← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من طرائف الشعر النكران الفأس والشجرة للدكتور محمد عوض محمد كانت الفأس قطعة من حديد … وحدها لا تطيق حزاً وقطعاً فرأت دوحة: فقالت: (هبيني … يالك الخير! من فروعك فرعاً!) امنحيني يداً، تشدي بها أز … ري فأزداد في البرية نفعاً فحبتها فرعاً متيناً وظنت … أنها أحسنت بذلك صنعاً! باتت الفأس بعدها ذات حول … يصدع الصخر والجنادل صدعاً وتناست أنى لها ذلك الحول … فجاءت لدوحة الأمس تسعى! أن هوت نحوها بقسوة ذي غل … وحقد كأنه حقد أفعى ضربتها ضربات طالب ثأرٍ … فهوت للثرى: فروعا ًوجذعاً!! وحي الحياة. لوجهك هذا الكون يا حُسْنُ كله … وجوهٌ يفيض البشرُ من قسماتها وتستعرضُ الدنيا غريبَ فنونها … وتعرب عن نجواكَ شتىَّ لغاتها ولولاكَ ما جاش الدَجى بهمومها … ولا افترَّ ثغر الصبح عن بسماتها! ولا سعدتْ بالوهم في عالم المنى … ولا شقيتْ بالحبِّ بين لِداتها ولا حيَيَتْ الفَّنان إلهام فنِّه … ولا رُزقَ الإبداع من نفحاتها فوا أسفا يا حسن لِلّحظة التي … تطيش لها الأحلام من وثباتها! فوا أسفاً يا حسن للحّظة التي … يعزُ على الأوهام جمع شتاتها! وما هي إلا الصمت والبرد والدُّجى … ودنيا يشيع الموت في جنباتها! فناءٌ تضجُ الريح من ظلماته … وتفزع فيه البوم من صرخاتها وتنتثر الأزهار من عذباتها … وتعَْرى الغصون النُّظْر من ورقاتها ويغشى السماء الجهمُ من كل ديمةٍ … تخدِّد وجه الأرض من عبراتها

стр. 37

هنالك لا الدنيا ولا البهجة التي … عَرَفْتَ، ولا الأيام في ضحكاتها! ولكن رَوَى النفس التي كنت حبها … ونافثَ هذا السحر في كلماتها مضت غير شعرٍ أودعت فيه وحْيَها … إليك فخذ يا حُسن وَحيَ حياتها! علي محمود المهندس

стр. 38

في الأدب الشرقي صفحات من الشعر الهندي - ١ - من ديوان رسالة الشرق لشاعر الهند العظيم محمد إقبال بقلم الدكتور عبد الوهاب عزام المدرس بكلية الآداب محمد إقبال هو شاعر الهند العظيم، وأكبر شعراء الإسلام في عصرنا. درس الفلسفة في إنجلترا وألمانيا وتزود من الفلسفة القديمة والحديثة ما شاء له الذكاء والاجتهاد، وعلم الفلسفة في جامعات الهند سنين كثيرة. وهو اليوم قائد من قادة الأفكار في الهند. وله من الشعر دواوين عدة بلغ فيها الغاية. نظم واحداً منها باللغة الأردية وسماه (بانك درا) أي صلصلة الجرس. ونظم خمسة بالفارسية وهي: (زبور العجم)، (وأسرار خودي)، (ورموز بي خودي) (أسرار الذاتية ورموز اللاذاتية)، (يبام مشرق) (رسالة المشرق) وقد جعله جواباً للقصائد المشرقية التي نظمها الشاعر الألماني جوته. وآخرها (جاويدنامه) (الكتاب الخالد). والقطع المترجمة هنا مأخوذة من (يبام مشرق). الحياة: بكى سحاب الربيع في جنح الليل فقال: إن هذي الحياة بكاء مستمر! فتلألأ البرق الخاطف أن (قد غلطت. إنها لمحة من الضحك!.) ليت شعري من أخبر البستان بهذا، فهو حديث مستمر بين الندى والورد.؟! الله والإنسان: الله

стр. 39

خلقتُ العالم من ماء واحد وطينة واحدة، فخلقتَ انت الفرس والتتار والزنج. خلقت من التراب الحديد، فخلقت انت السيوف والسهام والمدافع، وخلقتَ الفأس لأغصان الشجر والقفص للطائر الغرّيد. الإنسان خلقتَ الليل فخلقتُ المصباح. وخلقتَ الطين فخلقتُ الآنية: خلقتَ الصحارى والجبال والرُّبي فخلقتُ الجنات وحدائق الورد والطرق المشجرة. أنا الذي صنع المرآة من الحجر!. وأنا الذي صنع الدواء من السم!. اليراعة: سمعت اليراعة تقول: لستُ كالنملة ينال الناس أذاها. ولستُ كالفراشة، فأني اشتغل ولا احمل منَّة لأحد. إذا صار الليل اشد حلكا من عين الظبي أنرت بنفسي لنفسي الطريق!!. الحقيقة: قالت العقاب بعيدة الرأي للعنقاء: أن الذي يراه ناظري سراب! فأجاب ذلك الطائر: أنت ترين. ولكني أعلم أنه ماء. فارتفع صوت السمكة من لجة البحر: أجل يوجد شيء وهو في هياج واضطراب!!. . الحكمة والشعر: ضل أبو علي في غبار الناقة، وأخذت يد الرومي بستر المحمل! هذا غاص حتى ظفر بالجواهر، وذاك دار مع الغثاء على وجه الماء. الحق إن لم تكن فيه حرقة فهو حكمة. وإنما يصير شعراً حين يقبس من نار القلب!. . الوحدة: ذهبت الى البحر فقلت للموج المصطخب: أنت في طلب دائم فما خطبك؟ في جيبك آلاف اللآلئ، فهل في صدرك كما في صدري، جوهر من القلب!. .

стр. 40

فاضطرب وجزر عن الشاطئ ولم يحر جواباً!. ذهبت إلى الجبل فسألت ما هذا القرار؟ ألا ينال مسمعك آهات المحزونين وصيحاتهم؟! أن يكن العقيق في أحجارك قطرات من الدم فحدثني فأني مُرَزّأ. فانقبض وصمت ولم يحر جواباً!. قطعت طريقا سحيقا وسألت القمر: يا جوّاب الآفاق! هل قدر لك منزل لم يوجد؟ العالم من شعاع وجهك حديقة من الياسمين. فهل نور شامتك من تجلي قلب لا يوجد؟ فرأى رقباء بين الأنجم ولم يحر جواباً!. تخطيت القمر والشمس وصرت الى حضرة الخالق. قلت ليس في عالمك ذرة واحدة تعرفني! العالم خلو من القلب، وأنا، هذه القبضة من التراب كلها قلب!. المرج جميل، ولكنه ليس كفء نغماتي. فتبسم ولم يحر جواب!. الحور والشاعر: جواب منظومة جوته (المسماة الحور والشاعر) الحور: لا ترغب في الخمر ولا ترفع بصرك إليَّ. عجيب انك لا تعرف طرائق الصحبة! هذه الأنفاس التي تصهرها والغزل الذي تغني به كلها نغمة الطلب وكلها حرقة الأمل. أي عالم من الجمال خلقتَ بألحانك؟ فهذه إرم تلوح لي كطلسم من السيمياء. الشاعر: تخدعن قلوب السائرين بكلام لاذع، ولكن لذته لا تبلغ وخزة الشوك! ماذا أصنع؟ أن فطرتي لا تسكن الى المقام وان له لقلبا قلقا كالصبا بين الحدائق! كلما اطمأن ناظر الى وجه جميل خفق قلبي وراء وجه أجمل. إني أريد من الشرر نجماً، ومن النجم شمساً. لا أبغي منزلا فان موتي أن أقرَّ. كلما تناولت قدحا من حميا الربيع قمت فأنشدت غزلاً آخر مشوقا الى ربيع جديد. إنما أطلب غاية الذي لا غاية له بعين لا تصبر، وقلب دائم الرجاء. تموت قلوب العشاق بجنة الخلد لا بألحان الألم والغم، والمؤاساة.

стр. 41

نسيم الصبح: آتي من صفحات البحار وقمم الجبال، ولكني لست أدري من أين أهب!. أبلغ الطائر المحزون رسالة الربيع، وأنثر في منزله فضة الياسمين. وأتقلب في المرج، والتف على أغصان الشقائق، فأبعث من مسامها اللون والرائحة. وأتعلق رفيقا رفيقاً بأوراق الورد والزهر حتى لا تنوء أغصانها بجولاتي!. وإذا رأيت شاعرا هاجه غم العشق خلطت بنغماته نفساً بعد نفس. الصقر والسمكة: قالت سمكة صغيرة لفرخ الصقر: ان كل ما ترى من سلاسل الأمواج هو البحر. فيه وحوش أشد زمجرة من الرعد القاصف. وفيه صنوف الأهوال ظاهرة وخفية. وفيه السيول جائشة تقلع الصخور، وتغشى كل شيء. وفيه جواهر متلألئة ولآلىء نيرة. وليس الى الخروج منه سبيل! هو فوقنا وتحتنا وفي كل مكان. هو أبد الدهر فتى مائج متلاطم. لا يناله من دوران الأيام زيادة ولا نقص. اتقد وجه السمكة بحرقة الحماسة، فضحك فرخ الصقر، وارتفع من الساحل الى الدوح وصاح: أنا الصقر فمالي وللأرض؟ أن الصحارى، وهي بحار، تحت أجنحتنا. دع الماء وتعوّد سعة الهواء. حكمة لا تدركها الا العين البصيرة. العشق: هذه الكلمة الآخذة بالقلوب، والتي هي سر وليست بسر. أنا أخبرك من سمعها وأين سمعها؟ أسترقها الندى من السماء فأوحاها الى الورد، وسمعها عن الورد البلبل، ونثَّتها عن البلبل ريح الصبا. حداء (نغمة حادي الحجاز) يا ناقتي الخطارة … وظبيتي المعطارة وعدَّني والشارة

стр. 42

والمال والتجارة … ودولتي السيارَة حُثي الخُطى قليلاً … منزلنا قريب! جميلة الرواء … مطربةُ الرغاء محسودةُ الحوراء … وغيرةُ الحسناء بُنيَّةَ الصحراء! حُثي الخُطى قليلاً … منزلنا قريب! كم غصتِ في السراب … في وقدة اليباب وسرتِ لم تهابي … في الليل كالشهاب والنوم عنك نابي حُثي الخُطى قليلاً … منزلنا قريب! قطعة غيم غادي … سفينة الروَّاد كالِخضر في البوادي … تمضين في سداد فلذة قلب الحادي! حُثي الخُطى قليلاً … منزلنا قريب! حرقتك الزمام … وسيرك الأنغام يتعبك المقام … لا الجوع والأوام والسفر المدُام حُثي الخُطى قليلاً … منزلنا قريب! ممسيةٌ في اليمن … مصبحة في قَرن ترين حزَنْ الوطن … كالخز تحت الثفن إيه غزال الختن! حُثي الخُطى قليلاً … منزلنا قريب! بدر السماء نعسا … خلف التلال خنسا والصبح قد تنفسا … مزَّق هذا الغلسا والريح تزجي نفسا

стр. 43

حُثي الخُطى قليلاً … منزلنا قريب! لحني دواء السقم … والروح ملء نغمي يحدو الركاب كلمى … من جارح وبلسم هلم بنتَ الحرم! حُثي الخُطى قليلاً … منزلنا قريب!

