Полный текст (65 431 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
الجماعة بعد الفرقة، ويتنادرون بجلادي العهد الباغي وسُجانه وقد أصبحوا اليوم رواد المنى وحراس العدالة! أليس هذا شرطي الأمس الذي كان ينظر بالنار، ويتكلم بالحديد، ويتجنى على الناس الذوب، ويتمنى على الأحداث الجرائم؟ ما باله اليوم وديعاً كالعدل، نزيهاً كالقانون، رفيعاً كادلولة، رفيقاً كالمواطن؟ تباركت يا ألله! أهكذا تتبدل الأوضاع وتتغير الطباع في بحر يوم وليلة؟!
* * *
وفي معرض الجزيرة جماعة (عيد الوطن الاقتصادي) يُفيضون من نشاط الصبي وطموح الشباب على الناحية الضعيفة المخوفة من نواحي الوطن: تلك هي الناحية الاقتصادية التي اقتحمها المستعمرون تحت لواء السلم والمال فاحتلوا المدن، واستغلوا القرى، وامتهنوا القومية، وامتحنوا الأخلاق، وحولوا مجاري الثروة المصرية الى السفن الأجنبية والمصارف الأوربية، وخلفوا أهلها يابدون الدين، ويعانون الفقر، ويشكون العطلة، ويقاسون المذلة. فطن هؤلاء الشباب الأطهار إلى هذا الخطر الوبيل والداء الدخيل فصمدوا له في ميدانه المشتبه الواسع، واستنفروا القاعدين من أصحاب الأموال، والجامدين من أرباب التجارة، ونشروا الدعاية بمختلف الوسائل للانتاج الوطني، وضحوا بجهودهم الكثيرة، ونقودهم القليلة، وأوقاتهم الباقية من الدرس، على رصد الأهبة، وتنظيم العمل، وتدبير المال، وضمان الفوز، حتى توجوا ذا الجهد الجاهد بهذا المهرجان الذي أقاموه، وذلك المعرض الذي نظموه، فكان المهرجان عيداً للعيد، والمعرض حجة للىمل، والعمل كله فخراً لأهليه
* * *
وفي حديقة الأزبكية عيد (جمعية القرش) تجاهد في الانشاد جهاد عيد الوطن في الدعاية. وقد نفضت - كتلك - على بلي النفوس جدة الربيع، ونقاء الفطرة، وجمال الحداثة، فانتشر متطوعوها الأبرار في المدينة يجمعون القروش بالتوسل والتذلل والالحاف ليفتدوا بها حرية الوطن الاسير
فجماعة الوطن وجمعية القرش ومؤتمر الشعب ائتلاف منسجم من عناصر البلاد ومناهج الجهاد ومناحي الغرض: فالشباب بجانب الكهول، والاقتصاد بجانب السياسة، واللذة بجانب
стр. 6617
المنفعة، والحكومة بجانب الأمة؛ وكل هذه الصور الرائعة إنما تتألق وتتراءى في إطار روحي شعري تألف من عيد الفطر للمسلمين، وعيد الميلاد للأقباط!
أسبوع حافل! ان فيه للدين سبب ممدود وشمل جامع، وللحرية يوم مشهود ومظهر رائع، وللوطنية لواء معقود ومُجْتلى فخم، وللسياسة شعب محشود وأمر ضخم، وللقومية أمل منشود وعمل صالح!!
وإن عاماً يكون عنوانه هذا الانقلاب، وطالعه هذ اليمن، واستهلاله هذا النسيد، لآية من الله على انجلاء الغمة، واهتداء الغرائر، وارعواء الغي، وانكشاف الطريق
احمد حسن الزيات
ذكريات وتجارب
أول درس ألقيته. . . . . . *
أبداً لا أنسى السعاة الرهيبة العصيبة التي ألقيت فيها أول درس من أول فصل! كان ذلك منذ سبعة عشر عاماً والسن حديثة والنفس غريرة والنظر قصير، وكانت المدرسة ثانوية أجنبية، تجمع أخلاطاً من الأجناس والأديان، وأنماطاً من الأخلاق والتربية، وكنت قد أدركت قسطاً من العلم النظري على الطريقة الأزهرية، وشدوت طرفاً من التعليم الفني على الطريقة اللاتينية، إلا أن ما حصلت منهما كن لايزال طافياً في ذهني، متحيراً في فكري، لايطمئن إلى ثقة، ولايستقر على تجربة! أضف ذلك إلى طبع حَي، ولسان من الخجل عيني، ووجه للقاء الناس هيوب!
قضيت موهناً من الليل في إعداد الدرس: أراجع مادته وأرسم خطته وأسسد خطاه، ثم احتفلت لكلام أقابل به التلاميذ قبل التمهيد للدرس، وغدوت إلى المدرسة أقرع باب الأمل المرجوـ وأستطلع ضمير الغيب المحجب. دق الجرس فجاوبه قلبي بدقات عنيفة كادت تقطع نياطه وتشف لفائغه، وقمت أجر رجلي وبجانبي مفتش الكلية جاء يقدمني إلى الطلبة. دخلنا الفصل فحيانا التلاميذ بالوقوف، وقال المفتش فأطال القول وأجزل الثناء، ثم خرج وبقيت!!
أقسم أني أقول الحق وإن كنت أجد بشاعة طعمه ومرارة ماقه على لساني! لقد نظرت إلى
стр. 6618
التلاميذ نظرة حائرة، ثم رجعت إلى نفسي أحاول إخراج ما فيها من الكلام المهيأ المحفوظ، فكأن ذاكرتي صيفة بيضاء، وكأن لساني مضغة جامدة لا تحس!
السكون شامل رهيب، والأبصار شاخصة ما تكاد تطرف، ووجه الشباب ترتسم ألوان مختلفة متعاقبة من خطرات النفوس ونزوات الرؤوس، وأنا واقف منهم موقف المحكوم عليه، أعلج في نفسي الخور والحَصر، وأجهد في لم ما تشعث من ذهني وتبدد من قواي، حتى هداني الله إلى طريق الدرس، فاعتسفته اعتسافاً دون مقدمة ولا تمهيد ولا عرض!!
أتريد أن تعفيني يا صديقي من وصف هذا الدرس صوناً لسر المهنة؟ ولكن لماذا نتدافن الأسرار ونتكاتم العيوب؟ إن في الدلالة على أوعار الطريق ومضايقها ومزالقها تحذيراً للسالك الباديء، وتبصره للنشيء الغرير
* * *
بدأت الدرس بصوت خافض وطرف خاشع ولسان مبلبل، وسرت فيه وأنا واقف، لا أدنو من السبورة مخافه أن أحرك سكون الفصل، ولا أملس الطباشير خشاة أن أسى الكتابة!!
ان من المعقل أن يعاودني الهدوؤ ويراجعني الثبات بعد زوال دهشة الدخول وربكة البدء لو كنت واثقاً من نفسي متمكناً من درسي، ولكن نظام الموضوع كان قد انقطع فتبعثرت حباته وتعثرت خطواته، ورحت أسرد ما تذرته منه وأنا أشعر بكاماتي تحتضر على شفتي، وبريقي يجمد في فمي، وبعرقس يتصيب على جبيني، حتى فرغت، ثم جلسن أبلع ما بقي من ريقي، ونظرت فاذا الساعة لم يمض نصفها، وإذا التلاميذ يتلاحظون ويتهامسون وعلى شفة بسمة خبيثة لولا تعود النظام وقوة التهذيب لعادت قهقهة صاخبة!!
ماذا أقول بعد أن نفذ القول؟ وبماذا أملأ الفراغ الباقي من الوقت؟ وكيف اؤخر انفجار هذه الضحكات المكظومة؟ أسئلة كانت تضطرب في خاطري القلق فلا أجدها جواباً غير الحيرة!! حتى تطوع تلميذ جريء (لانقاذ الموقف) فقال:
(احك لنا حكاية يا أفندي بأي!)
ولم تكد شفتاي تنفرجان عن مشروع الرد حتى ابتدرني آخر:
(لا يا افندي، اتكلم لنا شويهْ إنشا شفهي)
وآخر: (حضرتك حتدينا على طول؟)
стр. 6619
وآخر: (أسم حضرتك إيه يا أفندي، والله انت راجل طيب!)
وآخر: (فلان صوته جميل يا أفندي، خليه يغني شويه)
فقطعت سيل هذه الأسئلة المتجنية الساخرة بهذه الجملة الحيية المتواضعو:
- على كل حال كاد الوقت ينتهي فلا يتسع لشيء من هذا ولكن صوتاً أشبه بصوت القدر قد انبعث أقصى الحجرة يقول:
(أوه! دا لسه ساعة وربع! حصة العربي ساعتين كل يوم!)
- ساعة وربع؟؟ نعم ساعة وربع! أقضيها على هذه الحالة الأليمة كمل شاء نظام ٠الفرير)، أو كما قضى الجد العاثر والطالع المشئوم!! وإذن لا مناص من انفجار البركان ووقوع الكارثة!
* * *
كأنك تريدني على أن أسوق إلي بقية القصة!!
حنانيك! لا تكلفني هذه الخطة، واعتمد على نفسك وحدسك في التخبر والاستنتاج!!
لقد انحل النظام فتشعث الأمر وانتشر؛ وأذكر أني حاولت الكلام مراراً فلم أسمع صوتي من اللغظ! فجعلت قيادي في يد (اولادي) ثم سكت حتى نطق الجرس!!
خرجت من الفصل أميد من الهم وأجر ذيل الفشل السابغ الضافي، وفي نفسي أن أترك التعليم وهو حديث صباي ومنتجع هواي الى عمل آخر يصلح لي وأصلح له!!
ولكني عدت الى الفصل، ومضيت في التعليم، وكنت بعد شهرين اثنين مدرس الفصل الأخير وأستاذ الكلية الأول!
فما الذي جعل من اليأس أملاً، ومن الفشل فوزاً، ومن الضعف قوة؟
إسمح لي أن أكون صريحاً فيما كان لي، كما كنت صريحاً فيما كان علي
لقد التمس الوصلة الى النجاح في أسباب خمسة كله معلوم بالضرورة مؤيد بالطبع، ولكن العلم غير العمل، والرأي خلاف العزيمة، والتجربة وجود الفكرة وواقع الحقيقة
(١) مواصلة الدرس وادمان النظر - فلم أترك كتاباً في المواد التي أدرسها حتى تقصيته أو ألممت به، واستفدت منه. وكان جدى ذلك علي وثوق الطلبة بما أقول، وظهور التجديد فيما أعمل، وتصريف الدرس وتنويعه على ما اجب. ولن تجد أشفع للمدرس من سعة
стр. 6620
أطلاعه وغزارة مادته
(٢) اعدد الدرس واداؤه - وكان يعنيني على الأخص ربطه بالدروس السابقة، والسير فيه مع الطلاب خطوة خطوة على الطريقة الاستنتاجية ثم تلخيصه بطريق الاسئلة. فكان من حسن اعداده أن ملأت لوقت كله به، فلم يعد فيه فراغ لعبث عابث ولا تجني سفيه، وجررت اليه أذهان الطلاب بالتشويق والتطبيق والسؤال فلم يصبهم سأم ولا ضيقن وشغلتهم به عن أنفسهم وعني فلم يفرغوا الاصطياد نكتة ولا لالتماس غميزة. وليس أعون على حفظ نظام الفصل من ملء الوقت بالمفيد الممتع، ولا أضمن لجودة شرح المعلم وحسن استماع التلميذ من غهم الموضوع.
(٣) مسايرة الترقي - فلم اتشبث بالقديم، ولم أتعصب للكتاب، ولم أعن إلا بما له قيمة عملية. فالموضوعات منتزعة من حياة التلميذ وحال المجتمع، والأمثلة مستنبطة من أساليب العصر ومواضعات أهلهن والبحث حر في حدود المنطق، يقوم على أساس التحليل والنقد والموازنة. وفي تشابه الفكرة والنزعة والغاية توثيق الصة بين المعلم والمتعلم.
