Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور
صلة حديثة
وصل الفائت: ترك باستور مدبغة أبيه وذهب إلى باريس. فتلقى على الكيميائي العظيم (دوماس). وبعدئذ أتم أبحاثه في حامض الدردى. وبينما هو كذلك أكتشف (كنيارد دي لاتور) أن الخمائر بالبيرة المختمرة تتكاثر فتحيل الشعير بذلك إلى كحول. وتعين بستور أستاذا بجامعة (ليل) وتزوج ابنة عميدها فسهرت إلى جانبه. وأجرى كثيرا من التجارب الجامحة واخفق فيها.
وتعين (بستور) عميدا لكلية العلوم بجامعة (ليل) فسكن واستقر في (شارع الأزهار. وهنا اتصل عفوا ولأول مرة بالمكروبات. وفي هذه المدينة الأصيلة، مدينة المقطرين للخمور، مدينة زراع البنجر وتجار الآلات الزراعية، قام (بستور) بحملة قوية، بعضها علمي، وبعضها قصصي روائي، وبعضها ديني، وبعضها سياسي، ليضع المكروب في موضعه اللائق من اهتمام الناس ورعايتهم. نعم في هذه المدينة ذات الخطر اليسير والجمال القليل، في هذه المدينة التي لم تشتهر قط بالعلم، أثار بستور زوبعة هائلة نالت سفائن العلم فظلت تؤرجحها ثلاثين عاما. أبان بستور للدنيا خطر المكروب فأوجست منه خيفة، وخلق لنفسه في سبيل ذلك أعداء ألداء، وخلق لها أحبابا خلصاء، وملأ أسمه صفحات الجرائد الأولى. وطلبه خصوم للمبارزة. وضحك الجمهور بادئ بدء من مكروباته الغالية، وقصف بالنكات عليها، بينما كانت كشوفه تنجي حياة العديد من النفساء. واختصارا في هذه المدينة المتواضعة، ومن فوق أرضها شال الشولة الأولى إلى فردوس الخالدين
جاء بستور إلى مدينة (استراسبورج) فحاورته الحقائق فيها واختلطت عليه، ثم جاء إلى مدينة (ليل) فجاءه المجد يسعى، وذلك بإسدائه المعونة إلى. . . خمار!
جاء إلى (ليل) فقال له الرجال ذو المال، وأرباب النفوذ من ذوي الأعمال: (إن العلم جميل
стр. 7842
في أرستقراطيته، ولكن الذي نريده، والذي تريده المدينة الناهضة، هو التعاون بين علمك وصناعتنا. نريد أ، نعلم هل يزيد العلم في مكاسبنا. زد يا هذا في الحقل مقدار السكر في بنجرنا، وزد في المصنع مقدار الكحول المتقطر من سكرنا، ندر عليك الخيرات، ونتولى معاملك بالرعايات)
سمع بستور ما سمع في أدب واحتشام، ثم أخذ يريهم كيف يستجيب العلم إذا دعاه الداعي. فإنه لم يكن رجل علم فحسب، بل كان رجلا خبيرا بأمور دنياه وسنن العيش فيها. تصور جماعة من أرباب الأعمال يأنون (نيوتن) فيسألونه ماذا تستفيد مصانعهم من قوانين حركته، إذن لرفع يديه إلى السماء واستعاذ منهم بالله، ولذهب من بعد ذلك إلى إنجيله يقرأ كتاب دنيال ويدرس ما فيه من نبوءات. ولو أنهم جاءوا فراداي إذن لآثر صناعته الأولى، وعاد إلى تجليد الكتب وحزم الأوراق. ولكن بستور كان من أبناء القرن التاسع عشر، يعرف حق المعرفة أن العلم لا بد أن يكسب خبز يومه إذا أراد الحياة. لذلك بدأ يحاضر أهل االبلد فيه، ويدبر لهم المحاضرات الشيقة ليخطب ودهم ويكسب عطفهم
وفي ذات مساء كان يخطب في جمع من أرباب المصانع وأزواجهم، فصاح فيهم: (من من أبنائكم لا ينهض للعلم توا، من من أولادكم لا يتحرق للعلم تحرقا، إذا أنا وضعت في يده بطاطة، وقلت له: إنك تستطيع أن تخرج من هذه البطاطة سكرا، وتستطيع أن تخرج من هذا السكر كحولا، وتستطيع أن تخرج من هذا الكحول خلا وأثيرا؟). ومضت على هذا أيام، فجاءه أحد الذين حضروا وخطابه، وكان رجلا يدعى (بيجو)، وكانت صناعته تقطير الكحول من سكر البنجر المختمر؛ جاء يتوسل للأستاذ: (سيدي، أنا في حرج من صناعتي، فاحتمار البنجر لا يتم على وجهه، وخسارتي تبلغ ألوف الفرنكات في اليوم، فبودي لو جئت مصنعي، ونظرت في معونتي، فأنقذتني من خبلتي)
وكان ابن (بيجو) طالبا في قسم العلوم بالكلية، فأسرع (بستور) إلى معونة أبيه. فذهب إلى مصنع التقطير، وأخذ يتشمم في الحواض المريضة، تلك الأحواض التي تأبى أن تخرج من البنجر كحولا؛ وانكب عليها، واغترف منها، فكان شيئا مختلطا أدكن هلاميا، فوضعه في قارورات وحمله إلى معمله. ولم يفته أن يغترف كذلك من لبابة البنجر من الأحواض الصحيحة السليمة المختمرة الراغية بما تنتج من كحول كثير. ولم يكن يدري كيف يختمر
стр. 7843
السكر فيستحيل كحولا، ولم يكن في الدنيا كلها كيمياوي يعرف عن ذلك شيئا. عاد إلى معمله، وأخذ يحك رأسه وهو يفكر، ثم استقر رأيه على أن يمتحن ما اغترفه من الأحواض السليمة أولا، فوضع قطرة منه تحت مجهره، ولعله كان يحسب أنه سيرى بلورات كتلك التي طال تحديقه أليها زمانا مضى، ولكنه وجد هذه القطرة مليئة بكريات أصغر كثيرا من أية بلورة رآها. وكانت هذه الكريات صفراء، وازدحم جوفها بجسيمات كثيرة ترقص كأنما عن طرب، وتمتم لنفسه: (ليت شعري ما هذه الكريات!)
وأسعفته الذاكرة فصاح ثانية لنفسه: (يا للنسيان! بالطبع هي الخمائر التي تجدها دائما في كل محلول به سكر يختمر ليصير كحولا) وأعاد النظر فأبصر هذه الكريات فرادى، وأبصر طائفة أخرى منها متعنقدة، وأبصر أخرى متقاطرة. ثم حدق فدهش لرؤية بعضها قد تنبتت جوانبه كما تنبت البذور الصغيرة، فقال: (لقد صدق كنيارد، فهذه الخمائر حية. ولا بد أنها هي التي تصير السكر كحولا. ولكن ما فائدة بيجو من هذا! وما الذي أصاب الأحواض المريضة فتعطلت؟) واختطف القارورة التي بها ما كان اغترفه من حوض مريض، وحدق فيه بمنظار مكبر، وشمه، وذاقه، وغمس فيه ورقة زرقاء فاحمرت. . . ثم وضع قطرة منه تحت مكرسكوبه ونظر فيها
(عجبا! أين ذهبت الخمائر، فليس في هذه القطرة منها شيء؟ ما هذا؟ ما معناه؟)
وتناول القارورة مرة أخرى، وأخذ ينظر ويفكر، ولا ترى عينه فيها جديدا. وبينا هو يركب في التعليل الخيال، ويسوم ذهنه طلب المحال، إذا بالسائل في القارورة يتراءى له في صورة جديدة تبعث فيه أملا جديدا. (ماذا أرى؟ بقعا صغيرة دكناء لاصقة بجدار القارورة. وهذه بقع أخرى مثلها تطفو على سطح سائلها المريض - إذن صبرا!. . . لا. إنها لا توجد في القارورة ذات السائل الصحيح حيث الخمائر والكحول) ثم غاص في القارورة المريضة، وبشيء من العناء استطاع أن يخرج شيئا من تلك البقع فوضعها في ماء نقي، ثم علاه بمجهره هذا يوم (بستور) جاء أخيرا!
لم يجد في هذا السائل كريات الخمائر. لا، ولكنه وجد شيئا جديدا، لم يره من قبل، أحياء صغيرة كثيرة شديدة الزحام، شكلها كالعصي، بعضها قائم وحده، وبعضها متقاطر كالأبل، وكلها يرقص في ارتعاد غريب لا هدأة له. كانت الخمائر في عينه صغيرة فجاءت هذه
стр. 7844
تصاغرها فتصغرها كثيرا، فلم يعد طولها جزءا من ألف من المليمتر
وفي هذه الليلة أرق (بستور) طويلا، وتقلب في مضجعه طويلا. وفي الصباح كنت تراه يجرجر ساقيه الغليظتين القصيرتين إلى مصنع (بيجو)، وبنظارته المنحرفة على بصره القصير، مال على حافة حوض مريض لم يكن أتاه من قبل، وجرف من قاعه بعض الذي فيه. ثم مال على أحواض مريضة غيره. ونسي (بيجو)، ونسي أنه إنما بدأ هذا العمل لمعونة (بيجو). اختفى (بيجو) من فكره، واختفى كل شيء في الوجود إلا نفسه الشمامة البحاثة، وإلا تلك العصي الراقصة الغريبة التي وجد الآلاف المؤلفة منها في تلك البقع الكدماء الصغيرة. . .
ولما جاء الليل أخذت زوجه تنتظره لينام، فلما يأست ذهبت إلى الفراش وحدها، وتركته ينصب الجهاز تلو الجهاز حتى ازدحم معمله بها. ووجد أن جميع السوائل بالأحواض المريضة تحتوي حامضا عرف أنه حامض اللبن، وأنه ليس بها كحول. ولم يلبث أن خطر له خاطر غمر فكره كله، وملأ رأسه أجمع: (إن هذه العصي بالسوائل المرضة حية، وهي هي التي تصنع حامض اللبن؛ وهي ربما تشتجر مع الخمائر في قتال شديد فتقضي عليها فلا تنتج كحولا. إن هذه العصي تصنع حامض اللبن كما تصنع هذه الخمائر الكحول). وهرول إلى السلم، فصعد إلى مدام (بستور) يخبرها بالذي وجد - مدام (بستور) التي لم تعرف من التخمر والخمائر شيئا، مدام (بستور) التي لم تفهم من علمه إلا قليلا، إلا أنها فهمت نفسه المتحمسة وروحه الوثابة، فأعانته بعطفها وحبها كثيرا
بالطبع لم يكن الذي ارتآه إلا ظنا، ولكن قام في نفسه شيء يوسوس له أن هذا الظن حق لامرية فيه. لقد تظنن (بستور) مئات المرات فيما وقع عليه بصره القصير من مئات الظواهر في الطبيعة التي حوله. وكانت ظنونا خاطئة. ولكنه إذ وقع هذه المرة على ظن صادق، إذ خال أنه أصاب تفسيرا لظاهرة التخمر التي أشكلت على القرون من قبله، أخذ يمتحن هذا الظن، ويفحص هذا الخال، ويقلبه، ويداوره، ويتقرى الحقيقة فيه حتى وصل إلى كنهها
وبينما ازدحمت في رأسه الخطط الكثيرة لتقري كنه هذه الحقيقة لم يفته أن يعين أرباب العمل على مصاعبهم، ولا أهل الحكم إذا دهوه إلى نصيحة، ولا المزارعين إذا جاءوه، ولا
стр. 7845
الطلبة إذا طلبوه. وحول جزءا من معمله لاختبار الأسمدة الكثيرة التي تأتيه. وهرع إلى باريس يدبر لانتخابه عضوا في أكاديمية العلوم فما أفلح. ورحل بتلاميذه إلى معامل الجعة في (فالنسين٩ وإلى مسابك الحديد في بلجيكا. وفيما هو في هذا، تراءى له يوما أنه اهتدى إلى الطريقة السوية التي يثبت بها أن هذه العصى القصيرة تحيا حياة الخلائق، وأنها على صغرها، وعلى قصرها، وعلى حقارتها، تفعل فعل العمالقة - تفعل ما لا يستطيعه العمالقة: تحيل السكر إلى حامض اللبن
حدث (بستور٩ نفسه قال: (لا يمكنني أن أدرس هذه العصي في عصير البنجر المسكر وفيه ما فيه من أخلاط عدة. لا بد لي من عصير رائق أتتبع فيه ما تصنع هذه العصي. لا بد لي من ابتداع مرق صاف به غذاء طيب خاص لها، أضعها فيه، ثم أرقبها لأرى هل تتكاثر، هل تتوالد، هل أجد في هذا المرق بعد حين مكان العصا الواحدة عصيا راقصة كثيرة؟)
ووضع شيئا من تلك البقع الكدماء التي كانت بالحياض المريضة في محلول من سكر نقي، فوجد أن العصي لا تتكاثر فيها، فقال: (إنها تريد غذاء أمرا من هذا). فجرب بطلب الغذاء المريء فخاب. ثم جرب وخاب. وأخيرا صنع لها مرقا غريبا بأن أخذ شيئا من خميرة جافة، فأغلاه بالماء ثم صفاه، وأخذ مرقه الرائق فأضاف له شيئا من كربونات الكلسيوم ليضيع ما قد يحدث فيه من حموضة. وأتى بإبرة فغمسها بالبقع الدكناء بالحياض المريضة، وحمل ما علق بطرفها الرفيع من العصي الصغيرة إلى مرقه ودافها فيه. ثم وضعه في قارورة وضعها في فرن دافئ للتفريخ ذي درجة حرارة ثابتة، وأخذ ينتظر في قلق واضطراب. أن لعنة هذا البحث، بحث المكروب، يجدها الباحث دائما في هذه الخيبات المتوالية الكثيرة التي تعوق النجاح طويلا
وذهب فأمضى رجعات، وألقى محاضرات، وعاد إلى قارورته ينظر إليها وهي في مدفئها. ومضى مرة أخرى فألفى فلا حين جاءوا يستنصحونه في محاصيلهم وأسمدتهم فنصحهم بالذي ارتآه. وجاءت أوقات الطعام فابتلع منه ابتلاعا ولم يع مما أكل شيئا. وعاد فنظر إلى قارورته واصطبر. وذهب إلى سريره جاهلا بالذي يجري في تلك القارورة، وليس من اليسير النوم في مثل هذه الجهالة. . .