стр. 44

في الأدب الغربّي الشاعر المحتضر قصيدة من عبقريات لامرتين ترجمها وأهداها إلى روح شوقي أحمد حسن الزيات تحطمت كأس عمري وهي مُترعة، وتصرمت حياتي زفرات في كل نَفَس، وَعيّ َبإمساكها ما أرسلت من عبرات وحسرات، وقرع الموت بجناحه الناقوس الباكي عليَّ مؤذناً بساعتي الأخيرة، فليت شعري أنوح أم أغني؟؟!. لأغَنِّ ما دامت أناملي لا تزال على القيثار، لأغن ما دامت المنون تلهمني، وأنا على باب الآخرة ما تلهم البجعة من صرخة موزونة وأنة ملحونة، وإذا لم تكن النفس شيئا غير الحب والألم فلم لا يكون وداعها لحناً قدسياً؟؟! إن القيثار يبعث أجملألحانه حين ينكسر، والمصباح يرسل أبهى أضوائه حين يخمد، والبجعة ترفع طرفها الى السماء حين تسلم الروح، والإنسان وحده يرجع البصر إلى الوراء ليعد أيامه ويبكيها!! وما هذه الأيام التي تستدر حوالب عينيه؟ شمس تشرق متقطعة، وساعات تمر متشابهة، وخير تمنحه ساعة فتسلبه أخرى، ثم عمل يتلوه راحة، وألم يتبعه أحيانا حلم! ذلك هو اليوم، ثم يمحو آيته الليل! لِيبْك ذلك الذي أشتد على حطام الدنيا حرصه، وتعلق بأمانيها سببه، ثم يرى حبل مستقبله يَنْبَتّ، وظِل آماله يتقلص! أما أنا فأترك الدنيا في سهولة ويسر لأن جذوري منها كجذور النبتة الرخوة من الأرض، تهب عليها رياح المساء فتقلعها! الشاعر أشبه شيء بالطيور الغوابر، لا تعشعش على الضفاف ولا تقع على غصَون الغاب وإنما تهدهد نفسها على متون الموج، ثم تمر مغردة على بعد من الشاطئ، فلا يعرف الناس من أمرها، غير ما يسمعون من صوتها! أبداً لم تدرب يدي على الوتر الرنان يد مخلوق؛ لأن ما تلهمه روح الله لا تعُلِّمه يد إنسان

стр. 45

فالجدول لا يتعلم كيف يجري في المنحدر، والنسر لا يتعلم كيف يشق بجناحيه الهواء، والنحلة لا تتعلم كيف تؤلف العسل! الناقوس تقرعه القوارع في مكانه العالي ليوم بشرى أو يوم نعي، فينوح مرة ويشدو مرة، وأنا كنت بهذا الناقوس أشبه! طهرني الألم كما طهره اللهب , وحركت الأوتار المختلفة أوتار قلبي فأخرجت لكل عاطفة نغمة! أنا كالقيثارة (الأيولية) تعزف طول الليل من تلقاء نفسها على خطرات النسيم، وتمزج خرير المياه بأنينها الرخيم، فيقف السائر حيران دهشاً مما يسمع! يطرب ويعجب ولا يدري مصدر هذه الزفرات المقدسة! قيثارتي تخضل غالباً بالدموع! وما الدموع للمرء إلا كندى السماء للأرض! وهيهات أن ينضج القلب تحت السماء الصافية! فالكأس المصدوعة يسيل عنها عصير الكروم، والريحان الذابل إذا وطئته قدماك، تَضوَّع شذاه بين خطاك! خلق الله نفسي من نغمة محرقة، فمن يتصل بها يحترق بلهبها! فيا عجبا لمنحة القدر!! أنا أسرفت في الحب ومن ذلك الإسراف أموت! ما لمست شيئاً قط إلا حال إلى رماد! كذلك رجوم السماء الساقطة على أشجار الخَلنَج، تنطفيء بعد أن تدمر كل شيء! ولكن العمر! لقد استوفى اجله. . والمجد! آه! وما يعنيني من صدى نغمة باطلة تنتقل من عصر الى عصر، وسمعة كاللعبة البراقة تنحدر من جيل الى جيل؟ أيها الذين وعدهم المجد سلطان الغد! استمعوا الى هذا اللحن الذي يخرج من قيثارتي! هل تجدون لرنينه أثراً في الأذان، بعد ما حمله الهواء الى غير هذا المكان؟! شهد الله أني منذ حييت لم أذكر هذا الاسم العظيم إلا بإزراء، ولطالما عصرت هذه الكلمة التي أخترعها هذيان الإنسان فلم أجد غير هواء، هنالك لفظتها كما تلفظ الشفتان قشرة يابسة. في سبيل هذا الأمل الخالب، في هذا المجد الكاذب يرمي الإنسان في مجرى الزمن اسمه وهو عابر، فيلَقفه التيار، وتضعفه الأيام كلما سار، حتى يصير حطاماً تعبث به أمواج الدهر، ثم تحمله على غواربها من عصرٍ الى عصر، حتى تلقي به في لجج النسيان! أنا كذلك القي اسمي بين تلك الأسماء العائمة، على هذه الأمواج المتلاطمة، ثم اتركه على

стр. 46

هوى الرياح والأمطار يطفو ويرسب! فهل يكون بذلك شأني أعظم ومقامي أرفع؟ ولماذا وكل ما هنالك أسم؟! وهل تسأل البجعة الطائرة في جو السماء إذا كان ظلها لا يزال طافيا على أديم هذه الغبراء؟! تسألني لماذا كنت أغني؟ سل البلبل لماذا تتجاوب أغاريده وأناشيد الجدول طوال الليل؟! أنا أنشد يا صحابي كما يتنفس الإنسان، ويشدو العصفور، ويعزف الهواء، ويخر الماء! الحب والدعاء والغناء ثلاث تقسَّمن كل حياتي!. . ولم آسُ ساعة الموت على فائت مما يتشوف إليه الناس في دنياهم إلا على زفرة حارة تتصَّعد الى الله، وسكرة طروبة تهبط من القيثار، وصمتة عاشقة تعمق حين يتعانق قلب وقلب! إن مثولك خاشعاً أمام الجمال تسمع رجفان أوتار المزِْهر، وترى حديث الهوى يمتزج مع أنغامه ويسري في حشاك، وتستقر الدموع من العين المعبودة كما يستقر النسيمأنداء الفجر من الزهرة المطلولة. . . وترى طافها الشاكي يصَعَّد حزيناً في السماء كأنما يطير مع النغم، ثم يرتد واقعاً عليك وهو بالحرارة العفيفة يجيش، وتبصر من خلال أهدابها المسبلة شعاع نفسها كالنار المضطربة في حالك الليل البهيم. . . وترى ظلال أفكارها على جبينها الزاهر ترف، والكلام على شفتيها المثقلتين يموت، ثم تسمع بعد هذا الصمت الطويل هذه الكلمة ترن حتى تبلغ أذن الجوزاء! هذه الكلمة، كلمة الآلهة والناس هي: (إني احبك!) ذلك هو الذي يساوي في الحياة زفرة!! زفرة!! حسرة!! كلام لا معنى له! على جناح الموت، روحي تطير إلى السماء! تطير حيث ترى العين شعاع الأمل يضيء! تطير إلى حيث طارت النغمة التي خرجت من مزهري! تطير إلى حيث صعدت جميع زفراتي!. الإيمان (وهو عين الروح) قد اخترق ظلماتي كما تخترق عين العصفور ما وراء الظلال الحزينة. ثم باحت لي غريزته النبوية بما إستسر من حظي! وكم مرة اقتحمت نفسي آفاق المستقبل حتى بلغت السماء محمولة على أجنحة اللهيب، فتقدمت بذلك الموت!

стр. 47

لا تنقشوا اسمي على قبري الكئيب العابس، ولا تثقلوا بالبناء ظلي الخفيف، أن قليلا من الرمل يكفيني! لست وا أسفاه حريصاً ولا غيوراً!. ثم لا تتركوا من الفراغ أمام القبر الا مقدار ما يضع الزائر العابر ركبتيه! حطموا هذا المزهر وذرُّوا حطامه في الهواء والماء واللهب فانه لم يجاوب أهازيج النفس إلا بنغمة واحدة! أن مزهر الساروفين يرتجف تحت أناملي! وعما قليل أعيش معهم في عالم النغمات، وأقود بقيثارتي ألحان السموات! وعما قليل!! أن يد الموت الثقيلة قد قطعت الوتر! انقطع بعد أن أرسل في أمواج الهواء، نغمة شاكية صماء، صمت مزهري البارد يا رفاقي! فخذوا مزاهركم، وأدخلوا نفسي عالم البقاء، بين خفق الأوتار وترجيع الغناء!. .

стр. 48

بيت الراعي للشاعر الفرنسي الفريد دى فني مهداة من المترجم إلى الأستاذ الجليل احمد لطفي السيد بك الى إيفا - ١ - إذا كان قلبك وهو يتخبط عانيا كالنسر الجريح، لفرط ما أبهظته الحياة، قد قضى عليه أن يحمل كقلبي فوق جناحه المهيض عالماً بارداً مضنياً! إذا كان لا يخفق بغير نزيف جرحه الأبدي، وقد أصبح لا يرى الحب؛ نجمة الصادق ينير له الأفق المتلاشي! - ٢ - إذا كانت نفسك المكبلة كنفسي، قد أضنتها الأغلال ومر الطعام، فتركت المجداف فوق زورقها المنحوس، وأطلت برأسها الممتقع باكية على صفحة الماء باحثة وسط الأمواج عن طريق مجهول، فرأت - وهي ترتعد - كلمة الجماعة مرقومة فوق كتفها بالحديد. - ٣ - إذا كان جسمك الحيّ الرعديد تخجله النظرات، وهو يضطرب بالأهواء الدفينة! إذا كان يبحث لجماله عن حرم مصون، يحكم إخفاءه، عن المستهتر الجارح! إذا كانت شفتك تجففها سموم الكذب وجبهتك الجميلة تحمر خجلا إذا مرت بأحلام مجهول غير عفيف، يراك أو يسمعك!. - ٤ - إذا فارحلي بشجاعة اهجري المدن، لا تدنسي بعد اليوم قدميك بغبار الطريق، أشرفي من سماء أفكارنا على المدن الذليلة كأنها صخور القدر لاستعباد البشر! الغابات المترامية والحقول، المنبسطة ملاجئ فسيحة، طليقة، كأنها البحر يحيط بجزر معتمة. سِيري بين الحقولْ وبيمينك زهرة! - ٥ -

