Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.
стр. 7911
الابتسامة أي منظر موحش. . .؟
قلت: (من تكون أيها الشيخ ومالي بك عهد؟) قال (أنا. . .؟ ما أشد حماقة الفتيان! أنا الزمان. . .! وإنما لي أن أسألك: ماذا تنشد بين هذه الأنقاض؟)
قلت: (في هذا المكان، أودعت شيئاً عزيزاً على، أنه قلبي؛ أفتدري أيها الشيخ أين ألقاه؟)
هنا في هذا المكان، كان لي أهل وأحبة وكان قلبي لديهم وديعة إن الدار لتشهد؛ فإني لأنشد هنا قلبي وشبابي وحبي. . .!
قال: (ويحك يا مسكين! أتسأل؟ الزمان أن يرد عليك ما فات. . .؟ إنك يا بني تؤمن بالحب فأسأل الحب - إن أجاب - أن يرد عليك ما استودعته. . .! ما الحب يا بني إلا خرافة؛ هل هو إلا ارق يراوح بين جنبيك ودموع تقرح بين جفنيك وانتظار يستلب شبابك من عمرك، وحنين يستغرق يومك من تاريخك وغيرة تسلبك الطمأنينة والقرار وشك ينبت في صدرك الشوك؛ وهل هو من بعد إلا الندم واللهفة والذكرى؟ أفرأيت شيئاً من ذلك يعدل ساعة من ساعات الشباب، أو يرد عليك سعادة من سعادات الماضي. .؟
هيهات يا بني هيهات. . .!)
ومضى الشيخ على وجهه وإن صدره لسراً. . .!
وعدوت في اثر الزمان أجاذبه السر فما بلغت إليه نفسي وغاب في جوف الظلام. ورجعت منكسراً لفان أنهنه أدمعي وأغالب نفسي
وإذا على الطريق شاب يبتسم
قال: (مرحباً بك يا صديقي أراك على حيد الطريق فأين أزمعت السير؟)
قلت: (أتراك تعرفني يا فتى؛ فمن تكون؟)
قال: (أنا. . .؟ ما أعجب أن تنسى! أنا رفيق صباك وأنيس أحلامك؛ أنا الأمل. . .! فما أشد أن ينكرني الشباب!)
قلت: (معذرة إليك يا أملي وإنما صرفني عن ذكرك هذاك الزمان!)
قال: (الزمان. . .؟ ويحك! وأين منك الزمان وما تزال في يديك أيامك؟ ألا إن الشباب ليصنع بيديه أيامه ويخط بيديه تاريخه ويملئ على الزمان مشيئته. . .! ألا إن هذا الشيخ الخرف الذي تسميه الزمان لعاجز أن ينالك ومعك الشباب والأمل!)
стр. 7912
قلت: (فأنني افتقد شيئاً هنا. . . في هذا المكان. . . كان لي أهل وأحبة، أودعتهم قلبي إلى ملتقى موعود؛ فهذه الدار خلا كما ترى إلا أنقاضاً ركمها الزمان حجراً على حجر؛ أفتدلني أين أجد أحبابي وقلبي؟)
قال: (لك الله ولأحبابك! أفحسبت انك وحدك الوفي الذاكر؟ إن فتاتك ما تزال هناك تنتظر وان الوديعة الغالية ما تزال في الحرز الأمين!)
قلت: (فما هذه التي تراءت لي هنا ثم تولت معرضة لم تنبس؟)
قال: (ويحك! ألم تفهم مقالة عينيها وأهدابها تختلج؟ إنها تقول: اتبعني يا حبيبي. . .!)
