← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[مجلة الرسالة]ـ أصدرها: أحمد حسن الزيات باشا (المتوفى: ١٣٨٨ هـ) عدد الأعداد: ١٠٢٥ عددا (على مدار ٢١ عاما) [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد]

стр. 2

العدد ١ - بتاريخ: ١٥ - ٠١ - ١٩٣٣

стр. 3

الرسالة . . . وأخيراً تغلب العزم المصمم على التردد الخوار فصدرت الرسالة: وما سلط على نفوسنا هذا التردد إلا نُذُر تشاع وأمثال تروى. . وكلها تصور الصحافة الأدبية في مصر سبيلا ضلت صواها وكثرت صرعاها فلم يوفِ أحد منها على الغاية، والعلة أن السياسة طغت على الفن الرفيع، والأزمة مكنت للأدب الرخيص، والأمةمن خداع الباطل في لَبْس من الأمر لا تَمَّيز ما تأخذ مما تدع! فلما تناصرت على هذه الوساوس حجج العقل، ونوازع الواجب، وعِدَات الأمل، أُصبحت الأسباب التي كانت تدفع إلى النكول بواعث على الإقدام وحوافز للعمل، لأن غاية (الرسالة) أن تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع، وبهْرجَ الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة الأمة بتوضيح الطريق. أجل هذه غاية الرسالة! وما يَصْدِفنا عن سبيلها ما نتوقع من صعاب وأذى، فإن أكثر الناهضين بها قد طووا مراحل الشباب على منصة التعليم، فلا يعييهم أن يُخلقوا بُرْد الكهولة على مكتب الصحافة، والعملان في الطبيعة والتبعة سواء، ومن قضى ربيع الحياة في مجادب ذلك، لا يشق عليه أن يقضي خريفها في مجاهل هذا! أما مبدأ الرسالة فربط القديم بالحديث، ووصل الشرق بالغرب. فبربطها القديم بالحديث تضع الأساس لمن هار بناؤه على الرمل، وتقيم الدَّرَج لمن استحال رقيه بالطفور! وبوصلها الشرق بالغرب تساعد على وجدان الحلقة التي ينشدها صديقنا الأستاذ أحمد أمين في مقاله القيمبهذا العدد. والرسالة تستغفر الله مما يخامرها من زهو الواثق حينما تَعِد وتتعهد. فإن اعتمادها على الأدباء البارعين والكتاب النابهين في مصر والشرق العربي، واعتصامها بخلصانها الأدنين من أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر، وهم صفوة من خرَّجت مصر الحديثة في مناحي الثقافة، إذا اجتمعا في نفسها مع ما انطوت عليه من صدق العزم وقوة الإيمان أحدثا هذه الثقة التي تِشيع في الحديث عن غير قصد. على أن للرسالة من روح الشباب سندا له خطره وأثرهُ، فإنهم أحرص الناس على أن يكون لثقافتهم الصحيحة مظهر صحيح. وما دامت وجهة الرسالة الأحياء والتجديد، وطبيعة الشباب الحيوية والتجدد، فلا بد أن يتوافيا على مشروع واحد! فإلى أبناء النيل وبَردى والرافدين نتقدم بهذه الرسالة، راجين أن تضطلع بحظها من الجهد المشترك في تقوية النهضة الفكرية، وتوثيق الروابط الأدبية، وتوحيد الثقافة العربية، وهي

стр. 4

على خير ما يكون المخلص من شدة الثقة بالمستقبل. وقوة الرجاء بالله. أحمد حسن الزيات

стр. 5

حوادث وأحاديث أحمد حسن الزيات شوقي وحافظ تصدر الرسالة والأسى لا يزال يرمض القلوب على حافظ وشوقي. ولئن رمت المنون لسانيهما الذليقين بالصمت الأبدي، فقد تركت حظيهما يتنازعان الذكر على ألسن الناس. وكان حظ شوقي في مماته كما كان في حياته شديد السطوع قوي البهر فكسف حظ أخيه! وكاد حافظ البائس يضيع في شوقي المجدود كما ضاع موت المنفلوطي في موت سعد! كان لشوقي المأتم الحافل، والتأبين الفخم، والوفود تترى، والحفلات تقام، والمراثي تفيض بها الصحف، والحكومة تطبع كل ذلك بالطابع الرسمي، فتزيده أبهة وروعة! وكان لحافظ المأتم المتواضع، والجنازة الصامتة، والتأبين الموعود، وأصدقاء خلص يئنون في كل حين أنة، ثم يتركونها تتلاشى كما يتلاشى الرجع البعيد!! الزعامة والشعر خلا ميدان الشعر فجأة من قائديه العظيمين فحدث في صفوف الشعراء اضطراب وفوضى! وقام في (السقيفة) المقلدون والمجددون يقولون: منا أمير ومنكم أمير! وهناك أرسل الدكتور طه حسين حُكمه المعروف فزاد الخلاف شدة والجدال حدة! قضى للعراق بأمارة الشعر التقليدي. فغضبت مصر! وكان الأستاذ الهراوي أشد المصريين حنقاً وأعنفهم خصومة. فهو يقول في إستنكار وأنفة. إنه بايع الشاعرين، مبايعة علي للشيخين! ثم ينشد في ذلك أبياتاً فيها معارضة وفيها شدة وفيها جمال، وينتهي إلى أن هذا الحُكم قد أخزى مصر وقضى على نهضة الشعر!! ثم يعود فيستطرد إلى لوم الناقدين والمجددين، وينعى على وزارة المعارف إنصرافِها عن تعضيد الشعر، ويقترح عليها، والله أن تنشئ في ديوانها قلماً يسمى قلم الشُعراء تحمل عنهم فيه أكلاف العيش، وتغلق عليهم باب الغرفة، ثم تقول لهم: قولوا شعراً! ونسي صديقنا الهراوي أن يطلب إلى الوزارة أن تزود كل شاعر بسبحة يعد عليها أبيات الشعر، كما يعد صوفيو التكية كلمات الذكر!! أما شعراء الشباب الذين لا يجرون على أسلوب الهراوي والزين والكاشف ومحرم ونسيم؛

стр. 6

فهم راضون ببراءة مصر من معرة التقليد ماضون كل المضي إلى التفوق والتميز من طريق الإنتاج والتنافس. وسورية؟ وسورية التي تجعل من خمائلها ورباها وادي عبقر، وتدل بشعرائها المجددين في الوطن والمهجر، لا يرضيها أن تمر الزعامة بأراضيها إلى العراق دون أن تحيّ أو تلتفت على الأقل! فلقد هبت (العاصفة) تدافع رأي الدكتور في حدة وعنف، وتقول مع السيد نجار: ما للدكتور يرسل الزعامة إلى العراق في طيارة، وكان يكفيه أن يرسلها إلى صاحبها مطران في سيارة.؟ والعراق؟ والعراق هل اغتبط بهذه الزعامة؟ أما الرصافي فيرجو أن يكون خليفة لشوقي وحافظ ثم يسعه ما وسعهما من حُكم التاريخ وتقدير النقد. وأما الزهاوي فأنا اعلم إنه يؤثر أن يكون في ساقة المجددين على أن يكون في طليعة المقلدين. والظاهر أن شعراء العراق قد سرهم هذا التفضيل على علاته، ولكن ساءهم أن يوجه إلى شاعرين معينين. فقد نشر (أديب متقاعد) في جريدة الأخبار البغدادية فصلاً قيماً ينكر فيه استعمال الإمارة والدولة في لغة الشعر ويتساءل عمن جاد على شعراء مصر بهذه الألقاب، ويلاحظ بالحق حرص المصريين على الألقاب وزهد العراقيين بها. ويشكر للدكتور طه ترجيحه العراق على أية حال، ولكنه ينكر رأيه في تعيين جهة الزعامة، (لأنه رأي فرد بعيد عن العراق فلا يصح الاستناد إليه في حكم من الأحكام). ثم تعصف النخوة في رأس الشاعر الشَاب محمد مهدي الجواهري فيرسل إضبارة كبيرة من شعره إلى الدكتور طه وكأنه يقول له: لو كنت قرأت هذا الشعر لما وجهت الزعامة إلى غير هذا الشاعر! وإذن؟! وإذن نستميح صديقنا الدكتور أن يدعها الآن فوضى حتى تسفر جهود الشباب عن عبقرية هذا الزعيم!. .

стр. 7

مصر في دورة الفلك للدكتور محمد عوض محمد الأستاذ بمدرسة التجارة العليا على الرغم مني أعود إلى التفكير فيك، وعبثاً أحاول أن أصرف فكري إلى حديث غير حديثك، وذكر غير ذكرك. . ولماذا أصرف فكري عنك؟ ألأني آلم إذ أفكر فيما تعانين، وما قد عانيت على مر السنين؟ ألم تعد في النفس بقية من الشجاعة؛ فأقابل بها الحقيقة؛ وإن كان أعذب ما فيها علقماً مريرا؟. . ألعلي أخشى أن أدمنت التفكير فيك، أن أكون أبداً مقطب الجبين، سجين الكآبة، ثائر الفؤاد؛ لا أستقر على قرار، ولا أعرف للحياة لذة: فلا يبسم لي ثغر، ولا تقر لي عين؟ لماذا أصرف الفكر عنك؟ ألأني رويت من نميرك، وغذيت من ثراك، ونشقت من نسيمك، ورتعت في رياضك، وأظلني دوحك، وأطربني شدو غناء أطيارك. وهداني بدرك المنير إلى سر الجمال، وسماؤك الصافية إلى وحي الخيال، ونجومك اللامعة إلى جلال الكون، وشمسك المشرقة إلى قدرة الخالق؟ مع هذا أحاول أن أصرف فكري عنك؟ فأي عقوق هذا العقوق؟ وأي جحود هذا الجحود؟ أي مصر؟ لقد كنت من قبل عظيمة جليلة. كنت من قبل ورأسك يسامي النجم. وقد ترامت على أقدامكِ الأمم؛ لتقتبس منك النور؛ وتلتمس منك الهداية. لقد كنت وفي كفك الهائلة صولجان من الذهب ذو كرة مشرقة لامعة. يوم أن كانت الشعوب الأولى في ظلامها الحالك؛ مالها موئل غيرك؛ يوم لا نور إلا نورك؛ ولا هدى إلا هديك. كانت في كفك كنوز الحضارة؛ وكنت تنثرينها بسخاء؛ للقريب والبعيد. فباتوا وهم أغنياء بما التقطوا من خيراتك، وما اقتبسوا من هباتك. ثم حالت الحال، فأمسيت وقد تحطم الصولجان، وكسر الجناح وانتُهك الحمى! وذُلَ الأنف العزيز وانسَكَبَ الدمع العصي!!