стр. 49

الطبيعة تنتظرك في صمت رهيب، العشب يرسل فوق قدميك سحابة الماء، وزفرة الوداع التي ترسلها الشمس فوق الأرض تحرك زهر الزنبق، فكأنه المباخر. الغابة قد نقبت صفوف أشجارها المترامية، وها هو الجبل يختفي والسيسبان ينشر مقاعده العفيفة فوق الأمواج الناصلة. - ٦ - ها هو ذا الشفق المحب يتوسد الكرى وسط الوادي، فوق زمرد العشب، وذهب الحشائش. تحت القصب الحيية، في المجرى المنعزل، وتحت غابة الأحلام التي ترتعد في الأفق. ها هو يتمايل متسللا وسط عناقيد الزهور البرية، يلقى معطفه الرمادي فوق شواطئ المياه، ويشق عند ظهور الليل باب سجنها!. - ٧ - فوق جبلي قصب كثيف لا تستطيع أقدام الصائد أن تتخلله. يرفع رأسه الجامح الى ما فوق جباهنا، ويؤوي في الليل الراعي والغريب. تعالى أخف فيه حبك وخطيئتك المقدسة. فإذا اضطرب أو لم يكن علوه كافياً شيدتُ لك بيت الراعي! - ٨ - يسير الهوينا على عجلاته الأربع. سقفه لا يعلو فوق جبهتك وعينيك سيسبغ الياقوت وخدّاك على عربة الليل لونهما! المدخل عاطر والمخدع واسع معتم. هنالك بين الأزهار سنتخذ وسط الظلال فراشا صامتا لشعرنا المجتمع! - ٩ - سأزور إن أردت بلاد الجليد. هنالك حيث يشع نجم الحب ويلتهب!. هنالك حيث تصطدم الرياح ويحاصرها الجليد!. هنالك حيث يختفي القطب تحت الثلوج. سنسير كما تشاء المصادفات الى غير سبيل مقرر. وفيم اهتمامي بالزمان؟ وفيم اهتمامي بالمكان؟ سأقول جميلاً ما تراه عيناك جميلا!. - ١٠ - ليهدي الله ذلك البخار الصاعق الى غايته فوق تلك القضب الحديدية، التي تخترق الجبال ليقم ملك كريم على ذلك الموقد الصاخب عندما يدب تحت الأرض أو يهز بجبروته

стр. 50

القناطر. عندما يخترق المدن بأسنان نيرانه التي تلتهم المراجل أو عندما يقفز الأنهار بوثبات أسرع من وثبات الوعل، وقد حما قفزه. - ١١ - ما لم يسهر الملك ذو العينين الزرقاوين على طريق البخار. ما لم يحلق فوقه ويحميه وسيفه بيده؛ ما لم يعد كل دفعة من دفعات الرافعة. ما لم يستمع الى كل دورة من دورات العجلة في رحلتها الجبارة. ما لم يلق ببصره على الماء وبيده على النار كي يتهلل الموقد السحري بالنصر. كفانا حجر صغير يلقيه طفل! - ١٢ - لقد عجل الإنسان بركوب ذلك الثور الحديدي الذي يدخن ويصفر ويخور، وما يعلم أحد ماذا يحمل هذا الأعمى الخشن في جوفه من زوابع عاصفة! ها هو المسافر يسلمه راضياً كنوزه! ويلقي إليه بوالده العجوز وأبنائه رهائن كما كان يفعل الفينيقيون بما يقذفونه في جوف ثورهم المشتعل ناراً ليرده ترابا يلقيه تحت أقدام اله الذهب. - ١٣ - على أنه يجب أن نقهر الزمان والمكان، فأما نصر وأما موت. التجار يتنافسون، والذهب يتساقط كالمطر من دخان البخار الذاهب! الزمان والغاية هما العالم في نظرنا! كل يقول لنفسه هيا، ولكن لا سلطان لأحد على ذلك التنين الذي اخترعه أحد العلماء. أننا نلعب بما هو أقوى منا جميعا! - ١٤ - وعلى كل ليختط كل شيء سبيله، وليخدم النظر العمل فيحمله على أجنحة النار ما أتسع رحاب قاطرات البائع لكل نبيل، وما خدمت شريف العواطف. لتحل البركة على التجارة ذات الرمز الموفق ما دام الحب الذي يعبث بالمعقول قد أصبح في مكنته أن يخترق في يوم دولتين كبيرتين!. ٠ - ١٥ - ومع هذا فما لم نكن إزاء صديق يرسل صيحات اليأس، وحياته مهددة بالخطر. أو إزاء فرنسا التي تدق البوق لتدعونا الى ساحات الوغى أو اتصال العلم أو إزاء أمٍّ تحتضر في

стр. 51

سرير موتها، وتود جاهدة أن تلقي ببصرها الرقيق الحزين على ذويها قبل أن تغمض عيناها إلى الأبد. - ١٦ - لنتجنب السكك الحديدية ما دامت الرحلة بها مجردة عن كل لذة، حيث تجري على تلك الخطوط وكأنما هي سهم انطلق في الفضاء من قوسه الى غرضه، وسط أزيز الهواء، وهكذا ترى الإنسان وقد قذف به الى بُعد لا يستنشق، ولا يرى من الطبيعة الا ضباباً خانقاً يخترقه برق خاطف! - ١٧ - لن نسمع بعد اليوم وقع سنابك الخيل على الطرق الملتهبة. وداعا أيتها الرحلات البطيئة! تلك الأصوات التي نسمعها عن بعد! ضحكات المارة توقف العجلات عن السير. ثم تلك المنعطفات غير المتوقعة في مختلف المنحدرات، صديق نلقاه فننسى معه الزمان. الأمل في الوصول إلى مكان مهجور في وقت متأخر! - ١٨ - لقد تغلبنا على الزمان والمكان! لقد مدّ العلم حول كرة الأرض خطاً مستقيماً نحساً. لقد ضيقت معارفنا من فضاء الأرض وأصبح خط الإستواء عبارة عن حلقة صغيرة ضيقة. لا صدفة بعد اليوم. سيتخذ كل وجهته لا يعدو المكان الذي يحتل من بدء الرحلة غارقا في تقديرات صامتة باردة! - ١٩ - محال على الأحلام الوادعة الملتهبة بالعاطفة أن ترى قدمها الأبيض معلقا بها من غير أن ترتجف مشمئزة لأنه لا بد لها من أن تلقي على كل مرئي نظرة طويلة كالنهر المتدفق وأن تستجوب في لهفة كل شيء وأن تدرس في عناية كل سر الهي، وأن تسير وتقف، وتسير ورأسها منحن.

стр. 52

العلوم النوم واليقظة بقلم الدكتور احمد زكي الأستاذ بكلية العلوم النوم، ما أحلاه! أو هكذا يقول المجهود اللاغب قد استنفد النهار طوقه واستفرغ قواه. النوم ما أعزه وأغلاه! أو هكذا يقول المريض تعذّر عليه القيام وسرى السقام في عظامه بصنوف الآلام. فلا هو بالصحيح الصاحي فتحمله كالناس رجلان، ولا بالغافل العافي فتغمض له عينان!. أمساؤه كأصباحه ونجوم ليله كشمس نهاره!. النوم، ما أروحه! أو هكذا يقول المكروب أفعم الهّم صدره حتى كاد يصدّعه، وثار الفكر الملحّ برأسه حتى كاد يطير به، يطلب النوم فيتأبى عليه، والنوم كالسائمة الهائمة تشرد عن طالبها، فيحتال عليه بالفكر اقتناصاً، فيفكر ثم يفكر، ولكن في دائرة لا مبدأ لها ولا منتهى!. النوم كالهواء والماء غلا حتى عز أن يكون له ثمن، منحة الله العظمى، وعطيته الكبرى، لا يستأثر بها غني ولا توصد الخزائن دونها عن فقير. وعَّمت فلم يختص بها الإنسان، فكان للخلائق أجمعين أنصبة منها، حتى النبات له من ذلك نصيب!. نعم حتى النبات فهو في النهار يعمل كالإنسان سعياً وراء القوت، فيأخذ من الهواء أكسيد الفحم فيهضمه فأما الفحم فيستبقيه غذاء صالحا يزداد به في الجسم بسطة وفي الأفرع إنبساقاً، وأما الأوكسجين فيطلقه في الجو فضلة لا حاجة به إليها حتى إذا جاء الليل كف عن العمل وهجع إلى الصباح ليعود إلى ما كان عليه في أمسه!. غريب فعل هذه الشمس في الخلائق. تغيب فتنام الأرض ومن عليها، وتطلع فتنشر أشعتها اليقظة والحياة، أو الأصح أن نقول أن نصف الأرض ينام حيث الشمس غائبة بينما نصفها الآخر صاح حيث الشمس طالعة، فالنوم واليقظة دوّاران كالشمس يدوران على الناس من المشرق الى المغرب. وعلاقة الشمس بالنوم ليست مصادفة وليست عادة ابتدعها الإنسان ثم ألفها، ولكنها علاقة اقتضتها طبيعة الحياة وطبيعة الأجسام الحية وطبيعة النوم كذلك. ومن اجل هذا عمت حتى شملت كل ذي حياة. حتى السمك يقل حسه في الليل ويهدأ حيث هو

стр. 53

من الماء. . ومن أطرف ما رأيت انهم أعلنوا في لندن منذ أعوام خلت أن الشمس ستكسف بعد طلوع الشمس بقليل. وكنا نسكن بظاهر المدينة فقمنا مبكرين نشهد هذا المشهد الجليل. فذَّر قرن الشمس وخرجت الطيور على العادة من أوكارها تسعى الى الرزق. ولكن ما هي الا أن احتجبت الشمس وجلل الأرض ما يشبه الغسق حتى وجدنا هذه الطيور تعود الى أوكارها زرافات ووحدانا مخدوعة عن صباحها، ولم يكن بعد قد جف نداه. وهذا نظام كما ذكرنا عام اقتضته ضرورة الحياة، وله شواذ الا أنها لا تكون الا لضرورة من ضرورات الحياة كذلك. فكما نرى بين الناس من يضطره العيش إلى القيام والناس تجوع، والى الهجوع والناس قيام نرى من الحيوانات كالمفترسة ما يلبس رداء الظلام يتحسس فريسة نائمة، ومنها الضعيف الهياب كالحشرات والجرذان يتخذ من الليل نهارا يطلب القوت تحت ستاره في أمان واطمئنان. ومن النباتات أجناس رخصت لها الطبيعة بمثل هذا الشذوذ. فبينما نرى الكثير من الشجر تتهدل أغصانه بعض الشيء وتغمض أزهاره وتنحبس عطورها بمغيب الشمس، نرى القليل كنبات التبغ يسير على النقيض فتتفتح أزهاره في الليل ويفوح طيبه وما كان للطبيعة أن تأذن لهذا النبات في رخصة كهذه لولا أن فيها حياته وبها ضمان إنساله، فأن فَراش الليل ينجذب إلى الزهرة الذكر بشذاها، فيحط عليها طلباً لجناها، ثم يشيل عنها متحملا بلقاحها، فيحط به على زهرة أنثى فيتم إثمارها. أما جوهر النوم وكنهه فقد حار فيهما العلماء كما حاروا في كل شيء يتصل بالمخ وتوابعه من حيث الصحة والمرض ومن حيث الإدراك والتفكير. ولا غرابة في ذلك، فالإنسان أمتاز من الكائنات بخلقه، والمخ أعقد ما في هذا الخلق، وبه ساد الخلائق، وبه تحكم فيها وورث الأرض، وبه سيرث أجرام السماوات. غير انه مما لا شك فيه أن النوم يعطل في الإنسان التعقل والتفكير، وكذلك الإحساس، وتلك جميعها من مظاهر اليقظة. ولا تدوم فترة ما بين اليقظة والنوم أكثر من دقيقة أو دقيقتين، وعندئذ يدخل الرجل الصحيح المعافى في النوم كما يجب أن يكون، وتنقطع الصلة بينه وبين هذا العالم ساعة أو ساعتين، تكون فيها صحيفة ذهنه بيضاء من كل شر أو خير، فهو كالميت وليس ميتا، ثم تقرب الصلة بعد ذلك بينه وبين العالم الحي، وهنا تتدخل الأحلام. وليس النوم ذو الأحلام بالنوم العميق، ولا أدل

