Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
المنن العظيمة، ولكن كان لكم الحق فيما حملتم أنفسكم من مشقة، فإن الفردوسي إن تعلق بإيران جسماً فهو ابن الإنسانية روحاً، بل أقول إذا أذنتم لي: إنه من آباء الإنسانية. وبعد، فقبيح أن يتصدى جاهل مثلي لتعريف علماء أمثالكم بالفردوسي، فمن الخير ألا أشغل أوقاتكم النفيسة، وأن أفسح المجال لأعمالكم المفيدة)
ثم أعلن افتتاح المؤتمر، وأخبر أن علي أصغر حكمت كفيل وزارة المعارف سيتكلم بالفرنسية، لأن بعض الحاضرين لا يعرف الفارسية. فتكلم كفيل المعارف مبدياً سرور الإيرانيين وشكرهم للعلماء الذين وفدوا للمشاركة في حفلات الفردوسي ثم قال:
(إن اجتماع هذا العدد من العلماء على اختلاف الأوطان دليل قاطع على ما قيل من أن العلم والأدب لا وطن لهما. فحيثما لمع نور هذه الموهبة الإلهية اتجهت إليه النفوس المستعدة، والأرواح المشتاقة كالفراش، فيرون أنفسهم في هذه المرآة المشتركة بينهم ويقولون: كنا متحدين، كنا جوهراً واحداً، كنا بغير أجسام ورءوس، كنا جوهراً وضاءاً كالشمس، وكنا صافين كالماء. فلما تصور هذا النور الجميل ظهرت أعدادنا ظهور الظلال على الشرفات
إن اهتمام الأمم العظيم بعيد الفردوسي الألفي، واحتفاءها به في بلادها، وإرسال فضلاءها إلى قبر شاعر إيران برهان على أن الأمم لا تختلف في الحقائق على رغم ظواهر الأمور. إن بين الأمم اختلافاً في السياسة، والاقتصاد، والتجارة، والمعيشة، والآداب والعادات - اختلافاً جعل العالم الحاضر مادياً ملؤه الشرور والآفات، ولكن كلما لاحت للناس الأمور المعنوية والفوائد العلمية والأدبية امحت هذه الاختلافات، وتجلى الوفاق والوئام - ثم بين كفيل المعارف أن الاشتراك في مثل هذه الأمور أحسن وسيلة إلى التقريب بين الأمم، وقال: لذلك أفتخر بأن أقول إن اهتمام الأمة الإيرانية بعيد الفردوسي، ودعوة الأمم إلى المشاركة فيه يعد في الحقيقة خطوة إلى التفاهم الحقيقي بين الأمم وإن يكن في ظاهره ذا مقصد أدبي وتاريخي)
وبعد فراغ وزير المعارف من كلمته دعي الحاضرون إلى انتخاب مكتب المؤتمر فكانت نتيجة الانتخاب:
الحاج محتشم السلطنة اسفند ياري رئيس
الأستاذ كريستنسون الدانمركي نائب الرئيس
стр. 6512
الأستاذ زارة الألماني نائب الرئيس
الأستاذ هنري ماتسي الفرنسي منشي (سكرتير)
الدكتور عبد الوهاب عزام المصري منشي (سكرتير)
ثم تلا الرئيس رسائل كثيرة من الحكومات والجامعات تبين عن مشاركة الإيرانيين في الحفاوة بشاعرهم. ثم تكلم بعض المندوبين كلمات قصيرة أبانوا فيها عن سرورهم بالمشاركة في هذا الاحتفال. وكان من المتكلمين الأستاذ عبد الحميد العبادي فتكلم بالعربية عن فضل الفرس على الأدب العربي، وألقى الشاعر الكبير الزهاوي قصيدة فارسية
ثم بدئت المحاضرات على ترتيب حروف الهجاء، فكان أول المتكلمين الأستاذ العبادي فتكلم عن الأخلاق في الشاهنامه، واستمرت كلمته خمساً وعشرين دقيقة وتلقاها الحاضرون بالاستحسان. واقتبس منها بديع الزمان أحد أدباء إيران حينما تكلم عن الشاهنامه من بعده
وفي اليوم التالي تكلم سفير الروس، وترجمت كلمته إلى الفارسية، وأهدى عن دولته كتباً وصوراً فارسية قيمة، ثم خطب سفير الألمان، وقدم هدايا من الكتب منها فهرست للشاهنامه، وأعلن منح بعض الجامعات الألمانية رئيس وزراء إيران دكتوراه في الآداب، وانتخاب وزير المعارف عضواً في جمعية المستشرقين الألمانية. ثم تكلم آخرون، وانتهت الجلسة بإنشاد الشاعر الكبير الزهاوي قصيدة عربية (نشرت في الرسالة)
وفي اليوم الثالث كانت جلستان: في الصباح والعشي، وتكلم ثمانية. وكنت ثاني المتكلمين في الصباح فألقيت بالفارسية كلمتي (مكانة الشاهنامه في آداب الأمم) في عشرين دقيقة. وقد تفضل الحاضرون فأحسنوا استقبالي حينما قمت للكلام، وأحسنوا الاستماع لي، ثم أبدوا استحساناً عظيماً حينما فرغت، وإني أدع للجرائد الإيرانية الكلام، فإن القارئ المصري يهمه أن يعرف ما قالت جرائد إيران في ذلك
قالت جريدة إطلاعات:
(ثم ألقى الدكتور عبد الوهاب عزام معلم الأدب الفارسي والعربي بالجامعة المصرية، خطبة بالفارسية، وموضوعها مكانة الشاهنامه في آداب الأمم، وقد بدأ كلامه بقوله. أنا لا أحسن التكلم بالفارسية، ولكني لا أريد في حضرة هذا الشاعر الكبير (وأشار إلى تمثال الفردوسي) أن أتكلم إلا بلغة الشاهنامة - ولخصت الجريدة المحاضرة، ثم قالت -: وفي
стр. 6513
نهاية الخطبة أبدى سروره بمشاركته هو وزميله في عيد الفردوسي باسم الأمة المصرية والحكومة. وقدم إلى رياسة المؤتمر نسخة نفيسة من الشاهنامة العربية التي أخرجها الدكتور عزام أخيراً، بعد أن صححها وعلق عليها، وقدم لها مقدمة نفيسة جامعة، وطلب أن ترفع هذه النسخة إلى الحضرة الهمايونية الشاهنشاهية. وكذلك قدم نسخة إلى حضرة رئيس الوزراء، وأخرى إلى كفيل وزارة المعارف، وكانا حاضرين. وقد قوبلت خطبته وعمله بتصفيق مديد. وحينئذ تقدم إلى منصة الخطابة السيد حكمت كفيل وزارة المعارف، وشكر الدكتور عزام على ما أظهر من عواطف المودة وقال: (أشكر الدكتور عبد الوهاب عزام من جهتين: الأولى أنه تحمل مشقة في ترجمة الشاهنامة وتصحيحها والتعليق عليها. والثانية أنه تكلم بلغة الشاهنامة. يقول حافظ الشيرازي أن الترك المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. وأنا أقول أن العرب المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. والحق إن لساني قاصر عن الشكر. والأستاذ عزام من أدباء الشرق الذين درسوا الفارسية برغبة وعشق وكلف خاص، وإني أختم شكري بهذين البيتين للشيخ سعدي:
(قلت لقلبي إن الناس يجلبون السكر من مصر فيهدونه إلى الأحباء. فإن تكن يدي خالية من هذا السكر فعندي كلام أحلى من السكر)
ولما جلس الدكتور عزام في مكانه من منصة مكتب المؤتمر قال له الرئيس (لقد أردت أن تثبت أنك أستاذ الأدب الفارسي بحق) اهـ
ثم توالى المتكلمون في اليومين الرابع والخامس، وأنشد الشاعر الإنكليزي درينكووتر قصيدة وترجمها نظماً وأنشدها في المؤتمر من بعد الشاعر الفارسي بهار الملقب بملك الشعراء. وتكلم في اليوم الأخير الأديب أحمد حامد الصراف أحد مندوبي العراق، فألقى بالعربية كلمة قصيرة جميلة تكلم فيها عن المودة بين العراق وإيران
وكانت هذه الأيام الخمسة مزدحمة بحفلات الغداء والعشاء، ومشاهد التمثيل والألعاب الرياضية ومشاهدة الأماكن العظيمة في طهران. ونرجئ الكلام في ذلك إلى المقال الآتي خشة الإطالة
د. عبد الوهاب عزام
стр. 6514
الشمس في الغروب
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
ماذا تحسّ الشمسُ عند غروبها … فيكون ذلك باعثاً لشحوبها؟
ما إِنْ رأت عيني وقد راقبتُها … كالفرق بين طلوعها وغروبها
بَعد ابتسامتها لنا قد قطّبت … والحزنُ كل الحزن في تقطيبها
إني ليحزنني الغروب فإنه … لمذكِّرٌ نفسي بكل كروبها
الشمسُ في الدنيا إليَّ حبيبة … والنفسُ تأْسى من فراق حبيبها
ويزيدها شجناً إلى أشجانها … مَرُّ السحاب محاولاً لركوبها
كانت إذا طلعت تفوز الأرض من … أنوارها مبثوثةً بنصيبها
كانت بجذوتها السماء منيرةً … والأرض كانت تصطلي بلهيبها
أَجمِلْ بألوان الغمائم حولَها … لو دامت الألوان بعد مغيبها
مدَّت مودّعةً بنانَ شعاعها … لبعيدها وتلثّمت بقريبها
انظرْ إلى الأفْقِِ البعيد تَخَلْ به … ناراً تخوض العينَ بعد شبوبها
بالشمس تحيا الأرضُ ضاحيةً لها … وبها تتمّ لها حياةُ شعوبها
صفراءُ خائفةٌ كأن وراَءها … سوداَء تخطف شِلْوَها بنيوبها
وقد اكتست بعد اصفرارٍ حمرْةً … بدَمٍ لها أُهريق فوق تَريبها
وكأنما قِطَعُ السحاب أمامها … سدّت لتمنعها طريقَ وثُوبها
غربت وأبقت في السماء وراءها … شفقاً يثير الشجوَ بعد غروبها
قد أوّبت شمسُ النهار فهل إلى … هذا مصيرُ الشمس في تأويبها
أمَّا الغمائم فهي قد هبّت بها … ريحُ الأسى فتمزَّقت لِهُبُوبها
والثاكلات أذابها عصف الأسى … فقلوبها تنشقُّ قبل جيوبها
تُهوى وتُقلى في زمانٍ واحدٍ … دنيا محاسنُها بواءُ عيوبها
وكأنها من نورها وظلامها … ممزوجةٌ أفراحُها بخطوبها
جميل صدقي الزهاوي
стр. 6515
شعري
للمرحوم أبي القاسم الشابي
شعري نفاثة قلبي … إِنْ جاش فيه شعوري
لولاه ما انجاب عنّي … غيم الحياة الخطيرِ
ولا وجدْت اكتئابي … ولا وجدْتُ سروري
به تراني حزيناً … أبكي بدمعٍ غزيرٍ
به تراني طروباً … أجرُّ ذيلً حبوري
لا أنظم الشعر أرجو … رضاء أمير
بمدحةٍ أو رثاءٍ … تهدى لربّ السرير
حسبي إذاقلت شعرا … أن يرتضيه ضميري
لا أقرض الشعر أبغي … به اقتناص نوالِ
الشعر إن لم يكن في … جماله ذا جلالِ
فإنما هو طيفٌ … يسعى بوادي الظلالِ
يقضي الحياة طريداً … في ذلة واعتزالِ
ما الشعر إلاّ فضاءٌ … فيه يرف خيالي
أبو القاسم الشابي
стр. 6516
جنون الغيرة
لفريد عين شوكة
يغار إذا ما لاحه في جماعةٍ … يبادلها بعض الرضى وتبادِلُهْ
ويكره أن يلقى له أيَّ صاحبٍ … يفوز بعطف عنده أو يحاوله
ويعبس إن ردَّ التحية لامْرِئٍ … يُحَيِّيه أو مُدَّتْ إليه أنامله
ويغضب منه إنْ أَطلَ ببسمةٍ … على الغير أو أصغى إلى مَن يسائله
فكيف إذا ألفاه يسعى لغيره … ويُعرِض عمن ناء بالهجر كاهله
تساوره من حُرْقة الوجد لفحة … تضجُّ لها أحشاؤه ومفاصله
ويخشاه إعصار من الهم مُتْلِفٌ … يزعزع ركن القلب حين يصاوله
يريد له أَلاَّ يصاحب دونه … وألاّ يُنيل الغير ما هو نائله
يريد به أَلاَّ يخِفّ لغيره … ولو كان ممن تستبيه شمائله
أمانٍ كحال البدر يدنو ضياءه … وتُمْعِنُ في بُعد المزار منازله
وعبءٌ تنوء الشامخات بثقله … ويفقد رَضْوَى عزمه وهو حامله
فكيف بمحبوب أرقَّ من الصَّبا … وأحنى من الغصن النضير كواهله
فيا غيرة الصب التي طوَّحته في … خِضَ & من البلوى تناءت سواحله
ويا ويحه يخشى لقاء حبيبه … مع الغير حتىَ لا تهِيجَ بلابله
فيهجره رغم الجوار وإِنه … لأحوج أن تَرْوِي صداه مناهله