стр. 8

فماذا دها الكون؟ وأي إصبع قد أدارت الفلك تلك الدورة الهائلة، حتى قلبته رأساً على عقب؟ يقولون إنك قد عقمت!. . عقمت فأصبحت لا تلدين الأحرار، ولم يعد ثراك ينبت الأبطال! أجل يزعمون أن تُربَتكِ لم تعد تخرج إلا الزعانف والقزم: الذين همهم من العيش شهواتهم. ويعيشون فوق ثراك كالحشرات الطفيلية، يستمرئون خيره، ويحتسون رحيقه، ثم لا يخطر لهم أن يذودوا عن حوض رواهم، وموئل آواهم، ودوحة أظلهم فرعها وغذاهم ثمرها. . ما هم بالرجال ولا بأشباههم، ولا يجري في عروقهم دمٌ، بل جبن مذل. وخنوع مهين! يقولون هذا كله عن بنيك يا مصر. فيا ليتهم كذبوا فيما أدعوه ويا ليت بنيك ينهضون لتكذيبهم! أي مصر! يقولون أن العام ربيع بعده صيف، يتلوهما خريف وشتاء. فهل مضى ربيعان وبان؟ أكتب لك الشتاء الأبدي والزمهرير السرمدي؟ إن كان هذا حكم الدهر فما أجوره! إن كان هذا حكم القضاء فما أقساه!

стр. 9

حلقة مفقودة للأستاذ احمد أمين الأستاذ بكلية الآداب بالجامعة المصرية في مصر حلقة مفقودة لا نكاد نشعر بوجودها في البيئات العلمية مع أنها ركن من أقوى الأركان التي نبني عليها نهضتنا. وفقدانها سبب من أسباب فقرنا في الإنتاج القيم والغذاء الصالح. تلك الحلقة هي طائفة من العلماء جمعوا بين الثقافة العربية الإسلامية العميقة وبين الثقافة الأوربية العلمية الدقيقة، وهؤلاء يعوزنا الكثير منهم؛ ولا يتسنى لنا أن ننهض إلا بهم، ولا نسلك الطريق إلا على ضوئهم. إن أكثر من عندنا قومتثقفوا ثقافة عربية إسلامية بحتة وهم جاهلون كل الجهل بما يجري في العصر الحديث من آراء ونظريات في العلم والأدب والفلسفة لا يسمعون بكانت وبرجسون، ولا بأدباء أوربا وشعرائها، ولا بعلمائها وأبحاثهم. اللهم إلا أسماء تذكر في المجلات والجرائد والكتب الخفيفة لا تغني فتيلا ولا تستوجب علما. وطائفة أخرى تثقفت ثقافة أجنبية بحتة يعرفون آخر ما وصلت إليه نظريات العلم في الطبيعة والكيمياء والرياضة ويتتبعون تطورات الأدب الأوربي الحديث وما أنتج من كتب وروايات وأشعار، ويعلمون نشوء الآراء الفلسفية وارتقاءها إلى عصرنا، ولكنهم يجهلون الثقافة العربية الإسلامية كل الجهل. فان حدثتهم عن جرير والفرزدق والأخطل أشاحوا بوجوههم واعرضوا عنك كأنك تتكلم في عالم غير عالمنا؛ وان ذكرت الكندي والفارابي وابن سينا قالوا أن هي إلا أسماء سميتموها ما لنا بها من علم، وماذا نحصل من هؤلاء إلا على جمل غامضة ومعان عميقة لا تفيد علما ولا تبعث حياة. وبالأمس كنت أتحدث مع طائفة من المتعلمين عن البيروني العالم الإسلامي الرياضي المتوفي سنة ٤٤٠ هـ وما كشف من نظريات رياضية وفلكية وان المستشرق الألماني سخاو يقرر أنه أكبر عقلية عرفها التاريخ في كل عصوره. وأنه يدعو إلى تأليف جمعية لتمجيده وإحياء ذكره تسمى جمعية البيروني. فحدثني أكثرهم انه لم يسمع بهذا الاسم ولم يصادفه في جميع قراءاته وهو يعرف عن ديكارت وبيكون وهيوم وجون ستوارت مل كثيرا، ولكنه لا يعرف شيئا عن فلاسفة

стр. 10

الإسلام. ومثل ذلك قل في الأدب العربي والأوربي والعلم العربي والأوربي كل ثقافته العربية في كتاب القواعد وأدب اللغة للمدارس الثانوية أن كان قد بقي منها شيء في ذاكرته. هاتان الطائفتان عندنا، يمثل الأولى خريجو الأزهر ودار العلوم ومدرسة القضاء، ويمثل الأخرى نوابغ خريجي المدارس العصرية والبعثات الأوربية. أما الذين حذقوا العربية والعلوم الإسلامية ونالوا حظا وافرا من الثقافة الأجنبية فأولئك هم الحلقة المفقودة في مصر، وفقدانها سبب الركود في الحياة العقلية والأدبية. ذلك أن الأولين إذا أنتجوا فعيب إنتاجهم أنهم لم يستطيعوا أن يفهموا روح العصر ولا لغة العصر ولا أسلوب العصر، وإنما التزموا التعبير القديم في الكتابة، والنمط القديم في التأليف، وتحجرت أمثلتهم ومل الناس بلاغتهم، وعمادها رأيت أسدا في الحمام وعضت على العناب بالبرد، وعشرة أمثلة من هذا الطراز. ومل الناس نحوهم ومداره ضرب زيد عمرا ورأيت زيدا حسنا وجهه، وسئم الناس منطقهم، وكله الإنسان حيوان وكل حيوان يموت فالإنسان يموت وهذا حجر وكل حجر جماد فهذا جماد. ضجوا بالشكوى لأن الناس لا يسمعون منهم، وضج الناس بالشكوى لأنهم لا يأتون بجديد ولا يضعون القديم في شكل جذاب، ولا يلمسون الحياة التي يحيونها ولا البيئة التي يعيشون فيها فانصرفوا عن الناس وانصرف الناس عنهم ورضوا أن يعيشوا في جوهم الخاص ورضى الناس منهم بذلك وسلكوا سبيلا غير سبيلهم واتبعوا دليلا غير دليلهم. وأما الآخرون فضعفت ثقافتهم العربية الإسلامية، فلما أرادوا أن يخرجوا شيئا لقومهم أمتهم أعجزهم الأسلوب والروح الإسلامي. فلم يستطيعوا التأليف ولا الترجمة وحاولوا ذلك مرارا فلم يفهم الناس منهم ما يريدون وسبوا القراء ورموهم بالضعف والانحطاط، وسبهم القراء ورموهم بالعي وانهم لا يفهمون ما يكتبون فعاشوا في أنفسهم ولأنفسهم ورضوا من الغنيمة بالإياب. كان من نتيجة ذلك أن الأدب العربي الإسلامي والعلم العربي الإسلامي والفلسفة العربية الإسلامية على غناها ظلت دفينة لا ينتفع بها، تنتظر جبلا جديدا يسيغها ويهضمها ويبرزها في شكل تألفه الناس، وأن الأدب الغربي والعلم الغربي والفلسفة الغربية حرم منها أكثر

стр. 11

الشرقيين ولم يصل إليهم إلا نوع خفيف ينشر في المجلات والجرائد وأمثالها يقرؤها الناس ليطردوا بها الضجر أو يستعطفوا بها النوم، فأما أدب غزير وعلم عميق وكتب محترمة ومجلات قيمة فقليل نادر. والذي جر إلى فقدان هذه الحلقة أن التعليم عندنا سار في خطين متوازيين لم يلتقيا، فالتعليم العربي الإسلامي سار في خط، والتعليم المدني الحديث سار في خط آخر، ولم تكن هناك محاولات جدية لتلاقي الخطين أو ربط بعضهما ببعض. لا أمل في إصلاح هذه الحال إلا بالعمل على إيجاد الحلقة المفقودة وهي تذوق الثقافتين، والاغتراف من المنهلين، وإخراج أدب وعلم وفلسفة غذيت بما للعرب والإسلام من ثقافة، ولقحت بما للأوربيين من ثقافة ومنهج، فيها اللغة العربية قوية رصينة وروح الإسلام قوية متينة. وفيها ما للأوربيين من عرض للمسائل جذاب ونهج في الكتابة رشيق وفيها مقارنة شهية بين ما أنتجه الأولون والآخرون. لو تم ذلك لرأيت التاريخ الإسلامي يعرض على القراء في شكل محبوب يقرئونه ويستسيغونه، ورأيت الأدب العربي يقدم إلى الجمهور في ثوبه الجديد فيألفونه ويحبونه ورأيت الفلسفة الإسلامية يغاص عليها غوصاً عميقاً ثم تخرج من أصدافها وتجلى للقراء درة لامعة. هذا هو السبب في نجاح رفاعة باشا ومدرسته فأنتجت إنتاجا غذى عصرهم بل كان فوق كفايتهم؛ فقد أرسل رفاعة إلى فرنسا بعد أن درس في الأزهر وتعمق في العربية والعلوم الإسلامية فلما حصل على الثقافة الفرنسية وضع يده على المنبعين فأخرج هو ومدرسته للناس ما استساغوه وأحبوه ونهضوا به ولم يكن كذلك من لحق بهم وخلف من بعدهم. وقد كان إخواننا الهنود أسبق منا إلى إيجاد هذه الحلقة والانتفاع بها. أخرجوا التاريخ الإسلامي في ثوب جديد على نمط ما يكتب الغربيون ولكن بروح إسلامي وكتبوا في الدين الإسلامي والفقه الإسلامي بلغة العصر وروح العصر ونظام العصر كما فعل السيد أمير علي والسيد محمد إقبال فقد تضلع هذان العالمان الجليلان من الثقافة الإسلامية والأوربية؛ وأشرب قلباهما حب الإسلام فأخرجا كتباً يقرؤها الشباب المثقف فيحبها ويحب موضوعها ويستزيد منها، ويقرؤها الشباب المتعلم المتخصص في الطبيعة والكيمياء فيجدها تتمشى مع العلم الذي ثقفه والنهج الذي ألفه. وتقرأ للسيد محمد إقبال فتجده يعرض لفلسفة (كانت) فإذا

стр. 12

هو فيها دارس عميق والغزالي فإذا هو باحث خبير فيما يكتُب ويعرض لشعراء الألمان كجوته فيحلله تحليلا يدعو إلى الإعجاب ويتكلم في المعتزلة والصوفية فإذا هو قد تغلغل في أعماقهم واستبطن دخائلهم ثم عرض تعاليمهم كما يعرض الأوربي فلسفة قومه شيقة عذبة لذيذة. ولكن الهنود يعرضون وآسفاه ذلك باللغة الإنجليزية فلا يغذون جمهورنا ولا يسدون حاجة العالم العربي إنما يتغذى الشرق بهذا يوم توجد هذه الحلقة المفقودة في العالم العربي كمصر والشام فيحيي آثار الأولين بأسلوب الآخرين، ويوم يكسر هذا الحاجز الذي يحجز بين علم الشرق وعلم الغرب، ويوم يلوى الخطان المتوازيان فيلتقيان.