стр. 54

على ذلك من أن أحلام النائم تتأثر بما يحدث حوله، فقد يقع كتاب في الغرفة فيتمثل للحالمكأن بيتاً ينهد، أو جبلاً ينقض. كذلك تتشكل أحلام النائم وفقاً لما يحدث في جسمه، كأن تتوعك أمعاؤه أو تتخم معدته فتضيق أنفاسه فيرى أن لصاً مجرماً أخذ بتلابيبه وضيق عليه الخناق، أو أنه أُلقي به في اليم فسد عليه الماء منافس الهواء. فالرؤى على هذا نوع من الكرى بين الوسن الخالص واليقظة الخالصة، ولا تكون راحة الجسم فيها تامة، ولو جمعته بالحور الحسان على أرائك من خز وجمان. وكما كان الدخول في النوم تدرجا كان الخروج منه تدرجا ولا يستغرق هذا التحول أكثر من دقيقتين. ومع أن الإنسان يتعطل تعقله وحركته إذا هو نام الا أن أعمال جسمه الأخرى التي لا تتصل بمراكز المخ الرئيسية لا تتعطل ولا تكاد تتأثر الا قليلا، فالقلب يدق ولا تقل دقاته الا يسيراً، والمعدة تفرز العصارات الهضمية، والأمعاء تتحرك حركاتها الدودية، ويجري امتصاص الطعام فيها بمقدار ما يجري في الصحو. والدورة الدموية تجري كعادتها، إلا أن مخ النائم يقل دمه، بينما يكثر الدم مقابل ذلك في الأعضاء والأطراف لاتساع أوعيتها. ففقر الدم في المخ نتيجة من نتائج النوم، وكثيرا ما يكون سببا من مسبباته. ألا ترى أنك إذا أكلت فأثقلت جاءك النعاس فلم تستطع لسلطانه دفعاً؟ وسبب هذا أن المعدة تجذب الى نفسها أكثر الدم ليعينها على الهضم فيقل نصيب المخ منه. كذلك تقل حرارة الجسم في النوم تبعاً لنقص نشاطه، فأن كل عمل من أعماله نتيجة تفاعل كيميائي يصحبه احتراق بعض مادته. فإذا قل نشاط الجسم قل احتراقه فقلت حرارته. وإذا نحن قدّرنا نتاج احتراق الجسم في الأربع والعشرين ساعة بنحو ٣٠٠٠ سعر حراري وجدنا انه ينتج من ذلك القدر ٦٠٠ من الأسعار في ثماني الساعات التي ينامها، وينتج ٧٥٠ منها في ثماني الساعات التي يستريح فيه غير نائم، والباقي وقدره ١٦٥٠ ينتجه في ثماني الساعات التي يكد فيها ويعمل. ولقلة دخل الجسم من الحرارة أثناء النوم يتغطى المرء حين ينام بكل موصل رديء للحرارة كالألحفة ونحوها ليقلل خروج الحرارة منه فيتم بذلك توازنه الاقتصادي. ومن أجل ذلك أيضاً يختل هذا التوازن على الأغلب والناس نيام، فيصابون بأزمة داخلية يعبرون عنها بالبرد. وقد وضع العلماء نظريات عديدة في أسباب النوم لا داعي للإلمام بها لأنهم لم يجمعوا على

стр. 55

إحداها. وقد حاول قوم في عصر المحاولات الغربية (الذي نحن فيه) أن يستغنوا عن النوم بالمران، فكانوا كمن يحاول أن يستغني عن الشراب والطعام. ويختلف القدر اللازم منه للإنسان بإختلاف عمله وحركته وخموده، كذلك يختلف على ما هو معروف بأختلاف الأعمار، فالطفل الرضيع ينام أغلب يومه، ثم تقل حاجته منه حتى تبلغ في الشباب ثماني ساعات، ثم تزيد في القلة. فقد تنزل في الشيخوخة إلى ثلاث ثم تنعدم بالطبع عند نفاد الزيت واحتراق الفتيل.

стр. 56

العالم النسائي تباشير الانقلاب للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي تحيي الرسالة صديقها الزهاوي بقصره الجديد من ضاحية بغداد تحية طيبة، وتعده بأن تعنى بدرس آثاره وتحليل أشعاره عناية ظاهرة، ثم تعاتبه في رقة ولطف على أن يختار لعددها الأول هذه القصيدة. من بعد ما انتظرت حقابا … ثارت فمزقت الحجابا عربية عرفت أخيراً … كيف تنبذ ما أرابا كان الحجاب يسومها … خسفاً ويرهقها عذابا إن الألى قد أذنبوا … هم صيّروه لها عقابا وسيطلب التاريخ من … ناس لها ظلموا حسابا سألت لها حرية … تغنى فما لقيت جواب حتى إذا ما استيأست … خرقت بأيديها النقابا فرأت أمام سفورها … للمجد أفنية رحابا ذهبت كزوبعة لها … صخب فأحمدت الذهابا أحسنت يا ابنة يعرب … صنعاً وأتبعت الصوابا فلقد كفاك غضاضة … ذاك الشقاء بما أصابا ليس الجمود سوى خنو … ع قد يجر لك التبابا ان الحياة لتبتغي … في عصرنا هذا انقلابا ظهرت تباشير له … تبني المنى منها قبابا خوضي الى المجد الأثي … ل - إذا أرديته - الصعابا وتنكبي الوهد الذي … يخفيك واطلبي الهضابا أما العباب فانه … ان حال فاقتحمي العبابا الحق حقك فانشدي … هـ في محاولة طلابا وإذا أبوا فخذيه منه … م في محاججة غلابا

стр. 57

لا تعبئي أبداً بغر … بان يواصلن النعابا وذري من الدين القشو … ر جميعها وخذي اللبابا لا خير في ناس إذا … أفحمتهم ولوا غضابا عزووا الحجاب الى الكتا … ب فليتهم قرأوا الكتابا! ان التعصب مانع … أن تبصر العين صوابا ما عاش شعب نصفه … قد شل من داء أصابا الحق يزهق باطلا … قد زين، والصدق الكذابا ما كان خدرك غير سجن … مظلم يولى اكتئابا قولي إذا أخطأت … أخطأ، أو أصبت لقد أصابا أني لأرجو أن أرى … التوقير في الفتيان دابا وألوم من مردوا فلم … يبغوا عن السفه اجتنابا كم من خراف حين أد … جي ليلها انقلبت ذئابا لما رأت لحماً طري … اً أبرزت ظفراً ونابا ولرب فاتنة العيو … ن لحاظها تحكي الحرابا وترى خصائل شعرها … فتخالها تبراً مذابا زفت الى وحش فس … لت في حيازته اكتئابا وأجاعها شحاً ولم … يحسب لجوعتها حسابا هل ظن أن المرهق … الغرثان يلتهم الترابا ولقد غلى منها الأسى … فتفجرت تبكي المصابا ان الأسى أما غلى … ليفجر الصم الصلابا ونعاتب الأقدار لو … يسمعن من أحد عتابا! ولقد يخر الدمع … محمراً فتحسبه شهابا ذم الجهالة أنها … ما أورثت الا خرابا قالت ألا بعداً لمن … سمع الدعاء وما أجابا يا ماء أهلي أين أن … ت فأنني أشكو اللهابا

стр. 58

يا قبر (ليلى) أنت تحو … ي فيك زنبقة كعابا حيتك واكفة الحيا … تهمي فتسكب انسكابا كم مثلها من نسوة … يرجين في الصبر الثوابا يلوين من جور الرجا … ل - وقد تبر من - الرقابا أولست في وأد البنا … ت من الرجال ترى العجابا مالي رجاء في الشيو … خ وإنما أرجو الشبابا من كل وثاب إذا … أغريته اقتحم الصعابا الناس في الآراء يخ_تلفون بعداً واقترابا بسم المنى لأقلهم … خطأ وأكثرهم صوابا أني أرحب بالألى … بلد الرشيد بهن طابا من سيدات للعرو … بة جئن يرفعن القبابا أوليننا النعم الرغا … ب وما توخين الثوابا بل خدمة الوطن العزيز … بهن عن بعد أهابا نعم سأشكرها ومن … لا يشكر النعم الرغابا؟! وكذلك تشكر كل أر … ض - عضها الجدب - السحابا يا (نور) هذا الحفل قد … جازت بطولتك النصابا لا تحسبي للمرجفين … (ومن روى عنهم) حسابا!