(٤) حسن الخلق - ولعمري ما يؤتي المعلم إلا من إغفاله هذه الجهة. فالادعاء والتظاهر، والكبرياء، التفاخر، والبذاء والتنادر، والكذ١ب والتحيز، والسل والتدليس، آفات العلم وبلايا المعلم. وما استعبد النفس الشابة الحرة كالخلق الكريم، ولا يَسر تعليمها وتقويمها كالقدوة الحسنة. ناهيك بما يتبع ذلك من جمال الأحدوثة واستفاضة الذكر، وهما يزيدان في قدر المعلم واعتبتره، ويغنيان التلاميذ الجُدُد عن اختباره
(٥) قوة الحزم ٠ فكنت ألين في غير ضعف، وأشتد في غير عسف، وأسير بالطالب إلى الواجب عن ريق ضميره وحسه، لا عن طريق تأنيبه وحبسه، وأجعل رضاي عنه غاية ثوابه، وسخطي عليه غاية عقابه، وأعده الوعد فلا أذهل عن تنجيزه، وأحكم عليه الحكم فلا أنكل عن تنفيذه، وأستعين على فهم عقليته ودرس نفسيته بانشائه فأعامله بما يوائمه، وأعالجه بالدواء الذي لائمه
* * *
كل ذلك يسعده طبغ غالب، ورغبة حافزة، ومرن طويل، وقدَر من الله جعلني أجد سعادتي وراحتي في الفصل وبين الطلاب، أكثر مما أجدهما في البيت وبين الأصحاب
стр. 6621
ولكن المعلمين وا أسفاه كما بدأهم الله يعودون! فليت شعري هل يكون الدرس الأخير في مبد إمماتي، كما كان الدرس الأول في مبدا حياتي.
الزيات
الثورة على الاسلام
حرب منظمة يشهرها الكماليون على الاسلام
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تشهر تركيا الكمالية على الأسلام حرباً لا روية فيها ولا هوادة؛ وقد رفع الزعماء الكماليون اليوم القناع كاملاً بعد أن رفعوا من قبل طرفاً منه، وظهرت سياستهم نحو الاسلام في ثوبها الحقيقي؛ ودخلت هذه الحرب المنظمة التي يشهرونها على الاسلام في طورها الايجابي بعد أن كانت تقف عند ورها السلبي؛ وقد اتخذت هذه الحرب منذ البداية وما زالت تتخذ ثوب (المدينة والتمدين) أعني تحرير تركيا من كل طابع ولون ديني، وصبغها في كل مظاهرها الرسمية والعامة بالصبغة المدنية. ولو وقفت سياسة انقرة حقاً عند هذه الغاية لما كان ثمة مجال لريب في صدق نياتها؛ فان الاسلام، كالنصرانية، لايحول دون اصطباغ الدولة بالصبغة المدنية المحضة؛ وأمم أوربا النصرانية التي تقلدها وتتشبه بها تريا الجمهورية - إذا استثنيا روسيا البلشفية - لا تجد أية غضاضة في ولائها للنصرانية، وإن كات أشد وأعرق (مدينة) من تركيا الجمهورية، ولم تذهب أية دولة أوربية - سوى روسيا البلشفية - في مطاردة الدين الى الحد الذي تذهب اليه حدكومة أنقرة؛ وحكومة أنقرة لاتطارد العقيدة الدينية لذاتها، ولكنها تطارد الاسلام، وكل ما يمت اليه بنوع خاص؛ وإذا كانت تطارد اللغة العربية وكل مظاهرها في الكلام والكتابة، فليس ذلك لتحرير اللغة التركية من العناصر الاجنبية فقط، ولن لأن اللغة العربية هي قبل كل شيء لغة القرآن، ولغة الاسلام الاولى
وقد بدأت الثورة المالية على الاسلام منذ قيام الجمهورية التركية ذاتها، أعني منذ نحو عشرة أعوام، وكانت غب مرحاتها الاولى تتخذ صورة الاصلاح الديني أو المدني، وكانت سلبية لا تسفر عن نزعتها الهدامة؛ ولم يكن في خطواتها الأولى مثل إلغاء الخلافة، وجل الجماعات الدينية والصوفية، وفرض الثياب المدنية والقبعة، ما يثير الأذهان المسلمة
стр. 6622
المستنيرة؛ فقد كانت جميعاً تتبع جهود تركيا الجديدة في سبيل التجديد القومي والاجتماعي بمنتهى الاعجاب والعطف؛ ولم يك ثمة ما يحمل على الاعتقاد بأن هذه النزعة الاصلاحية في ظاهرها ستتحول غير بعيد الى نزعة إلحادية بعيدة المدى، والى فورة تعصب على الاسلام تقصد الى الهدم المطلق. ولكن حكومة أنقرة لم تقف في مخاصمة الاسلام عند حد؛ وانت خطوات جدبدة ظاهرة المغزى في سبيل محو معالمة: إلغاء النص الذي أدرج في دستور المجهورية الاول بأن تركيا دولة مسلمة، وإباحة القانون المدني التركي الجيد زواج النصراني من المسلمة، ثم تحريم الأذان وتلاوة القرآن في المساجد بالعربية؛ ولم يك ثمة حتى في هذه الرحلة ما يثير كبير شك في نيات حكومة أنقرة وخصومتها المضطرمة للأسلام وعقائده وذكرياته ومظاهره؛ وكانت كلمات الاندافع والتطرف والأغراق تتردد من جانب أولئك الذين مازالوا يحسنون الظن بأنقرة ويعطفون على جهودها وأمانيها. ولكن الكماليين لم يلبثوا أن رفعوا القناع بعد ذلك؛ وانتدبت حكومة أنقرة لجنة لاصلاح العبادات ومظاهرها (سنة ١٩٢٨) وأذيع يومئذ أن الجنة ترى أن تكون الصلاة في المساجد، كالصلاة في الكنئس، وأنه لا بأس أن يؤدي المؤمنون صلاتهم وقوفاً أو جلوساً على المقاعد، وأن تطربهم الموسيقى، وأن تعوف لهم الادعية والنصوص كما تعزف (آفي ماريا) أو (باترنوستر)، وأن تكون صلاة المسلمين على العموم في مظاهرها كقداس النصارى، وكان لأذاعة هذه الاقتراحات وقع عميق في الأي العام التركي ذته؛ ولما رأت أنقرة أنها تذهب بعيداً بهذه الاقتراحات أنكرتها وكذبتها، وحملت تبعاتها للجنة التي وضعتها؛ أما الرأي العام الاسلامي فما ان ليدهشه شيء بعد من تصرفات الكماليين، ومع ذلك فقد وقف مدى لحظة ذاهلاً أمام هذا الاجتراء الآثم، يلمس النزعة الهدامة التي تماي على عصبة أنقرة سياستها نحو الاسلام وكل تراثه
ثم كانت حركة أنقرة ضد اللغة العربية والكتابة العربية؛ واتخذت هذه الحركة كسابقاتها ثوب الاصلاح والتجديد القومي؛ وقيل إن كتابة التركية باللاتينية بدلاً من العربية وسيلة إلى ذيوعها وتحريرها من ثوبها العتيق، وإت اللغة التركية غنية بأصولها واودها القومية فهي ليست بحاجة إلى العربية تشتق منها وتستعين بها؛ وإذا فيجب أن تحرر من جميع الالفاظ العربية الدخيلة؛ ووضعت الفكرة موضع التنفيذ بسرعة، فالغيت الكتابة العربية،
стр. 6623
واستعملت الكتابة اللاتينية بقوة التشريع؛ وسارت الحركة لنفي الألفاظ والأصول العربية بسرعة، واتخذت احياناً بعض المظاهر المغرقة؛ فقد حدث مثلاً أن أسناداً بالجامعة التركية خطب في المؤتمر الذي عقد منذ أشهر لهذا الغرض فنوه باهمية استمرار التعاون والعلائق بين التركية والعربية، فغضب الغازي مصطفى كمال - وكان من شهود المؤتمر - وغادر المؤتمر في الحال، وفي اليوم التالي عوقب الأسناد بالعزل والحرمان؛ وفي الجلسة التالية صفق الغازي لأستاذ آخر ذكر في خطابه أن اللغة العربية لغة دخيلة، وأن التركية أعرق أصولاً من العربية ولها عليها فضل الاعارة والاشتقاق؛ ومع ذلك فان اللغة التركية، رغم هذه الحهود والمناظر الحماسية، التي تعرب عن الحقد والتعصب والجهل، بأكثر مما تعرب عن رغبة الاصلاح الحقيق، لم تستطع أن تستغني بنفسها، وما زالت تستعير - طبقاً لقرارات الرسمبة - ن بعض اللغات الاوربية لتسد ما بها من نقص وثغرات. ولم تكن الحركة إصلاح خالص، بل إن لها كما قدمنا مظهراً آخر غير مظهرها الاصلاحي؛ فاللغة العربية هي لغة القرآن، ولغة الاسلام الاولى؛ ولما كانت حكومة أنقرة تعمل على مطاردة الاسلام وكل مظاهره بكل ما وسعت، فيحب أيضاً أن يختفي هذا المظهر؛ ثم يجب أن تختفي الأسماء العربية - وهو مظهر آخر لهذه الحركة - حتى يكون الانقلاب تاماً، وحتى لايبدو في أفق تركيا الكمالية، بمض الزمن ما يثير ذكرى العربية والاسلام
وفد حملت اليا البرقيات الاخيرة نبأ جديداً، هو أن حكومة أنقرة قررت أن تعمل لأزالة منارات المسجد، وا، ها ستبدأ بازالة المنارات العتيقة وتقيم في مساجدها مصانه، فاذا صح هذا النبأ فانه يكون دليلاً جديداً على أن هذه الجهود المتوالية التي تبذلها حكومة أنقرة لمحو معالم الاسلام في سائر مظاهره الشخصية والعامىة إنما هي سياسة مقررة متصلة الحلقات
* * *
والآن لنحاول أن نتعرف أسباب هذه الحرب المضطرمة التي يشهرها الكماليون على الاسلام؛ ولنلاحظ اولاً أن تركيا المجهورية تحذو في تلك الحرب اللادئنينة المنظمة حذو روسيا البلشفية، وهي الدولة الغربية اوحيدة التي تش ر الحرب على النصرانية وتطارد كل مظاهرها. ولم يقع هذا الشبه عرضاً بين الدولتين اللدينيتين؛ ولكنه يقوم على نفس المباديء ونفس الروح الثورية والادينية المشتركة؛ وقد كانت رةسيا البلشفية أكبر عضد
стр. 6624
للكماليين في حرب التحرير التركية وفي العمل على بعث تركيا المحتضرة، ولا نبالغ إذا قلنا إن تركيا الجمهورية مدينة بحياتها للبلاشفة. ولم يبذل البلاشفة هذا العون للكماليين حباً بتركيا، ولكنه كان قطة من برنامجهم في محاربة الاستعمار البريطاني، وقد كان غزو اليونان لتركيا مشروعاً بريطانياً تعاونه بريطانيا وتحميه، وكان عون البلاشفة للكماليين بكل الوسائل المادية والمعنوية منذ قيام الحرب التركية اليونانية حتى عقد معاهدة لوزان فصلاً من فصول الصراع بين البلشفة والاستعمار البريطاني؛ وكان طبيعياأ أن يكون لوحي موسكو ونفوذها أكبر الأثر في توجيه حكومة أنقرة، وأن توثق المصالح المشتركة بين روسيا البلشفية وتركيا الكمالية؛ وأشد ما يبدو وحي موسكو في ناحيتين: سياسة تركيا الخارجية، فهي قطعة لا تتجزأ من برنامج السياسة البلشفية، تردد فيها تركيا خطوات موسكو في كل شيء: في السياسة الشرقية والسياسة الاوربية، وفي مخاصمة عصبة الامم ثم الألتحاق بها (على أثر التحاق روسيا)؛ وروسيا تشد بأزر تركيا في كل مظاهر دولية؛ وتركيا تؤيد روسيا في مواقفها نحو الدول الغربية، وتركيا تعرف أنها مدينة بحياتها لروسيا، وان هذه الحياة تتوقف على ارادة روسيا، فهي لاتستطيع أن تحيد عن برنامج السياسة الروسية؛ وثانياً - في الناحية الثورية، فحكومة أنقرة ما زالت حكومة ثورية على مثل حكومة موسكو، هي تحذو حذوها في تطبيق مباديء الهدم والاباحة الى أبعد الحدود؛ واذا استثنينا الناحية الاقتصادية، أعني تطبيق الفكرة الشيوعية التي يرى الكماليون بحق أن تركيا ليست ميداناً صالحاً لتجربتها، كانت الثورة الكمالية الاجتماعية والدينية صورة من الثورة اليلشفية في هذه الميادين؛ وكما أن النزعة الالحادية تسود الثورة البلشفية، فكذلك الثورة الكمالية تسودها هذه النزعة؛ واذاً فان هذا الألحاد الذي يطبع كل تصرفات الكماليين، وهذه الاباحة التي يغرقون فيها، وهذه الحرب اللادينية المستعمرة التي يشهرونها ترجع في كثير من وجوهها الى غرس أساتذتهم ومدربيهم سدة موسكو؛ على أن الفكرة الثورية والالحادية ليست كل شيء في سياسة الكماليين، فهنالك بواعث أخرى تحفزهم الى هذه البغضاء المتأججة نحو الاسلام.