ويحمل في النأْيِ العَذابَ وكلما … تراءى له المحبوب ضجَّتْ مراجله
وأُغْرِقَ في بحر الأسى وحبيبه … تفيض بآيات الحبور محافله
ويا حيرة المحبوب فيما يشاؤه … مُحبُّ بعيدُ الغَوْر ما هو آمله
عزيز عليه أن يرى بشره أْمَحى … ونضرته كالروض جفَّت خمائله
ولكنه لا يستريح لناصحٍ … له في الهوى أو يرتضي من يجادِلُهْ
فريد عين شوكة
стр. 6517
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
٣ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
للأستاذ خليل هنداوي
نقد الحكم
ترى كانت - في فصله هذا - يعزو كل تأثير إلى أحاسيس باطنية، فهو لا يتحرى إذ يتحرى عن أسباب الجمال الخارجية، لأن الحس لا يكمن في الأشياء ولكنه يكمن في الإنسان
وقد شطر نقد الحكم شطرين: الأول ويحتوي على الألفة بين الجميل والسامي لما بين الجمال والسمو من تقارب، والآخر وهو يعنى بمظاهر الأشياء المؤتلفة المتطابقة في الوجود
إن (كانت) بحث في موضوع الجميل كما بحث فيه الأولون، ولكنه وسع دائرة البحث وتعمق في تحليله؛ فاعتبر اللذيذ كل ما فيه لذة للحواس مصحوباً بالرغبة، واعتبر اللذة التي يولدها مشهد الحسن والجمال لذة خالية من الأهواء والأغراض، وإن حكماً ما يمازجه قليل من الهوى لهو حكم فاسد غير مبني على الذوق، ولكن لما كان حكم الذوق مبنياً على العاطفة فهو بحكم الضرورة قابل للتغيير، وفي الإمكان أن نرى في كل بيوت الفن - وفي الطبيعة تماثيل ودمى تحظى برضا الناس؛ ولكننا لن نرى مقياساً واحداً صحيحاً للجمال، لأن الذوق نفسه هو كالبراعة شيء مبتكر
فإذا كان الجمال يؤثر في شعورنا تأثيراً خفياً ويرسل فينا الراحة واللذة من حيث لا نشعر، فإن السمو ليبلونا باهتزاز عنيف قد يكون مضنياً ومرهقاً للنفس ولأن يكون ما يبعثه السمو في أنفسنا أدنى إلى عاطفة الإعجاب والاجلال منه إلى الراحة واللذة أحرى وأجدر، واسمه الحقيقي هو (اللذة السلبية)
ويفرق كانت بين السمو الرياضي والسمو الآلي (أو ذو الحركة) هذا مؤسس على فكرة القوة وذلك على فكرة العظمة والروعة، فالطبيعة هي سامية عالية - رياضياً - في حوادثها التي يصعب على مخيلاتنا إدراكها، وهي سامية أيضاً بحركات أجرامها الهائمة في
стр. 6518
الفضاء، حتى كأنها تريد أن تسحق وجودنا المادي. وفي كلا الحالين تهيب مخيلتنا بعقلنا، فيتركنا العقل ذاهلين أمام السماء ذات الكواكب واللانهاية التي لا تحد ولا تبلغ إلى عظمتها المخيلة مهما سمت، وهو العقل الذي يثير فينا عاطفة السمو، ويجعلنا نردد معه (ما أنا إلا قصبة، لكنها قصبة مفكرة)
فالسمو إذن لا يكمن في الأشياء، لكن في أنفسنا، فلا يجب علينا أن نقول (إن هذا الشيء هو سام) ولكنه شيء يبعث فينا فكرة السمو، فلا شيء في الطبيعة مهما جل - إذا نظرنا إليه نظرة قياسية - إلا وهو يهوى إلى أحقر الأشياء، ولا شيء حقير - إذا قسناه بمقياس آخر - إلا وهو يرقى إلى أعلى الأشياء، وهناك المراصد والمجاهر تثبت صحة دعوانا
يعرض أمامنا شيء رائع، يعجزنا التعبير عنه فنقول: إنه لسام رائع: ويخلق معركة حامية بين العقل والمخيلة، فلا تستطيع المخيلة إدراك كنهه، والعقل لا يفتأ يتحرى عن وسيلة يفهمه بها، فينشأ من ذلك تلك الروعة التي نحسها أمام الأشياء العظيمة السامية، ولكنها روعة ترفع أنفسنا إلى المثل العليا، لأنها تنبه فينا ناحية العظمة الصادقة التي تنجلي بها طبيعتنا الإنسانية وحريتنا الأخلاقية.
أسلوب كانت
يعد كانت أصدق الفلاسفة اعتقاداً وأصفاهم أسلوباً، يقول ما يعتقد به حقاً، ويكتب لقرائه كما يكتب لنفسه، تكاد تنطق جملته بفكرته، ويعتقد أن الحقيقة غنية بنفسها، وأن الزخرفة في التعبير عنها مما يرخص من قيمتها، وبرغم هذا الأسلوب الواضح رماه بظلمة التعبير، وقد أراد هؤلاء أن يظهروا أن كانت ليس ممن تنبسط آراؤهم للقارئ بسهولة. على أن أفكار كانت لا تمشي إلى قارئها، وإنما على القارئ أن يسعى إليها ليدركها، ولكنه لا بد مدركها كلها، ولكن إدراكها لا يخلو من الجهود التي لا يستغني عنها رجل يسعى
إن أسلوب كانت واضح جد الوضوح، ولكن عيبه الواحد الذي أخذه عليه النقاد أنه يخلق في الموضوع شعباً كثيراً لا يترك منها مسرباً إلا نفذ فيه، وهذا قد يدل على سعة اطلاع ونظر بعيد وإن كان لا يخلو من السأم، ولكن كانت لم يكتب إلا لذوي الإلمام بهذا الموضوع فقد يأخذ الموضوع الحقير الذي لا يكاد يخوض فيه عقل فيخلق منه موضوعاً كبيراً، وقد ذكر أحدهم نكتة جرت على لسان صديقه (فيمار) أن هذا أعلن للفيلسوف أنه لا
стр. 6519
يستطيع أن يقرأ تصانيفه، لأن الله لم يخلق له أكثر من هذه الأنامل، يريد أن يضع أنملة على هذه الكلمة وأخرى على الثانية وهكذا حتى تنتهي أنامله ولما يكمل العبارة ويقف على دقائقها، لأن كانت يستعمل كثيراً الأقواس والأهلة في عباراته المتصل بعضها ببعض. وقد كان لكانت فضل كبير في خلق كلمات وتعابير جديدة فلسفية خلقها بنفسه، وفرضها على اللغة الفلسفية بنفسه
وأخيراً نستطيع أن نقول إن كانت كان مطلع الثورة الفلسفية في ألمانيا التي خلقت (فيخت وشيلنغ وهيجل) وقد تناول تأثيره جميع المدارس العلمية والأدبية، وما ثمة فيلسوف ولا أديب ولا شاعر نشأ بعد كانت إلا وكان مديناً له ولمذهبه بكثير من آرائه، وشيلر نفسه قد استمد من كانت آراءه في الجمال والسمو، وما أصدق كلمة (غليوم همبولد) حين قال (إن قسماً من الذي هدمه كانت لن يقوم أبداً، وإن قسماً من الذي شاده لن يخسف أبداً)
стр. 6520
فيخت
١٧٦٢ - ١٨١٤
ولد (فيخت) سنة (١٧٦٢) في قرية (رامينو) ولم يكن أبوه ليقدر على القيام بأعباء تعليمه، فكفله أحد سادة القرية وأنفق في سبيل تعليمه ما أنفق؛ وبعد جهاد عنيف ودرس طويل دخل في العالم الفلسفي، فكان أول كتاب له (تجربة نقدية لكل وحي) وكتابه الثاني (تقويم أحكام الشعب على الثورة الفرنسية) وكتابه الثالث (نداء عام لأمراء أوروبا لكي يفكوا العقل من عقاله) وهذه الكتب الثلاثة وضعت (فيخت) في مصاف أرباب فلسفة النقد والثورة، وبعد هذا الإنتاج الطيب أعلن في محاضرة له قيمة مذهبه الذي وسمه بالمذهب العلمي، وهو الذي يرد به كل العلوم إلى مصدر واحد. وهذا المذهب أو هذه الثورة الفلسفية أطارت اسمه في الآفاق، حتى غدا حديث المجامع النوادي. وقد أسند إليه منبر في (لينا) ليحاضر في الفلسفة، فسهل له هذا المقام أن يعاود شرح مذهبه وتفصيله من جميع نواحيه في كتبه العلمية، وكان خلال ذلك يواصل نشر مقالاته في (واجب العلماء) فهو يريد من العالم أن يسيطر على شؤون بلده، لأن العالم عنده ليس بالرجل الذي يملأ رأسه علماً وعرفاناً، ولا من يتخصص في مادة واحدة يذهب بها كل مذهب، ولكنما العالم هو الرجل الحر الذي اجتمعت له ثقافة عصره، وسما فوق مشاغل حياته اليومية، هو يريد أن ينقاد المجتمع للرجال الألمع ذكاء والأروع عقلاً
وربما دفعه هذا المذهب - أضف إليه بعض مشاغل خاصة - إلى أن يقطع الكثير من دراساته المتواصلة، كان يحاول من ورائها أن يطبق مذهبه النظري على الأخلاق والحقوق والسياسة والدين، يقطع هذه الدراسات ملتفتاً إلى شؤون أمته المجروبة، وقد خطب الشعب كثيراً في (برلين) بأسلوب تبدو فيها حماسة الفيلسوف وشدة تعلقه بوطنه، ومن خطبه خطبة ذكر فيها أسباب انحطاط أمته ووصف العلاج الشافي لهذا الانحطاط
قال: (إن أسباب الانحطاط داخلية؛ لا يمكن أن تعزى إلى بأس الخصم وسيطرته، إنها تنجلي في خنوعنا ولين أخلاقنا، وفي أنانية مرشدينا وقوادنا، وفي إعجابنا وتقليدنا الأعمى للأجنبي الغريب. أما علاج هذه الأدواء فهو التربية المؤسسة على الفضيلة التي تشجع
стр. 6521
النفوس وتعلم الأرواح معنى التضحية. . . والوطن ما الوطن - عند فيخت - إلا خلود الإنسان على الأرض، أتلك صفة محمودة فيمن يرغب عن مؤازرة أخيه بعقله أو بعمله؟ من هو ذلك الإنسان الذي يبغي ألا يخلق في فراغ الأزمان شيئاً جديداً لم يمر بخاطر، ولم يقع عليه ناظر؟ هذا الشيء الذي يغدو مورداً لا ينضب لاكتشافات جديدة؟ ومن الذي لا يرضى بأن يفادي بمقامه في هذا الوجود ويتجاوز من أجله القصير المقدر له لقاء بعض شيء سيخلد أبداً في هذه الأرض؟ أي خلق نبيل لا يرضى بهذا؟
ألا إن هذا الرضا لا يتمثل إلا لعيون الذين يعتقدون بأن الوجود كامل الصورة، ملائم كل الملائمة لحاجهم، وجامع لأمانيهم، ما خلق إلا لهم. وأصحاب هذه الفكرة هم عندي أصحاب هذا الوجود، وهم أصله ونواته. أما أولئك الذين ينظرون إلى الحياة غير هذه النظرة فليسوا إلا حشرات سحيقة تزحف في مسارب وجود سحيق)
وبينا كان فيخت يكسو فلسفته الآراء السامية، كان يعمل على أن يكسو نفسه أثواب السمو. ولكن الردى غاله ولما يؤد رسالته، فقضى نحبه سنة ١٨١٤ مستريحاً من جميع أوصابه
فلسفته:
فلسفة (فيخت) هي فلسفة رجل لا يعرف للعقل والقوة الإنسانية حدوداً يقفان عندها. وقد كان - كانت - يرى أن معرفتنا تقوم على أن نوفق بين العقل الخارجي وبين نظام إدراكنا الداخلي، وهو يرى أن وراء ما ندركه شيئاً قائماً بنفسه منسلخاً عنا لا يتطاول إليه إدراكنا. وما معرفتنا - عند كانت - إلا مظهر يتوارى وراءه السر الأبدي واللغز السرمدي. أما (فيخت) فهو يوقن بأن هذا المظهر نفسه هو الحقيقة ذاتها، وهو وليد قوة (النفس) التي لا تنفد، وذلك الشيء القائم بنفسه إن هو إلا حد يكبح قوة النفس ويحاول أن يقضي على سطوتها، ولكنه حد يزداد أمره ضعفاً كلما استطاعت النفس أن تبرز من قوتها وتفرض شيئاً من سيطرتها على الوجود؛ وبهذا كانت غاية العلم أن يتغلب العالم الداخلي وهو عالم العقل والروح على العالم الخارجي وهو عالم المادة
والنقطة الأساسية لفلسفة (فيخت) هي هذه الذات التي يجعل منها (الفاعل المطلق) في هذا الوجود، لكن هذه الذات لا تكمل لها معرفة ذاتها إلا إذاقورن بينها وبين غيرها، وبضدها تتميز الأشياء. فإن تخصيصي مثلاً لوجودي بقولي (أنا) يثبت منطقياً لغير ذاتي وجوداً.
