Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
صاحب الهداية وشمس الدين الكردلي صاحب مناقب أبي حنيفة، ومدرسة الأمير مسعود في بخارى، ومدرسة قطلغ تيمور في خوارزم، وهذه البلاد التي ذكرت كانت من مراكز العلم، ومثلها بخارى وبلخ وفرغانه وجرجان، وكان ببخارى من معاهد العلم مسجد كوكلتاش ومسجد كلام، ومن رجال مرو: القفال الكبير والقفال الصغير، ومشايخ إمام الحرمين والبغوي، والسمعاني، وابن حنبل. وكان بدمشق مدارس كثيرة، منها العمرية التي أنشأها أبو عمر بن قدامة. وهو أخو الموفق أخو قدامة صاحب كتاب المغني في مذهب الحنابلة، وهو اثنا عشر مجلداً. ومنها المدرسة الضيائية، وكان بها خطوط المحدثين كلهم. وهي منسوبة إلى ضياء الدين المقدسي ابن أخت أبي عمر بن قدامة. وقد تخرج فيها ابن تيمية والذهبي، ومن مدارس دمشق دار الحديث الأشرفية، وهي دار المتحف العربي الآن. وقد درّس بها النووي وابن الصلاح وأبو شامة، والمدرسة العادلية، وقد درس بها ابن مالك وابن خلكان، والمدرسة الرواحية التي تخرج فيها النووي، وصارت الآن من دور آل الغزى، والمدرسة التي درس بها ابن القيم، وهي بقرب بيت العظم. وكانت بيوت العلم في الشام بني قدامة، وبني تيمية، وبني عساكر، وبني عبد الهادي، وهؤلاء من مشايخ الذهبي
ثم انتقل الحديث إلى الفخر الرازي، فقال في أثناء كلامه: إن الرازي من بني أبي بكر الصديق، فتعجب الحاضرون، فقال: ومن ذرية الصديق أيضاً جلال الدين الداوني، وعضد الدين صاحب العقائد، وأبو اسحق الشيرازي، والفيروز آبادي، قلت وجلال الدين الرومي. قال: نعم، وجلال الدين، وأين جلال الدين من هؤلاء، قلت: لكل وجهة، ثم سئل الشيخ عن بني عمر بن الخطاب في العلماء فقال: منهم السهرورديون من المتصوفة، ومنهم الفنري. وكان في بخارى جماعة منهم. وكان تيمور لنك يجلهم كل الإجلال، قال: وصدر الشريعة من بني عبادة ابن الصامت، وليس كل من نشأ في بلاد الفرس فارسياً، فأبو داود السجستاني، والترمذي صاحب الشمائل، والترمذي صاحب المسند، وابن عبد البر، كل هؤلاء من العرب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري من بني ضبة، ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، وأبو القاسم صاحب الرسالة القشيرية من بني قشير، والمازري، وابن يونس الصقلي، وعبد الحق الصقلي الذي غلب إمام الحرمين في المناظرة، من بني تميم، والقاضي عياض من يحصب
стр. 6477
ثم ساقه الحديث إلى القطب الشيرازي العلامة المطلق، وفخر الإسلام البزدوي وصدر الشريعة فأفاض في الحديث. وقال: لفخر الإسلام البزدوي كتاب في الأصول منقطع النظير، حدث شمس الدين الأصفهاني شارح الطوالع أنه دخل على أستاذه القطب الشيرازي فرأى عنده كراسات على وسادة، فقال ما هذه؟ قال: إني منذ سنة كذا أقرأ كتاب البزدوي، وأنقل عنه وما أنهيته. ولصدر الشريعة كتاب تعديل العلوم في المنطق والحكمة والكلام والتصوف والأخلاق. رأيت منه نسخاً كثيرة. وله كتاب التنقيح وشرحه التوضيح
سأل سائل لماذا قل أمثال هؤلاء العلماء بين المسلمين اليوم؟ قال لذلك أسباب: منها أن أسلافنا كانوا يطلبون العلم للعلم لا يبغون من ورائه شهادة ولا منصباً؛ كان كل منهم يتخذ عملاً يعيش منه ثم يحصل العلم عن جهابذته. ولم تكن أساليب التعليم صناعية آلية كنظام المدارس في الوقت الحاضر؛ ومن الأسباب انقطاع الرحلة، كان سلفنا يشدون الرحال في طلب العلم لا يفترون، فيلقى بعضهم بعضاً، ويأخذ بعضهم عن بعض. الخ. أنظر إلى قضاة السلف كيف يفرون من القضاء إشفاقاً على دينهم؟. هذا أبو علي الصدفي أحد قضاة الأندلس ذبح الذبائح وحج شكراً لله على خلاصه من القضاء. ومن القضاة الأباة عظماء النفس، أهل التقوى أبو بكر بن السليم القاضي الأندلسي، وله رأي في الفقه معروف: (أن الإنسان إذا اشترى بيتاً فوجد به بقاً فله خيار العيب) ومنهم ابن زر القاضي، وكان في عهد المنصور بن أبي عامر. وحسبك بقاض يتعاظم على مثل المنصور. وله كتاب الخصال الكبير والخصال الصغير في مذهب مالك، رأيتهما في مجريط. وقد قيل أن من قرأ الخصال استغنى به عن الكتب الأخرى، وكان الأندلسيون ذوي همة عظيمة في تحصيل العلم؛ وكان طلابهم يبدءون بحفظ التسهيل لابن مالك، ومختصري ابن الحاجب في الفقه والأصول، هذا عند المتأخرين. وأما من قبلهم فكانوا يحفظون الموطأ، ومن قبل هؤلاء كانوا يحفظون تهذيب المدونة، وسلفهم كانوا يحفظون المدونة، وكان ابن بشكوال يحفظها كلها، وكان الرازي يحفظ كتاب الشامل لإمام الحرمين، وهو مجلدان في علم الكلام. وأرى أن تفوق الأندلسيين كان من عنايتهم بأمهات الكتب. كانوا يقرءون في النحو كتاب سيبويه، وأين من كتاب سيبويه كتاب الأشموني وحاشية الصبان؟ وقد رأيت في مكتبة الأسكوريات خط أبي علي الشلوبين على كتاب سيبويه بعدد الكتب التي قرأها في النحو وكلها من
стр. 6478
الأمهات. ورأيت في مكتبة كوبريلي بالآستانة إجازة قاضيخان كتبها بخطه على السير الكبير للسرخسي وعدد الكتب التي درسها في الفقه. وهي كتب تضمن لقارئها التفقه. أنظر! أهل الأزهر يقرءون في الأصول جمع الجوامع، وليس هو من كتب الأصول القيمة. - قال بعض الحاضرين: قرءوا كتاب الآمدي في عهد الشيخ المراغي ثم أبطلوه، فقال كتاب الآمدي جيد، وللآمدي كتابان: أحكام الأحكام، وأبكار الأفكار. وكتاب ابن الحاجب في الأصول مأخوذ من منتهى السول والأمل للأرموي، وهذا مأخوذ من كتاب الآمدي، والآمدي أخذ من الأدلة القواطع للسمعاني، وهذا مأخوذ من كتاب الباقلاني، فهذا الأصل الذي لم يؤخذ من غيره، ثم تكلم عن أصول الحنفية وعلمائهم وكتبهم وطريقتهم، ورجع إلى الباقلاني فقال: وكان الباقلاني آية من آيات الله. وقد روى أبو الوليد الباجي أنه كان يسير مع الدارقطني - والدارقطني من كبار المحدثين، في درجة الترمذي وابن ماجة - فلقيا رجلاً، فأعظمه الدارقطني غاية الإعظام وقبله، فقال أبو الوليد: من هذا؟ قال: سيف أهل السنة أبو بكر بن الطيب، يعني الباقلاني، وقد رثاه بعض الناس فقال:
أنظر إلى جبل تمشي الرجال به … وأنظر إلى القبر ما يحوي من الصلف
وأنظر إلى صارم الإسلام منغمداً … وانظر إلى درة الإسلام في الصدف
وكان الباقلاني يناظر ابن المعلم فيفحمه. وكان ابن المعلم يوماً في أصحابه فأقبل الباقلاني، فقال ابن المعلم: جاءكم الشيطان، فسمعها الباقلاني فتلا قوله تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزّاً. وتناظرا مرة، فلما أُفحم ابن المعلم أخرج قبضة من الباقلي ورماها في وجه الباقلاني، يعني بذلك أنه ابن بائع باقلى. فأخرج الباقلاني درة من ثيابه ورمى بها ابن المعلم يعني أنه ابن معلم صبيان، فتعجب وقال: ما أخبرت أحداً أني سأرميه بالباقلي، فكيف أعد لي هذه الدرة؟ - وعقائد الدواني مأخوذة من عيون المسائل، وهذه مأخوذة من رؤوس المسائل، وكلاهما للجرجاني، ورءوس المسائل مأخوذة من جواهر الكلام لعضد الدين صاحب المواقف، والجواهر من المواقف، والمواقف مأخوذة من أبكار الأفكار للآمدي، وهذه عن الباقلاني، وهذه كما نرى في فقه المالكية: كتاب أقرب المسالك للشيخ الدردير مأخوذ من كتاب خليل، وهذا عن كتاب ابن الحاجب إن تهذيب البرادعي عن المدونة. وقد رأيت نسخة من المدونة في مكتبة القرويين في فاس بخط عبد
стр. 6479
الملك بن مسرة شيخ ابن رشد، وهي في ثمانين مجلداً صغيراً، وكتب في نهايتها:
بالله يا قارئ استغفر لمن كتبا … فقد كفتك يداه النسخ والتعبا
كتبه عبد الملك بن مسرة اليحصبي
وقد ذكر ابن مسرة بن فرحون في كتاب الديباج وهو من أنفس الكتب. وابن رشد الجد له كتاب البيان والتحصيل في الفقه ستة عشر مجلداً. وقد ضمن لقارئه الاجتهاد. وابن رشد الحفيد الفيلسوف كان في المغرب بمنزلة الرازي في المشرق
ثم تكلم عن محنة ابن رشد في دولة الموحدين وقال: والسلطان يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن كان من العلماء، كان يحفظ كتاب المحلى لابن حزم - سأل بعض الحاضرين عن رسالة صلاح الدين إلى يعقوب بن يوسف فقال هي في كتاب أبي شامة. وكان أبو شامة حافظاً وقارئاً ونحوياً وعالماً في الأصول والفروع. ويشبهه في هذا أبو عمرو الداني. قال بعض الحاضرين هل كانا متعاصرين؟ قال لا، أبو شامة توفي سنة ٦٢٢ والداني توفي سنة ٤٤٤. الخ الخ. ولعلنا نعود فندون عنه مجلساً آخر
عبد الوهاب عزام
стр. 6480
تطور الحركة العقلية في شمال أفريقية
للكاتب المستشرق جاستون بوتول
نشرت مجلة (الأخبار الأدبية) (النوفيل لترير) في عددها الأخير مقالاً للكاتب المستشرق جاستون بوتول عن الحركة العقلية في شمال أفريقية هذه ترجمته:
كلما أوغلنا في التاريخ أدركنا أن تونس أو بعبارة أخرى أن تونس - قرطاجنة المعقدة كانت دائماً عقل أفريقيا الشمالية. وإنه لقدر غريب: قدر هذه المدينة، التي كأنها سارية القارة، والتي هي الحد الفاصل بين شرق البحر الأبيض المتوسط وبين غربه؛ ولقد كانت دائماً طريق الفتوح العظيمة، كما كانت مجمع الطرق التجارية الكبرى؛ وهي أقصى بلد في شمال أفريقية وأقربها إلى أوربا، ولكنها أقربها إلى المشرق أيضاً؛ ثم هي أعرقها في الطابع الأفريقي، لأن السهول الصحراوية التي تفصلها عن البحر في الجهات الأخرى حواجز عالية، تمتد بلا انقطاع إلى تونس؛ وأخيراً هي المدينة التي كانت تلتقي فيها النزعات العقلية وتمتزج من جميع الأنحاء
كانت قرطاجنة في الوقت الذي كانت رومة تصارع فيه ما حولها من الظلمات، قد قامت برسالة عظيمة في المدنية، واكتشف غرب البحر الأبيض والبرتغال وساحل أفريقية الغربي. ثم غدت قرطاجنة بعد الحروب البونيقية المدينة الثانية في العالم الروماني؛ ولما أتمت مراحلها الثلاث أعني البونيقية، والرومانية، ثم النصرانية، دخلت تونس في مرحلتها الإسلامية، وسرعان ما تفوقت على القيروان وغدت مرة أخرى أهم مراكز الحركة العقلية في المغرب. ولم يكسفها قط بهاء فاس المحدث، ولبثت تونس هي المركز الذي تزدهر فيه العلوم والفلسفة العربية لآخر مرة، وكان ابن خلدون، في فجر الأحياء، آخر ثمارها العظيمة