ذلك أن الكماليين يرون أن الاسلام كان سبباً في كل ما أصاب تركيا القديمة من المحن التي أودت بسلطانها وقوتها، وأن صفتها الاسلامية هي التي أثارت الدول الغربية ضدها خلال
стр. 6625
العصور المختلفة وجمعت كلمتها على محاربتها ومقاومتها، وأنها لولا هذه الخصومة التي أثارها الاسلام في نفوس الأمم الغربية لبقيت دولة قوية ولم تبدد قواها في حروب ومعارك خالدة؛ ولهذا يمعن الكماليون في ثورتهم ضد الاسلام ويزعمون أن تركيا تستطيع بذلك أن تنزع تاريخها وماضيها وصفتها الأسيوية، وان تدخل بذلك في عداد الدول الغربية
وقد كان الاسلام حقاً من العوامل التي أثارت أوربا النصرانية وجمعت كلمتها ضد الدولة العثمانية في أحيان كثيرة، ولكنه لم يكن بهذا الاعتبار مسؤلاً عما أصاب الدولة العثمانية من المحن وضروب الانحلال والتفكك بقدر ما تسئل عنه السياسة الغاشمة والأساليب الهمجية المخربة التي سارت عليها هذه الدولة طوال عصور تارخها، وعجز الترك المطبق عن أن يكونوا عاملاً من عوامل الأنشاء في صرح الحضارة الحديثة. هذا، ومن جهة أخرى، فقد لقي الاسلام على يد الدولة العثمانية الذاهبة أعظم نكبة نزلت به في العصر الحديث، ولقيت الحضارة الاسلامية الزاهرة في مصر والأمم العربية مصرعها على يد هذا الغزو الوندلي الذي لبثت الفتوحات التركية سواء في الشرق أو الغرب سوى فورات مخربة تحمل وراءها الويل والدمار أينما حلت؛ وعلى ضوء هذه الحقائق وحدها يجب أن يرجع الكماليون عوامل انحلال تركيا الذاهبة
* * *
ومهما يكن من أمر البواعث التي تحفز الكماليين الى هذه الخصومة المضطرمة نحو الاسلام، فان الاسلام أقوى وأرسخ من أن يتأثر بمثل هذه الفورات العصيبة الطارئة؛ وقد صمد الاسلام وما زال يصمد لخصومة الغرب كله مه ما يحشده الغرب لغزوه من العوامل والوسائل الخطرة. ذلك أن الاسلام قوي بعقائده ومبادئه وخلاله المستنيرة، قوي بتسامح الخالد، قوي بتراثه المجيد. ولن يضير الاسلام أن تسقط من عداده تركيا الكمالية؛ واذا كان الاسلام لم يعتز قط بتركيا يوم كانت دولة قوية شامخة، فكيف يحاول اليوم أن يعتز بهذه البقية الضئيلة من تركيا القديمة؟ على أن هناك حقيقة يجب أن يذكرها الكماليون، وهو أن تركيا عاشت في العصر الاخير على تراث الاسلام؛ وقد كان نفوذ الاسلام المعنوي عاملاً قوياً في بعثها الجديد، وفي تطور السياسة الأوربية نحوها، وإقالتها من الفناء الذي كان مضياً به عليها. أما اليوم فان العالم الاسلامي الذي كان بالأمس يحبو تركيا بعطفه وتأييده
стр. 6626
المعنوي - والمادي في أحيان كثيرة - لايهمه اليوم شيء من أمر تركيا الكمالية ومصايرها، ومن المحقق أنه سيقف وقفة المتفرج يوم تدلهم الخطوب، وتعود المعارك القديمة الى الاضطرام
محمد عبد الله عنان
المحامي
المطلوب مديرة بيت. . .!
للأستاذ ابراهيم عبد القادر المازني
(أفلسنا والله يا صاحبي!)
(وأي افلس يا أخي؟ لكن الدنيا أقفرت. . .)
(والعمل؟)
(العمل؟ تسألني ما العمل؟)
(لقد منتُ أقول دائماً وأؤكد للمرتابين من إخواننا، إنك آيةٌ من آيات الله في الذكاء وصحة الادراك! نعم أسألك ما العمل؟)
(وهل أنا أعرف؟)
(لا رأي تشير به؟. . . لا حيلة تتحيلها؟)
(حيلة؟ هل تعني. . .)
(لا بأس! لا بأس! أرح نفسك. كم ساعتك الآن؟)
(ساعتي؟)
(هذا أقل ما يمكن أن أنتفع بك فيه)
(ساعتي يا سيدي. . . انتظر أقل لك، ساعتي. . . . س. . . سُرقت!)
فنهض الأول عن كرسيه بلا كلام، ومضى الى المكتب، فجلس اليه وتناول ورقة وأكب عليها وراح يكتب
* * *
جرى هذا الحديث في حجرة واسعة اتخذها للنوم هذان الصاحبان، ووضعا فيها سريريهما
стр. 6627
وحقائبهما وكتبهما وأدواتهما وأشياءهما الاخرى، فلو رأيها - أي الغرفة - لحسبتهما آيبين من سفر. وكان ثم حجرتان أخريان في مسكنهمت، لكنهما كانا لا يستعملانهما او ينتفعان بهما إلا في الندرة القليلة، إذا زارهما من لم ترتفع بينه وبينهما الكلفة، فكانت هذه الحجرة الفسيحة للنوم والمطالعة والطعام والشراب والسمر، واللهو أيضاً. ولو شاء لاتخذا بيتاً أكبر وأوسع، ولاثثاه بما هو أو ثروألين، ولكنهما كانا يؤثران المخشونة، وينفران من التطري والرخاوة، ويستقبحان أن يكونا مترفين وإن كثر المال في أيديهما. وكانا ظريفين لا يعدلهما أحد في ظرفهما، وقد تآخيا على أصفى ود وأتم مداخلة، فهما خليط وأمرهما في كل شيء واحد، لايختلف ولا يتعدد.
ونهض الاول عن المكتب وفي يده ورقة يتأملها، ومشى متمهلاً إلى صاحبه حتلا إذا بلغ مكانه دفع بالورقة إليه فقرأ فيها
(مطلوب:)
(مديرة لبيت، ويشترط أن تكون متعلمة وخبيرة، والاجر يُتفق عليه، والرد يكون باسم السيدة نينا شقراوب بجريدة الكوثر بالقاهرة)
ثم سأل: (ما هذا؟)
قال: (هذا؟ هذا إعلان! ماذا يمكن أن يكون غير ذلك؟)
فسأله: (ولكن ما حاجتنا إلى من تدير لنا بيتنا؟ ألسنا ندبر أموره القليلة على أحسن وجه؟)
قال: (يا صاحبي، ليس هذا من شأنك. ولا تخش أن أثقل كاهلك بهذه المديرة المطلوبة. أنما أريد أن أداوري نفسي وأعالج إفلاسها، وأملأ هذا الفراغ الذي أحسه في قلبي)
قال الآخر: (ولكن. . . .)
فقاطعه ذاك (لا تعترض يا صاحبي، فليس عليك بأس من ذلك.)
وخرج، فمضى إلى صاحب (الكوثر) وكان صديقه، فناوله الاعلان
فسأله هذا: (أهي السيدة التي. . . . .؟)
قال: (لا، بل غيرها، وقد كلفتني أن أقوم عنها بالأمر، فكم تطلب أجراً للنشر؟)
فأبى الرجل أن يتقاضى أجراً
* * *
стр. 6628
وجاءت ردود، بعضها تليفوني، والعبض رسائل، فأما التليفونية فأهملها وأبي أن يُعنى بها أو يتقبلها، وأما الرسائل فكانت ثلاثة حملها معه إلى البيت، وهناك فضها وجلس يتدبرها هو وصاحبه، ويحاول أن يستنبيء الخط والأسلوب عسى أن يعرف منهما - على التقريب - سن الكاتبة وحظها من الجمال.
فتعلقا بواحدة تقول كاتبتها إنها تعلمت في انجلترا، وأنها حذقت هذا الفن - فن ادرة البيوت - على مهرة الأساتذة والمعلمات
وقال الذي سمي نفسه في الاعلان (نينا شقراوي)
(فلنتبع) أسلوب (شرلوك هولمز). إنها تقول إنها تعلمت في انجلترا، فلا شك أنها صغيرة السن، لأن ارسال البنات إلى انجلتزا ليتعلمن لايزال إلى اليوم غير مألوف، ولم يبلغ أن يون سنة، كأرسال الفتيان؛ ثم ان التي تذهب إلى انجلترا لتتعلم لابد أن يكون أهلخا ذوي مال، وقد تتاج يا صاحبي أم تسأل - لأنك ذكيٌ جداً - لماذا إذن تريد أن تكسب رزقها بعرق جبيتها؟ والجواب أنهما فرضان لا أرى لهما ثالثاً: الاول أن يكون المال قد ذهب، وافتقرت الأسرة بعد اليسر، والثاني أن تكون الفتاة قد تمرددت على أهلها لسبب من الأسباب وتركت البيت، فهي تنشد العمل لتعيش، كراهة منها للارتداد إلى أهلها صاغرة ذليلة. واضخ؟ حسن! فلنكتب إذن الرد)
وقام إلى المكتب فكتب ما يأتي:
(الآنسة المحترمة. . . .
جاءني ردك، وأكون شاكرة ل إذا تفضلت بانتظاري في تمام الساعة الخامسة من يوم. . . . أمام باب_جروبي)
بشارع المناخ
وتحياتي إليك وإلى الملتقى
نينا شقراوي)
وتوخى في كتابة الرسالة أن يطيل حروفاً ويقصر أخرى، ويجعل زوايا الجيمات والدالات الخ، حادة، ويعوج السطور ليجيء الخط أشبه ما يكون بخط النساء
* * *
стр. 6629
ودنا الموعد، فقال لصاحبه: (قم بنا)
فنظر إليه صاحبه متعجباً وسأل: (ولكن ما دخلي أنا؟)
قال: (من يدر؟ إنه لا يعلم الغيب إلا الله! قم فقد أحتاج إليك.)
ووقفا على الافريز المواجهلباب (جروبي) وصارت الساعة الخامسة، وإذا بفتاة ممشوقة تقف على الافريز الآخر وترفع عينها إلى باب جروبي ثم تصوبها إلى الساعة على يدها، ثم تتلفت فقال الذي لا دخل له: (هي والله! قرأت أسم جروبي، ونظرت في الساعة. هيا بنا إليها)
فقال صاحبه (بنا؟ ما شاء الله! أظن أني سمعتك تسألني ما دخل في هذه الحكاية؟ أم ترى كان غير السائل المنر؟)
قال: (إنما أعني أنه يجب أن تلمها حتى لايطول انتظارها فتقلق فتذهب)
قال: (وما يعني من قلقها وذهابها؟ فلتقلق ولتذهب!)
قال: (ولكن لماذا إذن واعدتها أن. . . .)
قال: (يا أحمق! إني أريد - أتفهم؟ - أريد أن تقلق وتمضي وأزيدك علماً، فأقول إني لا أجرؤ أن أكلمها أمام باب جروبي الذي يدخل منه ويخرج كثيرون ممن يعرفونني.)
