنك أم ستعلمك الأيام أن رضاءهم أرخص من أن تسعى إليه؟ كم أخاف طفلتي هذا الإعجاب، كم أخافه على أخلاقك وعلى حياتك المستقبلة. ستتعودينه، وستفقدينه وستتألمين أمض الألم لفقده، ثم سترينه يكال لغيرك كيلاً، ولكن الحياة ستسلمك إلى نوع من الرضى اليائس، ستعرفين بعد أن تصهرك الآلام أن الأيام دول وأن الدوام نقيض الحياة، ستؤمنين بكل هذا ولكن بعد دروس ودروس. دروس لا كدروس الرقص التي تعلمتها فرحة لذيذة منعشة. ولكنها دروس قاسية مؤلمة موئسة. ودوى التصفيق فانحنت الطفلة الراقصة وكم كانت رشيقة في حركاتها الشاكرة الراضية، كم كانت الغبطة تشع من عينيها بريقاً لامعاً. وانتحت الطفلة ناحية ثم عزفت الموسيقى دور رقص روسي، فقامت طفلة أخرى في لباس رقص روسي وأخذت ترقص رقصة صعبة بديعة. وكال لها المتفرجون التصفيق كيلاً، فأدرت رأسي أبحث عن الطفلة الأولى. كانت في ركن بعيد تنظر إلى الراقصة الجديدة نظرة المتعجب المعجب الفرح، وتتبع حركاتها حركة حركة فتصفق لها كلما قامت بحركة صعبة فأتقنتها، كانت أشد المعجبين بالراقصة الجديدة حماساً وأخثر المتفرجين تصفيقاً لها. يا للطفولة البريئة الطاهرة! لم تخط الغيرة بعد سطراً من سطورها ولم يخط الحسد كلمة من كلماته. يا للطفولة المرحة الطروب ما أجملك وما أطهرك! وصدحت الموسيقى ثالثة فقامت الطفلة راقصة لاهية طروباً، ودوى لها التصفيق وانتشت بنشوة الإعجاب بها من جديد، تفننت في رقصها وأبدعت. فلمت نفسي على أوهامي وخيالي. حصن الطفولة مازال حصيناً لم ينفذ فيه سهم من سهام الدهر بعد. ليتك تظلين طفلتي هكذا. ليت الحياة تدعك كما أنت عصفورة من عصافير جنتها تغنين وترقصين وتلهين. ليتك لا تعرفين للحياة معنى غير ما تعرفين الآن. أبقي طفلتي كما أنت راقصة. فرحة مرحة إلى ما شاء الله. الحياة الحياة ما هي؟؟: رقصة. فأرقصيها لاهية. سهير القلماوي

стр. 2358

الشافعي واضع علم أصول الفقه للأستاذ الشيح مصطفى عبد الرازق أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب - ٦ - - الدراسات الفقهية إلى عهد الشافعي. ب - أهل الرأي وأهل الحديث جـ - الشافعي بين أهل الرأي وأهل الحديث وآثاره وكتبه د - وضع الشافعي علم أصول الفقه وكان أهل الحديث يعيبون أهل الرأي بأنهم يأخذون في دينهم بالظن، وأنهم ليسوا للسنة أنصاراً ولاهم فيها بمتثبتين، فان أصحاب أبي حنيفة يقدمون القياس الجلي على خبر الواحد وهم يقبلون المراسيل، والمجاهيل - أي الحديث المرسل الذي أسنده التابعي أو تابع التابعي إلى النبي خلى الله عليه وسلم من غير أن يذكر الصحابي الذي روى الحديث. أما المجاهيل فهم مجهولو الحال من الرواة - ثم لا يقبلون الحديث الصحيح إذا كان مخالفاً للقياس، ولا يقبلونه في الواقعة التي تعم فيها البلوى: الرازي ص٢٥٠، ٢٥١ كانت الحال على ما ذكرنا حين جاء الشافعي، وقد تفقه الشافعي أول ما تفقه على أهل الحديث من علماء مكة، كمسلم بن خالد الزنجي، وسفيان بن عيينه، ثم ذهب إلى إمام أهل الحديث (مالك) ابن أنس في المدينة فلزمه، ولقي من عطفه ومن فضله ما جعله يحبه ويجله (عن يونس بن عبد الأعلى أنه سمع الشافعي يقول: (إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن علي من مالك بن أنس) الانتقاء ص٢٣ على أن نشأة الشافعي لم تكن من كل وجه نشأة أهل الحديث، ولا استعداده استعدادهم. لقد توجه في أول أمره إلى درس اللغة والشعر والأدب وأخبار الناس، ولم يقطع صلته بهذه العلوم حين وصل حبله بأهل الحديث الذين كانوا لا يرونها من العلم النافع (حكي عن مصعب الزبيري قال: كان أبي والشافعي يتناشدان، فأتى الشافعي على شعر هذيل حفظاً وقال: لا تعلم بهذا أحداً من أهل الحديث فانهم لا يحتملون هذا، معجم الأدباء ص٣٨٠)

стр. 2359

وكان الشافعي بطبعه نهماً في العلم، يلتمس كل ما يجده من فنونه، وقد ذكر من ترجموا له: أنه اشتغل بالفراسة حين ذهب إلى اليمن، وعالج التنجيم والطب، وربما كان درسهما في إحدى رحلاته إلى العراق، حيث كان التنجيم يعتبر فرعاً من فروع العلوم الرياضية، وكان الطب فرعاً من العلم الطبيعي، والعلم الرياضي، والعلم الطبيعي قسمان من أقسام الفلسفة التي كان مسلمو العراق أخذوا يتنسمون ريحها، وكان الشافعي مغرى بالرمي في شبابه ولم يكن في كهولته يأنف من الوقوف عند مهرة الرماة يدعو لهم ويمدهم بالمال، ويظهر: أنه لم يكن شديداً في جرح الرجال كعادة أهل الحديث، وقد نقل صاحب كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) حكاية تدل على سخرية الشافعي من تزمت المزكين. (قال الشافعي ﵁ حضرت بمصر رجلاً مزكياً يجرح رجلاً فسئل عن سببه وألح عليه فقال: رأيته يبول قائماً، قيل وما في ذلك؟ قال: يرد الريح من رشاشه على بدنه وثيابه فيصلي فيه، قيل هل رأيته أصابه الرشاش وصلى قبل أن يغسل ما أصابه؟ قال: لا ولكن أراه سيفعل؟ حـ - ١ - ص ١٩٤، ١٩٥ وكان في العلماء المعاصرين للشافعي: بل أهل الرأي منهم بله أهل الحديث من لا يراه ممعناً في الحديث (عن أبي عبد الله الصاغاني يحدث عن يحيى بن أكثم قال: كنا عند محمد بن الحسن في المناظرة، وكان الشافعي رجلاً قرشي العقل والفهم، صافي الذهن، سريع الإصابة، ولو كان أكثر سماع الحديث لاستغنت أمة محمد به عن غيره من العلماء (ابن حجر ص٥٩) ولما ذهب الشافعي إلى العراق استرعى نظره تحامل أهل الرأي على أستاذه مالك وعلى مذهبه، وكان أهل الرأي أقوى سنداً وأعظم جاهاً بما لهم من المكانة عند الخلفاء، وبتوليهم شؤون القضاء، ذلك إلى أنهم أوسع حيلة في الجدل من أهل الحديث وأنفذ بياناً، ويمثل حال الفريقين من هذه الناحية، ما روي عن أمامي أهل الرأي وأهل الحديث: أبي حنيفة ومالك. روى ابن عبد البر المالكي عن الطبري قال: وكان مالك قد ضرب بالسياط، واختلف فيمن ضربه وفي السبب الذي ضرب فيه قال: فحدثني العباس بن الوليد قال: خبرنا ذكوان عن مروان الطاطري أن أبا جعفر نهى مالكاً عن الحديث: (ليس على مستكره طلاق) ثم دس