стр. 13

أثر الثقافة العربية في العلم والعالم بقلم احمد حسن الزيات - ١ - الشعوب كالأفراد، فيها من يولدون على حكم الطبيعة، ويعيشون على هامش الحياة، ثم يغوصون في ظلال العدم، لا ينعم بهم وجود، ولا يغنم منهم إنسان، ولا يعبأ بهم تاريخ. وفيها من يقبلون إقبال الربيع ينضرون الحياة بالجمال، ويمرعون الأرض بالخصب، ويفيضون على الدنيا سلاما ووئاما وغبطة! أولئك الذين يصطفيهم الله من خلقه لإعلاء حقه، فيودعهم سره ويحملهم رسالته فيعيشون لأجلها، ثم يموتون في سبيلها، بعد أن يخلدوا في صدر الزمان وعلى وجه الأرض آثار جهادهم في الله، وجهودهم للناس، وفضلهم على المجتمع. وهؤلاء هم أدلاء ركب الحياة، وحمال ألوية الخليقة، يقلون قلة الصفوة، ويبطئون إبطاء الخير، ولكن آثارهم تشغل ذهن العالم. وأخبارهم تملأ سمع الزمن!!. هذا التاريخ على طوله وفضوله لم يسجل من الأمم التي بلغت رسالات الله بالخير والجمال والحق إلا أربعا: العبران في الدين والسلم، واليونان في الفن والعلم، والرومان في النظام والحكم، والعرب في كل أولئك جميعا! (والعرب في كل أولئك جميعا) فقرة أقولها وأنا أعلم أن الشك فيها سيحك الآن في بعض الصدور. لأن ما أقرته التعاليم المريضة في الأذهان من أن اليونان والرومان هم مصادر الثقافة العالمية، وأن العرب أعجز بفطرتهم عن العلم، وأبعد بطبيعتهم عن التمدن، يجعل هذه القضية على إطلاقها سخيفة! لقد أن للنظر الصحيح أن يرى، وللعقل المجرد أن يحكم!. أما الأحكام التي صدرت عن موتوري الشعوب وتجار العقائد وورّاث الأحقاد فلا وزن لها في نظر المنطق ولا شأن لها في رأي العلم. كان العرب في الشرق فاتحين وحاكمين فلا بدع أن تعصف ثورة العصبية، وتقوم دعوة الشعوبية، وتظهر فكرة الإسماعيلية والإسحاقية. ويبقى من آثار ذلك ما نشاهده اليوم وقبل اليوم في سياسة الترك والفرس من ازورار عن العربية واضطغان على العروبة. وكان العرب في الغرب فوق ذلك شرقيين ومسلمين فلم يكن بد من تصادم العقائد وتعارض

стр. 14

الطبائع وتحكم الجهالة. فتنشأ محاكم التحقيق، وتصدر عقوبة التحريق والتمزيق، ويشاب التعليم بالتضليل والتلفيق. ويبقى من آثار ذلك أن تظل كنيسة الحمراء تقرع نواقيسها أربعاً وعشرين ساعة قرعاً متداركا في ثاني يناير من كل عام ابتهاجا بجلاء العرب عن الأندلس! فكيف يرجى من هؤلاء وأولئك الإقرار بفضل العرب على الثقافة. والاعتراف بجميلهم على الحضارة. وفي النفوس من غلبة الفاتح وترا، ومن عظمة الحاكم حقدا، ومن دين المجاهد إحنة، ومن سلطان الدخيل نفور؟ والنهضة الحديثة لم تستطع بفلسفة ديكارت وحرية الفكر ونزاهة التعليم أن تصفي العقول من شوائب هذه المذهبية القديمة، فلا يزال نفر من العلماء يكابدون ازدواج الشخصية فيهم. فهم يجمعون في أهاب واحد بين رجلين مختلفين: حديث يتأثر بالدراسة الشخصية والبيئة الخلقية والفكرية. وقديم يتكون على بطئ من تراث الأجداد ومخلفات القرون. وهذا الرجل العتيق هو الذي يتكلم في أكثر الناس، فيملي عليهم الآراء، ويلبس عليهم وجوه الحق. فإذا تنبه الرجل الحديث وتكلم وقع صاحبهما في التناقض وتعسف من جرائهما في الحكم. وأصدق الأمثلة على هذا الصنف من الباحثين العالم المؤرخ (ارنست رنان) خالق فكرة السامية والآرية، وأعدى الكتّاب للأمة العربية. فان ازدواج الشخصية فيه جعل آراءه في العرب متناقضة يدفع آخرها أولها. له محاضرة معروفة عن الإسلام ألقاها في السربون؛ وقد جهد أن يدلل فيها على وضاعة شأن العرب في التاريخ وقلة غنائهم عن العلم؛ ولكن الرجلين القديم والحديث كانا يتعاوران الكلام على لسانه فينقض أحدهما ما أبرمه الآخر. فبينما هو يقول مثلا: (أن العلوم والآداب والحضارة مدينة بازدهارها وانتشارها للعرب وحدهم طوال ستة قرون؛ وان التعصب الديني لم يعرفه المسلمون إلا بعد أن دالت دولة العرب وخلفهم على ولاية الإسلام الترك والمغول) إذا به يقول بعد ذلك: (أن الإسلام كان لا ينفك مضطهدا الفلسفة والعلم وانه جعل من دون الحرية الفكرية سدا في كل بلد احتله). ثم يعود فيفيض القول في فضل العرب على القرون الوسطى وفيما كانت عليه إسبانيا من الرخاء والارتقاء في عهدهم. فإذا فرغ من ذلك سارع الرجل القديم فيه إلى القول بأن الذين نهضوا بالعلم من المسلمين لم يكونوا من العرب وإنما كانوا من سمرقند وقرطبة واشبيلية؛ وأنساه شيطانه أن هذه البلاد عربية وأن الدم العربي والعلم العربي قد تغلغلا في أصولها منذ طويل؛ وأن

стр. 15

تقسيم العرب إلى عرب وعرابوفون سلاح لا تفلت منه أمته نفسها إذا حلل هذا التحليل نسبها وأدبها. ثم تنتهي المعركة بين الرجلين في (رينان) بقوله في صراحة مفاجئة: (ما دخلت مسجداً قط إلا تملكني انفعال شديد هو لو أفصحت عنه نوع من الأسف على أني لم أكن مسلما!). على أن هناك فريقا من صفوة العلماء الأوربيين تحرروا من حكم الهوى، وتحللوا من قيد الغرض، فأقروا الحق في نصابه، وأرجعوا الفضل إلى أهله سنجعلهم شهودنا في إثبات ما نقول. فأن أشد ما شهد امرؤ على نفسه واقرب الآراء إلى الحق رأي الفرد في جنسه. كان العالم شرقه وغربه في أوائل القرن السابع للميلاد قد استحال كونه إلى فساد. فحضارته تتحطم بالترف والرخاوة. وسياسته تتحكم بالغلول والأثرة؛ وأخلاقه تتفكك بالسرف والشهوة، وعقائده تتنزى بالجدل والتعصب ودماؤه تهدر بين الروم والفرس لغير غرض أسمى ولا مبدأ مقدس. وكانت شعوبه منذ طويل قد فقدت مثلها العليا فهي تعيش عيش الهمل السوائم: فلا عظمة روما تحفز الرومان، ولا مجد السلف يهز الفرس، ولا سمو الغاية يسدد وثبة البربر. على هذه الحال خرجت أمة العرب برسالتها الدينية والخلقية إلى هذا العالم المنقض والهيكل البالي فجددت أخلاقه على الرجولة؛ وطبعت عقيدته على التسامح، ورفعت مجتمعه على المحبة؛ وصمدت للجهاد والفتح في سبيل هذا المثل الأعلى لا تطمح من دونه إلى سلطان ولا تطمع من ورائه في غرض حتى أنشأت فيما دون القرنين ملكا طبق الأرض. وحضارة هذبت العالم وثقافة حررت العقل ولم يكن ذلك مستطاعا لغير الأمم الموهوبة التي هيأها الانتخاب الطبيعي لتبليغ رسالة أو تجديد دعوة أو تحقيق (اديال وكأين من أمة قوضت سلطان أمة أو أمم. ولكنها لم تعد ما يفعل منسر من اللصوص سطا على قافلة أو قطيع من الوحوش عدا على قرية، فالشعوب الجرمانية والهونية والسلافية تعاقبت غاراتها على الرومان في الشرق والغرب فاجتاحوا ملكهم؛ والقبائل التركية والمغولية قد دهموا العرب فثلوا عرشهم. ولكن شعباً من هذه الشعوب لم يصغ قلبه للمدنية؛ ولم يجد فتحه على الإنسانية فظلوا بعداء عن الحضارة غرباء عن العلم الا ما كان من ترويجهم بعد لحضارة المغلوب وثقافته.

стр. 16

أماالقبائل العربية فلم يكادوا يضعون عن كواهلهم عتاد الحرب وينفضون عن وجوههم غبار الصحراء؛ حتى صعدوا في مراقي الحضارة بسرعتهم في طريق الفتوح. واستطاعوا أن يرفعوا على أنقاض اليونان والرومان والفرس حضارة ثابتة الأصول باسقة الفروع لا يظهر في عناصرها المختلفة الا روح الإسلام وفكر العرب، ثم كانت من القوة بحيث طاولت الدهر، وصاولت المغير، وأخضعت لسلطانها حضارات لم تخضع لفاتح من قبل. وسخرت لدعايتها خصوماً لم يتحرروا من آثارها بعد. ولو رحنا نتلمس أسرار هذه القوة وأسباب تلك العظمة وجدناها أولاً في الهام الطبع وسلامة الفطرة وجاذبية المثل الأعلى وثانيا في القابلية الطبيعية لفقه الحضارة، وهي صفة لا تكتسب عفو الحاضر ولا طوع التقليد. وإنما تتأصل في الشعب بتقادم عهده في الثقافة وطول رياضته على التمدن. فالعرب لم يكونوا جميعا كما يصورهم الأدب القديم جفاة الطباع بداة الاجتماع. وإنما كان منهم في اليمن والحجاز والشام والعراق متحضرون لابسوا أرقى أمم العالم بالتجارة منذ ألفي سنة، وكان لهم قبل الإسلام ثقافة أدبية ومدنية لغوية لم يكن من المعقول أن تظهرا في التاريخ فجأة. فان تطور الأفراد والشعوب والأنظمة والعقائد تدريجي بطيء لا يبلغ كماله الا حالا على حال ودرجة بعد درجة. والحق أن الأخبار والآثار والعقل تتناصر كلها على إثبات حضارة عربية في المدن الجاهلية. وإذا كان بدو الجزيرة هم الذين أنتجوا الشعر وفتحوا الفتوح فان حضر الحجاز هم الذين حكموا الناس ونشروا المعرفة وأقاموا الحضارة.