стр. 7846
وجاء الصباح ولم يظهر على مرق القارورة تغير. وجاء الظهر، ومضى أكثر النهار، فأحس رجليه تثقلان من الخيبة مرة أخرى. وجاء المساء وتمتم لنفسه: (يظهر أن كل تلك المحاليل الرائقة لن تأذن لهذه العصي اللعينة بالتزايد فيها. ومع هذا فلأنظر مرة أخرى. . .!)
وكان في معمله مصباح واحد من الغاز يضيئه، وقع بين الأجهزة الكثيرة فألقى على الحائط خيالات كبيرة مروعة. فإلى هذا المصباح رفع بستور قارورته، ثم همس يقول: (لا شك أن شيئا تغير في هذا المحلول، فإني أرى فقاعات صغيرة من غاز تصعد متقاطرة متحاذية من تلك الجسيمات الدكناء التي لقحت المحلول بها. وقد زاد مقدار هذه الجسيمات عما كان بالأمس، وكلها تخرج منه هذه الفقاعات). وعندئذ أغمض بستور عينيه. وبقى في غيبوبة عند محضنه الصغير. ومضت ساعات تلو ساعات ولعله لم يحس بها. ورفع قارورته برفق وحنان، وحركها في الضوء بلطف وئيد، فصعد من قاعها من شيء كالغمام الاقتم دار صاعدا كاللولب، وخرج منه غاز كثير. والآن فإلى المجهر. . .
قطرة قطرة من السائل تحت مكروسكوبه. يا لشياطين الأرض وملائكة السماء! إنها مليئة تعج بالملايين من تلك العصي الراقصة. وهمس لنفسه في لهفة: (إنها تتكاثر! إنها حية!). ثم صاح يجيب زوجه: (نعم، نعم، سأصعد بعد قليل). وكانت تدعوه من عل إلى لقمة، وكانت تدعوه إلى نومه. ومضت ساعات وهو باق تحت معمله
وفي الأيام التي تلت أعاد بستور التجربة، فوضع قطرة تزخر بتلك العصي في قارورة جديدة بها مرق من مرق الخمير رائق جديد ليس به عصا واحدة، وفي كل مرة امتلأ المرق بالبلايين من تلك العصي، وفي كل مرة تكون حامض اللبن فيه. ثم صرخ (بستور) بأعلى صوته يخبر الدنيا، فلم يكن بالرجل الصبور. وأخبر المسيو (بيجو) أن الذي أمرض أحواضه هي هذه العصي الحية: (يا مسيو بيجو، حل بين هذه العصي وبين حياض بنجرك، تحصل دائما على الكحول الكثير) وأخبر طلبته بكشفه الكبير، بأن هذه الخلائق البالغة الصغر تستطيع تخريج حامض اللبن من السكر، وقال لهم إن هذا الشيء لم يستطعه رجل ولن يستطيعه. وكتب بالخبر إلى أستاذه القديم (دوماس)، وإلى جميع أصدقائه. وحاضر فيه للجمعية العلمية بمدينة (ليل)، وكتب مقالا فيه وبعثه إلى أكاديمية العلوم
стр. 7847
بباريس
ليس في الإمكان اليوم أن نؤكد أن (بيجو) استطاع أن يمنع دخول هذه العصي إلى سكره المختمر، فهذا ليس بالأمر اليسير، ولكن (بستور لم يحفل بذلك، فكل الذي احتفل له كشف الحقيقة الآتية: (أن التخمر مرجعه الحق إلى أحياء تدق عن النظر)
وبكل سذاجة أخبر كل من لقى أن كشفه هذا كشف عجيب. كان فيه شيء من بساطة الطفولة فلم يحس بالحاجة في هذا إلى التواضع والتخاشع. ومن هذا الوقت ملأت تلك الخمائر الصغيرة دنياه. أكل وشرب ونام وأحتلم وأحب. وأتى كل هذا ولم يستغرق في شيء منه. وأتى كل هذا وخمائره إلى جانبه لا تفارقه. إنها كانت روحه التي ينبض بها
وكان يشتغل وحده، لا معين له إلا نفسه، فلم يكن له حتى خادم واحد يغسل له قواريره. وكأنى بك تتساءل فكيف إذن وجد من يومه الفراغ لاحتواء هذه الأحداث الكثيرة المتزاحمة؟ والجواب أن هذا رجع بعضه إلى نشاطه الجم، ورجعت بقيته إلى مدام (بستور). قال (رو) (إن مدام بستور أحبته حبا كادت به تفقه أبحاثه). كانت الزوجة الطيبة تخلص من خدمة أطفالها ووضعهم في الفراش، وعندئذ قد تسهر وحيدة تنتظر انتهاءه من عمله لتسوقه إلى النوم، أو كانت تجلس بجانب زوجها في اعتدال على كرسي ليس بالمريح إلى نضد صغير تكتب ما يملى من مقالات علمية طويلة، أو كانت تتركه يكب على قواريره ويفكر في أنابيبه وتظل في حجرتها تبيض ما كتب من ملاحظات كنبش الدجاج في خط واضح جميل. كان (بستور) روحها، وكان روح (بستور) عمله، فأخذت هي تذوب في روح بستور - في عمله - حتى أمحت فيه
يتبع
أحمد زكي
стр. 7848
شاعرنا العالمي أبو العتاهية
للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
تمهيد:
الشعراء العالميون في شعراء العربية قليلون، وإنهم ليبلغون من القلة بحيث إنك لا تكاد تبلغ بهم عدد أصابع اليد الواحدة، وهذا بينما ترانا الآن نعرف من أسماء شعراء أوربا في هذا العصر أكثر مما نعرف من شعرائنا الأقدمين، وندرس من شعرهم وأدبهم أكثر مما ندرس من الشعر والأدب العربيين، حتى أصبح الشعر والأدب الأوربيان فتنة شبابنا الناشئين، يكلفون بهما أكثر مما يكلفون بشعرنا وأدبنا، ويصرفون جل أوقاتهم في دراستهما، وتعرف طرائقهما حتى أثر هذا في شعرهم، وصرنا نرى بهذا الشعر العربي أساليب كثيرة ما كان يعرفها من قبل، ومعاني جديدة تغزوه كما يغزونا أصحابها برجالهم وأسلحتهم، وأموالهم ومصنوعاتهم
وربما يكون أبو العتاهية أول شاعر عربي بلغ هذه المنزلة الشعرية العالية، وكان له شعر عالمي تتسابق الأمم المختلفة اللغات إلى روايته ودرسه، وترجمته إلى لغاتها وإذاعته في بلادها. قال أبو الفرج: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي إجازة قال: حدثني الرياشي قال: قدم رسول لملك الروم إلى الرشيد، فسأل عن أبي العتاهية وأنشده شيئا من شعره، وكان يحسن العربية، فمضى إلى ملك الروم وذكره له، فكتب ملك الروم إليه، ورد رسوله يسأل الرشيد أن يوجه بأبي العتاهية، ويأخذ فيه رهائن من أراد، وألح في ذلك، فكلم الرشيد أبا العتاهية في ذلك، فاستعفى منه وأباه، وأتصل بالرشيد أن ملك الروم أمر أن يكتب بيتان من شعر أبي العتاهية على أبواب مجالسه وباب مدينته وهما:
ما اختلف الليل والنهار ولا … دارت نجومُ السماء في الفَلك
إلا لنقل السلطان عن مَلِك … قد انقضى مُلكَه إلى مَلِك
وهما في الحق بيتان جديران بأن ينالا مثل هذه العناية من ملك الروم، فما أحسنهما عظة بالغة، وما أصدقهما حكمة نافعة، وما أجمل أسلوبهما في سهولته وامتناعه، ولكن علماءنا جازاهم الله لا يقدرون من هذا ما قدره ملك الروم لأبي العتاهية، وقد ينظرون إلى هذين البيتين إذا قرأهما إلى صناعتهما اللفظية، ولا يعنيهم منها هذا المعنى الجليل الذي عنى به
стр. 7849
ملك الروم، وربما يعيبونهما بما يسمونه التضمين الذي عابا به بيتي النابغة الذبياني:
وهُمْ وردوا الجِفارَ على تَمِيم … وهم أصحاب يوم عُكاظَ إنِّي
شهدتُ لهم مَوَاطِنَ صادقات … شَهِدْنَ لهم بحسن الظن مني
والتضمين عندهم هو تعليق قافية بيت بما بعده بحيث لا يتم الكلام إلا به، وهذا بأن يكون جواب شرط أو خبراً أو نحوهما لا نعتا أو نحوه من التوابع والفضلات، فلا يرضيهم إلا أن يكون لكل بيت من القصيدة وحدة مستقلة عن البيت الذي قبله، والبيت الذي بعده، ولا يكفيهم أن تكون القصيدة كلها وحدة يصح أن تتصل أبياتها بمثل هذا التضمين الذي يعدونه من عيوب القافية، ويصح ألا تتصل به إذا اتصلت بأمر آخر غيره، وربما يكون اتصال أبياتها بمثل هذا خيرا من تقاطعها وتباعدها، والاكتفاء في الربط بينهما إذا عني به بمثل قولهم (دع ذا أوعد عن ذا)
وقال أبو الفرج: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق، وعمي الحسن بن محمد وحبيب نصر المهلبي، قالوا: حدثنا عمر بن شبة، قال: مر عابد براهب في صومعة فقال له: عظني، فقال: أعظك وعليكم نزل القرآن، ونبيكم محمد ﷺ قريب العهد بكم، ﷺ وعلى آله؟ قلت: نعم، قال: فاتعظ ببيت من شاعركم أبي العتاهية حين يقول:
تجرد من الدنيا فإنك إنما … وقعت إلى الدنيا وأنت مجرد
وكلا هذا وذاك يثبت لنا من أبي العتاهية شاعرا عالميا نباهي به من يباهينا بشعرائه العالميين في القديم والحديث، على قلة هذا الصنف من الشعراء عندنا، وندرة الشعر العالمي في شعرنا، ويهمنا الآن أن ندرس العوامل التي كان لها أثرها في هذا الأمر إلى ظهور شاعرنا أبي العتاهية، لنعرف كيف ظهر في الشعر العربي بهذا المظهر، ونعرف حال العصر الذي نشأ فيه، وكيف كان أثره في شعره
يجري مؤرخو الآداب العربية على أن الصناعة البديعية لم تظهر في الشعر العربي، ولم يكلف بها شعراء العرب إلا في العصر العباسي، بعد ظهور أبي تمام وأضرابه من الشعراء الذين حذوا في ذلك حذوه، واستنوا فيه سنته، ثم زادوا عليه فيه حتى جعلوا من الشعر صناعة لفظية، لا تنطوي على معنى جليل، أو غرض نبيل، وإنما هي ألفاظ جوفاء لا
стр. 7850
طائل تحتها، ولا تهم الناس في أمر دينهم أو دنياهم
أما أنا فأرى في هذا ما يخالف رأيهم فيه كل المخالفة، أرى أن الصناعة البديعية كانت موجودة في الشعر قبل الإسلام، وأرى أن الشعراء قبله كانوا يقصدون إليها في شعرهم، ويتكلفونها فيه كما تكلفها أبو تمتم ومن أتى بعده، وإن أربوا في ذلك عليهم، وقصدوا إليه أكثر منهم، وأرى أن أبا تمام لم يفعل إلا أن جدد هذه السنة، ونهج في شعره على منوالها، بعد أن كاد الشعراء العباسيون قبله يسلكون بالشعر مسلكا جديدا يخالف هذا المسلك، ويتلائم مع العصر الذي ظهروا فيه كل الملاءمة
وكان أمرؤ القيس أول من عني بالصناعة البديعية في الشعر العربي، فتكلف منها ما لم يتكلفه أحد من قبل، وتزاحمت في شعره الكنايات والتشبيهات والاستعارات وما إليها، فكل هذا من الصناعة البديعية، وأسم البديع يشمل عند القدماء التشبيه مثلا، كما يشمل المقابلة والجناس ونحوهما