أما اليوم فإن الموقف أكثر تعقداً؛ وعلى رغم ازدهار جامعة الجزائر، ونجاح معهد الدراسات العالية المراكشي في رباط وتقدمه نحو التحول إلى شبه جامعة، فإن تونس تبقى مركز التفكير الإسلامي في شمال أفريقية. ويكفي لتوضيح خطر هذا الدور أن نقول أن المسلمين يبلغون اليوم في المغرب أكثر من اثني عشر مليوناً، ولكن لا توجد بقعة أخرى غير تونس يزداد عددهم فيها نحو خمسين ألفاً كل عام
стр. 6481
ويرجع هذا النفوذ إلى عاملين: الأول أنه يوجد في تونس أهم واقدم جامعة عربية، والثاني أنه يوجد بها أكبر عدد من صفوة المسلمين الذين تلقوا الثقافة الفرنسية. وصحف تونس العربية، والصحفيون التونسيون هم الذين يوجهون الحركات السياسية والعقلية في الجزائر ومراكش. ومن تونس تخرج الأزياء، ويخرج القصص والغناء، وفيها تتألف الفرق التمثيلية أو الموسيقية التي تجوس خلال المغرب
ويضاف إلى نفوذ جامعة الزيتونة القديمة، التي تأخذ اليوم بأسباب التجديد، نفوذ (الخلدونية) وهي مركز للدراسات التاريخية والعلمية؛ وقد أسست منذ ثلاثين عاماً على يد بعض التونسيين، وكلية الصادقي، وهي معهد غريب تدرس فيه العلوم الحديثة واللغتان الفرنسية والعربية. وقد عقد في أكتوبر الماضي مؤتمر من الطلبة المسلمين في شمال أفريقية
وفي ذلك ما يوضح الدور الهام الذي تؤديه تونس في المسائل الاجتماعية التي تعرض في شمال أفريقية. ومن العسير أن نحدد نزعات الأجيال الفتية في هذه البلاد؛ ويختلف عدد الشباب المثقف وتوزيعه كثيراً في هذه المناطق؛ وأظهر هذه النزعات وأشدها تعرضاً للخلافات الظاهرة هي النزعة السياسية، ولكن هذه الخلافات ترجع دائماً إلى ظروف السياسة المحلية، فهي مؤقتة في الواقع، فمثلاً كان التونسيون يشكون من إقصائهم عن بعض الإدارات، فلما تقرر منذ شهر أن يسمح لهم بدخولها انتهت هذه الشكوى
أما النتائج الثابتة، فهي نتائج التطور العقلي؛ وهي أهمها أيضاً، لأنها تتعلق بالمستقبل، ولا تتقدم إلا ببطء، ولا يمكن تعديلها أو توجيهها بقوانين المشرع. وقد يستطيع المشرع أن ينتهز بعض الفرص السانحة في حرص وحذر، ولكن الاختيار النهائي يبقى لأصحاب الشأن أنفسهم
ويوجد في فاس كما يوجد في الجزائر وقسطنطينة شباب يتلمس ويتساءل. وقد عفت التقاليد التي كانت تسمح للشباب بأن يندمجوا في الحياة بسهولة، وأضحت لا تلائم الحياة الحديثة، وعرضت حاجات جديدة ومطالب جديدة؛ ولكن الشعار الجديد هو أن تبحث وتجد. ويتجه معظم الشباب على الأخص بأنظارهم إلى تونس، لأنهم يعرفون أنهم هنالك يتكونون شيئاً فشيئاً بين الأمل والتثبيط
стр. 6482
ولهذا، وعلى الرغم من أن تونس ليست إلا قطعة صغيرة من شمال أفريقية، فإنه يجب أن نتتبع بمنتهى الاهتمام ما يدور في المجتمع التونسي العقلي؛ وهو اهتمام يجب أن يقرن بالعطف، لأن هذا المجتمع هو الذي يحمل أعباء التعقيد وأزمات الضمير، وما يترتب حتماً على مثل هذا التطور النفسي الهام من أسباب الجزع والاضطراب؛ ومن هذا المجتمع وحده يمكن أن يأتي حل المسائل الاجتماعية الشائكة التي تعرض للبحث، وليس من ريب في أن الموقف الذي يتخذه هذا المجتمع يكون ذا أثر قوي في باقي أنحاء البلاد
ونستطيع أن نتكهن بشيء من المستقبل؛ فقد أثبتت الطبقة المتوسطة التونسية إمكان التطور المتناسق في ظل أفق فرنسي؛ وقد ظهر فيها مجموعة من الكتاب والمؤرخين والعلماء والصحفيين الذي يكتبون بالفرنسية؛ ونجد حتى في ظروف الأسرة، وفي الظروف الاجتماعية، ما يدل على تسرب الحياة الحديثة بقوة، وهي حركة اختيارية لأنها تسير حرة دون ضغط ما، وبعد تأمل عميق
ونستطيع أيضاً أن نقرأ في أمثلة يقدمها لنا الماضي مبلغ التعاون بين المسلمين والنصارى، فعلى مقربة من تونس وقعت الحالة الأولى والوحيدة في العصر الحديث للتعاون بين هؤلاء وأولئك؛ ومن الغريب أن ممثلي هذه التجربة العظيمة كانوا فرنسيين وتونسيين؛ ففي مملكة النورمان الصقلية التي يعمرها سلالة الفاتحين الأغالبة، ازدهرت أعظم حضارة في العصر، واشترك في إنشائها النورمان والمسلمون، وكانت بالرم يومئذ هي أعظم مجمع بين الشرق والغرب؛ وكان نجاح هذا التعاون الحر الذي تطاول زهاء قرن، أشنع فضيحة في العصر، في نظر المتعصبين من الجانبين
وقد استطاعت العبقرية الفرنسية أن تنسي في العصور الوسطى مجتمعاً شديد التناقض من حضارتين خصيمتين في كل مكان؛ واليوم إذ نستعرض ذلك المركز الذي حفظته لنا تونس القديمة، نجد أمامنا جامعة الزيتونة الموقرة - وهي قديمة قدم السوربون - ذات الحنايا المرمرية الجليلة، تحيط بها حوانيت الكتب والعطور؛ ثم نجد مكتبة عظيمة فرنسية على الأخص، أقيمت في قصر قديم؛ ثم نجد بعد ذلك فوق مرتفع يشرف على المدينة كلية الصادقي الواسعة التي أخرجت نخبة مختارة من المثقفين العرب، الذين استقوا أيضاً من الثقافة الفرنسية. وعندئذ نتذكر تلك المقدمة التي يهدي فيها الشريف الأدريسي أثره
стр. 6483
الجغرافي الخالد إلى الملك رجار (روجر) الذي عاش الأدريسي في بلاطه، والتي تبدو فيها ألوان هذا التعاون الذي قام بينهما
هذه كلها أدلة مادية على قيام تعاون عقلي واضح تقوم به الصفوة، وإنه ليقع على عاتق المفكرين والجامعة أن يخلقوا تلك البيئة التي تتطور فيها عادة الحياة المشتركة، إلى رغبة في الحياة المشتركة
جاستون بوتول
(الرسالة) ترجمنا هذا المقال ليطلع قراؤنا على رأي العلماء الفرنسيين في الحركة العقلية في شمال أفريقية؛ ولسنا نوافق الأستاذ بوتول على بعض آرائه، وعلى الأخص في أثر الثقافة للفرنسية في تونس. والمقصود بشمال أفريقية في هذا المقال هو البلاد الغربية التي تسيطر عليها فرنسا: أعني تونس والجزائر والمغرب الأقصى. فإن المعلوم أن مصر لا تدخل تحت هذه التسمية ولم ينصرف إليها هذا التعبير في أي عصر من العصور
стр. 6484
ليلة حافلة
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
منذ نحو ربع قرن - فقد صرنا نحسب مسافات الزمن بأرباع القرون! - مات لنا قريب شاب، أبوه من سراة الريف، فرافقنا رفاته على قطار خاص إلى البلدة. وكانت العادة في تلك الأيام أن يظل المأتم قائماً أسبوعاً أو أربعين يوماً، وكنت يومئذ مدرساً، وكان الوقت صيفاً، والمدارس موصدة، ففي وسعي أن أشاطر القوم حزنهم إلى آخر المدى، فجاءني يوماً شاب من أقربائي، وانتحى بي ناحية وأسر إلي أن أخته تكاد تموت جوعاً، فعجبت، فإن الخير كثير والطعام وفير، وما يذبح كل يوم من الخراف والعجول يكفي جيشاً. فأخبرني أن الموائد توضع ثم ترفع كما هي، لا تمتد إلى ما عليها يد، وأن أخته تستحي أن تتناول شيئاً، ولكن نساء البيت بعد ذلك يتسللن إلى حجرة قصية فيقبلن على الطعام ويلتهمن منه ما لا يحسب الحاسب، فهن يمسكن عن المطعم علانية ويمترن منه سراً، وأخته تنظر وتتحسر، وقد التوت أمعاؤها من الجوع. ثم سألني:
(والآن ما الرأي؟ أشر كيف تأمر!)
فقلت له: (دع هذا لي)
وللشباب جمحاته وحماقاته - ركبت إلى مدينة قريبة، فاشتريت شيئاً من الرقاق الملفوف باللحم، ومربى، وألواناً من الحلواء، وأرغفة، وعدت وأنا أقول لنفسي: (هذا شيء ينفعها إذا نام الليل)، ولم يكن من السهل أن أدخل البيت ومعي هذا الحمل، تحت عيون هذا الخلق كله، وماذا عساي أن أقول إذاسألني سائل عما لف عليه الورق؟ لهذا اضطررت أن ألف وأدور، وأختبئ هنا وههنا، حتى تيسر لي أن أبلغ غرفتي من غير أن يراني أحد، وبقي أن أنتظر حتى يقبل الليل، وتنقطع الرجل، فأحمل هذه الربطة إلى حريم الدار، والله المسئول أن يوفقني إلى الوصول إلى قريبتنا الطاوية، وأن يقيني عواقب هذه المجازفة! وهل أعدم خادمة تدعوها إلي أو تحمل إليها هذه الرسالة
وجاء الليل، وقمنا إلى المخادع، وكان لي في غرفتي شريك، فذهبت أدخن سيجارة بعد سيجارة، حتى علا شخيره، ففتحت الباب وأرهفت أذني، فلم أسمع شيئاً، فتوكلت على الله، وأقدمت - أعني مشيت مترفقاً حتى خرجت من هذا البناء المهيأ للضيوف، إلى صحن
стр. 6485
واسع يفصل حريم الدار عن ثويّ الرجال، وكان الليل طاخياً، فلم أزل أتخبط حتى لمست باباً توهمته باب المنزل فدخلت، ولكني لم أجد سلماً أرقى فيه، فاستغربت ورحت أدور بالمكان، ويدي على الجدار، فكنت أجد أبواباً، بعضها مفتوح، والبعض مواربٌ أو مغلق، ولكن لامرقات، فقلت أخرج من هذا التيه، وتركت الجدار واندفعت، ويداي أمامي لتتلقيا عني الصدمة إذا بلغت حائطاً أو شبهه، وإذا باللفافة التي معي تلمس جسماً فيسقط منه شيء على الأرض فأفزع، وأدع اللفافة تهوي، ثم إذا بواحد يهجم علي فأقع ونتدحرج معاً على البلاط وهو ممسك برجلي يريد أن ينزعها، وأنا أدفع في بطنه، حتى تخلى عن رجلي فدرت على ركبتي، وقد أيقنت من صمته أنه غريب واغل يتلصص، وألفيت يدي على عنقه، فأخذت بمخنقه، فلكمني بجمع يده فانقلبت على ظهري وقد تخليت عن رقبته، فانقض علي، فضربت برجلي فأصبت جنبه، فمال عني فنهضت على ركبتي وجعلت أضرب بيدي، ولكن في الهواء، حتى لمست رأسه فقبضت على شعره وجذبت بكل ما فيّ من قوة، فنطحني في بطني، فانثنى بعضي على بعض، فركلني برجله، فتدحرجت كالكرة. فعدا يريد أن يجهز عليّ فأخطأني وخبط الباب برأسه فكأن قنبلة انفجرت في سكون الليل، وإذا بصوت رجل يصيح:
(مين. .؟)
ثم انقطع الصوت، لأن صاحبه على ما يظهر داس بعض الطعام الذي تبعثر في المكان، فتزحلق فوقع على الأرض كالحجر، وكنت أنا قد نهضت، ولمست يدي باباً ففتحته ودخلت، وأنا أسوي شعري وأمسح وجهي وأنفض التراب عن ثوبي، وكانت هذه لحسن الحظ غرفتي، فقد سمعت شريكي فيها يقول وهو يثب عن السرير
(ما هذه الأصوات! ماذا جرى؟)
فقلت - وقد ارتدت إليّ نفسي - (لا أدري. . يظهر أن هنا لصاً، قم فلننظر)
فصاح: (لص؟) وأسرع إلى الشباك فنادى
(يا ولد! يا مخيمر! يا مخيمر!)