стр. 2360

إليه من يسأله عنه فحدث به على رؤوس الناس (الانتقاء ص٤٣، ٤٤) أما أبو حنيفة فينقل في شأنه الموفق المكي في كتاب (المناقب) (عن معمر بن الحسن الهروي يقول: اجتمع أبو حنيفة ومحمد ابن إسحاق عند أبي جعفر المنصور، وكان جمع العلماء والفقهاء، من أهل الكوفة والمدينة وسائر الأمصار لأمر حزبه وبعث إلى أبي حنيفة فنقله على البريد إلى بغداد، فلم يخرجه من ذلك الأمر الذي وقع له إلا أبو حنيفة، فلما قضيت الحاجة على يديه حبسه عند نفسه ليرفع القضاة والحكام الأمور إليه، فيكون هو الذي ينفذ الأمور ويفصل الأحكام، وحبس محمد بن إسحاق ليجمع لابنه المهدي حروب النبي - ص - وغزواته قال فاجتمعا يوماً عنده وكان محمد بن إسحاق يحسده لما كان يرى من المنصور من تفضيله وتقديمه واستشارته فيما ينوبه وينوب رعيته وقضاته وحكامه، وسأل أبا حنيفة عن مسألة أراد بها أن يغير المنصور عليه، فقال له ما تقول يا أبا حنيفة في رجل حلف ألا يفعل كذا وكذا أو أن يفعل كذا وكذا ولم يقل إن شاء الله موصولاً باليمين، وقال ذلك بعدما فرغ من يمينه وسكت، فقال أبو حنيفة لا ينفعه الاستثناء إذا كان مقطوعاً من اليمين، وإنما كان ينفعه إذا كان موصولاً به، فقال وكيف لا ينفعه وقد قال جد أمير المؤمنين الأكبر أبو العباس عبد الله بن عباس ﵄ أن استثناءه جائز ولو كان بعد سنة، واحتج بقوله (واذكر ربك إذا نسيت)؟ - فقال المنصور لمحمد بن إسحاق: أهكذا قال أبو لعباس صلوات الله عليه؟ قال نعم! فالتفت إلى أبي حنيفة ﵀ وقد علاه الغضب، فقال تخالف أبا العباس فقال أبو حنيفة لم أخالف أبا العباس، ولقول أبي العباس عني تأويل نخرج على الصحة ولكن بلغني أن النبي - ص - قال (من حلف على يمين واستثنى فلا حنث عليه). وإنما وضعناه إذا كان موصولاً باليمين، وهؤلاء لا يرون خلافتك. لهذا يحتجون بخبر أبي العباس، فقال له المنصور كيف ذلك؟ قال: لأنهم يقولون إنهم بايعوك حيث بايعوك تقية وإن لهم الثنيا متى شاءوا يخرجون من بيعتك ولا يبقى في أعناقهم من ذلك شيء قال هكذان قال: نعم فقال المنصور: خذوا هذا يعني محمد بن إسحاق فأخذ وجعل رداؤه في عنقه وحبسوه) ج١ ص١٤٢ - ١٤٤ كان طبيعيا: أن يجادل الشافعي عن أستاذه وعن مذهب أستاذه وقد نهض الشافعي لذلك قوياً بعقله، قوياً بعلمه، قوياً بفصاحته قوياً بشباب في عنفوانه، وحمية عربية، وقد رويت لنا

стр. 2361

نماذج من دفاع الشافعي عن مالك ومذهبه: (عن محمد بن الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم من صاحبكم يعني (أبا حنيفة ومالكاً) وما كان على صاحبكم أن يتكلم وما كان لصاحبنا أن يسكت، قال فغضبت وقلت نشدتك الله من كان أعلم بسنة رسول الله (صلعم) مالك، لكن صاحبنا أقيس، فقلت: نعم ومالك أعلم بكتاب الله تعالى وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله (صلعم) من أبي حنيفة فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى بالكلام) الانتقاء ص٢٤ كان هذا الحجاج عن مذهب مالك، في قدوم الشافعي إلى العراق أول مرة، وأقام الشافعي في العراق زمناً غير قصير ودرس فيه كتب محمد بن الحسن وغيره من أهل الرأي فيما درس في العراق ولازم محمد بن الحسن ورد على بعض أقواله وآرائه نصيراً لأهل الحديث. ولاشك أن الشافعي في ذلك العهد كان متأثراً بمذهب أهل الحديث ومتأثراً بملازمة عالم الهجرة فهو كان يدافع عن مذهبه يدافع حميته لأستاذه وأنصار أستاذه المستضعفين. أما البزاز الكردري فهو يروي في سبب اختلاف الشافعي على محمد بن الحسن روايات يقول فيها: (عن عبد الرحمن الشافعي: لم يعرف الشافعي لمحمد حقه وأحسن إليه فلم يف له. وعن إسماعيل المزني قال الأمام الشافعي: حبست بالعراق لدين فسمع محمد بي فخلصني فأنا له شاكر من بين الجميع. وعن ابن سماعة قال: أفلس الشافعي غي مرة فجاء إلى محمد أصحابه فجمع له مائة ألف فكان فيه قضاء حاجته ثم أفلس مرة أخرى فجمع له سبعين ألف درهم ثم أتاه الثالثة، فقال: لا أذهب مروءتي من بين أصحابي، لو كان فيك خير لكفاك ما جمعت لك ولعقبك وكان قبل هذا مولعاً بكتبه يناظر أوساط أصحابه ويعد نفسه منهم، فلما أتى محمداً الثالثة أظهر الحلاف) المناقب - ج٢ - ص١٥٠، ١٥١ والشافعي نفسه يرد على ذلك، فقد أخرج الحاكم من طريق محفوظ بن أبي توبة قال: سمعت الشافعي يقول: يقولون. إني إنما أخالفهم للدنيا، وكيف يكون ذلك والدنيا معهم؟ وإنما يريد الإنسان الدنيا لبطنه وفرجه، وقد منعت ما ألذ من المطاعم ولا سبيل إلى النكاح، وعني لما كان به من البواسير ولكن لست أخالف إلا من خالف سنة رسول الله. ابن حجر ص٧٦

стр. 2362

ولما عاد الشافعي إلى بغداد في سنة ١٩٥هـ - ٨١٠ - ٨١١م ليقيم فيها سنتين اشتغل بالتدريس، والتأليف وروى البغدادي في كتاب (تاريخ بغداد): (عن أبي الفضل الزجاج يقول: لما قدم الشافعي إلى بغداد وكان في الجامع إما نيف وأربعون حلقة، أو خمسون حلقة فلما دخل بغداد مازال يقعد في حلقة حلقة ويقول لهم: قال الله وقال الرسول وهم يقولون قال أصحابنا حتى ما بقي في المسجد غيره) ص٦٨، ٦٩ واختلف إلى دروس الشافعي جماعة من كبار أهل الرأي كأحمد بن حنبل وأبي ثور فانتقلوا عن مذهب أهل الري إلى مذهبه، ويروى عن أحمد ابن حنبل: أنه قال (ما أحد من أصحاب الحديث حمل محبرة إلا وللشافعي عليه منة) فقلنا: يا أبا محمد كيف ذلك؟ (قال إن أصحاب الرأي كانوا يهزؤون بأصحاب الحديث حتى علمهم الشافعي وأقام الحجة عليهم) الانتقاء ص٧٦ ووضع الشافعي في بغداد كتاب: (الحجة) (روى ابن حجر عن البويطي: أن الشافعي قال: اجتمع علي أصحاب الحديث فسألوني أن أضع على كتاب أبي حنيفة فقلت: لا أعرف قولهم حتى أنظر في كتبهم، فكتبت إلى كتب محمد بن الحسن فنظرت فيها سنة حتى حفظتها ثم وضعت الكتاب البغدادي يعني (الحجة) ص٧٦ ويظهر من ذلك: أن مذهب الشافعي القديم الذي وضعه في بغداد كان في جل أمره رداً على مذهب أهل الرأي وكان قريباً إلى مذهب أهل الحديث. وروى البغدادي عن حرملة: أنه سمع الشافعي يقول: (سميت ببغداد ناصر الحديث) ج٢ ص٦٨ ونقل ابن حجر عن البيهقي: أن كتاب الحجة الذي صنفه الشافعي ببغداد حمله عنه الزعفراني، وله كتب أخرى حملها غير الزعفراني منها: كتاب السير، رواية أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى الشافعي) وفي كتاب كشف الظنون: ((الحجة) الإمام الشافعي، وهو مجلد ضخم ألفه بالعراق إذا أطلق القديم من مذهبه يراد به: هذا التصنيف، قاله الأسنوي في المبهمات ويطلق على ما أفتى به هناك أيضاً) ثم انتهى الشافعي إلى مصر فآزره تلاميذ مالك حتى إذا وضع مذهبه الجديد وأخذ يؤلف الكتب رداً على مالك تنكروا له وأصابته منهم محن

стр. 2363

(قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: قدمت مصر لا أعرف: أن مالكاً يخالف من أحاديثه إلا ستة عشر حديثاً فنظرت فإذا هو يقول بالأصل ويدع الفرع، ويقول بالفرع ويدع الأصل. ثم ذكر الشافعي في رده على مالك: المسائل التي ترك الأخبار الصحيحة فيها بقول واحد من الصحابة أو بقول واحد من التابعين أو لرأي نفسه ثم ذكر: ما ترك فيه أقاويل الصحابة لرأي بعض التابعين أو لرأي نفسه وذلك: أنه ربما يدعى الإجماع وهو مختلف فيه ثم بين الشافعي أن ادعاء: أن إجماع أهل المدينة حجة، قول ضعيف. الرازي ص٢٦ ويروي بعض الرواة: أن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك لأنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يستسقي بها وكان يقال لهم: قال رسول الله (صلعم) فيقولون: قال مالك، فقال الشافعي: إن مالكاً بشر يخطئ فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه وكان يقول استخرت الله تعالى في ذلك. ابن حجر ص٧٦ ومذهب الشافعي الجديد الذي وضعه في مصر هو الذي يدل على شخصيته وينم عن عبقريته ويبرز استقلاله (سئل أحمد ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أهي أحب إليك، أم التي بمصر؟ قال: عليك بالكتب التي وضعها بمصر فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها ثم رجع إلى مصر فأحكم تلك كما يرويه الذهبي في تاريخه الكبير (هامش الانتقاء ص٧٧) (يتبع)