وقد ضاع أكثر شعر القدماء قبل امرؤ القيس، فلا نعرف مقدار ما كان فيه من تلك الصناعة؛ والذي نرجحه أنه كان لا يخلو منها، ولكن الذي كان يغلب عليه العناية بالمعاني الأصيلة، فكانت تظهر فيه على فطرتها في غير تصنع ولا تكلف ولا اجتهاد في تحسين، يأتيها بتصرف الخيال فيها بتشبيه أو كناية أو نحوهما
وغاية ما ذكره علماء الأدب في ذلك أن القدماء قبل امرئ القيس كانوا يقولون في المرأة الحسناء: (أسيلة الخد، تامة القامة أو طويلتها، جيداء أو طويلة العنق،) فقال أمرؤ القيس في هذا: أسيلة مجرى المع، بعيدة مهوى القرط، وكانوا يقولون في الفرس: يلحق الغزال، ويسبق الظليم. فقال أمرؤ القيس فيه: (بمنجرد قيد الأوابد هيكل)، ولا يكادون يجاوزون هذا في بيان الفرق بين حال الشعر العربي قبل امرئ القيس وحاله بعده
وقد شغف الشعراء بد امرئ القيس بصناعة البديع في شعرهم، وكانت حياتهم البدوية تضيق بهم، وتضيق بعقولهم وأفكارهم، فوقفوا بالشعر العربي عند معان محدودة، متأثرة في ضيقها وعدم اتساعها، وقلة أثر العقل المثقف فيها بضيق تلك الحياة، وقلة أثر الثقافة فيها، وأخذوا يدورون حول تلك المعاني كما تدور الرحى حول محورها، لا يتصرفون فيها إلا بتشبيه أو استعارة، أو مجاز أو كناية، أو نحو هذا من تلك الصناعة التي تنافسوا فيها،
стр. 7851
حتى وصلوا بها في سجع كهانهم إلى آخر حدودها، فكان لهم فيه سجع متكلف مرذول، لا يقل قبحا في تكلفه عن السجع الذي تكلف بعد الإسلام في آخر العصر العباسي، إلى أن ظهرت هذه النهضة الحاضرة
ثم جاء المتأخرون من شعراء هذا العصر، فزادوا الطين بلة، واتخذوا الشعر تجارة، وتكسبوا به في المدح والهجاء، وداروا به في تلك المعاني لا يكادون يتجاوزونها، أو يحسنون شيئا سواها، فساء أثر هذا الشعر في الأمة العربية، وصار شعراؤه معاول هدم في بنائها، وقد جمدوا على ما ألفوه من هذا جمود أمتهم على أوثانها وأصنامها
وفي وسط هذا الجمود الأدبي، وذلك الضيق الفكري، ظهر الإسلام يدعوا العرب إلى دين جديد يأخذ بهم من عزلتهم، في هذا الضيق وذلك الجمود، إلى معترك الحياة التي تتلاقى فيه الشعوب، وتجتمع متنافسة في وسائل الرقي والنهوض، فحاربه أولئك الشعراء وحاربهم، لأنهم رأوا فيه خطرا على ما جمدوا عليه في صناعتهم، ورآهم هو من الجمود وضيق الفكر بحيث لا يصلحون ولا يتفق شعرهم مع دعوة هذا الدين الجديد، ورأى أنه لا يتفق معه إلا أدب مثقف يعنى فيه بالمعاني الأصيلة السامية، أكثر مما يعنى بتلك الصناعة التي تضيع فيها تلك المعاني، ويتلاعب فيها بما يسمونه المعاني الثانوية التي لا يصح أن تؤثر في حال من الأحوال على المعاني الأصيلة، ولا شك أنه كلما أوغل الشعر والأدب في إيثار تلك الصناعة بعدا عن هذه الغاية السامية التي يراد لهما فيها أن يتفقا مع هذا الدين، فيكونا للبشر كافة، لا للعرب خاصة، ولا تقف تلك الصناعة حائلا دون فهم الناس لهما، أو العناية فيهما بما يعنيهم منهما
فإذا أردت أن تعرف نظر الإسلام إلى ما كان عليه الشعر والأدب العربي من هذا كله إبان ظهوره، فانظر إلى النبي ﷺ وقد قال له بعضهم يتشادق في كلامه تشادقهم: (يا رسول الله، أرأيت من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس مثل ذلك بطل؟ فقال رسول الله ﷺ منكرا لهذا منه: أسجع كسجع الجاهلية؟) وانظر إليه ﷺ يفتخر بنشأته على بغض هذا الشعر فيقول: (لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ول أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله. الحديث). وانظر إلى قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)، وقوله أيضا
стр. 7852
في سورة الشعراء: (والشعراء يتبعه الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)
وقد انقضى عهد النبوة وعهد الخلافة في محاولة إصلاح الأدب العربي، والوصول بالشعر إلى تلك الغاية النبيلة. ثم جاء بعد هذين العهدين عهد بني مروان، وهم من بني أمية الذين كانت تغلب عليهم النعرة العربية، لما كان لهم قبل الإسلام من الزعامة في قريش، وهذه النعرة هي التي وقفت بهم على رأس المناوئين للدعوة التي أتى بها الإسلام، حتى أنهم لم يسلموا إلا بعد فتح مكة والسيف مصلت على رؤوسهم، وهي التي تأثروا بها في سياستهم حينما آل أمر المسلمين إليهم، فرجعوا بالشعر إلى نعرته العربية، وحولوه عن وجهته الإنسانية التي أخذ يسير عليها في عهد النبي وخلفائه الراشدين
فوقف لهم بنوا عمهم من بني هاشم، قوم النبي وعشيرته الأقربين، وهم الذين كانوا أول من بادر إلى الإيمان بدعوته، وفهموا حقيقة ما يدعوا إليه، وعرفوا أن هذا الدين للبشر عامة، لا للعرب خاصة، وأنه لا يصح أن يكون فيه فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)
وعلى هذا قامت الدعوة العباسية الهاشمية، فنشأت دولة إسلامية محضة، وكانت للعرب كما كانت للفرس وللقبط وللبربر وللترك ولغيرهم من الشعوب التي دانت للإسلام، وقليل من الناس من يفهم كما نفهم كيف قامت هذه الدعوة، وأنها كانت ثورة دينية سياسية أدبية، قام بها العباسيون ومن ناصرهم من الفرس وغيرهم، وأن غايتها كانت إقامة دولة للمسلمين لا للعرب خاصة، وانتهاج خطة جديدة تأخذ فيها بيد كل الشعوب التي دانت للإسلام، لتشترك في بناء الوحدة الإسلامية، وقد كان لهذا أثره العظيم في الدين والعلم والأدب والشعر، إذ أخذ العلماء من كل الشعوب يشتركون في بناء هذه الوحدة، وأخذ الأدباء والشعراء يقضون في الأدب والشعر على تلك النعرة العربية، ويعملون على تسهيل الشعر للناس، وتقيبه لتلك الشعوب الأعجمية التي رفعت رؤوسها في تلك الدولة، وكان أكثر أولئك الشعراء من أصل غير عربي، فانتهزوا فرصة قيام دولة العباسيين وإنصافها لهم، وقاموا بثورتهم الأدبية في
стр. 7853
عنف وشدة، حتى صاروا في الشعر أعلام هذه المدة من العصر العباسي، وضعف شأن الشعراء الذين كانوا من أصل عربي، إذ جمدوا في شعرهم على نعرتهم العربية، وعنايتهم بتفخيم لفظ الشعر وتجويد صناته أكثر من عنايتهم بتثقيفه وتهذيبه، والتفنن في معانيه وأغراضه، وقد عاد شأن هؤلاء الشعراء إلى الظهور حينما ظهر أبو تمام والبحتري وأضرابهما من الشعراء الذين تأثروا بأصلهم العربي، وأخذوا يعودون بالشعر إلى سنته القديمة
ولعل هذا الاسم (عصر الثورة العباسية) هو الاسم الذي يجدر أن تسمى به تلك المدة من ذلك العصر، فهو خير مما يسمونها به (صدر الدولة العباسية) وكثير منهم لا يراعي ما يمتاز الأدب به في هذه المدة عما بعدها من هذا العصر، فيجعل العصر العباسي كله عصرا واحدا، ويجري في هذا على ما كانوا يعتادونه من تقسيم عصور الأدب العربي إلى أقسام سياسية محظة، تتبع قيام الدول العربية وسقوطها، ولا تتأثر بغيرهما في بدئها ونهايتها، وقد كان أعلام الشعر في هذه المدة هؤلاء الشعراء الثلاثة - بشار - أبو نواس - أبو العتاهية - فلنوازن بينهم فيها.
عبد المتعال الصعيدي
стр. 7854
تحية مولود
للأستاذ محمود غنيم
سرَّكَ اليومَ قولُهم أمْ ساَءكْ … حينَ قالوا: هذا غلامُ جاَءكْ؟
جانبُ اللهو من شبابكَ ولّى … فَدَع اللهوَ ينتظرْ أبناَءكْ
وتحمَّلْ عبَء الأبَّوة يا وَي … حَكَ لم يحمل امُرؤُ أعباَءكْ
أيها الطارقُ الجديدُ سلاماً … أسألُ الصفحَ إن أسأتُ لقاَءكْ
عَلِمَ الله ما كرهتُكَ ضيفاً … لا ولكني كرهت شقاَءكْ
بتُّ أخشى عليكَ جوْرَ الليالي … فالليالي ما أنصفتْ آباءكْ
غيرَ أني أمسيتُ رغم شعوري … أتمنى على الزمان بقاَءكْ
وأراني إذا أصابكَ سوءُ … أبذلُ النفسَ والنفيسَ فداَءكْ
ساَءني يا بنيّ أنْ كنت نجلاً … لي فكانت أبوَّتي لك داءِكْ
أيَّ ذنب جنيتَ في المهد حتى … يُصبحَ الهمُّ في الحياة جزاءكْ
ليت شعري أقانعُ أنت أم لوْ … تستطيعُ الكلامَ تُبدي استياَءك
أفتدري كم بتُّ أرفو كسائي … وأوشِّي بكل زاهٍ كساَءكْ
وإذا ضنَّ ثديُ أمِّك يوما … بالحيا جعتُ والتمستُ غذاءك
ولقد أسمعُ الرعودَ تدوَّي … في ثباتٍ ولا أطيقُ بكاَءك
كم حملتَ البكاَء سيفاً صقيلاً … إن تُلَوِّحْ به ينلْك رجاَءك
دمعةُ الطفل من دموع الغواني … صاحِ صُنْ من كليهما أحشاءْك
أنت في مهدك الصغيرِ أميرُ … فوق عرش يرجو الجميعُ رضاَءك
فتحكَّمْ تَرَ الذكورَ عبيداً … لك في البيت والإِناثَ إِماَءكْ
هو عرشُ أساسه الحبُ لابط … شَك نخشى ولا نرومُ عطاَءك
أتُراها جنايةً أم تثراها … مِنَّةً تستحقُّ مِنكَ ثناَءكْ
ليتني عشتُ مثلما عشتَ غرَّا … تُغمض المقلتين عما وراَءكْ
إنني يا بني أسكُنُ أرضاً … دائماً همُّها فصف لي سماَءكْ
قد توارت طفولتي في ظلام ال … غيَبْ فانشُرْ على دجاها ضياَءك
стр. 7855
لكأنِّي نشأتُ خلقاً جديداَ … يوم ناديتَ فاستمعتُ نداَءكْ
يا دقيقَ البنانِ واليَد جلَّت … يَدُ مثَّال صوَّرَتْ أعضاَءكْ
نم هنيئاً يرعاكَ من شقَّ عيني … كَ وأجرى بين العروق دماَءكْ
عَلَّ من وكَّل البِلَى بردائي … يجعلُ الخزَّ يا بنيَّ رداَءكْ!