стр. 17

في تعدد الأوضاع البلبلة والضياع للأستاذ عبد القادر المغربي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق الأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي علم من أعلام الأدب وعضو نابه من أعضاء المجمع العلمي العربي وقلم بارع من أقلام مجلته الزاهرة. وله بمصر وصحافتها صلة قديمة. فلقد تولى التحرير بجريدة المؤيد حينا من الدهر كانت مقالاته في النقد والاجتماع موضع الإعجاب من صفوة الشباب وناشئة الكتاب لطرافة أسلوبها وحرية تفكيرها. وقد ثقف اللغة الفرنسية في عهد الكهولة فاستمد منها في جهاده الأدبي قوة عظيمة. ولا يزال الأستاذ بجلد الشبيبة وحكمة الشيخوخة يزاول التعليم في كلية الآداب بدمشق والتحرير بمجلة المجمع وقد تفضل أيضاً فمنح بعض هذا الجهد القيم (مجلة الرسالة). أعرض على حضرات قراء هذه (الرسالة) مثالا واحداً من أمثلة الحيرة التي تعتري النقلة والمترجمين عندما يريدون وضع كلمة جديدة أو نقل كلمة أعجمية إلى لغتنا العربية ولا سيما إذا كانت من مصطلحات العلوم الفلسفية أو النفسية أو الاجتماعية. كثيرا ما تتردد في كتابات المشتغلين بالفلسفة الحديثة كلمتا ويريدون بكلمة التفكير في الأمور من حيث مظاهرها الخارجية ومن دون أن يكون للانفعالات النفسية تأثير فيها. فيريدون بها التفكير في الأمور لا من حيث مظاهرها الخارجية بل من حيث وقعها في نفس المفكر وتأثيرها في شعوره الباطني. هذا ما يمكن أن يقال في تفسير الكلمتين تفسيراً إجماليا. ولما أراد كتاب العرب أن يضعوا لهما كلمتين عربيتين اختلفوا في الوضع أو الاختيار اختلافا كبيرا. وربما كان أسبق هؤلاء الواضعين كتاب الأتراك. فقالوا في ترجمة وهو ما نفكر به باطنيا (لاهوتي) وفي ترجمة وهو ما نفكر به خارجيا (ناسوتي). وقام من الأتراك العثمانيين كاتب المعي هو بابان زاده أحمد نعيم فاستحسن أن يقال مكان لاهوتي (أنفسي) ومكان ناسوتي (آفاقي) نسبة إلى كلمتي (الأنفس والآفاق) ناظراً في ذلك إلى الآية القرآنية الكريمة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). أما كتاب العرب في مصر فربما كان نجاري بك ﵀ هو أول من أعلن ترجمة هاتين

стр. 18

الكلمتين إلى العربية في معجمه الكبير (الفرنسي والعربي) المطبوع سنة ١٩٠٥ م. فقد فسر كلمة وهو ما نفكر به باطنيا بكلمة (جوهر) وفسر كلمة وهو ما نفكر خارجياً بكلمة (عرض). ثم جاء بعد نجاريمن كتاب مصر من ترجم كلمة (بالذاتي) وكلمة (بالموضوعي). وقال غير هؤلاء بل نترجم (بالفاعلي) وكلمة (بالمفعولي). ثم وصل إلى كتاب العرب في العراق: فترجم الأستاذ الكبير ساطع بك الحصري كلمة وهو ما نفكر به باطنيا بكلمة (شخصاني) نسبة سريانية إلى كلمة (شخص) على حد قولنا (جسماني وروحاني) في النسبة إلى الجسم الروح. وفسر كلمة وهو ما نفكر به خارجيا بكلمة (شبحاني) نسبة إلى (الشبح) الذي يرى من بعيد. ملاحظا أن معنى (الشبح) يراد أحيانا من كلمة ومنه تسمية البلورة الصغيرة في آلة التصوير الشمسي وهي التي تلتقط صور الأشباح الخارجية فترتسم فيها. ولم يكد يذيع الأستاذ ساطع بك رأيه فيترجمة الكلمتين ويبرهن على صحته حتى عارضه الأستاذ إسماعيل مظهر في مجلة (العصور) مدعياً أن ترجمة كتاب مصر لهما (بالذاتي) و (الموضوعي) خير من ترجمة الأستاذ ساطع لهما (بالشخصاني) و (الشبحاني). وسئل الأب أنستاس الكرملي عن ترجمة هاتين الكلمتين فأجاب في مجلد السنة السادسة من مجلة (لغة العرب) بما نصه: يقابل في لساننا كلمة (الذهني) والثاني يقابله في لغتنا كلمة (الخارجي). قال أبو البقاء في كلياته عن الأول كذا وعن الثاني كذا. . . ثم نقل الأب الكرملي عبارة أبي البقاء بطولها وقفى عليها بقوله (فأنت ترى من هذا أن تعريف كل من (الذهني) و (الخارجي) تعريف صحيح على ما يفهمه الإفرنج في هذا العهد. ولا نعرف للحرفين المذكورين كلمتين أخريين، ومن يعرفهما فليذكرهما لنا اهـ). هذا ما قاله كتابنا على اختلاف أمصارهم في ترجمة هاتين الكلمتين، وقد دار محور النزاع بينهم حول سبعة أزواج من الكلم وهي: لاهوتي. ناسوتي أنفسي. آفاقي جوهر. عرض

стр. 19

ذاتي. موضوعي فاعلي. مفعولي شخصاني. شبحاني خارجي. ذهني ومن هذا نرى النقلة والمترجمين لا يرجعون فيما شجر بينهم الا إلى أنفسهم. ولا يستمدون الحكم في فصل الخلاف اللغوي الا من ذوقهم. والأذواق مختلفة، ولا تحكيم مع اختلاف المحكمين. والقراء حيارى بين هذا المترجم، وذاك الواضع. وفي تعدد الأوضاع البلبلة والضياع، فلم يبق الا أن يتولى المجمع أمر الوضع، فيجمع الشتات ويرأب الصدع.

стр. 20

اللغة العربية كأداة علمية للدكتور علي مصطفى مشرفه. الأستاذ بكلية العلوم تجتاز اللغة العربية في عصرنا الحالي مرحلة من مراحل تطورها سيكون لها أثر واضح في مستقبلها. فاللغة التي كان عرب البادية يتكلمونها بسليقتهم فيصفون بها حياتهم ويعبرون بها عن مشاعرهم في صحرائهم وبين إبلهم وآرامهم والتي صارت بعد ذلك لغة الكتاب والفلاسفة في عصور المدنية الإسلامية؛ يتناولون بها سائر المعاني الأدبية والفلسفية. تلك اللغة قد كتب عليها أن يصيبها الخمول فتبقى مئات السنين بعيدة عن مجهودات البشر الأدبية والفلسفية والعلمية ثم ها نحن نراها اليوم وقد بعثت من مرقدها في ثوب جديد فصارت لغة الكتابة والتأليف، لغة الخطابة والتعليم في عصر انتشرت فيه مدنية جديدة وعمته حضارة مستحدثة؛ تختلف في مظهرها الخارجي وفي المحمل العقلي المرتبط بها إختلافاً بيناً عن حضارات القرون الوسطى. فاللغة العربية تبعث اليوم كما بعث الفتية بعد أن ضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا فتجد نفسها في عالم جديد موحش لا تأنس إليه ولا يأنس إليها وهو لعمري موقف نادر تقفه لغتنا لعله فريد في بابه. لذلك كان لزاما على الأدباء والمفكرين من أهل اللغة العربية من عصرنا الحالي أن يحوطوها بعنايتهم وأن يهيئوا لها أسباب الحياة الطيبة في بيئتها الجديدة حتى تتكيف بالبيئة وتجنح إليها كما تتوتر لها البيئة وتحتويها. فاللغة كالكائن الحي في تفاعل مستمر مع البيئة التي تحيط به فأما تلاءما فاشتد الكائن وتكاثر ونما وأما تنافرا فاضمحل وتضاءل وهلك. وإذا نحن قارنا البيئة الفكرية الحديثة بما كانت عليه في أيام ازدهار الحضارة العربية فلعل أول ما يسترعي نظرنا من الفوارق تغلب الروح العلمية على تفكيرنا الحديث. فالمدنية الحالية كما يدل عليه تاريخها مدنية علمية، مدنية كشف واختراع، مدنية استنباط وتحليل، ولذا كان مظهرها الخارجي غاصا بالآلات والعدد تكتنف الناظر إليها عن اليمين وعن الشمال. فلا عجب أن تشعر لغة العيس والسهام بوحشة بين الطيارات والمدافع الرشاشة. ومما لا شك فيه أن التقدم الذي حدث بمصر وفي سائر البلاد العربية في العصر الحالي قد كان من شأنه العمل على المقاربة بين اللغة العربية الحديثة وبين بيئتها. فمن ناحية قد

стр. 21

تطورت اللغة بأن دخلت عليها كلمات وعبارات مستحدثة نشأت الحاجة إليها كما تغيرت معاني الألفاظ ومدلولات التراكيب بما يتفق والتفكير الحديث، وهجرت الألفاظ الغربية علينا أو التي لا لزوم لها، فنشأ عن ذلك تهذيب في اللغة قربها إلى عقولنا وساعد على حسن استخدامها. ومن ناحية أخرى بانتشار التعليم بين طبقات الأمة وبزيادة تبحر متعلميها في مختلف العلوم والفنون قد انتشرت الألفاظ والتراكيب العربية وشاع استعمالها في طول البلاد وعرضها كما تكونت طوائف من العلماء والمفكرين بيننا يكتبون ويخطبون ويؤلفون في سائر العلوم والفنون فنشأت ثروة من الأدب العلمي والأدب الفني الحديثين يصح أن تتخذ مرجعاً لعلماء اللغة في دراستهم للغة العربية الحديثة. الا أننا مع ذلك لا نستطيع أن نزعم أن الشقة بين اللغة وبيئتها قد تلاشت تماما. فلا تزال هناك مدلولات عديدة لم تتسع اللغة للتعبير عنها بحيث يشعر المتعلم منا بنقص في لغته عندما يحاول الكلام في كثير من المواضيع العلمية والفنية. كما أنه من ناحية أخرى يوجد نقص كبير في عدد المتعلمين الذين يحسنون الكتابة أو الخطابة بلغة متفق على صحتها. وبعبارة أخرى كل ما يمكن أن يقال أن اللغة العربية الحديثة لا تزال في دور التكوين. لو أتتيح لنا أن ننظر إلى مستقبل اللغة العربية فترى ماذا نجد؟ هل نجد لغة واحدة يكتبها ويتكلمها المتعلمون من أهل مصر وأهل العراق وأهل الشام وغيرهم من الأمم العربية بفروق ضئيلة؛ لا تزيد على الفروق بين لغة أهل استراليا ولغة أهل إنجلترا. وهل تكون هذه اللغة قريبة من اللغة العربية التي أكتبها الآن قرب لغة الإنجليزي المتعلم الآن من لغة شكسبير؟ أم هل نجد لغات مختلفة لغة في مصر وأخرى في العراق وأخرى في لبنان، مثلها كمثل اللغة الألمانية واللغة السويدية واللغة الهولندية في تقاربها وتباعدها، كل لغة متأقلمة بلهجة أهلها ولا صلة بين أيها وبين لغة هذا المقال الا كالصلة بين اللغة الألمانية واللغة اللاتينية. وبعبارة أخرى هل ستحيا اللغة العربية وتنتشر أو ستموت وتندثر وتحل محلها لغات أخرى! أن مآل اللغة العربية في مستقبلها متوقف علينا نحن اليوم. فاللغة كما قدمت في دور التكوين ولذا ففي يدنا قتلها وفي يدنا أحياؤها. أما قتلها فيكون بالجمود بها عن تطورها الطبيعي كما يكون بعدم التعاون بين الأمم المختلفة من أهلها على توحيدها