стр. 2364

صفي الدين الحلي - ٢ - هذه هي الناحية اللفظية، وأما خصائص معانيه فإنها تتمثل في شدة اتصالها بعلوم البيان من كثرة التشبيه واستعمال المجاز والكنايات، وقد ساعده على الإجادة في ذلك ما وهبه من قوة الخيال ودقة المشاهدة كما سنعرف ذلك حين التحدث عن وصفه. وتتمثل أيضاً في طغيان الإشارات والمصطلحات العلمية عليها إذ تراه يستغل معارفه في علوم الفقه والحديث والفلسفة والتصوف في استعارة معانيه لأي موضوع شاء، وكثيراً ما يضرب الأمثال بحوادث التاريخ أو يستشهد بالقصص العامة الشائعة كأنه يدرك قاعدة التربية الحديثة في إظهار المعقول بثوب المحسوس. وتعد معانيه فوق ذلك من النوع الممتلئ الدسم، فهي تتدفق قوية في طريقها إلى الغاية من غير تفكك أو فضول أو تدنس بالمعاني العامية المبتذلة، ويحس قارؤها بروح الصدق سارية بين أجزائها في أغلب الأغراض لأنالشعر كان قطعة من نفس صفي الدين لا علماً يحرك به لسانه، أما في غير الغالب فقد كان يقحم نفسه في أغراض متكلفة لا صلة بينه وبينها غير حب المحاكاة والصنعة كما أنه انحدر إلى أعماق الابتذال حين خاض في المجون. . وقد قال صفي الدين بهذه المعاني في جميع الميادين التي عرفها الشعر العربي إلى وقته، حائزاً قصب السبق في كثير منها فتناول الفخر والمدح والوصف والغزل، وهي أركان شعره الكبرى ثم الحكم والخمر والزهد والألغاز والمجون، وهي العمد الثانوية، ونحب قبل أن نستعرض هذه الميادين أن نسجل هنا شهادة أحد المعاصرين له وهو صاب (الفوات) المتقدم ذكره إذ قال: تعجبك ألفاظه المصقولة ومعانيه المعسولة ومقاصده التي كأنها سهام راشقة وسيوف مسلولة)! وما أثمنها شهادة من معاصر كان أجدر به الجحود والنكران لم يكن صفي الدين شاعراً قوالاً فحسب، وإنما كان بطلاً مغواراً يعرف كيف يكتب بالسيف على الرقاب كما يخط بالقلم على الطرس، وذلك لأنه نشأ من أسرة نبيلة قوية كانت هي صاحبة الولاية على (الحلة) وبعض بلاد العراق المحيطة بها، وكان بجانبها أعداء وحساد كثيرون يحاولون أن ينزلوها من المكانة السامية بكل الوسائل من غدر دنيء أو قتال

стр. 2365

صريح، حتى أن أحد أخوال هذا الشاعر قد قتل وهو بين يدي ربه في المسجد العام فكان هذا الموقف الخطر داعياً إلى تنشئة أبناء الأسرة نشأة حربية باسلة ليستطيعوا أن يأخذوا من أعدائهم بالثأر ويردوا في نحورهم كيدهم ولهذا كان أول الدواعي التي حدت بشاعرنا إلى الشدو والغناء ذلك الشعور اقوي الذي كان يجيش في خلايا قلبه شعور العزة القومية والمجد والكرامة، وقد غرس فيه هذا الشعور طموحاُ وثاباً إلى مشارف العلا فظل يضرب على وتر الفخر والحماة بأروع الأغاني الشجية التي تبرئ صدر الجبان وتلهب عزيمة الشجاع المقدام، فشعره في ذلك مثل من أمثلة الأدب الحي القوي الذي ننشده اليوم في عصر انحلال الزائم وخمود الشهامة! وإذا شئت فترنم معه وهو يشيد بذكر قومه: قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة … يوماً وإن حكموا كانو موازينا تدرعوا العقل جلباباً فإن حميت … نار الوغى خلتهم فيها مجانينا إذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة … وإن دعوا قالت الأيام آمينا إذا جرينا إلى سبق العلا طلقا … إن لم نكن سبقاً كنا مصلينا تدافع القدر المحتوم همنتا … عنا ونخصم صرف الدهر لو شينا عزائم كالنجوم الشهب ثاقبة … مازال يحرق منهن الشياطينا ولم يقصر الشاعر همه على مجرد الفخر بهذه الإرادة التي تدافع القدر المحتوم وتخصم الدهر؛ بل كان بين قومه في منزلة الشاعر الجاهلي في قبيلته يشترك عملاً في تدبير سياستهم ويحرضهم قولاً على الحرب إذا ثلمت كرامتهم وينعى عليهم لو أحجموا يوماً عن أداء الواجب، وكأنما كان شعره جريدة (الحلة) القومية تشير عليهم كل آن بسديد الرأي وماضي العزم وفي نار هذه المواقع المشبوبة تلقى الشاعر دروساً من الحكمة جديرة أن توضع بين عيني كل من يحلم بالمجد أو يطمح إلى العلياء، فهو رجل عملي لا يؤمن بالحظ والخيال الكاذب، ولكنه يرى طريق النجاح مرصوفاً بالكد والعناء لا تذلله إلا الإرادة الجبارة والنفس التي لا تلين. وهو رجل نستنكف أن جري ماء الحياة بين جنبيه ثم لا يسعى ويقدم ويصعد حتى يدرك قمة الشرف والسمو، وكم يسخر ويثور على هؤلاء القوالين الذين يقتنعون بالألفاظ الرنانة والأصوات الجوفاء، ألا تراه يقول لست ممن يدل مع عدم الجد … بفضل الآباء والأجداد

стр. 2366

ما بنيت العلياء إلا يجدي … وركوبي أخطارها واجتهادي وبلفظي إذا نطقت وفضلي … وجدالي عن منصبي وجلادي غير أني وإن أتيت من النظ … م بلفظ يذيب قلب الجماد لست كالبحتري أفخر بالشع … ر، وأثني عطفي في الإيراد وإذا ما بنيت بيتاً بختر … ت كأني بنيت ذات العماد إنما مفخري بنفسي وقومي … وقناتي وصارمي وجوادي ومن منا لا يحفظ قوله السائر: لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا … ولا ينال العلا من قدم الحذرا ومن أراد العلا عفواً بلا تعب … قضى ولم يقض من إدراكها وطرا وله غير ذلك الشعر الجيد المصقول يصور فيه همته وتفضيله الموت على الذل والنفور من اليأس حتى في ساعة الفشل والاستهزاء بالعدا والأخطار، ويالها من مبادئ يبتسم لها المجد ولكنه ما كاد القرن الثامن يذر في الأفق حتى أحاطت بالعراق خطوب وفته بانشقاق أهله على أنفسهم وبإيغال المغول في أنحائه فاتحين متجبرين، فاضطرت الولايات الصغيرة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها إلى الاجتماع بما حولها من الدول الحصينة القوية. وهكذا اعتمدت أسرة الحلي على الدولة الارتقية المقيمة بماردين وعلى رأسها الملك المنصور نجم الدين غازي وقد كانت تتمتع باستقلال داخلي وراثي، ولكنها تعترف بسيادة مصر، وفي عاصمتها هذه يقول (ياقوت في معجمه: (إنه ليس في الأرض أحسن من قلعتها ولا أحصن ولا أحكم)، فدخل الشاعر إلى بلاط هذا الملك يحرصه بادئ الأمر على مساعدة قومه والانتصار لهم على أعدائهم، ثم ما لبثت أن صار شاعراً رسمياً له، يهتف بمناقبه وينث ذكراه. وعند ذلك ابتدأ ظهور النوع الثاني من شعره وهو المدح. حدث صفي الدين الحلي عن نشوء هذا الانقلاب في شعره فقال: (كنت عاهدت نفسي ألا أمدح كريماً وإن جل، ولا أهجو لئيماً وإن ذل، ولكن الحوادث ألجأتني إلى هجر عريني. . فحططت رحلي بفناء فخر الأواخر والأوائل ملوك ديار بكر بن وائل فمذ ثبتوا بالإحسان قدمي، وصانوا عن بني الزمان وجهي ودمي، حمدت لقصدهم مطايا الآمال، وقلت لا خيل

