← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

حسناً من أجل وفود الفردوسي. وبتنا للتنا مسرورين على ما صحب بعضنا من بردشاهرود نحن الآن على مائة يل من نيسابور العظيمة. فتنظر في المقال الآتي حديث نيسابور عبد الوهاب عزام الذكرى الألفية لابي الطيب احمد المتنبي للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي ما أنت يا احمدٌ في دولة الأدب … إلا الزعيم وإلا شاعر العرب وما تنبأت في دين كما زعموا … بل في الفصاحة سباقاً وفي الأدب فكان يوحى اليك الشعر عن شَحَطٍ … وكان يوحي اليك الشعر عن كثب ما كنتَ للشعر تستوحي قوافيه … حتلا تجيء من الاعجاز بالعجب وكنت في قادة الآداب أولهم … وكنت أولهم في الجحفل اللجب وكنت في الشعر مثل الماء منطلقاً … وكنت في الحرب مثل النار في الحطب كم حكمة لك سارت في الورى مثلاً … قد قلتها بسان الشاعر الذرب كم دولة القريض الناهض انقلبت … لكن عرشك فيها غير منقلب وقالة الشعر إن نذكر منازلهم … فانت في الرأس والباقون في الذنب صاحت بُغاثٌ ببازي الشعر تنقده … فلم يبال بها البازي ولم يُجب * * * لأنت عند الأسى في الناس أشعرهم … وانت أشعرهم في سورة الغضب تصور الشيء في وصف لحادثة … جتى كأني أرى الموصوف من صقب بك احتفت بعد ألفٍ قد مضى أممٌ … في مصر، في الشام، في بغداد، في حلب إن الذي مات عن شعر هدى أمماً … لخالدٌ في قلوب الناس والكتب باللبغي قد قتلوا للشعر منك أبا … لإاصبح الشعر من يتم بغير أب لهفي كثير لو ان اللهف ينفعني … على حياتك إذا أفضت إلى العطب هي الررية لاتُنسى فجيعتها … على توالٍ من الأعصار والحقب

стр. 6582

بالشعر والأدب الأيام طيبةٌ … فان خلت منهما الأيام لم تطب الدهر جار على الآداب يزهقها … وما على الدهر إما جار من عتب القتل رزء وهذا القتل افجعه … كأنما بك منه الشر حل وبي وربما عرف الأسلاف مصرعه … مما على الارض فيه من دم سَرِب القبر قبر فلا يجدي الدفين به … وإن بنته أكف القوم من ذهب مضى يريد حياة كلها دعةٌ … وما درى أن غول الموت في الطلب ولستُ أسأل عنه عند غيلته … أكان مضطرباً أم غير مضطرب ما في الرزية للمرزوء مُنتعشٌ … لايرقص الطير مذبوحاً من الطرب ليست بدار أمان يُطمأن لها … دنيا مصائبها ينسلن من حدب قصيدتي هذه ريحانة عبقت … جنيتها من لباناتي ومن اربي نظمتها من شعور لي لأهديها … إلى أبي الطيب النهاض بالأدب وما الذي قد نظمنا القولَ فيه سوى … صدى الذ قاله في سالف الحقب تحية الرسلة في منهل عامها الثالث للأستاذ محمود الخفيف أردت بشعري إجلالها … فما طرب القلب إلا لها تبدت لنا في عطاف الجلال … عروساً تُجررُ أذيالها تناهت اليها معاني الجمال … فما أطلع الشرقُ أمثالها تسير إلى الناس موموقةً … وقد أكبر الناسُ إقبالها عليها من الشرق ديباجةٌ … توشح بالسحر سربالها وقد عقدت تاجها من سناه … وصاغت من الحق أحجالها وفي مقلتيها يشعُ اليقين … ويشغل ذكر العلي بالها وما حفلت بصغار الأمور … وما صحب المينُ أقوالها ومن ذا رأى قبلها غادةً … تقابل بالصفح عذالها؟ * * *

стр. 6583

تجدد للناس عهد الوفاء … وقد رافق السعدث آمالها وتستقبل الفطرَ في عيدها … فيصبح نور الهدى فالها أشيع أيامها الحافلات … وأستعرض اليوم أعمالها وما عرفتْ قبلُ غير الرشاد … وقد سجل الدهرُ أفعاله ألم نر كيف مشت حرةً … تفك عن الضاد اغلالها؟ وتجري البلاغة رقراقةً … فترتشف النفس سلسالها فمن أدب تشتهيه النفوس … ومن قصص هو أشهى لها وتزجي القوافي معسولة … وتسكب في القلب جريالها تسوق العلوم لأهل النهى … وتفتح للذهن اقفالها وترفع ثم صروح الفنون … وقد كره الناسُ أطلالها وتحيو إلى مُسْتَكيِنَّ الخدور … تفتق في الشرق أسدالها وتخرج ميتدعات العصور … وتعرض للناس أشكالها وما الشرق إلا معين الفنون … وإن أخرج الغرب مثالها وما هو فن ولكنه … وميض من الروح أوحى لها تجدد ماضيه العبقري … وقد هاج ماضيه بلبالها وتدعو إلى العزفي أمة … اطال بنو الغرب إذلالها تذكرُ بغدادَ عهدَ الرشيد … وتحصى بجلق أقيامها وتتلو بمصر حديثَ الخلود … فتوقظ للجد أشباله تريك الملاحم في هولها … وقد توج النصرٌ أبطالها كأنك تلمح بين السطور … دخان الحروب وقسطالها وتسمع فيها صليل السيوف … وكرَّ الجياد ونصالها وقد ضاق بالجمع رحب الفضاء … وزلزت الارض زلزالها ترى خالداً في غمار الحتوف … يخوض إلى النصر أهوالها وتلقي صلاحاً يذل العداة … وقد كان في الحرب رئبالها فيملأ نفس ماضي البلاد … ويذكر قلبك ما نالها

стр. 6584

وكم جدد الذكرث بأس الشعوب … إذا أقعد الخوف أعزالها حمدنا لصاحبها جهده - فقد ألهم الشرق إجلالها (رسالته) فيه رمز الأخاء … إذا رسم الفكر تمثالها لقد وحدت فيه شمل الشعوب … وإن فرق الدهر أنسالها وتهدي إلى الرشد في أمة … أراد أولو العلم إضلالها! فلابرحت تصطفيها لقلوب … وتستقل العين إجمالها محمود الخفيف الراديو للأستاذ محمود غنيم شادٍ ترنم لاطير ولابشر … ياصاحب اللحن أين العود الوتر؟ إني سمعت لساناً قُد من خشب … فهل تُرَى بعد هذا ينطق الحجر؟ لو قلتُ بالجن قلتُ الجن أنطقه … أو قلت بالسحر قلت القوم قد سحروا صوت (بروما) صداه رن في أذني … كأنما هو من فكي منحدر كأنما كل أذنٍ أذن (ساريةٍ) … وكل ناءٍ ينادي نائياً (عُمَر) هنا الخطيب الذي خانته جرأته … يقول ما شاء لا جبن ولا خور فليس يخشى ضجيج القوم إن طربوا … وليس يخشى عجيج القوم إن سخروا لهفي على صولة الحاكي ودولته … لقد غدا في ربيع العمر يحتضر وآلة جعلت من حجرتي أفقاً … يرتد منحشراً عن حده البصر كأنما الكرةُ الأرضية انحصرت … في جوفها، والوري في جوفها انحصروا قد حكمتني في الأصوات لوحتها … فصرت أختار ما ىتي وما أذر وكل رقم عليها شوه طرب … وفيه كنز من الالحان مستتر قد كنت أغشى بيوت اللهو منتقلاً … فصار يسعى إلى اللهو والسمر لها فم ليس يستعصى على لغة … على الرطانة ولإفصاح مقتدر عوراء لاتخرج الاصوات من فمها … إِلا إِذا ما بدا من عينها الشرر صماء لكن تعي ما لاتعي أذن … بكماء من فمها الاخبار تنتشر

стр. 6585

ثرثارة إن أردت القول ثرثرة … فأن أردت اختصاراً فهو نختصر في كل يوم نرى لغرب خارقةً … يكفيه هذا ويكفي المشرق النظر القوم يبتكرون المعجزات لنا … ونحن نفتن في إطراءابتكروا فهل تُرى الشرق قد أدى رسالته … وهل تُرى أنبياء الغرب قد ظهروا محمود غنيم زهرة أقحوان للأستاذ إغيليا أبي ماضي كان في صدري سر … كامن كالأفعوان أتوقاه وأخشى … أن يراه من يراني وإذا لاح أمامي … عقل الذعر لساني لم أخفه غير أني … خفت أبناء الرمان ولكم فان نطيري … خاف قبلي بطش فاني لم يَسَع سري فؤادي … لم تسع نفسي المعاني فقصدت الغاب وحدي … والدجى ملق الجران ودفنت السر فيه … ثلما يدفن جان ورأى الليل قتيلي … فبكاه وكاني إن لليل دموعاً … لاتراها مقلتان كنت حتى مع ضميري … أمس في حرب عوان فانقضى عهد التجافي … , اتى عهد التداني خدرت روحي فأمسى - شأن جل الخلق شأني لا أرى في الخمر معنى … ولَكَم فيها معاني فكأني آلة العا … صر أو إحدى الأواني لم يعد قلبي كالبر … ق شديد الخفقان لم تعد نفسي كالنج … مة ذات اللمعان

стр. 6586

بت لا أبكي لمظلو … م ولا حُر مهان لا ولا أحفل بالبا … كي ولو ذا صولجان صرت كالصخر سواه … هادم عندي وبان يا لَلآمالي الغوالي … يا لأحلامي الحسان! طوت الغابة شري … فانطوت معه الأماني ضاع لما ضاع شيء … من كياني بل كياني في صباح مستطير … كمصباح المهرجان لبست فيه الروابي … حلة من ارْجوان وتبدى الغاب من أو … راقة في طيلسان ساقني روح خفي … نحو ذياك المكان فاذا بالسر أضحى … زهرة من أقحوان