стр. 22

والمحافظة على وحدتها. وأما إحياؤها فيكون بالتبصر والحكمة وحسن الرعاية والتمشي بها في السبيل الطبيعي لرقيها كلغة حية واحدة. ومن حسن الحظ أن لدينا اليوم من الوسائل ما نستطيع به المحافظة على لغتنا في مصر وفي سائر البلاد العربية، فانتشار المطبوعات وسهولة الانتقال من بلد إلى أخرى والإذاعة اللاسلكية كل هذه عوامل قوية على توحيد اللغة وتعميمها إذا نحن أحسنا استخدامها وتنظيمها. ولست أتعرض في هذا المقال للغة الأدبية بل أترك ذلك لأدبائنا وكتابنا وإنما أريد أن أشير إلى بعض الصعوبات التي تصادف لغتنا اليوم كأداة للتعبير العلمي. فمن جهة لا تزال كمية التأليف العلمي في مصر وفي الأقطار العربية ضئيلة بحيث لا يمكن بحال ما أن تعتبر ممثلة لحالة العلم في العالم اليوم، ومن ناحية أخرى يعوز المؤلفات العلمية الموجودة التهذيب كما يعوزها التجانس في المصطلحات، فكثير من المدلولات العلمية لا توجد الصيغ اللفظية لها، وبعض المدلولات توجد لها صيغأما ضعيفة أو غير صالحة، كما انه توجد في بعض الأحايين صيغ متعددة للمدلول الواحد مما يؤدي إلى نوع من الفوضى في أدبنا العلمي يجب علينا تلافيها. والطريقة المثلى للتقدم تكون بتأليف لجان من الأخصائيين لمراجعة المؤلفات الموجودة وتهذيبها والعمل على تجانسها كما تكون بتكليف القادرين منا وتشجيعهم فرادى ومجتمعين على وضع المؤلفات في مختلف الفروع العلمية حتى تتألف لنا ثروة من الأدب العلمي يصح أن يعتمد عليها علماء اللغة في استخلاص المصطلحات والعبارات العلمية في لغتنا الحديثة وتحديد معانيها ومدلولاتها بمعاونة العلماء الأخصائيين في ذلك. ويجب أن اذكر بهذه المناسبة أن من العبث أن يحاول علماء اللغة وضع المصطلحات العلمية وضعا قبل ورودها في المؤلفات العلمية وشيوع استعمالها فان ذلك يكون من باب التسرع وقلب النظام الطبيعي لتطور اللغة وهو في الغالب مجهود أكثره ضائع إذ لا يمكن التنبؤ بما إذا كان مصطلح من المصطلحات سيبقى ويدخل في صلب اللغة أو سيموت ويحل غيره محله. بقيت نقطة أريد أن أتعرض لها وهي العلاقة بين المصطلحات العربية ومصطلحات اللغات الحية الأخرى. ففي رأيي انه من الجائز استعمال مصطلح أجنبي في لغتنا (بعد تحويره ليتفق مع ذوق اللغة وأوزانها) بشروط أن يكون هذا اللفظ مستعملا في جميع اللغات العلمية

стр. 23

الأخرى أو في معظمها. ومثل هذه الألفاظ تكون في الغالب مشتقة من اصل إغريقي أو لاتيني لا جناح علينا نحن إذا اشتققنا منه كما اشتق غيرنا. أما الألفاظ الأجنبية المقصورة على لغة واحدة أو لغتين فرأيي أن يكون له عندنا لفظ عربي مرتبط بأدبنا وتفكيرنا. ولا يتسع المجال لزيادة التفصيل فليس المراد من هذا المقال أن أدخل القارئ في مسائل فنية هو في غنى عن بحثها وإنما أرجو أكون أثرت من نفسه الاهتمام بهذا الموضوع الذي هو من أهم المواضيع المرتبطة بحياتنا وتقدمنا.

стр. 24

رسالة الأديب في مصر بقلم الأديب عبد الحميد يونس وقف الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل وقفة طويلة في كتابه (الأبطال) عند البطل في صورة الأديب وعرفه بأنه (. . الرجل الذي يردد لنا نفسه الملهمة، وأقول الملهمة لأن ما نسميه بالعبقرية أو الصدق أو الموهبة أو صفة البطولة التي لا نجد لها اسماً خليقاً بها تدل على أن الأديب هو الذي يعيش في أعماق الأشياء؛ في الحقيقي، في الإلهي؛ في الخالد الذي يوجد أبداً والذي لا تراه الدهماء، لأنه يختفي وراء الزائل الحقير دائماً أبداً. الأديب هو الذي يذيع هذا الخفي للناس بالقول أو بالعمل؛ وحياته إذن قطعة من قلب الطبيعة الذي لا يعتوره الفناء) ثم استعان بآراء الفيلسوف الألماني (فخته) الذي أذاع سلسلة محاضرات في موضوع (طبيعة الرجل الأديب) قال فيها أن كل الأعمال التي يعملها الناس والأشياء التي تقع عليها أبصارهم في هذه الدنيا ليست الا ثوباً أو مظهراً إحساسياً يجثم وراءها ما أسماه (فكرة العالم الإلهية) وهي (الحقيقة التي توجد في أعماق المظاهر جميعا) وهي بالطبع لا تظهر لعامة الناس لأنهم يعيشون بين المظاهر والماديات. فرسالة الأديب أن يميز لنفسه وللناس هذه الفكرة الإلهية بما فيها من روعة وجمال وقوة وأن يقف إلى جانبها معجبا متعجبا؛ وان يذيعها في الناس حتى يكونوا أنعم بحياتهم وأقدر على فهم وجودهم. عليه أن يسمو بهم فوق رغبات العيش المادي من طعام وشراب وكساء وأن يحررهم (ولو إلى حد ما) من قيود الزمان والمكان. وأظنك تستطيع أن تتخذ هذا التعريف مقياسا توازن به بين الأدب الحي والأدب الميت. فكما يوجد في هذا العالم أطباء ودجالون يدعون الطب كذلك يوجد أدباء وأدعياء يدعون الأدب. وإذا كنت تحرص الحرص كله على التمييز بين النقود الصحيحة والنقود الزائفة وهي التي تحصل بها على أغراضك المادية فالأجدر بك أن تكون أكثر حرصا على التمييز بين الآثار الأدبية الصالحة والآثار الأدبية الزائفة وهي التي تحصل بها على أغراضك الروحية. والأديب يولد ولا يصنع (كما يقول الإنجليز) أي أنه رجل لا يكتسب صنعة الأديب بالتعلم والمران ما لم يكن موهوبا بطبيعته. بيد أن هذه الموهبة كالشجرة ما لم تثقف وتشذب فلن

стр. 25

تؤتي أكلها لذيذا شهيا. . . نخرج من هذا بأن الأديب في مصر هو الأديب في غير مصر وأن رسالته هنا هي بعينها رسالته هناك وكل ما في الأمر إختلاف طرائق التعبير. على أن مهمة أديبنا أشق من مهمة الأديب الغربي لأن الغربيين يعرفون لأديبهم قدره فيبسطون له في الرزق حتى ينصرف إلى الإنتاج الأدبي الصالح بيننا ينكر المصريون أديبهم ويضيقون عليه الخناق وهم إن اعترفوا له بشيء فإنما يكون هذا الاعتراف بعد أن يفارق هذه الدنيا. ولهذا دون شك أثره البالغ في خلق الأديب فهو أما أن يتزلف إلى السلطات الحاكمة أو يترضى الأمراء والزعماء فإذا لم يستطع هذا أو ذاك أخذ يتملق الجمهور! ولا تتهمني بالمبالغة فأمامك تاريخنا الأدبي الحديث فهو حافل بأسماء الأدباء (وأشباه الأدباء) الذين كانوا أقرب إلى المتسولين منهم إلى أي شيء آخر. والذين انحطوا بصناعة الشعر والنثر إلى الدرك الأسفل حتى أصبح الأدب نوعا من (البهلوانية) في التعبير فإذا ألحت عليهم الحقيقة أتخذوا في إذاعتها فنون اللف والدوران والمواربة! وما أقل أولئك الذين عافت نفوسهم التمسح بأذيال السادة أو التعلق بأردان الجماهير! والأديب (بل وشبه الأديب) معذور لأن الجماعة لا تريد إلا من يسليها ويدخل السرور عليها أما الذي يكشف لها عن المثل العليا ويظهرها على الفرق بين حاضرها وهذه المثل فهو أبغض الناس إليها! والأديب المصري الذي يريد أن يؤدي رسالته على الوجه الأكمل يصطدم بعقبتين كلتاهما صعبة شديدة. فما بالك إذا علمت أنهما متآخيتان، هاتان العقبتان هما (السياسة والتقاليد). أما السياسة فقد طغت علينا وأفسدت مزاجنا الأدبي حتى اضطربت موازين النقد في أيدي الكتاب ورجال التعليم يجورون في أحكامهم على الأدباء جوراً ظاهراً: والطلاب والقراء في حيرة ليس مثلها حيرة. وأسرفت السياسة في طغيانها اشتدت جنايتها على الأدب حتى أنصرف الأدباء إلى السياسة وأدركوا أن الشهرة الأدبية لن تأتيهم إلا على حساب الشهرة السياسية! والتقاليد أمرها غريب حقاً فهي من محاربتها للأدب والأدباء تتستر وراء الدين حيناً ووراء السياسة حيناً آخر. تظهر مرة وتختفي مرات. وويل للأديب الذي يتهم بالإلحاد. وويل للأديب الذي يتهم بالخيانة. وويل للأديب الذي يتهم بالإباحية! لو كان موظفاً طرد من

стр. 26

وظيفته. ولو كان عالماً جرد من شهادته. ولو كان كاتباً حورب في صحيفته! على أن الأديب القوي هو الذي يصمد لهذا كله ويمضي في إذاعة رسالته مؤمنا بانتصاره. أو قل بانتصار آثاره تدفعه الفكرة الإلهية التي فيه. فإذا اعترف له أبناء عصره بفضله عليهم وعلى الأجيال المقبلة من بعدهم فذاك. وإلا فقد كتب أسمه في ثبت الخالدين. . . وأدباء مصر في هذا الزمن هم (الطلائع) التي تتعرض للأخطار وتتلقى عن بقية الجيش السهام تتلوها السهام؛ والطلقات تعقبها الطلقات. فعليهم أن يضربوا المثل الصالح لأبناء الجيل الجديد. وأني لأعلم أن مهمة الأديب المصري في الجيل المقبل ستكون أسهل من مهمة أخيه في هذا الجيل لان الأخير عليه إلى جانب مهمته الأساسية مهمة أخرى هي (التمهيد) وتعبيد طرائق التعبير من نحت ألفاظ. وإصلاح ألفاظ. ومن خلق قوالب أدبية لم يكن لها في تقاليد الأدب العربي وجود كالدرامة والشعر القصص والمقال الاجتماعي وما يتطلبه هذا كله من التغيير في قواعد النظم والكتابة. وليذكر أولئك الذين يغرمون بتأليف المجامع اللغوية أن إصلاح اللغة لا يقوم به النحات والعروضيون وأصحاب الأبحاث (الفيلولوجية) وإنما يقوم به الأدباء والأدباء وحدهم لأنهم بطبيعة رسالتهم اقدر على ابتكار الألفاظ التي تتلاءم مع المعاني. والأساليب التي تتفق والأغراض. ثم هم اقدر على إذاعة هذه الأساليب وتلك الألفاظ في الناس. ثم يأتي بعدهم أصحاب النحو والعروض وعلوم اللسان يستخرجون من آثارهم القواعد العامة ويرتبونها ويصنفونها ويضعون المطولات والقواميس فيها! فليمض الأدباء المصريون (وهم قلة) في تحقيق الرسالة السامية التي وجدوا من اجلها والتي يعيشون لها. والتي يجب أن يموتوا في سبيلها كما يموت كل صاحب رسالة يؤمن برسالته وليكن عزاءهم خلود آثارهم؛ وأحرى بالناس أن يقدروا الأديب الذي لا يعيش لنفسه وإنما يعيش لهم!. . .