стр. 2367

عندك ولا مال، فليسعد النطق إن لم تسعد الحال) فمن ذلك الحديث نرى أن مدحه لم يكن نفاقاً أو رياءً يتخذه وسيلة للاستجداء والسؤال، وإنما كان نتيجة عاطفة محمودة هي عاطفة الشكر وعرفان الجميل. ويدل كذلك على أنه كان يفهم غاية الشعر حق الفهم ويؤمن بقدسيته الفنية، فكان يربأ به أن يكون عبد الغرض ورسول الحاجة ولا غرو فقد عرفنا صفي الدين شاعراً مطبوعاً لا مصنوعاً. وإذا أحصينا المدائح التي نظمها وهي كثيرة مستفيضة ألفيناها تكاد تنحصر في أربعة مسالك: مدح الرسول وآله، ومدح الأسرة الارتقية المذكورة، وبني قلاوون، وبيت المؤيد، وكلها تسير على نمط متحد في عدم الوصول إلى المدح إلا بعد مقدمات طويلة في موضوع آخر يسترسل فيها ثم يبذل جهده في اختراع وسائل التخلص إلى غرضه. غير أنه كان يتصرف في أنواع هذه المقدمات بألوان شتى، فتارة تكون غزلاً وأخرى وصفاً لرحلة فتارة تكون فخراً أو خمراً، وقد تكون رسماً لمنظر طبيعي جميل، فكأن كل قصيدة منقسمة إلى شقين لكل منهما غايته وصورته ولا يلتقيان إلا بذلك الرابط الواهن الذي يسمونه (حسن التخلص) وأوضح ما نراه في معاني المدح النبوي ظاهرتان تشير إحداهما إلى مذهبه والأخرى إلى خلقه: فقد عهدناه محباً مخلصاً لآل البيت والسلالة العلوية يذكرهم كلما ذكر النبي تقرباً إليه بأهله، ويناضل تحت لوائهم كل من عرض لهم بمذمة أو نقيصة، مردداً أنهم أجدر الناس بالخلافة، مسجلاً على بني العباس طغيانهم واغتصابهم لذلك الحق الثابت. وقد سأله نقيب الأشراف بالعراق أن يجيب عبد الله بن المعتز عن قصيدته التي غض فيها من قدر العلويين، فأجابه بقصيدة دامغة الحجة كأنها جدال علمي لولا ما فيها من صور العاطفة الثائرة. وهذه العاطفة الشيعية تدل على حقيقة تاريخية كبيرة، هي أن العلويين كانوا لا يزالون يثيرونه دعاتهم في العراق أملاً في أن يخلفوا العباسيين بعد زوال دولتهم. أما الظاهرة الثانية فهي اعترافاته الخطيرة أمام النبي (ص) بما جنى في حياته من عبث وجور على الشريعة يصفها بأنها جرائم تندك منها الجبال، ولا نحسبها مبالغة منه لأنا نعرفها حقيقة ثابتة في خلقه، إذ كان حي لشيطان واهي الزمام في بيداء هواه يعطي لنفسه ما تشتهي ثم يعود إلى ربه معتقداً دائماً أن الله غفور رحيم، ولذا نظن أنه لم يفكر في هذا

стр. 2368

الندم إلا بعد أن وخطه المشيب وآذنت شمس حياته بالمغيب. وأما مدائحه في بني أرتق فبحسبنا أن نقول عنها إنها جمعت كل ما انبتت القرائح في الأدب العربي من أوصاف الخلق الحميد، ففيها كرم حاتم ووفاء السموءل وحكمة لقمان وشجاعة خالد وهكذا حتى تطوف على ذرى الفضائل الإنسانية، فهي مليئة حقاً بالمبالغة والإغراق إلى أبعد مدى. ويظهر أن الشعراء كانوا لا يعدون بلاغة المدح في تصوير الحقيقة الواقعة وإنما يقبسونها بعظم المثل الأعلى الذي يتخيله الشاعر ثم يرسمه في شعره. وهذه القصائد قسمان: قسم متفرق مرتبط بالمناسبات العارضة، وقسم آخر مجتمع الأجزاء كديوان مستقل يحتوي على تسع وعشرين قصيدة كل منها تسعة وعشرون بيتاً وقد أسماه (درر النحور في مدح الملك المنصور) (له تكملة) ضياء الريس

стр. 2369

من طرائف الشعر عصفورة الوادي للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي // لقد رقد السُّمارُ حتى خلا النادي … ولم تبق يقظى غير عصفورة الوادي شدت في هدوء الليل تندب غائباً … وفي شدوها شجو لسامعه باد تردده في خير لحنٍ سمعتُه … وتنشده شعراً على خير إنشاد فيا حسن شعرٍ مطربٍ معاً … ويا حسن لحنٍ ثم ي حسن ترداد فبِتُّ وعيني لحظُها يخرق الدجى … وسمعي على بعدٍ إلى الطائر الشادي قد انتبهت في ليلها فتذكَّرت … أليفاً غداً عنها ولم يَعُد الغادي وبرَّحت الذكرى بها فترنَّمت … ترنُّمَ ثكلى قد أصيبت بأولاد وقالت تناجي نفسها ما لصاحبي … تأخر عن ميعاده غير معتاد وقد كان وجهُ الليل ميعادَ عوده … وذلك للأطيار آخر ميعاد فما عاد عصفوري إليَّ لشقوتي … وكان إليه في حياتيَ إخلادي أأبعد عن مثواه في طيرانه … فضلَّ طريقَ العود من بعد إبعاد وكيف تضلّ الطيرُ عن مستقرّهَا … وكل كثيبٍ في الطريق لها هاد أم احتازه الصيَّادُ في شَرَكٍ له … أم اختطفه برثنُ الأجدل العادي أم التقفته هِرَّةُ البَرّ بغتة … أم ابتلعته حيةٌ بعد أرصاد لقد كانم لي إغرادة خير سلوةٍ … كما كان يُسليه عَن الهمّ إغرادي وكنا إذا طرنا معا لرياضة … نُخلِقُ في جوِّ من الصبح ورَّاد وبعدئذٍ نهوِي معا في هوادة … إلى فَنَنٍ غَض من البان ميَّاد وكنا على الأيام زوجين في رضىً … فأفردني دهري وأوحش إفرادي بقيتُ لأرزاء الزمان وحيدة … بعشٍّ نضيدٍ من هشيم وأعواد وكنا بنيناه معا فوق أيكةٍ … تُظلّ على ماءٍ وعشبٍ وأوراد بنيناه حتى تَمَّ نجهد نفسَنا … لنحيا معا في غبطةٍ ثم إرغاد يقيم بقربي ثم في العشّ واضعا … إذا ما غفا ألغَادَه فوقَ ألغادي

стр. 2370

ولكن إلفي قد تخطفه الردى … فأفسد عيشي بعد أيّ إفساد فيا ليت إلفي كان قد ظلَّ سالما … وإني بريشي والحياة له فاد ذهبتَ ولم ترجع فهل كان واقفا … لك الموت في جنب الطريق بمرصاد بربك عُدْ لي أو على الموت دلّني … فإني إلى كأسٍ شربت بها صاد جميل صدقي الزهاوي

стр. 2371

بني مصر! للأستاذ فخري أبو السعود إلامَ تغيب عنا وتطلعُ … ونلعب في ظلّ الحياة ونرتعُ؟ رضينا بخفض العيش والذلُّ حوله … وما الذل إلاَّ حظٌّ من بات يقنع نَهِيمُ بهزلٍ لا نهيم بغيرِهِ … ونهرب مِن جِدَّ الحياة ونفزع ونحجم عن أخطارها وصعابها … وتنهبنا لَذَّاتها والتمتع وإن نبتغ العليا ترانا كأنما … نُساق إليها كارهين ونُدفَع نسير على رِسْل ولِلعصر حولنا … مواكبُ في طُرْق العلا تتدفَّع أساغَ بنو الشرق الحياةَ ذليلةً … وعيشُ بني الغرب العلا والترفُّع هُمُ قادة الدنيا ونحن وَرَاءهمْ … فُضُولٌ وأذيالٌ تجَرُّ وتَتْبَعُ رضينا بأن نحيا على الغرب عالةً … كَأن ليس فيما دون ذلك مَطْمَعُ نُدِلُّ ونستعلي بمخترعاتهم … ولا كاشفُ منا ولا ثَمَّ مُبدِع ونفخَرُ بالعلم الذي هُمْ عُيُونهُ … ولم نَكُ إلاَّ شَرْبَهُ حيث ينبع ونَرْفلُ في أعطافها مِن حضارةٍ … وما نحن نَبْنيِها ولا نحن نَصْنَعُ وكم تائهٍ منَّا بثوبٍ منمَّقٍ … وأحرَى به منه الرَّدِيمُ المرقَّع وكم مستعيرٍ بَاسَهُمْ ويخاله … بقوَّته فينا يصول ويَدْفع لهمْ حاضرٌ دالٍ وماضٍ مؤتَّل … وسعيٌ إلى مستقبل المجد أرْوَع إذا ذَكَروا أوطانهم فَخرُوا بها … ويا حبَّذا فخراً ذمار ممنَّع يطولون بالجاه العزيز تفاخُرا … ونطرق من ذلّ الإسار ونخشع ونَشحَذ من لآبائنا وجدودنا … فخاراً على أعقابهم ليس يُخلع همُ دوننا أهلُ الفخار ولم يكن … عُلوُّ أبٍ في حِطَّةِ الوُلْدِ يَشْفع نتيهُ بتاريخ لهم ومآثر … قِيامٍ على الأيام لا يزعزع وما هي ما نَحْنى إلا صحائفُ … بَوَالٍ وأطلالٌ خَوَالٍ وأرْبُعٌ وفيمَ تبَاهينَا بعزٍّ ورفعةٍ … وحاضِرُنا قَفْزٌ من العز بلقع؟ تَبَرّأ ماضي المجد منه ولو دَرَى … للاشَ له خُوفو وأُذْهِلَ خَفْرَع