وفتحت الأبواب، وأطلت منها رؤوس النوام - أو الذين كانوا نوّاماً - وكثر اللغط، وعلت الضجة، واختلطت الأصوات، وصار هذا يسأل عن الخبر، وذاك يدعو مخيمر وغيره ممن
стр. 6486
نسيت أسمائهم من الخدم، وثالث يصيح أن هاتوا نوراً، ورابع يقول أين المصباح؟ وخامس يسأل محتجاً (أليس مع أحدكم عود ثقاب؟)
وفي أثناء ذلك كان الذي وقع قد لامس خده المربى التي انكسر وعاؤها فسالت، فلم يخالجه شك في أن قتلاً حصل وأن هذا دم القتيل، فكاد يموت من الرعب، ولزم مكانه ولم يحاول حتى أن يرفع خده عن المربى، وجاء مخيمر يحمل بندقيته، ووراءه كثيرون غيره، وفي يد أحدهم مصباح، تقدم به - في حماية البندقية - وإذا بنا نرى (وكيل) صاحب البيت، مطروحاً على وجهه، ويداه ممدودتان، وخده لاصق بالمربى، وهو يرفع رأسه وينظر محاذراً، ثم كأنما اطمأن قليلاً فجعل يطرف، ويدير عينه، فيبصر بالوعاء وما سال منه، فيمسح بعضه عن خده وهو ينهض، فتجمعنا حوله وحففنا به، وجعل بعضنا ينظر إلى بعض مستغرباً متأففاً، منكراً على هذا (الوكيل) الشره، ألا يكون له هم سوى بطنه، وأن يزعجنا في فحمة الليل بهرسه ومحاولته إخفاء ما يأكل
ونظر إليه صاحب البيت نظرة سخط واشمئزاز، وقال له: (ما هذا؟ مربى، ورقق، لم أكن أعرف أنك مبطان نهم إلى هذا الحد؟؟ وقليل الذوق أيضاً؟ حلواء في مأتم! فهلا انتظرت حتى ينفض المأتم؟؟ أم شامت أنت بي؟ لعنة الله عليك وعلى والديك! قم. . . قبحك الله! ولا ترني وجهك!)
فهم الرجل بأن يقول شيئاً، فقد كان مظلوماً ولا ذنب له، ولكن سيده أبى أن يسمع والتفت إلينا وقال:
(إن هذه فضيحة والله! الخير كثير والحمد لله، وفي وسعه أن يأكل ما شاء، ويشبع، إذا كان يمكن أن يشبع، فانظروا ماذا صنع؟ وبأي شيء يجزيني وقد ربيته وكفلته ولم أزل به حتى جعلته وكيلاً لي. وأميناً على أملاكي!! يشتري حلواء ومربى ورقاقاً ليأكلها خفية في مأتم ابني!! اخرس يا كلب! ولك وجه تقابلني به يا كافر النعمة! والله لولا أنك حقير لأفرغت في قلبك الآن الرصاص. امش. . اخرج من عندي. .)
فقلت: (شيء فظيع!)
وارتددت إلى غرفتي ساخطاً.
ولبثنا ساعة نمزق أديم هذا الوكيل الشره الجحود الذي يأبى إلا أن يأكل حلواه في مأتم ابن
стр. 6487
سيده! وأصبح الصباح فاستأنفت ألسنتنا هجوه وذمه. وكنت أشعر بعطف عليه ومرثية له، ولكني لم أكن أستطيع أن أذكر الحقيقة فأحول إلى نفسي كل هذا اللعن الذي ينصب على رأسه. ودنا مني الشاب قريبي الذي كان سبباً في كل هذا، وسألني همساً: (أتعرف حقيقة ما حصل أمس؟)
قلت: (لا. ولا أزال مستغرباً ما كان من هذا الوكيل)
قال: (إنه مظلوم!)
قلت: (يا شيخ! كيف يمكن أن يكون مظلوماً وقد رأيناه بأعيننا؟)
قال: (والله إنه لمظلوم!)
قلت: (ربما يا أخي! العلم عند الله!)
قال: (فينا من يكتم السر؟)
قلت: (لا تخف. إن صدري بئر لا قرار لها)
قال: لقد احتلت حتى جئت بشيء من اللحم والخبز، ولففته في ورقة، وكنت أريد أن أسعد به إلى أختي بالليل، ولكني اصطدمت بالظلام بواحد كان يريد أن يقتلني. . .)
فقلت مستغرباً: (يقتلك؟ لماذا!)
قال: لا شك إن هذا كان قصده، فقد كان همه أن يقبض على عنقي ويضغط، وكان يحرص على الصمت حرصاً شديداً، وعندي دليل آخر: ذلك أنه لم يكد يسمع صوت الوكيل يصيح (مين) حتى اختفى فجأة!)
فسألته: (وما منعك أن تستنجد؟)
قال: (وأفضح نفسي؟ ماذا يقولون عني إذا رأوا معي هذه الأطعمة؟ لقد كان كل همي أن أتخلص وأرتد إلى غرفتي)
قلت: (وكيف خطرت لك هذه الفكرةالسخيفة؟)
قال: (ليست سخيفة. أنها طبيعية، أول ما يخطر للمرء)
قلت: (وهل كان من الضروري أن تجئ بمربى وحلواء؟)
قال: لم أجئ بها. وهذا اللغز الذي يحيرني.)
قلت: فمن أين جاءت إذن؟ الوكيل طبعاً!)
стр. 6488
قال: (لا أصدق. لقد كان خارجاً من غرفتي لينظر ما الخبر)
قلت: (صحيح. الحق معك)
قال: إذن من أين جاءت؟)
فصحت به: (وهل أنا أعرف؟ ألا يكفي فزعنا بالليل حتى تحطم لي رأسي بالنهار؟)
فاعتذر ومضى عني
وسعى الوكيل بعد أيام يسترضي سيده
والغريب أن قريبي نسي أني وعدته أن أنقذ أخته، ولو تذكر لعرف من أين جاءت المربى والرقاق، ولأدرك أن الذي اشتجر معه في الظلام لم يكن قاتلاً متربصاً، وإنما كان قريبه
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 6489
الحكم الأدبي
بقلم: السيد محمد نوفل
لا تختلف الآراء وتتشعب المذاهب اختلافها وتشعبها في الآثار الأدبية، فهذا يرضى عن قطعة أدبية يضيق بها الآخر، وذاك يعجب بمعاني قصيدة يراها غيره مرذولة. . . ومن العسير أن ترجع مخالفك في مسألة فنية عن رأيه مادام يستطيع إلى الدفاع عنه سبيلاً. ولا عاب في هذا، إنما العاب في ألا يخلص الناقد للحقيقة في بحثه، ويندفع مع الهوى في رأيه
وليس من شك في أن للوهم أثراً بيناً في الأحكام الأدبية، فالكاتب الذي يرفعه الجد إلى مرتبة الشهرة يستجيد جل الناس ما يصدر عنه، إن جيداً وإن رديئاً، ولا يكادون يستمعون لاعتراض معترض عليه أو لنقد ناقد له، بينما المغمور يلاقي من عنت الناس وإرهاقهم الشيء الكثير. بل ندر أن يخرج الأديب من غمرة المجتمع ويحتل مرقباً بارزاً فيه بغير يد مشهور يقدمه إلى الجمهور بصوته المسموع، بعد أن ينثر عليه درر المدح ويكسوه حلل التقريظ. . ومن أوضح الأمثلة لهذا ما لقيه الكاتب الكبير جولد سمث، فقد ذاق البؤس أعواماً مكث فيها يعرض آثاره الأدبية القيمة والناس يعرضون عنها حتى ألف قصته التمثيلية البارعة (تمسكنت فتمكنت) وصار يقدمها إلى مديري المسارح وهم يرفضونها إلى أن أيده الله بزعيم الأدب في عصره الدكتور جونسون، فعرضها عرضاً جميلاً وأثنى عليها بالذي هي أهله، فكان تمثيلها وإعجاب الجمهور بها واستمرار عرضها أياماً عدة، وبدأ ظهور نجم جولد سمث، وكان هذا رداً قوياً على بعض مشاهير الكتاب السكسونيين الذاهبين إلى أن الإنسان سيد نفسه وليس للمقادير تحكم فيه. . .
