Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.
стр. 7806
لا يجمع الطفل على نفسه همين في وقت معا، بل يحصر نفسه في الهم الواحد ليخرج منه أقوى وأسرع ما استطاع. ولكن أين من يقدر على هذا إلا الطفل في همومه الصغيرة؟
رؤية الكبار شجعانا هي وحدها التي تخرج الصغار شجعانا. ولا طريقة غير هذه في تربية شجاعة الأمة
يقول أهل السياسة أحيانا في الاعتذار إلى الضعفاء المساكين: أيها العقلاء! إن هذا لا يمكن أن يحدث
والمعنى السياسي: أيها البله! إنه لا يمكن أن يحدث إلا هذا. . .
إذا دام ما أرى من حماقة الشرقيين الناقلين عن أوربا؛ فستنقل أوربا يوما عن الشرقيين متى احتاجت إلى مخازيها في شكل همجي. . .
أبلغ ما في السياسة والحب معا: أن تقال الكلمة وفي معناها الكلمة التي لا تقال. . .
الحرب تصحيح لخطأ وقع في السلم أو لما يزعمه القوي خطأ وقع. فلن تنتفي هذه الحرب من الدنيا إلا يوم تربى الذئاب تربية خروفيه. . .
دارها في الزينة والمرح كأنما هي متزوجة أيضا
طبيعة المرأة بفنها منزلية حجابية. والدليل على ذلك وضع امرأة جميلة تعمل في مصنع فيه رجال. فطبيعتها بفنها لا تجعلها حينئذ إلا بين أثنين: إما تطرد من بينهم، وإما أن تكون بينهم كالزوجة. . .
يمثل النساء الغاليات في المطالبة بحقوق المرأة فصلا من رواية العاطفة في شكل من الحق؛ يردن المطاردة والسلام. . .
كن الرجل في معانيه القوية فلن تجد المرأة معك إلا في أقوى معانيها
وددت والله لو أمكن أن يجتمع المطالبات بحقوق المرأة على زعيمة واحدة يخترنها من نساء العالم كله؛ فلن تكون هذه الواحدة إلا المرأة التي يستحيل أن يتزوجها رجل في العالم. . . . . .
قضت الطبيعة قضاءها: أن سعادة المرأة في أن تكون هي سعادة لغيرها؛ فنساء المعامل والحوانيت هن. . . هن والله الشريدات المتصعلكات
أنا مستيقن أن العلم سينتهي إلى إثبات هذه القضية: إن المرأة مريضة بأنها أنثى
стр. 7807
الخطأ والمرأة: كلاهما أكبر همه أن يظهر ويغلب. . .
طلب الخليفة المنصور إماما زاهداً عظيما ليوليه القضاء. فلما دخل الإمام قال للمنصور: كيف حالك، وكيف عيالك، وكيف حميرك. . . فقال أخرجوه فإنه مجنون
كذلك يضطر الرجل العظيم أن يخرج أحيانا على عقل سواه ليخرج بعقله هو
الفيلسوف الحق هو الذي ينتهي من نفسه إلى موضع عقلي يكون فيه مع الحياة كما يكون القاضي موضعه العقلي مع الحوادث: تأتيه ليحكم لا تحكم عليه
قلة الرغبات هي قلة الهموم
استطراد
عندما انتهيت إلى هذا الموضع من تصنيف هذه الكلمات، ألقي إلى كتاب ورد من مدينة (حمص) يذكر فيه صاحبه ضيقا وشدة ويسأل: (ما هو علاج الملل النفساني واليأس الدنيوي، عن لم يكن الموت، عن لم يكن الانتحار؟)
ثم يرجو أن يتولاه أول عدد ينتهي إليه من (الرسالة) كيلا يبغي على نفسه؛ وهاأنذا أعجل له كلمات تأتي على أثرها إن شاء الله في العدد التالي مقالة الانتحار
كان عمر بن الخطاب - وفي يده الدنيا - يشتهي الشهوة من الطعام ثمنها درهم، فيؤخرها سنة. يثبت لنفسه بذلك أنها نفس عمر
ليس الذي ينتحر هو صاحب النفس العاملة بإيمانه؛ فإن هذا تنتحر شهواته، ومطامعه، وخسائسه
الانتحار كفر صريح يذهب بالدنيا والآخرة؛ فاليائس وهو يفكر أن ينتحر إنما يقول لله بلغة فكره: إنك عاجز
أنت عجزت أيها الإنسان فأيقنت أنك لا تستطيع أن تغير أطوار الدنيا؛ ولكن كي نسيت الذي يستطيع أن يغيرها وهو يغيرها كل طرفة عين؟
لا يمكن أن ترضيك الدنيا كلما أحببت ولا بكل ما تحب، فلست أنت العاصمة في مملكة الله؛ ولكن الممكن أن ترضى أنت بما يمكن
لقد عجزت أن تنال شيئا به درجة؛ أفعجزت أن تستغني عنه فتنزل درجة؟
في الأرض ناس على أطباق بين الملك إلى الزبال. أفيجتمع الزبالون جميعا فيمجزرٍ
стр. 7808
لينتحروا إذ لم يكونوا ملوكا؟
ليست الدنيا بما فيها هي التي ترفعك عند نفسك أو تخفضك؛ بل فكرك بما يكون هو يخفضك أو يرفعك. ومن الذي يملأ فكرك غيرك؟
سر سعادة المؤمن على ما يجد من الفقر والشقاء في هذه الحياة؛ أن في ضميره من فكرة الآخرة وجودا إلهيا عظيما فيه الرضى الدائم عن الله، والصبر الدائم على قضاء الله، والأمل الدائم في رحمة الله. فكل حرمان الدنيا يذهب في الرضى فلا حرمان، وكل مصائبها تقع في الصبر فتتحول معانيه، والأمل الدائم في رحمة الله قوة للقوتين
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 7809
ربيع الغوطة
للأمير مصطفى الشهابي عضو المجمع العلمي ومدير أملاك الدولة
بدمشق
جلست في الدار في سفح (قاسيون) أجيل الطرف في أرجاء الغوطة الفيحاء، وقد ازينت للربيع وتبرجت وتجلت فتنة للناظرين. وجرت مياه بردى ومشتقاته صخابة جرافة، قد بجسها شتاء هذه السنة الممطار، بعد أن لبثت ثلاث سنين لاصقة من الجفاف بأرض النهر، وهي تتنغص وتتمور كأنها ترتقب من يدفعها إلى جنان الغوطة دفعا؛ ودبت الحياة في الأشجار الغبياء، فأرسلت عساليجها تتنشق أنفاس الربيع العليلة، وأطالت غماليجها تستقبل أشعة الشمس المنعشة، ونشرت أوراقها تهيئ للدوح وسائل الحياة وغضارة العيش
وبشر اللوز بإقبال الربيع فنور. وأعقبه المشمش فاشتعل زهرا وتضوع عطرا، وملأ جو الغوطة بهجة وإشراقا. وغار التفاح والكمثري والخوخ فعمدن إلى الازهرار، وتلألأن بالنوار، وسكر الصفصاف المستحي فدلى أغصانه وتمايل، وانتصب الحور فصعر خده وتثاقل، وعربد الجوز الدواح فنثر هريراته ذات اليمين وذات الشمال، وترزن السرو الجبار المتشائم وصاح قائلا كلنا للزوال. وابتسم الزيتون بأوراقه الخضر الحانئة، وقد نثرت أرومته السنون، وكسر فروعه الدهر الطحون. أما الرمان فلبث عاري الجسد ينتظر الدفء، فما ازدهى بنوره، ولا أشعل الجو بناره
وجن جنون النباتات البرية، فنبتت بين الزروع وعلى ضفاف الجداول وفي كل أرض سبخة أو بائرة، فالخردل هجم على الحنطة فكساها من زهره حللا صفرا، والنرجس نجم في مياه المناقع ونثر فوقها دررا وتبرا، وبدت شقائق النعمان بألوانها الزاهية، وتجلى الخشخاش بحمرته القانية، وتضوع البابونج والأقحوان، واستسرا تحت جنبه الآس والرمان
وشاركت الطير النبات فهبت تغرد بشتى الألحان، وتتراقص في كل مكان. فمن سمانيات تغلغلن بين الزروع خشية الصيادين، وشحارير سود الجلابيب إن طارت هتفت، وإن استقرت صدحت، وسنونوات لا يبرحن في السماء مدومات، أو على البعوض هاويات، وأنواع العصافير، في زقزقة وصفير، كأنها تشكر الباعث الغيث آلاء المطر، وكأنها تدعوا الإنسان إلى الأخضرين، لينعم بهما قرير العين
стр. 7810
جلست في الدار أدير الطرف بجنان الغوطة وقراها، فبدت عن يميني رياض (النيربين)، فذكرني بأبيات وجيه الدولة ابن حمدان:
سقى الله أرض الغوطتين وأهلها … فلي بجنوب الغوطتين شجون
فما ذكرتها النفس إلا استخفى … إلى بر ماء الَّنْبرَ بَيَن حنين
وقد كان شكى للفراق يروعني … فكيف يكون اليوم وهو يقين؟
وبدت جنوبها بساتين داريا فقلت مع الصنوبري:
ونعم الدارُ دارَيَّا ففيها … صفا لي العيش صار أرَيا
ولي في باب جيرون ظباء … أعاطيها الهوى ظبياً فظبيا
والتفت إلى دمشق فإذا بها غرقى في خضم أخضر كأنها ياقوتة في نثير من الزمرد، وبرز الجامع الأموي عظيما جبارا بمآذنه الشاهقة العالية التي قال فيها نابغة بني شيبان من قصيدة غراء وصف بها ذلك الجامع الكبير:
وقبة لا تكاد الطير تبلغها … أعلى محاريبها بالساج مسقوف
لها مصابيح فيها الزيت من ذهب … يضيء من نورها البنان والسِّيف
قلت رحم الله نابغة بني شيبان! فلو عاش في أيامنا هذه لا في أيام بني أمية لقال:
لها مصابيح فيها الكهربا سطعت … يضيء من نورها لبنان والسيف
ورق النسيم وراق الجو، فتذكرت قول القائل:
يا نسيما هبَّ مسكاً عبقاً … هذه أنفاس ريَّا جِلَّفا
لكنني ما كدت أنشق هذه الأنفاس العطرات وأغرق في بحر من التأملات حتى فتح الخادم مذياع مصر فأسمعني ألحانا شجية حملتها أنفاس القاهرة الكهربائية، فذكرت شتاء مدينة المعز وعهدي به قريب، ورددت قصيدة لي ودعت بها تلك المدينة الساحرة، منها الأبيات الآتية في نسمات النيل:
أوَّاه يا نسمات النيل ساجيةً … كم ضمك الصدرَ شهَّاقاً وزفّاراً
وكم تعطرت بِالريحان وامتزجتْ … رّياك بالروض أفناناً وأزهاراً
ما إن نشقتك حتى خلتُ منتعشاً … ماء الحياة جرى في جسم أنهاراً
وخفق القلب لشتاء مصر ولربيع دمشق معا، فكلاهما ساحر جذاب، وكلاهما مجتلي
стр. 7811
ذكريات عذاب، وفي البلدين رفاق وصحاب، وأهل وأحباب، وفيهما للثقافة العربية أفسح رحاب
دمشق
مصطفى الشهابي
стр. 7812
عصر الخفاء في مصر الإسلامية
الحاكم بأمر الله
- ٣ -
للأستاذ محمد عبد الله عنان
كان الحاكم بأمر الله صبيا في نحو السادسة عشرة حينما بدأ يضطلع بمهام الدولة على هذا النحو؛ بيد أن هذا الفتى القوي النفس، كان حاكما حقيقيا يقبض على السلطة بيديه القويتين؛ ويشرف بنفسه على مصاير هذه الدولة العظيمة، ويبدي في تدبير شئونها مدهشا، فيباشر الأمور في معظم الأحيان بنفسه، ويتولى النظر والتدبير مع وزرائه؛ وهكذا كان الأمير اليافع يؤثر العمل المضني على مجالي اللهو واللعب التي يغمر تيارها من كان في سنه، وفي مركزه وظروفه؛ وقد لزم الحاكم هذا النشاط المضني طوال حياته. وكان الحاكم ذا بنية قوية متينة؛ وكان منذ حداثته يتمتع بمظهر الجبابرة: مبسوط الجسم، مهيب الطلعة، له عينان كبيرتان سوداوان تمازجهما زرقة، ونظرات حادة مروعة كنظرات الأسد لا يستطيع الإنسان صبرا عليها؛ وله صوت قوي مرعب يحمل الروع إلى سامعيه؛ وقد كان في الواقع سليل نسل من الجبابرة الصحراويين الأقوياء، الذين يذهبون في زهرة العمر والقوة؛ وكان أبوه العزيز بالأخص عظيم القامة عريض المنكبين قوي التكوين، فورث عنه ولده هذه الخواص الطبيعية البديعة، ولم يبددها في شهوات النفس التي ينغمس فيها أبناء القصور