كوم حمادة
محمود غنيم
стр. 7856
تمادوا بشكواهم
للأستاذ فخري أبو السعود
لقد زهَّدَتني في القريض معَاشر … إذا نَظَموا فالحزنَ والمّ والغَمَّا
كأنْ ليس غيرَ البؤسِ للشعرِ مُلْهِمُ … ولولاه ما قالوا ولا عرَفوا النظما
قوافيهمُ آهُ فواهُ فعَبْرَةُ … تَلى زَفرةً من مُهجَةٍ منْ أَسَى تَدْمَى
تمادَوْا بشكوَاهم فَمُلَّتْ وَأصبحوا، … إذا ما شكَوْاهَمَّا لقارئهم، همَّا
أكلُّ أخي شِعرٍ خدينُ بلابل … يفوز سواه بالأماني وبالنعمى؟
يَخالون أنَّ الشعر يزداد رقةً … إذا وصفَ الأشجان والألم الجمّا
فهذا شكا في جنبه ألفَ طعنةٍ … وذاك طوى في كلِّ جارحةٍ سهما
وذا صدرُهُ وعيناه ديمةُ … وأضلاعُه حرَّى وأحشاه كَلْمى
وذاك بطئُ ليلهُ متطاولُ … يُساهر فيه وحده الأفْق والنجما
وذلك أضواه وأَوْهَى اصطبارهُ … غرامُ مَشَى في جسمه يُنْحِل الجسما
وذلك يبكي كالوليدة ساخطاً … بلا سبب يُدرى ولا غرض يُسمَى
وذَيَّك يشكو دهره ويذمه … ويزعم أنَّ الدهر أَوْسَعَهُ ظلماً
يكلِّف باعَ الدهر ما لا يطيقه … ويُنحى عليهِ - حين يَمْنعُه - لوما
يود لَوَ أنَّ الدهر يأتيه بالمني … جميعاً ولم يدأَب ولا عَقَد العزما
وقد يَبْلُغُ الساعي إذا جَدَّ سعيُه … مُناهُ ولم يَلْحَ الزمانَ ولا ذَما
يَخَلُ حياةَ الناسِ قارئُ شعرِهم … بلاءً فلا نُعمى هناك ولا رُحْمى
وكم في رحيب الكون من نِعَم ومن … مَحَاسِنَ تُصْبى العين والروح والفهما
وكم عَرَضَتْ فينا الطبيعيةُ حسنَها … بلا ثمنٍ غُمْاً لِمَنْ بَاَدَرَ الغنما
تَرَى في مجاليها وأَلوان حسنها … عَزاَء لمن يأسى وَرِيَّا لمن يَظْماَ
ووحياً لشعرٍ ينبذ الشكو َوالبُكا … ويستلهم الأنوارَ والروضَ واليَماَّ
فخري أبو السعود
стр. 7857
القصص
من أساطير الإغريق
إيخو ونركيسوس
الفاتنة التي أصابها البكم، والجميل الذي عشق صورته
للأستاذ دريني خشبة
كان زيوس - كبير آلهة اليونان - يتعشق فتاة حلوة الدل، بارعة الحسن، رقيقة الشمائل، تدعى يو. وكان، برغم زوجاته الخمس أو الست، يختلف إلى حبيبته في الخلسة بعد الخلسة، يؤانسها ويسامرها، وتؤانسه وتسامره، ويبل فمه الظامئ من ثغرها الراوي، بقبلة. . . أو رشفة. . . .
وكانت أولى زوجاته (حيرا) هي التي تزعجه بما تبث حوله من الرقباء، وتنشر من الجواسيس، يحملون إليها كل حركة من حركاته. وكان هو يضيق بكل ذلك، ولكنه لا يستطيع إلا أن يداهن ويداهن. . . ويبالغ في المداهنة، لشدة شغفه بحيرا، ولأنه كان يحس في الخضوع لها لذة أولمبية لا تعدلها لذة. . . إلا لذة تدليله لحبيبته يو
وكما كانت حيرا تمكر مكرها في كل حين، كذلك قد مكر الإله مكره. . .!
أراد أن يشغلها عنه بملهاة تذهب من وقتها كل يوم بساعات يقضيها في أحلامه الغرامية بين يدي يو، ملتذا قوامها الخصب، مستمتعا بجمالها الفينان، سابحا في هذه اللجة المترعة بالمفاتن، في كل جارحة من جسمها الممشوق
وقد سنحت له الحيلة. . .
حدثها عن فتاة ناضرة الشباب، ريانة الأهاب، عذبة اللسان، وقادة الجنان، تعرف من قصص الحياة وأنباء الدنيا ما لم يتيسر بعضه للآلهة أنفسهم! وكانت حيرا، ككل الأنثيات، مولعة بالثرثرة، مشغوفة بالمعرفة، تبغض الصمت وتغرم بالكلام الطويل الموشي. وهي مع ذاك طلعة، بقدر ما هي أذن، تتكلم كثيرا، وتثرثر كثيرا، وتسمع كثيرا
وانطلقت إلى الفتاة فشغفت بها لأول لقاء، ووجدتها، كما حدث زوجها فياضة القول غزيرة القصص، تتدفق في حديثها تدفق الخمر في الكأس، حتى إذا استقرت في مكانها من الجسم،
стр. 7858
شاعت حمياها فيه، فأطربت، وأرقصت، كأنها عصرت من حديث الفتاة!
ثم جعلت تتردد عليها؛ وما تكاد الفتاة تفرغ من إحدى قصصها العجيبة حتى تأخذ في أعجب منها وأغرب، وهي بين الآونة والأخرى ما تنى تنمق حديثها بالنكات البارعة، والملح الرائعة، مرسلة المثل في مقامهن والحكمة في موضعها، في غير كلفة ولا عناء. ثم هي كانت رقيقة دقيقة، لا تمل السامع ولا ترهق الناظر. وكانت تقبل على سمارها وكأنها تختص كلا منهم بقلبها، وكأنما تلقي إلى كل منهم بقرارة نفسها، حتى ليحسبها كل له وحده، بما يحسبه تؤثره به من عطف، وتغمره من ود، وتزجي إليه من محبة. . .
وكانت حيلة صائبة من زيوس، شغل بها حيرا طويلا، ليفرغ هو إلى يو. . . فيا للآلهة!!
ولكنها شعرت من زوجها لفحة الصد، وأحست فيه انقباضا وجفوة، فوقر في نفسها أن لا بد من أمر، وأن هناك سرا إي سر؛ فآلت لتكشفن ما تغفلها فيه
وبثت عيونها، وأرسلت أرصادها، حتى استوثقت مما كان بينه وبين يو، وحتى أدركت أنه قصد إلى إلهائها بهذه القصاصة الخبيثة ليفرغ هو إلى لباناته وأوطاره!
ولا تدري ما ذنب الفتاة التي ملأت أذني حيرا سحرا، ونفثت فيهما موسيقى وألحانا؟ لقد ظلمتها زوجة الإله الأكبر، التي تحمل بالباطل لقب حامية النساء وحافظة الأجنة، حين أقسمت لتسلبنها الطلاقة والذلاقة، ثم لتسلطن على لسانها العي والحصر يشقيانها ويعذبانها!
لقد كان كل ما اتهمت الفتاة به أنها كانت سببا في تمادي زوجها في غي حبه، وإبعاده في ضلالة هواه؛ فنفثت في عقد سحرها، ثم قصدت إلى الفتاة المسكينة فبهرتها، وأرسلت عليها شواظا من غضبها، وقذفتها من رقاها المهلكة، لم تستطع بعدها أن تلجلج لسانها بكلمة واحدة تفرج بها عما في نفسها. . .
وقهقهت حيرا حين حاولت الفتاة أن تتكلم فلم تستطع؛ ثم شاءت الخبيثة أن تظهر آية أخرى من آيات غدرها، فقالت، بعد أن نفثت ثانية: (أنا أسميك إيخو؛ وأمن عليك فأطلق لسانك باللفظة المفردة ترسلينها في ذيل كل كلام تسمعين. . . اللفظة الأخيرة فحسب يا إيخو. . .)
فرددت الفتاة المسكينة: (إيخو!!)
أما يو فقد نفذت إليها حيرا وصبت عليها جام سحرها ما تحولت به إلى بقرة فاقع لونها. .
стр. 7859
تسوء الناظرين. ولهذا حديث طويل مشج ندعه الآن، لنرى ما كان من أمر إيخو. .
دهشت الفتاة لبيانها أين ذهب، ولصوتها الجميل أين ولى، وللرخامة الفضية التي كانت تترقق فن فمها الشتيت كيف ضاعت، ولهذا السحر الدنيء كيف قضى على أولئك جميعا؟!
لقد بكر كثيرا، وتوسلت الإلهة، ولكن. . . أين الإلهة؟ لقد تصاموا جميعا، لأن حيرا هي القاضية، ولأنهم يشفقو أن تفسد أسباب السماء كما أفسدت الأرض على عرائس البحر!
وأطلقت ساقيها للريح، فيممت شطر غابة ذات ماء وذات أفياء، ثم إنها اتخذت لها مأوى في أصل سنديانة ضخمة الجذع، معروشة الفروع، وارفة الأفنان، وأقامت ثمة تجير أحزانها وتسعر أشجانها، وتقابل بين ماضيها السعيد وحاضرها الشقي، وتسكب فيما بين هذا وذاك دموعا ساخنات وعبرات غاليات!
وبينما هي سادرة في كهفها، مستغرقة فيما آل إليه أمرها، إذا بصحب يافع من الشباب اليانع يمرون ببابها، من دون أن يروها، وهم يتحدثون أحاديث الصبى، ويتسامرون سمر الفتوة، ناعمين بأشهى مناعم الحياة
وظلت ترقبهم، وتستذكر أيامها الخوالي، إذا الشمل مجتمع، والرواد محدقون، مرهفة آذانهم، شاخصة أبصارهم، فاهتزت هزة المحموم بالشجن، المروع بالشجى!
وأطلت من كناسها، فرأت الغلام الإغريقي المشهور، (نركيسوس) الذي دله الإلهة بجماله، وتام عذارى أثينا بنضارته وإشراقه. رأته يتخلف عن أصاحبه، مأخوذ بجمال نرجسة حلوة اقتطفها من غصنها المياس وفنها المياد. ثم وقف يحدق فيها بعينيه المعسولتين، اللتين لونتهما شمس الجنوب بهذه الصبغة الساحرة، وكمنت ملأها يعاسيب الفتنة، تنتثر منهما في دنيا القلوب!
والسبيل إلى الغاب ملتوية متداخلة. . . تيه يضل فيه العابر، ويباب أخضر لا يهتدي فيه السائر؛ هنا منعرج لا يصل منه الإنسان إلى أمن، وهناك منحنى لا ينتهي إلى السلام. ولقد مضى الدليل مع الصحاب، ولبث تركيسوس وحده، يضرب أخماسا لأسداس
ولم تستطع إيخو حين أبصرت به أن تفلت من هذا الشرك المنتشر حوله، تعلق بخيوطه السحرية القلوب والألباب. . . فأحبته بكل قلبها، وأرسلت في نظراتها إليه نفسها تتمرغ تحت قدميه، وتهمهم بين قدميه، كأنها خلقت له. . . لا لها!