وعادت الفتاة فألقت على ساعتها نظرة ثم دارت فمشت.
فذهب صاحبنا يعدو خلفها، حتى إذا دنا منها ناداها بأسمها فوقفت وقال:
(معذرة. إن السيدة شقراوي متوعكة، وقد كلفتني أن أقابلك)
فقالت الفتاة بابتسامة: (أشكرك، وأشكرها. لقد خالجني شك، فتوهمت لحظة أني أخطأت. وهل أنت أخوها؟)
قال: (أخوها؟ أوه! لا! ابنها فقط. . .)
قال: (معذرة)
قال: (ألا توافقين على أني ما زلت شاباً تتدفق الدماء الحارة في عروقي؟)
فضحكت وقالت: (بالطبع. . . . وأين البيت؟)
فساءه أنها غيرت الموضوع وقال: (البيت؟ البيت يا سيدتي. . . . في. . . . في القاهرة)
فسألته: (أي شارع؟)
стр. 6630
فقال: (أي شارع؟ هل ينتظر أن تعرفيه إذا قلت لك إنه شارع البسطويسي؟) فقطبت وسألت المحتجة المستهجنة (البسطويسي؟)
قال: (لم يخطيء طني. فتاة مثلك غضة السن جداً - وجميلة أيضاً بالطبع - متعلمة في انجلتزا لا يعقل أن تعرف هذه الشوارع التاريخية)
فسألت بأهتمام: (أهو شارع تاريخي؟)
قال: (لاشك! أقدم من التاريخ)
فأحست أنه يتهكم وسألته: (والبين؟ ما مساحت؟ ٩
فقال: (إيه؟ مساحته؟ الحق أقول؟ الحق أقول، لا أعرف)
قالت: (م غرفة فيه؟)
ولم يكن مما قدر، أن يجري الحديث هذا المجرى فقال بعد تردد (كم غرفة؟ أه. . . أقول لك يا ستي. . . . ثلاث)
فدهشت وصاحت: (ثلاث فقط؟)
فقال: (أراك دهشت! ول الحق. فانها غرف فسحة جداً. . . تصلح للرقص، او لسباق الخيل)
قالت: (لا تمزح. لقد كنت أظنه بيتاً كبيراً)
فسألها: (أليس بيراً؟ إني أراه كبيراً جداً)
قالت: (ثلاث غرف!؟ والخدم؟ ما عددهم؟)
قال: (الخدم؟ أي خدم؟)
قالت: (خدم البيت!)
قال: (ليس في البيت خدم!)
قالت: (ماذا تقول؟ لا خدم؟)
قال: (نعم. . . أعني لا. . . وأي حاجة بنا إلى الخدم؟)
قالت: (أي حاجة؟ كيف يكون بيت بلا خدم محتاجاً إلى مديرة؟)
قال: (يا سيدتي، لهذا احتجنا إلى مديرة. فالأمر موكول اليك. . . .)
قالت: (لقد كان ظني غير ذلك. . . . كنت أحسبه بيتاً عظيماً غاصاً بالخدم، أتولى أموره
стр. 6631
وأدبر شئونه. . . أما هذا. . . . لا. لا أظن أني أستطيع أن اقبل هذا العمل)
قال: (ألا يحسن أن نميل إلى هذا المحل لنتحدث ونتفاهم.)
قالت بلهجة جازمة: (في أي شيء نتحدث؟ لقد قلنا كل شيء)
قال: (لا لا لا. . بالعكس، لم نقل شيئاً. . .)
فسألت مستغربة: (أي شيء بقي هناك؟)
قال: (باقي أن تراجعي نفسك. . . . فكري طويلاً قبل أن ترفضي. الانسانية تدعوك أن تقبلي. . المروءة تناديك وتناشدك. . . إني شاب، والبيت الصحراء، بل قلبي أيضاً صحراء. . . ومن الشهامة أن تتولي أمري. . . أعني أمورنا. . . وأن تحيلي ذه القفار فراديس ورافة الظلال)
فسألته ضاحكة: (أتريد مديرة أم ساحرة؟)
ٌال: (إيه؟ أه! بالطبع. . . ساحرة؟ أي نعم ساحرة. هذا أحسن. . . ولكنك ساحرة - ما قي هذا شك! ألست موافقة؟)
قالت: (على أي شيء؟)
قال: (على أنك ساحرة)
قالت: (أوه! كلا. والآن، أستأذن. .)
قال: (تستأذ١نين؟ كيف؟ وبعد أن عصت عليك في لجة الحياة؟)
وعض لسانه من الغيظ، فقد زل، وأدركت خي أن في الأمر غير البيت وإدارته، فحدقت في وجهه ثم سألته
(أجبني - بصراحة. . . ماذا تعني؟)
قال: (اعني أنك درة وأنه يشق علي أن أنفض يدي منك بد أن فزت بك - هذا ما أعني، وبصراحة)
قالت: (هل كنت تعرفني؟)
قال مغالطا: (لقد كنت أحلم بك)
فقالت: (والأعلان؟)
قال: (الاعلان؟ لقد انتهينا منه. وقلت إن الأمر لا يوافقك. . . وأنا مصدقك. . لايسعني إلا
стр. 6632
أم أصدقك. . . إنه بيت لا يليق بك. . . إنه. . . إنه قبر. . . خراب. . . . دعينا منه فما نت أتصور أن ترضي عنه. . . . .)
قالت: (وبعد؟)
قال: (نتكلم في شيء آخر. . . إنه لا أكثر من المواضيع الصالحة للكلام. . . مثلاً شعرك، إنه ذهبي جميل، وأنا أحب الشعر الذهبي، يفتنني، يدير راسي، ولو استطعت لجمعته كما تجمع طوابع البريد، وقطع الخزف الثمين، والسجاجيد الفاخرة. . . وهناك أيضاً موضوع آخر. . . عيناك. . . إنهما نجمان متألقان. . .)
فصاحت به: (حسبك. وادخر بلاغتك لمن عو أحق بها، أعني لمن له أذنان تصغيان فاني ماضية)
فقال: (وتتركيني؟)
قالن: (آسفة)
قال: (ألا تفرين؟ في أنا على الأقل!)
قالت: (سأفكر فيك طويلاً)
فقال بلهجة الظافر: (كنت أعلم ذلك)
قالت: (إيه؟ ٩
قال: (كنت واثقاً أنك رقية القلب)
قالك: لا لا. . . إنما أعني أني سأفكر في جرأتك. . . واسمح لي أن أقول: وفي وقاحتك)
فلم ينهزم وقال: (هذا ذنبك)
قالت مستغربة: (ذنبي)
قال: (على التحقيق: إنك جميلة، فلماذا أنت جميبة؟ هذا عذري!)
قالت: (آه!) وهمت أن تمضي عنه
فقال: (وشيء آخر. . . يجب أن تعلمي أنه لاقيمة لجمالك)
قالت: (ألم أقل إنك وقح؟)
قال: (لاقيمة لمالك إذا لم يعجب به أمثالي. . . بغيري تكونيين وردة في صحراء. . . من يشمها؟ من يتأملها؟ من يقول ما أحسنها؟)
стр. 6633
قالت: (ألا تخبرني من أنت؟)
قال: (أو بعيك أن تعرفي؟)
قالت: (بالطبع. . . لانك أوقح من رأيت في حياتي)
قال: (كلا، هناك من هو اوقح. . أوه بمراحل! صاحبي هذا الوقف هناك. . . أترينه؟
سأعود اليه وأبلغه أن له - إذا شاء - أن يشمت بي، لأني فشلت)
قالت: (أكانت مؤامرة؟)
قال: (لقد نهاني فلم أطع، وجررته معي بكرهه، وفي مأمولي أن أفوز، فأباهية وأفاخره، أما الآن. . .)
قالت: (هذه هي الحقيقة؟)
قال: (بلا تحريف. وتعالى اليه لتسمعيها منه إذا شئت)
فوقفت تفكر برهة كالمترددة ثم القفتت اليه فجأة وقالت: (هل نت تعرفني؟ ٩
قال: (سؤال معاد، وجابه واحد لايتعدد ولا يتغير)
قالت: (لا تعد الى المزاح)
قال: (أؤكد لك أني جاد جداً)
قالت: (ولكن كيف وثقت أني سأرد على اعلانك!)
قال: (هي مقامرة لا أقل. .)
قالت: (على كل حال، لابد أن أمضي الآن)
قال: (ونلتقي مرة أخرى؟)
قالت: (ربما. . . لا أردي. . .)
قال: (اذكري أني أعرف عنوانك، فاذا طال الأمر فلا يبعد أن اغزو دارك فاني كما تعلمين مجنون)
قالت: (لاتفعل. . . . احذر)
قال: (لاتخافي. . . . مع السلامة. .)
ورجع إلى صاحبه فقال: (ألا تزال واقفاً؟ لماذا لم تعد إلى البيت؟ ما فائدتك هنا؟)
فسأله: (ماذا صنع الله بك؟)
стр. 6634
قال: (وكيف يعنيك هذا؟ أي دخل لك فيه؟)
قال: (قل لي بالله!)
قال: (ولاتشمت؟ لا في السر ولا في الجهر؟)
قال: (أو أخفقت؟؟؟ مبارك! مبارك! الحمد لله!)