وهنا يبدأ عصر الحاكم بأمر الله حقا، وهو أغرب عصر في تاريخ مصر الإسلامية، وربما كان أغرب عصر في تاريخ الإسلام كله؛ عصر يمازجه الخفاء والروع، وتطبعه ألوان من الإغراق والتناقض مدهشة مثيرة معا؛ ولكن هذه الألوان الخفية المغرقة، وهذه النواحي المتباينة هي التي تسبغ على العصر أهميته وطرافته، وهي التي تحيط شخصية الحاكم بحجب كثيفة من الظلمات يعب اختراقها. ويحسن قبل أن نعرض إلى درس هذه الشخصية العجيبة وقبل أن نحاول استجلاء غوامضها، واستقراء حقيقتها، أن نستعرض أولا أعمال الحاكم وتصرفاته، وحوادث العصر وظروفه؛ ثم نحاول على ضوئها أن نتفهم روح
стр. 7813
العصر، ونفسية تلك الشخصية الفريدة التي أفاضت عليه من خفائها وروعتها، وملأته بنشاطها ونزعاتها وأهوائها، وتبوأت فيه المقام الأسمى
- ٥ -
تقدم الرواية الإسلامية إلينا الحاكم في صور مروعة مثيرة؛ فتقدمه إلينا أولا في صورة جبار منتقم، وسفاك لا يخبو ظمؤه إلى الدماء؛ ثم تقدمه إلينا في صورة طاغية مضطرم الأهواء والنزعات، متناقض الرأي والتصرفات، لا تكاد تلمس لأعماله باعثا أو حكمة؛ شرسا جموحان ميالا إلى الشر، خؤونا وافر الغدر، لا يستقر على ثقة أو صداقة؛ وتقدمه إلينا على العموم في ثوب شخصية بغيضة خطرة، فاقدة الرشاد والتعقل، يغلب عليها الجانب الأسود، ولكنها مع ذلك لا تنكر عليه بعض نواحي الخير والخلال الحسنة، فتصفه لنا بالجود والتقشف والزهد في كثير من متاع الحياة الدنيا
(كانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام وانتقام من العلماء، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء؛ وكان الغالب عليه الصلاح، وربما بخل بما لم يبخل به أحد قط). (وكان جوادا، سمحا، خبيثا ماكرا، رديء الاعتقاد، سفاكا للدماء، قتل عددا كبيرا من كبراء دولته صبرا؛ وكان عجيب السيرة يخترع كل وقت أمورا وأحكاما يحمل الرعية عليها). (وكان حاله مضطربا في الجور والعدل، والإخافة والأمن، والنسك والبداعة). في هذه الصور وأمثالها تقدم الرواية الإسلامية إلينا الحاكم؛ ولا ريب أن في حياة الحاكم وفي أعماله وتصرفاته ما يبرر كثيرا من هذه الأوصاف المثيرة؛ غير أنها ليست كل شيء في هذه الحياة العجيبة الغامضة؛ ومن الخطأ أن نقف عندها في تصوير الحاكم والحكم عليه، ومن الواجب أن نتقصى في حياة الحاكم جوانب أخرى، وأن نحاول تفهم شخصيته ونفسيته على أضواء أخرى
افتتح الحاكم عهد حكمه بقتل برجوان وصيه ومدبر دولته؛ وكان للجريمة باعث سياسي قوي؛ فلم تك يومئذ دليلا على حبه للسفك أو ظمئه إلى الدم، غير أن الحاكم ما لبث أن أتبع ضربته بضربة دموية أخرى هي مقتل ابن عمار زعيم كتامة وأمين الدولة السابق؛ وكان الحاكم قد حماه من برجوان وأطلق له رسومه وجراياته، وأذن له بالركوب إلى القصر؛ ففي ذات مساء، حين انصرافه من القصرن انقض عليه جماعة من الغلمان الترك كانت قد
стр. 7814
هيئت للفتك به، فقتلوه وحملوا رأسه إلى الحاكم (شوال سنة ٣٩٠) ولم تكن للجريمة بواعث ظاهرة، ولكنا نستطيع أن نعللها برغبة الحاكم في سحق الزعماء ذوي البأس والعصبية، وهي رغبة يدلل عليها كما سنرى في مواطن كثيرة؛ وكانت كتامة أقوى القبائل المغربية كما قدمنا، وكان ابن عمار أقوى زعماء الدولة. ولكن سنرى من جهة أخرى أن الحاكم يسرف في القتل، فيقتل وزراءه وغلمانه تباعا، دون حكمة ظاهرة إلى ما كان من نزعة مؤقتة أو سخط فجائي
وفي سنة ٣٩٣هـ قتل الحكم وزيره فهد بن إبراهيم بعد أن قضى في منصبه زهاء ستة أعوام، وأقام مكانه علي بن عمر العداس، ولكن لم تمض أشهر قلائل حتى سخط عليه وقتله، وقتل معه الخادم زيدان الصقلي حامل المظلة، ثم قتل عددا كبيرا من الغلمان والخاصة (سنة ٣٩٤)، ثم تبع ذلك بمقتلة أخرى كان من ضحاياها الحسين بن النعمان الذي شغل منصب القضاء منذ سنة ٨٩، وعدد كبير من الخاصة والعامة، قتلوا أو أحرقوا؛ وقتل جماعة من الأعيان صبرا؛ ولم يك ريب في أن هذه المذابح المتوالية كانت عنوان نزعة خطيرة إلى البطش والفتك واحتقار الحياة البشرية؛ وكان أشد الناس تعرضا لهذه النزعات الخطرة، أقرب الناس إلى الحاكم من الوزراء والكتاب والغلمان والخاصة، ولم يك الكافة أيضا بمنجاة منها، فكثيرا ما عرضوا للقتل الذريع لأقل الريب والذنوب، أو لاتهامهم بمخالفة المراسيم والأحكام الغربية الصارمة التي توالى صدورها في تلك الفترة. وكان رجال الدولة ورجال القصر وسائر العمال والمتصرفين يرتجفون رعبا وروعا أمام هذه الفورات الدموية؛ وكان المجتمع القاهري، ولا سيما التجار وأرباب المصالح والمعاملات يشاطرونهم ذلك الروع؛ ويروي لنا المسبحي صديق الحاكم ومؤرخه فيما بعد، أن الحاكم أمر في سنة ٣٩٥ بعمل شولة كبيرة مما يلي الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفا، فارتاع الناس وظن كل من له صلة بخدمة الحاكم من رجال القصر أو الدواوين أنها أعدت لإعدامهم، وسرت في ذلك إشاعات مخيفة، فاجتمع سائر الكتاب وأصحاب الدواوين والمتصرفين من المسلمين والنصارى في أحد ميادين القاهرة، ولم يزالوا يقبلون الأرض حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يضجون ويتضرعون، ويسألون العفو عنهم؛ ثم دخلوا القصر، ورفعوا إلى أمير المؤمنين عن يد قائد القواد الحسين بن جوهر رقعة
стр. 7815
يلتمسون فيها العفو والأمان فأجابهم الحاكم على لسان الحسين إلى ما طلبوا؛ وأمروا بالانصراف والبكور لتلقي سجل العفو. واشتد الذعر بالغلمان والخاصة على اختلاف طوائفهم، فضجوا واستغاثوا وطلبوا العفو والأمان فأجيبوا إلى ما طلبوا؛ وتبعهم في الاستغاثة التجار وأرباب المهن والحرف؛ وتوالى صدور الأمانات لمختلف الطوائف؛ وقد أورد لنا المسبحي صورة أحد هذه الأمانات ونصها: (هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين لأهل مسجد عبد الله: إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحق المبين، وأمان جدنا محمد خاتم النبيين، وأبينا على خير الوصيين، وآبائنا الذرية النبوية المهديين صلى الله على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين؛ وأمان أمير المؤمنين على النفس والحال والدم والمال، لا خوف عليكم ولا تمد يد بسوء إليكم، إلا في حد يقام بواجبه، وحق يؤخذ بمستوجبه فيوثق بذلك، وليعول عليه إن شاء الله تعالى؛ وكتب في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلثمائة. . . الخ)
وهكذا هبت على المجتمع القاهري ريح من الرهبة والخشوع، وأصبح اسم هذا الخليفة الفتى الذي لم يجاوز يومئذ العشرين من عمره، وأصبحت نزعاته وتصرفاته مثار الرعب والروع. ولم يك ثمة ريب في أن القتل كان في نظر الحاكم خطة مقررة، ولم يكن فورة أهواء فقط؛ وقد لزم الحاكم هذه الخطة الدموية طول حياته؛ ووقعت في الأعوام التالية حوادث ومناظر من القتل الذريع لا نهاية لها، وكانت تقترن أحيانا بضروب مروعة من القسوة، وقلما كان يغادر وزير أو كبير من كبراء الدولة إلا مسفوك الدم، وفي الأحوال النادرة التي كان ينجو المعزول فيها بحياته، كانت تلازمه نقمة الحاكم حتى يهلك. ففي شعبان سنة ٣٩٨هـ عزل قائد القواد الحسين بن جوهر، وعين مكانه صالح بن علي الروذبادي ولقب بثقة ثقات السيف والقلم؛ وبعد أسابيع قلائل أمر الحاكم الحسين وصهره قاضي القضاة عبد العزيز ابن النعمان بلزوم دارهما؛ ثم أمر بالقبض عليهما، ففر الحسين وقبض على عبد العزيز؛ واضطربت القاهرة لمكانة الحسين، ثم عفا عنهما وأعيد عبد العزيز إلى منصبه، ولكنهما لم يطمئنا إلى هذا العفو المريب، ففرا بأسرتيهما، فأمر الحاكم بمصادرة أموالهما، وسير الخيل في طلبهما، وأنفذ إليهما كتب الأمان؛ فعادا إلى القاهرة بعد أن استوثقا من الخليفة بالأمان والعفو، واستمرا يركبان إلى القصر مدى حين؛ وفي ذات
стр. 7816
يوم استبقيا بالقصر (لأمر تريده الحضرة) ثم قتلا فجأة (١٢ جمادى الآخرة سنة ٤٠١، وصودرت أموالهما، وعاد الحاكم بعد ذلك فأمن أولاد القتيلين وخلع عليهم
وإليك طائفة أخرى من حوادث القتل والسفك التي أمعن فيها الحاكم: في سنة ٣٩٩، قبض الحاكم على جماعة كبيرة من الغلمان والكتاب والخدم الصقالبة بالقصر، وقطعت أيديهم من وسط الذراع ثم قتلوا، وقتل فضل بن صالح من أعظم قواد الجيش وفي العام التالي وقعت مقتلة أخرى بين الغلمان والخدم، وقتل جماعة من العلماء السنية؛ وقبض على صالح بن علي الروذبادي لأسابيع قلائل من عزله، وقتل؛ وعين مكانه ابن عبدون النصراني، ثم صرف وقتل لأشهر قلائل؛ وخلفه أحمد بن محمد القشوري في الوساطة والسفارة، ثم صرف لأيام قلائل من تعيينه وضربت عنقه (سنة ٤٠١). وللحاكم قصة دموية مروعة مع خادمه غين وكاتبه أبي القاسم الجرجرائي، وكان غين من الخدم الصقالبة الذين يؤثرهم الحاكم بعطفه وثقته، فعينه في سنة ٤٠٢ للشرطة والحسبة ولقبه بقائد القواد، وعهد إليه بتنفيذ المراسيم الدينية والاجتماعية، وعهد بالكتابة عنه إلى أبي القاسم الجرجرائي وكان الحاكم قد سخط على غين قبل ذلك ببضعة أعوام وأمر بقطع يده فصار أقطع اليد؛ ثم سخط عليه كرة أخرى وأمر بقطع يده الثانية وحملت إلى الحاكم في طبق، فبعث إليه الأطباء للعناية به ووصله بمال وتحف كثيرة؛ ولكن لم تمض أيام قلائل على ذلك حتى أمر بقطع لسانه، فقطع وحمل إلى الحاكم أيضا، ومات غين من جراحه (جمادى الأولى ٤٠٤). وأما أبو القاسم الجرجرائي فقد أمر الحاكم بقطع يديه لوشاية صدرت في حقه، ولكنه أبقى على حياته، وعاش أقطع اليدين
وفي سنة ٤٠٥هـ قتل الحاكم قاضي القضاة مالك بن سعيد الفاروقي، وقتل الوزير الحسين بن طاهر الوزان، وعبد الرحيم ابن أبي السيد الكاتب، وأخاه الحسين متولي الوساطة والسفارة؛ وقلد فضل بن جعفر بن الفرات، ثم قتله لأيام قلائل من تعيينه. وهكذا استمر في الفتك بالزعماء ورجال الدولة والكتاب والعلماء حتى أباد معظهم؛ هذا عدا من قتل من الكافة، خلال هذه الأعوام الرهيبة، وهم ألوف عديدة.