стр. 7860
ولكن كيف السبيل إلى التعبير عن هذا الهوى الملح والحب المخامر، ولسانها في عقال إلا من المقطع الأخير، ينطلق في إثر الحديث، أو اللفظة المفردة تردفها بصياح كل صائح، وهتاف كل هاتف؟!
وراحت تقتفي أثره، من غير أن تشعر هي، ودون أن يشعر هو! وتقص خطاه وهي لا تعي ما تفعل، وهو لا يدري كذلك؛ فكان دبيبها كدبيب القطا، أو كوثب الضفادع. على أن حركة غير مقصودة أتت بها إيخو جعلته يعتقد أن أحدا من سكان الغابة يتبعه، فصاح قائلا:
(من؟. . .)
فرددت المسكينة نداءه: (من؟. . .)
فقال: (هل من أحد هنا. . .؟)
وأسل هذا السؤال في رعب خفيف، فرددت إيخو اللفظة الأخيرة: (هنا. . .)
فبهت نركيسوس، وقال، وقد خال المتكلم امرأة:
(هلمي يا فتاة. . . هلمي. . .)
فرددت إيخو اللفظة الأخيرة. . . (هلمي. . .)
فزادت حيرته، وتضاعف خباله. . وقال:
(لم لا تأتين إلي، وليس هنا أحد يرى؟ ولا إنسان يشهد؟)
فثار كامن الهوى في نفس إيخو، وملأت اللفظة الأخيرة: (يشهد؟) بكل ما تركت لها حيرا في قرارة لسانها من رنين فضي، وجرس جميل. . .)
وعاد نركيسوس يقول: (يا فتاة! ليت شعري ما يحجزك؟ أين أنت إن كنت هكذا تستحين؟ تعالي)
وكأن إيخو أدركت أن الفرصة سانحة للقاء هذا الحبيب الطارئ، فبرزت من مكمنها من غير هيبة ولا وجل، وقصدت إليه، تعرض حبها ولظى جواها عليه؛ ولما لم يكن في مكنتها أن تخاطبه، لتكشف له عما تضمر من هيام به، ومحبة له، بدا لها أن تثب إلى حيث هو فتعانقه، وتضم صدره إلى صدرها، ليبث أحدهما إلى الآخر
ولم تكد تفعل حتى جهد نركيسوس في تخليص نفسه منها، ثم انطلق في الغابة لا يلوي على شيء، كالرئم المروع والظليم المفزع. . .!!
стр. 7861
وذلك أنه لم يجرب هذه المفاجأة بالحب، ولا وقع مرة في شراك غرام، وقد ربكته إيخو حين غمرته بكل حبها، فشرق به وغص، وقال: الفرار الفرار!
وتسلط الهم على قلبها فشقه، والشجن على جسمها الناحل فأضناه، وكانت صدمة هائلة صدعت جوانب نفسها، وزادتها نكالاً على نكال، ثم تتابعت الأيام وهي ما تزداد إلا سقاما. . .
واضمحلت. . . ثم اضمحلت. . . حتى غدت. . لا شيء!!
ولا شيء هذه ليست مبالغة فيما حل بها، إذ الصحيح إنها غدت لا شيء، إلا هذا الصدى يتردد في كل واد، ويذهب إثر كل نداء
وهي إلى اليوم تأوي إلى الغيران، وتتخلف إلى الشطئان، وتنحدر مع الريح على جنبات الجبال، تنعى همها، وتندب حظها في الناديين!
وشاءت المقادير أن تنتقم لإيخو المعذبة من هذا الشاب الجميل نركيسوس، الذي حطم قلبها الغض، وقضى على نفسها المحزونة. فبينما كان في طراد عظيم، في يوم قائظ، عرج على خميلة ناضرة ملتفة الأغصان، ليشرب من الغدير الصافي الذي يترقق من تحتها. . وما كاد ينحني إلى الماء حتى رأى صورته في صفحته الساكنة، فبهره حسنها، وأخذ يرمقها بقلب مشوق ونفس هائمة، وهو لا يعلم أن الحبيب الذي تامه إن هو إلا ظله، وعروس الماء التي تبلت فؤاده إن هي إلا خياله!!
عينان كبيرتان ذواتا أهاب زانهما وطف، وجبين واسع وضاء مشرق، وخدان أسيلان كخدود دربات الأولمب، وخمل حلو نابت فوق بشرة الوجه يزيده رونقا وجمالا، وثغر حبيب كأقحوانة أوشكت تتفتح، ترف حوله بسمة ساحرة من حين إلى حين، وذقن رقيق مستدق يرتفع على عنق يوناني رائع، ثم فتنة تغمر ذلك جميعا!!
خاطبه نركيسوس، ولكن. . . وا أسفاه! إنه لا يرد إلا تمتمة، ولا يجيب غلا كما تهمم الريح!
ومد يده. . فمد الخيال يده، واستطير صاحبنا من الفرح، ظانا أن حبيبته تواق إلى ما يريد!
واقترب بفمه، يريد قبلة، فاقترب الخيال بفمه كذلك. ولكن. . . يا لخيبة الأمل! ما كاد العاشق الولهان يمس الماء بشفتيه حتى ذهب حلمه أباديد، وتكسرت منى نفسه الحيرانة،
стр. 7862
وفر الخيال في شظايا الماء. . . وتحطمت الصورة الرائعة بددا!! وخيل لنركيسوس أنها تقول وهي تهتز، قبل أن تلتم: (لا. . . لا. . . لا. . . لا. . .)
ولبث عبثا يحاول قبلة، وتتكرر الآية كلما مست الماء شفتاه. . . فانطلق مغيظا محنقا، وهام في القفار على وجهه، لا يطيب لجفنه المسهد كرى، ولا يحلو لفمه المرير عيش، لجفاء الحبيب، ونفزة آسيه العجيب!؟
نركيسوس! الذي بلبل قلوب العذارى، وسفك دموع الحسان، وضرج كبرياء الغيد بالدم، وأذل البسمات التي طالما حملتها إليه أجنحة الحب من ثغور الفاتنات. . . نركيسوس، الذي ألقى بحب إيخو في التراب، تستبيه صورته، ويتصباه خياله، ويأسره ظله؛. . . فيالنقمة كيوبيد، ويالعدالة فينوس!!
لقد طفق يختلف إلى الغدير لدى كل شروق شمس، يناجي حبيبه المعبود وأمله المنشود، فلا ينثني إلا توارت بالحجاب!
وما انفك يشكو ويتوجع ويستعطف، وما انفك الخيال يتصام ويتباكم. وإذا تحدث تمتم!!
ثم. . .
أجل فلابد من ثم هذه. . .
ثم ذوى عوده، وذبلت نضرته، وتهدم جسمه، وتحطم قلبه، وتأرجحت روحه في حدقته،. . . و. . . دنت ساعته!
ووقفت إيخو في فتن وارف، في أيكة قريبة من الغدير، تشهد الفصل الأخير، من مأساة حياتهما. . .
وسمعته يقول مخاطبا ظله: (أيها الحبيب! أجل! لقد حق لك أن تنتصر على كبريائي، وتسحق مرتي وتهدأ أعضائي. . . هاأنذا أموت أيها الحبيب. . . بقربك. . . يا عروس الماء النافر. . . أموت. . . وأحبك. . . فالوداع. . . الودا. . . ع)
وبكت إيخو. . . . ورددت هذا الصدى الحبيب: (الودا. . . ع!)
وأقبلت عرائس الماء تنوح بدورها على نركيسوس، ثم ذهبت في أرجاء الغابة تجمع الحطب لإحراق الجثة، كما جرت بذلك العادة في ذاك الزمن. . . ولكن؛ يا للعجب! لقد عادت فما وجدت غير زهرة جميلة من أزهار النرجس! انحنت على صفحة الغدير تنظر
стр. 7863
فيه إلى ظلها. . . وتذرف دمعها. . . قطرة، قطرة. . .
دريني خشبة
стр. 7864
في ربوع أمريكا الجنوبية
للأستاذ الرحالة محمد ثابت
عبر الأنديز الرائعة:
لقد كان من أحلامي التي خلتها منذ أمد بعيد خيالا بعيد المنال، أن أعبر جبال الأنديز وأمتع النظر بمشهد (أكونكاجوا) ثانية ذرى العالم علوا، وكانت تعاودني تلك الأمنية سنة بعد أخرى، حتى شاءت المقادير فحققت لي ذاك الأمل في الصيف الماضي، وكم كثرت الأراجيف وأنا على ظهر الباخرة إلى (الأرجنتين) بأن الطريق معطل ولن يمكن عبوره اليوم، وما كدت أصل بونس إيرس حتى قصدت على الفور دار للسياحة مستعلما، فقيل لي إن الطريق معطل على أثر السيول والثلوج التي اجتاحت منه أثنى عشر ميلا بقطرها ومحاطها وقناطرها، ولن يمكن عبوره في ذاك الجزء إلا على متون البغال الممضة وسط الثلوج الرهيبة مدى أسبوع، فأخذتني الدهشة، وكاد يتطرق اليأس إلي، لكني عدت فاعتزمت القيام بتلك التجربة حتى لا أحرم رؤية مجاهل الأنديز الرهيبة، وبعد لأي ما قبلت شركة السياحة أن تبيعني التذكرة، وقد اشترطت ألا تتحمل أية مسئولية إذا حدث لي حادث في الطريق، وكم سرح الخيال في تلك المجاهل بقية يوم السبت وطيلة الأحد، فكان تارة يبدو الأمر قاتما مخيفا، وطورا يضيء الأمل فتبدو الرحلة ناجحة شائقة. قصدت دار الشركة صباح الاثنين لأتسلم التذكرة، وما كاد يراني الرجل حتى صاح باسما أن قد فتح الطريق لأول مرة، وأني سأعبر المنطقة المنهارة على السيارات المريحة بدل البغال الخطرة، وذاك أول يوم يستأنف فيه السفر المأمون بعد أكثر من نصف عام، ومن العجيب أني لم أقابل ذاك النبأ بما يستحقه من الفرح والبهجة إذ كانت النفس تطمح إلى ركوب البغال وسط الثلوج فتكون مخاطرة جديرة بالتجربة. ابتعت التذكرة إلى سانتياجو ودفعت زهاء ستة عسر جنيها مصريا ثمنا لها
قمنا في الساعة السابعة صباحا بالسيارة نبرح مندوزا صوب جبال النديز وما كدنا نغادر جوانب البلدة حتى أوغلنا في سهول شبه صحراوية، يكسوها الحصى وتتخللها أعشاب وشجيرات قصيرة شائكة يابسة، وكانت تقوم جبال الأنديز أمامنا في صفحة قاتمة منفرة عريت من النبت، ولبثنا نسير صعدا على ليات أحد وديانها الغائرة الجافة حتى فاجأنا شبه
стр. 7865
سهل في وسط الجبال، به بعض الزرع والشجر الأخضر فبدا كأنه الواحة وسط الصحراء وتلك محطة (أسباياتا وهنا بدت الجبال العاتية تكسوها الثلوج المشرقة يسيل ماؤها في واد ضيق، جوانبه مشرفة عاتية مجدبة، ويجري في أسفله ماء شحيح - وهو نهر مندوزاً - وهذا ممر اسباياتا الذي سلكه الإنسان منذ حل أمريكا في العصور البائدة مخترقا به تلك الجبال، ولما جاء الأسبان اتخذوه طريقهم على متون البغال ثلاثة قرون، حتى أقيمت سكة الحديد، وقد شاهدنا قنطرة صغيرة محدبة من عمل الهنود الحمر قديما ولا يزال يسميه القوم أي طريق الأنديز) بعد ذلك أخذن السيارة تصعد في منعطفات وعرة دونها هوى سحيقة وأمامها نجاد شاهقة تجللها الثلوج الناصعة في مشهد يأخذ بالألباب، وكثيرا ما كنا نلمح على بعد جواناكو يسرع بالهروب بمجرد إحساسه بنا وهو كاللاما من فصيلة الجمال، وبعد مسيرة ست ساعات بسياراتنا وصلنا محطة: لاس فاكاس: وكنا نشاهد فلول القضبان والقناطر مهشمة أيما تهشيم
وقفنا نتظر القطار والريح عاصفة والبرد قارس زمهرير، وكنا نرى على بعد قمة بهامتها المدببة البيضاء وهي من أعلى ذرى الأنديز إذ يبلغ علوها ٢٢١٣٦ قدما