ولعل إمام البيان الجاحظ كان يرى هذا الرأي حينما نصح لمن يريد مزاولة الأدب أن يعرض ثمرة عقله على العلماء (في عرض رسائل أو أشعار أو خطب) لمشاهير أهل البيان، فإن رأى الأسماع تصغي له والعيون تحدج إليه، علم أنه ذو موهبة أدبية واستمر في سبيل الأدب وإلا انصرف عنه إلى غيره مما ترتاح له طبيعته، ولا تشق عليه مزاولته. نعم كان الجاحظ يرى أن للوهم تأثيراً في الحكم الأدبي، وإن لم يوفق إلى طريقة سديدة يختبر بها الناشئ في الأدب نفسه، فإن الوهم الذي يصرف العلماء عن الحكم له لخموله هو بعينه الذي سيصرفهم عن الحكم على غيره لشهرته، وكان الأولى أن يرشده الجاحظ إلى
стр. 6490
هذا الناقد الذي يتجرد من المحاباة وينظر إلى ما يقال لا إلى ما من يقول، ولا يحكم سوى عقله الصائب وخبرته الأدبية
ولكن الجاحظ الذي أخفق في هذا الوضع - وما أقل أن يخفق! - كاد يدلنا على هذا الناقد الذي يصح أن يعتمد عليه، ويركن في الأحكام الأدبية إليه، حينما تعرض لشرح موقف الجمهور في المفاضلة بين بليغين فذكر أن الناس في هذا ثلاثة رجال: رجل يعطى كلامهما من التعظيم والتبجيل على قدر ما لهما في نفسه وموقعهما من قلبه، ورجل يتهم نفسه فيسرف في اتهام من يعظمه خشية أن تكون منزلته عنده قد خدعته في أمره، فالأول يزيد في حقه لما له في نفسه، والآخر ينقصه من حقه لتهمته نفسه. أما الذي في استطاعته أن يقدر المعاني حق قدرها ويعطي للأشياء قيمتها الحقيقية فهو العالم الحكيم المعتدل المزاج القوي المنة الوثيق العقدة الذي لا يميل مع يستميل الجمهور الأعظم والسواد الأكثر
ولكن هل العلم وقوة المنة، والتجرد من الوهم كل شيء في الحكم الأدبي؟ أو بعبارة أخرى، هل من تتحقق لهم هذه الصفات تتشابه أحكامهم الأدبية، ولا تتباين آراؤهم الفنية؟
الحق أن هناك عوامل أخرى تعمل في تكوين الحكم الأدبي، وبقدر وجودها كاملة أو منقوصة تكون قوة الأحكام الأدبية وضعفها وهي: -
أولاً: الاستعداد الذاتي - فهناك فضائل في الإنسان يصح اعتبارها مواهب فطرية، كخصب القريحة وصفاء الذهن ودقة النظر ومرونة الطبع. فمن المؤكد أن بعض العقول تستفيد أو يظهر أنها تستفيد في أيامها الأولى أكثر من غيرها، كما يظهر أنها أكثر انتباهاً ويقظة، وأحفظ لما تستفيد من الجزئيات، وأقدر على تكوين كل منها، وعلى حفظها متفرقة كما هي، ثم أقدر على تهيئ نفسها للإجابة على مطالب الوجود الجديدة والحكم على المسائل المستحدثة، وآية أن هذه الصفات فطرية لا اكتسابية هو أنها قد تتهيأ للمتعلم كما قد تتهيأ للأمي، وقد يحظى بها المهمل كما قد يحظى بها المثقف، ولكن لا ننس أن هذا الاستعداد ليس صفة ثابتة كصلابة المعدن مثلاً، بل يعظم بالمران حتى أنه في استطاعة صاحب الاستعداد تقوية استعداده إلى درجة كبيرة تضؤل بجانبها حاله الأولى
ثانيا: النقل بأوسع معانيه - فقل من يستفيد من شعوره وتفكيره الذاتيين، ولكن معظم الناس يستفيد خبرته ممن حوله، وهذا النقل يبتدئ مع الإنسان من يوم ميلاده، حتى أن علماء
стр. 6491
التربية ذهبوا إلى أن الطفل يتعلم عن طريق حاسة اللمس في أيامه الأولى. ويروي صمول سميلز (أن أماً سألت قساً عن الوقت المناسب لتربية طفلها الذي كان عمره حينئذ أربع سنين فأجابها: (لقد فقدت هذه السنين إن كنت لما تبتدئي في تربيته)
ولكن الواقع أن تربيته قد بدأت بالفعل، وإن توهمت أمه غير ذلك، فالطفل يتعلم بالمحاكاة البسيطة، وهذا التكوين الأولي لخلق الطفل يلازمه طيلة حياته. ومن هنا صح قول ملتون (الطفولة عنوان الرجولة كما أن الصبح عنوان النهار) ويقوى هذا النقل ويعظم بالتربية المدرسية والإطلاع على أحوال الأجيال الغابرة، وتعرف بالآداب الماضية والحاضرة
وهذا العامل مع ما سبقه في تنازع مستمر وتجاذب دائم وهذا التنازع هو الذي يفرق بين الناس، فمنهم ضعيف الاستعداد الذاتي، مستسلم لما ينقل لا يرى رأياً جديداً، ومنهم ناقد لما يختار وقلما يرى رأي غيره، ولا يراه إلا بعد تدقيق وتمحيص. وعامل النقل ظاهر الأثر في الحكم الأدبي، فرأي القارئ في قصيدة مثلاً مرتبط بكيفية معرفته المعاني العرفية المتعددة لكلماتها وتصورها، وبكيفية ائتلاف هذه المعاني في ذهنه، وبالحد التي تضبط إليه خبرته الذاتية العامة المعنى المركب الذي ألفته هذه المعاني الجزئية. وهكذا فما يأتي في ذهن القارئ نتيجة مجموعة مبهمة من التأثيرات الخارجية
ثالثاً: سلامة الفكر أو النزاهة - وهذه الصفة هي التي تجعل الحكم محكماً وتربط بين العقول، أو بعبارة جامعة تجعلنا إنسانيين. وأصدق التعاريف لها هو (تقدير كل الاحتمالات الممكنة، وعدم ترجيح إحداها إلا بمرجح) فأي قصيدة مثلاً تقدم نفسها إلينا على أنها محتملة مقاصد كثيرة، وهذه الاحتمالات ميادين صالحة للمران العقلي، وقد يؤثر بعضها في بعض، وما دامت هذه الاحتمالات تنال نصيباً من عنايتنا فإن أحكامنا تكون نسبية في مأمن من الزلل، ونحن حين نفرض كل الاحتمالات الممكنة نكون أكمل في معنى الإنسانية البعيدة عن التحيز منا حين نستبد بفرض واحد بعينه ثم نلتمس له بالبراهين. ثم الرأي القائم على النزاهة لا يكاد يتسرب إليه الوهن، لأننا قبل الأخذ به نفند ما عداه من الآراء
رابعاً: فهم صاحب الأثر المنقود - وهذا يكون بتعرف خلقه وما فيه من لين وقسوة وقوة وضعف. فأدب القوة ينتجه أديب قوي، وأدب الضعف ينتجه أديب ضعيف، ولا عيب على كل منهما من الناحية الأدبية، فما عيب من يصدر عنه ما يمثل نفسه؟ أما أن يطابق الأدب
стр. 6492
المثل العليا أو لا يطابقها فهذه مرتبة ثانية
والأمة التي تريد أدباً قوياً، عليها أن تعمل على تكوين أدباء أقوياء، وإلا كانت كمن يتطلب في الماء جذوة نار. . . ثم لا بد مع هذا من قراءة أعظم قدر من بيان الأديب المنقود، حتى يألف الناقد أسلوبه في التفكير وطريقته في الأداء
ولكن لسوء الحظ ينسى الكثيرون هذه العوامل فيتوهمون أنه ليس في الموضوع شيء خارج عن ذات القصيدة الواحدة التي يقرأها القراء فيصورونها صوراً مختلفة، ولكن الحق هو أن اختلافهم بالقياس إلى هذه العوامل هو سبب اختلافهم في كل شيء، حتى تفسير القصيدة وتعيين مدلولات مفرداتها فيه مجال واسع للاختلاف بين القراء تبعاً لاختلاف مؤهلاتهم الخاصة، فمن قرأ كثيراً من شعر شاعر فهم ألفاظه فهماً مخالفاً لفهم من لم يقرأ له أو قرأ قليلا. وهكذا فكيفية فهم القارئ للقصيدة مثلاً يتوقف على استعداده الذاتي وكيفية تلقيه، وكيفية حيازته للمعاني الاجتماعية الموروثة والفرص التي تهيأت له للاستخدام هذه المعاني منسقة، والبيئة التي نشأ فيها وحاكاها، وتنازع استعداده الذاتي والنقل السيطرة على فكره وغلبة أحدهما للآخر، وما يعرف من خلق صاحبها وشعره، ولأن الحكم الأدبي يتوقف على هذا كله كان أكثر الأحكام تعرضاً للزلل وأقربها من الخطأ ووجب على من يتعرض له أن يحذر حذراً تاماً
السيد محمد نوفل بكلية الآداب
стр. 6493
توماس كارليل
نظره إلى التاريخ
للأستاذ محمود محمود محمد
(ليس التاريخ العام في روحه ومغزاه - تاريخ ما أحدث الإنسان في هذا العالم - إلا تاريخ عظماء الرجال الذين ظهروا في هذه الدنيا، فقد كانوا أئمة، وكانوا مثلاً وكانوا قدوة لغيرهم، بل كانوا مبدعين لكل ما مارس الإنسان من أعمال، وكل ما حقق من أماني. إن كل ما نراه قائماً في هذا الوجود كاملاً متقناً إنما هو نتيجة مادية محسوسة، وتحقيق عملي مجسم لكل ما جال في رؤوس أولئك الرجال من أفكار، أولئك الرجال الذين هبطوا إلى هذا الوجود فكان تاريخهم بحق هو لحمة التاريخ وسداه)
بهذه العبارة يفتتح كاريل كتابه (الأبطال وعبادة البطولة) فيلخص لنا نظريته في التاريخ. يرى كارليل أن الفرد هو كل شيء، وأن قادة الشعوب هم خالقوها ومكيفوها، يؤثر الفرد في الجماعة ولا يتأثر بها. والبطولة في نظره تتقمص في فحول الرجال على صور شتى، فالرسول والشاعر والكاتب والمصلح والفيلسوف كل هؤلاء من طينة واحدة، ليس بينهم من خلاف، اللهم إلا في الهيئة التي يكتسون والأسلوب الذي ينتحون (ويصح لنا أن نعتبر هؤلاء الرجال من فصيلة فوق البشر، فصيلة غير آدمية، فكلهم رسول مبعوث إلينا برسالة خاصة من الأبدية المجهولة، من الحقائق الباطنة للأشياء، لا تحجبها عنه أباطيل الناس، وكيف ذلك والحقيقة تسطع على عينيه حتى يكاد ليعشى لنورها. . . الرجل العظيم مخلوق من فؤاد الدنيا وأحشاء الكون، وهو جزء من الحقائق الأولية للأشياء) لا تعميه عن واجبه جهالة عصره أو نقص في نفسه؛ هو يرمي إلى الحقيقة الثابتة، إلى الحقيقة الحية. ومن هذا الحق يستمد قوته، والى هذا الحق تصغي الجماهير، رسالته أبدية مثمرة (وأعمال الرجال! خبئها تحت رواسي الجبال، أو في أعشاش البوم، فهي لا تموت ولن تموت)
ويرى كارليل أن الناس مسوقون بطبيعتهم إلى عبادة البطولة (وإن الإعجاب بمن هم أعلى منا إدراكاً لأسمى شعور يتردد في الصدور، وليس روح الوجود وحياة الشعوب وكيان الجماعة الإنسانية إلا خضوعاً للعظماء وعبادة لأفكار العظماء)
وهذا الشعور كامن في الإنسان في كل زمان ومكان حتى في هذا العصر الحديث الذي
стр. 6494
تحاول فيه الإنسانية أن تتخلص من سلطة الزعماء وتقيم الديمقراطية مكان الديكتاتورية كلما اتسع المجال وأتيحت الفرص
لم يكن كارليل مبتدعاً في الرأي حين رفع البطولة إلى هذا المقام وقدسها هذا التقديس، فقد سبقه إلى ذلك هيجل الفيلسوف الألماني إذ كان يقول: إن وراء كل أمة أو عصر أو مدنية (فكرة) تسيرها. هذه الفكرة هي السمة الكبرى لذلك العصر أو تلك المدنية، منها تتفرع وإليها تنتهي جميع مناحي التفكير من فلسفة أو دين أو فن أو أخلاق. هذه (الفكرة) عند هيجل هي (روح البطولة) عند كارليل. ومن ثم نرى أن كارليل كان أشد وضوحاً وأدق تعبيراً من صاحبه الألماني، وقد أراد أن يزيد وضوحاً ويتخلص من غموض (الفكرة) تماماً، فجسد (روح البطولة) في شخص (البطل) فانتقل بذلك من المعقول إلى المحسوس، ومن الفكرة المجردة إلى الحقيقة الملموسة
ومع ذلك فإن كارليل لم يتخلص من تجريد الفكرة تماماً فإن هذا (البطل)، هذا (الكائن الحي) الذي تتجسد فيه الفكرة هو في ذاته معنى مجرد تتجمع فيه فروع الحياة الشتيتة. البطل في نظر كارليل يمثل المدنية التي يعيش فيها، ورأي البطل نبراس يهتدي به بنو عصره. فلو أردنا معرفة تاريخ عصر من العصور بحثنا عن زعيمه وقائده. ولا يريدنا كارليل في دراسة هذا الزعيم أن ندرس تاريخ حياته ومجراها وإنما واجبنا أن نحلل آراءه ومعتقداته حتى نستطيع أن نفهم مدنية العصر الذي نشأ فيه بمظاهرها المختلفة، لأن المدنية - كما كان يرى - كل لا يتجزأ لها مرمى واحد ومعنى واحد.