(للبحث بقية)
محمد عبد الله عنان المحامي
стр. 7817
روح المدرسة الإنجليزي
الحديثة
للأستاذ محمد عطية الأبراشي
المفتش بوزارة المعارف
إن الزائر الغريب لمدرسة إنجليزية حديثه لأول مرة يلاحظ على الأطفال شيئين:
أولا: النشاط والاستعداد للعمل
ثانيا: السعادة
فالتلاميذ مملوءون نشاطا، وحياتهم كلها بهجة وهناءة؛ وجوه ضاحكة مستبشرة، تملأ المدرسة بشرا وسرورا؛ والجو المدرسي كله حياة ويقظة وانتباه، وحب للعمل واستعداد لأداء الواجب، يتمثل فيه روح الوفاء والإخلاص والعناية والدقة في العمل، والتعاون بين النظار والمدرسين والتلاميذ. هناك لا تجد تلاميذ يتظاهرون بالعمل وهم لا يعلمون، أو يصغون وهم يتثاءبون، لا ترى من يحل مسائل حسابية بطريقة آلية من غير ما تفكير، أو من ينقل قطعا إنشائية، أو كلمات إملائية لا يدرك لها معنى
هناك ينشغل الطفل بعقله ويده؛ فلا يكتفي بتعلم النظريات، بل يشتغل أيضا بكثير من الأعمال اليدوية، ويعطي مقدارا من الحرية في العمل، يعمل على حساب قواه العقلية، وله رأي خاص به. هناك يعتمد الطفل على نفسه في كل عمل مع الاستعانة بمدرسه وإرشاداته عند الحاجة. قد يحل المسألة خطأ، ولكن المهم أنه حاول أن يعمل، وعمل برغبة، وتركت له الفرصة في التفكير، وفي رسم الخطط وتدبير الوسائل
ولقد حدث، في إحدى المدارس الحديثة للبنات أن معلمة من المعلمات اضطرت إلى الذهاب إلى المستشفى يوما ما، فرأت رصيفة لها أن الواجب يقضي بمصاحبتها؛ وكانت ناظرة المدرسة على فراش المرض، ولسوء الحظ قد حدث لرابعتهن وهي في طريقها إلى المدرسة ما أوجب تأخرها نصف ساعة عن الميعاد؛ وعلى هذا بقيت المدرسة ولا ناظرة فيها ولا مدرسة. فلما دخلت الأخيرة المدرسة وجدت كل البنات في أمكنهن، يعلمن بنظام، فلقد نظر بعضهن في جدول أوقات الدروس، واخترن من التلميذات من يستطعن التعليم في
стр. 7818
السنين الأولى من المدرسة، وأخذت البقية تعمل بنفسها. فكان كل فصل يسير في عمله بنشاط كالعادة، ولم يحدث من إحداهن ونية أو تقصير في العمل، وكان النظام مستتبا. فمثل هذه الحادثة تبرهن على أن روح المدرسة الحديثة هي: روح التعاون، والاعتماد على النفس، وحب العمل، والفخر بالمدرسة، والإخلاص لها؛ وهذه الروح وتلك المبادئ وحدها تكفل نجاح أي مدرسة من المدارس، وتغني عن استعمال الثواب والعقاب، والمنافسة في المدرسة
فالتلاميذ بالمدرسة الإنجليزية مغتبطون بمدرستهم، يستنفذون جهدهم، ويبذلون كل ما في وسعهم في سبيل تقدمها. محال أن يتمنوا الرفعة على أكتاف غيرهم، يعمل الكل لمصلحة الكل وينسى نفسه. ومن أظهر مقدرة ومهارة في أمر ما فمكافأته أن يسمح له بمعاونة غيره من الضعفاء أحيانا
مثل من المدارس الريفية التي الابتدائية بإنجلترا
من المدارس التي رأيتها مدرسة ريفية ابتدائية داخلية تقبل التلاميذ بعد الانتهاء من قسم الأطفال. فيها يستيقظ التلاميذ مبكرين، فيرتب كل منهم سريره، وينظفون معا حجر النوم.
وبعد ارتداء الملابس يقوم بعضهم بمساعدة الطاهية في إعداد الطعام، أو في إعداد المائدة وتنظيمها. وبعد تناول طعام الإفطار يساعدون في تنظيف الآنية وتنشيفها
ومدة الدراسة النظرية في الصباح أربع ساعات. وبعد الظهر يشتغل التلاميذ بالزراعة في حديقة المدرسة، أو بالنجارة في حجرة النجارة التي يقوم بالتعليم فيها أحد النجارين وفي هذه المدرسة تظهر روح التعاون بأجلى معانيها: فمن التلاميذ من يقوم بإصلاح ما يحدث في بناء المدرسة من خلل، ومنهم من يكوى الملابس، ومنهم من يخيط ما تحتاج إليه من رتق، وهكذا
وتتصل بالمدرسة حديقة كبيرة، تبلغ مساحتها ثلاثة أفدنة، بها قسم لتربية الطيور والحيوانات الداجنة، ويتولى بعض التلاميذ إطعامها والعناية بها. ويقوم التلاميذ أنفسهم بزرع ما أمكن من أنواع الخضر والفواكه والأزهار في تلك الحديقة، وبهذه الوسيلة تستطيع المدرسة أن تستغني عن شراء كثير من المواد الغذائية وغيرها. وتجمع بين التعليم النظري والعملي أو الصناعي فتفتح كثيرا من السبل أمام كل تلميذ حتى تنتفع
стр. 7819
بميول، وتعرف ما يرغب فيه من الأعمال، فتوجهه حيث يحب، ويختار له من سبل الحياة ومن المهن والصناعات ما يتفق مع ميوله الطبيعية. فالمدرسة تعطيه الفرصة في أن يعرف شيئا عن النجارة، والزراعة، والحياكة، والكي، والبناء، والرسم، والتصوير، والموسيقى، بجانب المواد المدرسية الأخرى. وهذه هي التربية
ولا يسمح لأحد من التلاميذ بأكل شيء فواكه الحديقة في غير مواعيد الأكل. ومن يخالف ذلك يحرم هذه الفاكهة حتى ينتهي فصلها. وهذا عقاب طبيعي؛ لهذا لا يجرؤ أحد أن يقطف شيئا من الحديقة. ولكل تلميذ صوان خاص به، يضع فيه أدواته. وللناظر وحده الحق في الاطلاع على ما به
وبعد تناول الشاي يسمع التلاميذ اللاسلكي، أو يتعلم بعضهم العزف على المعزف (البيانو)، ويلعبون ألعابا رياضية ككرة المضرب
وفي يوم الأحد صباحا يذهبون إلى الكنيسة مع أستاذتهم، ثم يخرجون للرياضة في جهات خاصة. فأوقاتهم منظمة، موزعة بين العمل واللعب؛ يلعبون حيث يجب اللعب، ويعملون حيث يجب العمل. ويجتهد ناظر المدرسة في ألا يترك لأي تلميذ الفرصة في أن يفكر في أعمال شيطانية، فيدعه يشتغل بأي عمل من الأعمال، حتى لا يفكر في أي عثو أو إفساد في المدرسة
إن الشباب والفراغ والجِدَة … مفسدة للمرء أي مفسدة
وإن دروس مشاهدات الطبيعية، والجغرافيا، والتاريخ كثيرا ما تكون في الخارج على شاطئ نهر أو في الحديقة، أو زيارة لدار آثار، أو حصن، أو كنيسة قديمة. وفي كل أسبوع يختار بعض تلاميذ المدرسة لزيارة مدرسة أخرى، لتكثر تجاربهم ويروا أشياء ربما لم يروها قبل في مدارسهم. وبذلك تتبادل المدارس الزيارات في يوم من أيام الأسبوع
وكثيرا ما يقف ناظر المدرسة ليباشر التلاميذ وهم يشتغلون في حديقة المدرسة، ولا يعزب عنه شيء في مدرسته؛ فهو خبير بكل تلميذ، وبالظروف المحيطة به، وبنقط الضعف فيه، وبوسائل العلاج. فيمكنه أن يقول إن (جاك) قوى لأن أمه كثيرة العناية به. أما (جان) فضعيف لأنه لا يجد ما يكفيه من الغذاء، وهذا جيد في التاريخ، وذلك يحتاج إلى العناية بالحساب، وهكذا
стр. 7820
والمدرسون يعتبرون تلاميذهم أبناء يفكرون فيهم كما يفكرون في أبنائهم. ففي تلك المدرسة وفي معظم المدارس الإنجليزية تجد التلميذ محبا الألعاب الرياضية، كثير المعلومات، ناضج الرأي، مرتب الفكر، بعيد النظر، قوي الملاحظة، يستطيع التعبير عما في نفسه، يحب النظام، والدقة في العمل. يعرف معنى الطبيعة، ويقدر ما فيها من حياة وجمال، ويمكنه القيام بكثير من الأعمال؛ وهذه نتائج العناية بالطفل في المنزل والمدرسة والبيئة، نتيجة العناية بالتربية العملية لإعداد كل فرد للحياة الكاملة
محمد عطية الأبراشي
стр. 7821
محاضرة قيمة:
في الشعر. . .
للمسيو بول فاليري عضو المجمع الفرنسي
عرض وتلخيص للأستاذ محمد روحي فيصل
سيداتي وسادتي:
حديثنا الليلة إليكم في الشعر! والموضوع دائر كما تعلمون الآن في كثير من الصحف والمجالس، ولعل الغرابة أن ينال الشعر الاهتمام وتبذل للفن الجهود في زمن مادي أخذته الواقعية المحسوسة، وطغت عليه الوضعية العلمية، وسادت فيه الفكرة الاقتصادية!
للشعر في الإفهام معنيان: أولهما أنه مجموعة العواطف والانفعالات التي تهيجها في نفوسنا أحداث الزمن، ومجالي الطبيعة، ومعاني الوجود، وألوان الحياة، فنقول منظر شعري، وظرف شعري. وثانيهما أنه فن قائم وصناعة عجيبة، يتناول الأهواء المشبوبة بالتنسيق والتأليف والجلاء، ثم يبرزها لغة جميلة تطرب لها الأذن ويهتز منها القلب! وبين المعنيين صلة شديدة وتباين كتابين الرائحة التي تضوع من الزهر، والرائحة التي تضوع من الكيمياء
ومهما يكن من شيء فالناس لا يزالون في لبئس من المعنيين، وحيرة في الشعر والشعور؛ وكان من أثر هذا أن طائفة من الأحكام والنظريات والمؤلفات قد فسدت وغمضت لإطلاق الكلمة والواحدة على معنيين شتيتين وإن اتصلت أسبابهما اتصالا وثيقا!
فالشمس الغاربة، والغاية الوارفة، والقمر الناعم، والبحر العظيم - هذه وغيرها تبعث في الناس حين يستشرقون لها انفعالات وجدانية تختلف في الشدة والمدة والنقاوة والأثر؛ وقد تكون أزمة الهوى، وفاجعة الموت، ونازلة الفقر، أسبابا مباشرة لاضطراب نفسي عميق أو خفيف يلون الشعور، ويشتت المعاش، ويبدل المثل الأعلى! ولكن هذه العواطف الإنسانية المعروفة تغاير ما نسميه (العاطفة الشعرية) ولعل بيان أوجه التغاير والاختلاف لا يخلو من عنت ومشقة، لأنهما في الواقع متحدان اتحادا شديدا ما ينفصل أحدهما عن الآخر أو يبرز له ويسمو عليه، فالعاطفة الشعرية تتصل أبدا بالحب والألم والخوف والغضب، وما
стр. 7822
إلى هذا من مشاعر النفس وأهواء القلب
وإنما العاطفة الشعرية عندي إحساس قوي بحياة غربية، وشعور واضح بعالم جديد جرده المبين من نفسه لنفسه، ثم قوم أشياءه وأحداثه وأشخاصه بالميزان الذي له خاصة، وخلع على ما فيه قيما حديثه، قد تتفق وقد لا تتفق مع القيم المألوفة التي تواضع الناس عليها في حياتهم الدراجة! ولئن تشابهت أشياؤه بالأشياء، وتعارفت الأحياء بالأحياء، فلقد يشملها جميعا قانون النفس العام، وتصطبغ كلها بالشعور والإنساني، تتجاذب تلك الأشياء والأحداث والأشخاص وتتنادى وتطرد لغاية عملها في دقة ونظام؛ والأولى أن نقول إن الأشياء والأحداث والأشخاص تؤلف في العالم الجديد لحنا موسيقيا منسجما لا ضجة فيه ولا نشوز، يتملاه الشاعر ويستوحيه ويخضع له! دنيا رحبة هادئة جميلة هي ملك المبين لأنها من خلقه! ولعل هذا العالم الشعري يماثل من وجوه عديدة عالم الرؤى والأحلام
التي تضطرب في خيال المرء، وتطيف في رأسه الغافي. . .