ابراهيم عبد القادر المازني
كيف استجبت للرسالة؟
للأستاذ محمد محمود جلال
كان لمجلة (البيان) في نفسي مكانة، وكان لها في أفق الثقافة المصرية مكان. وكنت ما اشتركت فيها أحس من نفسي اغتباط من يؤدي واجباً، ولا أنكر ما شملني من سرور يوم نشر الشيخ البرقوقي مقالي الاول بها
ولما احتجبت أحسست لها وحشة، وأحسست في جوي بشيء ينقصني، ثم طلبته في مجلداتها الاولبى، وإذا أتيت عليها وأخذت نفسي بترتيبها ووضعها في مكان خاص من المكتبة خلجني سرور الوفاة بالعهد. ولم يزل لها مكانها وما زلت أذكر بالخير عهدها
لم أكتب في مجلة منذ احتجابها، وفي فترات متباعدة كتبت في المحروسة، واللواء، والمقطم. وكنت طوال الوقت اتمنى على الله للبلاد مجلة تسد الفراغ وتأخذ بيد الثقافة
وما كنت لاغمط المجلات الاخرى فضلها على العلم والأدب والتاريخ، ولكني كنت دائم الأحساس بحاجة البلاد لمجلة تقوم على أساس من الروح المصرية، وإحياء الصالح من التقاليد الأسلامية، فتصل العهدين وتنبه الجيل إلى تراث الأولين
ملكت الأمنية على شعوري حتلا فكرت عام ١٩٢٦ مع صديقي اسماعيل مظهر وصديق ثالث في تنفيذ الفكرة برغم مشاغلي وما قد يكون بين عملي وبين ما أعتزم من فوارق ظاهرة. ووصل بنا الحرص على التوفيق بين الأمرين إلى أن نعتزم إصدارها كل ثلاثة أشهر، ولكن حتى هذه لم تتم!! فقد تعجل صديقنا الأمر وأظهر مجلة (العصور) فجاءت أبعد ما تكون عن الأسس التي قدرنا
لكن الله قدر للأمنية أن تتحق - وتحققت بالفعل قبل أن أتصل بالرسالة
стр. 6635
بعام ونيف، ولكني حرمت هذا الخبز السار حتى كان رأس العام الهجري الحالي فأراد الله أن يجعل سروري مضاعفاً، فأتلقى الخبر في خير عيد للمسلمين، بل للأنسانية جميعاً
فبينما أجتاز ميدان الأزهار إذ سمعت بائع الصحف ينادي بالرسالة، وإذا بي مقبل على شرائها، فيطالعني العنوان، وإذا بين يدي عدد ممتاز خص به العام الهجري، وشرف العدد بأكثر ذكريات التاريخ
طربت حقاً - لأني أعلم أن هذا التقليد الصالح أهمل منذ الحرب الأخيرة بعد أن كان سنة تحييها أكثر الهيئات - وطربت لأني أخذت أولادي وبيئتي بالاحتفال بالعام الهجري، فأدخر لهم ليومه خير المكافآت و (اللعب) ايقاظاً لهم، وتقريباً للمعنى الى عقول الصغار
وإني أقرر اليوم أني إلى ذلك التاريخ لم أكن أعرف عن صاحب الرسالة شيئاً، ولم أكن رأيته، ولم يصلني به وبأكثر النخبة الصالحة من معاونيه غير الآثار القلمية الرائعة أمتع بها ذهني بين فرصة وأخرى
فلما قرأت العدد التاريخي شعرت بما خفق له قلبي طرباً، وأحسست بالفراغ يملأ وبالثغرة تسد
إنما تنشد للبلاد مجلة تنشر مفاخر السلف الكرام فلا ينقطع ما بيننا وبينهم فتصل المنطق. إنما تمنينا مجلة تنشر الصالح قديماً كان أو حديثاً، تخرج لنا في لغة سهلة راقية ما يأخذ بيد الأخلاق من عثرتها، ويكبح جماح الشهوة والغرور، ويزيل الغشاوة عن الأبصار، فيبدو لشبابنا الأسلام كما هو، والأدب العربي كما هو، وهما أساس الثقافة لمصر الحاضرة ولا أساس غيرهما
وما دت أظفر بهذا الكنز حتى سارعت به الى أولادي أقرهم ما يتفق وما يحيون من ذكرى، وأشرح لهم بعض ما يصعب على أذهانهم - ثم سارعت أكتب الى صصاحب الرسالة مشجعاً دون سابق تعارف، معتقداً أن السكوت بعد ذلك هرب من صفوف الجهاد، ووعدت في كتابي أن أنتهز فرصة فراغ لأعود للترسل اذا أتيح لي أن تشرُف رسائلي بمثل هذا المكان الكريم
جاءني الرد بعد قليل فاذا به آية على اختصاره، وإذا بي ألمس في كاتبه صدق الأيمان في كل مسعى ومقصد
стр. 6636
أتيح لي في شهر سبتمبر ان أزور دار الرسالة فأسعد بلقاء صاحبها، وإذا بي ألمس في كل قول وفي كل حركة إيماناً صادقاً وأدباً رائعاً جذاباً
استجبت (للرسالة) الغراء وكلها هدى ونورـ وفي يقيني أنها في البلاد ثالثة أعلام النهضة، فبجانب (مصنع المحلة) في ميدان الاقتصاد، و (مستشفى المؤاسة) في عالم البر والتعاون، تقوم (الرسالة) حمى الأدب العربي وتراث الاسلام
واذا ان الله تعالى أكرم البلاد بهذه المجلة، فقد أكرم المجلة بثوب الأخلاق الكريمة الذي أضفاه على صاحب الرسالة، ولن تنجح رسالة بغير خلق
فالى الأمام أيها الصديق، وإلى الأمام يا خير الصحف. إنما عيد الرسالة عيد للثقافة العالية، والدين القويم، والخلق الكريم
محمد محمود جلال المحامي
بين عامي نشيد الوداع. . . . . للأستاذ علي الطنطاوي
(١) مالت الشمي الى المغيب، ولم يبق من أشعتها الذهبية إلا خيوط قليلة، تنفذ من بين قطع الغمام المتناثر حيال الأفق. . . . تقلى على العالم نظرة الوداع، وتقبل جبينه الخاشع قبلتها الأخيرة. . . ثم تجود بذمائها الباقي، وتلفظ نفسها الأخير - كما يلفظ نفسه هذا العام الراحل!
(٢) وكنت أطل من شرفة منزلي - ومنزلي في شارع بغداد: على شاطيء الغوطة، معني الغساسنة، وجنة الدنيا، وملهمة الشعر شعراء العرب الأقدمين - أطل على بساتينها الفيحاء، وجناتها الواسعة، التي تحف به من جهاته الأربع، فأرى الكون في حزن وكآبة، وأرى على جهه صفرة تبدو على أوراق الخريف الزاوية الهشيمة، وفي عينيه دمعة تترقرق، تلوح في طيات هذا المزن الراقراق، وأسمع لقلبه وجيباً، يسمع من هذه الأغصان التي يتلاعب بها النسيم. . . ثم أنظر إلى نفسي، لإارى فيها عالماً آخر. . . ولكنه مفعم بالكآبة والغم، كذلك العالم!
(٣) أطلت التحديق في هذه المشاهد - فلم تنفرج لي شفتاها عن الابتسامة التي أحن إليها وأرقبها. . . . وكنت قد عزمت على المضي في هذا التحديق، حتى أرى هذه الابتسامة،
стр. 6637
فأحتفظ بها بين أحناء ضلوعي، وفي مثوى الذكريات من نفسي ذكرى سارةً، تخفف من لوعة الذكر الكثيرة المؤلمة لهذا العام الراحل. . . . لكن عزيمتي قد ونت، وأيقنت أن قلبي المحطم اليائس لا تشرق عليه أشعة الابتسامات
(٤) دنت قافلة الحباة السائر في بيداء الزمن من محطها،
فتباطأت في سيرها، وقاربت خطوها، فامسيتُ أشعر بطول
هذه الساعات الباقية في عمر العام ورحت أرقب عقرب
الساعة المائلة أمامي، فلا أراه يتحرك. . فضجرت وتألمت،
وأحسست كأن هذا الفلك يدور وهو عاتقي. . .
(٥). . . بعد ساعة واحدة يُتم الفلك دورة جديدة من دوراته التي لا تحصى. فلا يترك بعدها إلا أنقاضاً مهدمة، وأجساداً محطمة، وقلوباً مهشمة، كأنما هو رحي تطحن الأمم والشعوب. . . ثم يخرج منها النداء أن: لِدُوا وابنوا وأملوا. . . ولكن للموت والخراب واليأس!
بعد ساعة واحدة، ينقضي هذا العام، فتبتلعه هوة العدم، ويفتح الماضي ذراعيه، ليضمه إلى الأعوام الكثيرة التي مرت من قبله، ويؤلفها (رزمة) واحدة، ثم يلقيها في بحر الأبدية. . . ثم تفنى عند جلال الله الباقي
بعد ساعة واحدة، يدع هذا العام مكانه من الوجود للعام الجديد، ثم يهذب فيتبوأ مكانه من عالم العدم!
(٦) بعد ساعة واحدة تختم من هذا العام صفحة كتبت أكثر سطورها بدموع المظلومين، لتفتح صفحة أخرى، لا ندري عنها شيئاً، ولكن فيها ألم وفيها سرور، وفيها أمل وفيها خيبة، وفيها ضحك وفيها باء. . . . والقدر يضحك ابداً من هذا الانسان، لأنه يراه الظالم ويراه هو المظلوم!
ما الانسان إلا عدو الانسان. .
يكتب القوى سيرة حياته، ويملأها بآيات التجليل والثناء، ولكن مدادها دموع الاشقياء،
стр. 6638
ودماء الابرياء. . .؛ وينشيء القوى صرح مجده، ويرفع ذرى عظمته، ولكن أساسه جماجم المظلومين، وعظام الشهداء؛ ويملأ القوى بالذهب خزانته، ولكن دراهمها قد جمعت من أيدي اليتامى، وأفواه الفقراء
(٧) بعد ساعة واحدة، تحط القافلة رحالها، فتلتفت إلى الوراء فلا نرى إلا ظلاماً، يلمع في وسطه نجم من الذكرى، نتبين فيه (العلم المربع الألوان) وهو يخفق على دمشق، فتخفق قلوبنا لجلال الذكرى، ومرارة الفقد! فنحول أبصارنا إلى الأمام فلا نرى إلا الظلام. ولكن. . . ما هذا النور الذي ينبعث من الأرض فيذهب صعداً في السماء، فيهدينا الطريق، ويترع نفوسنا قوة وأملاً؟ لقد علمت: هذا بريق الدماء التي سقينا بها صحراء ميسلون، وجنان الغوطة، لقد علمت: لايزيح ظلمة المستقبل، إلا هذا النور. . . الأحمر!
(٨) تزين الناس ولبسوا أحسن ثيابهم، وراحو يهنيء بعضهم بعضاً، لقد امتلأت بهم الأسواق والشوارع، والبيوت والمجامع، لقد ناءت برسائلهم قطر البريد، حتى ما ترى حيثما كنت إلا ثغوراً تبسم، وما تسمع إلا مقالة تقال: كل عام وأنتم بخير.
كل عام وأنتم بخير. .
غير أني لا أفقه من هذا كله شيئاً!
(٩) فيم الهناء؟ وعلام السرور؟. . أيهنأون بتلك الأرواح التي دفعناها ثمن الحرية، فكان للبائع الثمن والبيع؟ أم بالنفوس الكبيرة التي أزهقها الأقوياء، أم بالمنازل التي خرجوا؛ أم بالدور التي أحرقوا، أم بالحق الذي غصبوا، أم بالحرمات التي انتهكوا؟. . . أم بالأزمة العامة، والتجارة الاسدة، والصناعة العاطلة، والزراعة البائرة، والأخلاق الضائعة، والرجولة المفقودة، والحدود المستباحة، والجهالة المنتشرة؟. . . .
أما إن أشد البلاء، ألا نشعر بالبلاء! وأكبر المصيبة أن نجهل أنها المصيبة! فما لهؤلاء الناس وماذا اعتراهم؟ أيفرحون بهذا كله؟. . . .
إني لا أفقه من هذا كله شيئاً!
(١٠) عزفت عما فيه الناس، ورحت إلى شرفتي كئيباً، وكان الظلام قد ملأ الكون، كما ملأ جوانب نفسي، فغشيني ذهول عميق، وانطلق لساني يقول:
* * *
стр. 6639
أيها الراحل المودع!
لقد كانت لنا آمال، صببناه على قدميك يوم خرجنا لاستقبالك، وكنا كلما انقضى من عمرك يوم ولم تتحقق ارتقبنا بها يوماً آخر، وهذا يوم لا آخر له، فأخبرنا عن آمالنا، ماذا صنعت بها، أدست عليها فحطمتها وقطعت طريقك على رفاتها؟
أيها الراحل المودع!
لقد أودع أسلافنا عند أسلافك أمانة، هي المجد العربي، والعزة الاسلامية، فضاعت في بيداء الزمن، وانطلقت الأعوام وانلقنا وراءها نفتش عنها وننشدها، ولن ني ما بقي في الزمان عام، وبقي منا إنسان، فأخبرنا هل مررت عليها، وهل عرفت أي عام يحملها الينا؟. . . .
إنك ستجتمع في عالم الأبدية بالأعوام التي سبقتك، ومرت بنا قبلك، فهل لك إذا اجتمعت بعام الدماء والدموع، عام الثورة. . . أن تبلغه يلامنا وتحياتنا، هل تحمل الى تلك الأرواح الظاهرة شوق أبنائها وإخوانها؟. . . ألا قل لها تهدأ وتطمئن، فانا لن ننسى، لن ننسى. . إن ذكرى الدم المفسوح لا تنسى ابداً!
وبعد يا أيها الراحل المودع!
أنبئنا مذا يحمل هذا القادم المسلم، هل يحمل الينا تحقيق الآمال وبلوغ الأماني؟ أم يحمل الشقاء والخراب والفقر والآلام والدموع والدماء كاخوانهالخمسة عشر عاماً، التي مرت على سورية؟
أنظر ماذا خلفت فينا، أنظر الى مدينتنا، لقد جعلتها - في ظل المتمدنين - أطلالاً وخرائب، لقد جعلت أهلها فقراء بائسين. . . انظر هذه هي خرائب الدرويشة والميدان؛ وهذه قلاع المزة وقاسيون. .
ولكن لا بأس أيها العام لابأس؛ إن أرضاً تسقة؛ (الماء الأحمر!) لابد أن تنبت (الحرية الحمراء). . . وإننا لن نيأس أبداً
* * *
وأفقت من ذهولي، وكان وهن من الليل، وكانت اللحظة الاخيرة من العام الراحل، فأرسلت في فضاء الله الواسع زفرة طويلة، ثم رفت رأسي شطر السماء وقلت:
стр. 6640
- سبحانك لا اله إلا أنت. . . هذا قضاؤك يا الله!