стр. 6522
لأن الأخص يستثنى من الأعم. وهذا الغير هو الذوات السارحة في هذا الوجود
قد تيقظت الذات في إحدى خطراتها يوم أحست بنفسها فألفت أمامها سداً يقف سيرها. فوقفت وشعرت بأنها مقيدة، من ورائها ومن أمامها سدود، فأخذت تنظر إلى علة هذه الحدود وهذه السدود، فخالت أن هذه العلة كامنة في جواهر الأشياء، فأما الشعور العادي فهو يرى العلة في جوهر الأشياء، أما الفيلسوف فهو يعتقد بأنها كامنة في التحريض الذي تثيره الذات لبسط سلطانها على الأشياء، وتحقيق غايتها التي تطويها في صدرها. وهكذا تجري حياة الكائن المفكر، فهو طوراً يصيب مركز الدائرة وطوراً يحيد عنه
(يتبع)
دير الزور
خليل هنداوي
стр. 6523
أدب الحرب
كبتن كونان
للقصصي الفرنسي روجيه فرسل
(صاحب جائزة جنكور لعام ١٩٣٤)
كان لهذا الشهر في عالم الأدب الفرنسي أهمية كبرى تميزه من سائر شهور العام. فقد سطعت في النصف الأول منه أسماء أربعة من الكتاب بعد أن فاز كل منهم بإحدى الجوائز الأدبية الكبرى التي تمنح في فرنسا في مثل هذا الشهر من كل عام إلى خير قصة يقع عليها اختيار لجنة تحكيم كل جائزة من هذه الجوائز. ولقد ذكرنا أكثر من مرة أن اهتمام الغرب بالإكثار من الجوائز الأدبية، يرتفع عن المكافأة المادية التي تصيب الكاتب الفائز، وأن الغرض الأساسي هو شحذ همم الكتاب والاحتفاظ بعاطفة المنافسة حارة في قلوبهم. وكل من تصفح الجرائد الأدبية الفرنسية الكبرى خلال الشهر الفائت استطاع أن يعرف مقدار اهتمام الفرنسيين - وهم كغيرهم من أمم الغرب - بأمر هذه الجوائز الأدبية. واستطاع أن يحس بما تخلقه هذه المباريات في نفوس الأدباء حين يقرأ أحاديثهم قبل ظهور قرار المحكمين. تلك الأحاديث الممتلئة بالعبارات المتحمسة، القلقة على مصاير أعمالهم وعصارة عقولهم. وعندئذ يشعر بحاجة كل أمة متمدنة تبغي النهوض لفنونها وآدابها إلى مثل هذه الجوائز
وروجيه فرسل الفائز بجائزة جنكور أستاذ للآداب بكلية دينان وهو الآن في الأربعين من عمره ولد في بلدة نانر، ولما شب تعلم في (فليش) ثم انتقل إلى (كان) ليدرس الأدب، ولكن لم يكد ينقضي عام حتى شبت الحرب الكبرى فانتزعته من أحضان كتبه وأساتذته الذين كان يجلهم أعظم إجلال مثل بييرفي الأستاذ الضرير الذي لا يزال يذكره روجيه فرسل بالخير، ويرجع إليه أكبر الفضل في نجاحه في الحياة العامة، ومثل موريس سوربو الذي أصلح له فيما بعد رسالته عن كورني، فنال بها ليسانس الآداب
حارب فرسل في كثير من الميادين الحربية في فرنسا مثل: ايبر وشمباني وسم وأرجون، ثم أوفدته السلطات العليا إلى عدد من بلدان أوروبا الشرقية للقيام ببعض المهام، فرأى
стр. 6524
اليونان وصربيا وبلغاريا ورومانيا، واستفاد من ذلك أجل الفائدة، إذ عرف أمما تختلف عن وطنه في كثير من النواحي، وفهم نفسيات شعوبها، وأخلاق أهلها، وكان ذلك أكبر عون له على رسم كثير من شخصيات قصصه. وفكرة قصته التي نال عليها الجائزة إنما انبعثت في نفسه حين كان يعمل مقرراً لمجلس الحرب في صوفيا
ابتدأ فرسيل يخوض غمار الأدب برسالته القيمة ' ' التي نال بها ليسانس الآداب. وبعد ذلك نشر كتابه وبعد هذا الكتاب ظهرت قصته الأولى وتليتها قصة ثم ' ثم ثم ظهرت له هذا العام وقد ابتدأت مجلة (جرانجوار) الأدبية تنشر له منذ بضعة أسابيع آخر قصصه
ولفرسل ترجمة شيقة عن (دوجسكلان) وهو يراسل عدداً كبيراً من المجلات الفرنسية الكبرى، وعلى الأخص (ريفودوفرانس) و (ماريان) و (جرنجوار)
وروجيه فرسل يهيم بالقوة، والإرادة الجبارة، والشجاعة الخارقة التي يراها واضحة جلية في كثير من رجال الجيش وبحارة السفن والصيادين المخاطرين. وهو يرى أن غرائزنا الوراثية الأولى التي تدفعنا إلى احتقار الحياة والاستهانة بالموت، والغرام بالنزال والقتال، تلك الغرائز التي يظن الكثير أنها ماتت بتطور الإنسان لا تزال كامنة فينا، وسرعان ما تطغى على شخصيات الكثير منا عندما تمهد الفرصة المناسبة لظهورها كالحرب مثلاً التي هي أكبر عامل في إظهار هذه الغرائز الأولى. وفي قصة (كبتن كونان) يرسم لنا فرسل صوراً من أولئك الأبطال الذين يحملون أرواحهم على أكفهم مستهدفين للمهالك غير عابثين بالموت، وإليهم يرجع كل فضل في الفوز والانتصار
و (كونان) بطل القصة رجل صغير الجسم، هادئ الطبع، لين الجانب كان يشتغل بائعاً صغيراً في سان مالو. ولم تكد تشب الحرب عام ١٩١٤ ويتطوع فيها في جيش الشرق حتى تستيقظ في بطولة كانت خامدة تسوقه إلى مراتب الرقي السريع، فنراه على رأس فصيلة صغيرة في الجيش نفخ فيها من روحه وبسالته، حتى استيقظت في أفرادها نفس الغرائز التي استيقظت فيه، غرائز الإنسان الأول الذي لا يعرف للحياة قيمة ولا للموت رهبة، فينساقون وراء رئيسهم (كونان) إلى شتى ضروب المهالك دون خوف ولا وجل
لقد تجردوا من كل صفات الجنود النظاميين، وأصبحوا أشبه ما يكون برؤساء العصابات،
стр. 6525
لا يعرفون لهم قانوناً إلا الشجاعة الخارقة التي يجب أن تذوب أمامها كل عقبة تحول بينهم وبين تحقيق ما يرغبون. فبينما نرى في كثير من الأحيان أن سائر فصائل الجيش ينقصها الزاد والماء، نرى ذلك عند فصيلة الكبتن كونان دائماً كاملاً موفوراً بل زائداً عن حاجتهم. وبينما نرى سائر الجنود يرهبون النزال مع العدو وجهاً لوجه حيث يمزق بعضهم أجسام بعض بالسيوف أو بأسنة الحراب، ويعتبرون ذلك أشد ضروب القتال هولاً. نرى الكبتن كونان وأتباعه لا يترددون لحظة في الهجوم على خنادق العدو، وقد تسلحوا بالقنابل اليدوية والخناجر معلقة إلى جوانبهم يغرسونها في أحشاء أعدائهم دون شفقة ولا رحمة حتى أطلق عليهم أسم (منظفي الخنادق). ذلك أن كلاً منهم كما يقول رئيسهم (كونان) لا يعرف إلا أنه (محارب) فحسب، وليس جندياً يخلص للنظم العسكرية وتقاليدها كما يفعل سائر الجنود الآخرين. بل هم ينظرون إلى هذه النظم والتقاليد العسكرية نظر الاستهتار بها والاحتقار لأثرها في الانتصار. وإنك لتستطيع أن تفسر جيداً نفسية أولئك (المحاربين) حين تقرأ كلام (كونان) إلى أحد رفاقه الذي يلومه على تصرفاته هو وزملاؤه ويقول: (حاول قليلاً أيها العجوز المسكين أن تفهم) فيجيبه كونان:
(أفهم؟ أتظن أنني لا أفهم لأنني أتكلم بصوت عال؟ إنني أعرف جيداً منذ بعيد أنهم كانوا يخجلون من أعمالنا، وكانوا لا يعرفون جيداً كيف يتخلصون منا! إنني أنا وشباني الذين خضنا حقيقة غمار الحرب، ونحن الذين يرجع إلينا كل فضل في الانتصار! أنا ومن يماثلني من الأعوان الذين أرعبنا الجيوش. أسامع أنت؟ الجيوش التي كانت ترانا في كل مكان، وكانت لا تحسب لغيرنا حساباً، ولا ترهب سوانا منذ اندلعت أول شرارة! إن قتل جندي أمر في استطاعة كل فرد أن يقوم به، أما مهمتنا نحن فكانت قتل ذلك الجندي بطريقة تلقي الفزع في أدمغة عشرة آلاف آخرين! لذا كان من اللازم الذهاب للقاء العدو بالخناجر. أفاهم أنت؟ إن الخنجر هو الذي كسب الحرب، وليس المدفع! إن ذلك النوع من الرجال الذي أحدثك عنه لا يزيد على ثلاثة آلاف في كل جبهات القتال. على أن هؤلاء هم المنتصرون وحدهم. هم المنتصرون الحقيقيون!)
والقارئ لا يستطيع أن يتمالك نفسه من الأسى والتأثر أمام الخاتمة المحزنة التي تنتهي بها مأساة تلك الشخصيات الغريبة. فقد مضت سنو الحرب الأربع، وإذا (كونان) بطل مقدام
стр. 6526
فائز بوسام الشرف، تحلي صدره نياشين المجد والفخار. على أنه لا تكاد تعقد الهدنة العامة وينطفئ جحيم المجزرة البشرية الكبرى، وتوزن الأعمال بميزان أقرب إلى العدل والمنطق حتى نرى الذين كانوا يعتبرون بالأمس أبطالاً صناديد، والذين ببسالتهم النادرة وإراقة دمائهم دون حساب ضمنوا لجيشهم الفوز مراراً في ساحة الوغى، نراهم اليوم وقد أضحى الجميع يعتبرون عملهم جريمة لا تغتفر. وينظر إليهم مجلس الحرب نفسه نظرة الخارجين على القانون، المنتهكين لحرمة الشرف العسكري!