قلت: (أفتراها مستطيعة أن ترد علي أيامي وقد تولى الزمان وحال المكان؟)
قال: (إن الحب لا يعرف الزمان ولا يحده المكان أنه لشيء من غير دنيانا لا يخضع لنواميس هذه الحياة؛ إن العاشق ليذكر على البعاد من يحب فإذا الماضي كله بين يديه وإذا الذي يهواه تحت ذراعه؛ وإنهما لاثنان هنا: هو خيال من يحب واثنان هناك: هي وطيف من تهوى. أفرأيت الزمان والمكان ساعتئذ قد استطاعا أن يحولا دون هذا اللقاء؛ أو رأيت شيئاً غير الحب يجعل الاثنين أربعة في زمان ومكان. . .؟
(ألم تفهم مقالة عينيها وأهدابها بها تختلج إنها تقول: اتبعني يا حبيبي. . .!)
ولمحت زهرة ترف رفيفها في ظل جدار قائم وهي تناجي أختها نجوى الحزين إلى الحزين؛ كانتا وحدهما في هذا المكان رمز الحياة بين رموز الموت من تلك الصخور المجدلة. وإن للأحجار والجماد لحياة كحياة الناس وموتا كالذي ماتوا، إن البيت الآهل لحي بسكانه ما عمروه فإذا احتملوا وهجروه فما هو حينئذ بيتا حيا وإن بقيت له معالمه وأبوابه ومفاتحه وأقفاله وان في التراب يغطي أرضه وجدرانه لمعنى من معاني القبر!
ودنوت استمع إلى نجوى الزهرتين:
قالت إحداهما لجارتها: (ويلي - يا أختاه - من المقام بين تلك الأنقاض الميتة ما أكاد أشعر إنني زهرة ذات روح وعبير لماذا نمتني الأرض وزينتني بألوان الربيع إذا كنت لا أرى العين التي تتملى حسنى معجبة شهوى؛ ولماذا أنا زهرة إذا انقضت حياتي على وتيرتها بين هذه الأنقاض لا يشم عبيري أحد ولا تتناولني يد رفيقة. . .؟)
قالت أختها: (فإنك لتبطرين النعمة! وإنك في مقامك هنا لأسعد من أخوات لك هناك في
стр. 7913
الروض؛ ما تكاد تتفتح عنهن الأكمام حتى تتناولهن الأيدي؛ فيوماً في الحرير على الصدر ويوماً في زهرية على المائدة؛ ثم هي بعد مع الزبالة تطؤها النعال. . .!)
قالت: (وهل أنا زهرة إلا أن أكون عطراً يستنثي وجمالاً يشتهي؛ ويوماً على صدر ويوماً في زهرية؟ إلا إن يوماً واحداً هناك يشعرني جمالي - لخير من أيام هنا على هذا الغصن الشائك ما ينفك يخزني كلما مالت به النسمات! ألا إنما السعادة قلب وابتسامة وإنما الحياة أن أكون شيئاً في الحياة!)
وهبت نسمة عاتية فإذا الزهرة ورقات منثورة على التراب. . .!
يا ويلتا! حتى هذه الأشياء تنشد الحب وتستوحش من الوحدة والخراب. . .!
أيتها الزهرة التي انتثرت غضة عبقة لم تنعم بالحب؛ كم من قلوب بشرية كقلبك؛ انتثرت أحلامها بددا على أنقاض اليأس والحرمان قبل أن تستنشي عطر الحب أو تذوق لذة المنى. . .!
عزاءً لك ولي. . .