стр. 2372

ورِيعَ الفراعينُ العِظامُ وأجفلوا … وهالَهُمُ هذا التراث المضيَّع رأوْا أُمةً تمشي وراء زمانها … وقد عرفوها في الطليعة تطلع وتقنع من حظّ الحياة بدونها … وقد تركوها في الذرى تتربع وأوغل فيها الأجنبي نيُوبهُ … وقد عهدوها النجمْ أو هِيَ أمنعُ وهالهُمُ خيلٌ بمصرَ ورايةٌ … إلى راية النيل المفدَّاةِ ترفع كأنِّي أُصغِي من علاهم إلى صدَى … يَشقُّ القرون الداجيات فَيُسْمِع يقول: بني مصر الحياة أو الردى … ومالكُمُ من دونِ هذين مَشْرع فليست حياة الشعب إلاَّ سيادة … تَرُدُّ طِماع الطامعين وتَرْدَعُ وليس الردى إلا حياة مَهينةً … يَقرُّبها الشعب الذليل المضعضع أيرضخ شعب النيل للغير راضياً … بما بات يأباه من الزِّنج أوكعُ؟ هلموا إلى جد الحياة وَنفضُوا … بقية هذا النوم فالعصر مسرع فما الأمر لو تدرُون إلا عزيمة … تصارعِ شدات الحياة فَتَصْرَعُ تَعافُ ذلول العيش قد لان ملمساً … وتضرب في وعر الحياة وتقرع وأنَّى سلكتم فاجعلوا مصر قِبلةً … وحول علاها الملتَقى والتجمُّعُ شريكتم في سِرِّكم وجهاركمْ … وحين تغيب الشمس عنكم وتطلع وولوا إلى الأعمال لا القول همكم … فما القول بالمجدي ولا الزعم ينفع وإن فاتكم منها الجنَاة ففي غدٍ … ستزهِرُ للجيل الجديد وتونِعُ

стр. 2373

بائع حصير جاء طفل يروم بيع حصير … زخرفته بالنقش أيدي الصين فيه بحر يبدو، وفي البحر فلك … وعلى الفلك بضع حورِ عين وعليه نوتية من غوان … جادفات فيه بكل سكون فتمنت نفسي الركوب بفُلك … يتحلى بلؤلؤ مكنون سعد البحر في حشاه وفي أع … لاه در مكلَّل للجبين وكأن الفلك الذي ضم غيداً … صدف قد طفا بدر ثمين جاءني الطفل وهو يحسب أني … ذو نقود تغري وكنز دفين ثم قال اشتر الحصير وزيّن … لك بيتاً يليق بالتزيين قلت مالي بيت أزيِّنه أو … أي بيت فناؤه يحويني كل هذا الوجود بيتي ومالي … فيه نيت عند الدجى يؤويني كل ليل آوي لبيت كراء … بي لا يرتضي ولا يرضيني لست أشري الأثاث، كل أثاث … لعيوني يلوح، ملك عيوني كل هذا الوجود بيتي وفيه … من بديع الأثاث ما يكفيني فأثاث البيوت ليس بأبهى … من رياض الأقاح والياسمين صوروا البحر في الحصير لكي يش_رَى ويقني والبحر يزخر دوني وإذا صوروا الغواني بفلك … فخيالي مصوِّر ذو فنون صوَّروا الكائنات تزهو وعندي … صور فُقْنَ عالم التكوين وإذا كنت ما اقتنيت أثاثاً … فخيالي أبهى الأثاث يريني دمشق أحمد الصافي النجفي

стр. 2374

الشعر والموسيقى للشاعر الكبير بول فاليري عضو المجمع الفرنسي مترجمة بقلم الأديب عبد الرحمن صدقي خير عون على إدراك ما في عمل الشاعر من مشقة وصعوبة، أن نقارن بين ما في يديه من عتاد البداية، وبين العتاد الذي يتصرف فيه الموسيقار. فانظروا هنيهة ما هو مبذول لهذا وما هو مبذول لذاك وهما مقبلان على العمل، وقد خرجا من حيز النية إلى حيز التنفيذ فما أسعد الموسيقار! إن تطور فنه قد هيأ له حالة كثيرة المزايا. فوسائله معينة مفصلة، ومادة تأليفه موضوعة وضعها المحكم من قبله. وقد يصح تشبيهه بالنحلة حين لا يصبح لهغا هم غير عسلها، حين تكون أقراص الموم المنتظمة ونخاريب شهادها مصنوعة قبلها. فمهمتها مقدورة مقصورة على إخراج خير ما عندها. ذلكم حال الموسيقار. بل إنه ل يصح القول بأن الموسيقى قديمة الوجود، وأنها كانت تنتظر الموسيقار. وقد مضى عليها وهي تامة الوضع دهر دهير. فكيف كانت للموسيقى أوضاعها؟ نحن نعيش بالسمع في عالم الضوضاء، ومن جملة هذه الضوضاء تنفصم مجموعة من ضوضاء لها بساطة خاصة انفردت بها، بحيث تتميزها الأذن وتقوم لها بمثابة المعالم. وتلك عناصر لها فيما بينها علائق بديهية. وهذه العلائق الصحيحة الملحوظة بين العناصر ندركها إدراكنا للعناصر نفسها. فالفترة بين نغمتين نحسها مثل إحساسنا بالنغمة ومن ثم فهذه الوحدات ذات الرنين، هذه النغمات، قمينة بأن تتركب منها تلكم التواليف المطردة، وتلكم المنظومات المتتابعة أو المتحدة في الزمن، التي تطلع لنا فتروعنا ببنائها وسياقها وتواشجها وتقاطعها. ونحن نميز حق التمييز بين النغمة والضوضاء، ويومئذ ندرك التباين بينهما، وهذا إحساس له خطورة كبرى، لأنه التفريق بين الخالص وغير الخالص، ويستطرد ذلك إلى التفريق بين النظام والفوضى، وهذا أيضاً يرجع إلى أحكام قوانين ذات أثر فعال. ولكننا نكتفي بهذا

стр. 2375

القدر. وهذا التحليل أو التمييز للضوضاء قيض للإنسان إيجاد الموسيقى على أنها عمل قائم بذاته، واستغلال لعالم الأصوات. والفضل في إنجاز هذا أو على الأقل في ضبط سيره وتوحيده وجمع قوانينه، يرجع إلى علم الطبيعة، الذي صار استكشافه هو ذاته بهذه المناسبة وعرف بأنه علم المقاييس. وقد استطاع هذا العلم من قديم الزمان الملائمة بين القياس وبين الإحساس، وأمكنه البلوغ إلى نتيجة كبرى وهي إحداث الإحساس بالصوت على نحو دائم متماثل بواسطة آلات. وما هذه المعازف في حقيقتها إلا آلات للقياس! فالموسيقار يجد في حوزته مجموعة وافية من الوسائل المحدودة المفصلة تقابل بين الاحساسات والنغمات أتم المقابلة. عناصر عزفه حاضرة بين يديه، محصاة العدد، مرتبة الصفوف. وهذه الإحاطة الدقيقة منه بوسائله بحيث لم يقف عند الإلمام بها بل نفذ إلى كنهها وتزود بها في صميم نفسه، تمكنه من التقدير والتدبير، ومن البناء والتركيب، من غير أن يشغل خاطره بمادة عمله، وميكانيكية فنه بوجه عام. ويحصل من ذلك، أن يكون للموسيقى مجال خاص بها، هو مجالها على الإطلاق. وإذا عالم الفن الموسيقي، أي عالم الأصوات، ظاهر الانفصال عن عالم الضوضاء. وبينما أن حركة من الضوضاء لا تبعث في وعينا إلا حدثاً مفرداً، فإن نقرة واحدة من النغمات تبعث وحدها كل العالم الموسيقي. وهذه القاعة التي أحاضر فيها والتي تحسون فيها لغط صوتي أو غيره من شتى العوارض المسموعة، إذا أنتم سمعتم فيها على حين غفلة نغمة من النغمات، إذا اهتز وتر أو نبضت آلة منغومة. فإنه لا يكاد هذا الصوت الفذ الذي لا يخلط بغيره من الأصوات العادية يمس أسماعكم، حتى تحسون فيه فاتحة واستهلالاً وحتى ينشأ في الحال جو آخر، وتخيم على الجميع حالة انتظار خاصة، ويؤذن بالظهور نظام جديد بل علام جديد، وتتهيأ نفوسكم الصاغية لاستقباله، بل إن بها لجنوحاً من تلقاء نفسها إلى توسيع مقدماته؛ وإلى توليد احساسات لاحقة بالإحساس الوارد على نفوسكم، وعلى شاكلته وفي مثل صفائه. وكما توفر لنا الدليل طرداً فهو متوفر عكساً فإذا وقع في قاعة من دور السماع، والألحان ترن فيها وتسودها، أن هوى مقعد، أو سعل