стр. 59

الجمال والحب هل يشترط الجمال في المرأة لإثارة الحب؟ آراء طائفة من أعلام النساء والرجال هل يجب أن تكون المرأة حسناء لكي تحب؟ هذا سؤال طرحته صحيفة نسوية فرنسية ظهرت حديثا هي (جريدة المرأة) وتقدمت بسؤالها الى جماعة من الأكابر ذوي الرأي والمكانة الاجتماعية، رجالا ونساء، وقد رأينا لطرافة هذا الاستفتاء، أن ننقل خلاصة ما أدلى به أولئك الكبراء في هذه المسألة النفسية الخطيرة. الرأي النسوي ونبدأ بما يراه الرأي النسوي في ذلك ممثلا في أقوال طائفة من شهيرات النساء. قالت مدام دوسان الفنانة الباريزية الكبيرة التي تعد نموذجا من أبدع النماذج لجمال الفرنسية وسحرها، والتي تحمل أرفع أوسمة (الشرف) وتشغل في المجتمع الباريزي أرفع مقام: (ماذا يعني أولا أن تكون امرأة حسناء؟ يوجد ألف شكل لتكون المرأة حسناء، وألف آخر لتكون جذابة، ومائة ألف أخرى لكي لا تكون قبيحة! والحسن ليس شرطاً فقط لكي تحب المرأة، ولكن يجب أن تكون المرأة حسناء لأسباب كثيرة أخرى، يجب أن تكون حسناء بالصدفة. ففي مدننا المروعة حيث تأبى الأشجار ذاتها الحياة، يغدو القوام النسوي الساحر آخر بهجة تقدمها الطبيعة للأعين. ويجب أن تحاول المرأة أن تكون حسناء، فتلك مدرسة بديعة للإرادة. صحيح أن المرأة الحسناء تكون أحيانا فوزاً مدهشاً للطبيعة، ولكنها أكثر ما تكون امرأة استطاعت أن تصلح زينتها وأن تصقل رواءها، أو بعبارة أخرى امرأة استطاعت أن تكون قاسية على نفسها. وقد نعتقد متى فاجأنا إحدى أولئك النسوة تنظر الى المرآة خلسة أنها تعجب بنفسها. وهذا خطأ كبير. فهي في الحقيقة تدرس نفسها، وتضبط نفسها بصرامة حفية، وتتقدم في تفهم وسائل الحسن. ولكنها لن تعترف بذلك مطلقا، ولها في ذلك كل الحق. ولا يوجد حسنان متماثلين. فقد يكون الجمال هو وسامة الخلقة، ولكنه قد يكون أيضا بشرة وردية وشعراً أشقر، أو يكون نبرة الصوت. أو طريقة الابتسام، ولو دققنا البحث فمن ذا

стр. 60

الذي لا يتمتع بلمحة من الجمال؟ على أنه يجب البحث وراء الجمال لاعتبارات صحية؛ والصحة من أنفس موارد الجمال. وواجب ألا يغرينا منظر الجمال السقيم، فهو كالأثواب الغريبة، قلما يتاح له النجاح. ولكن اضطرام الحياة، والتفاؤل، والحماسة وسائل محققة للاحتفاظ بصباحة الطلعة، وثبات القامة، ولمعان العين. ولكن ماذا يجب لكي تحب المرأة! هذا هو لب السؤال. حقاً أن الحسن لا يضر، ولكنه ليس بذي عصمة، والجمال مثل المال، لا يحقق السعادة حتما. هذه المرأة الفتية النحيلة، ذات الجمال الخطر، التي تسحرك على لوحة السينما حيث يقتتل اثنان من اجلها، قد أرادت في الأسبوع الماضي أن تنتحر بالسم لأن الرجل الذي تحبه هجرها من اجل فتاة صغيرة من الرعاع لا ميزة لها الا أنها تحسن الطهي. ولكن تأمل أيضا هذه المرأة التي تسير جامدة دون تأنق، فأن لها زوجا يعبدها منذ عشرين سنة لأنها في نظره تجمع بين كل المحاسن. أن المسألة كلها حظوظ فقط. ومع ذلك فيجب أن نجتهد في استكمال روائنا، وفي الظهور بديعات مشرقات، إذ أن ما نثير من اهتمام أو حماسة يشرق بدوره من حولنا. فنحن نعجب بجمال الممثلات، ولكن روح أدوارهن هو الذي يذكي هذا الجمال ويطيل اجله. هل يجب أن تكون المرأة حسناء لكي تحب؟ أود أن أجيب أنه يجب أن تحب المرأة لكي تكون حسناء.) وقالت مدام لوسي ديلاري مردروس الكاتبة والمثالة الشهيرة: (لست أعتقد أن الجمال شرط لإثارة الحب. فالجمال مسألة مفاجأة وظهور على المسرح. ونحن نعتاد النظر إليه كما نعتاد القبح، وهذا هو الخطر. ونحن نعرف الكلمة السائرة: أنها حسناء حتى لا ينقصها شيء. ولكن من سوء الطالع الا ينقص المرأة شيء، إذ يجب أن يمكن المرء من العناية والاختراع لأجل إنسان ما. فهذا التعاون من جانب ذلك الذي نحب ضروري جداً. والرجل يذكر دائما أن حواء قد خلقت من أحد أضلاعه. وإذن ففي بعض الأحوال قد تفوق جاذبية القبح جاذبية الجمال؛ فان محيا قبيحاً يثير الجزع والألم، ويحاول المرء أن يصلحه بلا انقطاع. وليس معنى ذلك أن المرأة يجب أن تكون قبيحة لكي تحب. ولكني اعتقد أن الحب

стр. 61

لا تذكيه خلقة الشخص، ولكن يذكيه إلهامه، وكذلك دلالة محياه، فإن دلالة ساحرة أفضل من خلقة وسيمة. وقالت مدام ماريز باستيه الطيارة الشهيرة: (لست أعتقد أن الرجل يبحث عن الجمال في المرأة اكثر مما نبحث عنه نحن النساء في الرجل. ومن سوء الحظ أن يعرف الرجل أنه جميل وهذا ينطبق أيضا على بعض النساء الحسان. وعلى أي حال فان الحسان يظفرن بكثير من النجاح. فهل يحبهن الرجال أكثر من غيرهن؟ ولكن الأخريات أين هن؟ يخيل إلي أنه لا توجد ثمة وجوه قبيحة). وقالت مدام جني وهي أخصائية شهيرة في شئون الجمال والزينة (أن ما يدهشني دائما هو ما ألاحظه من ضآلة الدور الذي يؤديه الجمال في الحب. فالرجل تغريه أشياء غير الجمال. ولست أستطيع أن أجد لذلك أي تفسير، فهنالك نساء مبتذلات ونسوة من أحط الرعاع، يرتكب من أجلهن رجال ممتازون أشنع ضروب الطيش. وإذن فلنقل مثل ما قالت كارمن: أن الحب لا يعرف أي قانون).! رأي الرجل واليك رأي الرجل في تلك المعضلة الاجتماعية الدقيقة. ممثلا فيما أدلى به أكابر الرجال: قال الأستاذ هنري روبير عضو الأكاديمية الفرنسية ونقيب المحامين السابق: (لا بأس أن تكون المرأة جميلة ولكن ذلك ليس ضرورياً وأني لأفضل مائة مرة امرأة ذكية طيبة القلب وليست عاطلة من الوسامة على امرأة وافرة الحسن ليس لها قلب ولا ذكاء. أن المواهب العقلية في المرأة لها قيمة كبيرة. وللذكاء النسوي دقائق ندهش لها بحق. والنساء اللواتي يخلبننا هن أولئك اللاتي يستطعن أن يقلن شيئا، فهنالك شيء لا يمكن وصفه، وهو أوقع جداً في إثارة الحب من الجمال: ذلك هو السحر. وهنالك من ضروب السحر نوع لا أستطيع مقاومته، ذلك هو سحر الصوت. وبعد فما قيمة المبادئ في هذا الموضوع؟ أن الإنسان حيوان العادة، فإذا ما اعتاد شيئا فانه لا يعنى بالتحليل). وقال نيكولا سيجور الكاتب الأشهر: (ان الجمال مقر ملوكي للحب، والخفاء هو الذي يجعله ينفتح ظافراً مختاراً. والمرأة الحسناء هي قدس طبيعي، بل هي التنزيل الوحيد على الأرض.

стр. 62

وللجمال أهمية كبرى في إثارة الحب. وهو هبة أرفع من المواهب والعبقرية والفضيلة، إذ أن المرأة الحسناء يجتمع في شخصها كما يقول رينان، كل ما تستخلصه العبقرية بمشقة وفي لمحات ضئيلة. ولهذا فان ظهور امرأة حسناء يضع الرجل أمام المعجزة وجها لوجه. ويثير في نفسه اضطرابات كتلك التي يعرضها هوميروس بأسلوبه الخالد حينما يصف اجتماع شيوخ طروادة على الأسوار وهم يلعنون المرأة الغريبة التي جاءت لتبث في مدينتهم بذور الخراب والموت. ولكن هيلانة ما كادت تظهر حتى نهض أولئك الذين يلعنونها مضطربين يقول بعضهم لبعض: أنه لحق أن نتحمل الضرر من أجل امرأة لها ذلك الحسن. وفي باريس نعرف كما عرف اليونان الأقدمون، أن الجمال مقدس وانه لؤلؤة الخليقة، والصورة المادية الوحيدة لما نسميه المثل الأعلى. على أن هنالك خواص عجيبة أخرى تحل محل الجمال، وتخلق الجمال لدى المرأة التي لم تحظ بقسامة الخلقة. ولا ريب أن السحر والظرف، والذكاء تجذب الرجل وتخضعه. وما تغنمه الحسناء توا بظهورها، تستطيع أن تغنمه أية امرأة أخرى بوسائل أخرى. ويخيل إلى أن ما يأتي بعد الجمال، هو خصب الحياة، وانتعاش الملامح، وما يستشفه الرجل من الحساسية حلال المحيا. فهذه تؤثر فيه تأثيراً قوياً ناجعاً.) وقال الدكتور شابا عضو المجمع العلمي ورئيس جمعية الفنانين: (لا ريب أن الجمال يعاون كثيراً على إثارة مشاعر الحب. بيد أنه يوجد نساء غير حسان، ولكنهن اكثر جاذبية من الحسان. وللسحر خفاء لا يعلل، فان السحر الذي تبثه امرأة ما في نفس رجل ما. قد يقتصر أحيانا على هذا الرجل. ولكل امرأة على الأقل لحظة من السحر. وهذه اللحظة قد تقرر مصير حياتها كله. ويحدث أحياناً أن نرى نساء هن نماذج الجمال باردات منكمشات، فإذا هن بقبس يسطع في العين، أو حركة في جانب الثغر، فيحدث ذلك تغييرا في المحيا. وهذه الحالة تقع كثيراً للفتيات المحدثات. وإذا من المهم أن نكتشف لديهن ما هو خاف عليهن وعلى ذويهن، وما قد يعود يوما عاملا في إثارة الحب الذي يثرنه). قال الدوق ليفي ميربو المؤرخ الأشهر:

стр. 63

(ليس الجمال شرطا لإثارة الحب. فإذا احب رجل امرأة وافرة الحسن، فهو غالباً آخر من يلاحظ جمالها، ولا ريب أنه يكون سعيداً بذلك، ولكن الجمال لم يكن أول ما أثار اضطرابه الأول. فالذي يثير ذلك هو الهام الحب، ذلك الإلهام الشهير الخالد. هو السحر الذي يتطور بتطور العصور. وليس وسامة الخلقة وانتظام التقاطيع. فان جوزفين بوهارنيه لم تكن وافرة الحسن، وكانت كليوباطرة (تلك المرأة الهائلة) اقل جمالا من أوكتافيوس).