طنطاً
محمد سعيد العريان
стр. 7914
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
بستور
صلة حديثه
وصل الفائت: اثبت بستور إن الذي يحيل السكر إلى كحول في صناعة المشروبات الروحية إنما هو الخمائر. وهي أحياء غاية في الصغر، شكلها كري، تتوالد وتتزايد بالتنبت فالتقسم. واثبت إن عملية التخمر عند ما تفسد فلا تنتج من السكر كحولاً، فإنما يكون ذلك بسبب مكروبات اصغر من الخمائر، شكلها كالعصى، تسطو على محاليل السكر فتذهب بخمائرها، وتقوم بعملية جديدة مفسدة هي تحويل السكر إلى حامض اللبن الزبادي بدلاً من الكحول
وبينا هو في هذا، وبينا هو مستقر بأسرته في (ليل) إذ جاء زوجه يوماً يقول لها: (نحن ذاهبون إلى باريس فقد ولوني في مدرسة النرمال إدارة أبحاثها. وهذه فرصة عظيمة لا بد من انتهازها)
وانتقلوا إلى باريس. ولما جاء بستور مدرسة النرمال لم يجد بها مكاناً يشتغل فيه. وجد قليلاً من معامل للطلبة ووجدها سيئة قذرة. أما الأساتذة فلم يجد لهم شيئاً. وأسوأ من هذا أنه ذهب إلى وزير المعارف يستوضح الحال، فقال له الوزير إن الميزانية ليس بها قرش واحد ينفق على تلك القوارير والأفران والمجاهر التي لا يستطيع الحياة إلا بها. وما رجع حتى اخذ يدور في المكان القديم القذر يبحث في أسافله وأعاليه عن ركن يعمل فيه وهداه البحث أخيراً إلى سلم هداه في مشقة إلى حجرة صغيرة عند سطح البناء كانت ملعباً للفئران فطرد الفئران منها واستولى عليها وصاح: هذا معملي. ولم يلبث أن وجد مالاً لشراء مكرسكوباته وأنابيبه وقواريره - ولكن من أين لا يدري أحد يقيناً. كان لا بد له من
стр. 7915
المال فأعتزم أن يجده فكان. لا بد أن تعلم الدنيا خطورة خمائره هذه في الحياة. ولم تلبث الدنيا أن علمت بخطورتها
استيقن من تجاربه السابقة إن تلك العصى الصغيرة تحيل الكسر إلى حامض اللبن وعندئذ قام في نفسه إن الدنيا لا بد بها الألوف من أشباه هذه العصى تجري ألوفاً من أشياء هذه التحويلات وتأتي بأمور أكبر وأخطر من هذه منها الضار ومنها النافع. (إن هذه الخمائر التي أرانيها مجهري في أحواض البنجر السليمة، هي هي التي تخرج من السكر كحولاً. وإنها لخمائر كذلك تلك التي تخرج من الشعير جعة. وإنها لا شك خمائر تلك التي تخرج من عصير العنب خمراً. أنا بالطبع لم أثبت هذا بعد ولكني أعلم أنه صواب سيأتي إثباته). ومسخ نظارته في سرعة وصعد إلى معمله في بشر وخفة. فلا بد له من تجارب ليثبت لنفسه صدق الذي يقول لا بد من تجارب ليثبت للدنيا صدق ما يزعم. فالعالم لم يكن أمن بعد بالذي قاله
وكان ممن عارضه الألماني ليبج شيخ الكيمياء وسيدها وأميرها: (. . . ليبج يقول إن الخمائر لا دخل لها في تحويل السكر إلى كحول. ليبج يدعى أنه لا بد من وجود زلال في السائل وان هذا الزلال ينحل ويتهدم فيهدم السكر معه فيتكسر إلى كحول). واعتزم بستور أن يدحض رأي ليبج وفي ساعة برقت في خاطره بارقة، حيلة ماكرة تجربه بسيطة واضحة تقهر ليبج وكل من يشد أزره من هؤلاء الكيميائيين الذي يسخرون من هذه الخلائق المكرسكوبية الصغيرة ويهزؤون بما تقوم به من عظائم الأمور