ولقد أحب أن أشير هنا، وقد انحدرت (الأحلام) مع الحديث، إلى أن جماعة الإبتداعين (الرومانتك) وأدباء العصر الحاضر قد خلطوا بين الشعر والرؤيا ووحدوا معناها! نعم، قد تكون الرؤيا والأحلام صورا شعرية خالصة، ولكنها صورة بارزة مؤلفة من عمل المصادفة والإتقان؛ وما دامت كذلك فهي صور شعرية بالمصادفة والاتفاق
إن عالم الرؤى عالم غريب قد ملأ ساحته الشعور المبهم، وانفرط فيه عقد المنطق المحترم، وهب عليه إدراك غير إدراكنا، وتفكير غير تفكيرنا! فهو عالم مغلق تبرز الأشياء فيه على غير حقيقتها ولونها المعهود، وهي إنما بأهوائنا المكظومة ومثلنا المرجوة ورغائبنا الكامنة. والعاطفة الشعرية حالة نفسية كهذه الحال الطليقة تظهر على غير انتظام، وتعمل في غير استقرار، وتضمحل من غير إنذار! لقد تقوم في أنفسنا بالمصادفة وتخفتي عن أعيننا بالمصادفة! وعجيب - يا سادتي - أثر المصادفة العابثة في ظهورها وفنائها! (تصفيق)
- ٢ -
يكر الزمان مسرعا ولا يؤوب، وتتجدد الحياة مشرفة ولا تتشابه، وتزول الصور ماضية بدون أثر! والله القادر الحكيم إنما تفرد بالطي والنشر، والمحو والإبداع، ثم أودع في الحياة معنى الموت، وفي الجذوة قوة الركود، وفي الخلق سر الأعجاز!! ولكن الشاعر المبين لن
стр. 7823
يرضى عن اللحظة الحية التي تطوي إلا إذ، سجلها على القرطاس، وأمد في عمرها، وأثبتها على الدهر، كأنما يعارض انحدار الأشياء إلى صندوق العدم، أو يغالب عبث الليالي وتطور الوجود، فهو يقف بالذاهب الآفل وقفة طويلة ممنعة فيقيد خواطره، ويعلن أحاسيسه، ويحي حبه، ثم ينزع من الحياة قطعا يقذفها في إطار خالد جميل إلى العصور التي تليه، والأجيال التي تضطرب بعده على الأرض! كذلك استطاع أن يستمتع بالعاطفة الشعرية الطليقة وأن يستحضرها في نفسه كلما أراد كما تستحضر الرؤى بالتنويم؛ والفنون كلها تقلب العرض الزائل إلى حال دائم، والعمل الفني إنما هو الآلة الحسية لهذا التوليد العجيب والخلق الموفق؛ فالموسيقى والنحت والأدب والتصوير طرائق مختلفة للتمثيل والتعبير اقتضتها كثرة الحواس الظاهرة، واشتباك النفس الباطنة، وغموض المدينة الحاضرة. . . التمس الشاعر طائفة من السبل الملتوية لاستحضار العاطفة الشعرية، ورياضتها على الفن. ولعل أقدم السبل المشروعة، وأعمقها أثرا، وأشدها تركيبا هي اللغة! ولكن اللغة بطبيعتها المادية وسلطانها الواهي واستخدامها العملي أجهدت الشاعر أيما إجهاد، وهو الذي يقوم ويؤلف منها الجرس!
أرجو أن أظفر - أيها السادة - يعرض ما يكابد الشاعر من آلام، ويبذل من جهود، ويغالب من مصاعب
إن اللغة كما ذكرت أداة قديمة يخلص الناس إلى حاجات العيش ومطالب الجسد، فهي على هذا أداة سمجة خلقتها المصلحة، وشوهتها الظروف، وأخضعتها الشهوات! فقيم الكلمات، ومدلول الألفاظ، وقواعد التركيب، وفن الكتابة، ومخارج النطق إنما هي ألهية من الألاهي الطريفة نبعث بها على ما تقتضيه المآرب وترتضيه الأهواء. ولقد نجل مقررات المجمع الأدبي، ونقدر عمل الطباعة والصحافة في تحديد معنى اللفظ وكف شرة الفرد، ولكن خصائص اللغة من حيث قدرتها على إبداع الجرس الموسيقي وتشقق المعني الواحد فيها عن كثير من المعاني المندرجة لم تجد - وا أسفاه - من يرد عنها عادية النزوات وعرف الأوضاع؛ فقد ننطق بالحرف وترسل الكلمة كما تقوى حناجرنا، وتنفرج شفاهنا، وتتسع ثقافتنا، وتزخر نفوسنا فنحرف الكلم عن موضعه، وندخل الفوضى على المفهوم، وننشر الشك في قيمة اللغة والحق أن اللغة لو أنها لم تصلح لغايات العيش، ولم تشتمل على معنى
стр. 7824
السعادة لما كانت تكون وسيلة من وسائل الشعر والفن، ومطلبا من مطالب الدقة والتعبير
هكذا، يا سادتي، شاء الحظ العاثر المشؤوم أن يستخدم الشاعر أداة حسية عملية ليحقق بها فنا أبي إلا أن يثور على المعاش، ويشرف على العمل، ويسمو على المادة. .!!
أما الموسيقى السعيد - وا لهفي على حظه - فقد يشرع فيما اختص له توفير عليه، ووسيلته جاهزة سامية مستقلة، لا يشركه فيها أحد من الناس، ولا تتدنى إلى ما لم تخلق له، وهو إنما يعمد إلى مادة قد صهرتها العصور، وهيأتها الطبيعية، وحددتها الغاية! لشد ما يشبه الموسيقى الصناع نحلة ولودا جاءت لتفرخ فوجدت الخلية قائمة على أحسن ما تقوم البيوت، مقسمة على أدق ما تقسم الغرف، فولدت مرتاحة هانئة ثم اهتمت للعسل وحده تجمعه من هنا ومن هناك! كذلك رجل الألحان يؤلف فنه من غير جهد، ويسلك سبيله بهجاً طروباً كأنما الملحن قد انسجم وبرز واكتمل قبل أن تمسه يد الموسيقى الفنان!!
ذلك بأننا نعيش بالسمع في عالم الأصوات؛ ونحيا بالأذن حين تعمى العين ويعيا اللسان؛ وبالأذن تدرك بطبيعتها أن الأصوات المتعالية إنما تتألف من وحدات بسيطة بالغة البساطة، صغيرة بالغة الصغر، حتى كأنها لا تقاس بشيء أو تلمح لوحدها، وهذه الوحدات قد تنسجم لمسافات محدودة، وتطرد بنسب معينة، فتكون الصوت الموسيقى، وقد تضطرب بغير نظام، وتسير على غير منهاج، فتكون الضجة الراجفة. فالأذن تعلم بالغريزة مكان الوحدة من الجرس، وتتذوق بالفطرة نور الجمال في الهمس، وتدرك أن الفرق بين النغم والضجة كالفرق بين النقاوة والكدورة، أو بين النظام والفوضى، ثم جاء العلم الطبيعي فأتم إدراك الغريزة وفطنة الأذن، وهو العلم القديم الدقيق، فقاس النسب، واخترع الآلات وإبداع من الألحان ما لا تستطيعه دنيا الطبيعة بذاتها. . .
وللموسيقى عمل السحر في النفس، تخلق جوا خاصا بها لست أدري ما طبيعته، وإنما أعلم أنه جو هادئ يتخدر فيه الشعور، وتطير العاطفة، ويحلو التخيل، وتبرز الأحلام! ولو أن لحنا شجيا انبعث خافتا من كمان في هذه القاعة الرحبة التي يهزها صوتي المضطرب المتعاظم لرأيتكم فجاءة تميلون الرؤوس وترهفون الآذان إلى مصدر اللحن، تتحسسونه وتتذوقونه، وتمدونه في أنفسكم وأنتم لا تشعرون! أفلا فطنتم إلى الأشعة القوية التي سطعت عليكم من شعاع لطيف، وإلى الدنيا الحالة التي طغت عليكم إثر جرس خفيف؟
стр. 7825
ولقد يعطس شخص أو يقع كرسي أو يفتح باب فتستيقظ أنفسكم الحالمة وكأنما صار لها ما يصير للزجاج إذا كسر، أو الحبل إذا تصرم
تلكم الألحان الهادئة، والآذان الواعية، تعين الموسيقى على إحياء النفوس من غير تعب؛ أما لغة الشاعر فكما علمتم ألفاظ جامدة مبهمة، وتخاطب الأذان والنفس على السواء، وتدخل إليهما مزيجا مضطربا من الأصوات والصور، وتثير فيهما ألوانا متداخلة من العواطف والميول. وهنا موضع الشذوذ، فلست أعرف أثرا متداولا أفرط في الغموض والاشتباك كاللغة، ولقد تقول كلاما صحيحا يقبله العقل ولكنه لا يهز الأذن ولا يطرب القلب، أو تقول كلاما منسجما جميلا ولكنه خلو من التفكير والمعاني! وليس أدل على اشتباك اللغة من نشأة هذه العلوم المختلفة التي تتظاهر كلها على شرحها وتفسيرها، فثم علم النقد والأدب والبلاغة والمنطق والاشتقاق والنحو تشترك جميعها في الكشف عما يحجب الألفاظ من الإبهام والتعقيد. ولن يستطيع المبين أن يتجاهل هذه العلوم أو يثور على سلطانها أو يكتفي بالتوقيع على الأذن دون النفوذ إلى النفس!
ولكن الكلام كلامان: منثور ومنظوم، والنثر والنظم مظهران قويان للغة، وبينهما حدود على وضوحها متداخلة متشابكة. . . (تصفيق شديد)
- ٣ -
أذكر أني كنت أحاضر مرة في هذا المعنى طائفة من الأجانب، فلما بلغت هذا الموضع من الحديث إذا أحد المستمعين يتلو علي رسالة طريفة بعث بها الكاتب (راكان) إلى صديقه (شايلان) يقول فيها: (. . . وأنت تستطيع أن تنعت نثري بما شئت من الظرف والكياسة والبساطة، فلقد اعتزمت على ألا أحيد عن نصائح أستاذي الكبير (مالرب) ولا التزم ما يلتزمه غيري من الوزن والإيقاع والجرس، وحسبي الوضوح من تاج أزين به نسيج ألفاظي ولفتات ذهني! كان مالرب الذكي يشبه النثر بالمشي، ويقرن الشعر بالرقص، ويقول إن ما نفعله مرغمين يستحق التسامح والاعتدال، ثم لا بد فيه من التجاوز والإهمال، وأما ما نعمله باختيارنا ورغبتنا فمن السخرية أن يكون المرء فيه ضعيفا أو وسطا، فالأعرج مضطر إلى المشي اضطرارا، ولكنه متحذلق سخيف لو راح يرقص على الفالس والخطوات الخمس)
стр. 7826
إن تشبيه النثر بالمشي والشعر بالرقص تشبيه خصب جميل لا أعرف أصح منه ولا أدق ولا أشمل! فالمشي كالنثر يقصد به صاحبه أن ينال غاية مائلة ويحقق فكرة مرسومة، فهو يرجو شيئا، ومن أجله يمشي، ولعله لم يدب برجليه ويضرب في الأرض إلا لأن الباعث قد تحرك فيه وألح عليه؛ وظروف المشي، أعني طبيعة الشيء وحالة البدن والأرض واشتداد الرغبة، هي التي تحدد سرعته وتعين وجهته؛ فالمشي على هذا واسطة قائمة تزول متى برز وجه الغاية، أو هو فعل متجدد سوف ينطوي بعد حين. أما الرقص فهو هو الواسطة والغاية، ليس يغني ولا يسير على غير هدى؛ ولئن قصد به فهو الرياضة على الفن الجميل، والشعور بالحياة السعيدة، والاستماع بالمثل الأعلى! على أن الرقص يستخدم نفس الأرجل والأعضاء ولأعصاب التي يستخدمها المشي، وكذلك الشعر أداته الكلمات والصور والمعاني التي يقوم بها النثر عند البيان
إنما يمتاز الشعر من النثر بأنه يتناول الألفاظ على نحو من التركيب والتوجيه يخالف ما يتناول منها النثر في أغلب الأحيان، فنحن نعجب بالكناية والمجاز في الشعر أشد العجب، بل نحن لا نعجب بالشعر إلا إذا كان كله أجله كناية ومجازا. أما القول بوحدة الشعر والنثر فهو قول لم يقره النقد الصحيح ولم يسغه الذوق والحديث، ولعل ما يجوز في أحدهما لا يجوز في الآخر على أوجز تعبير
والمشي كالنثر يسلك به صاحبه أخصر الطرق وأقومها وأقلها عوجا ومنعطفات ليصل إلى بغيته التي يرجوها دون تريث ولا تذبذبن ولكن الرقص بخلاف ذلك لا يحلو إلا إذا أكثر من الروحات والغدوات، وأفرط في اللف والدوران، وأمعن في الجيئة والذهوب؛ ولو سمح لنا الرياضيون لقلنا إن الخط المستقيم سبيل الماشي والناثر، والخط المنحرف سبيل الراقص والشاعر!