وبانتهاء الحرب ينصرف الجنود جميعاً إلى بلادهم وذويهم متنفسين الصعداء بعد أعوام مريرة من العذاب والشقاء. إلا أن هذه الظاهرة العادية لا نجدها عند الكبتن كونان ورفاقه. إذ يصور لنا روجيه فرسل كيف عاد كونان إلى مسقط رأسه يعمل كما كان تاجراً بسيطاً كسير القلب محطم النفس، غير راض عن حالة السلم والهدوء، غير مرتاح إلى العيش في مجتمع لا يناسب ميوله وغرائزه التي بعثتها الحرب من مرقدها، وأصبح لا يجد إلى التخلص منها سبيلاً
ويتزوج كونان. ثم تمضي الأيام فإذا الحياة الهادئة الوادعة لا تناسبه فيترهل جسده وتنتفخ أوداجه، ويضنيه مرض الكبد وكلما تقدمت به السن شعر بأنه فقد كل شئ. وضاق بالحياة كلها ذرعاً
إن روجيه فرسل يجمع في قصته فكرتين: أولاهما الإعجاب بأولئك الأبطال والرثاء لهم، وثانيتهما الدعوة ضد الحرب، فهو لا يبرر الحرب التي توقظ في هذا النوع من الناس بطولتهم الراقدة تحت وعيهم. بل هو العكس يريد أن يبين لنا أن (الحرب هي الشر الأعظم) كما يقول. أليست هذه الشخصيات التي يصورها لنا خير تصوير كأبطال الحرب الحقيقيين هي كذلك أولى ضحاياها؟ أليست شجاعتهم الخارقة تجعلهم أول وقود لسعيرها الجهنمي؟ ثم أيضاً ذلك النقر مبهم الذي ينقده الحط الحسن من الموت في ميدان القتال، ألم تتحطم سعادته، وتشقى حياته كما رأينا في كونان، ذلك التاجر البسيط الوديع الهادئ العيش الذي أصبح بعد أربعة أعوام من المذابح البشرية رجلاً أجدر به أن يوضع في عداد المرضى حين لا يستطيع الحياة في مجتمع خلو من القتل وسفك الدماء؟!
تلك هي ميزة قصة (كبتن كونان) الكبرى، فلقد كتب عن الحرب منذ بدئها إلى الآن عدد
стр. 6527
كبير من الكتب الرائعة ربما كان أعظمها كتابا جورج دوهامل وكتاب رولان دور جيليه وكتاب هنري باربوس الذي نال جائزة جنكور عام ١٩١٧، وقد تفوق هذه القصص قصة (كبتن كونان) في كثير من النواحي، إلا أن روجيه فرسل يمتاز في قصته بأنه عالج موضوعاً ورسم نوعاً من الشخصيات الإنسانية بطريقة لم يسبقه إليها أحد من الكتاب
علي كامل
стр. 6528
البريد الأدبي
الجوائز الأدبية الفرنسية
ظهرت في فرنسا في أوائل هذا الشهر أسماء الفائزين بالجوائز الأدبية الفرنسية الأربع، ففاز بجائزة الكاتب روجيه فرسل بقصته وقد تحدثنا عن القصة ومؤلفها في غير هذا المكان. وفازت قصة - لروبرت فرانس بجائزة - وقصة لمارك برنار بجائزة وقصة للكاتب لوي فرانسس بجائزة
وروبرت فرانس شاب في الخامسة والعشرين من عمره، ولد عام ١٩٠٩ وكان منذ صغره كلفاً بقراءة الأدب ودراسته، إلا أن أسرته أرغمته على الالتحاق بمدرسة الهندسة، فكان هذا التصرف دافعاً على ازدياد شغفه بالأدب والكتابة: فأصدر وهو لا يزال في الثامنة عشرة من عمره هو وشقيقه مجلة التي عاشت ثلاثة أعوام
وابتدأ يكتب فيها عدداً من المقالات السياسية. وكذلك القسم الخاص بنقد الكتب وفي ذلك الوقت أيضاً نشر في المجلة أول أعماله الأدبية ' ' وهي ترجمة حياته مصوغة في قالب روائي. وفي عام ١٩٣٠ أدى روبرت فرانسس خدمته العسكرية في قسم الطيران، وقد أظهر كفاءة أثناء اشتغاله في الحصون الشرقية دفعت وزير الحربية إلى انتدابه عام ١٩٣١ للعمل في الحصون الشمالية، فقضى ستة شهور متنقلاً بين (مان) و (ريمز) تاركاً العنان لإحساسه الشعري يتأمل تلك الغابات الواسعة الممتدة الأطراف. على أن المرض حال بين فرانسس وبين الاستمرار في البقاع الشمالية فرجع إلى (فانس) حيث قضى ستة أشهر طريح الفراش. ولم يكد يبل من مرضه حتى شرع يكتب أولى قصصه التي ظهرت في العام الماضي، وفي هذا العام ظهرت قصتاه اللتان نال عليهما الجائزة وهما و - تحملان عنواناً رئيسياً واحداً
والقصتان تكملة للقصة الأولى. والقصص الثلاث تفيض بالأخيلة الشعرية التي تدنيها من الأساطير
وفن روبرت فرانسس يمت إلى تلك المدرسة التي يسميها الناقد أدمون جالو وهي مدرسة تحاول أن تصلح ما يوجه من النقد إلى المدرسة الشعبية التي تكاد تقتصر على وصف شقاء المجتمع الفقير وما يخلقه هذا الشقاء من الرذائل. فالمدرسة الجديدة بتجديدها تحاول
стр. 6529
أن تتكلم عن فضائل هذا المجتمع الفقير. ولذا نرى روبرت فرانسس يرسم لنا في قصصه مقدار إحساس أبناء الطبقة الدنيا بالكرامة ومقدار سموهم الروحي وصفاء نفوسهم. مما يجعلهم أهلاً لأن يرتفعوا عن مستوى حياة الحيوانات التي يحيونها
وروبرت فرانسس إلى جانب إنتاجه القصصي كاتب سياسي، وهو في مقالاته التي ينشرها من حين لآخر يدعو إلى إصلاح اجتماعي يهيئ للطبقات البائسة حياة حرة كريمة
أما مارك برنار الفائز بجائزة فقد نشأ في بلدة نيمز فقيراً معدماً. وكان طبيعياً أن يحول بؤسه وشقاؤه بينه وبين الدراسة المدرسية، وأن ترغمه ضرورات المجتمع الحاضر على الاشتغال في سن مبكرة ليجني القدر الضئيل من المال كي يطفئ ألم الجوع، فهجر نيمز متنقلاً من بلد إلى آخر. ولم يترك عملاً من الأعمال إلا طرق بابه وعالج سبيله. فاشتغل في السادسة عشرة ممثلاً في مرسيليا، ولما لم يصادفه النجاح اشتغل حمالاً للبواخر، ثم اشتغل عاملاً في السكك الحديدية، وعاملاً في مصانع المعادن، وصابغاً للأحذية وغير ذلك من الأعمال الوضيعة المختلفة
وكان مارك برنار لا يميل ميلاً شديداً للكتابة ولا يرى في نفسه استعداداً لها. على أن الضرورة أرغمته على معالجتها عله يستطيع عن طريقها أن يضمن عيشه، فنشر عام ١٩٢٨ أول قصصه - فصادف نجاحاً دفع الكاتب هنري باربوس رئيس تحرير مجلة (موند) إلى أن يعهد إليه تحرير قسم النقد الأدبي في مجلته، فعرف برنار عن طريقها عدداً من أعاظم الكتاب، وابتدأ يشارك أيضاً في تحرير (المجلة الفرنسية الجديدة) ومجلة (أوروبا)
وقد نشر برنار بعد قصته الأولى قصة ثم تلتها قصته الأخيرة نال عليها الجائزة
وبرنار كاتب اشتراكي، وهو في قصصه ومقالاته يفيض بالثورة على المجتمع الرأسمالي، ويعلي من شأن الطبقات المهضومة الضعيفة بفقرها التي خصص لوصفها - كما يقول - قصته التي يوشك أن ينتهي منها واسمها (المنفيون)
أما لوي فرانسيس الفائز بجائزة فقد بدأ حياته مدرساً بالليسيه فرانسيه بالقسطنطينية، فعرف الشرق عن ذلك الطريق، ووصف ما وصلت إليه خبرته ودراسته في كتاب ثم كتب بعد ذلك قصته التي فازت بجائزة رينو دوه
стр. 6530
الفردوسي في السوربون
احتفل في الأسبوع الماضي بمهرجان الفردوسي في السوربون واشترك في هذه الحفلة رئيس الجمهورية المسيو ليبران، وعدد كبير من السراة والأعيان، بينهم الجنرال غورو حاكم باريس العسكري، وكان بين الذين حضروا المسيو شارلني مدير جامعة باريس، وسفراء العجم في فرنسا وإنكلترا، والجنرال ثوله مستشار وسام اللجيون دونور الأعلى، ومن رجال المجمع العلمي ابيل بونار، ومدير كلية (الكليج ديفرانس)
وقد أقيمت في القاعة قاعدة أقيم عليها تمثال يمثل الفردوسي أحيطت بالأعلام الإيرانية والفرنسية
وألقى مدير الكليج دفرانس خطاباً باسم المجامع الفرنسية
ثم عقبه الأستاذ ماسيه مدير اللغات الشرقية فعرض لشعر الفردوسي وأثره، وألقى المسيو ايبل بونار خطاباً أطرى فيه الفردوسي وختمت الحفلة بخطاب وزير التربية والتعليم تناول فيه حياة الفردوسي
إيطاليا تحتفل بالفردوسي
احتفل في الأكاديمية الملكية في روما بذكرى الفردوسي، وألقى السنيور مالينو محاضرة قيمة عن الفردوسي وعن شعره الخالد وأثره الكبير في الأدب العالمي
وفاة جوستاف لانسون
توفي أخيراً بباريس الدكتور جوستاف لانسون أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة السوربون عن سبعة وسبعين عاماً باحتقان الرئة، ولقد كان المصاب به عظيماً أحدث هزة شديدة في الأوساط الأدبية في فرنسا
ولد جوستاف بمدينة أورليان، في الخامس من شهر أغسطس عام ١٨٥٧، وفي عام ١٨٨٦ دعاه القيصر ليثقف بالأدب الفرنسي ولي العهد الذي صار فيما بعد نقولا الثاني، ثم عاد إلى التدريس بمدارس الليسيه بفرنسا، وانتقل بين ثلاث مدارس من مدارسها وكان مثلاً للنشاط والجد، وقد أدى اختياره مدرساً بها إلى انتخابه مديراً لمدرسة المعلمين العليا بباريس وكان ذلك عام ١٩١٩ وبقي بها حتى عام ١٩٢٧ ومنذ يومئذ بدأ يتم مؤلفاته في
стр. 6531
النقد، ونذكر من كتبه ومؤلفاته، نصائح في فن الكتابة، بوسويه، وبوالو، والناس والكتب، ودراسات أدبية وأخلاقية، وكورني، وفولتير، وثلاثة أشهر في التعليم بالولايات المتحدة، وطرق تاريخ الأدب، والمثل الفرنسي الأعلى في الأدب، ونهضة الثورة، وابتكارات لامرتين
وفي عام ١٩٢٤عين عضواً في رابطة الشرف، ولكنه أبى أن يدخل الأكاديمية الفرنسية برغم إلحاح المعجبين به، وإن كتابه تاريخ الأدب الفرنسي الذي ظهر في عام ١٨٩٤ ثم أضاف إليه كثيراً من التعليقات فيما بعد لكفيل بأن يجعل للانسون مكانة عالمية محترمة
تحسين جديد في (التليفون)
بتسابق رجال العلم والاختراع في إدخال التحسينات على (التليفون) وأخر ما طالعناه في إحدى الصحف العلمية أن أحد المخترعين الفرنسيين تمكن من اختراع جهاز جديد ادخله على التلفون الأوتوماتيكي الاعتيادي. والقصد من هذا الجهاز أنه عندما يرغب المتكلم في محادثة أحد، فما عليه إلا أن ينطق بالرقم المطلوب فتدور الاسطوانة من تلقاء نفسها بفعل تموجات الهواء. وهذا الجهاز يصلح استعماله في الظلام أي عندما يكون الإنسان مضطجعاً في فراشه ولا يريد أن يجهد نفسه. ويعتقد المخترع أن هذا الجهاز سيعم استعماله جميع أنحاء العالم