وروح البطولة هي رائد التاريخ ومنشأ المدنيات، ومجددة الحياة الإنسانية، وما دامت كذلك منبع كل حركة فلا ينبغي أن نفهم التاريخ إلا عن طريقها وبواسطتها. ليضع علماء الاجتماع ما شاءوا من القواعد والقوانين، وليضع رجال السياسة ما شاءوا من نظم ودساتير، وليفرض علينا المؤرخون ما شاءوا من أسباب تسير هذا العالم، فليس الإنسان بكائن جامد تكيفه قاعدة، ويعبر عنه بقانون، وإنما هو روح حي يفكر ويشعر ويتأثر، يخضع لأفذاذ الرجال كلما ظهروا برغم كل قانون
وأحسن مثال يتمثل فيه بكل جلاء، نظر كارليل للتاريخ كتابه عن (كرومويل). أراد كارليل أن يؤرخ البيورتيانية، فكتب عن كرومويل زعيمها الأكبر، وحامل لوائها تاريخاً مفصلاً
стр. 6495
حين تقرأه تسمع كلمات الرجل ونبرات صوته وتتخيل صورته ورسمه. يعرض عليك المؤلف صورة واضحة يضعها أمام ناظريك لتبلغ من قرارة نفسك بقدر ما فيها من قوة وتأثير، ولا يفرض عليك رأيناً بعينه ولا فكرة بذاتها، يعرض عليك الحقيقة مجردة من غير تعليق، فلا ترى المؤلف ولا أثراً من نفسه، كان البيورتان يتطلعون إلى إنشاء حكومة على دينهم ومبادئهم فوجدوا في كرومويل الرجل الذي تتجسد فيه ميولهم وأهواءهم، فوضعوه على رأس حكومتهم ورضوا به حاكماً مستبداً، ذلك لأن كرومويل بطل تتمثل فيه آراء جيل كامل وأمة بأسرها
كان كارليل يرى في كرومويل مثلاً للبطولة الحق، وينظر إلى الثورة الإنجليزية التي قام بها نظرة الإعجاب، لأنها كانت تقوم على أساس ديني متين، ولكنا نجده في كتابه عن (الثورة الفرنسية) لا ينظر بعين الرضا إلى هذه الثورة لأنها لم تخضع لزعيم واحد يمثلها ويسير بها إلى الأمام، كما أن فلسفتها كانت في صميمها غير دينية، اندفع فيها الفرنسيون وراء غرائزهم الوحشية وعملوا على إشباع شهواتهم البهيمية وإحلال الفوضى محل النظام
وظاهر أن كارليل لم يكن عادلاً في حكمه هذا. نعم كان في الثورة الفرنسية الكثير من الوحشية والهمجية، ولكنا لا نستطيع أن ننكر أن فيها خيراً كثيراً، وإنها وإن تكن ثورة غير دينية إلا أن الفلسفة التي كيفتها تنطوي على كثير من المبادئ القديمة، وإذا كانت الثورة الإنجليزية قد خدمت إنجلترا فإن الثورة الفرنسية قد خدمت العالم أجمع، وما تزال تخدمه إلى يومنا هذا
وكما انقلب كارليل على الثورة الفرنسية لخروجها عن الدين، فهو كذلك ثائر على إنجلترا الحديثة لإهمالها هذا الجانب الهام في حياتها العامة، ثائر على هذه الديمقراطية الواسعة التي تفسح المجال لكل من هب ودب ليكون ذا رأي محترم وقول مسموع، وليس من سبيل إلى خلاص البلاد إلا بعد أن تسلم زمام أمورها لزعمائها غير منازعين
وهنا نقف عند هذا الحد من بسط آراء كارليل في البطولة وأثرها في التاريخ ونسائل أنفسنا: هل كان كارليل مصيباً حينما رفع أفذاذ الرجال إلى هذا الحد من القوة وهذه المكانة من التقديس؟
إن من يتصفح تاريخ الحياة وتقدمها يرى أن الإنسانية في كل عصورها تنقسم إلى
стр. 6496
شطرين: رعية كبيرة وطائفة قليلة من الرعاة، تدق هذه الرعية أمامها، هؤلاء الرعاة هم أدوات التقدم الإنساني وهم عظماء الرجال الذين يمثلون الآداب والآراء التي هي على اختلافها وتباين فنونها ومنازعها بمثابة ظواهر اجتماعية أكثر منها ظواهر فردية، أي أنها أثر من آثار الجماعة والبيئة أكثر من أن تكون أثراً من آثار الفرد الذي رآها ونشرها بين الناس. وإذا كان الأمر كذلك فليس من الحق في شيء أن ننسى الجماعة التي هي المؤثر الأول في ظهور الآداب والآراء والفلسفة، ونقصر عنايتنا على الفرد الذي كان مظهراً لهذه الآداب وتلك الآراء فنمحو الجماعة محواً ونهملهاً إهمالاً، إذ الفرد لم ينشئ نفسه وإنما الجماعة كلها متعاونة متظافرة على تنشيئه وتربية عقله وجسمه وشعوره، فهو صورة منها وظاهرة من ظواهرها. الفرد مدين بلغته ودينه وخلقه إلى الجماعة، إذن فليس من البحث العلمي القيم في شيء أن نقدس الأفراد كل هذا التقديس ونحتقر الجماعة كل هذا الاحتقار. وأنا لو صورنا لأنفسنا طائفة من أواسط الناس متوسطي الذكاء ليس لهم مواهب خاصة ولا عقلية ممتازة فد رحلوا إلى جزيرة جرداء ليس فيها من أثر من آثار المدنية ولا عمل من أعمال الإنسان أدركنا بسهولة كيف يظهر بينهم المخترع والفيلسوف والسياسي والقائد، ولا يلبثون أن يعيدوا في خلال جيل أو جيلين تاريخ التقدم الإنساني كله، ويصبح هؤلاء الأوساط صورة مصغرة من نيوتن ووطسن وكرومويل ونابليون وغيرهم، لأنهم في حياتهم الأولى كانت تعوزهم الفرصة التي أتاحتها لهم الجزيرة الجرداء، فظهرت عبقرياتهم بعد كان مقضياً عليها بالموت والفناء
ويتبين لنا من هذا أن الإنسانية لا تتقدم بظهور الرجال، وإنما يظهر الرجال لأنها تريد أن تتقدم، وفي علم الحياة نظرية ثابتة تقول أن الوظيفة تخلق العضو ولا يخلق العضو الوظيفة، فالإنسان لا يمشي لأن له قدمين، وإنما له قدمان لأنه أراد أن يمشي، ولا ينظر لأن له عينين، ولكنه ذو عينين لأنه أراد أن ينظر
ومن يتدبر التاريخ ير أن الإنسانية تعتريها فترات من الجمود تعقبها النهضات التي تظهر فيها الشخصيات البارزة، ولا تعلل هذه الظاهرة إلا بأن الظروف الاجتماعية والزمنية في فترات الجمود تخالف مثيلاتها في فترات النهضات، فالأولى لا تدعو إلى ظهور الرجال بينما الثانية تتطلب الرجال العاملين وتخلقهم خلقاً فإذا صح لنا أن نقول أن النهضة أوجدت
стр. 6497
أبطالاً لا يصح أن نقول أن الأبطال أوجدوا النهضة
ولكن كارليل أراد أن ينزههم عن البشرية ويرفعهم إلى مصاف الآلهة.
محمود محمود محمد
стр. 6498
٦ - محاورات أفلاطون
الحوار الثاني
كريتون أو واجب المواطن
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
أشخاص الحوار: سقراط. كريتون
مكان الحوار: سجن سقراط
سقراط - ما الذي أتى بك الساعة يا كريتون؟ إنها الآن جد باكرة
كريتون - بلى إنها لكذلك
سقراط - كم هي على التحديد؟
كريتون - الفجر في البزوغ
سقراط - عجيب أن يأذن لك الحارس بالدخول
كريتون - إنه يعرفني يا سقراط لأنني جئت مراراً، ولأنني فوق ذلك ذو فضل عليه
سقراط - أجئت الآن تواً؟
كريتون - كلا بل جئت منذ حين
سقراط - إذن فما الذي أجلسك صامتاً، وكان أخلق بك أن توقظني على الفور؟
كريتون - حقاً يا سقراط إني لم أكن لأرضى لنفسي كل هذا الغم والأرق، ولكني أخذت بالعجب أن رأيتك في نعاس هادئ، فلم أرد لهذا أن أوقظك، وآثرت لك أن تظل بعيداً عن الأسى، لقد عرفتك دائماً سعيداً بما لك من مزاج هادئ، ولكني لم أر الدهر ضريباً لك في احتمالك لهذا المصاب مستخفاً باسماً
سقراط - إن الإنسان يا كريتون إذا عمر ما عمرت فلا ينبغي له أن يجزع من شبح الموت
كريتون - ولكن سواك من الكهول، إذا ما نزلت بهم أشباه هذه الكوارث لا يمنعهم الهرم من الجزع
سقراط - قد يكون ذاك، ولكن هلا حدثتني عما أتى بك في هذه الساعة الباكرة؟
كريتون - أتيت أحمل نبأ مؤلماً يبعث على الشجن، لا بالنسبة إليك فيما أظن، بل بالنسبة
стр. 6499
لنا جميعاً - نحن أصدقاءك - وهو عندي أبلغ ما يكون إيلاماً
سقراط - ماذا؟ أحسب أن قد عادت السفينة من ديلوس ووصولها بنذير بموتي؟
كريتون - كلا لم تبلغنا السفينة بعد، ولكنها ربما وصلت اليوم، فقد انبأني أناس جاءوا من صونيوم، أنهم خلفوها هناك، إذن فآخر يوم من حياتك يا سقراط هو الغد
سقراط - مرحى يا كريتون، إن كانت هذه إرادة الله فمرحباً بها، ولكني أعتقد أن سيؤجل الأمر يوماً آخر
كريتون - ومن أنبأك هذا؟
سقراط - هاك الخبر. إني بالغ أجلي في اليوم التالي لوصول السفينة
كريتون - نعم، وهذا ما يرويه أولو الأمر
سقراط - ولكني لا أظن أن السفينة بالغتنا إلا غداً. عرفت ذلك من رؤيا رأيتها ليلة أمس. بل كنت أراها الآن تواً، حين تركتني - لحسن حظي - نائماً
كريتون - وكيف كانت رؤياك تلك؟
سقراط - جاءتني شبيهة امرأة جميلة وسيمة، تدثرت بثوب أبيض، وصاحب بي قائلة: يا سقراط، إنك ذاهب إلى أخراك في اليوم الثالث عداً من الآن
كريتون - ما أعجبه من حلم يا سقراط!