стр. 6587

فصول ملخصة في الفلسفة الالمانية ٤ - تطور احركة الفلسفية في ألماني للأستاذ خليل هنداوي الذات تخرج من نفسها وتعود الى نفسها، ولكنها تعود أكثر قوة وغنى، وكل معارضة تلقاها في الخارج لا تزيدها إلا قوة ومضاء. وفي كل جزء من أجزائها تحس أن قوة حيوية جديدة تولدت فيها، ونهاية أربها أن تعلن فوز سلان العقل على المادة والطبيعة، أو كما يقول (فيخت) (اتحاد الذات مع غير الذات) وهذا الاتحاد أو هذا الامتزاج المطلق يجعله فيخت مثله لأعلى، ويراه الفيلسوف (هيجل) حقيقة من حقائق الوجود الذات السامية متمثلة في الله، والذات الآلهية هي الكمال الاعلى. والذات الانسانية تمثل - مجازياً - ما يمثله الله - خقيقياً - ولكنها يحدها الزمن وينتظرها الزوال. أما فاعليتها فباقية خالدة لتحقق مثلها الاعلى ولتدنو في الشبه طوراً بعد طور - من الآلة. والآلة لا حق لنا في تمثيله ولا إثبات وجوده بما هو خارج عن كنهه، لأن تمثيله معناه تحديده وإبرازه على صورتنا الزائلة، وجعله وثناً له شأن الاوثان. وإثبات وجوده معناه أن نستعين بيقين مستمد من غيره في سبيل اثباته، مع أنه هو مصدر كل يقين وهو الفاعل المطلق موقفه من الدين لم يؤثر شيء من النقد في نفس فيخت كما أثرت فيه تلك الوشاية التي أراد خصومه من ورائها أن يتهموه بالألحاد، وما زال الالحاد سيفاً يشهره العاجزون يهولون به على الأقوياء. قابل (فيخت) هذه التهمة بابتسامة كئيبة، لأنه يعتقد أنه مضمر للدين عاطفة طيبة تشف عنها كتاباته ومقالاته، وإزاء هذه الوشابة أرسل إلى قومه نداء يدفع به عن نفشه هذه التهمو الشنيعة، وهو نداء يطفح حرارة والتهاباً وإيماناً. قال فيه:)

стр. 6588

(إن الرجل المتدين هو الذي يشترك في تمثيل سلطة الله على الأرض، ٌائمة نفسه حق القيام بما يجب عليها من قواعد الأخلاق. يستيل علي أن اتخذ لي هدفاُ وغابة هذه الحياة التب يتبرم الناس بهمومها وأفراحها. . . وإنما يجب على أن يكون لي غرض مباين لهذه الأغراض. . . إن الاشياء تقاسمنا - بحسب أهوائنا - أمانينا وميولنا، فهي تئن إذا أرغمها على الزهو مرغم وهي ترجو الانعتاق إذا أمسك الحرية عليها مسك، وهذا الأمل المتوقد في ما هو أسمى وأرفع وفي ما هو أبقى وأخلد، وهذه السآمة من الأشياء الزائلة الفانية، كل هذه هي عواطف لاصقة بقلب الانسان! ووراء ذلك صوت لا يمكن لبشر أن يخنقه إذا علا وارتفع في صدر الانسان، يوحي عليه أن هنالك واجباً فرض عليه أن يقوم به لأنه هو الواجب، والانسان الذي لا مفر له إلا إلى نفسه يسمع ذلك الوصت ويردد معه (ليمنعني ما يمنع! فانني لقائم بواجبي حتى لايكون هنالك لائم) وهذا الحل الذي وجده هو الذي يجعله محتملاً لهبة الحياة إذا استلمها، ولا نتزاعها منه إذا فقدها، يقول بنفسه. . أريد أن أنجز أيامي لأن الواجب يدعوني إلى ذلك. . . أريد

стр. 6589

أن اتمم ما تطلب الحياة مني وما تفرضه علي. . . إن الحياة مقدسة عندي! وما قدسها إلا حب الواجب.) ويرى فيخت وجوب توحيد الاخلاق والدين لأن غايتهما واحدة ووجهتهما واحدة. فالدين بغير أخلاق ما هو إلا مظهر خارجي يغذي العقل بالأوهام والأساطير دون أن يرقي به إلى ناحية من نواحي الكمال. والأخلاق بغير الدين تتركنا نجتنب الشقاء خشية عاقبته، دون أن نغرس في نفوسنا حب الخير لنفيه. ألا ليكن دستورك الشريف في حياتك أن تريد ما يجب، وأن تظهر إرادتك من أدران هذا العالم، وتنقذ وجودك منها ليتسنى لك العروج الى عالم هو أسمى من عالمنا الحاضر، , ان تصرف نفسك عن هذه الحياة الى الحياة الهادئة السعيدة ويقول أيضاً: (إن مزية الرجل المتدين الحقيقي في مذهبي هي أن تكون له رغية واحدة تحدوه، وفكرة واحدة تسوقه، صلاته هذه الآية: (ليأت ملكوتك) وفي غير ذلك لايتسع صدر لشيء، ولا تسمى قدماه إلا في سبيل واحد يدينه من غايته ولايطيع في كل ما يأتيه من عمل إلا صوت ضميره على أن روح فيخت الدينية بدأت تبدو كثيراً في كتاباته الاخيرة التي أراد بها توضيح مذهبه. ففي كتابه (الموجز) نرى نزعته الفكرية التي تؤمن بأن الله قد أناب منباه (الذات المطلقة) على الأرض، وأن نهاية هذه (الفاعلية) الانسانية تفنى في وحدة تمزجها مع الالوهية. وفب كتابه (غاية الانسان) يعلن فيخت بأن حقيقة العالم الخارجي بعيدة عن الوضوح والبيان، ولكن في الامكان تعليلها بطريقة من طرق الايمان، أليس هو شعورنا الذي يحفزنا الى معرفة (حقائق الأشياء الخارجة عنا) وهي كائنات لها وظيفتها في الوجود كما لنا وظيفتنا، وأرانا مضطرين الى اسعافها في اكمال وظيفتها وفي كتابه (معرفة الحياة السعيدة) يبحث مسألة الاتحاد مع واجب الوجود، وقد يكون في استطاعتنا القول أن هذا الاتحاد قد يكون اتحاداً صوفياً (يمثل فناء المحب في المحبوب) لو لم ينبهنا فيخت الى أن هذا الاتحاد ليس باتحاد فارغ - كما نتمثله - وإنما هو اتحاد ملائم لجبلة الله. وإنما الرجل المتدين عنده هو الذي يؤمن ويضع رجاءه - لا في الله - لانه يحمل الله في قلبه، ولكن في الانسانية التي يجاهد في سبيل إسعادها وكمالها

стр. 6590

قيمته الفلسفية أجمع النقاد على أن فلسفة فيخت ليس لها ذلك الألتئام والاتحاد اللذان تمتاز بهما فلسفة (انت)، وإنما هي قوة منبعثة يجهل بواعثها فيخت نفسه. قد لا تتفق وجوهها إلا بجملة امتيازات خاصة لو تأملها متأمل عن كثب لرأى ركاكتها ولمس ضعفها، فالذات في نظره هي الفاعل المطلق، ولكن يف يسند إليها هذا الأطلاق وهي ليست بالمطلقة، وكيف تكون مطلقة وحولها ذوات ثيرة مثلها، كل ذات منها مطلقة في نفسها؟ إن قيمة فلسفة فيخت لا تتمثل حقيقة فيما اتسفت وابتدعت - في عوالم النفس - فهي لم تكتشف شيئاً، ولم تكشف عن شيء في المسائل العلمية، ولكن هذه الفلسفة ستبقى مطبوعة بصفة لاتبلي، هي سر كل بقائها وعظمتها قد يأتي يوم يفقد فيه (كانت) كل مناصر، ولكنه لن يفقد بعض آراء مثمرة جديدة لها خطرها فيما أبدعت، (وفيخت) لن يفقد بعص صفحاته النقية وبعض آرائه السامية. وهب أنه فقدها، فهو لن يفقد ذلك المثل الأعلى الذي هام في طلبه طيلة حياته، وكان أبلغ واسمى ما تجلى به مذهبه أن الأنسان الأخلاقي - في فيخت - يغلب على الأنسان الفيلسوف! والأنسان الأخلاقي - في فيخت - يغلب عليه وسمو عليه النسان وحده. . . (يتلي) خليل هنداوي

стр. 6591

القصص من الادب الألماني التأمين (ضد) امرأة جميلة للقصصي الالماني قبيل الساعة السادسة جلس في الغرفة الخلفية لحانة (الطاحونة الملكية) ستة رجال على مائدة مستطيلة. وكا منهم يخشى البدء بالكلام برغم تعارفهم - ذلك التعارف الذي لامفر نه لسكان بلدة صغيرة. وكانوا في حياتهم ومعاشهم متشابهين، فكلهم موظفون، لهم مكاتبهم التي يجلسون إليها في مصارف أو مصانع أو محال تجارية. جاءوا جميعاً لأن كلا منهم قد بلغته دعوة للحضور إلى (الطاحونة الملكية) في نفس اليوم من الساعة السادسة لكي يتم تأسيس جميعة عظيمة الخطر والنفع له. وقد طلب إليهم صاحب الدعوة أن يسروا الخيبر، فأخفوه حتى عن نسائهم، إذ ظنوا أنها مسألة قد تكون خاصة بالرجال. . . ون يدري؟ وكان الداعي فطناُ إذ خلق لكل منهم آملاً معسولة. غير أن واحداً منهم لم يعرف شيئاً على وجه التحديد. فانتظروا (الهر فِريِد) صاحب الدعوة. وكان هذا شاباً رشيقاً، جواباً للبلاد يطويها من المشرق إلى المغرب، وله مهم غير معروفة بالذات. وكثيراً ما كان شخصه موضع حديث الناس لغريب شأنه وما ان دقت الساعة حتى دخل الهر فريد إلى الغرفة، وقال كمن يرأس جماعة: (سادتي! إنه ليسرني أن أراكم مجتمعين كاملي العدد. . .) فابتسموا جميعاً، ولكنهم أزداودا اليه تطلعاً. وابتسم الهر فريد وتابع قوله: (كاملي العدد - يا حضرات المختلسين. . .!) فذعُر الرجال الستة وهرب الدم ن وجه ثلاثة منهم، وصعد الدم إلى رؤوس الثلاثة الآخرين. وحاول كل منهم أن يكظم غيظه، أو يرسله كلمة صاخبة يحملها إلى الهر فريد في شيء من الرفق والتودد. أما هو فأخرج من جيبه ورقة قرأ فيها أسماء الحاضرين، وكان يردف كل اسم بأرقام تتراوح بين الألف والعشرة آلاف. وما كاد ينتهي من ذلك حتى شملهم سكون أشبه بسكون الموت. وبعد هنيهة تشجع من