بعض الكتب الجديدة في علم النفس
تأليف محمد عطية الابراشي، حامد عبد القادر
صدر هذا الكتاب النفيس الذي يقع في أكثر من أربعمائة صفحة من القطع المتوسط، منذ شهور قلائل، فملأ من المكتبة العربية فراغاً شاغراً، كان يأسف له كل من يتمنى لهذا الشرق أن يساير الغرب فلا يتخلف من دونه في بعض الطريق. وما ظنك بهذا العلم الذي تبوأ في أوروبا وأمريكا منذ منتصف القرن الماضي مكانة رفيعة بين العلوم، وأصبح منذ ذلك التاريخ حلبة العقول وحومة الأقلام، تتناصر كلها وتتضافر على دراسة النفس الإنسانية، حتى سارت في ذلك شوطاً، إلا تكن قد انتهت به إلى نتيجة حاسمة، فهي على كل حال سائرة في الدرب السوي سيراً مطرداً حثيثاً. نعم، كان علم النفس طوال القرن
стр. 6532
الماضي شغل الساعة في عالم الغرب، أما نحن فقد لبثت أقلامنا بإزائه صامتة، لا تكاد تمس الموضوع إلا مسا رفيقا، إذا استثنينا كتابا أو كتابين؛ وكأنما أحس الأستاذان المؤلفان بهذا النقص المعيب، بل هو أجدر أن يسمى فقراً وإجداباً، فشاءت لهما همة عالية، أن يتداركا الأمر بعزم حديد وكفاية ممتازة، فأخذا منذ عام أو نحوه يخرجان للناس بحوثاً مستفيضة في كتب تترى، هذا ثالث أجزائها، وفي فصول متلاحقة أخذت تغمر الصحف، حتى كان لنا في علم النفس بفضلهما محصول ذو غناء بوفرته ومتاعه، وأي شيء أحب إلى النفس وأمتع من أن تطالع نفسها مشروحة مفصلة، في تحليل عميق سهل مستساغ، لا تشوبه خشونة العلم وغلظته؟ فقد وفق الأستاذان الفاضلان فيما يكتبان إلى (السهولة في الأسلوب، والوضوح في العبارة، مع الدقة في التعبير، والبحث وراء الحقيقة، حباً في الوصول إلى الحقيقة لذاتها، حتى يسهل الصعب، ويتضح الغامض، ويقرب إلى الأذهان ما بعد عنها، من تلك الموضوعات التي لم تخدم بالعربية الخدمة اللائقة بها). وأما فصول هذا الكتاب القيم فهي: الفكر، الحكم، الاستنباط، التعليل، التفكير الراقي، الوجدان، الانفعالات، العواطف، الأمزجة، الأذواق، الشخصية. . . . . وقد وضعا بجانب الاصطلاحات العلمية ما يقابلها باللغة الأجنبية تجنباً للخلط، ومنعاً للخطأ في التفكير
وما دمنا بصدد ترجمة الألفاظ، فقد نحب أن نعترض اعتراضاً نعترف أنه تافه بالقياس إلى هذا المؤلف الجليل: فقد ترجم الكاتب كلمة بلفظة (التعقل) في الصفحة الخامسة من الكتاب، ثم عاد في الصفحة الثالثة عشر فأطلق لفظة التعقل هذه، تعريباً لكلمة ومهما يكن بين اللفظتين من قرب وشبه، فقد كنا نؤثر أن ننقل الكلمتان الإنجليزيتان المختلفتان إلى كلمتين عربيتين مختلفتين، وليس ذلك بعزيز على الأستاذين المؤلفين. وهناك ملاحظة أخرى أخذتها العين أخذاً أثناء التصفح السريع، فقد أراد الكاتب أن يورد تعليل الوجدان (ص١٤٦) فقال: (التعليل الجثماني - ومعناه أن الوجدان راجع إلى تغيرات مادية خاصة تحدث في الجسم، فينشأ عنها الشعور بالسرور أو الألم. وقد أجريت تجارب لإثبات ذلك فوجد مثلاً أن القلب يبطئ في دقاته، وأن التنفس يسرع عند السرور، أما عند الألم فقد شوهد العكس، أي أن القلب يسرع في ضرباته، وأن حركات التنفس تكون بطيئة. . .) وعندنا أن هذا متناقض أوله مع آخره، أو على الأقل كتب بعبارة يفهم منها القارئ هذا
стр. 6533
التناقض، لأنه يريد أن يثبت أن علة الوجدان جثمانية، أي أن الحركة الجثمانية تكون أولاً، ويكون السرور أو الألم ثانياً، ولكن قوله إنه قد أجريت تجارب فوجد أن الجسم يحدث به كذا وكذا عند السرور، قد يفهم منه أن السرور ينشأ فتنشأ تبعاً له حالة معينة بالجسم، وهو عكس ما أريد إثباته
ولا يسعني في ختام هذه الكلمة القصيرة، وقد كان المقام يستدعي الأسهاب، إلا أن أسجل رغبة أحسستها عند تصفحي الكتاب، وتلك أنني وددت لو خرج هذا السفر الجليل الممتع المفيد، أجمل انسجاماً من حيث الطبع، وبخاصة في مواضع العنوانات وحجومها.
وإني لأنتهز هذه الفرصة لأهنئ المؤلفين الفاضلين على هذا التوفيق، وأهنئ قراء العربية أن كان لهم هذان المؤلفان الفاضلان
زكي نجيب محمود
وجهة الإسلام
تأليف جماعة من المستشرقين
ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده
كتاب في نحو مائتين وخمسين صفحة من القطع الكبير، ألفه بالإنجليزية الأساتذة هـ. أ. ر. جب أستاذ اللغة العربية بجامعة لندن، ل. ماسينون الأستاذ بجامعة باريس وكلاهما عضو بالمجمع اللغوي الملكي المصري، ج. كامبفماير بجامعة برلين، ك. برج بجامعة ليدن واللفتنانت كولونل فرار بالجيش الهندي سابقاً. ولقد قام بتعريب هذا الكتاب الأديب محمد عبد الهادي أبو ريدة خريج قسم الفلسفة بالجامعة المصرية
وإنك لتفهم موضوع الكتاب من تلك العبارة التي جاءت في مقدمة الترجمة العربية بقلم الأستاذ جب: (فأما الذي يرمي إليه مؤلفو هذا الكتاب فهو أن يحللوا تيارات الفكر التي تعبر عن حالة المسلمين ثم النزعات التي تتردد بينهم ليراها القارئ الأوربي اللبيب الذي له بعض الخبرة بحياة البلاد الشرقية). ولقد قسم المؤلفون موضوعاته بينهم فاختص الأستاذ ماسينيون بمن اتصل من العمال المسلمين اتصالاً وثيقاً بالحياة الأوربية، وتكلم الأستاذ كامبفماير عن النظم الجديدة في الحياة الاجتماعية والعقلية في آسيا الغربية، وانفرد
стр. 6534
الكولونل فرار بدراسة الإسلام في الهند وعلى الخصوص علاقته بالناحية السياسية، أما الأستاذ برج فقد اتخذ إندونيسيا موضعاً لبحثه، وقدم الأستاذ جب هذه الدراسات في فصل طويل ممتع عن الإسلام والحالة في العالم الإسلامي
فهذا كتاب جدير بالدراسة، حري بأن يقرأه الأديب المسلم ليرى رأي علماء المشرقيات، أو بعبارة أخرى ليرى مقدار فهمهم للعالم الإسلامي، ونزعتهم الفكرية أثناء الكتابة عن أحوال الإسلام، وسيرى فيه كثيراً من الأفكار الدقيقة والنقط الهامة الجديرة بالبحث والتحليل كما أنه سيرى بعض أغلاط المستشرقين في نظرتهم إلى العالم الإسلامي، فكثير منهم يقف من هذا الموضوع موقف من يزور مدينة كبيرة لأول مرة فيكون أسرع من أهلها أو أكثر تأثراً منهم بمواضع الدهشة والقوة فيها، على حين أنه يغفل عن كثير من نواحي ذاتيتها ومعاني روحها وألوان شخصيتها مما لا يستطيع معرفته حق المعرفة إلا أبناؤها الخلص
أما عن التعريب فآثار العناية بادية في الموضوعات كلها على العموم، وإن كان المعرب أحياناً يتأثر بالتركيب الإنجليزي والأخيلة الإنجليزية في طريقة سياق الأفكار وتسلسلها في الجملة الواحدة فتلتوى العبارة العربية التواء يلبسها الروح الإنجليزي، مما يسبب صعوبة فهمها أحياناً، أو يخرج بها عن المراد منها أحياناً أخرى. خذ لذلك مثلا قوله: (ولعل من سداد الرأي توقعنا أن يكون انتشار الإسلام على هذه الأصقاع الشاسعة واشتماله على أجناس كثيرة وتقاليد قديمة أمرين سيحولان دون بلوغ وحدة حقيقية في المدنية الإسلامية، وإنه رغم اتحاد المظاهر الدينية فإن بقاء العادات التي رسخت قديماً وأساليب التفكير المختلفة في طبيعتها اختلافاً لا يدع لاتفاقها سبيلاً سيؤثر تأثيراً قوياً في ثقافة كل إقليم على حدة حتى لا يترك مجالاً لتقاليد شاملة ولا لأي وحدة تامة في الشعور وحتى يوجد عدداً من الثقافات الإقليمية الإسلامية)
على أن المعرب الفاضل قد أحسن صنعاً على أي حال بتقديم هذا الكتاب القيم إلى لغة الضاد
الخفيف
стр. 6535
العدد ٧٩ - بتاريخ: ٠٧ - ٠١ - ١٩٣٥
стр. 6536
الرسالة في عالمها الثالث
بين عيد الفطر الاسلامي، وعبد النيروز المسيحي، يقع ميلاد الرسالة! فكأن الرسالة لاتنفك تجري على قدر من الله في السفارة بين عهد وعهد، والوساطة بين فكرة وفكرة! وفي هذه الفترة التي يعاود الناس فيها سلام الروح، وسكينة القلب، فيتعاطفون على القرابو، ويخالصون على المودة، وينفضون ايديهم من اوزار العيش حيناً لتتأنس النفوس بالتحية، وتتلامس القلوب بالمصافحة، لاتجد الرسالة غضاضة الاثرة اذا تبسطت في الحديث عن نفسها، الى اصدقائها وقرائها، فان العيد يقوى شعور الانس، والسرور يهلهل رداء الحشمة
تحبو الرسالة للسنة الثالثة من عمرها، أو تخطوا الخطوة الثالثة من غايتها، وهي بحمد الله اشد ما تكون استمساكاً بالمبدأ، واستشرافاً للغرض، واستعدتداً للامر، واستبصاراً بالماضي، واطمئناناً للمستقبل
ولقد كان من دلائل رضي الله عن جهادها أن ألان لها أعطاف الشدائد، وسهل عليها مصاعب النجاح، ومكن لها من قلوب الناس، فآثروها بالعطف، وآزروها بالعون، ووجدوا فيها متنفساً لخوارهم المكظومة، ومفيضاً لعواطفهم الجائشة، فتعارفت فيها الاسماء الغريبة، وتآلفت بها الأنساب القريبة، واشرقت بين سطورها في هذه العهود السود ومضات المجد التليد، كما تومض المنارة الهادية في حواشي الافق المكفر ونواحي المحيط المضطرب
لا نريد ان نعوج لما كان، ولا أن نعد بما يكون، فان العمل الحي ينمو بطبعه، ويقصد الى ماده بفطرته؛ وحية الرسالة إنما تنبثق من إيمانها، ومن إخلاص إخوانها، فلا يكدى لها شباب ولايبطئ بها وهن
ولقد جربنا في استمالة الفوز كل حيلة فما أفاد غير الايمان: جربنا التسامح فبطر الصديق، والهوادة فضرى العدو، والثقة فنغل الناصح، والمحبة فثارت المنفعة، والكد فهاج المرض، فلولا الايمان بصحة الفكرة، وشرف الوسيلة، ونبل الغاية، وضرورة العمل، لانقطعت الاسباب وابدعت ركائب الامل