تلك السماء تسح مطرا - هكذا يعبر الناثر في نزول المطر الشديد، وهكذا علمنا منذ الطفولة على الكلام، أما الشاعر فلن يبين كما يبين الناثر ويتكلم الناس وإنما يكسو الحقيقة العارية، ويزين الصورة الواقعة، ويعرض الحس في إطار رائع يبهر البصر ويعجب البصيرة. وما ينبغي للشاعر الفنان أن يقول (تلك السماء تمطر تسح مطرا) حتى نحمل المظلة ونتقي البلل لأن (تلك السماء تسح مطرا) قاعدة الكاتب الناثر، ينشئ فيوجز
стр. 7827
ويصرح ثم لا يجمل ولا يبالغ
يمشي الرجل متثاقلا أو مسرعا إلى غايته، فما يكاد يبلغها حتى يقف قائما لا يسعى كأنما التثاقل والإسراع كانا من أثر الحاجة والإلحاح، فالرجل يكف عن المشي لأن علة المشي قد زالت ولأن غاية السعي قد برزت! وهذا الأعرج الضعيف الذي ذكره مالرب في حديثه إنما يجلس مستويا على مقعده كما يجلس الراكض العاني بعد طوال اللهث والتعب. كذلك لغة النثر تضطرب وتموت في الذهن متى عرف معناها واستابنت غايتها؛ فهذه محاضرتي غنما ألقيها على مسامعكم لتفهموا عني ما أحب وتعتقدوا بالذي أعتقد، فأنا أقول الآن نثرا، ومتى انتهيت من الكلام وارفض جمعكم الحافل طارت الألفاظ سريعا من ذاكرتكم، وبقي الأثر منطبعا في أذهانكم كأنما أقول من الكلام المنثور لأدفنه بيدي وأذيبه متعمدا، ولقد يتفاعل هذا الأثر الحديث مع غيره من الآثار السابقة كما تتفاعل فيما بينها عناصر الكيمياء؛ ومهما تكن نتيجة التفاعل الفكري فالألفاظ التي أقذفها إنما أقذفها لتتلاشى كما يتلاشى البخار في الفضاء. وكمال محاضرتي أن تفهموا معناها لا أن تحفظوا مبناها، لأن المعنى متى أشرق في الذهن ووضح في الخيال وجد اللفظ سجنا يحد من سعته ويضعف من شأنه؛ فالفهم والدقة والوضوح غاية النثر التي لا غاية له غيرها وأعني أن الكلام المنثور يحيا حياة قصيرة ثم يموت. . .
وما ينبغي أن يحيا النثر إلا حياة قصيرة ثم يموت بعد أن يبلغ رسالته تامة صحيحة واضحة! ولكن الشعر خالد تتجدد ألفاظه في القراءة، وتحلو معانيه عند الإعادة؛ وقيمة الشعر في شكله الظاهر وكلماته المزجاة، قد انتظمت كما ينتظم العقد وانسجمت كما تنسجم الموسيقى؛ فرؤوسنا تحفظ اللفظ تتلوه مترنمة هازجة وتعيده على نحو ما سمعته في الرصف والاتساق. ثم لا تبالي إن ثملت أو حزنت أو ثارت ما دام في إنشادها رنة الفرح أو أنة الألم أو نزوة الهوى. ولقد جهل قوم كثيرون طبيعة الشعر، وهاموا في وضع الحدود وتباين المعالم فما نجحوا ولا استراحوا؛ وعندي أن الشعر لفظ جميل تستمع به الأفهام الراجحة، وتتناشده الشفاه اللاغية، وتهضمه النفوس الواعية. ثم تخرجه كما كان لفظا جميلا تبقي جدته على الزمان كأنما يستعلن في (ميكانيكية) متشابهة قوية رائعة. . .
هاتان نقطتان ثابتتان تقابل إحداهما الأخرى على مسافة صغيرة، يتأرجح بينهما رقاص
стр. 7828
مضطرب كرقاص الساعة، قد تدلى وتذبذب في جيئة وذهوب. أما النقطتان الثابتتان المتقابلتان فهما اللفظ والمعنى، أو الشكل والفكرة، أو الجرس والعاطفة؛ وأما الرقاص المضطرب فهو النفس المتصفحة الممعنة، تقرأ القصيدة المنظومة أول ما تقرأ، فتجوز اللفظ لتفهم المعنى، وتنسى الشكل لتذكر الفكرة، ثم تخلص من الجرس إلى العاطفة تستطلع مطاويها كما هو الحال في التخاطب والكلام، وهنا في هذه السطور يتساوى النثر والشعر، ولكنه طور خاطف لا يلبث أن يزول. ذلك أن النفس القارئة تكر راجعة بعد هذا إلى اللفظ تعيده وتتملاه. ثم لا ترى خيرا منه صندوقا يضم أشتات المعنى، ويحفظ دقائق الفكرة، ويعلن جمال العاطفة! تعود إلى اللفظ بعد ما عرفت المعنى كما يعود الرقاص من جولته إلى حيث ابتدأ في الجولان! وهكذا تضطرب النفس القارئة بين اللفظ والمعنى كما يضطرب الرقاص بين النقطتين الثابتتين المتقابلتين، وهذا الاضطراب بين الظاهر والباطن هو الذي أسميناه (بالعاطفة الشعرية) في صدر المحاضرة، وهو غاية الشعر التي لا غاية له غيرها، ولعل الشاعر الموهوب من يختار اللفظة الصالحة لأحداث الاضطراب النفسي، وإحياء العاطفة الشعرية
فالشعر كما أراه يفترق عن النثر ولا يلتبس به، وهو أشد ما يكون بعدا وتساميا عن القصة والرواية اللتين تصفان حوادث الواقع وتعرضان مشاهدة الحياة، وهذا التباين نلمحه واضحا في الوضع الطبيعي الذي يأخذه قارئ الرواية وقارئ الشعر، فالأول ينساق مع تيار الحوادث، فيفخر أو يغضب أو يفرح أو يحزن، وقد وضع جبهته بين كفيه، وركب رأسه فيما يقرأ، وتعجل التلاوة ليأمن الذي يلي ويطمئن للخاتمة، فجسده غائب وحواسه فارغة، وعقله منغمس تائه لا يشعر بما حوله ولا يدرك إلا ما هو فيه، ولو انصفنا لقلنا إن قواه الجسمانية قد انحلت، وأن قواه النفسانية قد انقلبت عقلا يمعن ويتلو ويتأثر، أما قارئ الشعر فلا تتقسم طبيعته ولا تتوزع قواه، وإنما يذهب في القراءة بجوارحه كلها ما دق منها وما ظهر، ما رق وما غلظ، ما شرف وما سفل؛ فالقصيدة تهيج نفسه وعصبه، وتوقظ ملكاته الحسية والفكرية. ثم تريده على أن يتصور الأشياء ويتمثل الحقيقة كما هي غير محرفة ولا ملتوية ولا مضطربة!!
ولكني على هذا ألمح بين الشعر والنثر درجات من الصور خافة متوسطة تربط قطبين
стр. 7829
متقابلين في الأدب، وتصل مظهرين قويين للغة، ثم تنشئ بينهما حدودا على وضوحها متداخلة متشابكة. . .
- ٤ -
أينظم الشاعر مضطرا أم ينظم مختارا؟
هذا آخر ما أفكر فيه وأتحدث عنه، والغريب أن الباحثين لم ينتهوا بعد من تقرير شيء في هذا. فالجدال عنيف، والتعقيد ظاهر، والعمل شاق. وقد يئست طائفة من الشعراء وتبرمت بالقريض، ثم قالت: إن مهنتنا تضني النفس وتأكل القوى، وصاحبنا مالرب يزعم مخلصا أن الشاعر ينهي مقطوعته الفنية وجب أن يهدأ مرتاحا بعد ذلك عشر سنوات!!
ينظم الشاعر. . . ولكنكم تدرون متى ينظم الشاعر، وما حاجتي إلى شيء تعرفونه حق المعرفة. ينظم الشاعر حين يفيض قلبه ويمتلئ صدره، فينطلق لسانه ويقول شعرا، ولكم وددت أن يكون هذا الرأي الفطير صحيحا سديدا، إذن لاحتمل الشاعر تكاليف الحياة، ورضى المبين بميسور الشقاء! ولكن القريحة الفنية قد تتبلد وتظلم حتى لا تعي أمرا ولا تنطق حرفا، فمن يقول بهذا الرأي الغرير يخضع الشاعر لسلطان القدر العابث، ويغدو الإنتاج الشعري حينئذ مرهونا بالمصادفة المواتية واللمحة المشرقة، أو متصلا بالوحي العالي والموهبة الخارقة. ولست أعلم افتئاتا على حرية الشاعر وامتهانا لكرامته كهذا الرأي القائل العاثر يجعله منفعلا لا فاعلا، وحاكيا أمينا يقول ما يلقى إليه من الكلام، وهو، يحاسب كما يحاسب مدير الصحيفة المسئول، فما كان خيرا قالوا هذا من عند الله، وما كان شرا قالوا هذا من عنده! والعجيب أن الكثرة الغالبة من الشعراء تؤمن بهذا الرأي وتناضل عنه، أو هي على الأقل لا تجد الفضاضة الذليلة بأن ترضى قانعة بمشيئة المصادفة والوحي
توافرت الأدلة وأثبتت التجربة أن الشعر الذي يعترف بجودته وبلوغه المنزلة الرفيعة التي تملى القارئ أثر الوحي والإحساس النفسي، إنما هو الواقع من عمل الجهد الدائب، والإدارة الصابرة، والتفكير العميق. أفلا نحس بهذا المجهود الكبير يبذله الشاعر حين نقرأ قصيدة من قصائده الطويلة الجميلة؟ فنحن نخطئ كثيرا إن حسبنا أن الشعر وحدة لا تقبل التجزئة؛ وموهبة لا تقوى على المران، وأثرا لا يخضع للزمن
стр. 7830
لقد يمتاز الشاعر من بين الناس كافة بلحظات مشرقة خاطفة تعصف بذاته وكيانه عصف الريح بفروع الشجر، فتتفتح لديه مغاليق نفسه، ويطل على دنياه الكامنة، ويلمح عجائب الروح. تلك لحظات ثمينة غريزة تضئ ما اختبأ بين اللحم والدم، وتبعث من المعاني والصور ما لا يفهمها أو يقدرها إلا الشاعر وحده، لأنها مختلطة بأوضار المادة وصادرة عن أسرار الظلام؛ وهي معان وصور لا تلبث للمنطق الظاهر ولا تلين للبيان الشعري، وكل ما في الأمر أنها قطع تنتثر من أعماقنا في حالها الطبيعي كما تنتثر الأحجار الكريمة من جوف البركان. ولقد ينبغي أن نطرح الأوشاب، ونحتفظ بالعنصر الصالح النقي لنذيبه في قالب جديد ونقدمه جوهرة خالصة للناس
فالذين يؤمنون بالوحي الشعري يقتلون العمل والإبداع، ويرضون بالشاعر وسيطا تملي عليه القدرة القادرة ما تشاء من ضروب القول وألوان المطالعة، وما لمثل هذا الفن ويخلق الشعراء! لشد ما هزئنا بالذين كانوا يؤمنون بحلول الجن أجساد البشر، ثم يجرون ألسنتهم ما يشتهون من الحجج واللهجات والنزوات! نعم إن شعور الصادق في اللفظ الجميل قوام الشعر الصحيح، ولكن الشعور النفسي لن ينبجس صافيا عذبا مهيئا للبيان، وما أحسبه يصفو ويعذب إلا إذا نهد له الشاعر بنشاطه فجرده من الأدران التي تمازجه، ونفض الغبار عنه ثم أهداه للقارئ أنشودة وأثرا كاملا. . .