أقبل القطار مقدمه مغطى بالثلوج كأنه يحمل وسقا من الجليد الناصع، وحللت مكاني من الدرجة الأولى وهي تقارب الدرجة الثانية عندنا، وليس بالقطار سوى درجتين، وكان قد أمضني الجوع إذ كانت الساعة الثانية بعد الظهر فلجأت فورا إلى عربة الطعام وتناولت الغداء الشهي الجيد، وكان ثمنه زهيدا لا يجاوز ثمانية قروش، وذلك من أثر الرخص الذي كنا نسمع عنه في بلاد شيلي. وفي منتصف الطعام فاجأنا منظر غريب: مجموعة من أسنان الصخر بعضها فوق بعض تتوجها صخرة كبيرة حاكت الدير على بعد، والأسنان شابهت الرهبان الصاعدين إليه، ومن ثم أطلق عليها القوم اسم ثم وقف بنا القطار في محطة (بونتادل أنكاس) ومعناها جسر الأنكا، فنزلنا سراعا نحو الجسر العجيب، فإذا به صخرة متصلة بالجوانب، تحتها واد فسيح يجري به ماء، بعضه مستمد من عيون حارة عظيمة النفع في الاستشفاء، والجسر طبيعي عظيم الاتساع، يمكن ثلاث عربات متجاورة من المرور، فعرضه تسعون قدما وعله ٦٥ وسمكه ٧٠ وقد عرف منذ القرن الخامس عشر وأحيط بالخرافات وأنه مقر الأبالسة في عرف الهنود الحمر، وأطلق عليه اسم أحد قواد
стр. 7866
الأنكا توباك توباكوي وقد وقفنا بعد قيام القطار نترقب قمة (أكونكا جوا) أعلى ذرى الدنيا الجديدة (٢٣٣٠٠ قدم) وأول ما تسم الإنسان هامتها في ١٤ يناير سنة ١٨٩٧ ظهرت تشمخ باسقة في السماء ومن حولها جمهرة من الذرى الأخرى يجللها جميعا بياض الثلج الناصع، وبين فترة وأخرى كان يحلق فوق رءوسنا طائر الهائل ملك المرتفعات وأقدر الحيوانات على احتمال عصف الريح وقر البرد، وكان الثلج يسود الأرجاء كلها، اللهم إلا في بعض الشجيرات القصيرة ونبات الصبار (الكا كتاس) في شكله العجيب وكأنه اسطوانات تقوم متجاورة، ويكسوها زغب من شوك طويل، وكنا كلما تقدمنا زادت كثافة الثلج حتى أن القطار كان يجري بين جدران خانق من الجليد الناصع كاد يغطي العربات إلى نصف ارتفاعها. وفي محطة: (لاس خويفاس) دخل القطار ظلة أقيمت من الحديد المجزع تفاديا من ثقل الثلج، وهنا تعددت الربى، فكانت كأنها الهامات الشم جللها الشيب الناصع، ومن ألسنة جليدها كان يسيل لعابها في زرقة مستملحة يزينها زبد أبيض، وكم تكاثر الثلج على أسلاك غلاظ وصفائح قاسية فقوضها، وأنت ترى بقع الثلج الأبيض كمندوف القطن تملأ التجاويف الواحدة تحت الأخرى فيذيبها، وقد يجمد بعض الماء فيظهر في زوائد وأسنان بلورية، وفي الهوى الغائرة يتجمع الماء ويجري في واد ضيق، وفي كثير من البقاع كان للقطار نفق من حديد مخافة تكاثر الثلج، وفي هذا الجزء كان القطار يسير على ثلاثة قضبان، الأوسط منها مسنن لكي تستبك به تروسه خشية وعورة المنحدر. دخل بنا القطار نفق طوله ميلان تقريبا، ومن غريب المصادفات أن ارتفاعه عن سطح البحر ميلان أيضا، وهو أعلى جهات سكة الحديد، فهي هنا ١٠٥١٢ فوق سطح البحر وفي وسط النفق الحد الفاصل بين الأرجنتين وشيلي، وبمجرد عبور القطار بنا هذا الحد داخل النفق، سمعنا صليل أجراس تدق من تلقاء نفسها عندما يضغط القطار على أسلاكها وذلك إيذانا بتخطي الحدود. ولما أن خرج القطار من النفق إلى ضوء الشمس أشار القوم أن هاهو (الكريستو) إلى يميننا، وهو تمثال هائل للمسيح أقيم في سنة ١٩٠٤ حينما أحتكم الخصمان في مشكلة الحدود إلى ملك إنجلترا إدوارد السابع، والذي توسط في حسم النزاع وعرضه للتحكيم نساء الفريقين وقساوستهم على أن تنفق نقود الحرب في تحسين الطرق على الأندييز، وبجزء من ذلك المال أقيمت سكة الحديد. ثم اكتتبوا لهذا التمثال، وقضى
стр. 7867
ملك الإنجليز بجعل الحد عند تقسيم المياه بين الدولتين، وهي هنا على علو ١٢٨٠٠ قدم، والتمثال من البرنز القاتم صيغ من بعض المدافع الحربية القديمة التي أخذوها من الأسبان في حرب الاستقلال رمز للسلم وتحطيم أدوات الحرب، ويقوم على قاعدة من جرانيت وعلوه ٢٦ قدما، وقد نقش على قاعدة التمثال، وتحت أقدام المسيح ما معناه:
(لقد أقسم رجال الأمتين بين يدي المسيح ألا ينقض عهد السلام بينهما، حتى ولو دكت تلك الجبال فصارت هباء). على أن التمثال كادت تكسوه الثلوج فتخفيه. أخذنا في الانخفاض من منحدر وعر، ما كان القطار ليستطيعه لولا القضبان المسننة، ومن دوننا وادي أكونكاجوا الغائر، بين محطتي كارا كولس، بورتيليو، فاجأتنا مجاميع الربى في تعقيد رهيب تتوسطها بحيرة الانكا على علو ٩٠٠٠ قدم، ويقولون بأن ماءها ثابت المقدار لا يزيد ولا ينقص طيلة العام وذاك ما زاد قدسيتها عند الهنود! ولن يستطيع قلم مهما أوتي من البيان والإفصاح أن يعرب عما يحسه المسافر من رهبة وجلال تتمثل في عظمتهما القدرة الإلهية التي تزرى بكل شيء، وما الوصف بمجدي شيئا، فلن يأخذ القارئ من قولي ألا قبسا ضئيلا، وعليه إذا أراد الوقوف على شيء منها أن يمتع نظره بمرآها كي يحس بما أحسست. ويقولون أن أجمل ما ترى مناظر الصخور وأروعها في العالم بين تينك المحطتين. أخذنا نمر بالمحاط الشيلية، وكلما هبطنا ندر الثلج وزادت القرى وتعددت المسايل المائية، وقد بدا هذا الجانب من الجبال أغنى بعناصر الحياة بين إنسان وحيوان ونبت وشجر من الجانب الشرقي، لأن رياح الباسفيك تدر عليه من بللها ماءا وفيرا على نقيض الجانب الآخر الشرقي. ومن الأنهار التي استرعت نظرنا (الريو بلانكو) أو النهر الأبيض، وسمي كذلك لكثرة ما يعترض ماءه من صخور يرغي فوقها فيبدو أبيض ناصعا. ثم وقفنا طويلا في محطة وعندها غيرنا القطار الضيق إلى آخر. ثم خيم المساء فحرمنا بقية الاستمتاع بجمال الطبيعة بين هذه وسنتياجو، ولقد غيرنا القطار مرة أخرى وفي محطة (لاي لاي) وهنا يرى أول قبس من مياه المحيط الهادي إلى يمين المسافر
وفي منتصف الثانية عشر مساء دخلنا سانتياجو بعد مسيرة زهاء سبع عشرة ساعة من مندوزا أو سبع وثلاثين ساعة من بونس إيرس، وكان مقدرا لعبور القارة كلها من بنيس إيرس إلى سانتياجو ثلاثون ساعة بالقطار مسافة قدرها ٨٨٨ ميلا أو تزيد
стр. 7868
محمد ثابت
стр. 7869
البريد الأدبي
كتاب عن سنت هيلانه
صدر أخيرا كتاب بالفرنسية في مجلدين عنوانه (سنت هيلانه) بقلم مسيو أوكتاف أوبري. والكتاب مثل بديع للتاريخ القصصي أو القصص التاريخي؛ ومن الواضح أن مسيو أوبري لم يرد أن يقدم لقارئه (سنت هيلانة)، تلك الجزيرة المنسية النائية، وإنما أراد أن يقدم تفاصيل المأساة التاريخية العظيمة التي كانت سنت هيلانه مسرحا لها، ونعني اعتقال الإمبراطور نابليون بها مدى ستة أعوام، ثم وفاته وثواءه الأخير بها. ولقد كانت مأساة سنت هيلانه في حياة نابليون أعظم من أي حرب ومن أي موقعة؛ فقد جعلت من الإمبراطور العظيم مسيحا آخر، وشهيدا؛ وما هي سنت هيلانه؟ هي جزيرة صغيرة طولها ستة عشر كيلو مترا، وعرضها اثنا عشر كيلو مترا، وترتفع عن سطح البحر بمئات الأمتار، وتبعد في أعماق المحيط نحو خمسمائة كيلو متر عن الشاطئ الأفريقي، فهذه البقعة النائية القفراء هي التي اختارتها إنكلترا لاعتقال أعظم جندي وقائد في العصر الحديث
ويستعرض مسيو أوبري في كتابه تاريخ الإمبراطور منذ هزيمته وأفول نجمه في سنة ١٨١٥، ثم اعتقاله وإقامته في المنفى حتى وفاته سنة ١٨٢١؛ ولم يصدر من قبل كتاب أوفى وأدق عن هذه الفترة من حياة نابليون. وقد كتب من قبل عنها كتاب عدة، بالاعتماد على الوثائق والمذكرات المختلفة التي تركت من زملاء نابليون في المنفى؛ ولكن مسيو أوبري لم يكتف بالوثائق المكتوبة، بل سافر إلى سنت هيلانه، وأقام مدى أسابيع في (لونجوود) وهو المنزل الذي سكنه منذ معتقله حتى وفاته؛ واستعرض هناك الوثائق الإنكليزية ورسائل السير هدسون لو سجان الإمبراطور، ورسائل زملائه في المنفى وأطبائه، وهي وثائق تملأ نحو تسعين مجلدا كبيرا؛ ولم يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة الإمبراطور وحياة زملائه في المنفى إلا أستوعبها. وتستطيع أن تتأمل في كتاب مسيو أوبري، لا صورة الإمبراطور وحدها، ولكن صور أولئك الرفاق المخلصين من الرجال والنساء الذين ربطوا حياتهم بحياة سيدهم؛ فهناك أسرة مونثولون، وأسرة برتران، والجنرال كورجو، والسكرتير لاسن كاز، والوصيف مرشان، والطبيبان أوميارا ومنيول؛ هذا عدا حاشية الإمبراطور من الحراس الذين رتبتهم الحكومة الإنكليزية؛ ومما يشوق
стр. 7870
القارئ حياة المرأتين اللتين تبعتا الإمبراطور مع زوجيهما وهما مدام مونتولون ومدام برتران؛ فقد كانتا على خصام دائم، ولهما قصص ومنافسات ودسائس مشجية
وهناك نقطة تاريخية هامة يصححها مسيو أوبري، وهي تتعلق بموقف السير هدسن لو، حاكم سانت هيلانه وسجان الإمبراطور؛ فقد ملأت التاريخ والسير التي كتبت عن مأساة سنت هيلانه بذم السير لو واتهامه بالقسوة والجمود والنذالة؛ ولكن مسيو أوبري يصحح كثيرا من أخطاء هذا الرأي، ويقد إلينا السير لو في الصورة الآتية: (كان السجين وكبير حراسه في سن واحدة. وكان الأخير رجل صغير القد، نحيفا أحمر الشعر، في وجهه بقع، يخفي وجله تحت ثوب من الخشونة الحربية؛ ومع أنه لم يكن يتمتع بصفات باهرة، فإنه لم يكن مجردا عن الخلال؛ ولقد كان مخلصا لوطنه، وكان إداريا حازما، مستقيما، متقشفا؛ ولم يكن تنقصه الطيبة الطبيعية؛ بيد أنه كان يصدر عن تحكم، وكان مدعيا، متكبرا؛ ولم يكن ذا رقة ولا ظرف)، والحقيقة أن السير لو كان موظفا أمينا يقضا، يسهر على أسيره بعناية، ويخشى إفلاته من سجنه؛ فكان يراقبه ليل نهار، ويضيق عليه سبيل الحرية والحركة؛ ومن هنا نشأت فكرة اتهامه بالقسوة والنذالة