إن فيما يحمله البريد إلينا كل يوم من رضى القراء في مختلف الانحاء لأجحماعاً على الخطة التي نهجناها للرسالة. حتى أولئك الذين كانوا يحبون أن تخف أو تُسف عادوا فصالحوا بين أذواقهم وذوقهم، ولاءموا بين الخلاقهم وخلقها، ففضلوا ان تظل كما هي للخاصة فلا تتعلق بغير الجميل من الأدب والفن والخلق
стр. 6537
على أن في الادب السنى مناحى للذة لا تجد بعضها في الأدب الدنى على ثرثرته وإغرائه. فان فيه غذاء لذوقك وذهنك ووجدانك وشعورك؛ أما غذاء الآخر على غثاثته فيغنيك عنه إن شئت نظرة أثيمة أو حكاية مخزية. وسنكشف رويداً عن هذه المناحي الممرعة الممعتة، فتساعد المربين على تنمية الذوق، وتعين المعلمين على إحياء المطالعة
وانصراف الشباب عن المطالعة الجدية داء أعيا على العلاج وأشفى على الخطر. وهو وحده علة ما نشكوه من بطء الثقافة وضعف الصحافة وقلة الانتاج وشيوع الجهالة. وما قتل الصبرَ على قراءة الكتاب المفيد والصحيفة الرشيدة إلا هذا الهُراء الذي نفقَت سوقه في المجتمع لِبَرَم الرجال من الأزمة، وسأم الشباب من العطلة، وسوء ظن الناس بالجد في علاج هذى الحال
إن من مباديء الرسالة أن تكون صورة لمنازع الأدباء وسجلاً لألوان الأدب في هذا العصر، فهي لذلك تعرض على قرائها الحين بعد الحين آراء مختلفة وأقلاماً جديدة؛ واختلاف الآراء لا يدل على غير مجرد العرض، وتعاقب الأقلام ل يعني أن بعضها خير من بعض. وقد ظهرت في العالم المنصرم بعض هذه الأقلم البارعة، فكانت براءة من الله للرسالة أنها تقوم بما تعد وتُوفي بما تُدم. وستظهر في هذا العالم أمثال هذه الأقلام من ألف بينها الفن السَّرِيُّ، وجمع بين اهلها الدرب القاصد. كذلك فتحنا بابين جديين ابتداء من هذا العدد، وهما: (من روائع الشرق والغرب) وسننشر فيه أروع ما نقرأه من الآداب الاجنبية منقولاً الى العربية العالية، وأبدع ما نختاره من الآداب العربية مأخوذاً من العصور المختلفة. وفي هذا الباب لقاح مثمر لأدبنا، وإحياء لمآثر أدبائنا، وصقل لملكات النشء بالماذج الجميلة. ثم (من هنا ومن هناك) وسنلخص فيه ما نقع عليه من طريف المسائل وجديد الآراء في الصحف أو في الكتب. ذلك إلى ما اعتزمناه من توسيع باب القصص، وتوجيه النظر في بحث المؤلفات الحديثة القيمة إلى التحليل والنقد العادل
بقي أن نؤدي فريضة الشكر لأولئك القراء المخلصين الذين عطفوا على هذا الجهد وساهموا فيه بالتشجيع والتنويه والنصية، وللأصدقاء من الأدباء الذين ما برحوا يلبون دعوة الوطن الأكبر فشاركوا في تبليغ الرسالة، وأعانوا على تأدية الأمانة، وأضافوا خيرهم الغمر إلى تراث آبائنا الخالد
стр. 6538
وإنا لنتقدم إلى هؤلاء وهؤلاء بالتهنئة الخاصة بالعام الجديد، والعيد السعيد، والأمل الناشيء في كل نفس، والنشاط لباديء في كل أمر، وندعو الله مخلصين أن يقرن العام باليمن، ويجدد العيد بالخير، ويعقد الأمل بالنجح، ويصل النشاط بالرأي والعزيمة
ثم نجدد لأمى الرسالة العهد والعزم متعمدين على فضل الله، مطمئنين الى عطف الأمة، متكئين على عون الشباب، معتدين باخلاص النية، معولين على إجاة العمل؛ وفي بعض ذلك الضمانً الاوفى، والسندُ الأقوى، والمرفأ الأمين
احمد حَسن الزيات
стр. 6539
الله أكبر!
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
جلسْتُ وقد مضى هَزيعٌ من الليل، أهيء في نفسي بناءَ قصةٍ أُدِيرها على فتى كما أَحَبَّ. . . خبيثٍ داعر، وفتاةٍ كما أَحبَّتْ. . . غذراءَ ومتمجنة؛ كلاهما قد دَرَسَ وتخرج في ثلاثة معاهد: المدرسةِ، والروايات الغرامية، والسيما. وهو مصريٌ مسلم، وهي مصرية مسيحية. وللفتى هَناتٌ وسيئاتٌ لايتنزه ولايتورع؛ وهو مِن شبابه كالماء يغلي، ومِن أناقتِه بحيث لم يبقَ إالا أن تلحقه ناءُ التأنيث. . . وفد تشعبت به فنون هذه المدينة، فرفع اللهُ يده عن قلبه لا يبالي في اي أوْدِ يتها هلك. وهو طلبُ نساء، دابه التجوال في طرقهن، يتبعهن ويتعرض لهن، وقد الفته الطرق حتى لو تكلمت لقالت: هذا ضرب عجيبٌ من عربات الكَنْس. . .!
وللفتلة تبرُّجٌ وتهتك، يَعْبَثُ بها العبث نفسه، وقد اخرجتها فنون هذا التأنثِ الاوربي القائم على فلسفة الغريوة، وما يسمونه (الادب المكشوف) كما يثوره اولئ الكتابُ الذين نقلوا إلى الانسانية فلسفة الشهوات الحرة، عن البهائم الحرة. . .! فهي تبرزُ حين تخرج من بيتها، لا إلى الطريق، ولكن إلى نظرات الرجال؛ وتظهر حين تظهر، مُسوَّرةً لا بتلون نفسها مما يجوز وما لايجوز، ولكن بتلون مِراتها مما يُعجب وما لا يُعجب
وَكِلا ثْنيهما ل يُقيم وزناً للدين، والمسلم والمسيحيُّ منهما هو الاسم وحده؛ إذ كان من وَضع الوالدين رحمهما اللهّ والدين حرية القيد لا حرية الحرية؛ لإنتَ بعد ان تُقيد رذائلك وضراوتك وشر وحيوانيتك - أنت من بعد هذا حرٌّ ماوسعتك الارضُ والسماء والفكر؛ لأنك من بعد هذا مُكملٌ للانسانية مستقيمٌ على طريقتها. ولكن هَبْ حِماراً تفلسفَ واراد أن يكون حراً بعقله الحماري؛ أي تقرير المذهب الفلنسفي الحماري في الادب. . . فهذا إنما ينبغي إطلاق حريته، اي تسليط حماريته الكاملة على ما يتصل به من الوجود
وتضى قصتي في أساليب مختلفة تمتحن بها فنونُ هذه الفتلة شهوات هذا الفتى، فلا يزال يمشي من حيث لا يصل، ولاتزال تمنعه من حيث لاترده؛ وما ذلك من فضيلةٍ ولا امتناع، ولكنها غزيرةُ الانوثة في الاستمتاع بسلطانها، واثباتها للرجل ان المرأة هي قوة الانتظار وقوة الصبر، وأن هذه التي تحمل جنينها تسعة أشهر في جوفها، تُمسك رغبتها في نفسها
стр. 6540
مدة حَملٍ فكريٍ إذا هي أرادت الحياة لرغبتها، ليون لوقوعها وتحققها مثلُ الميلاد
ولكن الميلاد في قصتي لايكون لرذيلة هذه الفتاة، بل لفضيلتها. فان المرأة في رأيي - ولوكانت حياتها محدودةً من جهاتها الاربع بكبائر الاثم والفاحشة - لايزال فيها من وراء هذه الحدود كلها قلبٌ طبيعته الامومة، أي الاتصالُ بمصدر الخلق، أيْ فضائل العقيدة والدين؛ وما هو الا أن يتنبه هذا القلبُ بحادثٍ يتصل به فيبلغُ منه، حتى تتحول المرأة تحول الارض من فصلها المقشعر المجدب، الى فصلها النضر الاخضر
ففي قصتي تُذْعنُ الفتاةُ لصاحبها في يومٍ قد اعترتها فيه مخافةٌ ونزل بها همٌ وكادتها الحياةُ من كيدها؛ فكانت ضعيفة النفس بما طرأ عليها من هذه الحالة. وتخلو بالفتى وفكرها منصرفٌ إلى مصدر الغيب، مؤملٌ في رحمة القدر. ويخلبها الشابُ خَلَابةَ رُعُونته وحبه ولسانهِ، فيعطيعا الألفاظ كلها فارغة من المعاني، ويقر بالزواج وهو منطوٍ على الطلاق بعد ساعة. فاذا اوشكت الفتاة ان تصرع تلك الصرعة دوي في الجو صوتُ المؤذك: (الله أكبر!)
وتُلْسَعُ الفتاة في قلبها، وتتصل بهذا القلب روحانيةُ الكلمة، فتقع الحياة السماوية في الحياة الارضية، وتنبه العذراءُ إلى ان الله يَشهدُ عارَها، ويَفْجَؤُها انها مُقدمةٌ على ان تُفيد من نفسها ما لا يصلحه المستحيل فضلاً عن الممكن، وترنو بعين الفتلة الطاهرة من نفسها إلى جسم بفيٍ ليستْ هي تلك التي هي؛ وتنظر بعين الزوجة من صاحبها إلى فاسقٍ ليس هو ذا الذي هو؛ ويَحْكي لها المكان في قلبها المفطور على الامومة - حكايةً تثور منها وتشمئو؛ ويصؤخ الطفلُ المِسكينُ صَرْخته في أذنها قبل ان يُولد ويُلقى في الشارع. . .!
الله أكبر! صوتٌ رهيبٌ ليس من لغة صاحبها ولا من صوته ولا من خِسته، كأنما تفرغ السماءُ فيه مِلء سحابةٍ على رِجْسِ قلبها فتنفيه حتى ليس به ذرةٌ من دَنَسِهِ الذي رَكِبَهُ الساعة. كان لصاحبها في حِس أعصابها ذل الصوتُ الأسودُ المنطفيء المبهم، المتلجلج مما فيه قوة شهواته؛ وكان للمؤذن صوتٌ آخر في روحها؛ صوتٌ أحمر مستعلُ كمْعَعَةِ الحريق، مجلجلٌ كالرعد، واضحٌ كالحقيقة، فيه قوة اللهّ!
سمعتْ صوتَ السلسلة وقَعْقَعَتها تُلوَى وتُشد عليها، ثم سمعتْ صوتَ السلسلة بعينها يُكسر حديدُها ويتحطم
стр. 6541
كانت طهارتُها تختنق فنفذتْ إليها النسمات؛ وطارت الحمامةُ حين دعاها صوتُ الجو، بعد أن كانت أَسَفتْ حين دعاها صوتُ الأرض. طارت الحمامة، لأن الطبيعة التفتتْ فيها لفتةً أخرى.
ويكرر المؤذن في ختام أذانه: (الله أكبرُ الله أكبر!) فاذا. . .
* * *
وتَبلدَ خاطري فوقفتُ في بناء القصة عند هذا الحد، ولم أدرِ كيف يكون جوابُ (إذا. . . .) فتركتُ فكري يعمل عمله كما تُلْهِمه الواعيةُ الباطنة، ونِمْت. . . .
ورأيتُ في نومي أني أدخل المسجد لصلاة العيد وهو يعجُّ بتكبير المصلين: (الله اكبرُ الله أبر!) ولهم هديرٌ هدير البحر في تلاطمه. وأرى المسجد قد عص بالناس فاتصلوا وتلاحموا؛ تجد الصف منهم على استوائه كما تجد السطؤَ في الكتاب، ممدوداً محتبكاً ينتظمهُ وضْعٌ واحد، وأراهم تابعوا صفاً وراء صف، ونسقاً على نسق، فالمسجد بهم السنبُلة مُلئتْ حباً ما بين أولها وآخرها؛ كلُّ حبة هي في لفٍ من اهلها وشملها، فليس فيهن على الكثرة حَبةٌ واحدة تُميزُها السنبلة فَضل يمييز، لا في الأعلى ولا في الأسفل
وأقف متحيراً مُتلدداً ألتفتُ ههنا وههنا، لا أدري كيف أخلُصُ إلى موضع أجلس فيه؛ ثم أمضي أتخطى الرقاب أطمع في فُرْجةٍ اقتحمها وما تنفرج، حتى انتهىَ إلى الصف؛ وانظرُ إلى جانب المحراب شيخاً بادناً يملأ موضع رَجلين وقد نفح منه ريحُ المسك، وهو في ثيابٍ من سُندُسِ خُضر. فلما حاذْيته جَمع نفسه وانكمش. فكأنما هو يُطوي طياً، ورأيت مكاناً وسعني غحططتُ فيه إلى جانبه وأنا اعجبً للرجل كيف ضاق ولم اضيق عليه، وأين ذهب نصفه الضخم وقد كان بعضه على بعضه زيماً على زيمٍ وامتلاءً على امتلاء.