بيروت
محمد روحي فيصل
стр. 7831
رشيد في ضحى عيدها
للأستاذ محمد محمود جلال
كدنا لا نذكر اليوم عن (رشيد) إلا إخراج الأرز طعاما شهيا. وأنها مقر صناعته ولا نعرف لها أكثر من الترويج الذي نلقاه من جمال موقعها حين نبرم بالمصيف المتمدين المملوء بالرسميات على شاطئ الإسكندرية فنفزع إليها نلتمس شيئا من التغيير وقربا من الطبيعة في أهنأ مظاهرها
فأما نصيبها من حياتنا المعنوية فمقصور على ما نتوارثه سماعا عن سرعة النكتة في طبيعة أهلها، فنتنادر بشيء مما حفظنا منه في مناسبات متباعدة، فإذا طلبت في إحدى بيئاتنا مزيدا فلست تجده إلا رواية عن مختصر مخل من كتب الجغرافيا (فهي ميناء على ملتقى النيل بالبحر الأبيض المتوسط وهي مركز من مديرية الغربية كانت محافظة إلى عهد قريب)
وهكذا غمطت (رشيد) حقها، وغمر في قاموسنا أصلها كما ذهب الإهمال بأكثر صحفنا، وعصفت الأنواء بمفاخرنا. كأنها لم تكن طغراء في كتاب الجهاد الحديث، ومسرحا أظهر الله فيه آيات الحكمة والبسالة لشعب وادي النيل. كأنها ليست هي رشيد التي حققت في سنة ١٨٠٧ ما لا يزال في أحضان التقدم والرقي مجرد أمل لوادي النيل، وأمنية لأكثر أقطار الشرق
أحببت أن أرى رشيد أول مرة في أول أبريل، وكنت بالإسكندرية والمسافة بينهما تقطعها السيارة في ساعتين
تخيرت (سيارة أجرة) أعجبني مظهرها واطمأنت نفسي إلى أدب سائقها، وسارت تقطع الطريق وقد أوصيت قائدها بالتؤدة لعلة الأمعاء التي أشكو
وقف بي السائق في الطريق عند (ادكو) المشرفة على بحيرتها ونزلت أمشي قليلا على قدمي، فلما عدت أستأنف رحلتي وجدت السائق قد أعد فنجان قهوة وكوبة ماء وقدمهما إلي في أدب يندر أن تراه في زملائه. شكرت له صنيعه وألححت في أن يطلب له فنجانا آخر وسرحته ريثما يشربه في قهوة مجاورة بيد أنه لم يقبل إلا بعد مشقة
جلست إلى جوار السائق مستأنفا رحلتي وقد ألهمت أن للرجل قسطا من العلم ولابد من سر
стр. 7832
مؤثر في حياته وبدأت آنس به
قلت: (لأي غرض تظنني أقصد إلى رشيد؟) قال: (لعل حضرتك محام ولديك اليوم جلسة) قلت: (لقد تركت المهنة منذ ثماني حجج وأنا اليوم فلاح مقيم بالوجه القبلي) قال: (لعلها نزهة، فكثير من الخواجات يأتونها في أوقات مختلفة) قلت: (ولا هذا أيضا وليس معي رفيق ولم أر رشيد من قبل)!! قال: (لعلك تزور صاحبا) قلت: (لا أعرف أحدا وقد ذكرت لك أن هذه أول زيارة لها)
اكتفيت من حدس السائق بما سمعت، وخففت عنه عبء الفكر فقلت: (هذا يوم عيد رشيد - بل عيد لوادي النيل. فقد أشرقت شمس هذا اليوم منذ ١٢٨ عاما وللمدينة غنى بشمس النصر، وحرارة الجهد والظفر على المعتدين حتى جلا الإنجليز في ظل معاهدة محمد علي باشا عن البلاد بعد ذلك بشهور)!!
سر السائق بما سمع وبدا لي أنه يريد أن يتكلم فلزمت الصمت قال: (إن بلاءنا منا وبسبابنا. قلت: لم وكيف كان ذلك؟ قال: (ألا تذكر حضرتك كيف التجأ الخديو توفيق باشا لحماية الإنجليز؟ - ألم تسرق من معسكر عرابي خريطة في التل الكبير بواسطة أحد الضباط)؟!
ذكرت على التو أمر الخريطة وأني قرأت شيئا من ذلك في أحد المؤلفات التي كتبت عن المسألة المصرية وإذا لم تخني الذاكرة فهذا الضابط الذي يعنيه يدعى (علي يوسف خنفس)
قلت: ولكن بعد ذلك ألم يكن السبيل لتصحيح الخطأ ودرء الخطر؟)
قال: (ألم يكن رؤساء الحكومة أغرابا بين الترك وأرمني ورومي؟)
تساءلت: ومن هذا الأرمني؟ أو كان لنا رئيس حكومة أرمني؟
قال: نعم. نوبار باشا، ألم يساعد على سلخ السودان؟ استدركت قائلا (بل قل الوجه السوداني كما تقول الوجه البحري والقبلي. أو تعرف للسودان قيمة؟)
قال: (إنه حياتنا، ولقد عشت فيه، وتلك الشهادة الابتدائية من كلية غوردون)
صدق ظني فأنا بأزاء رجل متعلم، وطاب لي أن يستمر في حديثه وكله سمر مفيد متصل بما أعنى به
سألت السائق: (وما الذي دفع بك إلى الوجه السوداني؟)
стр. 7833
قال: (ولدت هناك؛ وقد كان أبي موظفا بمصلحة السكة الحديد. أرسل إلى السودان ليدرب المبتدئين هناك من عمال التلغراف، ولما عدنا أتممت دراستي إلى شهادة الكفاءة، وشق علي أن أسعى للوظيفة وسط أمواج الساعين وذل الوساطة، فتعلمت قيادة السيارات واشتريت هذه، وأنا بعيشي قانع ولله الشكر)
لم أجد بدا من تحيته تحية تجزئ شيئا من كرامته وحسن تقديره للحياة ولوطنيته. قلت: قف السيارة - وقد ظن أني أريد استئناف السير على قدمي لدقائق أخرى، فهم بفتح الباب قلت: كلا أمد يدك أني أصافحك، وأنت الآن في نظري خير مني، وأنت إذن سائق ورفيق
أشرفنا على المدينة، فسألت السائق هل يعرفها جيدا؟ قال (نعم) فاطمأن خاطري فنزلت وصورت مدخلها
رأيت أعلاما منشورة، وزينات مرفوعة، وبشرا يغمر الوجوه. فقلت: الحمد لله إنهم يعرفون لليوم حقه. والتفت إلى رفيقي خريج (كلية غوردون) وقلت: (ألا ترى مظاهر العيد؟) أجاب الرجل: (إنه اتفاق سعيد، فقد ازينت المنازل والطرقات لعودة الحجاج من أهل رشيد، وقد دعيت أمس ليركب سيارتي أحد أعيانها القادمين، ولكني وعدتك أن أوفيك بفندق وندسور. فاعتذرت مهما علا الأجر، وأنا اليوم أعد نفسي سعيدا) قلت: بل أنا يا بني، فقد وجدت فيك من يحتفل معي بهذا العيد على معرفة!) وقلت: لا يزال في الدنيا من يرخص المادة في سبيل الوفاء، وإذن ما تزال الدنيا بخير
رشيد بلد ظريف جذاب. إذا نظرت إلى التقاء النيل عنده بالبحر الأبيض المتوسط، ذكرت على التو كيف انسابت مدينة وادي النيل القديمة إلى أوربا، وعرفت كيف سارت تعاريج الأمواج الحلوة الهادئة بين الشاطئين الهادئين، فكانت أشبه بالسطور يحملها الأثير بفعل الاختراع - فنقلت في أقدم العصور التشريع المصري إلى (أثينا) فأضفت على تاريخها مفخرة التقنين وسن الشرائع
أمواج النيل الهادئة، بالإضافة إلى أمواج البحر الصاخبة الهائلة، كذلك الخلق الرصين المتين يثابر متئدا فيتغلب على صخب الجبروت، والهيولى الضخمة المخيفة لكتائب الغضب والغزو - وقد شهد وادي النيل مصارع أمم كبيرة فأفنى قواها أو مثلها ففنيت في شعبه
стр. 7834
ممرنا بالمباني الحديثة فقلت خلوا بيني وبينها، أروني المباني القديمة، أسمعوني الشهود العدول، دعوها تحدثني عما شهدت وتطلعني على ما خفي من تفاصيل المفاخر
رأيت المنازل القديمة، ووقفت بربوعها أسائلها وتجيبني. أصغي إلى (طيقانها) الصغيرة، فأسمع حديث الإباء والشمم، ووقفت بأبوابها أذكر القرى والكرم
التقيت بأحد أبناء رشيد الكرام الأستاذ فؤاد نور المحامي فحمدت الله رفقته وحمدت السري في ظله، زرنا المنازل الأثرية فهذا بيت (الأماصيلي) كان يملكه حاجب المحكمة الأهلية فابتاعته مصلحة الآثار ولكنه مقفل فلا دليل يقف ببابه للمسترشدين، ولا نشرة توزع بما يجب للبناية الأثرية من بيانات، ولا (كارت بوستال) يباع - حاويا صوره الداخلية
والبيت من داخله تحفة فنية وفيه متعة وشغل للبصر والبصيرة، بني في ٢٨ شوال سنة ١٢٢٣ هجرية وقل أن تجد من يعنى بتاريخ البناء إلا في السنوات الأخيرة
وأعجب ما ترى فيه (مقصورات) شبيهة بالألواح التي نراها اليوم بالمسارح أعدت لجلوس السيدات ليشهدن مجالس الغناء وتسمى (الأغاني) إضافة إلى الغرض منها
وفقت إذن: أن هذا البيت قد شهد موقعة النصر وأنه شاهد أمين عليها، وقفت به طويلا وقلت: ما يؤلمني أن أكون وحيدا ولا يرافقني رهط قليل ما دمنا نقوم بما نعلم من واجب، فغدا يزور رشيد آلاف وغدا يكون الاحتفال عاما، ولا ضير أن نبدأ قلة وقد نعلم أن (واشنتجون) عد في وقت مجنونا، وأنه لم يخل من تآمر حرسه عليه، وهو اليوم، وفكرته اليوم متجه الأنظار للأمريكان جميعا
ليس في رشيد فندق لائق. وقد أعد يوناني مطعما منذ سنوات قليلة فقاطعه أهل البلد حتى لم يجد مناصا من إغلاقه وهجرة البلد
كل دار أحق بالأهل إلا … في خبيث من المذاهب رجس
ولكن هذا الميدان الذي خلا أليس من أهل البلد من يملؤه؛ أولئك الذين كتب عنهم الجنرال ستيورات إلى القائد فرزيه في ٣١ مارس سنة ١٨٠٧ يقول: (أن الأهالي لا يعبأون بالمصائب برغم ما أحدثنا بالمدينة من تخريب حتى بلغ ما أطلقناه من القنابل من المدافع البعيدة المرمى وحدها ٣٠٠ قذيفة)
على أحفاد أولئك الكرام أن يحتفلوا بذكرى أجدادهم وبمجد بلدهم. وعليهم أن يسدوا كل
стр. 7835
ثغرة، ولعلنا نقتبس الرشد عما قريب عن رشيد
الشيخ عطا
محمد محمود جلال المحامي
стр. 7836
فلسفة موسى بن ميمون
ومصنفه دلالة الحائرين)
بقلم إسرائيل ولفنسون
إذا كانت مدونات موسى أبن ميمون التشريعية قد صنفت لأبناء الثقافات اليهودية قبل كل شيء، وإذا كانت البحوث التي وردت فيها لا تتجاوز حدود الدين وأدب الدين والتشريع الإسرائيلي فإن كتاب دلالة الحائرين يشغل ناحية أخرى من التفكير الإنساني، هي الناحية الفلسفية والمنطقية، أو الناحية الإنسانية العامة التي كانت تشغل بال المفكرين ورجال الفلسفة في ذلك العهد
وقد اعتمد بن ميمون في أثناء تأليفه كتابه (دلالة الحائرين) على المصادر العبرية التي كان له بها إلمام يندر أن يكون في شخص آخر من أحبار اليهود في القرون الوسطى، كما كانت له دراية تامة بمؤلفات اليهود باللغة العربية، ومع أنه لم يسرد أسماء المؤلفين إلا في أحوال نادرة فإن نظرياتهم تتكرر في كثير من فصوله في كتابه (دلالة الحائرين) إذ يسرد آراء سعديا الفيومي وبخيا وسليمان بن جبيرول ويهودا هالوي وإبراهيم بن حيا وإبراهيم بن عزرا
وكذلك كانت له دراية بآداب اليهود القرائين
أما الفلسفة اليونانية فكان يعرفها من التراجم العربية شأن غيره من الفلاسفة في البلدان الإسلامية وهو متأثر قبل كل شيء بأرسطاطاليس الذي يراه رئيس الفلاسفة، يجله إجلالا عظيما إذ يقول: (وكل ما قاله أرسطاطاليس في جميع الوجود الذي من لدن فلك القمر إلى مركز الأرض هو صحيح بلا ريب، ولا يعدل عنه إلا من لم يفهمه، أو من تقدمت له آراء يريد الذب عنها، أو تقوده تلك الآراء إنكار أمر مشاهد. . .)