стр. 6592

اقترت اسمه بأكبر رقم - وكان صيرفياً في (بنك التجارة) وأراد محاسبة الهر فريد على كلامه فقال له: (من أين عرفت ذلك؟) فقال: (هذا ما لا أريد ذكره الآن.) فسأله: (أمن رجال الأمن أنت؟) فأجاب: (لا.) فتنفس الرجال الستة الصعداء. ولما سئل ثانية: (ألاستغلال الموقف؟) قال (كلا!) قالها فرحاً وزاد عليها: (وهل لديكم أشياء يستغلها الغير؟ لقد اختلستم أكثر من نصف ما في خزائنم، وأريد الآن أم اوجه إليكم سؤالاً بسيطاً: ماذا تفعلون لو جاء مفتش؟) وانقلب الرجال الستة مرة أخرى الى كتلة من الذعر والمرج، وتعالت الصيحات وكثرت الأسئلة، ومضت دقائق يغمغمون دون أن تتميز كلماتهم وقال الهر فريد: (إني أعرف جيداً أن ساعتين كفيلتان بدرء الخطر، إذ النجدات تطلب، والتلغرافات إلى الأقارب ترسل، والمحادثات التليفونية مع الأصدقاء تقعز فيتم جمع المبلغ المطلوب، ويوضع في الخزينة لكي يرد الى أصحابه بعد عملية المراجعة والتفتيش التي قد تستغرق بضع ساعات. ولكن ماذا أنتم فاعلون أذا فسل المسعى رة؟ وبدت على الجميع الحيرة. غير أن الهر فريد بسط ذراعيه وقال (إني لا أريد بكم سوءاً، بل لقد جئت لرشادكم. إني أعرض عليكم خطة للنجاة. . . ماذ ترون في تنظيم مساعدة سريعة حينما يداهمكم تفتيش على غير انتظار؟) (انها أسئلة مفجعة. ولكن ما هي الخطة: يا سادتي! يجلس هنا صيافة ستة لمحال مختلفة. وإذا لم أخطيء التقدير فاثنان منكم في مصرفين، وأربعة لأاربعة مصانع. فهل يمكن أن يجري التفتيش عند الجميع في وقت واحد؟ كلا يا ساتدي، فهذا من الوجهة العملية لايمكن، ولن يمكن وقوعه في الحياة. وإذاً فهذه المفاجأة غير المرغوب فيها لا تهدد إلا خزينة واحدة. ولا يجيء الدور على الخزينة الثانية حتى ينتهي التفتيش من الخزينة الاولى. ويصح أن أكرر القول بأنه حينما تكون إحدى الخزائن واقعة تحت خطر داهم، فلن يصيب

стр. 6593

الخزائن الخمس الاخر شيء قط مهام كان العجز الذي فيها. ولهذا يمكن أخذ الأموال من تلك الخزائن لأنقاذ الخزينة المهددة. ثم بعد مرور الخطر، أي بعد بضع ساعات ترد الأموال ثانية. هذا كل شيء. وهو بالنسبة اليكم ولموقفكم كبيضة كولومبوس) من أجل هذا وجب عليكم يا سادتي أن تتعاونوا للتأمين ضد الحالات السيئة الطارئة وتجعلوني رئيساً عليكم، ولابد أن تجعلوا لي على ذلك أجراً شهرياًز ولس هذا بالأمر العسير، إذ أن الخزائن التي أنقذتكم في ميسورها أن تتحمل ذلك دون أي مشقة) وفي الليلة نفسها تألفت في حانة الطاحونة الملكية شركة للتأمين من نوع جديد، ثم أملي الرئيس، الهر فريد، مواد قانون الشركة ومنها: الدفع في الللحظة المطلوبة، رد المبلغ في طرف أربع وعشرين ساعة، عدم تغطية الخسائر السابقة، يتقي خطر كل اختلاس جديد. ومن ثم تلاشى الرعب وسرى في النفوس البشر. وكانت أقداح البيرة تملأ باستمرار من جديد. وان الهر فريد، المقذ، موضع التكريم من الجميع وتناسوا جميعاً الورقة التي بها الاعداد الصحيحة من النقص في كل خزانة، وكانت على المائدة. فلما أبصرها أحدهم على حين غرة وجه السؤال مرة أخرى الى الهر فريد الذي تصادق مع الجميع فقال: (من أين عرفت ذلك؟) فأجابك (الآن سأقص عليكم المسألة: طبعاً تعرفون السيدة ماري لو؟) فاندفعوا جميع في صوت واحد ليقولوا كلمة (لا!) فاستأنف قوله: إذاً سأذكر لكم شيئاً عنها. ان السيدة (ماري لو) جذابة، قصيرة القامة، شقراء اللون، تسكن وحدها منزلاً خلوياً في ظاهر بلدتنا. أما كيف صار لها هذا المنزل، وكيف حصلت عليه، ولا زالت تحصل على مطالبها - وحياتها هي الترف بمعناه الكامل - فهذا ما لا يعرفه أحد في بلدتنا، أليس كذلك؟ غير أني أعرف السر، إذ هو متعلق بعمل أمارسه في بعض الأحليين. إن للسيدة (ماري لو) دفتر حساب يحصر فيه جميع داخلها ومصروفها، وكانت قد دعتني مرة لتنظيم هذه الدفاتر. ومن ذلك اليوم وأنا أعالج تنظيمها بطريقتي الخاصة. وإذاً فأنا لست رئيس هيئتكم فقط، ولكني أيضاً مراجع حسابات السيدة (ماري لو) وها أتنم اولاً ترون إنني أمارس مهناً غريبة، ولكنها في الواقع متصل بعضها ببعض، ففي أحد دفاتر الدخل وجدت أسماءكم جميعاً يا سادتي، ووجدت بجانب كل أسم

стр. 6594

رقماً من الارقام. . إنني أعرف انكم متزوجون. ومعنى ذلك أن مرتباتكم الكاملة تقدم اولاً بأول إلى زوجاتكم. . . والأرقام التي وجدتها في دفتر دخل السيدة (ماري لو) نقلتها هنا بكل أمانة. . . ولابد أن تكون هذه الارقام هي اختلاساتكم الجليلة اشأن، المحسوبة حتى أخر فلس ولم يغضب هؤلاء السادة لسماع ذلك، إذ أن هذا الشاب الظريف كان قد دفعهم الى التمتع برؤية مستقبل باهر. ثم لم يغب عنه أنه يختم الليلة بالتحدث عن مكارم الأخلاق إذ قال: (إنه لا يليق بمقامكم أيها السادة أن تجر عليكم الخسارة امرأة مثل السيدة ماري لو. . إنني أكتفي بهز رأسي. انظروا الي، إنني لم أجد اسمي في دفتر دخل السيدة ماري لو، برغم أني أعمل معها ليل نهار في مراجعة حساباتها وشؤن أخرى) وراج التأمين ضد الحالات غير المرغوب فيها بسرعة فائقة، وأصبح عدد الاعضاء ثلاثين عضواً، إذ وجد الهر فريد أسماء الاربعة والعشرين الجدد مدرجة واحداً بعد واحد في دفتر ماري لو. . . وسرعان ما كانت له سيارة جديدة يجوب بها البلاد والمدن المجاورة، لينشئ فيها فرعاُ لشركته التعاونية هذه، أو ليقوم بما يشبه ذلك من الأعمال. وكان كل مطمعه الا يظهر أي اختلاس في الوطن الذي يحميه ومن الأموال المقيدة بارقام ميتة في دفتر لخزينة ان الصيارفة يرتعون في بحبوحة من العيش. وكان المفتشون والمراقبون يجدون كل شيء على أمله. وكانت الاحصاءات تدل على ان درجات الشرف ترتفع باستمرار في البلاد ولا أن اجتمعت الجمعية العمومية في (حانة الطاحونة الملكية)، وفقاً لتقاليدها القديمة، كان التقرير السنوي حسناً، فوافق عليه الثمانمائة عضو بالاجماع. وأذاغ الهر فريد في خطابه السنوي قرب تحيقي ما يأمله من تبليغ أعمال الشركة الى عاصمة الدولة حتى يقضي على الاضطرابات المالية وفق طريقته المبتكرة، ثم جلس بين عاصفة من التصفيق والابتسام، وفي هذه اللحظة اندفع باب غرفة الاجتماع، وتقدم اثنان من مديري البنوك، وثلاثة من مديري المصانع، يعلو وجوههم الحزن. وكان يحمل كل منهم خطابات ورسائل مطبوعة تشيد بمكانة شركة التأمين وقدرتها. وظن المجتمعون أن عهد الاختلاسات قد مضى فاختل التوازن بينهم. ولكن الهر فريد بقي جالساً لاتفارقه ابتسامته

стр. 6595

وسأله المتكلم من بين المديرين الخمسة: (هل هذه المطبوعات خاصة بكم؟) فرد عليه الهر فريد بالايجاب ثم استمر في السؤال: (هل كل هذه البيانات المذكورة صحيحة؟) فرد عليهم الهر فريد بالايجاب مرة ثانية وأخيراً لب خمستهم قبولهم أعضاء في هذه الشركة العملية، ولما انتهى الاجتماع السنوي سأل احدهم الهر فريد: (لماذا ل م تحرك ساكناً في أول الأمر، ودق داهمنا هؤلاء المديرون؟) فأجاب: (رأيت من قبل أسماؤهم الخمسة في دفتر حسابات دخل السيدة ماري لو.) ثم أعقي ذل بقوله (إنني لا أتمالك غير هز الرأس، أي، لقد تدنس عظماء الرجال) وما لبث أن طلب المديرون الجدد التوسع في أعمال الشركة وإصلاح نظمها. فالتأمين ضن الحالات غير المرغوب فيها - بعد أن اتسعت أعمال الشركة وتشعبت - تطلب تنظيماً جديداً وفرض اشتراك (يرد ثانية إلى الاعضاء) لكيكون بمثابة احتياطي مضمون. ودفع كل عضو مبلغاً من ماله الخاص. ولما أن تجمعت هذه المبالغ العظيمة اودعت عند الرئيس المبجل الهر فريد، كرصيد سريع لدرء الخطر * * * وفي صباح يوم اتصل الهر فريد تليفونياً بالاعضاء السبعين (وهكذا أمسى عددهم) وكلفهم بسرعة جمع مبلغ جسيم. وبالطبع سأله الجميع عن أسم المختلس الذي وقعت له حالة غير مرغوب فيها فكان يجيب: (هس شركة التأمين ضد الحلات غير المرغوب فيها.) وكان كل واحد منهم يعتقد أنه سمع خطأ أو فهم خطأ. ولكن الرئيس سؤكد له: (إنك تسمع ما أقول صحيحاً. إن المديرين ضربوا اليوم موعداً للمراجعة والتفتيش، وللأسف اختلست انا الرصيد الذي كان عندي منذ أيام.) فكان جواب كل منهم: (ماذا تقول؟ إنه يجب عليك أن تتحمل الخسارة وحدك وتسد النقص

стр. 6596

حالاً) وكانت إجابة الهر فريد الثابتة: (إنني لا أفكر مطلقاً في ذل. إنني عضو في الشركة سائر السادة المختلسين) ثم يسأل كل منهم: (وكم يكون العجز؟) فيجيب: (هو الاحتياطي بأجمعه وإني آسف إذ ليس في وسعي إعطاء الارقام الصحيحة.) وكانت صرخة الغضب تدوي من كل منهم حين يقول: (لماذا؟ أليس امبلغ مقيداً في دفتر حسابات دخل السيدة لو؟) فيقول الهر فريد متحسراً: (لا. إن صديقتي الجديدة ترهب مسك الدفاتر وتمقته. نعم إن السُّمْر من النساء لا يرين للمال حرمة.) عربها عن الألمانية ا. ا. ي.