стр. 2376

ساعل أو اصطك باب، فسرعان ما تشعر بانقطاع لا تدري ماهيته وبأن شيئاً لا يمكن وصفه، أشبه بالسحر، قد بطل أو بالزجاج، قد تكسر أو انشعب. وحاصل القول أن هذا الجو، هذا السحر القدير الوشيك العطب، هذا العالم من الأصوات ميسور لأهون مؤلف موسيقي وذلك بطبيعة فنهن وبما يفيده مباشرة من هذا الفن. وبخلاف هذا حالة الشاعر، فإن ما أوتيه أقل حظاً من صاحبه بما لا يحد. فتراه يعالج مطلباً لا يختلف كبير اختلاف عما يرومه الموسيقار وهو محروم مما تقدم بيانه من المزايا العظيمة. فهو ملزم بأن يخلق مبدئاً ومعيداً في كل دقيقة، ما يلقاه الآخر جاهزاً مهيئاً. يلقى الشاعر الأمور على شر حال من السوء والفوضى. فبين يديه هذه اللغة المعتادة، هذه المجموعة من الوسائل الجافية الغليظة التي يطرحها كل علم مضبوط لكي يبتدع لنفسه أدوات التعبير عن أغراضه. فالشاعر لابد له من استعارة هذه الطائفة من الألفاظ والقواعد المأثورة المنقولة غير المعقولة التي صاغها من صاغها غريبة في استعمالها، غريبة في تفسيرها، غريبة في قيد أحكامها. واقل الأمور صلاحاً لمقصد الفنان، هو هذه الفوضى الأصيلة التي ينبغي له في كل لحظة أن يستخلص منها عناصر النظام المنسوق الذي يريد استحداثه. ولم يرزق الشاعر بعالم من علماء الطبيعة فيحدد له الخصائص الدائمة لعناصر فنه، ويعين علائقها ونسبها والأحوال المتماثلة لإصدارها. وليس لديه مفتاح للدوزان! ولا ميزان لضبط حركة الأصوات ولا واضعون للسلم الموسيقي ولا متنطسون في أصول تركيب الأنغام! وليس يصح عنده علم يقين، اللهم إلا العلم بالتموجات الصوتية المعنوية في اللغة، إلى أن هذه اللغة لا ترد مورد النغمة في اتجاه واحد على السمع وهو الحاسة المثلى للتوقع والإصغاء، بل اللغة بعكس ذلك، خليط من المنبهات الحسية والنفسية غير متماسكة، ولك كلمة هي مجموع وقتي من المؤثرات لا رابطة بينها، فالكلمة تجمع صوتاً ومعنى، بل أخطأت، فإن كل كلمة هي عدة أصوات وعدة معان معاً، أجل، عدة أصوات، أصوات عداد ما في الوطن الواحد من أقاليم، بل عداد ما في كل إقليم من أناس، وهذا ظرف عصيب على الشعراء، إذ يفسد الوقع الموسيقي الذي دبروه، وتشوه معالمه بتصرف القراء. ثم، عدة معان، لأن الصور الذهنية التي توحيها لنا كل كلمة لا تخلو بوجه عام من اختلاف وصورها الثانوية

стр. 2377

التابعة جد مختلفات. فالقول شيء مركب، وهو مجموع خصائص مرتبطة بالفعل ومستقلة بطبيعتها في آن واحد. والكلام يمكن أن يكون منطقياً عامراً بالمعنى ولكنه خلو من الإيقاع خلو من الوزن، وقد يكون عذب الورود على السمع وهو سخف ولغو، وقد يكون واضحاً وفارغاً، غامضاً ولذيذاً. . . . ويكفي لتصوير ضروب الكلام وكثرتها العجيبة، أن نعدد سائر العلوم التي نشأت للتوفر على بحث هذا التنوع، وليستثمر كل علم عنصراً من عناصرها. فالواحد منا يستطيع دراسة نص من النصوص على وجوه شتى كل منها مستقل بذاته، فيمكنك الرجوع به دواليك إلى علم الصوت، وفقه اللغة، وتركيب الكلام والمنطق والبيان - وزد عليهما الوزن والاشتقاق. وهو هو ذا الشاعر يصارع هذه المادة غير المستقرة وغير الخالصة إلى حد بعيد. فهو مضطر إلى النظر طوراً فطوراً في رقة الألفاظ وفي معناها، واستيفاء الانسجام وتنغيم الفقرات، فضلاً عن شتى المطالب الفكرية والمنطق والنحو وموضوع القصيد وأفانين البديع والوشي بله المتواضع عليه من القواعد. فتأملوا مبلغ الجهد الذي تقتضيه معالجة الإتقان لكلام يجب أن تتوافر فيه، بمعجزة من المعجزات، جميع هذه المطالب دفعة واحدة.

стр. 2378

العلوم سمك البكلاه للدكتور أحمد زكي السماكة كالزراعة صناعة من أقدم الصناعات، بل هي أقدم من الزراعة لأنها صناعة صيد، والإنسان كان صياداً قبل أن كان زراعاً، يصطاد طعامه على الأرض وفوق الدوح وكذلك في الماء. وكانت طريقته في صيد ما على ظهر الأرض وما في الهواء مسك ما يمسك، وقذف ما يفلت بالحراب مصنوعة من الحجز والخشب ثم من الحديد. ولكن هذه الطرائق التي أساسها القوة لم تغنه في صيد أحياء البحار إلا قليلاً؛ لأن البحر غير الأرض، لم يخلق لحمل الرجل والحافر، والإنسان لم يؤت زعنفة ولا ذيلاً، وهو إن عام فاصطناعاً وتكلفاً، وفوق ذلك فالماء إذا سمك تعثر البصر فيه فلا ينفذ إلا يسيراً لذلك غير الإنسان طريقة الهجوم وعمد إلى الحيلة، إلى الختل والخديعة، فعقف إبرة ربطها بحبل أمسكه بيده، ثم كساها بما يصلح أن يكون طعاماً، ثم في الماء دلاها فجاءت تالسمكة المسكينة تسعى كالناس للرزق فلما وجدته وجدت تفيه حتفها. وطمع الإنسان في غلة من البحر كبيرة، والبحر أبو الخيرات، كثير الفيوض، فعمد إلى الحبل الطويل يمده بين السفينتين تتدلى منه الحبال تحمل الصنارات الكثيرة تخفت تحت ألوان من الطعام شهية لم تبذل عن سخاء. ثم جاء دور الشباك، ثم امتدت هذه وطالت حتى بلغت قيمها مئات الجنيهات. وجاء البخار فاستبدلت السفن الشراعية بسفن بخارية، وارتقت طرق الصيادة وأحكمت، فكثر المصيد وتعددت أنواعه واتسعت تجارته فأثرت الأمم وأغنتها. ومن الدول من يعتمد في أكثر ريعه واتزان ميزانيته على الدخل الذي يأتيها من السماكة. ولما كانت هذهالدول تصيد الأقل لنفسها، وتصيد الأكثر الكثير لغيرها من الأمم البعيدة النائية، وكان السمك قريب التحلل سريع العطب، عمدت إلى تحليله وتقديره، فأصبح يختزن منه بنسبة لا تختزن بها اللحوم، وصار ما يصاد في القطب يؤكل في خط الاستواء، ومن ذلك سمك البكلاه الذي نحن بحديثه اليوم. والبكلاه إسبانية معناها سمك الحوت، وهو سمك يقطن المناطق الشمالية من البحر الأطلسي ويقطن بحر الشمال والبلطيق؛ ويوجد كذلك في شمال المحيط الهادي، وتتحدد