وقد كان لصدور كتاب مسيو أوبري صدى عميق في دوائر التاريخ والأدب. وأجمع النقدة الثقات على أنه خير كتاب صدر في موضوعه
ذكرى سيرفانيتس مؤلف دون كيشوت
ظهرت منذ أعوام حركة في إسبانيا وفرنسا للعمل على تخليد ذكرى الكاتب والشاعر الإسباني الأشهر سيرفانيتس سافدرا مؤلف القصة الخالدة (دون كيشوتي دي لامنكا)؛ واتخذت هذه الحركة مظهرا عميقا بتأليف لجنة في فرنسا تحت رياسة دومرج الفخرية، وقد كان يومئذ رئيسا للجمهورية، ورياسة مسيو بول بورجيه الفعلية؛ وكان ذلك منذ سبعة أعوام، وما زالت اللجنة قائمة، ولها برنامج ضخم يقتضي تنفيذه الملايين. وقد تجدد الحديث عن مهمة هذه اللجنة وعملها أخيرا بمناسبة ظهور طبعة أثرية جديدة بالفرنسية (لدون كيشوتي). وهذه الطبعة الجديدة من أجمل وأفخم ما ظهر من اليوم من طبعات القصة الخالدة، وهي في مجلد واحد ضخم، وقام على إصدارها الكاتب الفرنسي جان كاسو، وهي من أقدم التراجم الفرنسية المعروفة؛ منها قسم من ترجمة جيزار أودان، وهو كاتب
стр. 7871
وجاسوس فرنسي أوفده هنري الرابع إلى مدريد في مهمة سرية، فقضى هنالك تسعة أعوام، وعاد وفي حقيبته مخطوطة الترجمة؛ والقسم الثاني من ترجمة دي روسيه؛ وقد صدرت لعامين فقط من صدور النص الأصلي في إسبانيا (سنة ١٦٠٥)؛ وقد عني مسيو كاسو بتصيح النصوص القديمة وتنقيحها وشرحها عناية كبيرة
أما حديث اللجنة التخليدية الفرنسية، فهو أنها وضعت برنامجا ضخما لأحياء ذكرى الكاتب الكبير بالتعاون مع اللجنة الإسبانية، وذلك في مدينة ثوبوزو من مقاطعة لامانكا التي ينسب إليها الفارس المتجول (دون كيشوتي)؛ ومن المقرر أن يقام لسير فانيتس تمثال فخم من صنع ماشادو عميد المثالين الإسبانيين؛ ويقترح البعض أن يقام في ثوبوزو تمثال هائل يمثل دون كيشوتي، يتبعه وصيفه سانكو، وهو يجر حماره؛ ويرى أصحاب هذا الاقتراح أن يكون جواد الفارس من الضخامة بحيث ينشأ في بطنه متحف لسير فانيتس، يصعد إليه من سلم في ساقه؛ وأن ينشأ في رأسه مقصف صغير، وأن يكون في جوف الحمار مطعم! وهو مشروع كالحلم يذكرنا بأعاجيب العالم القديم؛ والمهم أنه يقتضي الملايين أو عشرات الملايين، وليس في يد اللجنة منها شيء
اللغة العربية في تركيا
جاء في صحف الأستانة ما نصه:
اجتمع مجلس بلدية ماردين في ٨ الجاري برياسة عزيز أوراس وتذاكر في الاقتراح الذي قدمه بعض الأعضاء احتجاجا على تعميم اللغة العربية في ماردين وضرورة منعها، وبعد المذاكرة تقرر مجازاة كل من يتكلم اللغة العربية بخمسين قرشا تركيا، وفي المرة الثانية بمائة قرش، وفي حالة التكرار يحكم عليه بالسجن!!!
اللغة العربية في أمريكا
جامعة برنستن في الولايات المتحدة من أشهر الجامعات في العالم على الإطلاق، وقد أعلنت أخيرا أنها قررت تدريس اللغة العربية والعلوم الإسلامية في فصل الصيف تحت إشراف الدكتور العلامة فيليب حتي اللبناني المعروف. ولأول مرة تفتح هذه الدروس العربية في تلك الجامعة للرجال والنساء على السواء!!
стр. 7872
الكتب
الإنكليز في بلادهم
تأليف الدكتور حافظ عفيفي باشا
للأستاذ م. ف. ا
لسنا نحاول في هذه الكلمة أن نقدم كتاب الدكتور حافظ عفيفي باشا إلى الجمهور، فقد تقدم به مؤلفه إليه مباشرة، وله من أسمه ومعرفة الجمهور به ما يغنيه عن ذلك التقديم، كم أننا لسنا نحاول في هذه الكلمة أن نجامل الدكتور، فإن احترامنا للمؤلف إنما يبعثنا عل أن لا نحاول مجاملته بغير الحق
إن ذلك الكتاب الذي أخرجه الدكتور من تلك الكتب التي لا يملك القارئ أن يصفها وصفا موضوعيا، فإن كل فصل منه، بل كل فقرة منه، تدعو إلى التفكير وتتداعى لها المعاني في ذهن القارئ تداعيا يجعله في شبه معترك أحيانا، وفي شبه حماسة أحيانا أخرى، بحسب اختلافه مع المؤلف أو اتفاقه معه في الرأي؛ فالذي يقرأ ذلك الكتاب يحس ما يحسه المتحدث إلى جليسه في اجتماع خاص: لا يخيل إليه أنه يتعلم، ولا يخيل إليه أنه يعرف شيئا جديدا، بل يشعر كأنه يجاذب جليسه أطراف حديث في سمر، وهو في أثناء ذلك تارة يناقش، وتارة يوافق، وتارة يخالف، ولكنه في كل الأحوال مستغرق في الحديث ومستمتع به
لا يحاول الدكتور أن يظهر بمظهر المعلم الذي ينقل إلى الناس شيئا جديدا، بل يلقي ما بريد قوله في نغنة هادئة تنسي الإنسان أنه يعالج موضوعا لم يسبق لأحد أن عالجه بمثل استيعابه وطريقته. مع إن الكتاب جديد في موضوعه، جديد في طريقته، جديد في لونه
يتكون الكتاب من مقدمة ومن ستة أبواب، كل منها يعالج ناحية من نواحي الحياة الإنكليزية، فالأول: يتناول الدستور البريطاني، والثاني: يتناول الرأي العام الإنكليزي وتكوينه، والثالث: المسائل المالية، والرابع: التعليم في بريطانيا، والخامس: نظام القضاء، والسادس: الإمبراطورية الإنجليزية. فأنت ترى من هذا الكتاب بحث شامل يكاد لا يفقد فيه القارئ ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاد الإنكليز. على أننا مع ذلك
стр. 7873
شعرنا بأن مقدار ما يخرج به القارئ من العلم بالحياة العادية في بلاد الإنكليز لا يشفي الغلة، فإن تصوير الكتاب لطبقات الشعب، ونفسية كل طبقة، وعلاقة الطبقات مع بعضها ببعض، يترك محلا كبيرا يشبه التشوق إلى المزيد
والكتاب جدير بأن نعقد له غير فصل واحد في صفحات الأدب والاجتماع. ولكن حسبنا اليوم أن نقول كلمة واحدة عامة عنه، لنبين معنى واحد من المعاني التي رأينا فيها مأخذا على الكتاب، ولكي نقدره تقديرا مجملا بغير تفصيل
لعل من أكبر أسباب الزلل في الحكم على قوم أن يكون الذي يقف نفسه للحكم عليهم متأثرا بميل سابق قبل أن يتصدى للحكم. وقد ظهر ذلك المأخذ واضحا لنا في معالجة الدكتور للحكم على طبقات الشعب الإنكليزي وتحديد ماهيتها. فكما أن الحكم قد يكون منتقدا لتحامل صاحبه على من تصدى للحكم عليهم، كذلك قد يكون منتقدا إذ كان صاحبه مملوء القلب بإجلال من تصدى للحكم عليهم. بل قد يكون زلل الحكم أعظم وأكثر تضليلا إذ كان الذي يحكم متأثرا بالميل والمودة. ويكون ذلك الزلل أشد أثرا إذا صحبته تلك النغمة الهادئة التي تلقي في روع القارئ أن الكاتب غير متحيز في الحكم. فالحق أن الدكتور معجب بالشعب الإنجليزي إعجابا جعله في حكمه لا يكاد يرى بع غاية ذلك الشعب غاية، ولا دون قصاراه قصارى
فنظام إنجلترا في نظره يحوي في نواحيه نزعة ديمقراطية جمهورية بارزة متغلغلة في جميع أسسها ونواحيها، بل إن المؤلف يقول أنه لا يبالغ إذا قال: (إن هذه النزعة أظهر في أنظمة الحكم في بريطانيا منها في أنظمة الحكم في فرنسا التي لما أعلنت الجمهورية استبقت لأسباب تاريخية. . . . . . . جميع أسس الأنظمة التي خلفها الملوك المستبدون)
ويقول: (ومها يكن من بلوغ الديمقراطية البريطانية أعلى غاية ممكنة في هذا الزمان فإن بريطانيا لا تزال محتفظة بجميع مظاهر الأرستقراطية الملكية)
ولن يستطيع أشد الإنجليز تعصبا لقومه، ولا أعظمهم إكبارا لكبريائه القومية، أن يقول أكثر من هذا
وهو يقول بعد ذلك في وصف طبقات الشعب مبتدئا بوصف الأشراف: (فالواقع أن هؤلاء الأشراف في إنجلترة مهما سمت مراكزهم وبلغت ثروتهم هم كغيرهم يعملون ويكدون، لا
стр. 7874
يأنفون الاشتغال بأي عمل أو مزاولة أية مهنة)
فهو قد نظر إلى تلك الطبقة من خير جهاتها، وتطلع عليها بعين الرضى والعجاب، ولا بعين الناقد المتحكم
ويقول في عرض حديثه عن الحمل الثقيل الذي تشكو منه حكومات الإنجليز المتعاقبة، وهو ما تبذله في ميزانيتها للعمال العاطلين: (ولئن كان هذا العبء الناشئ من تنفيذ هذه القوانين الاجتماعية في إنجلترة لا يزال ثقيلا، إذ يتراوح بين الخمسين والثمانين مليونا من الجنيهات سنويا، فإن إنجلترة في الوقت نفسه قد اشترت راحتها وطمأنينتها السياسية بهذا المبلغ الذي يتضاءل بجانب النتائج العظيمة التي جنتها من تنفيذ هذه القوانين)
وكأننا به قد تجاهل ما كان لأثر هذه التحيات المالية العظيمة في فداحة الضرائب، وإبهاظ كاهل الإنتاج، وعرقلة المصنوعات الإنجليزية، بطريق غير مباشر في ميدان المنافسة التجارية الدولية
وقد يطول بنا القول إذا التمسنا الأمثلة الدالة على هذه النظرة العاطفة في الكتاب حتى لتكاد تجعل القارئ ينسى أنه يقرأ كتاب رجل من أمة أجنبية يصف ما في إنجلترة بعين الناقد المستقل
ولئن كانت نظرة العطف هذه مالت بالمؤلف النابه إلى هذه الناحية الكريمة في التقدير، فإن نظرة رجل السياسي الدبلوماسي قد أثرت من جهة أخرى في تقدير المؤلف، حتى كاد في بعض الأوقات يصل من المقدمات إلى نتائج لا يبررها الاستنتاج. ولا يمكن أن يؤول هذا إلا بمجاملة الرجل الدبلوماسي الذي اعتاد أن يوحي إلى نفسه بما تصوره الظروف السياسية، فإذا هو ناطق عن هذا الإيحاء بغير أن يحس. يريد الرجل الدبلوماسي مثلا أن يقول أحيانا إن عمل من الأعمال يؤدي حتما إلى نشوب حرب بين دولته وبين الدولة التي هو ممثل لدولته فيها، فإذا به يقول إن ذلك العمل قد لا يكون مما يؤدي إلى زيادة حسن التفاهم بين الدولتين، وعلى هذا القياس كان للدكتور الكبير يصل من بعض مقدماته إلى بعض نتائجه. ولأضرب لذلك مثلا من الفصل الأخير الذي عقده على مصير الإمبراطورية الإنجليزية، فإنه ابتدأ بحثه بسؤال فقال: (أهي سائرة نحو التفكك والانحلال أم أنها ستستطيع المحافظة على وحدتها إلى أجل طويل؟) ثم ناقش السؤال مناقشة لا يشك القراء