وجعلتُ أْحدُسُ عليه طني، فوقع في نفسي انه ملك من ملائة الله قد تمثل في الصورة الآدمية فاكتتم لأمرٍ من الأمر
وضج الناسُ: (الله أكبرُ الله أكبر!) في صوت تقشعر منه جلودُ الذين يخشون ربهم، غير أن الناس مما ألفوا الكلمة ومما جهلوا من معناها - لا يسمعونها إلا كما يسمعون الكلام، اما الذي إلى جانبي فكان ينتفض لها انتفاضةً رحبتني منع رجا، إذ كنت ملتصقاً به مناكباً له؛ وكأن المسجد في نفضه إيانا كان قطاراً يجري بنا في سرعة السحاب، فكل ما فيه يرتج
стр. 6542
ويهتز. ورأيت صاحبي يّذْهل عن نفسه، ويتلألأ على وجهه نورٌ لكل تكبيرة، كأن هناك مصباحاً لايزال ينطفيء ويشتعل؛ فقطعتُ الرأي انه من الملائكة
ثم اقيمت الصلاةُ وكبر الامام وكبر اهلُ المسجد، وكنت قرأتُ أن بعضهم صلى خلف رجلٍ من عظماء النفوس الذين يعرفون الله حق معرفته؛ قال: فلما كبر قال: (الله) ثم بُهت وبقي كأنه جسدٌ ليس به رُوح من إجلاله لله تعالى؛ ثم قال: (أكْبَرْ) يَعْزِم بها عزماً، فظننتُ أن قلبي قد انقطع من هيبة تكبيره. قلتُ أنا: أما الذي الى جانبي فلما كبر مد صوته مداً ينبثق من روحه ويستطير، فلو كان الصوتُ نورً لملأ ما بين الفجر والصُّحى
* * *
وعرفتُ واله من معنى المسجد ما لم أعرف، حتى كأني لم ادخله من قبل، فكان هذا الجالسُ الى جانبي كضوء المصباح في المصباح، فانكشفَ لي المسجدُ في نوره الروحي عن معانٍ ادختني من الدنيا في دُنيا على حِدَة. فما المسجدُ بناءً ولا مكاناً كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيحٌ للعالم الذي يموج من حًوْله ويضطرب؛ فان في الحياة أسبابَ الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد إذ يجمع الناس مراراً في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب، وروحانية النفس؛ ولا تدخله إنسانية الانسان إلا طاهرة منزهةُ مسبغةً على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعارَ الهرِ الذي يُسمى الوضوء، كأنما يغسل الانسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخوله المسجد.
ثم يستوي الجميعُ في هذا المسجد استوا واحداً، ويقفون موقفاً واحداً، ويخشعون خشوعاً واحداً، ويكونون جميعاً في نفسية واحدة؛ وليس هذا وحده، بل يَخرون الى الأرض جميعاً ساجدين لله، فليس لرأسٍ على رأس ارتفاع، ولا لوجه على وجه تمييز؛ ومن ثم فليس لذات على ذات سلطان. وهل تحقق الانسانية وحدتها في الناس بأبدعَ من هذا؟ ولعمري أين يجد العالمُ صوابه إلا ههنا؟
فالمسجد هو في حقيقته موضعُ الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يَزيغُ به الاجتماع. هو فِكْرٌ واحدٌ لكل الرؤس؛ ومن ثم فهو حلٌ واحد لكل المشاكل، وكما يُشق النهر فتقف الارضُ عند شاطئيه لاتتقدم، يُقام المسجد فتقف الارض بمعانيها التُرابية خلف جدرانه لا تَدْخله
стр. 6543
* * *
وما حَرَكةٌ في الصلاة إلا أولها (الله أكبر) وآخرها (الله أكبر)؛ ففي ركعتين من كل صلاة - إحدى عشرة تكبيرة يجهر المصلون بها بلسان واحد؛ وكأني لم أفطن لهذا من قبل، فأيُّ زِمامٍ سياسي للجماهير وروحانيتها أشدُّ وأوثقُ من زمام هذه الكلمة؟
* * *
ولما قُضيت الصلاةُ على المَل وسلم علي، ورأيته مقبلاً محتفياً، ورأيتني أثيراً في نفسه، وجالت في رأسي الخواطر فتذكرتُ القصة التي أريد أن اكتبها؛ وأن المذن يكرر في خاتمة أذانه: (الله أكبرُ الله أكبر) فاذا. . . .
وقلت لَلأْسألنه، وما أعظم أن يكون في مقالتي أسطرٌ يُلهمها ملك من الملائكة! ولم أكدْ أرفع وجهي اليه حتى قال: (فاذ لطمتان على وجه الشيطان؛ فَولَى مُدبراً ولم يُعقب؛ ووضعت الكلمةُ الآليةُ معناها في موضعه من قلب الفتاة، فلأياً بلأيٍ ما نجت
إن الدين في نفس المرأة شعورٌ رقيق، ولنه هو الفولاذُ السيكُ الصلبُ الذي تُصفح به أخلاقها المدافعة
الله أكبر! أتدري ماذا تقول الملائكة إذا سمعت التكبير؟
إنها تنشد هذا النشيد:
* * *
بَينَ الوقتِ والوقتِ من اليوم تَدقُ ساعةُ الاسلام بهذا الرنين: الله أكبرُ الله أكبر، كما تدق الساعةُ في موضعٍ ليتكلمً الوقتُ برنينها
* * *
الله أكبر. بَيْن ساعاتٍ وساعاتٍ من اليوم ترْسِل الحياةُ في هذه الكلمة نداءها تهتفُ: أيها المؤمن، إن كنتَ أَصبْتَ في الساعات التي مضتْ، فاحتهدْ للساعات التي تتلو؛ وإن كنتَ أخطأتَ، فكفر، وامحُ ساعةً بساعة؛ الزمنُ يمحو الزمن، والعملُ يغير العمل، ودقيقةٌ باقيةٌ في العمر هي أملٌ كبير في رحمة الله
* * *
بين ساعات وساعات، يتناول المؤمنُ ميوانً نفسه حين يسمع: الله أكبر. . ليعرف الصحة
стр. 6544
والمرضَ من نيته؛ كما يضَعُ الطبيب لمريضه بينَ ساعاتٍ وساعاتٍ ميزان الحرارة
* * *
اليومُ الواحد في طبيعة هذه الارضُ عمْرٌ طويل للشر، تكاد كلُّ دقيقةٍ بشرها تكون يوماً مختوماً بِلَيْلٍ أسود؛ فيجب أن تقسمَ الأنسانيةُ يومها بعدد قارات الدنيا الخمسْ، لأن يومَ الأرض صورةٌ من الأرض. وعند كل قسم: من الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعِشاء، - تصيح الأنسانيةُ المؤمنةُ مُنَبهةً نفسها: الله أكبر، الله أكبر
* * *
بين ساعات وساعات من اليوم يَعْرِص كل مؤمن حسابَه، فيقوم بين يَدَي الله ويرفعه إليه. وكيف يكون من لا يزال ينتظر طولَ عُمره بين ساعاتٍ وساعات - الله أكبر.
* * *
بين الوقت والوقت من النهار والليل تدوي كلمةُ الروح: الله أكبر. ويُحييها الناسُك الله أكبر. لعتادَ الجماهير كيف يُقلدون الى الخير بسهول، وكيف يحققون في الأنسانية معنى اجتماع أهل البيت الواحد؛ فتكون الأستجابةُ إلى كل نداء اجتماعي مغروسةً في طبيعتهم بغير أستِكْراه
* * *
النفس أسمى من المادةِ الدنيئة، وأقوى من الزمن المخرِب، ولا دِينَ لمن لا تشمئزُّ نفسُه من الدناءة بأنَفَة طبيعية، وتحمل همومَ الحياة بقوةٍ ثابتة
لا تضطربوا؛ هذا هو النظام، لاتنحرفوا؛ هذا هو النهجْ. لاتتراجعوا؛ هذا هو النداء. لن يَكْبرَ عليكم شيءٌ ما دامت كلمتُكم: الله أكبر.
طنطنا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 6545
مصر وماء النيل وحوادث الحبشة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تجري الآن على حدود لحبشة حودث خطيرة، ويكشف الاستعمار الايطالي عن نياته ومطامعه نحو الحبشة شيئاً فشيئاً؛ وقد احتلت الجنود الايطالية بالفعل بعض مواقع ومراكز حبشية على مقربة من حدود السومال الايطالي، وما زالت إيطاليا تحشد قواتها في تلك الانحاء، وترخق الحبشة بمطالبها ودعاويها؛ والحبشة من جانبها تلتمس تدخل عصبة الامم، وتشهدها على هذا الاعتداء، ولكن ماذا عسى أن تفعل عصبة جنيف إزاء خطة مبيتة مدبرة تترقب إيطاليا الفاشستية الفرصة لتنفيذها منذ أعوام؟ ولقد بينا في مقال سابق أدوار هذا النضال الذي يضطرم منذ أواخر القرن الماضي بين الحبشة والاستعمالا الغربي، وكيف أن ايطاليا استاعت في وقت من الاوقات أن تفرض حمايتها على الحبشة بعد أن احتلت مصوع والارتيرية، وكيف استطاعت الحبشة لأعوام قلائل أن تحطم هذا النير الذي حاولت إيطاليا أن تضعه في عنقها، وأن تسحق الجيوش الايطالية في موقعه (عدوه) الشهيرة (سنة ١٨٩٦)، وأن ترغم إيطاليا وأوربا على احترم استقلالها. وسوف تنظر عصبة الأمم في هذا النزاع بعد أيام قلائل، ولكنا نستطيع أن نتنبأ منذ الآن أن العصبة لن تستطيع شيئاً، وأنها كما فشلت في المسألة المنشورية ورد عدوان اليابان عن الصين، ستلقي مثل هذا الفشل في حل النزاع الايطالي الحبشس، وسيكون القول الفصل للقوة المادية، فاذا استطاعت إيطاليا أن تتوغل في الحبشة فسوف تمضي في تنفيذ خطتها المرسومة لغزو الحبشة واحتلالها كلها أو بعضها، ولن ينقذ الحبشة من هذا الخطر على حرياتها واستقلالها سوى الاعتماد على نفسها وما تستطيع أن تتذرع به من وسائل المقاومة والدفاع
وقد كان حرياً ان تلقى هذه الحوادث صداها في مصر وأن تثير فيها أعظم اهتمام: فبين مصر والحبشة علائق تاريخية قديمة، والشعب الحبشس تابع من الوجهة الدينية للكنيسة القبطية المصرية، وبطريرك الحبشة او زعيمها الديني مصري بعينه البطريرك المصري؛ ومن جهة اخرى فان لمصر مصالح خطيرة في الحبشة تتعلق بمياه النيل ومنابعه؛ فالنيل لأزرق الذي يمد النيل بكميات عظيمة من الماء والطمى المخصب ينبع من بحيرة تبسانا
стр. 6546
الحبشية التي تقع مستعمرة ارتيرية الايطالية؛ ولايطاليا في هذه المنطقة مطامع اقتصادية كبيرة. والحبشة لا تجهل أهمية تسانا ولا خطورة المصالح الخارجية المتعلقة بمائها؛ وقد بذلت انكلتر في العهد الاخير جهوداً عظيمة لتحصل من الحبشة على امتياز بماء هذه البحيرة حفظاً لمصالحها الاقتصادية في السودان، وخشية أن تنافسها في ذلك دولة أوربية أخرى فتهدد هذه المصالح؛ وكانت الحكومة الحبشية تميل إلى منح هذا الامتياز لشركة أمريكية كبيرة، وقدذهبت بالفعل شوطاً بعيداً في هذا السبيل، وقامت هذه الشركة ببعض الأعمال والاجراءات التمهيدية في منطقة البحيرة، ولكن الحبشة آثرت في النهاية أن تستبقي إشرافها وسيطرتها على البحيرة، ولم تكن جهود السياسة البريطانية بعيدة عن هذا القرار. وتعمل الساسة البريطانية اليوم على أن تضطلع مصر بأعباء النفقات التي تقتضيها المشاريع الخاصة بمنطقة تسانا، وقد بذلت مصر فعلاً مبالغ طائلة في هذا السبيل.