стр. 2379

أخص مناطقه بخطي عرض ٠ و ٧٥ وهو لا يوجد في البحر الأبيض المتوسط. ويسكن من البحر أعماقه على مسافات تتراوح في الأغلب بين العشر قامات والمائة قامة، ولو أنه غوري في سكناه وعادته إلا إذا آن أوان إنساله غادر الأعماق الكبيرة ورحل في قطعان هائلة إلى أماكن من البحر يترجح عمقها بين ٢٠و٣٠ قامة يكون فيها أقل استهدافاً للمهالك، فإذا هو بلغها ألقى بيضه فطفا في الماء، ويحدث هذا غالباً في يناير وفبراير ومارس، فإذا فقس البيض وتبدل واستتم خلقه تدرج في النزول إلى الأغوار الأعمق وعندئذ يبدأ يعيشكما عاش آباؤه، فإذا بلغ من العمر سنة استطال حتى ليبلغ ثمانية من البوصات، ثم يزداد في الطول عاماً بعد عام، حتى إذا استتم عامه الرابع أدرك فاستطاع أن يكون أباً أو أماً، ويكون طوله عندئذ نحو قدمين، وإذا امتد به الأجل عاش إلى أن يطول إلى خمسة أقدام وبلغ ثمانية من البوصات، ثم يزداد في الطول عاماً بعد عام، حتى إذا استتم عامه الرابع أدرك فاستطاع أن يكون أباً أو أماً، ويكون طوله عندئذ نحو قدمين، وإذا امتد به الأجل عاش إلى أن يطول إلى خمسة أقدام وإلى أن يزن خمسين رطلاً. وتبيض الأنثى من الحوت بيضاً يتذبذب عدده بين المليون والعشرة الملايين في الفصل الواحد تبعاً لحجم الأنثى وزنتها. ويبلغ قطر البيضة جزءاً من عشرينمن البوصة، وليس كل البيض بفاقس، فأكثره يذهب طعمة لغادي السمك ورائحه، وكثير منه يهلك فلا يستتم إنضاجه بسبب مؤثرات فيزيائية لا طاقة له بها، وقد عرفت الطبيعة منه ذلك فزادته عدداً لكي يفلت منه المقدار الذي لابد منه لاضطراد وجوده. وأكثر صيد الإنسان للحوت يكون في فص إنساله، ذلك لأنه فص التجمع فالترحل إلى سطوح من قيعان البحر أقرب إلى يد الإنسان. وأشهر هذه السطوح مواضع ثلاث، ساحل النرويج، وجزيرة أسلن وجزيرة نيوفوندلند وهي لذلك أشهر مصايد الحوت. وعدادها قيعان ضحلة ببحر الشمال بين بريطانيا والقارة الأوربية. أما مصايد النرويج فقد هيأت لها الطبيعة ساحلاً متعرجاً، يدخل فيه البحر تارة ويدخل هو فيه تارة أخرى، وينحدر شاطئه في الماء انحداراً باغتاً كبيراً. وفي قبالة هذا الساحل سلسلة جزائر اللوفوتي في حذاء الشاطئ النرويجي وتستدير قليلاً مع استدارته، تنحو عليه، كأنما

стр. 2380

تحميه من أنواء البحر الطلق وأمواجه. وعدا هذا تأتي الشاطئ التيارات المائية الدافئة من خط الاستواء من حرارته فتقل نحواً من عشرين درجة عن حرارة أي نقطة من الكرة الأرضية على خط عرضه. ولهذا لا تتجمد البحار النرويجية في الشتاء، فهي تهيئ بقيعانها وطيب جوها مناخاً مستطاباً لقبائل الحوت تنزح إليه لتؤدي في كنف الحب واجب الحياة الأول. أما مصايد جزيرة نيوفوندلند فأوفقها منطقة تتكون من سلسلة جبال علاها الماء نحواً من ثمانين قامة، قممها تحت الماء من رمل وطين، يرحل إليها الحوت في جماعاته فيجد عندها مسكناً ومستقراً إلى حين. ويزيد في صلاح هذه المنطقة تياران بحريان يلتقيان هنالك، يحملان معهما مقادير لا حصر لها من أحياء متعضونة صغيرة ومن الفطريات، غذاء طيب لا للحوت ولكن لأسماك قشرية وأخرى رخوة يعيش الحوت بدوره عليها. كذلك لجزيرة أسلن وللبحر الشمالي ميزات من ضحولة واسستار عن هائجات المحيط تجعل الحوت يقصدها. وتعود السفن بحمولاتها من الحوت، فيشق ويغسل باطنه ثم يملح. وبعد استكمال ملوحته يجفف إما في الشمس إن كانت. وأما في حجرات سخن هواؤها بالفحم، وذلك إلى أن يبلغ درجة من الجفاف معروفة. وقد يجفف بلا تمليح. ثم يصدر هذا القديد، وهو المعروف عندنا بالبكلاه، إلى أوربا الجنوبية ومصر والقارة الأفريقية. أما كبد الحوت فتعالج بالبخار وهي صبيحة فتدر بزيتها المشهور. ولحم الحوت أبيض لذيذ الطعم وهو طازج، سهل الهضم إلا أنه قليل التغذية نسبة إلى غيره وذلك لقلة دسمه، حتى كأنما تركز دسمه في كبده فافتقدته سائر الأعضاء. أما زيته فغذاء طيب كسائر الزيوت ويمتصه الجلد سريعاً فيغذي به الأطفال في بعض الأمراض بدعك بطونهم به. وكشفوا فيه عن فيتمين من الفيتمينات التي تذوب في الدهن فطلبه الطب فغلا ثمنه. والزيت النقي له طعم جميل كطعم الزبدة لا رائحة للسمك فيه، ولكنه سريع العطب بالتأكسد وينشأ عن هذا التأكسد طعمه الكريه، والزيت يتأكسد ولو احتجب عن الهواء لأن به أكسجيناً ذائباً يكفي لإفساد نكهته. والطريقة الحديثة لوقايته من ذلك تتلخص في تفريغ ما فوق الزيت من هواء كائناً ما كان، فينبعث منه كل غاز مذاب، ثم يطلق في الفراغ الحاصل غاز الكربون فيحل في الزيت محل

стр. 2381

الهواء. ويقدر الحوت المصيد في السنة بما بين ٣٠٠و٤٠٠ مليون حوتة، ثمنها دون دون الزيت خمسة ملايين من الجنيهات والطازج منه كثير في إنجلترا فقد قصد صيادوها بعد الحرب العالمية إلى منافسة الأمم في اصطياده فبرزوا عليهم. والطازج منه رخيص في إنجلترا، كنا ندفع في الرطل منه ستة بنسات أو دون ذلك. أما القديد فثمن الرطل منه دون هذا. والحوت له المحل الثاني في جدول أسماك العالم الاقتصادية أما المحل الأول فلسمك الرنكة المعروف بالرنجة ولا نراه في مصر إلا مملحاً أو مدخناً. وقد بدأ القلق يظهر خشية على الحوت والرنكة وغيرهما من الأسماك أن تنفد من المحيطات وذلك لإمعان الإنسان في اصطيادها ولتحسن العدة التي يستخدمها في ذلك، فهو بتحسنها يأتي بالمحصول الأكثر لقاء مجهود أقل وزمن أقصر. وهم يحاولون اتقاء هذا بإغلاق المصايد أحياناً، وبإنشاء المرابي الصناعية أحياناً أخرى. ويطهر أن الطريقة الأولى هي الوحيدة الناجعة، إذ لابد من أن يتباطأ الصيد حتى يتمشى مع سرعة إنسال السمك فلا يصيد الإنسان غير المزيد. أما الطريقة الثانية فتقليد للطبيعة عسير، وقد دلت التجارب على أن تلك المرابي يأتي أكبرها في العام من الخلف بالمقدار الذي يأتيه بضع مئات فقط من الحوت الطليق في المحيط. ومصر، مصر الواقعة جنوب البحر الأبيض؛ وغرب البحر الأحمر، وكلاهما مزرعتان تناهضان في أمل الثراء ضياع الدلتا والصعيد، ما دخلها مما أحاطها الله من بحاره؟ لا أدري. إنما الذي أدريه أنها في يوم عيدها القومي تأكل سمك البكلاه، وهو لا ينزرع في بحرها الأبيض، إنما يأتي من أصقاع بعيدة نائية. أحمد زكي

стр. 2382

العالم المسرحي والسينمائي الدرامة والحياة لناقد (الرسالة) الفني من الجلي الواضح أننا قبل أن نطرق بحثاً كهذا، علينا أن نتريث برهة نسائل فيها أنفسنا ماذا نعنيه تماماً بكلمة (درامة) - أو بمعنى آخر - ما هو التعريف الذي نستطيع أن نضعه لفن الدرامة إذا ما قورن بالفنون الأخرى كالشعر والتصوير والقصص؟ من الواضح أن الدرامة فن، ولكن أي القيود نستطيع بها أن نحدد صفاته الخاصة التي تميزه عن الفنون الأخرى؟ ولقد يبدو هذا عند النظرة الأولى سهلاً ميسوراً ومطلباً هيناً لا عسر فيه ولا عناء، ولكن قليلاً من التفكير يكشف لنا عن الصعاب التي تواجهنا، وتقد يكون من الخير لنقدر دقة هذا المطلب العسير أن نرجع خطوة أو خطوات إلى الوراء فنمر سراعاً عاجلين بتلك المحاولات التي بذلها أقطاب هذا الفن في تاريخه الطويل ليجيبوا على هذا السؤال وليضعوا لفن الدرامة تعريفاً واضحاً وصريحاً. من أولى النظريات التي وضعت في هذا الصدد ومن أكثرها ذيوعاً وانتشاراً، تلك النظرية التي نستطيع أن نسميها (نظرية التقليد) والمحاكاة. ولعل من الخير أن نذكرها في أبسط صورها كما جاءت في أقوال (شيشرون) الخطيب الروماني المعروف، فالدرامة عنده (نسخة للحياة، مرآة للعادات، انعكاس للحقيقة) وهذا التعريف، إذا صح أن نسميه كذلك، قال به كثير من النقاد المتعاقبين مئات من السنين، واتخذ أساساً لأبحاث فنية لا عد لها، خصوصاً في عصر النهضة (رنيسانس). بل لقد وجد حتى في العصور الأخيرة أنصاراً وأشياعاً لأنه يتمشى مع أغراض الكتاب الواقعيين (ريالست) في القرن التاسع عشر. ومن أنصار هذه النظرية في تعريف الدرامة زولا الكاتب الفرنسي المعروف وبومارشيه رجل المسرح الشهير. ومن المقدمة التي وضعها الأول لروايته (تيريس راكوين) ومن كتاب الثاني عن الفن المسرحي نستطيع أن نستخلص الكثير من العبارات التي ندلل بها على أن المثل الأعلى للمسرح عند الاثنين أن يكون (مرآة الحقيقة وصورة مطابقة لما في الحياة) فإذا أخذنا بهذا الرأي وبحرفيته قلنا أن الدرامة اقتباس من الحياة. وهذا معناه أن المؤلف