стр. 6597

من روائع الشرق والغرب المشهد العام للكون لشانو بريان من كتابه (عبقرية المسيحية) إن في الكون إآلهاً تقدسه أعشاب الوادي، وتمجده أدواح الجبل، وتسبح بحمده الحشرة، ويحييه في الصباح الفيل، ويغرد به على الغصون الير، وتُبرق بقوته الصاعقة، ويدل على سعته البحر، والانسان وحده يزعم أن ليس في الكون إآله! كأنه لم يرفع بصره إلى السماء فيْ بلائه، أو لم يخفض نظره إلى الأرض في رخئه! وكأن الطبيعة بعيدة عن تناوله، خارجه عن تأمله! لعله يعتقد أنها أثر من فعل النصادفة! ولكن أية مصادفة استطاعت أن ترغن نافرة عصية على هذا النظام الكامل المحكم!؟ إن في إمكانك أن تقول إن الإنسان فكرة الله المُعْلَنة، وأن العالم مخيلته المُحَسةـ وأن الذين قبلوا أن يكون جمال الكون دليلاً على قوة الادراك وسمو البصيرة كان يجب عليهم أن يلاحظوا شيئاً تعظم له كرة العجائب وتزيد به دبائع الخلق: ذلك أن ما ينوع زخرف الدنيا وجمال الوجود من الحركة والسكون، والظلام والنور، وتوالي الفصول، وسبوح الكواكب، ليس تعاقبه إلا في الظاهر؛ أما في الواقع فكل شيء ثابت؛ فالمشهد الذي يمحي من عيوننا، يشرق في نظر قوم غير قومنا. إنما يتغير الناظر؛ أما المنظر فهو باق على حاله. وهكذا يجمع الله في صنعه بين الدوام المطلق والدوام المتجدد، فَوَضع الأول في الزمان والثاني في المكان، وجعل بالدوام المكاني جمال الكون واحداً ثابتاً غير محدود، وجعله بالدوام الزماني متكاثراً متجدداً غير متناهي، وبدون هذا لايكون تنوع الطبيعة، وبغير ذلك لا تتم عظمة الخليقة هنا يتراءى لنا الزمن في علاقة جديدة، لإادنى جزء من أجرازئه يصير كُلاً تاماً يشمل الكل. وإنْ من شيء إلا يتغير حاله فيه ويختلف نظامه به، سواء في ذلك موت الحشرة، ومولد العالم: فكل دقيقة خي في ذاتها خلود مصغر دع فكرك يجمع في لحظة واحدة أروع حوادث الطبيعة، فقدر أنك ترى في وقت واحد جميع الساعات، وجميع الفصول، وصبحاً من أصباح الربيع، وبكرة من بُكر الخريف،

стр. 6598

وليلاً مرصعاً بالنجوم، وليلاً آخر ملبداً بالغيوم، ومروجاً مطرزة بالزهر، وغابات محملة بالصقيع، وحقولاً مذهبة بالحصيد، تجتمع في ذهنك فكرة صادقة عن الكون إن في الساعة التي تعجب فيها بالشمس وهي تغيب في جنية المغرب، إنساناً آخر يعجب بها وهي تلوح من حاشية المشرق فبأي سحر خفي تكون هذه الشمس العجوز التي ترقد مكدودة محترقة في غبار المساء، وهي في هذه اللحظة نفسها تلك الشمس الشابة التي تستيقظ من خدر الصباح مبللة بالأندار؟! في كل لحظة من لحظات النهار تشرق الشمس، وتسطع في السمت؛ وتغرب عن هذا العالم، أو قل توهمنا مشاعرنا بذلك؛ والواقع أن ليس هناك شرق ولا ظهر ولا غرب! انما يرتد كل ذلك إلى نقطة محدودة ترسل فيها شعلة النهار في جوهر واح، ثلاثة أضواء في وقت معاً من بدائع طاغور من كتابه (القربان الغنائي) (جيتَنْجالي) يا حياة حياتي: أنا اجتهد دائماً أن أحفظ جسمي من الدنس، لأني أعلم إن لَمْستَك الحي وَسْمٌ على كل عضو من أعضائي أنا أجتهد دائماً أن أحفظ قكري من الخطأ، لأني أعلم أنك أنت الحقيقة التي تبعث نور العقل في ذهني أنا أجتهد دائماً أن أذود عن قلبي الخبث، وأدفع عن حبي الذبول، لأني أعلم أن مسكنك هو الهيكل السري من قلبي وسيكون قصاراى أن أجتليك في كل عمل، لأني أعلم أن قدرتك هي التي تندني بالقوة لأعمل - ٢٦ - أقبل فجلس الى جانبي ولم أستيقظ! فعلى نومي الشقى اللعنة! جاء في سجُو الليل وفي يده قيثارته، ثم غني فاهتزت أحلامي لانغامه! وا أسفاه! لماذا تذهب ليالي ضياعاً؟! والهفتاه! لماذا يفر من مشهدي، ذلك الذي تمس أنفاسه

стр. 6599

مرقدي؟ - ٣٥ - هناك حيث الفكر أمن والرأس مرفوع؛ هناك حيث المعرفة حرة؛ هناك حيث العالم لم يُجَزأ أجزاء ضيقة مشتركة؛ هناك حيث الكلمات تصدر من أعماق الاخلاص والصدق، هناك حيث الجهد اللاغب يبسط الاذرع نحو الكمال؛ هناك حيث البرق الساري للعقل لا يضل ضلال الموت في بيداء التقاليد والعرف، هناك حيث الذهن يتقدم على نور قيادتك في تحرير الفر والعمل: هناك في هذا الفردوس، فردوس الحرية، تَطَول علي يا أبي أن يكون موطني هناك! طاغور إني شكرت لظالمي ظلمي … وغفرت ذاك له على علمي ورأيته أسدي إلى يداً … لما أبان بجهله حلمي رجعت إساءته إلى … وإحساني فعاد مضاعف الجُرم وكأنما الأحسان كان له … وأنا المسيء إليه في الحكم ما زال يظلمني وأرحمه … حتى بكيت له من الظلم ابو العتاهية لقد جاءنا هذا الشتاء وتحته … فقير مُعري أو أمير مُدوج وقد يُرزق المجدود أقوات أمة … ويحرم قوتاً واحداً وهو أحوج

стр. 6600

وأحسب الناس لو أعطوا زكاتهم … لما رأيت بني الأعدام شاكينا أبو العلاء ـــ كأن بلاد الله وهي عريضة … على الخئف المطلوب كِفة حابل يؤدي اليه أن كل ثنيةٍ … تيممها تُوحي اليه بقاتل القتال الكلابي

стр. 6601

عدلك، واضنن بعرضك ودينك على كل أحد ابن المقفع

стр. 6602

من هنا وهناك هل لامرتين عربي؟ جاء في كتاب (لامرتين) تأليف الأستاذ ج. كلويه، وش. فيدال ما نصه (كان لامرتين يقول من ذات نفس إنه نحدر من أصل عربي وإن استقرار آل مرتين في مقاطعة (ماكونيه) يرجع تاريخه إلى الغزوة. وهذا التأكيد لانجد له أساساً مادمنا لانستطيع الرجوع بأصل آبائه إلى ما قبل القرن السادس عشر ففي سنة ١٥٧٢ ذُكر واحد من أسرة لامرتين في مذكرات كورديه بين النبلاء والوجهاء الذين أرغموا على أداء مبلغ جسيم من المال الى (كولدجيز) أسقف (ليمي). . ويقول م. بيير دلاكرتول إن جد لامرتين، وهو لويس فرنسيس دلامرتي زور في سجل الأحوال الشخصية فحول أسم آلمرتين الى دلامرتين) ويقول بيير دلا كروتل في كتابه (أصل لامرتين وشبابه) (. . . وأصل الاسم هو أَلامرتين أو أللامرتين كما كان يكتبه، ولا يزال يُسمع الى هذا اليوم في برغونيا وفي منطقة اللوار الاعلى. أما موطن الأسرة الأول فهو أقليم كاروليه حيث يجد الباحث في أخريات القرن الخامس عشر أسماء ألابرت وآلابرناد وآلابلانش وقد تحولت فيما بعد، الى دي، لا، برت وديلابرت ودي بلانش أما الأصل العربي الذي ان يعترف به لامرتين في زهو وفخر فربما كان عذراً جميلاً عن استسلامه للكسل الرفيع، وحبه الشديد لأنواع الحيوان، وتأثير جاذبية الشرق فيه وسلطانها عليه. ولاتزال هذه النسبة من المسائل التي يغيم على حقيقتها الشك) فأنت ترى أن لامرتين يعترف في صراحة وثقة بجنسيته العربية، ولكن الكتاب الفرنسيين بالطبع لا يصدقون هذا الاعتراف، ولا يؤيدون هذه النسبة، وإنما ينتحلون لها شتى الأسباب ومختلف العلل. فهل فينا من يصمد لهذا البحث في مظانهفيضيف الى عبقريات العرب هذه لعبقرية الخالدة، ويُرجع إلى أرواح الشرق هذه الروح الشاردة؟ أحد تعاريف الشعر ذكر بعض المؤرخين أن جيوزني كارديوسي سئل مرة عن خير تعريف للشعر، فقال إن