وكان قد درس كتاب الأخلاق لأرسطاطاليس من ترجمة إسحق بن حنين كما علم نظرياته من شروح يونانية مترجمة إلى العربية مثل إسكندر الأفروديسي وتامستيدس ويحيى النحوي
وكذلك وصلت إليه نظريات أرسطاطاليس بوساطة المصنفات العربية مثل الغزالي وابن باجة أبو بكر بن الصائغ وأبن الطفيل والفارابي وآراء المتكلمين، وكذلك أدمج في (دلالة
стр. 7837
الحائرين) بعض النظريات لبطليموس وجلينوس اليونانيين
وكذلك ورد في دلالة الحائرين بحث في منزلة المعتزلة والأشعرية مما يدل على أنه درس المذاهب الإسلامية دراسة وافية
وكان السبب المباشر في نشر كتابه دلالة الحائرين إلحاح تلميذه يوسف بن عقنين عليه، ويقول موسى بن ميمون في مقدمته إلى تلميذه: أيها التلميذ العزيز، لما مثلت لدي وقصدت إلى عظم شأنك لشدة حرصك على الطلب، ولما رأيت في أشعارك التي وصلتني وأنت مقيم بالإسكندرية من شدة الاشتياق للأمور النظرية، وقبل أن أمتحن تصورك قلت لعل شوقه أقوى من إدراكه، فلما قرأت علي ما قرأته من علم الهيئة وما تقدم لك مما لا بد منه، زدت بك غبطة لجودة ذهنك، وسرعة تصورك، ورأيت شوقك للتعليم عظيما فتركتك للارتياض فيه لعلمي بمآلك ولما قرأت علي ما قرأته من صناعة المنطق تعلقت آمالي بك، ورأيتك أهلا لأن تكشف لك أسرار الكتب النبوية حتى تطلع منها على ما ينبغي أن يطلع عليه الكاملون، فأردت أن ألوح لك تلويحات وأشير لك بإشارات، فرأيتك تطلب مني الازدياد وأن أبين لك أشياء من الأمور الإلهية أن أخبرك بمقاصد المتكلمين وطرائقهم. . . وآمرك أن تأخذ الأشياء على ترتيب قصدا مني أن يصح لك الحق بطرقه لا أن يقع اليقين بالعرض؛ ولم أمتنع طول اجتماعك بي إذا ما ذكر نص من نصوص الحكماء فيه تنبيه على معنى غريب من تبيان ذلك لك، فلما قدر الله بالافتراق، وتوجهت إلى حيث توجهت أثارت مني تلك الاجتماعات عزيمة كانت فترت وحركتني غيبتك لوضع هذه المقالة التي وضعتها لك ولأمثالك، وقليل ما هم، وجعلتها فصولا منثورة وكل ما أكتب لك منها يصلك أولا فأولا ودمت وأنت سالم. . .
ولم يقصد موسى بمصنفه هذا الجمهور أو المبتدئين بالنظر، بل كان نصب أعينه (جماعة الذين أخذوا أنفسهم بالكمال الإنساني وإزالة هذه الأوهام السابقة من سن الطفولة) أو إنه (ما ألف الكتاب إلا لمن تفلسف وعرف ما قد بان من أمر النفس وجميع قواها. . . . .) أو (لمن هو كامل في خلقه ودينه ونظر في علوم الفلسفة وعلم معانيها. . . . .)
أما عن غرض تأليف دلالة الحائرين فيقول المؤلف: ما كان الغرض نقل كتب الفلاسفة. . . وما كان قصدي أن أؤلف شيئا في علم الطبيعة، أو أن ألخص معاني العالم الآلهي على
стр. 7838
بعض المذاهب، أو أبرهن على ما يبرهن منها، أو أن أقتضب هيئة الأفلاك، ولا أن أخبر بعددها إذ الكتب المؤلفة في جميع ذلك كافية، وإن لم تكن كافية في غرض من الأغراض فليس الذي أقوله أنا في ذلك الغرض أحسن من كل ما قيل، وإنما كان الغرض بهذه المقالة أن أبين مشكلة الشريعة وأظهر حقائق.
ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، يشتمل كل جزء على فصول أو موضوعات، وعلى كبر حجم الكتاب وتنوع موضوعاته فإن ما ورد فيه من النظريات يتدرج تدرجا منطقيا محكما من قضية إلى أخرى، فكأن جميعها سلسلة واحدة مرتبطة ارتباطا وثيقا
والهدف الأسمى الذي يرمي إليه موسى بن ميمون هو أن يلقى أشعة من أنوار الفلسفة والمنطق والعقل على الأيمان والشعور (العقل الفائض علينا هو الصلة بيننا وبين الله تعالى. . .)
وهو يقصد التوفيق بين الدين والفلسفة (الحكمة المقولة بإطلاق في كل موضوع هي إدراكه تعالى)، كما يقصد التوفيق بين موسى كليم الله وأرسطاطاليس شيخ الفلاسفة حتى ينظر العالم إلى الدين عن طريق الفلسفة، وحتى يطلب الحق والعرفان لا في أفق الدين وحده، بل في ميدان العقل والمنطق أيضا، وقد رفع بذلك الفلسفة والفلاسفة إلى مصف واحد مع الدين وكبار مفكري الدين
ويبحث الجزء الأول من دلائل الحائرين في ماهية الله وكيفية إدراكه وتوحيده، كما يدخلنا في الكتاب المقدس عن طريق الفلسفة والمنطق، ويفتح الكتاب بمحاربة عنيفة كل ما يقصد من الأوصاف المادية المنسوبة لله، فيشرح الآية (نصنع إنسانا على صورتنا وشبهنا) إن الناس قد ظنوا أن لفظ صورة في اللسان العبري يدل على شكل الشيء وتخطيطه فيؤدي ذلك إلى التجسيم المحض، ورأوا أنهم أن فارقوا هذا الاعتقاد كذبوا النص. . . وأما صورة فتقع على الصورة الطبيعية، أعني على المعنى الذي يجوهر الشيء بما هو حقيقته من حيث هو ذلك الموجود المعنوي، هو الذي عنه يكون الإدراك الإنساني. . . فيكون المراد من الصورة النوعية التي هي الإدراك العقلي لا الشكل والتخطيط. . .
وإدراك الإله عنده على الطريقة السلبية لا الإيجابية، فإنه يقول: (اعلم أن وصف الله بالسوالب هو الوصف الصحيح الذي لا يلحقه شيء من التسامح، ولا فيه نقص من
стр. 7839
حق الله تعالى جملة ولا على حال، أما وصفه بالإيجابيات ففيه من الشرك والنقص)
ويبحث الجزء الثاني في مشاكل وجود الله وتوحيده وروحانيته وما يرى الفلاسفة في الكون إذا كان قديما أو (محدثا)، ومع أن موسى بن ميمون من أشد أنصار أرسطاطاليس ففي مسألة قدم الكون يحاربه محاربة عنيفة، لأن الأخذ بقدم الكون ينفي ما ورد في التوراة من أن الكون محدث، ويقول موسى بن ميمون بعد بحث طويل في هذه المشكلة إن كل ما ذكره أرسطاطاليس وأتباعه من الاستدلال على قدم الكون ليس له براهين قطعية، بل لها حجج تلحقها الشكوك العظيمة. . .
ثم يبحث في النبوة وماهيتها ودرجاتها وتعريفها عند رجال الدين من الملل المختلفة وعند أصحاب المدارس من الفلاسفة
ويشغل البحث في النبوة أغلب فصول الجزء الثاني وهو من أرقى ما وصل إليه التفكير اليهودي الفلسفي في القرون الوسطى
أما الجزء الثالث فيتم موسى في فصوله السبعة الأولى بحثه عن النبوة بشرحه رؤيا النبي حزقيال الذي ورد في الفصل الأول والثالث من سفره من أسفار العهد القديم، وكل ما ورد فيها من الاصطلاحات العويصة والمعاني الغامضة
ثم ينتقل إلى البحث في الشر، وما يحل من المصائب بالعالم وهل الإنسان هو الذي يكون مسئولا عما يقع من الكوارث على المخلوقين أم الله ، ثم ينتقل إلى مشكلة العناية الآلهية بالكون والمخلوقات، وما يقول الفلاسفة من اليونان والمسلمين واليهود فيها
ثم يتعرض لأمور دينية في الشريعة التي جاءت لصلاح النفس وصلاح البدن، كما يشرح واجبات وعبادات وردت في التوراة على الطريقة الفلسفية
وقد ورد في هذا الجزء معلومات كثيرة عن الأخلاق والعادات عند الصابئة وعبدة الأصنام من الآراميين من أهل حران بجزيرة العراق كما ذكرت بعض كتبهم
وكذلك ورد الذكر لكتاب الفلاحة النبطية لأبن وحشية ولم ينتبه العلماء المستشرقون إلى هذا الكتاب إلا بعد أن قرأوا ما كتبه عنه موسى بن ميمون
وفي الفصول الأربعة الأخيرة يبحث المؤلف في العناية بالعبادات والواجبات الدينية التي هي الغاية المثلى في حياة الإنسان حتى يدرك الحقائق الآلهية، وحتى يتقرب إلى الحق
стр. 7840
والعدل والحكمة وهي ألفاظ يعرفها موسى تعريفا منطقيا فلسفيا، وهذه الفصول من أدق ما وضع في مصنفه دلالة الحائرين وأكملها
إسرائيل ولفنسون
أستاذ اللغات السامية بدار العلوم
стр. 7841
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور
صلة حديثة
وصل الفائت: ترك باستور مدبغة أبيه وذهب إلى باريس. فتلقى على الكيميائي العظيم (دوماس). وبعدئذ أتم أبحاثه في حامض الدردى. وبينما هو كذلك أكتشف (كنيارد دي لاتور) أن الخمائر بالبيرة المختمرة تتكاثر فتحيل الشعير بذلك إلى كحول. وتعين بستور أستاذا بجامعة (ليل) وتزوج ابنة عميدها فسهرت إلى جانبه. وأجرى كثيرا من التجارب الجامحة واخفق فيها.
وتعين (بستور) عميدا لكلية العلوم بجامعة (ليل) فسكن واستقر في (شارع الأزهار. وهنا اتصل عفوا ولأول مرة بالمكروبات. وفي هذه المدينة الأصيلة، مدينة المقطرين للخمور، مدينة زراع البنجر وتجار الآلات الزراعية، قام (بستور) بحملة قوية، بعضها علمي، وبعضها قصصي روائي، وبعضها ديني، وبعضها سياسي، ليضع المكروب في موضعه اللائق من اهتمام الناس ورعايتهم. نعم في هذه المدينة ذات الخطر اليسير والجمال القليل، في هذه المدينة التي لم تشتهر قط بالعلم، أثار بستور زوبعة هائلة نالت سفائن العلم فظلت تؤرجحها ثلاثين عاما. أبان بستور للدنيا خطر المكروب فأوجست منه خيفة، وخلق لنفسه في سبيل ذلك أعداء ألداء، وخلق لها أحبابا خلصاء، وملأ أسمه صفحات الجرائد الأولى. وطلبه خصوم للمبارزة. وضحك الجمهور بادئ بدء من مكروباته الغالية، وقصف بالنكات عليها، بينما كانت كشوفه تنجي حياة العديد من النفساء. واختصارا في هذه المدينة المتواضعة، ومن فوق أرضها شال الشولة الأولى إلى فردوس الخالدين
جاء بستور إلى مدينة (استراسبورج) فحاورته الحقائق فيها واختلطت عليه، ثم جاء إلى مدينة (ليل) فجاءه المجد يسعى، وذلك بإسدائه المعونة إلى. . . خمار!