стр. 2383

المسرحي الحق يجب أن يضع نصب عينيه أن يكتب لنا مشاهد للمسرح تطابق قدر المستطاع ما يحدث في الحياة أو يمكن حدوثه فيها حتى لتجيء هذه المشاهد كالصور وخيالها في المرآة أو كالنسخ المتعددة المتطابقة للشيء الواحد. وتكون محاورات أبطال الرواية الأروع والأجمل إذا كانت تنقل لنا نفس الحديث، بل الكلمات والألفاظ للحوار الذي يقع بين الأحياء كما ينقله الحاكي دون نقص أو زيادة، ويكون اجمل ما في الرواية صدقها وأمانتها للحقيقة. وإذا نظرنا إلى هذه الآراء في مجملها قد نغرى بأن نصدق أن ثمة ما يمكن أن يقال للدفاع عنها أو تأييدها، ولكن لو فكرنا قليلاً لتبين لنا زيفها وخطؤها. وبغض النظر عما إذا كان في مقدور المرء أن يعتبر أن المؤلف المسرحي ليس أكثر من حاكي يسجل ما يسمع وينقله حرفياً إلى المسرح، فإنه من السهل أن نتبين أن هذا المثل الأعلى للدرامة مستحيل لأن الرواية المسرحية لا يمكن أن تكون صورة مطابقة تمام المطابقة للحياة. وحتى إذا فرضنا أن المؤلف في أحد مشاهد روايته نقل نفس الألفاظ التي تحدث بها فعلاً الأشخاص الذين اتخذهم كنماذج لأبطاله، فإن الحقيقة الواقعة من أن هذا المشهد فصل عما سبقه أو تلاه من المشاهد الأخرى تجعله شيئاً صناعياً محضاً، أو بمعنى آخر تكسبه الصبغة الفنية. وإذا لم يستعين لمؤلف بالآلات الميكانيكية المسجلة للأصوات، فإنه لا يستطيع أن يطمع في نقل الحوار الذي دار في الحياة الحقة بألفاظه وحروفه وتفصيلاته نقلاً دقيقاً غاية الدقة لا تحريف فيه. فإذا كان المؤلف هو الذي خلق المشهد وخلق أبطاله، كما يحدث على الأغلب، لكان من السخف أن نتخيل أن هذا المشهد لو أنه حدث حقاً في الحياة، لتحدث هؤلاء الأبطال، لو أنهم أحياء من لحم ودم، بنفس هذه الكلمات ولدار بينهم هذا الحوار دون زيادة أو نقنص. فمطابقة الحياة في الدرامة شيء مستحيل ومطلب عسير فالريالزم الحق لا وجود له، ثم هو بعد ذلك ليس من عمل الفنان، لأنه ليس من الفن. ولم يكن في يوم من الأيام مطمح كبار الكتاب الخالدين بآثارهم المعروفة، ولا المثل الأعلى الذي حاولوا تحقيقه بأعماله وكتاباتهم ونحن إذا أخذنا بهذه النظرية في معناها الحرفي وحدودها الضيقة طرحنا من مكتبة الفن أحسن ما فيها من أعمال رجال الأدب والمسرح وألقينا بمخلفات أشيل وارستفان وشاكسبير وموليير وأندادهم طعمة للنار.

стр. 2384

فإذا أردنا أن نتحرر من هذا الحرج وأن نأخذ هذه النظرية، نظرية التقليد أو المحاكاة، بمعنى أوسع وأرحب، كان لنا أن نعود إلى أرسططاليس الذي جعل أساس آرائه أن الفن في مجمله ينطوي على عنصر التقليد، وأظن أننا في غنى أن ندخل في بحث مستفيض في هذا الصدد وحسبنا أن نقول أن أرسططاليس قد ذكر أن التقليد هو أصدق تمثيل للحقيقة إلا في النادر القليل. ومن المعروف أن النصوص التي وجدت ونسبت إلى الفيلسوف اليوناني القديم والتي يتحدث فيها عن فن التراجيديا والشعر القصصي اتخذت مرجعاً لرجال الفن ونقاده في شتى العصور وكانت لها مكانة القداسة في عصر النهضة وأطال مناقشتها وبحثها كثير من النقاد في العصر الحديث. ومن الخير أن نلم بهذا كله قدر المستطاع وهو ما سنحاوله في القريب العاجل إن شاء الله. ونعود إلى بحثنا لنكرر ما قلناه في أسطر سلفت من أن نظرية التقليد وجدت في العصور الحديثة مشايعين وأنصاراً ولكن في معناها الشامل الرحب، وهناك فيكتور هوجو الذي قال في المقدمة التي وضعها لرواية كرمويل (لقد قيل إن الدرامة مرآة تنعكس فيها الطبيعة. ولكن إذا كانت هذه المرآة عادية، مسطحة لامعة، فإنها لا تقدم لنا إلا صورة ضئيلة للأشياء التي تعكسها دون أن تبرزها، صورة صادقة ولكن لا روح فيها، ومن المعروف أن اللون والضوء ينعدمان في الانعكاس البسيط. فالدرامة على ذلك يجب أن تكون مرآة تتركز فيها المرئيات، وبدلاً من أن تضعفها تجمع الأشعة وتكثفها وتطغى عليها قوة التركيز فتجعل من القبس شعاعاً، ومن الشعاع لهيباً وهاجاً، وبهذا وحده تستحق الدرامة أن تكون فناً له خطره وقيمته). وهذه العبارة في وضوحها وقوتها لها أهميتها الكبرى فيما نحن بصدده، وتتمشى معها كلمة سارسيه من أكبر نقاد المسرح الفرنسي إذ (يقول إن الطبيعة المجردة على المسرح لا تثير اهتمام الجمهور بل تبدو له فضلاً عن ذلك مزيفة كاذبة). ويضيف (في رأيي أن الحقيقة إذا أظهرت على المسرح بصدق وأمانة بدت مزيفة للجمع الحاشد من المتفرجين. إننا نعد فن الدرامة الخلاصة التي تمثل الحياة على المسرح ونعطي الجمهور عن طريقها خيال الحق). وقد لمس بعض النقاد في عصور متقدمة هذه الحقيقة ولكن في صورة غامضة مبهمة

стр. 2385

وذكرها هيدلين الناقد الكبير في قوله (إن المسرح لا يمثل الأشياء كما هي، بل كما يجب أن تكون) وشبيه بهذا ما يقوله جوته (إن من يعمل للمسرح عليه أن يدرسه، ويتفهمه حق الفهم، وأن يلم بتأثير المناظر المسرحية والإضاءة والألوان من نواحيها المختلفة، وليترك الطبيعة في مكانها اللائق بها) وما نستطيع أن نلخص هذه النظرية بأصدق وأوجز مما لخصها به أحد كبار النقاد الذين يعتد بهم حيث قال: إن الدرامة ليست نسخة من الطبية ولكنها تقليد ومحاكاة لها) وإذا رجعنا إلى الآراء التي مررنا بها في هذا المقال لماماً وجدنا أن أجداها وأثمرها ذلك الذي يتحدث عن الدرامة كمرآة مركزة تجعل من القبس شعاعاً ومن الشعاع نوراً وهاجاً. وإنا لنلمس صدق هذا التحليل إذا ما درسنا الأعمال الفنية الخالدة، لأن الكاتب الموهوب، عندما يقتبس لمحة من الطبيعة، لا يقنع بعرضها مجردة من الروح والحياة، بل يسبغ عليها من وحي فنه وعبقريته ما يسمو بها إلى قمة الخلود ويجعل منها مشاهد قوية مثيرة تلهب الحواس والشعور وتصبغ العمل ذاته بالصبغة الفنية الحقة. وهذه إحدى خصائص الفنان الحق.
следующие страницы →