سقراط - معناه ظاهر يا كريتون، وليس فيه مجال للريب
كريتون - نعم إنه جلي غاية الجلاء، ولكن، أواه! يا عزيزي سقراط، دعني أتوسل إليك مرة أخرى، أن تأخذ بنصحي فتعمد إلى الهروب، لأنك إذا مت فلن أفقد فيك صديقاً فريداً وكفى، ولكن ثمة فوق ذلك شراً: سيزعم من لا يعرفك ولا يعرفني من الناس أني كنت أستطيع لك النجاة لو أنني رغبت في بذل المال، ولكنني لم أعبأ بك، أفيمكن أن يكون بعد هذا العار عاراً - أن يقال أني آثرت المال على حياة صديق؟ وهيهات أن يقتنع الدهماء بأني أردتك على الفرار فرفضت
سقراط - وفيم العناية بحديث الدهماء، يا عزيزي كريتون؟ سترى الفئة الصالحة في ذلك رأياً صواباً يطابق ما وقع، وهي وحدها جديرة بالاعتبار
كريتون - ولكنك ترى يا سقراط أن رأي الدهماء لا بد من اعتباره وذلك ظاهر في قضيتك
стр. 6500
أنت، ففي مقدورهم أن ينزلوا أفدح المحن بمن لم يظفر عندهم بالرضا كائناً من كان
سقراط - ليتهم يستطيعون ذلك يا كريتون فذلك كل ما أرجوه، إذ لو استطاعوا لكان كذلك في وسعهم أن يفعلوا أعظم الخير. فيكون ذلك منهم جميلاً. ولكنهم في حقيقة الأمر عاجزون عن فعل الخير والشر على السواء، وليس في مقدورهم أن يصيروا الرجل حكيماً أو فدماً، وكل أفعالهم وليدة المصادفة
كريتون - نعم ولست منازعك في ذاك، ولكن هلا تفضلت فأنبأتني يا سقراط - إن كنت لا تغض النظر عني وعن سائر أصدقائك فيما تصرف من الأمر -: ألست تخشى أنك إن فررت من هذا المكان فقد يصيبنا النمامون بالضر بسبب اختطافك، وإنا قد نفقد أملاكنا كلها أو جلها، أو قد ينزل بنا من الشر ما هو أشد من ذلك هولاً؟ فليطمئن قلبك إن كان ذلك ما تخشاه، فواجب حتم علينا أن نخاطر بهذا، وبما هو أعظم من هذا في سبيل نجاتك، فاقتنع إذن بما أقول، وافعل بما أشير
سقراط - نعم يا كريتون، وليس هذا الذي ذكرته كل ما أخشى، وإن يكن جانباً منه
كريتون - لا تخف. إن هناك نفراً يود لو ينجيك فينتزعك من غيابة السجن، ولن يكلفهم ذلك شططاً، أما النمامون فهم كما ترى لا يشتطون في الطلب، ويقنعهم من المال قليله. إن مالي بأسره رهن إشارتك، وهو كاف فيما أعتقد، فإن أشفقت أن ينفد كله، فهاهم أولاء نفر من الغرباء يمدونك بما يملكون، وهذا أحدهم سيماس الطيبي قد أحضر معه لهذا الغرض نفسه مبلغاً من المال. وذلك سيبس وغيره كثيرون، يتمنون أن يبذلوا في سبيلك أموالهم، إذن فلا تحسب لذلك حساباً، ولا تتردد في سبيل تنفيذ القرار. ولا تقل كما قلت في المحكمة أنك لا تدري ماذا عساك أن تفعل بنفسك إن فررت، فأنى حللت نزلت من الناس منزلاً كريماً، وليس ذلك قاصراً على أثينا، فثمة في تساليا ستجد من أصدقائي حماية وتقديراً إن أحببت الذهاب إليهم، ولن تصادف بين بني تساليا جميعاً فرداً يصيبك بالأذى، ولست أرى بعد هذا كله ما يبرر لك يا سقراط أن تفرط في حياتك، والنجاة ميسورة مستطاعة. إنك لتلعب بنفسك في أيدي أعدائك وقاتليك، بل إني لأزعم فوق هذا أنك إنما تسيء إلى أبنائك، لأنك آثرت أن ترتحل تاركهم لما قسمت لهم حظوظهم وكان في وسعك أن تقوم بنفسك على تنشيئهم وتربيتهم، فإن لم يصبهم ما يصب اليتامى عادة من قضاء، لما استحققت
стр. 6501
عندهم من الشكر إلا قليلاً، فليس للإنسان أن يقذف في العالم بأطفال لا يحب أن يستميت حتى النهاية في إطعامهم وتربيتهم، ولكنك تختار أيسر الأمرين، فيما أظن، لا أحسن الأمرين وألصقهما بالرجولة، وكان ذلك أجدر برجل مثلك يبشر بالفضيلة في أفعاله جميعاً. حقاً إني لأستحي منك بل من أنفسنا نحن أصدقائك، كلما دار بخلدي أن قصتك هذه جميعاً، ستنسب إلى نقص في بسالتنا، فما كان ينبغي أن تكون المحاكمة، أو يكن يجب أن تختم بغير ما ختمت به، وهذه النهاية التي أراها أسوأ العبث، ستبدو للناس كأنما صادفت منا ارتياحاً، لما أبديناه من ضعة وخور، نحن الذين كان بوسعنا أن ننجو بك، كما كان بوسعك أن تنجو بنفسك، لو كنا نملك لأي شيء نفعاً (إذ لم يكن الفرار أمراً عسيراً) وسيُظن يا سقراط أنا لم نقدر أن ذلك كله سينقلب علينا وعليك بؤساً وعاراً، ففكر إذن في الأمر إن لم تكن قد اعتزمت بعد شيئاً، فقد انقضت فرصة التفكير ولم يعد لديك إلا أمر واحد يجب إنجازه هذا المساء، لو كنت تريد له إنجازاً، فإن أرجأت أمرك تعذر واستحال، وعلى ذلك فأنا أتوسل إليك يا سقراط أن تسلس لي القياد وأن تفعل بما أشير
سقراط - أي عزيزي كريتون! ما أعز حماسك وما أنفسه، لو كان في جانب الحق، أما إن كان للباطل فكلما ازداد الحماس اشتعالاً ازداد الأمر سوءاً، فلننظر إذن إن كانت هذه الأعمال واجبة الأداء أم ليست كذلك، فقد كنت دائماً، وما أزال، من تلك الطبائع التي تلتزم دليل العقل، كائناً ما كان رأيه، ما دام يبدو عند التفكير أنه الرأي الأمثل. أما وقد أصابتني هذه المحنة فلا يسعني أن أهمل الآن ما ارتأيته قبلاً، فما زالت مبادئي التي طالما أجللتها وقدستها؛ تنزل عندي منازل الإجلال والتقديس. فثق أني لن أظاهرك في الرأي، اللهم إلا إذا اهتدينا الآن إلى مبدأ يكون خيراً منها. نعم، لن أصغي إليك حتى ولو زادني الدهماء حبساً ومصادرة وموتاً، ملقين في نفوسنا من أراجيف الشياطين المفزعة ما نرهص به الأطفال، فأي سبل التفكير أهدى إلى بحث هذا الموضوع؟ أعوْداً إلى رأيك الذي سقته من قبل عما يقول الناس عنا، وبعضه يستحق الاعتبار دون بعض كما سبق لنا القول؟ أكنا نصيب لو أننا أخذنا برأيك (وهو أن يقام وزن لما يقول الناس) قبل الحكم بالإدانة؟ أم هل ينقلب الرأي الذي كان صائباً حيناً ما، كلاماً لمجرد الكلام، ويتبين أنه لم يكن في الواقع إلا عبثاً اتخذ سبيلاً للتسلية واللهو؟ أبحث معي هذا يا كريتون: أترى أنه لم يعد منطقي الذي
стр. 6502
اتخذته أولاً يلائم على أية حالة ما يكتنفني الآن من ظروف، أم لست ترى الأمر كذلك؟ ثم هل هو حقيق عندي بالرفض أم بالقبول؟ إن كثيراً ممن يزعمون لأنفسهم رجاحة الرأي يذهبون فيما أعتقد إلى هذا الذي أشرت إليه من قبل، وهو أن من الناس بعضاً يجدر بآرائهم الاعتبار، وأما بعضهم الآخر فلا يصح أن يؤبه له. وإنك يا كريتون لست مقبلاً غداً على موت، أو ليس هناك احتمال بشري بهذا على الأقل، فأنت إذن حكم صالح، لا يؤثر فيك الهوى ولا تميل بك ظروفك وموقفك عن جادة الحق. حدثني إذن: ألست مصيباً فيما أزعم، بألا نقدر من آراء الناس إلا بعضها فقط؟ لقد أخذت بهذا الرأي، وأنا أسألك هلا تراني قد أصبت فيما ارتأيت؟
كريتون - ليس في ذلك ريب
سقراط - ألا يجب أن نحفل بما يقوله أبرار الناس دون شرارهم؟
كريتون - بلى
سقراط - وما يرى الحكماء فهو خير، وما يرى غير الحكماء فهو شر
كريتون - لا شك في ذلك
سقراط - لننظر ما قيل في غير هذا الموضوع، هل يطلب إلى طالب التمرينات البدنية أن يصغي إلى القدح والثناء، والى رأي كل إنسان فيه، أم يجب أن يستمع إلى رأي رجل واحد فقط - هو طبيبه أو مدربه كائناً من كان؟
كريتون - إنه يستمع إلى رأي رجل واحد فحسب
سقراط - أينبغي أن يخاف اللوم وأن يرحب بالثناء يوجهه ذلك الرجل وحده، وألا يأبه للوم الناس ومدحهم؟
كريتون - بدهي ما تقول
سقراط - ويجب أن يعيش ويدرب، وأن يأكل ويشرب، على نحو ما يبدو صالحاً لذلك المعلم الأوحد، وهو عليم بأمره، فذلك أجدى من السير تبعاً لما يراه سوى معلمه من الناس ولو كانوا أجمعين؟
كريتون - هذا حق
(يتبع)
стр. 6503
زكي نجيب محمود
стр. 6504
زواج الشاعر
للأديب حسين شوقي
(س) شاعر شاب تزوج منذ عام بزوجة من الريف لأنه كان يريد فتاة ساذجة طاهرة الجسم والعقل - وذلك ما يندر في المدن الكبرى - يستطيع أن يصوغها على ما يلائم ذوقه الفني، وما يتفق ومثله العليا. . .
عاد (س) بالفعل من الريف بالزوجة المنشودة، إلا أنه وجد من الصعوبة في تكوينها ما وجده آباؤنا في نحت الجرانيت؛ لأن الفتاة كانت ساذجة جداً. . . ثم وجد مع الأسف أنها أقل عاطفة من فتيات المدن وهي بنت الريف التي نشأت وترعرعت بين الحدائق والزهور. . فإن حب الفتاة لشاعرنا كان حباً ضئيلاً جداً إذا قيس بحبه لها، لأن الشاعر احتفظ بطهارة قلبه طوال شبابه من أجل هذا اليوم المشهود (مع استثناء بعض جولات في الغزل البريء) فكان ما به من احتياطي الحب قد يعادل ما في خزائن بنك فرنسا من احتياطي الذهب. . . أما قلب الفتاة فكان أشبه بجليد (الأسكيمو). . .
ولما كان (س) شديد الإحساس كمقياس الحرارة، فإن كان يتألم من الحركات والإشارات غير الموفقة التي كانت تأتيها زوجته كي تغطي حبها الضئيل له. . . ولشد ما كان الشاعر شديد الإشفاق عليها من أجل هذا. .!
انقضى عام على زواج الشاعر، فخرج بهذه المناسبة إلى الخلاء يشكو همه إلى الأطيار والأزهار، أصدقاء الشاعر الحقيقيين. . .
جلس الشاعر هناك على بساط من الخضرة، ثم أخذ يستعيد في ذاكرته حياته الزوجية خلال العام المنصرم، فأحس من جراء ذلك بهم شديد وحزن بالغ. . . فكم من حوادث محزنة وقعت خلال تلك السنة!
إنه ما زال يذكر مع الأسف والحسرة تلك الليلة التي أتفق فيها الزوجان على الذهاب إلى المسرح ليشهدا رواية مشهورة. . إلا أن الزوج مرض في اللحظة الأخيرة، فقال عندئذ من باب المجاملة لزوجه، وقد ظن أنها ستبقى بجانبه لتمريضه وتسليته: إذا شئت فاذهبي أنت يا عزيزتي إلى المسرح. . سأطلب م. . (صديق للشاعر) في التليفون ليأتي فيصطحبك. . ولشد ما كانت خيبة أمله كبيرة حينما أجابته: حسن. . سأذهب مع م. . بعد أن أقيس
стр. 6505
حرارتك لأطمئن عليك! أرادت الزوجة بقولها هذا أن تظهر اهتمامها بجسمه. . . ولكن هل فكرت في قلب الشاعر المسكين؟
وفي ليلة أخرى ذهب الزوجان إلى حفلة رقص. . . فلما عزفت الموسيقى بلحن (الدانوب الأزرق الجميل) الذي كان الشاعر يحبه حباً جماً، ذهب من فوره إلى حيث كانت تجلس زوجه ليطلب منها أن ترقص معه هذا الدور، فاعتذرت إليه لارتباطها بوعد سابق! مع علمها بحب زوجها الشديد لهذا اللحن. . . وكان قد أهدى إليها قبل الذهاب إلى الحفلة وردة بيضاء حلت بها صدرها. . . فافتقدها أثناء الحفلة فلم يجدها على صدرها، فسأل عنها وقد ظن أنها سقطت منها أثناء الرقص، إلا أنها أجابته بكل سذاجة: الوردة؟ إن صديقتي البارونة ل. . أظهرت إعجابها بها فأعطيتها إياها! كاد الشاعر يموت في تلك الليلة من الغم. . .
وفي مرة أخرى سافرت زوجته إلى الريف تعود أمها وكانت مريضة مرضاً خطيراً. . ومكثت هناك أسبوعين لم ترسل خلالهما إلا كتابين قد احتويا على عواطف تشبه تلك العواطف الأنموذجية الموجودة في كتب (برليتز) للتمرين والترجمة!. . وفي يوم عودتها من الريف، بدلاً من أن تقضي السهرة على انفراد مع زوجها بعد تلك الغيبة، دعت بعض الأصدقاء إلى السينما لمشاهدة الممثلة جريتا جاربو في فلمها الأخير
بينما كان الشاعر يعيد هذه الحوادث في مخيلته إذ به يسمع تغريد عصافير على الشجرة، فرفع إلى الشجرة نظره، فإذا به يبصر عصفورين على غصن، متعانقين في شوق وحنان، عندئذ سقطت دمعة كبيرة على خد الشاعر، ثم نظر في ساعته فوجد أنه قد تأخر في نزهته، فبادر بالعودة إلى المنزل، لأن زوجه كانت قد دعت بعض الأصدقاء للاحتفاء بمرور عام على زواجهما السعيد!