جاء إلى (ليل) فقال له الرجال ذو المال، وأرباب النفوذ من ذوي الأعمال: (إن العلم جميل
стр. 7842
في أرستقراطيته، ولكن الذي نريده، والذي تريده المدينة الناهضة، هو التعاون بين علمك وصناعتنا. نريد أ، نعلم هل يزيد العلم في مكاسبنا. زد يا هذا في الحقل مقدار السكر في بنجرنا، وزد في المصنع مقدار الكحول المتقطر من سكرنا، ندر عليك الخيرات، ونتولى معاملك بالرعايات)
سمع بستور ما سمع في أدب واحتشام، ثم أخذ يريهم كيف يستجيب العلم إذا دعاه الداعي. فإنه لم يكن رجل علم فحسب، بل كان رجلا خبيرا بأمور دنياه وسنن العيش فيها. تصور جماعة من أرباب الأعمال يأنون (نيوتن) فيسألونه ماذا تستفيد مصانعهم من قوانين حركته، إذن لرفع يديه إلى السماء واستعاذ منهم بالله، ولذهب من بعد ذلك إلى إنجيله يقرأ كتاب دنيال ويدرس ما فيه من نبوءات. ولو أنهم جاءوا فراداي إذن لآثر صناعته الأولى، وعاد إلى تجليد الكتب وحزم الأوراق. ولكن بستور كان من أبناء القرن التاسع عشر، يعرف حق المعرفة أن العلم لا بد أن يكسب خبز يومه إذا أراد الحياة. لذلك بدأ يحاضر أهل االبلد فيه، ويدبر لهم المحاضرات الشيقة ليخطب ودهم ويكسب عطفهم
وفي ذات مساء كان يخطب في جمع من أرباب المصانع وأزواجهم، فصاح فيهم: (من من أبنائكم لا ينهض للعلم توا، من من أولادكم لا يتحرق للعلم تحرقا، إذا أنا وضعت في يده بطاطة، وقلت له: إنك تستطيع أن تخرج من هذه البطاطة سكرا، وتستطيع أن تخرج من هذا السكر كحولا، وتستطيع أن تخرج من هذا الكحول خلا وأثيرا؟). ومضت على هذا أيام، فجاءه أحد الذين حضروا وخطابه، وكان رجلا يدعى (بيجو)، وكانت صناعته تقطير الكحول من سكر البنجر المختمر؛ جاء يتوسل للأستاذ: (سيدي، أنا في حرج من صناعتي، فاحتمار البنجر لا يتم على وجهه، وخسارتي تبلغ ألوف الفرنكات في اليوم، فبودي لو جئت مصنعي، ونظرت في معونتي، فأنقذتني من خبلتي)
وكان ابن (بيجو) طالبا في قسم العلوم بالكلية، فأسرع (بستور) إلى معونة أبيه. فذهب إلى مصنع التقطير، وأخذ يتشمم في الحواض المريضة، تلك الأحواض التي تأبى أن تخرج من البنجر كحولا؛ وانكب عليها، واغترف منها، فكان شيئا مختلطا أدكن هلاميا، فوضعه في قارورات وحمله إلى معمله. ولم يفته أن يغترف كذلك من لبابة البنجر من الأحواض الصحيحة السليمة المختمرة الراغية بما تنتج من كحول كثير. ولم يكن يدري كيف يختمر
стр. 7843
السكر فيستحيل كحولا، ولم يكن في الدنيا كلها كيمياوي يعرف عن ذلك شيئا. عاد إلى معمله، وأخذ يحك رأسه وهو يفكر، ثم استقر رأيه على أن يمتحن ما اغترفه من الأحواض السليمة أولا، فوضع قطرة منه تحت مجهره، ولعله كان يحسب أنه سيرى بلورات كتلك التي طال تحديقه أليها زمانا مضى، ولكنه وجد هذه القطرة مليئة بكريات أصغر كثيرا من أية بلورة رآها. وكانت هذه الكريات صفراء، وازدحم جوفها بجسيمات كثيرة ترقص كأنما عن طرب، وتمتم لنفسه: (ليت شعري ما هذه الكريات!)
وأسعفته الذاكرة فصاح ثانية لنفسه: (يا للنسيان! بالطبع هي الخمائر التي تجدها دائما في كل محلول به سكر يختمر ليصير كحولا) وأعاد النظر فأبصر هذه الكريات فرادى، وأبصر طائفة أخرى منها متعنقدة، وأبصر أخرى متقاطرة. ثم حدق فدهش لرؤية بعضها قد تنبتت جوانبه كما تنبت البذور الصغيرة، فقال: (لقد صدق كنيارد، فهذه الخمائر حية. ولا بد أنها هي التي تصير السكر كحولا. ولكن ما فائدة بيجو من هذا! وما الذي أصاب الأحواض المريضة فتعطلت؟) واختطف القارورة التي بها ما كان اغترفه من حوض مريض، وحدق فيه بمنظار مكبر، وشمه، وذاقه، وغمس فيه ورقة زرقاء فاحمرت. . . ثم وضع قطرة منه تحت مكرسكوبه ونظر فيها
(عجبا! أين ذهبت الخمائر، فليس في هذه القطرة منها شيء؟ ما هذا؟ ما معناه؟)
وتناول القارورة مرة أخرى، وأخذ ينظر ويفكر، ولا ترى عينه فيها جديدا. وبينا هو يركب في التعليل الخيال، ويسوم ذهنه طلب المحال، إذا بالسائل في القارورة يتراءى له في صورة جديدة تبعث فيه أملا جديدا. (ماذا أرى؟ بقعا صغيرة دكناء لاصقة بجدار القارورة. وهذه بقع أخرى مثلها تطفو على سطح سائلها المريض - إذن صبرا!. . . لا. إنها لا توجد في القارورة ذات السائل الصحيح حيث الخمائر والكحول) ثم غاص في القارورة المريضة، وبشيء من العناء استطاع أن يخرج شيئا من تلك البقع فوضعها في ماء نقي، ثم علاه بمجهره هذا يوم (بستور) جاء أخيرا!
لم يجد في هذا السائل كريات الخمائر. لا، ولكنه وجد شيئا جديدا، لم يره من قبل، أحياء صغيرة كثيرة شديدة الزحام، شكلها كالعصي، بعضها قائم وحده، وبعضها متقاطر كالأبل، وكلها يرقص في ارتعاد غريب لا هدأة له. كانت الخمائر في عينه صغيرة فجاءت هذه
стр. 7844
تصاغرها فتصغرها كثيرا، فلم يعد طولها جزءا من ألف من المليمتر
وفي هذه الليلة أرق (بستور) طويلا، وتقلب في مضجعه طويلا. وفي الصباح كنت تراه يجرجر ساقيه الغليظتين القصيرتين إلى مصنع (بيجو)، وبنظارته المنحرفة على بصره القصير، مال على حافة حوض مريض لم يكن أتاه من قبل، وجرف من قاعه بعض الذي فيه. ثم مال على أحواض مريضة غيره. ونسي (بيجو)، ونسي أنه إنما بدأ هذا العمل لمعونة (بيجو). اختفى (بيجو) من فكره، واختفى كل شيء في الوجود إلا نفسه الشمامة البحاثة، وإلا تلك العصي الراقصة الغريبة التي وجد الآلاف المؤلفة منها في تلك البقع الكدماء الصغيرة. . .
ولما جاء الليل أخذت زوجه تنتظره لينام، فلما يأست ذهبت إلى الفراش وحدها، وتركته ينصب الجهاز تلو الجهاز حتى ازدحم معمله بها. ووجد أن جميع السوائل بالأحواض المريضة تحتوي حامضا عرف أنه حامض اللبن، وأنه ليس بها كحول. ولم يلبث أن خطر له خاطر غمر فكره كله، وملأ رأسه أجمع: (إن هذه العصي بالسوائل المرضة حية، وهي هي التي تصنع حامض اللبن؛ وهي ربما تشتجر مع الخمائر في قتال شديد فتقضي عليها فلا تنتج كحولا. إن هذه العصي تصنع حامض اللبن كما تصنع هذه الخمائر الكحول). وهرول إلى السلم، فصعد إلى مدام (بستور) يخبرها بالذي وجد - مدام (بستور) التي لم تعرف من التخمر والخمائر شيئا، مدام (بستور) التي لم تفهم من علمه إلا قليلا، إلا أنها فهمت نفسه المتحمسة وروحه الوثابة، فأعانته بعطفها وحبها كثيرا
بالطبع لم يكن الذي ارتآه إلا ظنا، ولكن قام في نفسه شيء يوسوس له أن هذا الظن حق لامرية فيه. لقد تظنن (بستور) مئات المرات فيما وقع عليه بصره القصير من مئات الظواهر في الطبيعة التي حوله. وكانت ظنونا خاطئة. ولكنه إذ وقع هذه المرة على ظن صادق، إذ خال أنه أصاب تفسيرا لظاهرة التخمر التي أشكلت على القرون من قبله، أخذ يمتحن هذا الظن، ويفحص هذا الخال، ويقلبه، ويداوره، ويتقرى الحقيقة فيه حتى وصل إلى كنهها
وبينما ازدحمت في رأسه الخطط الكثيرة لتقري كنه هذه الحقيقة لم يفته أن يعين أرباب العمل على مصاعبهم، ولا أهل الحكم إذا دهوه إلى نصيحة، ولا المزارعين إذا جاءوه، ولا
стр. 7845
الطلبة إذا طلبوه. وحول جزءا من معمله لاختبار الأسمدة الكثيرة التي تأتيه. وهرع إلى باريس يدبر لانتخابه عضوا في أكاديمية العلوم فما أفلح. ورحل بتلاميذه إلى معامل الجعة في (فالنسين٩ وإلى مسابك الحديد في بلجيكا. وفيما هو في هذا، تراءى له يوما أنه اهتدى إلى الطريقة السوية التي يثبت بها أن هذه العصى القصيرة تحيا حياة الخلائق، وأنها على صغرها، وعلى قصرها، وعلى حقارتها، تفعل فعل العمالقة - تفعل ما لا يستطيعه العمالقة: تحيل السكر إلى حامض اللبن
حدث (بستور٩ نفسه قال: (لا يمكنني أن أدرس هذه العصي في عصير البنجر المسكر وفيه ما فيه من أخلاط عدة. لا بد لي من عصير رائق أتتبع فيه ما تصنع هذه العصي. لا بد لي من ابتداع مرق صاف به غذاء طيب خاص لها، أضعها فيه، ثم أرقبها لأرى هل تتكاثر، هل تتوالد، هل أجد في هذا المرق بعد حين مكان العصا الواحدة عصيا راقصة كثيرة؟)
ووضع شيئا من تلك البقع الكدماء التي كانت بالحياض المريضة في محلول من سكر نقي، فوجد أن العصي لا تتكاثر فيها، فقال: (إنها تريد غذاء أمرا من هذا). فجرب بطلب الغذاء المريء فخاب. ثم جرب وخاب. وأخيرا صنع لها مرقا غريبا بأن أخذ شيئا من خميرة جافة، فأغلاه بالماء ثم صفاه، وأخذ مرقه الرائق فأضاف له شيئا من كربونات الكلسيوم ليضيع ما قد يحدث فيه من حموضة. وأتى بإبرة فغمسها بالبقع الدكناء بالحياض المريضة، وحمل ما علق بطرفها الرفيع من العصي الصغيرة إلى مرقه ودافها فيه. ثم وضعه في قارورة وضعها في فرن دافئ للتفريخ ذي درجة حرارة ثابتة، وأخذ ينتظر في قلق واضطراب. أن لعنة هذا البحث، بحث المكروب، يجدها الباحث دائما في هذه الخيبات المتوالية الكثيرة التي تعوق النجاح طويلا
وذهب فأمضى رجعات، وألقى محاضرات، وعاد إلى قارورته ينظر إليها وهي في مدفئها. ومضى مرة أخرى فألفى فلا حين جاءوا يستنصحونه في محاصيلهم وأسمدتهم فنصحهم بالذي ارتآه. وجاءت أوقات الطعام فابتلع منه ابتلاعا ولم يع مما أكل شيئا. وعاد فنظر إلى قارورته واصطبر. وذهب إلى سريره جاهلا بالذي يجري في تلك القارورة، وليس من اليسير النوم في مثل هذه الجهالة. . .
следующие страницы →