وتبددت اللحظة الاخيرة من العالم، تبدد الحروف الاخيرة من مقالتي، ولم يبق في الوجود، إلا. . . . اسم الله
باسم الله نستأنف العمل، والله المستعان!
علي الطنطاوي
ظواهر متماثلة
في تاريخي الادبين العربي والانكليزي
للأستاذ فخري أبو السعود
لا يكاد يكون بين الأدبين العربي والانجليزي من وجوه التشابه إلا الأمور العامة التي يتفق فيها كا أدبين يعبران عن نوازع النفس الانسانية، وهما فيما عاد ذلك مختلفان جد الاختلاف، وهذا راجع الى أمرين: أولهما اختلاف الأمتين في الجبلة والبيئة: فهذه أمة شرقية سامية هرجت من جزيرة صحراوية وولاثت الدول الشرقية القديمة، وتلك أمة غربية آرية خرجت من جزيرة شمالية وشاركت في تراث الدولة الرومانية، وثاني الأمرين اختلاف قسطي الأدبين من التأثر بالثقافة اليونانية: فبينما كان تأثر الأدب العربي بها قليلاً غير مباشر تأثيرها في الأدب الانجليزي شاملاً غامراً للأصول والفروع، فكتسب ذلك الأدب الانجليزي شاملاً ظل الأدب العربي بعيداً عنها
ولكن هنا ظواهر في تاريخ الأمتين والأدبين متمائلة أدى إليها تمائل وقتي في الظروف وأدت الى نتائج متمائلة: فعصر الجاهلية في تاريخ الادب العربي شبيه بعصر ما قبل اليزابث في التارريخ والأدب الانجليزي: ففي ذينك العصرين كان كل من الشعبين يعيش داخل جزيرته في عزلة كبيرة عن العالم على حال شبيهة بعصر الأبطال في بلاد اليونان الذي أنتج ملاحم هوميروس، وكان الأدبان تبعاً لذل جافيين، وعْرى الأسلوب واللفظ، ساذجي المعني، بعيدين عن الصناعة الفنية، وكانا أقل رقياً من الأدب الذ جاء في العصر التالي. والواقع أن الشبه هنا وبين الجاهلية المصرية وعصر الأبطال اليواني كبير: ففي الجاهلية كان العرب منقسمين قبائل وعشائر متناحرة كما كانت البلدان والعشائر اليونانية،
стр. 6641
وإن كانت تحس بقوميتها العرية العامة متمثلة في لغتها وفي مجامعها السنوية في الأسواق وفي الحج الى مكة، كما كان اليونان يجتمعون في المواسم الأولمبية ويحجون الى دافي، وفي تميزها على الأمم الاخرى التي كان العرب يسمونهم عجماً كما كان اليونان يعتبرون مَن عَداهم برابرة، وإن يكن العصر الجاهلي لم ينتج ملاحم باراً كالألياذة والأوديسا في اليونان أو كملحمة (بيولف) في انجلترا، فان قصائده على قصرها هي من هذا الضرب. ولعل العصر الجاهلي لو طال قليلاص لا ئتلفت تلك القصائد الصغيرة التي تمجد كل منها قبيلة واحدة، فكونت ملحمة كبرى تتغنى بفروسية الأمة العربية قاطبة
ونهضة العرب بظهور الاسلام تماثل نهضة الانجليز في عصر اليزابث بوصول النهضة الأوربية الى انجلترا واتجاه نظر الانجليز الى ما وراء البحر؛ ففي كلا العصرين بدأت كل من الأمتين تخرج من محيط جزيرتها وتشب عن طوق عزلتها وتتصل بالعالم وتصطنع حضارته وتبنى لنفسها امبراطورية مترامية الاطراف، وارتقى أدبها من جراء ذلك ارتقاء عظيماً ورقت ديباجته، وإن يكن الرقي الادبي في صدر الاسلام قد تمثل في النثر بينما تمثل في العصر الاليزابثي في الشعر ولاسيما الشعر التمثيلي
وبانبعاث هذه النهضة وقيام هذه الدولة انتسرت كلتا اللغتين فيبقاع الأرض وافتتحت آدابها كثيراً من الأمم؛ فاللسان العربي الذي لم يكن يتجاوز حدود الجزيرة في الجاهلية سار يتكلم من حدود الصين الى المحيط الأطلسي، وأثر في لغات وأزال غيرها وحل محلها، وأصبح اليوم لسان شعوب كثيرة في آسيا وأفريقة. واللغة الانجليزية التي لم يكن يتكلمها إلا ملايين تعد على الأصابع في عهد شكسبير أصبحت تُتكام وتدرس في مشارق الأرض ومغاربها، وأصبح أدبها عالمياً كما كان أدب العرب عالمياً على عهد عظمتهم
ولم تكد كل من الأمتين تود أركان امبراطوريتها حتى انسلخ عنها جانب من أملاكها ونما مستقلاً حتى طاولها في النفوذ والسلطان، وداناها في ازدهار اآداب والعلوم، فكما انفصلت الأندلس عن الخلافة العربية استقلت الولايات المتحدة الأمريكيو عن الامبراطورية البريطانية؛ بيد أن البلاد الأصلية احتفظت بالزعامة الأدبية على طول الذي فلم تنجب الاندلس من الأدباء من بذلوا فحول العباسيين، ولا ظهر في أمريكا ولا غيرها من أنحاء الامبراطورية البريطانية من داني شكسبير وملتون
стр. 6642
وباتصال كل من الأمتين بالأمم المتحضرة سَرَت إليها موجة عدوى من دواعي الترف وبدأ أثر ذلك في أدبها: فاختلاط العرب بالفرس أدخل الترف والعبث في البلاط العباسي وأثر في جيل أبي نواس من الشعراء، واتصال الانجليز بفرنسا في ظل ملكها المترف لويس الرابع عشر أفسد بلاطهم على عهد شارل الثاني وبان أثر ذلك في الأدب ولاسيما في الرواية التمثيلية
وكلا الأدبين تأثر إلى حد بعيد بالكتاب السماوي الذي تدين به أمته؛ فأثر القرآن في المجتمع العربي وتاريخ اللغة العربية وأصولها وآدابها وثقافة أدبائها وأساليبهم جسيم بين الجسامة، فقد كان منذ جاء مثلاُ أعلى وثقافة قائمة بذاتها؛ والانجيل منذ ترجم إلى الانجليزية في عهد الاصلاح الديني له اليد الطولي في تثبيت الأسلوب النتثري الانجليزي، وتثبيت مفردات اللغى، وإدخال مفردات جديدة واشتقاق غيرها، واختراع طرق للاشتقاق أ
لم يأخذ العرب عن اليونان ولا عن غيرهم أخذاً بالجملة ما صنع الانجليز، بل ظلوا غب زمانهم شامخين بأدبهم ينظرون من عليائه إلى من حولهم من أمم وما لها من آداب؛ أما عهد الاخذ بالجملة في تاريخ الأدب العربي فهو عصرنا الحاضر الذي يُسع فيه أدباؤنا اللغات الغربية دراسة ونقلاً ومحاكاة، فيُغنون أدبنا أي إغناء، ويخصبونه بالعنصر الأجنبي
стр. 6643
الذي كان يعوزه
هذه ظواهر يتقارب فيها تاريخا الأدبين لتقارب في ظروف
الأمتين في شتى العهود، أما ظواهر التباين فلا تكاد تعد؛
ويجب حين نقابل بين التاريخين أن نذكر أن دولة العرب أقدم
عهداً وأدبهم أعرق محتداَ، وأن دولتهم وأدبهم قد غبر الفصل
الاول من قصتهما، وهما اليوم في طور بعث جديد أما الدولة
والأدب الانجليزيان فما يزالان في الفصل الأول
فخري أبو السعود
стр. 6644
٨ - محاورات أفلاطون
الحوار الثاني
كريتون أوجب المواطن
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
أشخاص الحوار: سقراط. كريتون
مكان الحوار: سجن سقراط
سقراط - وستقول القوانين بعدئذ: (اعلم يا سقراط، إن صح هذا، أنك بهذه المحاولة إنما تسيء الينا، لأننا بعد إذ أتينا بك الى الدنيا، وأطمعناك وأنشأناك وأعطيناك كما أعطينا سائر أبنا الوطن قسطا من الخير، ما استطعنا للخير عطاء، فقد أعلنا فوق ذلك على رءؤس الأشهاد أن من حق كل اثنيني أن يرحل الى حيث شاء حاملا متاعه معه، إذا هو نفر منا بعد أن تقدمت به السن فعرفنا حق المعرفة وعرف على أي الأسس تسير المدينة، وليس فينا نحن القوانين ما يحول دونه أو يتدخل معه في أمره، فلكل منكم إذا ما كرهنا وكره المدينة، وأراد الرحيل الى إحدى المستعمرات أو الى أية مدينة أخرى، أن يذهب حيث شاء، وان ينقل متعاه معه؛ أما ذك الذي عركنا فعرف يف نقيم العدل وكيف ندير الدولة، ثم رضي بعد ذلكالمقام بيننا، فهو بذلك قد تعاقد ضمناً على أنه لابد فاعل ما نحن به آمرون. فمن عصانا، ونحن ما نحن، فقد أخطأ مرات ثلاثاً: الأولى أنه عصى والديه بعصيانه إيانا، والثانية أننا نحن الذين رسمنا له طريق نشأته، والثالثة أنه قطع معنا على نفسه عهداً أنه سيطيع أوامرنا، فلا هو أطاعها، ولا هو أقنعنا بأنها خاطئة، ونحن لا نفرضها عليه فرضاً غشوماً، ولكنا نحيره، فلما طاعتنا وإما إقناعنا. هذا ما قدمناه إليه، وهذا ما رفضته جميعاً.
تلك هي صفوف المآخذ التي ستقيم من نفسك هدفاَ لها يا سقراط إذا أنت أنجزت عزيمت، كما سبق لنا بذلك القول. ولاسيما أنت دون الآثينيين جميعاً) وهب أني سألت ولم هذا؟ فستجيب حقاً بأنني قد سلمت بهذا الاتفاق دون سائر الناس. ستقول القوانين (إن ثمت لبهاناً ساطعاً يا سقراط، بأننا والمدينة معنا لم نكن لنعكر عليك صفو العيش، فقد كنت أدوم الآثينيين جميعاً مقاماً في المدينة: لم تغادرها قط، حتى ليجوز لنا الفرض بأنك كنت تحبها؛ إنك لم تغادرها مطلقاً لتشهد الألعاب، اللهم إلا مرة واحدة حين ذهبت لترى البرزخ. ولم تفصل عنها لتقصد إلى أي مكان آخر، إلا إذا كنت في خدمة الجيش، ولم تسافر كما يسافر
стр. 6645
الناس، ولم يدفعك حب الاستطلاع إلى رؤية الدول الأخرى لتلم بقولنينها، فقد اختصصتنا بحبك لم تجاوز به حدود دولتنا، فكنا نحن أصفياءك المخلين، وقد رضيت بحكمنا إياك. إن هذه هي الدولة التي أعقبت فيها أناءك، وإن ذلك لينهض دليلاً على رضاك. هذا وقد كنت تستطيع لو أردت أن تقرر عقوبة النفي أثناء المحاكمة - وإن كان الآن ثمت دولة تغلق دونك أبوابها فقد كانت حينئذ تسمح بذهابك إليها، ولكنك ادعيت أنك تؤثر الموت على النفي، وأنك لم تبتئس من لموت. ولكن هأنت ذا الآن قد أنسيت تلك العواطف الجميلة، وترفض أن تحترمنا - نحن القوانين، التي أنت هادمها، وإنك الآن لتفعل ما لا يفعله إلا العبد الخسيس، فتولي أدبارك هارباً من العقود والعهود التي قطعتها على نفسك باعتبارك واحداً من أبناء الوطن؛ فأجب لنا أولاً عن هذا السؤال: أنحن صادقون في القول بأنك اتفقت على أن تُحكم وفقاً لنا، بالفعل لا بالقول فقط؟ أهذا حق أم كذب؟ بماذا نجيب عن ذلك يا كريتون، ألسنا مضطرين إلى التسليم؟
كريتون - ليس عن ذلك منصرف يا سقراط
سقراط - أفلن تقول القوانين إذن: (إنك يا سقرط ناقض للمواثيق والعهود التي أخذتها معنا على نفس اختياراً، فما كنت في أخذها عجلان ولا مجبراً ولا مخدوعاً، ولكنك لبثت سبعين عاماً تفكر فيها، وكنت خللها تستطيع أن تغادر المدينة إن كنا لم نصادف من نفسك قبولاً، أو كنت قد رأيت فيما اتفقنا عليه احجافاً بك. كنت في ذك مخيراً، وكان في مقدورك أن ترحل إما إلى لا قيديمون أو إلى كريت اللتين كثيراً ما امتدحتهما لحسن حكومتيها، أو ترحل إلى أية دولة أجنية يونانية أخرى. ولكنك كنت تبدو أكثر من سائر الأثينيين جميعاً، شغوفاً بالدولة، أو بعبارة أخرى، بنا - أي بقوانينها (إذ من ذا الذي يحب دولة لا قوانين لها) فلم تتزحزح عنها قط، ولم يكن العُمى، والعُرج، والمقعدون، بأكثر منك قبوعاً بها؛ وهأنت ذا الآن تفر ناقضاً ما قطعته من عهود. ما هكذا يا سقراط إن أردت بنا انتصاحاً، لا تضع نفسك بهروبك من المدينة موضع الشخرية
(وحسبك أن ترى أي خير تقدمه لنفسك أو لأصدقائك، ان أنت اعتديت أو أخطأت على هذا الوجه؟ أما أصدقاؤك فالأرجح أن يشردوا نفياً، وأن يسبو حق انتسابهم للوطن أو أن يفقدوا أملاكهم. أما عن نفسك أنت، فلو تسللت إلى إحدى المدن المجاورة، إلى طيبة أو ميفاراً
стр. 6646
مثلاً، وهما مدينتان تسيطر عليهما حكومة حازمة، فستدخلهما عدواً يا سقراط وستناصبك حكومتناهما العداء، وسينظر اليك أبناؤهما الوطنيون بعين ملؤها الشر لأنك هادم للقوانين، وسيقر في عقول القضاة أنهم كانوا في إذانتهم إياك عدولاً. فأغلب الظن أن يكون مفسد القوانين مفسداً للشبان، وأن يكون بلاء ينزل بالغفلة على بني الانسان.