كرمة ابن هابي
حسين شوقي
стр. 6506
من الأدب الأندلسي
٤ - التوابع والزوابع
بقلم: محمد فهمي عبد اللطيف
أتينا في المقال السابق على آراء ابن شهيد في شخصية الأديب، وقلنا أنها آراء صائبة لم يسبقه إليها أحد في العربية، ونريد في هذا المقال أن نستجلي آراءه في الآثار الأدبية، فنتعرف المظاهر التي اعتبرها مسباراً لبراعة الأديب الفنية، واتخذها مقياساً لقوته في الصناعة، وقد اعتبر ابن شهيد لذلك عدة مظاهر دل عليها في مواضع متفرقة من (التوابع والزوابع)؛ وأول ما دل عليه من هذه المظاهر: المعنى السامي البديع، يختال في اللفظ المشرق السمح. فالأديب عند ابن شهيد لا يبلغ الشأو ولا يستحق اسم الصناعة إلا (بتعمد كرام المعاني، وتقحم بحور البيان. . . فيمتطي الفصل، ويركب الحد، ويطلب النادرة السائرة، وينظم من الحكمة ما يبقى بعد موته) ولعل من المعلوم أن قضية (اللفظ والمعنى) كانت من القضايا التي طال فيها جدال النقاد المشارقة، واختلفوا في الأخذ بها بعضاً وكلاً، فاعتبر بعضهم اللفظ وحده مظهراً لبراعة الأديب وقوته، ذلك لأن المعاني مطروحة أمام الناس، فالبليغ من أجاد صياغتها، وأحسن سبكها. واعتبر الآخرون المعنى فحسب، فالأديب لا يفضل الأديب ولا يفوقه إلا بجدة أفكاره وغزارة معانيه، ثم استقر الرأي على الجمع بين شقي القضية، فأصبحت براعة الأديب تستجلي في ألفاظه ومعانيه، وأصبح الأديب لا يبلغ منتهى البراعة والقوة (إلا بتعمد كرائم المعاني وتقحم بحور البيان) كما يقول ابن شهيد
وابن شهيد يحب الازدواج في الكلام، ويرغب في المماثلة والمقابلة، ولكنه يكره التزام السجع، ويراه أفناً لا يليق بفارس البيان، ومن العجيب أنه مع ذلك كان يلتزم السجع كثيراً في أسلوبه، وكأن الرجل قد توقع الاعتراض عليه من هذه الناحية، فأراد أن يعتذر عن نفسه، فزعم أنه التقى بعتبة بن أرقم شيطان الجاحظ فشهد له بأنه خطيب وحائك للكلام مجيد، ولكن لامه على غرامه بالسجع، فقال ابن شهيد يرد عليه: (ليس هذا - أعزك الله - جهلاً مني بأفن السجع، وما في المماثلة والمقابلة من فضل، ولكني عدمت ببلدي فرسان الكلام. . .) ثم ينطلق في الانتقاص من معاصريه فيزعم أنهم لغباوتهم لا يفقهون الازدواج ويكبرون من قيمة السجع، فاضطر أن يسجع حتى يحرك من نفوسهم، ويلج بكلامه إلى
стр. 6507
قلوبهم، فيقول عتبة: إنا لله، ذهبت العرب وكلامها، ارمهم بسجع الكهان فعسى أن ينفعك عندهم، ويطير لك ذكر فيهم. وهذه معذرة إن صحت لا نقبلها من ابن شهيد، فليس من حسن الرأي أن ينحرف الكاتب عن طريقة يراها سديدة إلى أخرى مستهجنة ليظفر بالرضى من بعض الناس، وإنما الكاتب العبقري هو الذي ينتهج طريقه ويدع الأذهان تتبصر مسلكه؛ وتتبين خطواته فتترسم سيره، وتأخذ أخذه. . .
ولكن ابن شهيد يعود فيستدرك على قضية (اللفظ والمعنى) مظهراً آخر من مظاهر البلاغة، فيرى أن هناك (صوراً من الكلام تملأ القلوب وتشغف النفوس، فإذا فتشت لحسنها أصلاً لم تجده، وللجمال تركيبها وجهاً لم تعرفه، وهذا هو الغريب أن يتركب الحسن من غير حسن. . . وكذلك كقول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها … بيثرب أدنى دارها نظر عالي
فهذه الديباجة إذاتطلبت لها أصلاً من غريب معنى لم تجده!! ولكن لها من التعلق بالنفس والاستيلاء على القلب ما ترى. .)
وهذا كلام حمله ابن شهيد على ما اشترطه في شخصية الكاتب من قوة الطبع وصفاء الروح كما سبق بيانه، ومعنى هذا الكلام أنك إذا تأملت بعض الصور الكلامية الرائعة لا تجد لروعتها أصلاً من جزالة اللفظ أو طرافة المعنى، بل قد تكون سهلة التناول قريبة الغور، ولكن روعتها ترجع إلى ما يكمن فيها من القوة الروحية للكاتب، وأكثر ما تتجلى هذه القوة في كلام الله (حين يتحدث ذو الجلال عن ذاته وصفاته. وقدرته وقوته، وجلاله وعزته، ولطفه ورحمته، وناره وجنته، ووعده ووعيده، وإنذاره وإعذاره، وقد كان لهذه القوة الرائعة الأثر الأقوى في رياضة العرب واجتذاب نفوسها نحو الإسلام، وهي التي كانوا يشعرون بوقعها من غير أن يعلموا كنهها). ومن العجيب أنك تقرأ الأبيات من الشعر العالي أو النثر البديع فتشعر بهذه القوة رائعة ظاهرة تكسو الكلام جلالاً وجمالاً، فتحاول أن تعبر عنها كما يجب فتجد نفسك عاجزاً مقصراً، ذلك لأن قوة الكلام لا ترجع في هذه الحال إلى الألفاظ والمعاني، وإنما هي ترجع إلى ما فيه من القوة الروحية، وقد أخذ بعض الكتاب المعاصرين هذه الفكرة عن ابن شهيد، وتبناها لنفسه، وادعى أنها انحدرت من عقله إلى قلمه، وهاجم بها الباقلاني في أقواله في إعجاز القرآن، وجادل بها الكتاب والنقاد الذي
стр. 6508
تصدوا للرد عليه!!
وثمت مظهر آخر من مظاهر القوة والبراعة عند الأديب في رأي ابن شهيد، وهذا المظهر هو التفنن في توجيه الخطاب بحيث يكون على وفق أقدار المخاطبين، والتصرف في إيراد القول بحيث يكون من السهولة أو القوة على حسب ما يقتضيه المقام، وقد ذكر ابن شهيد هذه المسألة وهو يشرح ما كان يقع له مع الشاحذين في قرطبة، وكيف كان يعينهم بشعره على نيل مآربهم، فقال: (وربما لاذ بنا المستطعم باسم الشعر، ممن يخبط العامة والخاصة بسؤاله، فيصادف منا حالاً لا تتسع له في كبيرة مبرة، فنشاركه ونعتذر له، وربما أفدناه بأبيات يتعمد بها البقالين ومشايخ القصابين، فإذا قارفت أسماعهم، ومازجت أفهامهم، در حلبهم، وانحلت عقدهم، وجل شخص ذلك البائس في عيونهم، فما شئت إذ ذاك من خبزة وثيرة يحشى بها كمه، ورقبة سمينة تدس في مخلاته، وتينة رطبة يسد بها حلقومه. . فلا يكاد البائس يستتم ذلك حتى يأتينا فيكب على أيدينا يقبلها، وأطرافنا يمسحها، راغباً في أن نكشف له السر الذي حرك العامة فبذلت ما عندها له، وبادرت برفدها إليه. وتعليمه ذلك النحو من الشحذ لا نستطيعه، لأن هذا الذي يريد من هو تعليمه البيان، وبين فكره وبينه حجاب!! ولكل ضرب من الناس ضرب من الكلام ووجه من البيان. .)
وقد سبق أبو هلال العسكري ابن شهيد إلى تقرير هذه الحقيقة بعبارة أصرح وأوضح فقال في كتابه الصناعتين: (وينبغي أن تعرف أقدار المعاني فتوازن بينها وبين أقدار الحالات فتجعل لكل طبقة كلاماً، ولكل حال مقاماً، حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات، واعلم أن المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال. . . فإن كنت متكلماً أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب، أو قصيدة لبعض ما يراد له القصيد، فتخط ألفاظ المتكلمين، مثل الجسم والعرض واللون والتأليف، والجوهر، فإن ذلك هجنة. وكذلك كن أيضاً إذاكنت كاتباً)
ولعل بشار بن برد كان أول من دل على هذه الظاهر واستعملها في شعر من حيث كان الناس يعيبونها بها، فقد جاء في الأغاني بسنده أن بعضهم قال: قلت لبشار إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت! قال وما ذاك؟ قلت بينا تقول شعراً يثير النقع وتخلع به القلوب مثل قولك
стр. 6509
إذا ما غضبنا غصبة مضرية … هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دماً
إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة … ذرى منبر صلى علينا وسلما
تقول:
ربابة ربة البيت … تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات … وديك حسن الصوت
فقال بشار: لكل وجه، وموضع الأول جد، وهذا قلته في ربابة جاريتي، وأنا لا آكل البيض من السوق، وربابة لها عشر دجاجات وديك فهي تجمع لي البيض، فهذا عندها أحسن من (قفا نبك. . .) عندك
وصدق بشار فيما قال، فإن البليغ هو من يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدود المعاني، وقد تكون هناك مواقف للقول يطلب فيها الأسفاف، ويحلو فيها التبذل، فيكون بأقل في عيه وفهاهته، أفصح من سحبان في تشدقه ورغائه، ويقيني لو أن بشاراً توجه في الخطاب إلى جاريته بلغته في الفخر والحماسة، لدل على الحماقة في طبعه، والسقم في ذوقه، وربما ظنت هذه الجارية أنه يشتمها، فكانت تمنعه بيض دجاجها، وتحتم عليه أن يشتري البيض من السوق، فلا يفيده تقعره، ولا ينفعه شعره، فمن القصور أن يلتزم الشاعر أو الكاتب نمطاً واحداً في التعبير لا يتعداه، فيكون في جده كهزله، ومن الهذيان أن يتعنت في توجيه الخطاب، فيكون في كلامه إلى أهل الثقافة والمعرفة كما هو في كلامه إلى ذوي الفهاهة والعي، وإنما الطبع القوي هو الذي يواتي صاحبه في كل طريق يسلكه، والذوق السليم هو الذي يقضي عليه بتوجيه الخطاب إلى مقتضى الحال، حتى يستطيع من وراء ذلك أن ينال غرضه عند المخاطب، وأن يصل إلى قرارة نفسه في يسر وسهولة، فلو انتهج الأدباء هذه الخطة التي أوضحها ابن شهيد، ولو علموا أن لكل ضرب من الناس ضرباً من الكلام، ووجهاً من البيان، لأمكنهم أن يغزوا نفوس الناس على اختلاف طبقاتهم بأفكارهم وأساليبهم، وأن يخلقوا الإحساس الفني في نفوس الجمهور على مر الزمن
محمد فهمي عبد اللطيف
стр. 6510
٤ - بين القاهرة وطوس
طهران
للدكتور عبد الوهاب عزام
استرحنا بقية اليوم وزرنا بالليل دار المفوضية المصرية، ومر وزير المعارف فترك بطاقاته للمندوبين، ووزع عليهم منهاج المؤتمر وأوراق أخرى فيها دعوات إلى حفلات كثيرة، وعرفنا من المنهاج أن أيام المؤتمر والحفلات خمسة عشر يوماً من الأربعاء الرابع والعشرين من جمادى الثانية سنة ١٣٥٣ (٣ أكتوبر سنة ١٩٣٤ - ١٢ مهرماه سنة ١٣١٣) إلى يوم الجمعة عاشر رجب. ومن ذلك ستة أيام في طهران، وثلاثة في مشهد، وستة في الطريق بين مشهد وطهران ذهاباً وأوبة. وقد سجل في بيان أعضاء المؤتمر اثنان وأربعون من ممثلي الأمم المختلفة، ومثلهم من الإيرانيين. ومندوبو الأمم يمثلون ثماني عشر أمة بينها من أمم الشرق: مصر والعراق وتركيا وأفغانستان والهند واليابان