стр. 7875
منها أنه واصل إلى نتيجة أن تلك الإمبراطورية محتوم عليها أن تتصدع، أو على الأقل أن ينصدع عنها نصفها عند أول حرب جديدة، ولكن القارئ يعجب إذا هو بلغ النتيجة فإذا بها: (من كل ما تقدم يمكن القول بأن لا محال للتشاؤم نحو مستقبل الإمبراطورية البريطانية). ثم استثنى من ذلك أيرلندة وحدها وقال عنها: (إنها سحابة تعكر هذا الجو)
ولا شك في أن الرجل الدبلوماسي هو المسئول عن مثل تلك المجاملة. لقد يكون من المستحسن أحيانا أن نجامل، ولكن المؤلف إذا تعرض لكلمة عامة كان واجبا عليه أن يسير مع المنطق، ومع المنطق وحده، والكلمة التي يقولها مثل الدكتور الكبير لها من الأهمية والوقع ما لا يكون لرجل دونه في المكانة أو أقل منه علما بما يقول
وفي الكتاب فوق كل ذلك نقد ثالث على وجه عام. فإننا إذا قرأنا عن الإنجليز لا يمكن أننا نقرأ عن قوم بيننا وبينهم مسألة قومية، وإذا كان المعنى في ذهن القارئ فإنه بغير شك يعجب أشد العجب إذا هو قرأ كتاب الدكتور الفاضل. إذا يخيل إليه إنه على تقدير إنما يقرأ كتابا لرجل من بلاد غير مصر عن قوم هو معجب بهم إعجاباً خاصاً
على هذا المأخذ الذي أخذناه على نظرة المؤلف لا ينبغي أن يعد مفسدا للكتاب أو منقصا من قدره نقصا فادحا، فإن البحث الذي ساقه المؤلف من دون هذه النظرة العاطفة المجاملة بحث جدير بكل إكبار. ففيه وصف للحياة الدستورية وأساليب الحكم في بلاد الإنجليز قلما يجد قارئ مثله في كتاب واحد؛ وفيه باب في تكوين الرأي العام يمكن أن يعد بحثا خاصا لصاحب رأي مجتهد مستقل؛ وفيه بحث في المسائل المالية استعرض فيه المؤلف الموقف العملي، ودس فيه نظريات المالية والاقتصاد زبدا وافية مع القصد والجمع للأطراف؛ وكان المؤلف موفقا كل التوفيق في بحثه الخاص بالتعليم في بريطانيا، فقد وصفه وصفا دقيقا يدل على نظره الفاحص وعقله الثاقب. فإذا نحن نقدنا لون التفكير ونغمته، فلا يسعنا إلا شكر المؤلف الكبير على بحثه فيما دون ذلك، وعلى هديته من المعلومات الثمينة التي زفها إلى قراء العربية
م. ف. ا
стр. 7876
العدد ٩٥ - بتاريخ: ٢٩ - ٠٤ - ١٩٣٥
стр. 7877
أعياد الحياة والحرية
تخرج الرسالة اليوم إلى الناس في (شم النسيم)؛ وشم النسيم في مصر عيد اكتمال الربيع، يخرج الناس من دورهم فيه إلى الطبيعة السافرة المجلوة، في العراء الكاسي بأفنان الزهر، وفي الهواء الناسم بأنفاس الرياحين، يشهدون افتضاح سر الحياة في الأرض، وانفتاح باب الجنة على الروض، وانتشار جمال الله في الكون، وافترار الدهر العابس عن بسمات البشر تفيض في العيون والصدور، وتشرق على الحقول والدور، وتهيؤ القرب بين الله والإنسان والطبيعة
لشد ما تفعل بالنفوس مشاهد الحياة وذكرى الحرية! في هذا اليوم
يحتفل المصريون في (شم النسيم) بعودة الروح إلى الدنيا، وهبة
الطبيعة من مرقد الموت؛ وبالأمس كان عيد الفصح المسيحي، احتفل
فيه نصارى الشرق، كما احتفل في مثله من قبله نصارى الغرب،
برجعة الناسوت وقيامة يسوع؛ ومنذ أيام كان عيد الفصح اليهودي،
احتفل فيه بنو إسرائيل بخروجهم من ظلم الفراعين، وعودة الحرية بهم
إلى أرض فلسطين! فلله هذا الفصل الجميل كيف يعود فيه الخلق،
ويرجع معه الشباب، وتحيا به الحرية، ويسبح منه الوجود في فيض
من الشعور القدسي يوقظ في الإنسان أنه حي، وفي الحي أنه حر، وفي
الحر أنه جميل، وفي الجميل أنه صالح، وفي الصالح أنه خليق
بملكوت الله وخلافة الأرض
تباركت يا مبدع الربيع، ومصور الجمال، ومعيد الخلق! هذا النبل يتنفس بالحياة ماؤه فما لأنفسنا تموت؟ وهذا الوادي يتفجر بالخصب ثراه فما لآمالنا تذوي؟ وهذا الربيع يرف بالحسن نسيمه فما لأخلاقنا تسوء وتقبح؟ ألسنا جزءاً من الطبيعة نتجدد كما تتجدد، وندور على قطب الحياة كما تدور، ونجري على سنن الكون كما تجري؟ إذن فلماذا يعود إبريل في كل عام فيرد إلى الشجر حلاه، والى البلبل أغاريده، وإلى العش زياطه، والى الحيوان
стр. 7878
نشاطه، وإلى العالم كله بهاءه ورونقه. ونلقاه نحن في كل موعد إبان وروده، فلا نجد عنده وا أسفاه ريشة لجناح، ولا نفحة لأمل، ولا جدة لدارس
هكذا قضى الله أن يكون الربيع مستأنف القوة والفتوة والرجاء لكل حي، ومسترجع الذكر الممصة، والأطياف الحزينة لابن آدم! فهذه الشجرة التي تراها فينانة الأفرع ريا الأماليد طالما ورف ظلها السجسج في هذا الأوان على صبي ناعم وهوى وليد! كانت عشاً لطائرين بسط الشباب لهما في الجناح، وفسح الحب لهما في الجو، فيطيران ما شاء الهوى أن يطيرا، ثم يأويان إليها، ويغردان عليها، حتى تقوض العش ونسل الجناح ويبست الحنجرة! وها هي ذي الشجرة عراها الخريف عشرين مرة، وكساها الربيع عشرين مرة، ولكن ذاوي الشبيبة لن ينضر، وماضي الحبيبة لن يعود!!
وهذا المرج الذي تراه موشي البرود منضور الجنبات، كان في عام من الأعوام مسرحاً لمشهد من مشاهد الصبابة! انتظمت به عقود الحب، وأنثرت فيه حبات القلب، وتبددت عليه خطوات السعادة.
ثم تصوح المرج وعاد فاخضوضر وأزهر، ولكن مضاجع الهوى لن تمهد، وذواهب الخطى لن تؤوب!!
وهذا الجدول الرقراق الذي تسمع هسيسه فوق الحصى وتحت الصفصاف، كان في ربيع من الأربعة مرآة لوجهين حبيبين قرءا سراريهما في صفائه، ومزجا حديثيهما بخرير مائه، ثم جف مجراه وما لبث أن فاض، وانقطع حديثه ثم عاد فاستفاض، ولكن الوجهين لن يعود بينهما لقاء، والحديثين لن يكون لانتهائهما ابتداء!
وهكذا يجد الإنسان وحده في كل منظر من مناظر الأرض، ومظهر من مظاهر الربيع، أثراً بعد عين، ودواراً بعد نشوة، وبلي بعد جدة، وذكرى بعد أمل!!
على أن للربيع يداً على النهضة المصرية لا تكفرها له القلوب ما تجدد على الدهر عيده: تلك هي رجعة الروح فيه إلى حياتنا الاقتصادية، وما هذه الروح الراجعة إلا بنك مصر، بثها الله في نفحات الحلد من أوائل مايو، فنضرت من حياتنا ما ذوى، وأقامت من بنائنا ما هوى، واتحدت بطبيعة الزمن الموزون، وحركة الفلك المنتظم، فهي تتقدم ولا تتأخر، وتجري ولا تتعثر، وتطلب الغاية ولا تحيد
стр. 7879
لذلك يعود الربيع كل عام فيفتح للناس هوة الماضي، ويفتح لبنك مصر وحده باب المستقبل، فينمو نمو النبات بركة على بركة، ويتضاعف تضاعف الحياة شركة بعد شركة، ويجذب الوجود المصري معه إلى السبيل التي يأمن فيها الفناء ويخرج منها إلى العافية!
بعد ثمانية أيام يحتفل المصريون بمرور خمسة عشر ربيعاً على مولده؛ وسيكون هذا الاحتفال المرتقب حجة لمصر أو حجة عليها! فإذا أجمعت على أن يكون احتفالها بعيده احتفالاً بنهضتها به وحياتها فيه، دلت الناس على جدارتها بفضله، وعرفانها بجميل أهله، واطرادها مع الكفاية والجد في سبيله، وإلا كان احتفالها بهذا العيد العظيم كاحتفالها اليوم بشم النسيم. تحتفل فيه بالفسيخ والعرق والعهر، ثم لا تعبأ بجمال الطبيعة في جنة ولا نهر!
أحمد حسن الزيات
стр. 7880
الانتحار
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
حدث المسيب بن رافع الكوفي قال: بينا أنا يوماً في مسجد الكوفة، ومعي سعيد بن عثمان، ومجاهد، وداود الأزدي، وجماعة - أقبل فتى فجلس قريباً منا، وكان تلقاء وجهي؛ لا أمد نظري إلا انطلق في سمته ووقف عليه؛ وكنا نتحدث، فرأيته يتسمع إلى حديثنا؛ فلما تكلم سعيد، وكان خافت الصوت من علة به، وكنا نسميه الملة الصخابة - رأيت الفتى يتزحف قليلاً قليلا حتى صار بحيث يقع في سماعه حسيس نملتنا
وكان سعيد يقول: اجتزت أنا والشعبي أمس بعمران الخياط، فمازحه الشيخ فقال له: عندنا حب مكسور، تخيطه؟ قال: نعم، إن كان عندك خيط من ريح! فقلت أنا: فاذهب فجئنا بالمغزل الذي يغزل الهواء لنصنع لك الخيط
قال مجاهد: هذا ليس بشيء في تنادر شيخنا وما يتفق له؛ أخبرني إن رجلاً جاءه في مسألة، فدخل عليه البيت وهو جالس مع امرأته؛ فقال الرجل: أيكما الشعبي. . .؟ فأومأ الشيخ إلى امرأته وقال: هذه. . .!
قال المسيب: وضحكنا جميعاً، وأخذ نظري الغلام فإذا هو ناكس حزناً وهماً، وكأنه لا يتسمع إلينا ليسمع، بل ليشغل نفسه عن شيء فيها، فتتوزع خواطره، فيتبدد اجتماعها على همه، بصوت من هنا وصوت من هنا، كما يفعل المحزون في مغالبة الحزن ومدافعته، يشغل عنه بصره وقلبه وسمعه جميعاً، فيكون الحزن فيه وكأنه بعيد منه
فقلت في نفسي: أمر أمات الضحك في هذا الفتى وكسر حدته وشبابه. ثم تحولت إليه وقلت: رأيتك يا بني مقبلاً علينا كالمنصرف عنا؛ فما بالك لم تضحك وقد ضحكنا جميعاً؟
قال: إليك عني يا هذا. فأين مني الضحك وأنا على شفير القبر، وروح التراب مليء عيني في كل ما أرى. وكان حفرتي ابتلعت الدنيا التي أنا فيها لتأخذني فيها، وأنا الساعة ميت حي؛ رجل في الدنيا ورجل في الآخرة!
قلت: فأعلمني ما بك يا بني؛ فلقد احتسبت ولداً لي كان في مثل سنك وشبابك ولم ارزق غيره، فقلبي بعده مريض به، يتوسمه مفرقاً في لداته متوهماً أن وجوههم تجمعه بملامحه؛ فأنا من ذلك أحبهم جميعاً وأطيل النظر إليهم والتأمل في وجوههم، ولست أرى أحداً منهم
следующие страницы →