стр. 27

في الأدب العربي - العبقرية والقريحة أو شوقي وحافظ بقلم احمد حسن الزيات فجيعة الشعر العربي في حافظ وشوقي يعز عليها الصبر، ويُعْوز منها العوض، ويصرف أساها الناقدين عن تقويم الميراث العزيز إلى تعظيم الموروث الأعز. وليس مما يزكو بالمنصف أن يجشم نظره رؤية الحق من خلال الدموع، فأن في ذلك اعتداء على العقل أو إساءة إلى العاطفة. وهذه الكلمة إنما نستجيز ذكرها اليوم لأنها إلى الهتاف بالعظيمين أقرب منها إلى النقد، ولأن ما يكتب عنهما الساعة إنما هو تقييد لعفو الرأي وتمهيد لأسباب الحكم الصحيح. شوقي شاعر العبقرية وحافظ شاعر القريحة. وتقرير الفرق بين الموهبتين هو تقرير الفرق بين الرجلين. فالقريحة ملكة يملك بها صاحبها الإبانة عن نفسه بأسلوب يقره الفن ويرضاه الذوق. ومن خصائصها الوضوح والاتساق والأناقة والسهولة والطبيعية والدقة. أما العبقرية فضرب من الإلهام يستمر استمرارا تجددياً فتلازم أحياناً وتنفك حيناً. ومن أخص صفاتها الأصالة والإبداع والخلق. فالرجل العبقري إذن يعلو ثم يسفل تبعا لقيام العبقرية به أو إنفكاكها عنه. وهو يَشخُب الشعر غالبا فيرسله من فيض الخاطر كما يجئ دون تنقيح له ولا تأنق فيه، ثم هو في عظام الأمور سباق وفي محاقرها متخلف، لأن الجليل يوقظ خاطره ويحفز طبعه والتافه الوضيع ينخزل عن مكانه فلا يبلغ موضع التأثير فيه وقد يعني لسبب من الأسباب بعامي الأشياء أو سوقي الآراء فيبعث فيه من روحه ما يحييه، ومن حرارته ما يقويه، ومن أشعته ما يظهر فيه الطرافة والجدة كما تظهر الشمس كرات التبر في عروق الصخور! فالقريحة كما ترى توجد الصورة والعبقرية تبدع المخلوق. ومزية الأولى في الصنعة وتقديرها في التفصيل، ومزية الأخرى في الابتكار وتقديرها في الجملة. فإذا قرأت قصيدة لذي القريحة راقك منها جرس الحروف ونغم الكلمات واتساق الجمل وبراعة البيت، ولكنك تفرغ منها وليس لها اثر في نفسك ولا صورة في ذهنك. أما العبقريات فحسبك أن تذكر عنوانها لتشعر بها، وتتصور موضوعها لتتأثر منها.

стр. 28

ذو القريحة يقول ما يقول الناس، ولكنه يصوره بقوة ويؤديه بدقة وينسقه بذوق ويهذبه بفن، وذوو العبقرية على نقيضه، ينظر ويشعر ويفكر ويقدر على طريقته الخاصة. فإذا وضع خطة أو رسم صورة أو بحث فكرة أخرجها على طراز فَذ فتحسبها مبتكرة وقد تكون مسبوقة، لأنه استطاع بقوة لحظه ولقانة طبعه أن يريك فروقا لم ترها، ويقفك على تفاصيل لم تتصورها، ويفجر لك النهر من حيث لم يستطع غيره أن يفجر الجدول. . والرجل العادي ينظر بالعين فكأنه لسطحيته لم ير! والعبقري يرى باللمح فكأنه لزكاته لم ينظر! على أن هناك فرصا للكمال تجتمع فيها على الوئام العبقرية والقريحة، فيسلم الفنان حينئذ من التفاوت القبيح بين إصعاده وإسفافه، أو بين جيده ورديئه. لأن العبقرية إذا غفت خلفتها القريحة، والقريحة إذا كبت سندتها العبقرية. على ذلك تستطيع أن تقول أن أبا نواس وأبا فراس والشريف من رجال القريحة وإن أبا تمام وأبا العتاهية والمتنبي من رجال العبقرية، وإن البحتري وابن الرومي ممن جمع في الكثير الغالب بين الموهبتين. وتستطيع كذلك أن تعلل أمثال قول البحتري في أبي تمام: جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه؛ وقول الأصمعي في أبي العتاهية: أن شعره كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والخزف والنوى، وقول الثعالبي في المتنبي: كان كثير التفاوت في شعره فيجمع بين الدرة والآجُرَّة، ويتبع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء، وقولهم في ابن الرومي: إنه امتاز بتوليد المعنى واستقصائه وسلامة شعره على الطول. اخطرُ ببالك بعد ذلك حافظا تجد أول ما يبهرك منه لفظه المونق وأسلوبه المشرق وقافيته المروضة وصوره الأخاذة. فأما الروح والموضوع فأصداء منبعثة من الماضي في فردياته وآراء مقتبسة من الحاضر في اجتماعياته، فحافظ لم يستطع لضيق مضطربه وقصور خياله وضعف ثقافته أن يعنى بغير الشكل والصورة، وكانت هذه العناية من اليقظة والحرص بحيث لم تغفل عن خلل ولم تعي بصقال. فإذا تهيأ للشعر أو للنثر عمد إلى الآراء التي تختلج حينئذ في النفوس وتستفيض في المجامع وتتردد في الصحف فيجمعها في باله ويديرها في خاطره ثم يكون همه بعد ذلك أن يصوغها فيحسن الصوغ ويسبكها فيجيد السبك، وتقرأ بعد ذلك أو تسمع فإذا نسق مطرد وأسلوب سائغ وشئ كأنك سمعته من قبل ولكن عليه طابع حافظ ووسمه.

стр. 29

وحافظ يتحمل من بناء القصيدة رهقاً شديداً، لأنه يلدها فكرة فكرة، ويبض بها قطرة قطرة، ويتصيد المعاني فيقيدها في مفردات أو مقطوعات، فربما وقع له ختام القصيدة قبل مطلعها، وعثر على عجز البيت قبل صدره، ثم يعود فيرتب هذه الأبيات لأدنى ملابسة وأوهى صلة! وتجئ الصنعة البارعة فتخدعك عن الخلل بالطلاء، وعن التفكك بارتباط الأسلوب. ثم أخطرُ ببالك بعد ذلك شوقي تجده غير محدود بالصنعة ولا مقيد بالشكل، وإنما هو فيض يسخر بالحدود، ونور ينفذ من الستور، وإلهام يتصل باللانهاية، وشاعر كالمتنبي أو كهوجو يفتح مطلع القصيدة فكأنما يفتح لك باب السماء! فأنت من شوقي حيال شاعر روحه أقوى من فنه، وشعره أوسع من علمه، وحكمته أمتن من خلقه، وقدرته أكبر من استعداده، فلا تشك في انه وسيط لروح خفية تقوده، ورسول لقوة إلهية تلهمه، ثم تفارقه حينا تلك الروح وتفرق عنه هذه القوة فيعود رجلاً أقل من الرجال، وشاعرا اضعف من الشعراء، فينظم في افتتاح الجامعة ومشروع القرش وما إلى ذلك، فيأتي بما لا وزن له في النقد ولا مساغ له في الذوق! وشوقي تحت وحي العبقرية يتنزل عليه الموضوع جملة، ثم يشغله عن تفاصيله التفكير في الغاية والتحديق في الغرض فيرسله من فيض الخاطر شعراً متسلسلا متصلا تضيق عن معانيه ألفاظه كما تضيق شطئان الرمل عن الفيضان الجائش المزبد. . ومن ثَمَّ كان التجديد والتعقيد والتدفق والعُمق من أقوى خصائص شوقي، كما كان التقليد والبساطة والكزازة والسطحية، من أبين خصائص حافظ. وهنا نحجز القلم عن وجهه فلا نمعن في تحليل شاعرينا اليوم، فان لذلك إبانه ومكانه، ثم نرسل العين هتانة المسارب أسى على ماض طويل انقطع، ونغم جميل تبدد، وحلم لذيذ تقضى، وكاهنين من كهان عطارد طواهما الخلود، ثم ترك بعدهما رسالة الشعر عرضة للشعوذة والجمود.

стр. 30

حلقات في الأدب في الفسطاط للأستاذ محمد عبد الله عنان كانت مدينة الفسطاط منذ القرن الثاني للهجرة مركزاًللتفكير والآداب , يحج إليها كثير من أعلام المشرق. وكانت مصر قد بدأت تتبوأ مكانتها الفكرية والأدبية بين الأمم الإسلامية، منذ استقرت شئونها السياسية في عهد الدولة العباسية. ولم تكن مصر منذ افتتحها الإسلام أكثر من ولاية تابعة للخلافة. ولكنها كانت بين ولايات الخلافة أشدها احتفاظاً بشخصيتها وألوانها القومية؛ وكانت منذ البداية تأخذ نصيبها في بناء صرح التفكير الإسلامي؛ ولكنها كانت تشق طريقها الخاص. وكانت منذ الفتح مركزاً هاماً للسنة والرواية، يحتشد فيها جماعة كبيرة من الصحابة الذين اشتركوا في الفتح والتابعين الذين عاصروهم. وفي القرن الأول أيضا وضعت بذور الحركة الأدبية فنمت وأزهرت بسرعة , حتى أنه يمكن القول أن مصر كانت منذ القرن الثالث قد كونت أدبها الخاص. ولم يأت القرن الرابع حتى كان هذا الأدب يتميز بخواصه المصريةالقوية مما عداه من تراث التفكير العربي في المشرق والأندلس. وكانت الفسطاط عاصمة الإسلام في مصر منذ قيامها عقب الفتح سنة ٢١هـ (٦٤١م) حتى منتصف القرن الرابع. وقد قامت بجوارها مدينتا العسكر والقطائع دهراً. ولكن العسكر كانت مركزاً للإمارة والإدارة فقط، وكانت القطائع وهي مدينة بنى طولون مدينة بلاط فقط، أما الفسطاط فكانت قلب الإسلام النابض في مصر، ومهد التفكير والآداب في تلك العصور وحتى بعد أن قامت القاهرة المعزية سنة ٣٥٨هـ (٩٦٩م) لم تفقد الفسطاط أهميتها الفكرية والأدبية، بل لبثت بعد ذلك عصوراً تشتهر بحلقاتها ولياليها الأدبية. وكانت هذه الحلقات والليالي الأدبية من محاسن الفسطاط، يشيد بأهميتها وجمالها أدباء المشرق والمغرب الوافدين على مصر. وكانت في الواقع نوعا من الأبهاء الأدبية فيها الأدباء والشعراء، للقراءة والسمر والجدل والمساجلة , وكانت مهاد اللقاء والتعارف بين الأدباء المحليين والنزلاء الوافدين من عواصم الإسلام الأخرى. وقد بدأت هذه الحلقات الأدبية في الفسطاط منذ القرن الأول. ولكنها كانت في بدايتها فقهية