فلم يبق لديك إلا أن تفر من هذه المدن المنظمة ومن ذوي الفضل من الرجال، ولكن أيكون الوجود حقيقياً بالبقاء على هذه الحال؟
أم أنك ستغثى هؤلاء الناس في صفاقة يا سقراط لتتحدث اليهم؟
وماذا أنت قائل لهم؟ أفتقول ما تقوله هنا من أن الفضيلة والعدالة والتقاليد والقوانين أنفس ما أنعم به على الناس؟ أيكون ذلك منك جميلاً؟ كلا ولا ريب. أما إن فررت من الدول ذوات الحكم الحازم، الى تساليا حيث أصدقاء كريتون، وحيت الاباحية والفوضى، فسيجدون متعاً في قصة عروبك من السجن، مضافاً اليها ما يبعث على الشخرية من التفصيل عن كيفية تنكرك في جلد عنزة أو ما عداه من أسباب التنكير، وعما بذلته من ملامحك كما جرت بذل عادة الآيقين - ليس ذلك كله ببعيد، ولن ألن تجد هناك من يذكرك بأنك وأنت هذا الشيخ الكهل، قد نقضت أشد القوانين تقديساً، من أجل رغبة حقيرة في إستزادة الحياة زيادى ضئيلة؟ قد لا تجد إذا استرضيتهم، ولكن لا تلبث أن تثور منهم سورة الغضب، حتى يصكوا مسمعيك با يجللك عاراً. إنك ستعيش، ولكن كيف؟ - متملقاً للناس جميعاً وخادماً للناس جميعاً. وماذا أنت صانع؟ - ستأكل في تساليا وتشرب، لأنك قد غادرت البلاد لكي تصيب في الغربة طعاماً لغذاءك، وأين ترى ستكون تلك العواطف الجميلة التي تبدلها حول العدل والفضيلة؟ قل إنك راغب في الحياة من أجل أبنائك لتتعهدهم تربية وإنشاء - ولكن أأنت مصطحبهم الى تساليا، فتقضي عليهم بذلك ألا يكونوا أبنء الوطن الأثيني؟ أذاك ما سمنحهم إياه من نفع؟ أم أنت تاركهم واثقاً بأنهم سبكونون أحسن رعابة وتربية مادمت أنت حياً، حتى ولو كنت غائباً عنهم، إذ يعني بهم أصدقاؤك؟ هل تخيل لنفسك أنهم سيعنون بهم ما أقمت في تساليا، أما إن صرت من أهل العالم الآخر، فلن يعنوابهم؟ كلا، فان كان من يسمون أنفسهم أصدقاء، أصدقاءك حقاً، فانهم لاشك معينون بأبنائك
стр. 6647
(اضغ إلينا إذن يا سقرا، نحن الذين أنشأناك. لا تفكر في الحياة والأبناء اولاً، وفي العدل آخراً، بل فكر في العدل أولاً، وارج أن تصيب البراءة عند ولاة العالم الأسفل. فان فعلت ما يأمرك به كريتون، فلن تكون أنت ولا من يتعلق بك كائناً من كان، أسعد أو أقدس أو أعدل في هذا الحياة ولا في أية حياة أخرى , فأرحل الآن بريئاً، مجاهداً لا فاعلاً للرذيلة، ضحية الناس لا ضحية القوانين. أما إن صممت أن ترد الشر بالشر والضر بالضر، ناقضاً ما قطعته أمامنا على نفسك من عهود ومواثيق، مسيئاً إلى أولئك الذين ينبغي ألا يمسهم من إساءتك إلا أقلها، أعني نفسك، وأصدقائك، ووطنط، ونحن، فسننقم عليك ما دمت حياً، وستستقبك قوانين العالم الأسفل، وهي إخوتنا، عدواً، لأنها ستعلم أنك لم تدخر وسعاً في هدمنا. اصغ إذن إلينا، لا إلى كريتون)
هذا هو الصوت الذي كا، ي به يهمس في مسنعي، كما تفعل نغمات القيثارة في آذان المتصوف. أقول إن هذا هو الصوت الذي يدوي في أذني، فيمنعني من أن أستمع الى أي صوت سواه وإني لأعلم أن كل ما قد تقوله بعد هذا سيذهب أدراج الرياح، ومع هذا، تكلم إن كان لديك ما تقواه
كريتون - ليس لدي ما أقوله يا سقراط
سقراط - ذرني إذن أتبع ما تةحي به إلى إرادة الله
زكي نجيب محمود
انتهى الحوار الثاني، وسننشر الحوار الثالث ابتداء من العدد الآتي.
التصوف الأسلامي بقلم سليمان النابلس
توطئة
يدبأ الدين في أول أمره عقائد راسخة ومناسك ثابتة لاتسامح في أوامره ولا هوادة في نواهيه. ثم لا تلبث - بعد أن يتطاول الزمن وتمر السنون - أن تلين العريكة وتأخذ المياسرة مكان المعاصرة فيدب الشك الى العقائد الموروثة والسنن المرعية؛ إذ ذاك يبحث الانسان عن عقيدة تسوي ما بين نفسه وبين الكون تسوية مقبولة يرتضيها العقل ويقرها المنطق، وعندئذ تنشأ الصوفية
стр. 6648
والصوفية منحى في الفكر، لا بل في الشعور ويصعب تحديده، يظهر في محاولة العقل الانساني تفهم الطبيعة الروحية لحقيقة الأشياء، ويبرز في بِشر المرء وسروره بنعمة الارتباط الروحي مع الخالق العظيم
معنى لفة صوفي
لقد تباينت الآراء وتضاربت الأهواء في المصدر الذي اشُتقت منه لفظة صوفي، فمن قائل إنها من الأصل اليواني (سوف بمعنى حكمة كما ذكر أبو الريحان البيروني في كتاب الهند، ومن قائل - وهم الصوفيون أنفسهم - من صفا صفاءً. قال أبو الفتح البُستي
تنازع الناس في الصوفي
قدماً وظنوه مشتاً من الصوفِ
ولست أنحل هذا الاسم غير فتىً
صافي فصوفي حتى لُقب الصوفي
وذهب آخرون الى أنها متحدرة من معنى ديني، فينسبونها الى أصحاب (الصفة) وهم قوم من الصحابة كانوا يجلسون على باب المسجد يوزعون الصدقات على الفقراء. على أن الرأي الأكثر شيوعاً والأقرب للعقل والمنطق هو نسبتها الى (صوف) أي الى ظاهر اللباس. فأبو نصر السراج مؤلف كتاب اللمع - وهو أول كتاب ظهر عن الصوفية - يقول: (إن لبسة الصوف دأب الانبياء وشعار الأولياء، فلما اضفتهم الى ظاهر اللبسة كان ذل اسماً مجملاً عاماً. . . .)