стр. 6603

خير التعاريف تعريف الأب اكسافييه بيتينللي خصم دانتي الألد وهو قوله: (الشعر حلم يتهيأ في يقظة العقل)، وكتب أدريانو تلغر في مؤلفه دراسة الشعر شرحاً دقيقاً لهذا التعريف قال: (لو تأملت قليلاً، وجدت أن التعريف الذي يتصل بعلم الجمال الحديث اتصالاً مباشراً إنما يتمثل فيما قاله ذلك اليسوعي عدو دانتي (يقصد به الأب اكسافييه)، وهو أن الفن حل. فهو نشاط روحي يتميز بطبيعة العقل وبالتفكير والمنطق، ولكنه حلم في يقظة العقل؛ فالفنان يحلم، ولكنه يدرك ما يتراءى له، أي يحلم وعيناه مفتوحتان، وهو يحلم ولكن نتيجة ذلك الخلم تخالف ما نحلم به ونحن رقود. فحلم الفنان إغفاءة في يقظة الضمير ورقابة العقل، فلا هو حلم كما نفهم من كلمة حلم، ولا هو نتيجة خالصة للعقل، ولكنه شيء لا هو بالحلم ولا هو بالأدراك. وإذا كان الفن حلماً يتهيأ في حالة اليقظة فمعنى ذلك أن الفن نتيجة روحية سابقة لانتباه العقل، منطقية سابقة للمنطق؛ وهو إدراك خالص للتصور وللضمير في وقت واحد. أي إن هؤلاء الذين هم في حضرة عقولهم وصحو ضمائرهم وكمال يقظتهم الفنية لم يخرجوا عن الصواب من بشر بن عوانة؟ هل عثر أديب من الأدباء على اسم هذا الشاعر في غير المقامة البشرية لبديع الزمان الهمذاني، وكتاب تاريخ أدب اللغة العربية للمرحوم جورجي زيدان، وكتب المحفوظات لوزارة المعارف المصرية؟ أما نا فلم يقع لي هذا الاسم في سفر من أسفار التاريخ ولا في كتاب من كتب الأدب على كثرة ما قرأت، فرجع عندي أن بشر بن عوانه الأسدي شخصية خرافية من شخصيات المقامات، خلقها البديع، وأجرى على لسانها تلك القصيدة المشهورة وفي وصف قتال الاسد وقد راعى البديع في نظمها الصيغة المحلية للعصر الجاهلي الذي فرض وقوع حادثها فيه، فجاءت في لغتها وأسلوبها وصورها أشبه بما قيل من نوعها في ذلك العصر، فدخلت في مختار لشعر، وسارت على ألسنة الشعراء، حتى خدعت رجال الأدب في وزارة المعارف، فحفظوها للطلاب على انها قصيدة جاهلية لشاعر جاهلي اسم بشر بن عوانه كان من امره وخبره ما أخبر عنه البديع في مقامته. وجاء المرحوم جوؤجن زيدان، فوجد القصيدة تدرس في المدارس، وصاحبها يذكر في الشعراء، فاقبته في الجاهليين، وترجم له قصيدة لم يرجع

стр. 6604

فيها الى غير تلك المقامة. وهذا مثل قريب تعرف منه كيف كانت الأساطير تدخل في التاريخ، والشخصيات الخرافية تدخل في الأدب، والقصائد المحولة تدخل في الشعر طبقات الجو العليا: نشرت جريدة (نوقيل ليترير) مقالاً علمياً قيماً لروجيه سيمونيت نقتطف منه الجزءالاتي: (من المعروف أنه كلما صعدنا في طبقات الجو العليا ازدادت الطبقة الهوائية انبحاجاً وازداد انتشار الهواء وقلت كثافته، ونقص تركيبه، وازداد صفاؤه حتى يصير رائقاً لا تشوبه ذرات الغبار التي تكون اعمدة طويلة من التراب قرب سطح الأرض، والهواء في تلك الطبقات غير صالح للحياة لانعدام الاكسيجين. وقد حاول علماء الطبيعة اليوم الوصول إلى تلك الطبقات واكتشافها لما لها من الفوائد العلمية العظيمة، فقاموا بكثير من المحاولات والتجارب نجح بعضها وأخفق الآخر، إذ أرسلوا منايدهم الكشافة، وبهذه الطريقة توصلوا الى معرفة بعض حقائق علمية ذات قيمة كبيرة. من ذلك أن الحرارة تنخفض درجة مئؤيو كلما ارتفعنا مائة وخمسين متراً فوق المستوى الأول لهذه الطبقات المجهولة التي أسموها وهذا الارتفاع يتغير إلى مائة متر في الهواء الجاف وإلى مائتي متر في الهواء الرطب. ولاحظوا أيضاً أن أقل درجة حرارة جوية تبلغ ٨٥ فوق المنطقة الاستوائية على ارتفاع عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف متر، وأن ضغط الهواء ينقص بسرعة هائلة فيصير نصف الهواء على سطح البحر على ارتفاع ستة آلاف متر، وينقص إلى الربع على ارتفاع أحد عشر ألف متر، وإلى عشر هذا القياس على ارتفاع ستة عشر ألف متر واكتشاف هذه الطبقات ذو فائدة كبيرة، إذ يصبح في مقدورنا أن نعرف موضع الازون وهو الذي يمتص أشعة الشمس فوق البنفسجية التي تهيء لنا الحياة على سطح الارض. ومن بين المعضلات التي يحاولون حلها ايضاً اكتشاف الاشعة الكوكبية ومن ثم مسألة أخرى تهم جماعة اللاسلكيين وهي دراسة الاحوال الكهربائية والحرارية لتلك الماطق الصامتة كما يسمونها، إذ أن اكتشافها سيفتح أمام العالم عصراً جديداً بل عالماً جديداً بأكمله، وقد نوه تسير تييك د بورن مؤسس مرصد (تراب) بذلك فقال: (إن مشكلات الارض تجد حلها في السماء) ويلاحظ أن الطائرة التي تحاول أن تحلق فوق هذه الطقات تلقى حتفها لساعتها، إذ يقف

стр. 6605

محركها لعدم وجود الاكسيجين كما أن الطبقات لا يمكن تحاملها لتمدد الهواء تمدداً عضيماً، وقلة كثافته نتيجة لذلك ويحاول كثير من العلماء اليوم تذليل تلك الصعوبات باختراع الطائرات التي يمكنها أن تصعد فوق هذه الطبقات، ولقد بدأ كثير ممنهم بالقيام بهذه المحاولات، ونذكر منهم ألبرت كاكوت ومسعده فرنان وأوجست راتو وليسيون موميه ولئن افضت أكثر هذه المحاولات الى الفشل فان النتائج تدعو الى التفاءل بالمستقبل. واذا جاء الوقت الذي يمكن فيه اختراع أمثال هذه الطائرات التي تحلق فوق هذه الاجواء امكننا الطواف حول العالم أقل من اربعين ساعة، واصبح في المستطاع أن نصل من باريس الى نيويورك في اقل من يومين، لان سرعة هذه الطائرات ستبلغ ألف كيلو متر في الساعة لقلة العوائق في الاجواء العيا، هذا الى المنافع الاخرى التي تختفي تحت ستار هذه الطبقات المجهولة

стр. 6606

البريد الادبي هل تتدخل الدولة لحماية الآداب القومية؟ هل تمتد سياسة الحماية الى الآداب والفنون؟ أو بعبارة اخرى هل أضحى من الضروري أن تعامل الثمرات العقلية والفنية كما تعامل الصناعات والمحاصيل القومية، فتفرض لها قوانين خاصى لحمايتها من المنافسات الاجنبية؟ هذا موضوع يتناوله الجدل اليوم في فرنسا. والمعروف أن الادل الفرنسي في مقدمة الآداب العالمية قوة وازدهاؤاً؛ ولكن الدوائر الادبية والفنية في فرنسا أخذت تنظر بعين الجزع الى اشتداد المنافسة الاجنبية للأدب الفرنسي، والى طغيان سيل الثقافة والآداب الاجنبية في فرنسا، وقد نشرت جريدة (الجورنال) الباريزية مقالاً في هذا الموضوع بقلم الكاتب الفرنسي جاستون رجو رئيس جمعية الكتاب الفرنسيين، يتساءل فيه عما إذا كان من الواجب أن تتقدم الحكومة لحماية الثمرات العقلية كما دعيت الى حماية القمح والنبيذ، ذلك أنك لاتكاد تفتح صحيفة يومة أو مجلة اسبوعية أو تشاهد واجهة مكتبة، أو إعلان مسرح، حتى ترى هنا قطعة ألمانية، وهناك قطعة انكليزية، أو اوبرا نمسوية، وهكذا في سائر نواحي الأدب والفن يتبوأ العنصر الأجنبي مكانته، وإذا كان التعاون العقلي هو شعار جميع الامم المتمدنة، فان ظروف العصر، ومصاعب الحياة الاقتصادية تجعل من المحتوم أن تأخذ الثمرات العقلية مكانتها اولاً , ان يعيش الكتاب المحليون ويضرب مسيو راجو لذلك مثلاُ عملياً فيقول: إن القصة الفرنسية القصيرة التي يؤلفها كاتب فرنسي متوسط يدفع فيها إذا نشرت في مجلة أسبوعية كبيرة بين ألفين وثلاثة آلاف فرنك؛ ولكن القصة الأجنبية القصيرة المماثلة لها في النوع والقيمة يدفع فيها ألف فرنك فقط. ويبدو هذا الفرق بالاخص في الروايات والقطع الكبيرة؛ فان القطع المترجمة لاتساوي من حيث الاجر اكثر من ربع القطع الفرنسية، وقد اشتدت هذه المنافسة حتى أن قيم القطع المؤلفة قد انحط انحطاطاً كبيراً وقد أثارت جمعية الكتاب هذا الموضوع الخطير وانتدبت لجنة لبحثه ثم يقول مسيو راجو: اذا كانت الامور قد وصلت الى ها الحد، أفلا تدعو مصلحة الكتاب الحيوية الى التماس الحماية؟