стр. 64

القصص على هامش السيرة حفر زمزم للدكتور طه حسين - ١ - كان عبد المطلب سمح الطبع رضي النفس سخي اليد حلو العشرة عذب الحديث. وكان عبد المطلب أيضاً قوي الإيمان تملك قلبه وتسيطر على نفسه نزعة دينية حادة عنيفة، ولكنها غامضة، يحسها ويخضع لها، ولكنه لا يتبينها ولا يستطيع لها فهما ولا تفسيراً. أبوه من مكة حيث التجارة والثروة، وحيث المكر والدهاء، وحيث الوثنية السهلة التي لا تحرج فيها ولا مشقة. وأمه من يثرب حيث الزراعة والصناعة اليسيرة، وحيث اليهودية تجاور الوثنية فتضعفها وتنقص من ظلها وتكاد تمحوها، وحيث الأخلاق اللينة والشمائل الحلوة وحيث الظرف ونعومة الحياة. ولد في يثرب ومات عنه أبوه فلم ينقله الى مكة فنشأ بين أخواله وتأثر بحياتهم وتخلق بأخلاقهم وسار سيرتهم حتى بلغ الشباب أو كاد، ثم أقبل عمه فأنتزعه من إقليمه السهل الهين الى إقليم أخر صعب عسير، تجدب فيه الأرض ولا تبتسم له السماء الا قليلا. يرحل أهله الى الآفاق. فهم يأخذون من الناس ويعطونهم ويبادلونهم الأخلاق والشمائل كما يبادلونهم المنافع وعروض التجارة، ولعل أخلاق يثرب وخصال مكة قد اختصمت في نفس هذا الغلام، ولعل اختصامها قد طال، ولعل اختصامها قد قصر. ولكنها على كل حال قد انتهت إلى شيء من الاعتدال آخر الأمر. فلم يكتمل الفتى شبابه حتى كان فتى من قريش، ولكنه يمتاز من بقية فتيان قريش. فيه ذكاؤهم وفطنتهم وفيه إباؤهم وعزتهم ولكن. فيه دعة لم تكن مألوفة عندهم، وفيه شدة في الدين قلما كانوا يرضونها أو يبسمون لها. على أن خصلة أخرى ميزته منهم أشد التمييز، فلم يكن يصدر في حياته، كما كانوا يصدرون عن الروية والتفكير وطول التدبر، وإنما كانت تدفعه الى العمل والاضطراب في الحياة قوة خفية يحسها ويأبى عليها ويغلو في الإباء، ولكنه يضطر الى أن يذعن لها ويصدع بأمرها،

стр. 65

وكانت هذه القوة تصدر إليه أمرها في أشكال مختلفة، تدفعه الى العمل حينا، وكأنها إرادته الخاصة قد ملكت عليه حسه وشعوره؛ فهو لا يستطيع عنها انصرافاً ولا يملك لها خلافاً. وتتمثل له حيناً آخر شخصاً واضح المخايل بيّن الصورة، يلم به إذا إشتمله النوم فيأمره أن يأتي كذا وكذا من الأمر. وتنتهي إليه مرة ثالثة صوتاً رفيقاً ولكنه ملحّ يملأ أذنيه بقظان، ويملأ أذنيه نائما يحثه على أن يأتي كذا وكذا من الأمر، وكان في هذا الصوت غموض، وكان في هذا الصوت إبهام، وكان في هذا الصوت جلال مصدره هذا الغموض والإبهام، وكان الفتى ينكره ويرتاع له، وكان الصوت يغمره ويلح عليه. وكان الفتى يخاف هذا الصوت ويهواه، وكان الصوت يتجنب الفتى حتى يؤيسه من نفسه، يلم به فيكثر الإلمام. ولم يكن هذا الصوت يقع في أذن الفتى بألفاظ كالتي تقع في آذان الناس إنما كان يصطنع ألفاظاً خاصة غريبة الجرس غريبة المعنى. كانت إليه رفادة الحاج وسقايته بعد عمه المطلب، فكان يطعم الناس إذا حجوا البيت ويسقيهم، يجمع لهم الماء في أحواض من الأدم، وكان يجد في جمع هذا الماء لسقاية الحجيج جهداّ وعسراّ، فبينما هو نائم ذات يوم أو ذات ليل، أتاه آت رأى شخصه ولم يتبين له إسماً ولا شكلاً وقال له في صوت رفيق غريب فيه أنس وفيه وحشة: احفر (طيبة) قال. وما طيبة؟ فأنصرف الشخص وأنقطع الصوت، وأفاق الفتى وفي نفسه ذعر وعجب وأمل. وحاول أن يعود الى النوم لعله يرى هذا الشخص، أو يسمع هذا الصوت أو يتبين هذا الحديث ولكن النوم كان قد خاصم عينيه وأنصرف عنه مع هذا الشخص الغريب، ففكر وأطال التفكير، وقدّر وأطال التقدير، وتقلب في مضجعه فاكثر التقلب، حتى ضاق بالنوم واليقظة وسئم مضجعه. فجلس يرقى ببصره الحائر الى السماء لعل شمس النهار أو نجوم الليل تفسر له هذه الرؤيا، ويخفض بصره الى الأرض لعله يجد في إطراقه تفسير هذه الرؤيا، ويمد بصره نحو الكعبة لعل صنما من هذه الأصنام المنصوبة يوحي إليه بتعبير هذه الرؤيا. ولكن السماء صامتة والأرض ساكنة وعلى أصنام الكعبة شيء كأنه الوجوم، فيرتد الى الفتى بصره متعباً مكدودا، وتهوى نفسه الى قرارة ضميره لعلها تجد لهذا الرمز تأويلا، فلا تجد شيئا، فيشتد بها الذعر ويزداد فيها العجب، ويبقى لها الأمل. وينهض الفتى فيضطرب مع الناس فيما يضطربون فيه من أمور الحياة.

стр. 66

ثم يقبل الليل ويأوي الفتى إلى مضجعه، وقد أنسى كل شيء الا أنه قد مشى كثيراً وأجهد نفسه كثيرا، وأنه أشد ما يكون حاجة الى أن يبسط عليه النوم جناحيه. ها هو ذا مغرق في نوم هادئ مطمئن، قد هدأ من حوله كل شيء واطمأن في نفسه وجسمه كل شيء. ولكن ما هذا الشخص الغريب يقبل ساعيا إليه في أناة، حتى إذا دنا منه قال له في صوت رفيق غريب فيه أنس وفيه وحشة (احفر بَرَّةَ) وجسم الفتى هادئ مطمئن ولكن نفسه ثائرة مضطربة، ولسانه يتحرك في ثقل وصوته ينبعث من بين شقتيه خفيفا رقيقا بهذه الكلمة (وما برة؟) فينصرف الشخص وينقطع الصوت، ويفيق النائم وجلاً مذعوراً معجباً آملاً، ويفكر ويقدر ويتقلب. ثم ينهض فيسأل السماء ولكنها صامتة! ويسأل الأرض لكنها ساكنة! ويسأل أصنام الكعبة ولكنها مغرقة في البله والوجوم! ويضيق الفتى بنفسه وبالسماء والأرض والأصنام فيهيم على وجهه يلتمس في الحركة والاضطراب نسيان هذا الطائف الذي يفزعه ويغريه. ثم يعمل الناس في أمور الحياة، وينقضي النهار بخيره وشره وحلوه ومره، ويقبل الليل شيئاً فشيئاً فيبسط أرديته السود على ما يحيط بمكة من جبال وآكام وما يزال يمد في هذه الأردية حتى يغمر كل شيء ويستر كل شيء لولا هذه المصابيح الضئيلة التي تشب في الأرض، وهذه النجوم القليلة التي تضطرب في السماء. وقد سمر الفتى مع السامرين فسمع أحاديث التجار عن غرائب الأقطار، هذا يحدث عن قصور بصرى وعظمتها وهذا يحدث عن الخورنق والسدير وهذا يذكر غمدان، وهذا يصف أخلاق اليمانين ومكرهم بالتجار وهذا يتحدث عن سذاجة أهل الشام وانخداعهم لغربان العرب، وهذا يذكر ما أفاد من ربح حين باع الأدم في الحبشة، وهذا يذكر في القوم ما حمل لهم من خمر بيسان، وهم في أثناء هذا كله يتندرون على العجم والأعراب، ويتفكهون بأحاديث أولئك وهؤلاء؛ ويسخرون من أولئك وهؤلاء. حتى إذا تقدم الليل واطمأن كل شيء تفرقوا، ونهض الفتى ثقيلا فمشى الى بيته متباطئا يود لوفّر من النوم، ويود مع ذلك لو نام فألم به هذا الطيف. أنظر إليه! أنه ليتردد أيقذف بنفسه في أمواج النوم هذه التي تتمثل أمام عينه. لم يبق على الشاطئ يقظان يداعب النوم ولا ينام ليتردد ما استطاع، ليمتنع على النوم ما وسعه الامتناع، فان هذه الأمواج المصطخبة أمامه، تستطيع أن تطغي على الشاطئ فتغمره، وتغمر معه كل شيء. وكيف يستطيع هذا الفتى أن يمتنع عليها وما استطاعت أن

стр. 67

تمتنع عليها جبال مكة هذه التي تحيط بها من كل ناحية! أنظر أترى حركة؟ اسمع! أتحس نبأة؟ كل شيء هادئ! كل شيء مطمئن! فما نبوُّك وما امتناعك؟ هلم الى النوم لا تخف شيئاً! أن هذه الأمواج تريح ولا تغرق، اقبل الى هاتين الذراعين اللتين تمتدان إليك فستنس بينهما كل شيء، ومن يدري لعلك تجد بينهما شفاء لنفسك الحائرة! وأطبق الفتى جفنيه وأندفع أمامه فاشتملت عليه أمواج النوم كما اشتملت على غيره من الناس والأشياء. ولكن ماذا؟ هذا شخص يتقدم ساعياً هادئاً كأنه عش على الهواء، حتى إذا دنا يمشي من الفتى قال في صوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة (أحفر المضنونة) جسم الفتى هادئ، ولكن صورة من الحيرة قد ارتسمت على جبهته، وهذا صوت خفيف رقيق ينبعث بين شفتيه وهو يقول: ما المضنونة؟ فينصرف الشخص وينقطع الصوت، ويفيق الفتى مذعوراً مأخوذاً، قد أظلم في نفسه كل شيء، وأحاط اليأس بعقله وقلبه وضميره. لا يرتفع بصره الى السماء ولا ينخفض الى الأرض، ولا يمتد إلى أصنام الكعبة، ولكنه يدور حائراً! وينهض الفتى وهو يقول: ما أرى الا أني سأجن! لئن أصبحت لآتين الكاهن، فلعلي أجد عنده من هذا العارض شفاءً. أقبل أيها الصبح أسرع في الخطو، إرفق بهذه النفس الحائرة، هلم الى سوطك المشرق المضيء، فبدد به هذه الأشخاص المائلة، فرِّق به هذه الظلال المضطربة من حولي. ويقضي الفتى ليلا طويلا ثقيلا، حتى إذا كست الشمس بضوئها النقي ظواهر مكة وبطاحها أسرع الفتى الى المسجد يريد أن يقص أمره على الكاهن. ولكنه لا يكاد يبلغ مجالس قريش في فناء المسجد، حتى تذهب عنه حيرته ويفارقه وجومه، ويمتلئ قلبه اطمئناناً وثباتاً؛ ماذا؟ أأزعم للكاهن أني مجنون وتشيع في هذه المقالة ويضحك مني حرب بن أمية ولداتُه ويتندر عليَّ فتيان مخزوم؟ كل، ما أكثر هذه الخيالات التي تسكن الى نفسها في قبور الموتى! وتختبئ في الكهوف والأغوار ما أضاءت الشمس، واستيقضت الطبيعة. فإذا أظلم الليل ونام الكون انتشرت هذه الخيالات في الجو فمنها ما يصعد في السماء يرعى النجوم، ومنها ما يهبط الى الأرض يروِّع الناس. وما أرى أن هذا الطائف الذي يؤرقني منذ ثلاث إلا خيالاً من هذه الخيالات لعله ظل ميت من موتى قريش قد أنسيه قومه فهم لا يزورونه، ولا يقربون إليه لعله شيطان من هذه الشياطين التي تلح على الأنس فتتقاضاهم الطاعة