وقد أيد العلامة (نوالدكه) هذه النظرية وشاركه في الرأي العالم الانجليزي الشهير (برون وان مما استدل به على ذلك الكلمة الفارسية (باشمينابوش) التي يسمون بها عادة، ومعناها اللفظي (لا بسو الصوف) وجبب الصوف كانت منذ القدم علامة الحياة البسيطة الساذجة
منشأ التصوف الاسلامي
يرجع بنا البحث عن منشأ التصوف الاسلامي الى الحركة الزهدية التي قامت في القرن الأول للهجرة تحت التأثير النفسي العميق المتكشف عن خوف من الله تعالى يوجب التسليم لأرادته سبحانه والانقياد لمشيئته. وعلى هذا يجمل بنا أن نبحث التصوف في طورين مختلفين
стр. 6649
١ - طور الزهد: لم يكن لتصوف في هذا الطور نظاماً فلسفياً ولا مسلكاً دينياً وإنما هو طريقة في الحياة والمعيشة خاصة، تمتاز بالزهد في الملذات والابتعاد عن الدنيا حباً في الآخرة، فهو إذن إسلامي خالص لا أثر للعوامل الخارجية والعناصر الأجنبية فيه من نصرانية ويهودية وهندية وفارسية. ول ما هنالك أنه ظهر في صدرالعصر الأموي جماعة من المسلمين رغبوا عن هذه الحياة الاجتماعية الملأى بألوان اللهو والتهتك والخلاعة، وتطلعوا إلى حياة هادئة وفورة مرضية لضمائرهم التي تتشوق إلى الابتعاد عن صغائر الحياة وسخافاتها مطابقة لعقائدهم التي ما زالت شديدة التمسك بالحياة الاسلامية الخالصة من بساطة وسذاجة. زد على ذلك أن الحياة السياسية كانت قلقة مضطربة، فالفتنة قائمة بين الفرق والشيع، والمعارك مستعمرة بين مختلف القادة والأمراء، كل ينشد جاه الحكم ومجد السلطان غير ملتفت إلى ما يجره ذلك من هدر دماء المسلمين وتشتيت كلمتهم ورجوعهم إلى جاهليتهم الأولى. كل هذه العوامل غدت الحركة الزهدية وبعثت في قلوب بعض المؤمنين الميل عن المادة والانصراف إلى العمل الصالح في نفسه وتذكير الناس بأمور دينهم وعقائدهم. ويأتي (نكلسون) العالم الانجليزي الضليع في هذه الأبحاث فيضيف إلى هذه العوامل عاملاً آخر لا يقل عنها قوة وأثراً، ذلك أن الصورة التي يبرزها القرآن الكريم (للخق) هي في نفسها تدعو إلى الخوف والرهبة، فهي صورة إآله جبار شديد البطش سريع العذاب. فالشعور بالخوف من جهنم الذي يكتنف قاريء القرآن يدعو حتماً إلى التصوف والزهد واحتقار لمادة والابتعاد عن سبل الضلال
ومن أهم الشخصيات الممتازة في هذا الدور الحسن البصري الذي عُرف بالزهد والورع والرجوع إلى السنة في بساة العيش وسمو الغاية. ومنهم أبو هاشم الكوفي الذي يقال إنه أول من أطلق عليه لقب (الصوفي) وأسس ديراً للمتصوفين في رملة فلسطين. ثم ظهر ثلاثة نفر فيما وراء النهر في فارس في أواخر القرن الثاني الهجري وهم: ابراهيم بن أدهم وشفيق البلخي وفضيل بن عياض، فنرى عندهم بدء نظام فلسفي، فهم يمثلون دور الانتقال من حياة الزهد إلى نظام التصوف الفلسفي، ولعلهم كانوا عاملين على الامتزاج بالتعاليم الهندية الفارسية لقرب موطنهم من هذه البلاد التي كانت تتفاعل فيها هذه المباديء المختلفة. ويظهر ذلك بجلاء عند الزعيمة المتصوفة رابعة العدوية التي كانت كما يقول
стр. 6650
نكلسون أول من أدخل نظام الحب الفلسفي والوجد والاتحاد بالله بدل الخوف والرهبة
٢ - اطور الثاني: التصوف الفلسفي
لقد أخذ التصوف في هذا الطور شكلاً فلسفياً ونظاماً مستقراً في الدين يميل العلماء إلى نسبته إلى عوامل خارجية من نظريات فلسفية وأديان أخرى. فمن ذلك:
أ - المصدر الهندي: يعتقد بعضهم أن لهذا التشابه بين كثير من العقائد الصوفية في صورها الراقية الناضجة وبين بعض النظم الهندية وعلى الأخص الـ أساساً واحداً ونبعاً مشتركاً يجب أن يبحث عنه في الهند، فان معظم المتصوفة الاول نشأوا في خراسان وظهرت فلسفتهم الصوفية فيها؛ ولعل مبدأ الفناء الذي يندمج فيه المتصوف بالله ويفقد شخصيته الفردية، مستمد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من عقيدة (النارفانا الموجودة في الديانة الهندية
ب - المصدر النصراني: يعتقد المتصوفة أن غاية كل الأديان واحدة، وأنها كلها تصل بالأنسان الى الهدف المقصود والغاية المرجوة، فليس إذن أن يحتك المتصوفون بالرهبان السيحيين، ويمزجوا بهم فيظهر أثر ذلك في تعاليمهم وأنظمتهم، خصوصاً وقد ظهرت هذه النزعة التنسكية الزهدية في الكنيسة المسيحية في القرنين الأول والثاني للهجرة
ج - الافلاطونية الجديدة: ظهر هذا النظام الفلسفي في أوائل القرن الثالث المسيحي على يد (أمونياي ساكاس) وبلغ أوجه في زمن تلميذيه بلاتينيوس وفرفوريوس النحوي شارح تعاليمه. وإذا ما دققنا في تعاليم هذا المذهب الأدبية رأيناها تؤدي حتماً الى التصوف، إذ يعلم أن طريق الخلاص هو بالتجرد التام عن المادة، وأنفصال النفس عنها؛ بذلك يتصل الانسان (بالعقل الأول) اللفظ الفلسفي للحق سبحانه، وينال الغبطة التي يعبر عنها المتصوفون بالفناء. لقد انتشرت هذه التعاليم الفلسفية في العالم الاسلامي، وكان أثرها في الفلاسفة المسلمين واضحاً جلياً
د - فلسفة المعرفة جماعة هذا النظام الفلسفي الذي نشأ بين القرنين الأول والسادس للمسيح يعتقدون أن الايمان وحده لا يكفي للخلاص، بل إن المعرفة هي متممة. ويعنون بهذا أن يعرف المرء أنه من عنصر إآلهي، وأنه لابد أن يرجع في نهايته إلى هذا العنصر الذي نشأ منه، حينذاك وعندما ينغمس في هذا الاعتقاد تخلص نفسه من شوائب المادة
стр. 6651
ويقرب من الله. وقد انتشر هذا المذهب في العراق وفارس وتأثر بالمانوية وأثر فيها فأخذت منه عقيدة الظلمة والنور. أما إنه أثر في العقائد الصوفية فانا نلمس هذا في القول بأن الانسان يُخلق إلهياً، وكلا تقدم في العمر خلع حجاباً إلهياً واستبدا به آخر إنسانياً إلى أن يمر بسبعين ألف حجاب في أرذل العمر. ولا نجاة له إلا باتباع التعاليم الصوفية والانصراف عن المادة إلى الروح، بذلك يسلك طريق النجاة
هذه أهم المؤثرات الخارجية التي عملت على تغذية العقيدة التصوفية الاسلامية وخلقت منها طريقاً فلسفيً خاصاً. وليس من المستطاع رد كل من العقائد التصوفية الفردية الى أصلها الذي استُمدت منه، فعقيدة في مثل هذا الانتشار العظيم ذات مباديء كثيرة ونظم واسعة لايمكن أن تقع تحت تأثير عامل واحد مهما حل شأنه واتفقت الظروف على تقدمته والميل اليه.
كانت الصوفية دائماً مخيرة تنتقى من كل العقائد ما تستهي وتشاء. نظام شامل يمتص ويهضم - بعد بعض تغيير وتحوير - من كافة الآراء والمعتقدات المختلفة حوله، يكتسب أناساً من كافة الملل والنحل من موحدين ومشركين، معتزلة وسنيين، فلاسفة ورجال دين. هذه الاعتبارات كلها تضعنا في موقف دقيق يضطرنا الى القول بأن منشأ الصوفية الاسلامية الفلسفية لايمكن أن يجاب عنه بجواب شاف مريح
(يتبع) سليمان فارس النابلسي
في تاريخ الأدب المصري
ابن النبيه
للأستاذ أحمد أحمد بدوي
أفديه إن حفظ الهوى، أوضيعا … ملك الفؤاد؛ فما عسى أن أصنعا
من لم يذق ظُلم الحبيب كظلمه … حلواً فقد جهل المحبة وداعى
يأيها الوجه الجميل تدارك الصبر … الجميل، فقدعفا، وتضعضعا
هل في فؤادك وحمة لميتم … ضمت جوانحه فؤاداً مًوجعاً
هل من سبيل أن أبث صبابتي … أوأشتكي بلواي، أو أتوجعا
стр. 6652
إني لا ستحيي كما عودتني … بسوى رضاك إليك أن أتشفعا
أغنية شائعة، نستمع إليها، ونطرب لها، ونحفظها، وقليل من هو الذي يعرف أن قائلها أبن النبيه الشاعر المصري الذي أحببنا أن نحدثك عنه اليوم
- ١ -
يذر التاريخ ولاينسى لصلاح الدين وخلفاء صلاح الدين أنهم
هم الذين حموا ذمار الشرف من غارة الأوربيين الذين كانوا
يمنون النفس بالآمال الكاذبة في الشرق وامتلاك أرضه، فكان
العصر عصر حرب وقتال ونضال ونزال بين الشرق
والغرب، خرج منه الشرق ظافراً منتصراً على أيدي ملوك
مصر وخلفائهم. ولقد ولد شاعرنا على ما يظهر قبل أن يلي
صلاح الدين حكم مصر بقليل، ولنه نشأ لم يعش بمصر طوال
حياته، بل تركها إلى أقطار أخرى كانت كذلك تحت حكم
الأيوبيين؛ غير أنه على ما يظهر لي - لم يغادر الديار
المصرية مرة واحدة، بل كان يزورها في الحين بعد الحين،
واستطاع أن يتصل فيها بطائفة من وزراء الدولة وكبار
رجالها القاضي الفاضل، وأسعد بن مماتس، وصفي بن شكر.
والراجح عندي أنه لم يغادر مصر إلا بعد أن مات صلاح
الدين، فانه حينما خرج من مصر مدح العادل، والعادل لم بل
حكم الجزيرة إلا بعد أن مات صلاح الدين، ولذلك فابن النبيه
стр. 6653
مدين لمصر بتنشئته وثقافته، ومدين لها بالرقة والعذوبة التي
تتجلى في شعره، وتأسرك إلى قراءته قسراً، غير أن نفسه
الطموح الراغبة في العظمة والمجد بدأت تتطلع إلى نيل
مركز سام ومنصب رفيع، ورأى أن في مصر من العظماء
من لا يستطيع قهرهم ولا منافستهم، فحث الخطا إلى الجزيرة
حيث يستطيع أن يجد له ميداناً للعمل والتقدم، فاتصل بالملك
العادل، ومن بعده اتصل بابنه الملك الأشرف الذي كان يلقب
بشاه أرمن لاستيلائه على بلاد الأرمن، وقد اختص بهذا
الاخير، حتى إنك إذا قلبت ديوانه وجدت معظمه في مدحه
والثناء عليه، وحتى لتوهمك مقدمته أنه إنما جمع قصداً لكي
يجمع ما قاله في الملك الأشرف من مدائح، ولقد أصبح أثيراً
لديه يستصحبه في رحلاته وتنقلاته، وأصبح ابن النبيه اللسان
المسجل لما يلقاه المليك من خير أو نصر أو حداث هام؛ ,
صار كاتب الانشاء له، يدبج عنه الرسائل، وأحياناً كان يكتبها
بالشعر كما سنتحدث بعد. ويقول من أرخ لأبن النبيه: إن له
شعراً أعذب من الماء الزلال، وأغرب من السحر الحلال،
ونثراً ألطف من كاسات الشمول، وأدق من نسمات الشمال،
стр. 6654
فالنظم والنثر عنده جنتان عن يمين وشمال. . . غير أننا
سنقصر كلامنا اليوم على شعره، وإن كنت أرجح أن المقدمة
التي في صدر ديوانه، وهي مقدمة نثرية من صنع ابن النبيه
فان منها قوله: وأحق الناس بعد الله تعالى بالشكر ملك أشار
اليه بنان البيان، وأينع بذكره جنان الجنان، وقلد بذكره
القريض فزان الأوزان، عف وعفا، وكف وكفى، وأحيا رفات
الوفا، فزمان دولته غض الغضارة، نض النضارة، حلو
البشارة، بديع الاشارةن المولى السلطان الملك الأشرف شاه
أرمن، سلطان العراق والشام، مظفر الدين ناصر أمير
المؤمنين، أبو الفتح موسى اين السلطان الملك العادل سيف
الدنيا والدين، أبي بكر بن أيوب خليل أمير المؤمنين، خلد الله
ملكه كما خلد في ديوان المحامد ذكره، وخذل بسلطانه أعداء
الدين، وأعز نصره، ولما لم يجد مملوك دولته، وغرس
فواضله، وربيب نعمته، الفقير إلى الله تعالى أبو الحسن كمال
الدين علي بن محمد بن النبيه ما يكافيء به أياديه، ويجاري به
إحسانه الذي يخجل الغيث روائحه وغواديه، توفر على
استخراج جواهر صفاته من بحر كرمه، ونظم فوائد فوائده
стр. 6655
فكافأ نعمه بنعمه، وجمعها في هذا الكتاب معترفاً أن الشرف
للجوهر لا للناظم، وأن الفضل للبحر الذي أرسل اليث على
أجنحة الغمائم، وجعله عرضة لنقد الخواطر، وميداناً لجولان
قريحة كل متأمل وناظر، وسبيل كل منصف ينظر فيه الايمان
بآيات سحره المبين، إقالة العشار فيما لعله يعرض من الخطل
الورد على المؤلفين والمصنفين، وليعفوا وليصفحوا، ألا
تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم. فاذا أنت قرأت تلك
المقدمة من قلم ابن النبيه، واستنبطت منها أموراً أربعة: أولها
أن القصد من جمع الديوان تسجيل ما قاله في الملك الأشرف،
ولذلك رتب الشعر، فبدأ أولاً بما قاله في الملك العادل والد
الأشرف، ثم ثلث بما قاله في الملك الأشرف، وهو معظم ما
قاله من الشعر، ث ذكر ما قاله في غيره من أمراء الأيوبيين
والوزراء. ثانيها أن الشعر الذي في ديوان ابن النبيه شعر
يقره ويرضاه ويعده سحراً ويفخر بنسبته إليه، ومن أجل ذلك
ترى من أرخ له يقول: إن هذا الشعر الذي بين أيدينا ليس
بكل شعره وإنما هو اختيار منه، مستدلين على ذلك بأنه شعر
بارع جيد يدل على أن صاحبه قد مرن على قول الشعر طويلاً
следующие страницы →