стр. 6607

وهل يكون تحقيق هذه الحماية بأصعب من حماية المزارعين؟ إن الادب الفرنسي من أكثر آداب العالم انتشاراً، وأشدها عرضة للترجمةوالاقتباس، وفرنسا في ذلك تتفوق في نسبة الصادر الى الوارد تفوقاً كبيراً. وفكرة الحماية تقتضي المساواة والتبادل، فاذا طبقت هذه الحماية فان انتشار الكتب والصحف والقطع الفرنسية يحد تحديداً شديداً. هذا من الناحية المادية ومن الناحية المعنوية يخشى من فكرة الحماية على نفوذ فرنسا الثقافي والأدبي؛ ذلك أن انكلترا وايطاليا تشجع كل منهما فكرة الترجمى والاقتباس من آدابهما الى اعظم حد توسلاً الى نشر النفوذ المعنوي حيثنا تنتشر الثقافة الانكليزية او الايطالية؛ والحد من هذ١االانتشار يصيب مصالح فرنسا المعنوية بضرر عظيم وعلى هذا فان فوائد هذه الحماية ومضارها تتعادلان إذا صدرت من الحكومة. ولكن الحل الامثل هو أن تكون هذه الحماية اختيارية، وأن تصدر من الفرنسي إلى الفرنسي سواء في الانتاج والاستهلاك؛ فاذا كان شعار الفرنسيين (اقرأوا المؤلفات الفرنسيةّ! واطبعوا المؤلفات الفرنسية!) تحققن هذه الحماية على الوجه الاكمل دون أ، يتعرض التفكير الفرنسي للخصومة او الانكماش نقول: فما قول كتابنا المصريين في ذلك؟ مذكرات الامبراكورة ماري لويز ذكرنا في عدد سابق أن مجموعة ثمينة من خطابات نابليون إلى زوجة الامبراطورة ماري لويز عرضت للبيع في لندن، واشترتها الحكومة الفرنسية بمبلغ خمسة عشر ألف جنيه؛ وقد بيعت في نفس الوقت مذكرات الامبرطورة ماري لويز مكتوبة بخطها، فاشترها أحد الهواة بمبلغ ٤٩٠ جنيهاً، وهذه المذرات عبارة عن جريدة تبدأ مذ غادرت فينا في رحلة الغرس حتى استفرارها في باريس. فيها أخبار وحقائق غريبة عن علائق الامبراطور بزوجة الفتية؛ وتقول ماري لويز في اكثر من موضع إنها كانت تؤنب زوجها، وتدفعه أحياناً كما تدغع جندياً بسيطاً. وفي مكان آخر تصف رحلتها إلى البارجة الحربية (شارلمان) في ثغر شربور، وتقول إنها اضطرت أثناء طوفها بالسفينة غير مرة أن تشمر عن ساقيها وأنها سوف ترتدي في المستقبل (سروالاً) إذا ما أرادت أن تزور السفن الحربية وبيع في نفس هذه الجلسة قرطان انت تتحلة بهما الامبراطورة جوزفين زوجة نابليون

стр. 6608

الاولى، أثناء حفلة تتويجها بمبلغ ألف وخمسمائة جنيه، ويبعت مجموعة من خابات نابليون إى الماريشال مكدونالد بمبلغ ١٩٠ جنيهاً علم رياصي جديد خطب الأستاذ أميل بوريل رئيس أاديمية العلوم الفرنسية والأستاذ بلية العلوم في الأكاديمية منوهاً بأهمية علم أو فرع رياضي جديد أدخل في برنامج الجامعات من شأنه أن يسهل البحث والدراية في بعض العلوم، وبالأخص في الاحصاء والاقتصاد السياسي والمسائل النقدية، والعلوم البيولوجية والطبيعية والفلكية، وهذا الفرع هو علم (تقدير الاحتمالات) وهو فرع له خطورته في الفكرة العلمية كلها. وسوف يجدد مسائل العلم والفلسفة الخالدة التي وضعها الفلاسفة اليونان، وبحثها علماء العصور والأجيال كلهاز وقد كان له شأن في تغيير فكرة (الجبر) الطبيعي في تشيوسلوفايا توفيت أخيراً في براج فنانة تشيكوسلافية عظيمة هي الآنسة زدنكا براوبرفا، وقد كانت من زعيمات التفكير والفن، ومن أرفع سيدات براج ثقافة وذكاء وسحراً، وهي ابنة سياي كبير كان نائباً في البرلمان النمسوي أيام الامبراطورية، ونشأت فنانة بالطبيعة وظهرت في التصوير بسرعة؛ وهي أول من أنشأ فن تصوير الكتب في تشيكوسلوفاكيا، ولم يكن بين فناني براج أقدر منها في إبراز الصور والمناظر القومية في روعة قوتها وتواحيها الشعرية؛ ولها فصول ورسائل قوية في تاريخ براج، وصور بديعة لمتاظرها، وكان لها أيضاً صلات وثيقة بدوائر باريس الفنية حيث تلقت تقافتها وتربيتها، وكانت فضلاً عن فنها وأدبها من زعيمات النهضة الوطنية في تشيكوسلوفاكيا، ومن زعيمات الحركة النسائية فيها اورسمة العلم النمسوي قرر رئيس الجمهورية النمسوية أن يمنح وسام الشرف للفنون والعلوم الى الدكتور اوزالد ريدلخ رئيس أكاديمية العلوم، والدكتور ايزلسبرج الجرح الأشهر، والدكتور فلاساك، والاستاذ فراتز سميث أستاذ الموسيقى والتمثيل بالاكاديمية الحكوةمية، والى الكاتبة الشهيرة

стр. 6609

انزيكا هاندل مازيثي، والى الدكتور هولسميستر المثال الكبير، والى الدكتور كارل شينهير الكاتب الاشهر هذا وقد عقد احتفال رسمي فخم بهو أكاديمية العلوم، وقدمت فيه جائزة الفن النمسوي التي سبق أن أشرنا اليها الى الفائزين بها وهما الاستاذان هربرت بل وفالتر ربتر، وألقى الدكتور شوشنج رئيس الوزارة النمسوية بهذه المناسبة خطاباً نوه فيه بأهمية الفنون والفنانين في حياة الأمم الكلمات العربية في اللغة الانكليزية لما فرغت نسخ الطبعة الاخيرة من معجم وبستر الانكليزي المشهور دعت لجنة تنقيحه الدكتور فليب حتى الاستاذ المساعد للغات السامية في جامعة برنستن للاشتراك معها في تنقيح الالفاظ الانكليزية المأخوذة من لغت سامية في الطبعة الجديدة وقد صدرت هذه الطبعة في أمريكا الآن بعد ما قضت لجنة التنقيح أكثر من ثماني سنوات في اعدادها وفي الطبعة الجديدة من معجم وبستر ستمائة ألف لمة مأخوذة من اللغة العربية، منها ٥٠٠ كلمة من الالفاظ المستعملة في التابة والأحاديث العادية، والنصف الاخر في الشؤون الفنية

стр. 6610

الكتب جبران خليل جبران تأليف الاستاذ ميخائيل نعيمة يقع في ٣٠٧ صفحات من القطع الكبير، ثمنه عشرون فرنكاً ذهباً يطلب من المؤاف في بكننا لبنان، ومن المكاتب الشهيرة في الأقطار العربية وفي مصر من مكتبة الهلال هذا كتاب من كتب التراجم، أخرجه للناس كاتب له في الشرق العربي مكانة، يحلل فيه حياة صديق عزيز عليه، وهذا كما نرى موقف من ادق المواقف التي يصادفها أديب، إذا أراد أن يتوخى الانصاف فلا يظلم صاحبه ولا يظام التاربخ. ولفد أحس المؤلف دقة موقفه كما يتضح في مقدمة كتابه، وعلى هذا الأساي سأبني رأيي في نقد ذلك الكتاب ويحسن اولاً أن أعطي القاريء فكرة عامة عن تقسيم الكتاب وطريقة السير في موضوعه، ولست أسير في التقسيم حسب أبوابه، بل لقد أحسست بعد قراءته أنه أقسام عامة أولها: حياة جبران قبل أن يعرفه المؤلف، ثم حياتهما معاً، واخيراً نجد ملحقاً في ذيل الكتاب غن وصية جبران ورسائله الى المؤلف وتخليده، وغير ذلك مما حدث بعد موته فالكتاب كما ترى وصف حياة رجل من أولها حتلا خاتمتها. وفي كتب التراجم إما أن يكون المؤلف غريباً عما يكتب عنه، أو صديقاً له. بيد أن هذا النوع من التأليف أو هذه الناحية من نواحي الكتابة تسير أو ينبغي أن تسير في أساسها وجوهرها وفق ما اصطلح عليه الأدباء في هذا الباب الذي يعتبر في ذاته فناً من فنون التابة كسواء من الفنون، مثل القصص والروايات المسرحية، وكتب النقد وغيرها يبدأ المؤلف في كتب التراجم عادة بوصف الأسرة التي ولد منها صاحب الترجمة، كصورة لبيئته المنزلية وما قد يختلط بدمه من وراثة، ثم يأخذ في وصف بيئته الطبيعبة والاجتماعية مصوراً طفولته وأخلاقه في تلك الفترة وما يلقي من تربية، وما كان من أثرها في حياته المستقبلة، ثم يتدرج به في مراحل الحياة في تسلسل متصل ووحدة مترابطة الى ما صدافه من حوادث، مبيناً علاقتها بفنه وأثرها في توجيهه، وفي ضوء ذلك كله يحلل آثاره موضحاً ما فيها من تأثر بما سلف، على أن يكون أساس ذلك كله الحقيقة لا الخيال. فالاسناد الصحيح القوي في كتب التراجم عنصرها الجوهري، ولاسيما إذا المؤلف أن يقول

стр. 6611

رأيه في آثار صاحبه وفيما تخلل حياته من قوة أو ضعف، فليبتعد عن التحيز إن أراد الكمال وبعد، فماذا رأيت في كتاب الأستاذ ميخائيل عن صاحبه المرحوم جبران خليل جبران؟. مضيت في قراءته فاذا بالمؤلف يسير فيه على نهج غريب، حتى لقد كنت أحسبني في القيم الاول حيال قصة لا حيال شخص معروف، فلقد أحاطني المؤلف بجو من الخيال تحت عنوان خيالات بشرى، وراح يصف لحظة مولد جبران، وما كان من أعمال أبيه وأقوال أمه وأقوال الجيران في تفاصيل تغيب حتى على من يرى رأى العين، ثم يطير بي إلى مدينة كولومبيا بأمريكا، فيصف لي فتاة تحلم في نومها، ويصف حلمها كأنه هو الحالم! ثم يعود الى بشري فيعرض لي بعض صور من طفولة جبران ومن حياة أسرته، ولكن عليها جميعاً ابع الخيال، فتفاصيلها لايمكن أن يلم بها إلا شخص يتحدث عن تفسه، على أن يكون قوي الذاكرة الى أقصى حد؛ ومن أمثلة ذلك وصف والدة جبران (ص٢٠) وحكاية بائع الزيت (ص٢٣). وما لي أورد الامثلة، وهذا القسم الاول من حياة جبران قبل أن يعرفه المؤلف عبارة عن قصة خيالية؟ ولقد كان المؤلف وهو يصف حياة جبران وهو بوسطن، يتقل اليك نتاجيه وخلجات حسه، ونزعات قلبه، وانفعالات نفسه، كمن يكتب مذكرات لساعتها عن نفسه. خذ لك مثلاً حواره مع أبيه (ص٣٢)، وزيارته للفنان (ص٣٣)، وخلوته مع المرأة التي دعته إلى منزلها (ص٤٠)، ومناجاة نفسه (ص٤٧)، وهو يكتب مقالاً ويصححه (٦٢)، وأثناء عرضه صوره وعلاقته بماري الفتاة الحالمة في أول الكتاب وهي الآن مديرة مدرسة، وعلاقته بميشيلين، وغير ذلك من عزلاته وهواهسه. . . الخ وما أظن أن عرض هذا الجزء من حياة جبران على مثل تلك الصورة الخالية، وما فيها من براعة ومن وراء، متفق مع ما يتبع في كتابه التراجم أو باعث في القلب ما تبعه الحوداث التي يدعمها الأسناد والرواية، وتطلبها الحقيقة من الأهتمام والعناية. هذا إلى أن المؤلف في تلك الفترة من حياة جبران لم