كان يجدربمصر إذن أن تتبع حوادث الحبشة بمنتهى الاهتمام، وأن تقدر جميع الاحتمالات التي تترتب على نجاح إيطاليا في غزو هذه المنطقة، إذا قدر لخطتها النجاح؛ ولكن مصر ترغم بكل أسف على أن تقف من هذه الحوادث موقف المتفرج الذي لايعنيه من الأمر شيء؛ والسياسة الانكليزية تأخذ بيدها كل الامر سواء باسمها أو بأسم مصر؛ والسياسة الانكليزية تحرص على مصالحها في السودان قبل كل شيء. وقد كان التوازن الانكليزي الايطالي في تلك المنطقة يحول دون وقوع تطورات جديدة؛ ولكن الظاهر أن إيطاليا الفاشستة استطاعت أن تتفاهم مع السياسة البريطانية، وأن تقنعها بوجوب التسليم بمطامع إيطاليا وتفوق مصالحها في المنطقة الحبشية، وهي مطامع نوهت باحترامها المعاهدة الثلاثية التي عقدت في سنة ١٩٠٦ بين إيطاليا وانكلترا وفرنسا؛ وإيطاليا تقوم الآن بتنفيذ خطة مقررة لا ترى فيها انكلترا أو فرنسا ما يدعو الى الاعتراض، بل لقد تقدمت السياسة البريطانية لمعاونة الاستعمار الايطالي على التوسع، فحملت على عقد معاهدة جغبوب، والنزول لايطاليا عن بعض اراضيها، وعادت هذا العام فنزلت لايطاليا باسم مصر عن جزء من واحة العوينات الواقعة في السودان الغربي مما يلي برقة، وها هي الآن تترك ايطاليا حرة في تدبير اعتدائها غبى الاراضي الحبشية، وقد أشرنا في مقال سابق الى أن اهم عامل في وقوف السياسية البريطانية هذا الموقف هو ظهور النفوذ الاقتصادي الياباني
стр. 6547
في تلك المنطقة، وهو نفوذ تجارية بكل ما وسعت واينما ان
* * *
كان ماء النيل وما زال اعظم قنية تحرص عليها مصر؛ ومنذ فجر التاريخ تشعر مصر بح أن حياتها تتوقف على مياه هذا النهر الخالد، وبأن كل ما حبتها به الطبيعة من النعاء والخصب إنما هو من جريانه وفيضه، وكم نكبت مصر، وعانت أهوال القحط والوباء، وفقدت من أبنائها الملايين، لان النيل لم يسعفها بوافر فيضه. ومصر تعمل منذ اقدم العصور للفوز بأكبر قسط من هذا الغيث المبارك، وتسعى بكل ما وسعت لضبطه واستثماره، وكثيراً ما سير الفراعنة الحملات الى أعالي النيل للوقوف على أسرار هذا النهر العظيم واستقصاء منابعه والسهر على سلامة مجراه. وكان طبيعياً أن ترث دول مصر الاسلامية هذا الاهتمام بأمر النيل؛ واي دولة لم تقدر أن النيل هو حياة مصر؟ وكانت حكومات السلاطين تعني باستقصاء كل ما يتعلق بمجرى النيل واحوال جنوبي مصر والنوبة؛ وكانت تعرف ان الحبشة تسيطر على قسم هام من منابع النيل، وكانت الحبشة تقدر من جانبها اهمية هذا الاشراف الذي يتعلق بمصالح لمصر تعرف أنها حيوية جوهرية، وتتخذ هذا الأشراف في أحيان كثيرة وسيلة لنوع من الضغط السياسي تتذرع به لتحقيق بعض مصالحها ومطالبها المعلقة على إرادة مصر؛ ذلك أن مصر كانت تسيطر على بيت المقدس وبها الاماكن النصرانية المقدسة، وتسيطر على ارواح ملايين من النصارى، وبها مركز البطريركية المرقسية التي تتبعها الحبشة من الوجهة الدينية. ففي عصور الاضطراب او الاضطهاد حيثما يصيب المصالح النصرانية او الرعايا النصارى شيء من الظلم او الغبن، كان ملوك الحبشة يسعون لدى سلاطين مصر لرفع هذا الاضطهاد، او لتحقيق بعض المنح كأن تعاد بعض الكنائس التي هدمت، او يطلق سراح المعتقلين، او غير ذل من المطالب؛ وكان ملوك الحبشة يجدون دائماً في التلميح إلى ماء النيل وإلى منابعه الواقعة تحت إشرافهم اداة قوية لتحيقي مطالبهم، وكذلك كانت سيطرتهم على أرواح كثير من الرعايا المسلمين في بعض الولايات الحبشية عاملاً آخر من عوامل الضغط، مثلما كانت سيطرة السلاطين على أرواح الرعايا النصارى
وقد انتهت إلينا بعض وثائق قديمة هامة تلقي ضوءاً على اهمية هذا التجاذب السياسي بين
стр. 6548
مصر والحبشة، ومداره ماء النيل والتنويه بخطورته واحتمال حجزه عن مصر؛ ومن ذلك وثيقة طريفة وجهت من ملك الحبشة إلى سلطان مصر سنة ٨٤٧هـ (١٤٤٣م)، وكان نجاشي الحبشة يومئذ (زرع يعقوب) الملقب بقسطنطين، وسلطان مصر هو الظاهر جقمق الذي تولى الملك سنة ٨٤٢هـ؛ ووصلت هذه السفارة الحبشية إلى بلاط مصر في ١٨ رجب سنة ٨٤٧هـ، على يد وقد حبشي يحمل هدية فخمة الى السلطان منها عدة كبيرة من الجواري والى والاسلحة الذهبية؛ ورسالة طويلة من النجاشي الى السلطان، ينوه فيها بما بلغه من حزمه وعدله وحسن سيرته، وبما كان من تسامح أسلافه السلاطين نحو النصارى، ويعتب عليه فيما بلغه من اضطهاد النصارى في ظل حكمه، في حين أن المسلمين في الحبشة، وهم كتلة كبيرة، يلقون كثيراً من ضروب التسامح والرعاية؛ ويشير إلى سيطرة الحبشة على ماء النيل في هذه العبارة: (وليس يخفى عليكم ولا على سلطانكم أن بحر النيل ينجر إليكم من بلادنا، ولنا الاستطاعة على أن تمنع الزيادة التي تروي بلادم من المشي إليم لأن لنا بلاداً نفتح لها أماكن فوقانية ينصرف فيها إلى أمكامن أخر قبل أن يجيء إليكم، ولا يمنعنا عن ذلك إلا تقوى الله تعالى والمشقة على عباد الله) وقد لبثت علائق مصر الاسلامية والحبشة عصوراً تدور حول هاتين النقطتين الخطيرتين: المسألة الدينية أعني معاملة مصر لرعاياها النصارى، ومعاملة الحبشة لرعاياها المسلمين، ومسألة مياه النيل؛ وانت مصر تستعمل المسألة الاولى وسيلة للضمان والتوازن في المسألة الثانية؛ وكذلك مسألة إشرافها على اكنيسة القبطية ومن ثم على تعيين المطران الحبشي؛ ومنذ القرن السابع الهجري نجد سلسلة من السفارات والمراسلات المنظمة تتبادلها مصر والحبشة، ففي عصر الظاهر بيبرس وردت مكاتبات ودية من الحبشة إلى سلطان مصر تنويهاً بحسن العلائق بينهما؛ ووردت على مصر سفراة حبشية في عصر الظاهر برقوق من الملك داود نجاشي الحبشة وهو والد قسطنطين السابق ذكره؛ وأرسل الملك الظاهر جقمق سفارة إلى الحبشة رداً على السفارة المتقدمة ولكن النجاشي استقبل رسل السلطان أسوأ استقبال، لان السلطان رد عليه رداً لم يرقه، ولم يعد بتحقيق مطالبه
* * *
ولم تغفل مصر في العصر الحديث هذه الحقيقة الخلدة، وهي أن حياتها من النيل واليه،
стр. 6549
ومستقبلها الاقتصادي متوقف على حسن استثنارها لمائه؛ وكانت تلك الخرافات القديمة التي تحيط بمنابع النيل العليا قد اخذت تغيض شيئاً فشيئاً، وتبدو اهمية الاحاطة بهذه المناطق وإشراف مصر عليها؛ وكانت عندئذ فتوحات مصر في السودان منذ أوائل القرن الماضي، ثم فتوحاتها في بعض المناطق الحبشية، واستيلاؤها على كثير من هذه الانحاء، ووصول الحملات المصرية إلى اعالي النيل الأبيض ومناطق المطيرة وبحر الغزل، ووقوفها على كثير من أسرار النهر العظيم وطريقة جريانه ووصولها إلى منطقة تسانا في الحبشة، وسيطرتها على مجرى النيل الازرق كله. ثم كانت البعوث الاكتشافية التي اخذت مصر بقسط وافر في إعدادها وتنظيمها لاتشاف منابع النيل، والاحاطة التامة بظروفها الجغرافية، فكانت بعوث أمين باشا (ادوارد شنتزر)، والسير سمويل بيكر، والكبتن سبيك وغيرهم في اواخر القرن الماضي؛ واكتشفت منابع النيل الاصلية في قلب افريقية، ورفع القناع الاخير عن الاساطير التي احاطت بها، وعرفت مصر من أين ياتيها كيف يسير اليها الغيث المبارك
ومنذ اوائل هذا القرن تعنى الحكومة المصرية أكبر العناية بأنشاء المشاريع الهندسية الكبرى سواء في مصر او السودن، لضمان انتفاع مصر بأكبر قسط من مياه النسل، وقد انفقت مصر الى اليو في هذا السبيل عشرات الملايين؛ وان آخر هذه المشاريع مشروعا تعلية خزان أسوان، وإنشاء خزان جبل الأولياء على النيل الأبيض. وما زالت ثمت مشاريع اخرى في اعالي النيل الابيض، وفي منطقة بحيرة تسانا يراد أن تحمل مصر على القيام بها
* * *
ولا ريب أن السياسة البريطانية تعمل من جانبها على أن ينتفع السوادن بأكبر قسط من مياه النيل، وأن تجني بريطانيا من وراء ذلك أعظم الثمار الاقتصادية، والسياسة البريطانية ما زالت تحمل مصر على غنفاق الملايين في مشاريع النيل السودانية باسم المصالح المصرية؛ وقد استطاعت بريطانيا العظمى ان تستأثر في العهد الاخير بالسيطرة على السودان، وأن تقضي فيه على كل نفوذ فعلي لمصر، والسياسة البريطانية تعترف بحقوق مصر في مياه النيل، ولكنها لا تتأخر عن الضغط على مصر ن هذه الناحية إذا اقتضت
стр. 6550
مصالحها ذلك، وقد لجأت فعلاً إلى هذا الضغط في أواخر سنة ١٩٢٤ لمناسبة مقتل السردار، فانذرت مصر في بلاغها النهائي بأن حكومة السودان سترفع كل قيد وتحديد عن ري اراضي الجزيرة، او بعبارة اخرى ستطلق فيها من المياه ما شاءت دون النظر إلى حقوق مصر وحاجاتها
على انه يحسن فيما يتعلق بمسألة تسانا والحبشة ان تفاهم الحكومتان المصرية والبريطانية على الوسائل التي تؤدي الى صون مصالحهما المشتركة في مياه هذه المنطقة، إذا أسفر الصراع الحالي بين إيطاليا والحبشة عن تسرب النفوذ الايطالي الى تلك المنطقة.
ومن واجب الحكومة المصرية أن تتبع ادوار هذا الصراع بمنتهى الاهتمام؛ واما الشعب المصري فلا ريب انه يتتبعه بمنتهى العطق على امة صديقة تربطها بمصر علائق قديمة، وامة باسلة تعمل للذود عن حرياتها إزاء عدوان الاستعمار الغربي
محمد عبد الله عنان المحامي
следующие страницы →