стр. 68

وتخضعهم لسلطانها كرهاً. لعله نذير من أحد الآلهة يطالب بالضحية والقربان، لقد مضت أيام ولم تقدم الى الآلهة شاة ولم ينحر لهم جزور، ولم تصطبغ أرض المسجد بهذا الدم الحار القاني الذي تحب الآلهة لونه ورائحته. إيه يا عبد المطلب، تقرب الى الآلهة بضحية ترضيهم لعلهم يرضون، ولعلهم يكفون عنك هذا الشر! وأقبل الفتى على مجلس من مجالس قريش، فتحدث وسمع ولكنه كان شارد النفس فلم يطل الحديث ولا الاستماع ونهض مولياً، فلما انصرف عن القوم قال حرب بن أمية لمن حوله أرأيتم إلى سرى بني هاشم، أني لأراه محزوناً، أني لأعرف في وجهه الهم، لم يحدثنا اليوم عن مآثر أبيه ومفاخر عمه. ومضى الفتى الى أهله، فلما دخل على امرأته أنكرت عودته إليها من الضحى، فاستقبلته دهشة وهي تقول: إيه يا شيبة ما خطبك؟ أني لأنكرك منذ أيام. أراك مؤرق الليل، قلق النهار، قليل الحديث، طويل التفكير. ولقد هممت أن أسألك مرات، ولكني خشيت ردَّك علي وانتّهارك لي. فأني لأعلم فيكم معشر قريش رقة للنساء، ودعابة معهن. ولكني لا أجد عندك ما أجد عند قومك، فأنت صامت إذا خلدت إلى أهلك، وأنت مقطب الجبين أن أظلك معهم سقف. تحدث ما يحزنك؟ اخرج عن هذا الصمت الذي لزمته، كن رجلاً من قريش، أشرك أهلك فيما يعنيك، لقد أذكر يوم أنبأني أبي أنك خطبتني إليه، لقد فرحت بهذا النبأ، لقد كنت أتحدث الى أترابي في البادية بأني سأصبح امرأة من قريش، أجد من نعمة الحياة ولينها ومن ظرف الزوج ورقته ما لا يجدن تحت خيام بني عامر بن صعصعة، ولكني وجدت نعمة وليناً، ووجدت حباً وعطفاً، ووجدت عناية لا تعد لها عناية، ولم أجد أحب ما كنت أطمح إليه، لم أجد منك ابتسام الثغر، ولا انبساط الجبين، ولا انطلاق اللسان. قالت ذلك وأنتظرت هنيهة. فأجابها زوجها بصوت هادئ حزين. عزيز علي يا سمراء ما تجدين من حزن، وما تحسين من خيبة الأمل. أني لأحبك كما يحب الضمآن ما ينقع غلته من الماء العذب. أني لآنس إليك أنسا يزيل عن نفسي كل هم ويحبب ألي الحياة ويرغبني فيها. أني لأشتاق إلى التحدث إليك والاستماع لك والأنس بك، ولو خيرت لما عدلت بمجلسك مجلس قريش ولا ببيتك فناء المسجد ودار الندوة. ولكن، قوة خفية عاتية طاغية تملك عليَّ نفسي وتأخذ عليَّ كل سبيل وتدفعني الى حيث لا أدري ولا أريد. أبه يا سمراء، أني لمؤرق الليل، قلق النهار مفرق النفس منذ ليالي، وأني لأخشى على نفسي شراً. هذا

стр. 69

طائف يلم بي إذا أغرقت في النوم فيأمرني بصوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة أن أحفر شيئاً يسميه طيبة ويسميه برة ويسميه المضنونة، فإذا سألته عما يريد أنصرف شخصه وأنقطع صوته، وأفقت حائراً مذعوراً. لقد هممت يا سمراء أن أقص رؤياي هذه على الكاهن، وأن أصف له ما أرى وما أجد، ولكني أشفقت أن يتحدث الناس عني أني مجنون، أو أن يتندر بي فتيان قريش فيقولوا: أن له رَئِيَّا من الجن. أشيري ماذا ترين؟ قالت سمراء: هِوِّن عليك ولا تغل في الخوف ولا تسرف في الإشفاق، ما أكثر ما يلم أمثال هذا الطيف بالناس عندنا في البادية، فلا يحفلون ولا يأبهون، ومع ذلك فما يمنعك أن تتقرب أنت إلى الآلهة في غير توسط للكاهن، ولا توسل به، قم فضح لهم وقرب إليهم فسيرضون، وسيرضى الفقراء والجائعون، وسيغيظ ذلك قوما من قريش. وما هي الا ساعات حتى كان فناء المسجد يموج بالناس، فيهم الفقراء، قد أقبلوا من البطاح والظواهر. وفيهم الأغنياء قد أقبلوا يقدمون الضحايا بين أيديهم. هؤلاء يتنافسون أيهم يغلي الضحايا ويكثر منها. وأولئك ينتظرون ويمنون أنفسهم بغريض اللحم وجيده، لقد سمعوا بأن عبد المطلب يريد أن يضحي، وان بني هاشم قد حفلت لذلك، فكرهت أمية أن لا تفعل فعلهم وكرهت مخزوم أن تسبقها عبد مناف، فأقبل أشراف قريش يستبقون في التضحية، ويتنافسون في القربان! تنافسوا. تنافسوا أيها الأشراف! استبقوا أيها الأغنياء! فان في ذلك شبع الفقراء وسعادة الأشقياء. وقضت مكة يوما دامياً سمينا، كثر فيه الطعام وكثر فيه الشراب ورضيت فيه الأصنام، وسعد الفتى بما رأى، ونسى الفتى ما كان يهمه وينغصه، وقدر الفتى أن قد صرف عنه الشر ورد عنه المكروه، ورضيت سمراء. فتحدثت كثيراً، وسمعت كثيرا وأضحكت زوجها وابنها الحارث بملح الأعراب، ونوادر البادية. وقالت لزوجها وهي تمسح رأسه: أحبب إليَّ بهذا الطائف الذي أرقك وأضناك، فقد حقق أملي وأراني ما كنت أطمح إليه. ورسم في قلبي صورتك جميلة خلابة، فلن أراك منذ اليوم (مهما تكن الخطوب) إلا باسم الثغر، منبسط الجبين، منطلق اللسان. وهل السعادة إلا لحظات قصار، تصيبنا ولم ننتظرها ولم نقدر لها حسابا! فما أسعد القلب الذي يحتفظ بهذه اللحظات حين تمر، ويتخذها ذخراً للأيام، وما يعرض فيها من الخطوب. قال عبد المطلب: إذن فأنت راضية يا سمراء أن رضاك

стр. 70

ليقع من نفسي المحزونة موقع الماء من الأرض المجدبة. انعمي بما أنت فيه، وأنتظري أن يقدر الله لك خيراً منه. فلو قد صرفت عني هذه القوة العاتية الطاغية لأريتك يا سمراء كيف تطيب الحياة، وكيف ترق حواشي العيش. وأوى الفتى إلى مضجعه راضياً مسروراً، واستقبل النوم مبتهجا له راغباً فيه، ولكن هذا الشخص يقدم عليه ساعيا في هدوء، كأنما يمشي في الهواء، حتى إذا دنا منه انحنى عليه، ووضع على جبهته يداً باردة خفيفة، وقال في صوت رفيق غريب، فيه أنس وفيه وحشة. احفر زمزم. واضطرب جسم الفتى كله واضطربت نفس الفتى كلها وأنفتحت شفتاه عن هذه الكلمة: وما زمزم؟ قال الطيف بصوت رفيق مؤنس، قد فارقته الغرابة والوحشة ومازجته سخرية ورحمة. (لا تُنْزَح ولا تذَم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم) قال الفتى: (الآن قد وعيت) فتولى عنه الطيف باسما وهو يقول: (الله أنتم أيها الناس لا يكفيكم الوحي، ولا تفقهون إلا سجع الكهان. رويداً عما قريب سيضئ الصبح) ونهض الفتى مبتهجاً مسرورا. فلما أصبح دخل على سمراء مشرق الوجه مضيء الأسارير. قالت وهي تسعى إليه: أيهما أحب إلى نفسي إشراق وجهك أم إشراق الشمس؟ ما أرى إلا أنك قضيت ليلا هادئا. قال: أنعمي صباحا يا سمراء لقد طابت الحياة منذ اليوم، أن هذا الطائف الذي يلم بي منذ ليالي، طائف خير يأتي بالنعمة والغيث، انه يأمرني أن إحتفر في فناء المسجد بئرا، فلأفعلن منذ اليوم، ولئن ظفرت بها ليشربن الحجيج في غير جهد ولا عسر. هلم يا حارث خذ معولا ومكتلا ومسحاةً واتبع أباك. ويتبعنه الماء إلى عرفات. .

стр. 71

الشيخ عفا الله قصة مصرية بقلم الأستاذ محمود تيمور حدثني صديقي، قال: منذ عشرين عاماً كنت أسكن جهة درب سعادة. ذلك الحي القديم ذو الشارع الضيق والمباني المتزاحمة الأثرية. وكنت إذ ذاك في التاسعة عشرة من عمري أحضر لإمتحان الشهادة الثانوية. وفي أوقات فراغي كنت أجلس أمام البوابة أتفرج على الرائح والغادي. وكان يمر أمام الدار (من وقت لآخر) شيخ بملابس بسيطة ضامر الوجه، بلحية خفيفة فيها آثار الشيب ظاهرة. هادئ المشية. يسير في وقار. منكس الرأس على صفارته يناجيها بألحان شجية. فكنت استوقفه وأطلب منه أن يسمعني شيئاً من أنغامه. وكانت جميع ألحانه تحوي كثيرا من معاني اليأس والحنو. ولاحظت أنه قنوع يرضى بالقليل. وكان إذا استرسل في صفيره خيل لك أن الصفارة تتكلم وتنوح كأنها تحاول أن تفشي سراً! وهو على طهارة قلبه ومظاهر الصلاح الناطقة على وجهه، لا يؤدي أي فرض من فروض الصلاة، ولا يذهب إلى الجامع مطلقا! ولا يتكلم عن شيء اسمه مغفرة ورحمة. وإذا ذكر اسم الله أمامه طأطأ رأسه ذليلا، وتمتم بألفاظ متقطعة غير مسموعة!. وتوثقت بيني وبين الشيخ ألفة ساذجة. وحاولت أن استوضحه حقيقة آلامه فلم يرض أن يبوح لي بشيء. فاحترمت رغبته وصممت أن لا أفاتحه في هذا الموضوع. وظل الرجل وقتا ما لغزاً لا أستطيع الوصول إلى حله. ومرت الأيام والشيخ يزورنا مرة في الأسبوع فأحظى منه بألحان شجية، وحديث هادئ جميل!. وكان يسترسل في الكلام بعض الأحيان فتفلت منه من غير وعي جمل وكلمات بدأت تكشف لي شيئا من سره. وكان ينشد لي كثيراً من المواويل الريفية في الحب والتشبيب بالنساء وكان إذا لفظ كلمة (الغيط) لفظها مفخمة منغمة واتسعت عيناه ولمعت بوميض غريب. واتسع صدره وتمددت طاقتا أنفه وهو يستنشق في شغف الهواء الذي يحسبه هواء الريف. ثم يعقب ذلك تنهد حار عميق، ومناجاة طويلة لصفارته وباغته ذات يوم بقولي: - اقسم بالله لقد اكتشفت سرك يا شيخ (عفا الله)!