стр. 6612

يعلق على ما فيها من مواقف، وما كان لحوادثها من أثر في مستقبله، ولكن ما حاجته إلى التعليق؟ بل كيف يتسنى له ذلك وقد صور لنا جبران كما لو كان جبيران يحدثنا عن نسفه؟ وبذلك تخلص من عرض رأيه في صاحبه ومما يلاحظ على هذا القسم من الكتاب أن الرابطة فيه ضعيفة، وقد ذكرت فيه بعض الحوادث دون أن يفهم القصد من ذكرها، فلم تكن للتبسيط أو للتحليل أو لبيان العلاقة بين المترجم له وبين الحياة أما في القسم الثاني من الكتاب عند ما صحب المؤلف جبران، فانك تحس بجو من الحقيقة ويبتعد عنك الخيال القصصي، ويحدثك المؤلف عن جبران كما رآه في عدة مناسبات، وتبدأ تهتم بحياة جبران وآثاره، وتتضح لك شخصيته فتزداد معرفة به، وان جهلت الظروف التي كونته هذا التكوين، اللهم إلا ما كان من تأثير (نيتشه) فيه، وهو ما شرحه المؤلف في آخر القسم الأول. على أنك في هذا القسم الثاني من حياة جبران لن ترى المؤلف يحدثك عن رأيه في صاحبه من الناحية الأدبية أو الخلقية، ولا تجد منه مناقشة جدية لآثاره ومقدار قيمتها، بل تراه يقتصر على ذكرها دون تعلي، إذا استثنيت وصفه لكتاب (النبي) وإظهار أثر نيتشه فيه، وقراءة قصيدته التي جاء ذكرها في (ص١٦٠) معه، وحتى في هذين ترى الأعجاب يغلب على النقد النزيه لكنني كما قدمت أحس بدقة موقف الأستاذ ميخائيل بالنسبة إلى حياة صديقه جبران؛ على أني أتساءل هل أنصف صاحبه وعرضه على الناس كما هو على حقيقته، أم أحاط شخصيته بشيء من الغموض؟ ولست أعرف إلا أن طريقته التي سلكها من الصعب أن توفي بغرضه، وهل يتفق ذلك مع ما جاء في مقدمته (ألفت هذا الكتاب على أمل أن يطالع القاريء من خلال فصوله صورة جبران كما عرفته لا (تاريخ) حياته الذي لا يعرفه أحد)؟ ولئن اختلفت مع الأستاذ نعيمة في طريقته، فاني معجب بمقدرته في الوصف، وقوته في

стр. 6613

تحليل العواطف النفسية، ورسم الخواطر الذهنية، وقوة روحه التي خلصت الكتاب على طوله من الفتور، وجعلني أقلب صفحاته في شغف ولذة، ولن أنسى دقة أسلوبه ومتانة نسجه، لولا هناتت ما كنت لأشير إليها لولا أنها علقت بهذا الأثر النفيس، ومنها بعض المجازات الغريبة كتعبيره عن الموت بالغور في رحم الزمان (ص١٧) ووصفه الخالق بأنه (الحائك الأبر قد التقط بمكوكه العظيم خيطي حياتهمت من جديد) (ص٦٨)، وكوصفه القاريء بأنه يمضغ الكتاب بعينه وروحه (ص١٠١)، وما استعمله عن الفلس من المجازات (ص١٢٣)، وكقوله في (ص٢١٥) يحفزها تنين النسيان ويطويها غربال الزمان. . . وسواها من الأخيلة غير المألوفة، والقياسات الشاذة كجمعه سؤال على سؤالات وكأستعماله لفظ اندلق للقهوة بدل أن يقول انسبت مثلاً على أنني كما ذكرت ما كنت لأغرض لهذه الهنات لولا صدورها من أديب له مكانة كالأستاذ ميخائيل نعيمة

стр. 6614

العدد ٨٠ - بتاريخ: ١٤ - ٠١ - ١٩٣٥

стр. 6615

أسبوع حافل. . . . أسبوع حافل! ابتدأ بعيد الدين وانتهى بعيد الدنيا! فأوله (عيد الفطر)، وآخره (عيد الوطن)، وفيما بينهما كان عيد الميلاد ومؤتمر اليلاد ومهرجان القرش! أسبوع حافل! كان فيه للدين سبب ممدود وشل جامع، وللحرية يوم مشهود ومظهر رائع، وللوطنية لواء معقود ومُجتلى فخم، وللسياسة شعب محشود وأمر ضخم، وللقومية أمل منشود وعمل صالح! جرى كل أولئك على أروع ما يقع في الذهن ويتمثل في الخاطر، لشعور الناس بشمول الأمن، ويقظة العدل، وقيام القانون، وفوز الديمقراطية، واتساق الأمر بين الفرد والجماعة، واتفاق الرأي بين الحكومة والأمة؛ وكانت النفوس في عهد المحنة قد تغشاها من الدخائل السود قَتام وسُحُب، فلا تكاد ترى على حواشي الأفق الضيق المحدود إلا جنود الرهبة، وقيود الذلة، وسجون القهر، ثم تنفس بها الزمن البطيء على هذه الحال الأليمة حتى قنعت بالدون، ورضيت بالهُون، وذهلت عما وراء الأفق؛ فلما تهتكت الحجب عن وجه الحق، وتفكت الأغلال عن حرية الشعب، فسعى غير مقيد، وعمل غير مراقب، وقال غير متهم، عاد الناس فوجدوا شعور الكرامةـ وسورة الاستقلال، وأنفة الحي المريد، وهزة المتصرف المطلق، فزهاهم النصر، واستطارهم الفرح، وتقبلوا سبعو أسام في الدعة، يتبسطون على الأنس، ويتعلون على الدهر، ويتدلون على الجكومة، ويوازنون بين حالهم بالأمس وحالهم اليوم، فيعجبون كيف زاغت القلوب، وفسدت الطباع، وسفهت الأحلام، وغارت هذه المباهج والمرافق والمظاهر كلها في قرارة قلب فارغ! * * * إن القلوب لأضيق في هذا الأسبوع من أن تسع هذا الفبض الذي يتدفق فيها ن كل جانب: ففي (مدينة رمسيس) وجوه البلاد ونواب لشعب وزعماء الأمة يعرضون مناهج السياسة على المشورة، ويُقلبون أنظمة الاصلاح على الرأي، ويعلنون الخادع والمخدوع أن مصر الخلدة لاتزال متماسكة على مضض المحن، سليمة عى عنت الجور، مرتلفة على عبث الاغراؤ، تُعوق ولا تضل، وتُعذب ولاتذل، وتجارب ولا تستكين كانت الآلاف الاربعون في سرادق المؤتمر الوطني أشبه بالأسراء فك أغلالهم النصر، أو بالسجناء كسر اقفالهم الثورة! فهم يتعانقون على السلامة بعد البلاد، ويتصافقون على

стр. 6616

الجماعة بعد الفرقة، ويتنادرون بجلادي العهد الباغي وسُجانه وقد أصبحوا اليوم رواد المنى وحراس العدالة! أليس هذا شرطي الأمس الذي كان ينظر بالنار، ويتكلم بالحديد، ويتجنى على الناس الذوب، ويتمنى على الأحداث الجرائم؟ ما باله اليوم وديعاً كالعدل، نزيهاً كالقانون، رفيعاً كادلولة، رفيقاً كالمواطن؟ تباركت يا ألله! أهكذا تتبدل الأوضاع وتتغير الطباع في بحر يوم وليلة؟! * * * وفي معرض الجزيرة جماعة (عيد الوطن الاقتصادي) يُفيضون من نشاط الصبي وطموح الشباب على الناحية الضعيفة المخوفة من نواحي الوطن: تلك هي الناحية الاقتصادية التي اقتحمها المستعمرون تحت لواء السلم والمال فاحتلوا المدن، واستغلوا القرى، وامتهنوا القومية، وامتحنوا الأخلاق، وحولوا مجاري الثروة المصرية الى السفن الأجنبية والمصارف الأوربية، وخلفوا أهلها يابدون الدين، ويعانون الفقر، ويشكون العطلة، ويقاسون المذلة. فطن هؤلاء الشباب الأطهار إلى هذا الخطر الوبيل والداء الدخيل فصمدوا له في ميدانه المشتبه الواسع، واستنفروا القاعدين من أصحاب الأموال، والجامدين من أرباب التجارة، ونشروا الدعاية بمختلف الوسائل للانتاج الوطني، وضحوا بجهودهم الكثيرة، ونقودهم القليلة، وأوقاتهم الباقية من الدرس، على رصد الأهبة، وتنظيم العمل، وتدبير المال، وضمان الفوز، حتى توجوا ذا الجهد الجاهد بهذا المهرجان الذي أقاموه، وذلك المعرض الذي نظموه، فكان المهرجان عيداً للعيد، والمعرض حجة للىمل، والعمل كله فخراً لأهليه * * * وفي حديقة الأزبكية عيد (جمعية القرش) تجاهد في الانشاد جهاد عيد الوطن في الدعاية. وقد نفضت - كتلك - على بلي النفوس جدة الربيع، ونقاء الفطرة، وجمال الحداثة، فانتشر متطوعوها الأبرار في المدينة يجمعون القروش بالتوسل والتذلل والالحاف ليفتدوا بها حرية الوطن الاسير فجماعة الوطن وجمعية القرش ومؤتمر الشعب ائتلاف منسجم من عناصر البلاد ومناهج الجهاد ومناحي الغرض: فالشباب بجانب الكهول، والاقتصاد بجانب السياسة، واللذة بجانب