стр. 31

دينية , وكانت لها أهميتها في تمحيص السنة والرواية. وكانت تجمع بين جماعة من أقطاب الفقهاء والحفاظ والمحدثين الذين يعتبرون في الطبقة الأولى بين فقهاء الإسلام ورواة السُنة، مثل يزيد بن حبيب، والليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، ثم الشافعي وأصحابه. ثم اتخذت هذه الحلقات طابعاً أدبياً، فكان يمزج فيها بين الكلام والأدب، وكان معظم فقهاء هذا العصر أدباء أيضا ًيأخذون من الأدب بحظ وافر، ولبعضهم في الشعر والنثر براعة خاصة. ونستطيع أن نذكر من هؤلاء الأمام محمد بن إدريس الشافعي قُطبْ الشريعة وحُجة التشريع، فقد كان أيضاً أديباً مبرزاً له في الشعر والنثر محاسن وروائع وكذلك آل عبد الحكم الذين نذكرهم بعد؛ وأبو بكر الحداد قاضي مصر؛ والحسن بن زولاق المؤرخ فقد كان هؤلاء جميعاً من كبار الفقهاء والأدباء وكان الفقه والحديث والأدب تمتزج معاً في مجالسهم وأسمارهم. . ولعل أبهى حقبة في هذه الحلقات الشهيرة في تاريخ الفسطاط مستهل القرن الثالث الهجري ففي ذلك الحين كان الإمام الشافعي نزيل الفسطاط وكان مدى الأعوام التي قضاها بمصر منذ قدومه إليها في أواخر سنة ١٩٨هـ (٨١٣م) حتى وفاته في رجب سنة ٢٠٤هـ (٨١٩م) قطب الحركة الفكرية فيها وكعبة الصفوة من فقهائها وأدبائها يجذبهم إليه غزير علمه ورفيع أدبه، وبارع خلاله. وكانت حلقات الفسطاط الأدبية شهيرة قبل مقدمه لكنه اسبغ عليها بهاءً وسحراً وروعة. وكان أبو تمام الطائي الشاعر الأكبر إذا صحت الرواية عن مقدمه إلى مصر صبياً واشتغاله بسقي الماء في المسجد الجامع يغشى هذه المجالس الأدبية في حداثته وفيه تفتحت مواهبه الأدبية والشعرية. والظاهر انه كان طبقاً لهذه الرواية يقيم في الفسطاط في خاتمة القرن الثاني أو فاتحة القرن الثالث أعني في نحو الوقت الذي كان فيه الشافعي نزيلها. وكان أشهر هذه الحلقات أو الأبهاء حلقة بني عبد الحكم , وهم أسرة مصرية نابهة كثيرة المال والوجاهة؛ أنجبت عدة من كبار الفقهاء منهم عميد الأسرة عبد الله بن عبد الحكم المصري، وهو من أقطاب الفقه المالكي وأولاده محمد وسعد إبنا عبد الحكم وكلاهما فقيه ومحدث كبير وعبد الرحمن بن عبد الحكم أقدم مؤرخ لمصر الإسلامية. وقد كان بنو عبد الحكم منذ القرن الثاني أعلام الفقه والتفكير والأدب في مدينة الفسطاط وكانت دارهم كعبة العلماء والأدباء ومنتدى للدراسات والأسمار الأدبية الرفيعة، وكانت حلقاتهم العلمية والأدبية تجذب أكابر

стр. 32

العلماء الوافدين على مصر من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فلما قدم الإمام الشافعي إلى مصر كان بنو عبد الحكم أول من استقبله وأكرم وفادته؛ وأمدته الأسرة النابهة بالمال ونظمت له سبل الإقامة والدرس؛ وكانت أول من انتفع بعلمه وأدبه. وبث مقدم الشافعي في آداب الفسطاط روحاً جديدة واشتهرت مجالسه وحلقاته الفقهية والأدبية. وكانت حقبة علمية أدبية زاهرة (١٩٨ - ٢٠٤هـ) وكانت حلقات المسجد الجامع أو جامع عمرو منذ إنشائه سنة ٢١هـ (٦٤١م) قلب الفسطاط الفكري وكانت تعقد فيه مجالس القضاء الأعلى كما كانت تعقد مجالس الفقه والأدب الخاصة. وصحن المسجد الجامع شهير في تاريخ الفسطاط الأدبي وقد كان مدى قرون ندوة فكرية أدبية جامعة وكانت بين جدرانه توجه حركة التفكير والآداب في مصر الإسلامية. ويبدو مما كتبه مؤرخو الفسطاط في هذا العصر أن هذه الحلقات دورية وكانت منظمة برغم صفتها الخاصة. أنها كانت تعقد كل يوم تقريباً في المسجد الجامع. ولكن الظاهر أن أهمها ما كان يعقد يوم الجمعة؛ وأن مجالس الجمعة كانت تعتبر كموسم أسبوعي يغص المسجد فيه بجمهرة الفقهاء والأدباء والقراء والنظارة. وفيها كانت البحوث الكلامية، والمناظرات الأدبية، والمطارحات الشعرية والرواية التاريخية تنظم في حلقات فرعية أو متعاقبة. وكانت هذه الحلقات الأدبية الشهيرة تتأثر بتطور السياسة والأهواء السياسية والدينية، إذ كانت موئل التفكير والدعوة إلى مختلف المذاهب الفقهية والأدبية. ففي سنة ٢٢٦هـ مثلاً أمر محمد أبن أبي الليث قاضي قضاة مصر تنفيذا لرغبة الخليفة الواثق بالله، بالقبض على جميع الفقهاء والمحدثين والأدباء باسم الامتحان في مسألة خلق القرآن وهي المعروفة بالمحنة فملئت السجون بالمنكرين لخلقه من العلماء والأدباء، وأغلِقَ المسجد الجامع في وجه المالكية والشافعية، وفضت حلقاتهم العلمية والأدبية، ومنعوا من زيارة المسجد، ومن بث آرائهم ونظرياتهم وأخذ بنو الحكم فوق أخذهم بالمحنة بتهمة أخرى، وهي تبديد أموال طائلة ائتمنوا عليها من علي بن عبد العزيز الجروي، وهو زعيم خارج تغلب حيناً على بعض نواحي مصر ثم أخمدت ثورته، وأتهم بالخيانة، وقضي بمصادرة أمواله، فأتهم بإخفائها بنو عبد الحكم، وقبض عليهم وعذبوا واستصفيت أموالهم أداء لما قضي به وتوفي بعضهم في السجن (سنة ٢٣٧هـ) ثم أفرج عنهم بعد ذلك، ولكن هذه المحنة ذهبت بوجاهة

стр. 33

الأسرة النابهة وجاهها وهيبتها فأضمحل نفوذ هذه الأسرة وتضاءلت أهمية هذه الحلقات الأدبية الباهرة التي اشتهرت بتنظيمها وعقدها زهاء نصف قرن. وفي نفس العام أمر الحارث بن مسكين قاضي القضاة بمطاردة الفقهاء الحنفية والشافعية وإخراجهم من المسجد الجامع وقطع أرزاقهم وحظر اجتماعاتهم. وهكذا شتت شمل المجتمع الفكري في الفسطاط حينا وانزوت حلقاتها الأدبية الزاهرة حتى منتصف القرن الثالث ولكنها عادت فانتظمت وازدهرت واستعاد المسجد هدوءه وسكينته وردت حرية الاجتماع والدرس. وجاءت الدولة الطولونية (٢٥٤ - ٢٩٢هـ) (٨٦٨ - ٩٠٥م) فازدهرت في ظلها الآداب والفنون وكان أحمد بن طولون أميراً مستنيراً يحب العلوم والآداب ويرعاها بتعضيده وحمايته، ويجل مجالس العلم وحلقات الأدب. وكانت الفسطاط ومسجدها الجامع أيضاً مثوى الحلقات والمجالس العلمية والأدبية في هذا العصر؛ لأن مدينة القطائع التي شيدها إبن طولون لم تكن كما قدمنا سوى مدينة بلاط وبطانة. ونبغ في هذه الحقبة القصيرة عدد كبير من الأدباء والشعراء وبكت دولة الشعر دولة بني طولون عند ذهابها أيما بكاء فقال شاعرها سعيد القاص من قصيدة طويلة رائعة: - طوى زينة الدنيا ومصباح أهلها … بفقد بني طولون والأنجم الزهر وفقد بني طولون في كل موطن … أمر على الإسلام فقداً من القطر تذكرتهم لما مضوا فتتابعوا … كما أرفض سلك من جمان ومن شذر فمن يبك شيئاً ضاع من بعد أهله … لفقدهم فليبك حزناً على مصر لبيك بني طولون إذ بان عصرهم … فبورك من دهر وبورك من عصر وفي أوائل القرن الرابع كانت الفسطاط تضم جماعة كبيرة من أقطاب المفكرين والأدباء وكانت أبهاؤها ومجالسها الأدبية حافلة زاهرة. ففي تلك الفترة اجتمع من زعماء التفكير والأدب أبو القاسم بن قديد وتلميذه أبو عمر الكندي مؤرخ الولاة والقضاة، وأبو جعفر النحاس المصري الكاتب والشاعر، وأبو بكر الحداد قاضي مصر، وأبو القاسم طباطبا الحسيني الشاعر، وأبو بكر بن محمد بن موسى الملقب بسيبويه مصر، والحسن بن زولاق المؤرخ الأشهر وكثيرون غيرهم؛ فكان لاجتماع هذه الصفوة العلمية والأدبية البارزة في هذه الفترة أثر كبير في ازدهار الحركة الفكرية بمصر في أوائل القرن الرابع.

стр. 34

فكانت حلقات الأدب في أوج نشاطها وكان المسجد الجامع يومئذ جامعة حقة يموج بهذه الاجتماعات العلمية والأدبية الشهيرة. وكانت دولة التفكير والأدب في بغداد قد أخذت في الضعف والاضمحلال وأخذت مصر تتأهب للقيام بدورها في رعاية التفكير الإسلامي في المشرق وكان بنو الإخشيد، محمد بن طغج وولداه انوجور وعلي ثم وزيرهم الخصي النابه كافور، مدى دولتهم التي استمرت زهاء ثلث قرن (٣٢٤ - ٣٥٨هـ) (٩٣٥ - ٩٦٩م) حماة للعلوم والآداب. وقد انتهى إلينا من آثار الحسن بن زولاق المؤرخ، أثر هام يلقي ضياء على تاريخ الحركة الأدبية المصرية في هذا العصر وهو كتاب (أخبار سيبويه المصري) وهو أبو بكر بن موسى الذي سبقت الإشارة إليه وقد كان صديقاً لابن زولاق وزميلا له في الدرس على ابن الحداد. وكانت له أخبار ومُلح ونوادر أدبية طريفة عُني ابن زولاق يجمعِها في هذا الكتاب. وفي دار الكتب نسخة خطية وحيدة من هذا الأثر لا ريب إنها من اقدم المخطوطات العربية التي وصلت إلينا بل لقد انتهينا في تحقيق شأنها إلى أنها اقدم مخطوط أدبي مصري وصل إلينا وأنها من آثار عصر الفسطاط ذاته وبخط ابن زولاق نفسه. وفي اثر ابن زولاق هذا إشارات كثيرة إلى حلقات الفسطاط الأدبية في عصره في النصف الأول من القرن الرابع الهجري. ويبدو من سياق كلامه أن المسجد كان مثوى لأهم هذه الحلقات وأشهرها وأنها كانت كما قدمنا دورية منتظمة تعقد على الأغلب في عصر يوم الجمعة وتجتمع بين الفقهاء والأدباء وينعقد فيها الجدل الكلامي والحوار الأدبي والشهري. والظاهر أيضاً أن هذا الجدل والحوار كان ينتهي أحياناً إلى بعض ما ينتهي إليه في عصرنا من مرارة واتهام وتراشق وأن بعض المفكرين الأحرار كانوا ينقمون من عصرهم ما ننقم من عصرنا أحياناً من اعتداء على حرية الرأي والبحث وأن بعضهم كان يرمى بتهم المروق والإلحاد إذا أطلق لنفسه حرية البحث والرأي على نحو ما يشير إليه سيبويه المصري في قوله من قصيدة أوردها ابن زولاق: أما سبيل اطراح العلم فهو على … ذي اللب أعظم من ضرب على الرأس فأن سلكت سبيل العلم تطلبه … بالبحث أبت بتفكير من الناس