стр. 72

فارتعد مذعوراً. وأتممت كلامي: - انك فلاح من الريف فنظر ألي بحيرة وقال بعد تردد: - وهل أستطيع أن أنكر (أصلي)! - وانك تتألم من حب دفين. فأمسك بيدي وشد عليها، وقال: - اسكت يا سيدي، اسكت: - وانك ارتكبت معصية كبرى، وتريد التكفير عنها فامتقع وجهه ونظر ألي محملقا، وقال: - أعالم سري. .؟ أعالم سري؟. . وأخذت استدرجه في القول حتى لان. وبدأ يروي لي قصته كالآتي: لم اكن أدعى بالشيخ (عفا الله) فيما مضى، بل كنت اعرف (بسرحان) وهو اسمي الحقيقي، وكان لي أخ يدعى (محمد الرخ) كان إماما لمسجد القرية التي نشأت فيها. وكان قد تجاوز الأربعين، بينما كنت في السابعة عشر. أو كنت اعتبره كأبي واحبه حبا عظيما وكان هو الآخر يحبني كابن له: وقد حفظني القرآن وعلمني أصول الدين وأشركني معه في خدمة المسجد. وكنت قد بدأت أتعلم الصفير في ذلك العهد على شيخ طريقة مجذوب يجيد التوقيع على الصفارة وإنشاد القصائد الصوفية. ولما برعت في الصفير كان يلتف حولي على باب الجامع. بعد العشاء. جمع كبير من الفلاحين يستمعون إليَّ. وكانت زوجة أخي قد توفيت منذ عام، فتزوج بفتاة في الخامسة عشر لم تقع عيني على املح منها. لها جاذبية غريبة سحرتني وخبلت عقلي. رأيتها للمرة الأولى فلم أتمالك أن أحببتها حبا تملك على جميع مشاعري وكبلني بالرغم مني بقيود ظالمة لم استطع التخلص منها. وخجلت من نفسي ومن أخي واعتبرت هذا الحب الشائن اكبر خيانة لذلك الشخص الذي وهبني حنانه وإخلاصه وثقته، وأردت أن أحطم هذه العاطفة الذميمة، ولكني لم استطع فكتمتها في قلبي ولم أبح بها الا لصفارتي! فقد كانت عزائي الوحيد في نكبتي. وكنت أتعمد أن لا أخلو بزوجة آخي أتحاشى أن أكلمها إلا في الأمر الضروري. وكنت

стр. 73

امكث بعيدا عن الدار في فحمة الليل، أناجي حبي بالحان الشكاية والنوح. وحدث مرة أن كنت في موضع خلوتي غير بعيد عن الدار، اصفر في شبه غيبوبة، وأنا ملتذ بآلامي إذ شعرت بإحساس غريب فرفعت رأسي. والتفت حولي فوجدت (هنية) زوجة آخي جالسة غير بعيدة عني تنظر ألي في صمت وخشوع. فذعرت وقمت من فوري وأنا أقول: - أنت هنا. .؟ - منذ برهة وجيزة. . . إني أحب صفيرك وأشعر عند سماعه برغبة في البكاء. وتحركت أريد الهرب، فأمسكت بطرف جلبابي وقالت: - لماذا لا تريد أن تجلس؟ فصرخت بالرغم مني قائلا:. . - دعيني! فنظرت إليَّ دهشة ولم تتكلم. ثم قالت: - ما الذي يدعوك إلى كرهي. لماذا تهرب مني. . وبغتة أجهشت بالبكاء. فشعرت كأن قلبي يتمزق وأن دماغي يحترق. ثم هبطت عليها دفعة واحدة، وأخذتها بين ذراعي، وأنا أقول:. . - أنا أكرهك يا هنية!. . وأنحنيت عليها أشبعها ضما وتقبيلا معبرا عن حبي الكبير بأحر العبارات. . وكانت الفتاة مستسلمة إليَّ في نشوة وغرام!. وبينما نحن على هذا الحال إذ طرق سمعنا أصوات من بعيد فصحونا من حلمنا اللذيذ. ورأينا على جسر الترعة أشباحا تسير متمهلة. فاضطربت هنية وهمست في أذني قائلة: هذا أخوك عائد مع المستأجرين. ثم قامت دفعة واحدة وقالت: - سوف أسبقه إلى الدار، متخذة طريق الغيط. وقامت تعدو كالظبي المذعور، وأنا أراقبها في لهفة حتى ابتلع الظلام شبحها الجميل! وسرت أنا إلى الدار متمهلا في طريق الجسر فوجدت أخي قد جلس أمام الطعام منتظراً حضوري، ولما رآني صاح بي مداعبا:

стр. 74

أيصح أن تتركنا ننتظرك. تعال يا ملعون وشاركنا الطعام!. أريد أن أقص عليك كيف أجْرت الفدادين هذا العام بقيمة لم اكن احلم بها. وجاءت (هنية) ووضعت العيش أمامنا. وجلست مبتعدة قليلا عنا. وبدأنا نأكل. وكنت منهمكا في تفكيري، لا أفهم شيئاً مما يرويه لي أخي، مع تظاهري بالإصغاء إليه. وكنت أرفع بصري بين وقت وآخر نحو (هنية) فأجدها مسبلة الأجفان في شبه ذهول تأكل بحركات ميكانيكية، ووجهها ممتقع. وحدث مرة أن رفعت نظرها إليّ واشتبكت عينانا. وخيل لي أن وجهي يدنو من وجهها، وأن شفتينا على وشك التلاقي. وبغتة سمعت صرخة اهتزت لها الدار فارتعت، وتنبهت لنفسي فرأيت (هنية) تشهق بالبكاء قائلة: لا أستطيع! لا أستطيع! وهب أخي فزعا نحوها. وضمها إلى صدره وهو يقول: - ما لك يا هنية؟. ما لك؟. ليس لي رغبة في الأكل. دايخة. أريد أن أنام. - قومي يا حبيبتي لتستريحي. . وقامت متجهة نحو حجرتها، وهي معتمدة على ذراع أخي. وكنت شاهد هذا المنظر وأنا في شبه خبل. أشعر بأني قد تحجرت وصرت جزءاً من الأرض التي كنت أنا جالس عليها. وعاد أخي بعد هنيهة، وقال لي: - المسكينة أجهدت نفسها اليوم في أعمال الدار. وكنت لا أطيق أن أنظر إلى أخي في هذه اللحظة فقمت من فوري ووجهتي الباب. وسألني أخي؛ - إلى أين؟ - إلى الجامع. أريد أن اصلي العشاء. ثم أقفله أعود. وخرجت أعدو إلى مأواي المختار (الذي قابلت فيه (هنية) منذ وقت قريب) وارتميت على الأرض أمرغ وجهي في الموضع الذي كانت جالسة فيه، وأنا أنشج نشيجا حارا وأمضيت ليلتي هناك، وأنا لا يهنأ لي مضجع. أبكي وأغفو وأحلم، ثم أصحو برجفة تزلزل جسمي،

стр. 75

وكان يتراءى لي شبح أخي في يقظتي ونومي. يحوم حولي يريد أن يقتلني، فكنت العنه بأشنع اللعنات. وفي الفجر غلبني نعاس عميق، لم أصحو منه الا عند الظهر. وفتحت عيني وأردت النهوض فخانتني قواي، إذ كنت أشعر بآلام شديدة وضعف هائل. فجلست مستندا إلى جذع شجرة خلفي وأخذت استعيد قواي شيئا فشيئا. وكان الغم يخيم على قلبي، وشعور الندم الشديد يكتسح نفسي. فقمت مهرولا نحو الجامع، واعتذرت لأخي عن تأخيري بمختلف الأعذار ثم هبطت على يده اقبلها، وأنا أقول له: أني احبك يا أخي!. واقسم بالله أني احبك حبا لم يضمره ابن لأبيه. أريد دائما أن أنال رضاك وعفوك. قل لي أتحبني!. فأجابني:.! - ما هذا الكلام يا سرحان. هل رأيت مني غير الحب الكبير؟. أنت ابني بل أنت افضل من ابني:. ونظرت إلى أخي فوجدت آيات الإخلاص مرتسمة على وجهه. فأندفعت اقبل يديه من جديد؛ وأنا ابكي بصوت عال. وأنتابتني نوبة عصبية شديدة، فارتميت على الأرض في حالة تشبه الصرع. ولما أفقت وجدت نفسي ممددا في ركن من أركان الجامع وأخي بجانبي مهموم الخاطر من اجلي؛ يمرضني ويحنو عليّ. ومضى أسبوع وأنا لا اقصد الدار الا في أوقات قليلة. وكثيرا ما كنت أتناول الطعام في الجامع، وأنام ليلا فيه، ولو استطعت لأمتنعت تماما عن الذهاب إلى المنزل. ولكني كنت احتاط للأمر حتى لا يشك أخي في سلوكي. وكنت أجاهد ما أمكن في سبيل ضبط عواطفي وأكلم (هنية) أمام أخي كلاما عاديا متحاشيا دائما النظر إليها. وإذا تصادف وخلونا نحن الاثنان برهة صغيرة ظللنا صامتين منكسي الرأس وإذا تقابلت الأعين اهتزت منا الأجسام كأن مستها الكهرباء. ومضت الأيام والنار تأكلني أكلا، أنام نوماً سيئاً، وأقضي يقظتي في شبه أحلام مشوشة. وإذ أديت صلاتي أخطأت الأداء وكان قلبي مسرحا لمختلف الاحساسات المتباينة، الغضب والرحمة، والكفران، والتوبة والحب والبغض تتطاحن كلها باختلاط. وتركت الدار (يوماً) بعد منتصف الليل بقليل وخرجت أعدو كالوحش المطعون وأنا أردد:
следующие страницы →