стр. 6617

المنفعة، والحكومة بجانب الأمة؛ وكل هذه الصور الرائعة إنما تتألق وتتراءى في إطار روحي شعري تألف من عيد الفطر للمسلمين، وعيد الميلاد للأقباط! أسبوع حافل! ان فيه للدين سبب ممدود وشمل جامع، وللحرية يوم مشهود ومظهر رائع، وللوطنية لواء معقود ومُجْتلى فخم، وللسياسة شعب محشود وأمر ضخم، وللقومية أمل منشود وعمل صالح!! وإن عاماً يكون عنوانه هذا الانقلاب، وطالعه هذ اليمن، واستهلاله هذا النسيد، لآية من الله على انجلاء الغمة، واهتداء الغرائر، وارعواء الغي، وانكشاف الطريق احمد حسن الزيات ذكريات وتجارب أول درس ألقيته. . . . . . * أبداً لا أنسى السعاة الرهيبة العصيبة التي ألقيت فيها أول درس من أول فصل! كان ذلك منذ سبعة عشر عاماً والسن حديثة والنفس غريرة والنظر قصير، وكانت المدرسة ثانوية أجنبية، تجمع أخلاطاً من الأجناس والأديان، وأنماطاً من الأخلاق والتربية، وكنت قد أدركت قسطاً من العلم النظري على الطريقة الأزهرية، وشدوت طرفاً من التعليم الفني على الطريقة اللاتينية، إلا أن ما حصلت منهما كن لايزال طافياً في ذهني، متحيراً في فكري، لايطمئن إلى ثقة، ولايستقر على تجربة! أضف ذلك إلى طبع حَي، ولسان من الخجل عيني، ووجه للقاء الناس هيوب! قضيت موهناً من الليل في إعداد الدرس: أراجع مادته وأرسم خطته وأسسد خطاه، ثم احتفلت لكلام أقابل به التلاميذ قبل التمهيد للدرس، وغدوت إلى المدرسة أقرع باب الأمل المرجوـ وأستطلع ضمير الغيب المحجب. دق الجرس فجاوبه قلبي بدقات عنيفة كادت تقطع نياطه وتشف لفائغه، وقمت أجر رجلي وبجانبي مفتش الكلية جاء يقدمني إلى الطلبة. دخلنا الفصل فحيانا التلاميذ بالوقوف، وقال المفتش فأطال القول وأجزل الثناء، ثم خرج وبقيت!! أقسم أني أقول الحق وإن كنت أجد بشاعة طعمه ومرارة ماقه على لساني! لقد نظرت إلى

стр. 6618

التلاميذ نظرة حائرة، ثم رجعت إلى نفسي أحاول إخراج ما فيها من الكلام المهيأ المحفوظ، فكأن ذاكرتي صيفة بيضاء، وكأن لساني مضغة جامدة لا تحس! السكون شامل رهيب، والأبصار شاخصة ما تكاد تطرف، ووجه الشباب ترتسم ألوان مختلفة متعاقبة من خطرات النفوس ونزوات الرؤوس، وأنا واقف منهم موقف المحكوم عليه، أعلج في نفسي الخور والحَصر، وأجهد في لم ما تشعث من ذهني وتبدد من قواي، حتى هداني الله إلى طريق الدرس، فاعتسفته اعتسافاً دون مقدمة ولا تمهيد ولا عرض!! أتريد أن تعفيني يا صديقي من وصف هذا الدرس صوناً لسر المهنة؟ ولكن لماذا نتدافن الأسرار ونتكاتم العيوب؟ إن في الدلالة على أوعار الطريق ومضايقها ومزالقها تحذيراً للسالك الباديء، وتبصره للنشيء الغرير * * * بدأت الدرس بصوت خافض وطرف خاشع ولسان مبلبل، وسرت فيه وأنا واقف، لا أدنو من السبورة مخافه أن أحرك سكون الفصل، ولا أملس الطباشير خشاة أن أسى الكتابة!! ان من المعقل أن يعاودني الهدوؤ ويراجعني الثبات بعد زوال دهشة الدخول وربكة البدء لو كنت واثقاً من نفسي متمكناً من درسي، ولكن نظام الموضوع كان قد انقطع فتبعثرت حباته وتعثرت خطواته، ورحت أسرد ما تذرته منه وأنا أشعر بكاماتي تحتضر على شفتي، وبريقي يجمد في فمي، وبعرقس يتصيب على جبيني، حتى فرغت، ثم جلسن أبلع ما بقي من ريقي، ونظرت فاذا الساعة لم يمض نصفها، وإذا التلاميذ يتلاحظون ويتهامسون وعلى شفة بسمة خبيثة لولا تعود النظام وقوة التهذيب لعادت قهقهة صاخبة!! ماذا أقول بعد أن نفذ القول؟ وبماذا أملأ الفراغ الباقي من الوقت؟ وكيف اؤخر انفجار هذه الضحكات المكظومة؟ أسئلة كانت تضطرب في خاطري القلق فلا أجدها جواباً غير الحيرة!! حتى تطوع تلميذ جريء (لانقاذ الموقف) فقال: (احك لنا حكاية يا أفندي بأي!) ولم تكد شفتاي تنفرجان عن مشروع الرد حتى ابتدرني آخر: (لا يا افندي، اتكلم لنا شويهْ إنشا شفهي) وآخر: (حضرتك حتدينا على طول؟)

стр. 6619

وآخر: (أسم حضرتك إيه يا أفندي، والله انت راجل طيب!) وآخر: (فلان صوته جميل يا أفندي، خليه يغني شويه) فقطعت سيل هذه الأسئلة المتجنية الساخرة بهذه الجملة الحيية المتواضعو: - على كل حال كاد الوقت ينتهي فلا يتسع لشيء من هذا ولكن صوتاً أشبه بصوت القدر قد انبعث أقصى الحجرة يقول: (أوه! دا لسه ساعة وربع! حصة العربي ساعتين كل يوم!) - ساعة وربع؟؟ نعم ساعة وربع! أقضيها على هذه الحالة الأليمة كمل شاء نظام ٠الفرير)، أو كما قضى الجد العاثر والطالع المشئوم!! وإذن لا مناص من انفجار البركان ووقوع الكارثة! * * * كأنك تريدني على أن أسوق إلي بقية القصة!! حنانيك! لا تكلفني هذه الخطة، واعتمد على نفسك وحدسك في التخبر والاستنتاج!! لقد انحل النظام فتشعث الأمر وانتشر؛ وأذكر أني حاولت الكلام مراراً فلم أسمع صوتي من اللغظ! فجعلت قيادي في يد (اولادي) ثم سكت حتى نطق الجرس!! خرجت من الفصل أميد من الهم وأجر ذيل الفشل السابغ الضافي، وفي نفسي أن أترك التعليم وهو حديث صباي ومنتجع هواي الى عمل آخر يصلح لي وأصلح له!! ولكني عدت الى الفصل، ومضيت في التعليم، وكنت بعد شهرين اثنين مدرس الفصل الأخير وأستاذ الكلية الأول! فما الذي جعل من اليأس أملاً، ومن الفشل فوزاً، ومن الضعف قوة؟ إسمح لي أن أكون صريحاً فيما كان لي، كما كنت صريحاً فيما كان علي لقد التمس الوصلة الى النجاح في أسباب خمسة كله معلوم بالضرورة مؤيد بالطبع، ولكن العلم غير العمل، والرأي خلاف العزيمة، والتجربة وجود الفكرة وواقع الحقيقة (١) مواصلة الدرس وادمان النظر - فلم أترك كتاباً في المواد التي أدرسها حتى تقصيته أو ألممت به، واستفدت منه. وكان جدى ذلك علي وثوق الطلبة بما أقول، وظهور التجديد فيما أعمل، وتصريف الدرس وتنويعه على ما اجب. ولن تجد أشفع للمدرس من سعة

стр. 6620

أطلاعه وغزارة مادته (٢) اعدد الدرس واداؤه - وكان يعنيني على الأخص ربطه بالدروس السابقة، والسير فيه مع الطلاب خطوة خطوة على الطريقة الاستنتاجية ثم تلخيصه بطريق الاسئلة. فكان من حسن اعداده أن ملأت لوقت كله به، فلم يعد فيه فراغ لعبث عابث ولا تجني سفيه، وجررت اليه أذهان الطلاب بالتشويق والتطبيق والسؤال فلم يصبهم سأم ولا ضيقن وشغلتهم به عن أنفسهم وعني فلم يفرغوا الاصطياد نكتة ولا لالتماس غميزة. وليس أعون على حفظ نظام الفصل من ملء الوقت بالمفيد الممتع، ولا أضمن لجودة شرح المعلم وحسن استماع التلميذ من غهم الموضوع. (٣) مسايرة الترقي - فلم اتشبث بالقديم، ولم أتعصب للكتاب، ولم أعن إلا بما له قيمة عملية. فالموضوعات منتزعة من حياة التلميذ وحال المجتمع، والأمثلة مستنبطة من أساليب العصر ومواضعات أهلهن والبحث حر في حدود المنطق، يقوم على أساس التحليل والنقد والموازنة. وفي تشابه الفكرة والنزعة والغاية توثيق الصة بين المعلم والمتعلم. (٤) حسن الخلق - ولعمري ما يؤتي المعلم إلا من إغفاله هذه الجهة. فالادعاء والتظاهر، والكبرياء، التفاخر، والبذاء والتنادر، والكذ١ب والتحيز، والسل والتدليس، آفات العلم وبلايا المعلم. وما استعبد النفس الشابة الحرة كالخلق الكريم، ولا يَسر تعليمها وتقويمها كالقدوة الحسنة. ناهيك بما يتبع ذلك من جمال الأحدوثة واستفاضة الذكر، وهما يزيدان في قدر المعلم واعتبتره، ويغنيان التلاميذ الجُدُد عن اختباره (٥) قوة الحزم ٠ فكنت ألين في غير ضعف، وأشتد في غير عسف، وأسير بالطالب إلى الواجب عن ريق ضميره وحسه، لا عن طريق تأنيبه وحبسه، وأجعل رضاي عنه غاية ثوابه، وسخطي عليه غاية عقابه، وأعده الوعد فلا أذهل عن تنجيزه، وأحكم عليه الحكم فلا أنكل عن تنفيذه، وأستعين على فهم عقليته ودرس نفسيته بانشائه فأعامله بما يوائمه، وأعالجه بالدواء الذي لائمه * * * كل ذلك يسعده طبغ غالب، ورغبة حافزة، ومرن طويل، وقدَر من الله جعلني أجد سعادتي وراحتي في الفصل وبين الطلاب، أكثر مما أجدهما في البيت وبين الأصحاب
следующие страницы →