стр. 35

وإن طلبت بلا بحث ولا نظر … لم تضح منه على إيقانٍ إيناس وأنبذ مقالة من ينهاك عن نظر … نبذ الطبيب بذل القرحة الآسي وهذه ظاهرة فكرية خطيرة يسجلها الشاعر المصري على عصره أعني أوائل القرن الرابع (حول سنة ٣٢٠ - ٣٤٠هـ) وهي تدل على أن الجدل العلمي والأدبي كان يرتفع يومئذ الى مرتبة الأيمان والعقيدة وينحدر أحيانا أخرى إلى درك التراشق والمهاترة. كذلك هنالك في قول الشاعر ما يدل على أن بعض المفكرين والأدباء كانوا يؤثرون الصمت على الجهر بآرائهم خيفة الاتهام والوقيعة. وقد كانت حلقات المسجد الجامع بلا ريب أهم الحلقات الأدبية العامة ولكن هناك في أقوال ابن زولاق ما يدل على أنها كانت تعقد أيضاً في المساجد الأخرى. فمثلا كان الشاعر الأكبر أبو الطيب المتنبي الذي وفد على مصر سنة ٣٤٦هـ (٩٥٧م) ليستظل بحماية الأخشيد يجلس في مجلس يعرف بمسجد ابن عمروس وهناك يجتمع إليه الأدباء والشعراء؛ وكانت حلقة المتنبي بلا ريب من أهم مجالس الشعر والأدب والفلسفة في هذا العصر. وأما عن الحلقات والأبهاء الخاصة فيشير ابن زولاق إلى المجالس العلمية والأدبية التي كان يعقدها محمد بن طغج (الإخشيد) وولده انوجور ثم مجالس الوزيرين ابن الفضل جعفر بن الفرات والحسين بن محمد المارداني. والظاهر أن هذه المجالس والحلقات الأدبية كانت يومئذ من تقاليد الحياة الرفيعة وكانت نوعا من الترف الذي يأخذ به الأمراء والعظماء والأسر الكبيرة فان لهم جميعاً على نحو ما بينا في سير الأبهاء الأدبية في تلك العصور أكبر نصيب وذكر، ويرجع إليهم في أقامتها ورعايتها أكبر الفضل.

стр. 36

من طرائف الشعر النكران الفأس والشجرة للدكتور محمد عوض محمد كانت الفأس قطعة من حديد … وحدها لا تطيق حزاً وقطعاً فرأت دوحة: فقالت: (هبيني … يالك الخير! من فروعك فرعاً!) امنحيني يداً، تشدي بها أز … ري فأزداد في البرية نفعاً فحبتها فرعاً متيناً وظنت … أنها أحسنت بذلك صنعاً! باتت الفأس بعدها ذات حول … يصدع الصخر والجنادل صدعاً وتناست أنى لها ذلك الحول … فجاءت لدوحة الأمس تسعى! أن هوت نحوها بقسوة ذي غل … وحقد كأنه حقد أفعى ضربتها ضربات طالب ثأرٍ … فهوت للثرى: فروعا ًوجذعاً!! وحي الحياة. لوجهك هذا الكون يا حُسْنُ كله … وجوهٌ يفيض البشرُ من قسماتها وتستعرضُ الدنيا غريبَ فنونها … وتعرب عن نجواكَ شتىَّ لغاتها ولولاكَ ما جاش الدَجى بهمومها … ولا افترَّ ثغر الصبح عن بسماتها! ولا سعدتْ بالوهم في عالم المنى … ولا شقيتْ بالحبِّ بين لِداتها ولا حيَيَتْ الفَّنان إلهام فنِّه … ولا رُزقَ الإبداع من نفحاتها فوا أسفا يا حسن لِلّحظة التي … تطيش لها الأحلام من وثباتها! فوا أسفاً يا حسن للحّظة التي … يعزُ على الأوهام جمع شتاتها! وما هي إلا الصمت والبرد والدُّجى … ودنيا يشيع الموت في جنباتها! فناءٌ تضجُ الريح من ظلماته … وتفزع فيه البوم من صرخاتها وتنتثر الأزهار من عذباتها … وتعَْرى الغصون النُّظْر من ورقاتها ويغشى السماء الجهمُ من كل ديمةٍ … تخدِّد وجه الأرض من عبراتها

стр. 37

هنالك لا الدنيا ولا البهجة التي … عَرَفْتَ، ولا الأيام في ضحكاتها! ولكن رَوَى النفس التي كنت حبها … ونافثَ هذا السحر في كلماتها مضت غير شعرٍ أودعت فيه وحْيَها … إليك فخذ يا حُسن وَحيَ حياتها! علي محمود المهندس

стр. 38

في الأدب الشرقي صفحات من الشعر الهندي - ١ - من ديوان رسالة الشرق لشاعر الهند العظيم محمد إقبال بقلم الدكتور عبد الوهاب عزام المدرس بكلية الآداب محمد إقبال هو شاعر الهند العظيم، وأكبر شعراء الإسلام في عصرنا. درس الفلسفة في إنجلترا وألمانيا وتزود من الفلسفة القديمة والحديثة ما شاء له الذكاء والاجتهاد، وعلم الفلسفة في جامعات الهند سنين كثيرة. وهو اليوم قائد من قادة الأفكار في الهند. وله من الشعر دواوين عدة بلغ فيها الغاية. نظم واحداً منها باللغة الأردية وسماه (بانك درا) أي صلصلة الجرس. ونظم خمسة بالفارسية وهي: (زبور العجم)، (وأسرار خودي)، (ورموز بي خودي) (أسرار الذاتية ورموز اللاذاتية)، (يبام مشرق) (رسالة المشرق) وقد جعله جواباً للقصائد المشرقية التي نظمها الشاعر الألماني جوته. وآخرها (جاويدنامه) (الكتاب الخالد). والقطع المترجمة هنا مأخوذة من (يبام مشرق). الحياة: بكى سحاب الربيع في جنح الليل فقال: إن هذي الحياة بكاء مستمر! فتلألأ البرق الخاطف أن (قد غلطت. إنها لمحة من الضحك!.) ليت شعري من أخبر البستان بهذا، فهو حديث مستمر بين الندى والورد.؟! الله والإنسان: الله

стр. 39

خلقتُ العالم من ماء واحد وطينة واحدة، فخلقتَ انت الفرس والتتار والزنج. خلقت من التراب الحديد، فخلقت انت السيوف والسهام والمدافع، وخلقتَ الفأس لأغصان الشجر والقفص للطائر الغرّيد. الإنسان خلقتَ الليل فخلقتُ المصباح. وخلقتَ الطين فخلقتُ الآنية: خلقتَ الصحارى والجبال والرُّبي فخلقتُ الجنات وحدائق الورد والطرق المشجرة. أنا الذي صنع المرآة من الحجر!. وأنا الذي صنع الدواء من السم!. اليراعة: سمعت اليراعة تقول: لستُ كالنملة ينال الناس أذاها. ولستُ كالفراشة، فأني اشتغل ولا احمل منَّة لأحد. إذا صار الليل اشد حلكا من عين الظبي أنرت بنفسي لنفسي الطريق!!. الحقيقة: قالت العقاب بعيدة الرأي للعنقاء: أن الذي يراه ناظري سراب! فأجاب ذلك الطائر: أنت ترين. ولكني أعلم أنه ماء. فارتفع صوت السمكة من لجة البحر: أجل يوجد شيء وهو في هياج واضطراب!!. . الحكمة والشعر: ضل أبو علي في غبار الناقة، وأخذت يد الرومي بستر المحمل! هذا غاص حتى ظفر بالجواهر، وذاك دار مع الغثاء على وجه الماء. الحق إن لم تكن فيه حرقة فهو حكمة. وإنما يصير شعراً حين يقبس من نار القلب!. . الوحدة: ذهبت الى البحر فقلت للموج المصطخب: أنت في طلب دائم فما خطبك؟ في جيبك آلاف اللآلئ، فهل في صدرك كما في صدري، جوهر من القلب!. .

стр. 40

فاضطرب وجزر عن الشاطئ ولم يحر جواباً!. ذهبت إلى الجبل فسألت ما هذا القرار؟ ألا ينال مسمعك آهات المحزونين وصيحاتهم؟! أن يكن العقيق في أحجارك قطرات من الدم فحدثني فأني مُرَزّأ. فانقبض وصمت ولم يحر جواباً!. قطعت طريقا سحيقا وسألت القمر: يا جوّاب الآفاق! هل قدر لك منزل لم يوجد؟ العالم من شعاع وجهك حديقة من الياسمين. فهل نور شامتك من تجلي قلب لا يوجد؟ فرأى رقباء بين الأنجم ولم يحر جواباً!. تخطيت القمر والشمس وصرت الى حضرة الخالق. قلت ليس في عالمك ذرة واحدة تعرفني! العالم خلو من القلب، وأنا، هذه القبضة من التراب كلها قلب!. المرج جميل، ولكنه ليس كفء نغماتي. فتبسم ولم يحر جواب!. الحور والشاعر: جواب منظومة جوته (المسماة الحور والشاعر) الحور: لا ترغب في الخمر ولا ترفع بصرك إليَّ. عجيب انك لا تعرف طرائق الصحبة! هذه الأنفاس التي تصهرها والغزل الذي تغني به كلها نغمة الطلب وكلها حرقة الأمل. أي عالم من الجمال خلقتَ بألحانك؟ فهذه إرم تلوح لي كطلسم من السيمياء. الشاعر: تخدعن قلوب السائرين بكلام لاذع، ولكن لذته لا تبلغ وخزة الشوك! ماذا أصنع؟ أن فطرتي لا تسكن الى المقام وان له لقلبا قلقا كالصبا بين الحدائق! كلما اطمأن ناظر الى وجه جميل خفق قلبي وراء وجه أجمل. إني أريد من الشرر نجماً، ومن النجم شمساً. لا أبغي منزلا فان موتي أن أقرَّ. كلما تناولت قدحا من حميا الربيع قمت فأنشدت غزلاً آخر مشوقا الى ربيع جديد. إنما أطلب غاية الذي لا غاية له بعين لا تصبر، وقلب دائم الرجاء. تموت قلوب العشاق بجنة الخلد لا بألحان الألم والغم، والمؤاساة.
следующие страницы →