وفي اليوم التالي بدئت أعمال المؤتمر بمدرسة دار المعلمين في بهو فسيح صفت فيه مقاعد كثيرة، صفوفها الأولى لأعضاء المؤتمر والأخرى للحضار من غيرهم. ووضع في صدر المكان تمثال للفردوسي، ومنصة الرياسة، ومنصة الخطابة، واستمر اجتماع المؤتمر خمسة أيام. وكان الموعد من الساعة التاسعة صباحاً إلى الواحدة بعد الظهر. وزيدت جلستان في مساء اليومين الثالث والرابع لكثرة مريدي الكلام من الأعضاء. وقد تكلم زهاء أربعين قليل منهم من الإيرانيين، وترك بعض الإيرانيين الكلام ليفسحوا مجال القول لضيوفهم
افتتح المؤتمر فروغي خان رئيس الوزراء، ولجنة الآثار القومية، فشكر الوفود باسم الأمة الإيرانية، والحكومة، ولجنة الآثار على ما أجابوا الدعوة وتحملوا مشاق السفر، وأبلغهم سرور جلالة الشاه بقدومهم، وأنه سيقابلهم في طوس، وقال:
(يقول الشيخ سعدي (إن السفر لا يطول على قاصد الحبيب) وإنما أجاب السادة الفضلاء دعوة الفردوسي. وإذا كان الداعي هو الفردوسي أمكن أن نقول: (ليس في السفر الروحي بعد عن المنازل) ونحن مواطني الفردوسي الذين عهد إلينا شرف الترحيب بكم نيابة عنه، نعرف أنكم كنتم على يقين مما تلقون من المشقات الجسمانية، ولكن أرواحكم الكبيرة الكريمة قلبت المحنة راحة بهمتها العظيمة. وأولت إيران يداً لا تنسى. أجل قد حملتمونا
стр. 6511
المنن العظيمة، ولكن كان لكم الحق فيما حملتم أنفسكم من مشقة، فإن الفردوسي إن تعلق بإيران جسماً فهو ابن الإنسانية روحاً، بل أقول إذا أذنتم لي: إنه من آباء الإنسانية. وبعد، فقبيح أن يتصدى جاهل مثلي لتعريف علماء أمثالكم بالفردوسي، فمن الخير ألا أشغل أوقاتكم النفيسة، وأن أفسح المجال لأعمالكم المفيدة)
ثم أعلن افتتاح المؤتمر، وأخبر أن علي أصغر حكمت كفيل وزارة المعارف سيتكلم بالفرنسية، لأن بعض الحاضرين لا يعرف الفارسية. فتكلم كفيل المعارف مبدياً سرور الإيرانيين وشكرهم للعلماء الذين وفدوا للمشاركة في حفلات الفردوسي ثم قال:
(إن اجتماع هذا العدد من العلماء على اختلاف الأوطان دليل قاطع على ما قيل من أن العلم والأدب لا وطن لهما. فحيثما لمع نور هذه الموهبة الإلهية اتجهت إليه النفوس المستعدة، والأرواح المشتاقة كالفراش، فيرون أنفسهم في هذه المرآة المشتركة بينهم ويقولون: كنا متحدين، كنا جوهراً واحداً، كنا بغير أجسام ورءوس، كنا جوهراً وضاءاً كالشمس، وكنا صافين كالماء. فلما تصور هذا النور الجميل ظهرت أعدادنا ظهور الظلال على الشرفات
إن اهتمام الأمم العظيم بعيد الفردوسي الألفي، واحتفاءها به في بلادها، وإرسال فضلاءها إلى قبر شاعر إيران برهان على أن الأمم لا تختلف في الحقائق على رغم ظواهر الأمور. إن بين الأمم اختلافاً في السياسة، والاقتصاد، والتجارة، والمعيشة، والآداب والعادات - اختلافاً جعل العالم الحاضر مادياً ملؤه الشرور والآفات، ولكن كلما لاحت للناس الأمور المعنوية والفوائد العلمية والأدبية امحت هذه الاختلافات، وتجلى الوفاق والوئام - ثم بين كفيل المعارف أن الاشتراك في مثل هذه الأمور أحسن وسيلة إلى التقريب بين الأمم، وقال: لذلك أفتخر بأن أقول إن اهتمام الأمة الإيرانية بعيد الفردوسي، ودعوة الأمم إلى المشاركة فيه يعد في الحقيقة خطوة إلى التفاهم الحقيقي بين الأمم وإن يكن في ظاهره ذا مقصد أدبي وتاريخي)
وبعد فراغ وزير المعارف من كلمته دعي الحاضرون إلى انتخاب مكتب المؤتمر فكانت نتيجة الانتخاب:
الحاج محتشم السلطنة اسفند ياري رئيس
الأستاذ كريستنسون الدانمركي نائب الرئيس
стр. 6512
الأستاذ زارة الألماني نائب الرئيس
الأستاذ هنري ماتسي الفرنسي منشي (سكرتير)
الدكتور عبد الوهاب عزام المصري منشي (سكرتير)
ثم تلا الرئيس رسائل كثيرة من الحكومات والجامعات تبين عن مشاركة الإيرانيين في الحفاوة بشاعرهم. ثم تكلم بعض المندوبين كلمات قصيرة أبانوا فيها عن سرورهم بالمشاركة في هذا الاحتفال. وكان من المتكلمين الأستاذ عبد الحميد العبادي فتكلم بالعربية عن فضل الفرس على الأدب العربي، وألقى الشاعر الكبير الزهاوي قصيدة فارسية
ثم بدئت المحاضرات على ترتيب حروف الهجاء، فكان أول المتكلمين الأستاذ العبادي فتكلم عن الأخلاق في الشاهنامه، واستمرت كلمته خمساً وعشرين دقيقة وتلقاها الحاضرون بالاستحسان. واقتبس منها بديع الزمان أحد أدباء إيران حينما تكلم عن الشاهنامه من بعده
وفي اليوم التالي تكلم سفير الروس، وترجمت كلمته إلى الفارسية، وأهدى عن دولته كتباً وصوراً فارسية قيمة، ثم خطب سفير الألمان، وقدم هدايا من الكتب منها فهرست للشاهنامه، وأعلن منح بعض الجامعات الألمانية رئيس وزراء إيران دكتوراه في الآداب، وانتخاب وزير المعارف عضواً في جمعية المستشرقين الألمانية. ثم تكلم آخرون، وانتهت الجلسة بإنشاد الشاعر الكبير الزهاوي قصيدة عربية (نشرت في الرسالة)
وفي اليوم الثالث كانت جلستان: في الصباح والعشي، وتكلم ثمانية. وكنت ثاني المتكلمين في الصباح فألقيت بالفارسية كلمتي (مكانة الشاهنامه في آداب الأمم) في عشرين دقيقة. وقد تفضل الحاضرون فأحسنوا استقبالي حينما قمت للكلام، وأحسنوا الاستماع لي، ثم أبدوا استحساناً عظيماً حينما فرغت، وإني أدع للجرائد الإيرانية الكلام، فإن القارئ المصري يهمه أن يعرف ما قالت جرائد إيران في ذلك
قالت جريدة إطلاعات:
(ثم ألقى الدكتور عبد الوهاب عزام معلم الأدب الفارسي والعربي بالجامعة المصرية، خطبة بالفارسية، وموضوعها مكانة الشاهنامه في آداب الأمم، وقد بدأ كلامه بقوله. أنا لا أحسن التكلم بالفارسية، ولكني لا أريد في حضرة هذا الشاعر الكبير (وأشار إلى تمثال الفردوسي) أن أتكلم إلا بلغة الشاهنامة - ولخصت الجريدة المحاضرة، ثم قالت -: وفي
стр. 6513
نهاية الخطبة أبدى سروره بمشاركته هو وزميله في عيد الفردوسي باسم الأمة المصرية والحكومة. وقدم إلى رياسة المؤتمر نسخة نفيسة من الشاهنامة العربية التي أخرجها الدكتور عزام أخيراً، بعد أن صححها وعلق عليها، وقدم لها مقدمة نفيسة جامعة، وطلب أن ترفع هذه النسخة إلى الحضرة الهمايونية الشاهنشاهية. وكذلك قدم نسخة إلى حضرة رئيس الوزراء، وأخرى إلى كفيل وزارة المعارف، وكانا حاضرين. وقد قوبلت خطبته وعمله بتصفيق مديد. وحينئذ تقدم إلى منصة الخطابة السيد حكمت كفيل وزارة المعارف، وشكر الدكتور عزام على ما أظهر من عواطف المودة وقال: (أشكر الدكتور عبد الوهاب عزام من جهتين: الأولى أنه تحمل مشقة في ترجمة الشاهنامة وتصحيحها والتعليق عليها. والثانية أنه تكلم بلغة الشاهنامة. يقول حافظ الشيرازي أن الترك المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. وأنا أقول أن العرب المتكلمين بالفارسية يهبون لي الحياة. والحق إن لساني قاصر عن الشكر. والأستاذ عزام من أدباء الشرق الذين درسوا الفارسية برغبة وعشق وكلف خاص، وإني أختم شكري بهذين البيتين للشيخ سعدي:
(قلت لقلبي إن الناس يجلبون السكر من مصر فيهدونه إلى الأحباء. فإن تكن يدي خالية من هذا السكر فعندي كلام أحلى من السكر)
ولما جلس الدكتور عزام في مكانه من منصة مكتب المؤتمر قال له الرئيس (لقد أردت أن تثبت أنك أستاذ الأدب الفارسي بحق) اهـ
ثم توالى المتكلمون في اليومين الرابع والخامس، وأنشد الشاعر الإنكليزي درينكووتر قصيدة وترجمها نظماً وأنشدها في المؤتمر من بعد الشاعر الفارسي بهار الملقب بملك الشعراء. وتكلم في اليوم الأخير الأديب أحمد حامد الصراف أحد مندوبي العراق، فألقى بالعربية كلمة قصيرة جميلة تكلم فيها عن المودة بين العراق وإيران
وكانت هذه الأيام الخمسة مزدحمة بحفلات الغداء والعشاء، ومشاهد التمثيل والألعاب الرياضية ومشاهدة الأماكن العظيمة في طهران. ونرجئ الكلام في ذلك إلى المقال الآتي خشة الإطالة
د. عبد الوهاب عزام
стр. 6514
الشمس في الغروب
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
ماذا تحسّ الشمسُ عند غروبها … فيكون ذلك باعثاً لشحوبها؟
ما إِنْ رأت عيني وقد راقبتُها … كالفرق بين طلوعها وغروبها
بَعد ابتسامتها لنا قد قطّبت … والحزنُ كل الحزن في تقطيبها
إني ليحزنني الغروب فإنه … لمذكِّرٌ نفسي بكل كروبها
الشمسُ في الدنيا إليَّ حبيبة … والنفسُ تأْسى من فراق حبيبها
ويزيدها شجناً إلى أشجانها … مَرُّ السحاب محاولاً لركوبها
كانت إذا طلعت تفوز الأرض من … أنوارها مبثوثةً بنصيبها
كانت بجذوتها السماء منيرةً … والأرض كانت تصطلي بلهيبها
أَجمِلْ بألوان الغمائم حولَها … لو دامت الألوان بعد مغيبها
مدَّت مودّعةً بنانَ شعاعها … لبعيدها وتلثّمت بقريبها
انظرْ إلى الأفْقِِ البعيد تَخَلْ به … ناراً تخوض العينَ بعد شبوبها
بالشمس تحيا الأرضُ ضاحيةً لها … وبها تتمّ لها حياةُ شعوبها
صفراءُ خائفةٌ كأن وراَءها … سوداَء تخطف شِلْوَها بنيوبها
وقد اكتست بعد اصفرارٍ حمرْةً … بدَمٍ لها أُهريق فوق تَريبها
وكأنما قِطَعُ السحاب أمامها … سدّت لتمنعها طريقَ وثُوبها
غربت وأبقت في السماء وراءها … شفقاً يثير الشجوَ بعد غروبها
قد أوّبت شمسُ النهار فهل إلى … هذا مصيرُ الشمس في تأويبها
أمَّا الغمائم فهي قد هبّت بها … ريحُ الأسى فتمزَّقت لِهُبُوبها
والثاكلات أذابها عصف الأسى … فقلوبها تنشقُّ قبل جيوبها
تُهوى وتُقلى في زمانٍ واحدٍ … دنيا محاسنُها بواءُ عيوبها
وكأنها من نورها وظلامها … ممزوجةٌ أفراحُها بخطوبها
جميل صدقي الزهاوي
стр. 6515
شعري
للمرحوم أبي القاسم الشابي
شعري نفاثة قلبي … إِنْ جاش فيه شعوري
لولاه ما انجاب عنّي … غيم الحياة الخطيرِ
ولا وجدْت اكتئابي … ولا وجدْتُ سروري
به تراني حزيناً … أبكي بدمعٍ غزيرٍ
به تراني طروباً … أجرُّ ذيلً حبوري
لا أنظم الشعر أرجو … رضاء أمير
بمدحةٍ أو رثاءٍ … تهدى لربّ السرير
حسبي إذاقلت شعرا … أن يرتضيه ضميري
لا أقرض الشعر أبغي … به اقتناص نوالِ
الشعر إن لم يكن في … جماله ذا جلالِ
فإنما هو طيفٌ … يسعى بوادي الظلالِ
يقضي الحياة طريداً … في ذلة واعتزالِ
ما الشعر إلاّ فضاءٌ … فيه يرف خيالي
أبو القاسم الشابي
следующие страницы →