(يجب علي أن أزرع هذه الخمائر في محلول من السكر لا زلال فيه. فإذا هي أحالت السكر إلى كحول إذن فعلى ليبج وعلى نظرياته العفاء). وامتلأ عناداً وامتلأ تحديا فقد كادت تنقلب هذه الخصومة العلمية إلى خصومة شخصية. جاءته الفكرة الجميلة للرد على خصيمه ولكن الفرق واسع بين الفكرة تخطر في الرأس وبين الفكرة تنفذ في المعمل فأنى له بطعام خلو من الزلال وهذه الخمائر اللعينة شبت على النعمة واعتادت مذاق كل لذيذ مرئ. أخذ بستور يدور في معمله ثم يدور يبحث عن طعام يطيب لهذه الخمائر وقضى على هذا أسابيع حتى فرغ جهده وضاق صدره. وفي ذات صباح وقع له حادث غير منظور فتح له ما استغلق عليه
стр. 7916
كان قد وضع بالمصادفة شيئا من ملح النشادر في مرق الزلال وضع فيه خمائر لتتزايد وتتكاثر. (ما هذا؟ إن ملح النشادر يتناقص من المرق كلما تزايدت تلك الخمائر فيه! ما معنى هذا؟) وأخذ يفكر. (نعم. نعم. إن الخمائر تعيش على النشادر. إنها تعيش من غير زلال!). ورد الباب رداً عنيفاً فاهتز البناء، فلا بد له الآن من الوحدة وقد أراد العمل، كما كان لابد له من الناس إذا أراد المتعة بالإفاضة بنتائجه الباهرة إلى الجماهير المعجبة المتحمسة. وتناول قبابات نظيفة وصب فيها ماء مقطراً نقياً؛ ووزن في دقة مقداراً من السكر النقي، وزلقه إلى الماء، وأضاف إليه ملح النشادر، وكان نشادر الدردي. ثم غاص في القارورة التي تنغشت بالخمائر الصغيرة المتنبتة، وأخرج منها شيئا وضعه في القبابة مع السكر وملح النشادر. ثم وضع القبابة في محضن دافئ ثم تركها
وفي هذه الليلة أخذ يتقلب في مضجعه، يطلب النوم فلا يؤاتيه. وأسر رجياته ومخاوفه إلى مدام بستور، فهدأت من روعه، ولكنها لم تستطع نصحه. نبض قلبها بنبض قلبه، وضاق صدرها بمثل الذي ضاق به صدره، ولكنها لم تقدر على مطارحته العلم وتأميله في النجاح القريب. كانت خير عون لخير زوج
وما كاد الصباح يهم بالشروق حتى كان إلى جانب قارورته، تلك القارورة التي خبأت له من صروف المقادير ما خبأت. لم يدر كيف صعد السلم إليها. لم يدر ما الذي أكله في إفطاره. كل الذي أحس به أنه واقف إلى قارورته قد احتواها هذا المحضن الترب، حتى لكأنما طار في الهواء إلى حيث كانت. فتح القارورة واخذ منها قطرة عكرة، فوضعها بين قطعتين رقيقتين من الزجاج، وضعهما تحت عدسة مجهره، ثم نظر. وعندئذ علم إن الدنيا أسلمت إليه القياد
(هاهي! هاهي! جميلة في تنبتها، جليلة في صغرها وكثرتها. مئات الألوف في احتشاد بديع. وهاهي وحدات من أمات الخمائر الكبيرة التي بذرتها في القارورة بالأمس). وامتلأ صدره فهم بالخروج ليفيض على الخلائق بالذي ملأه، ولكنه رجع فكبح جماح شهوته، فلا بد له من علم شيء آخر خطيراً جداً. واخذ شيئا من سائل القارورة ووضعه في معوجة، وأخذ يقطره على النار ليرى هل أنتجت تلك الخلائق من السكر كحولاً. (ليبج مخطئ في زعمه، فالزلال لا ضرورة له، فتلك الخلائق النامية هي التي تخلق من السكر كحولاً).
стр. 7917
وأخذ يرقب قطرات الكحول وهي تسيل من عنق المعوجة. وقضى ماثلا من أسابيع في تكرار تجربته، ثم تكرارها، ليؤكد إن الخمائر لا تني تتكاثر، وأنها لا تني تخرج كحولاً. ونقلها من قبابة إلى قبابة، ومن مرق إلى مرق، فوجدها تتنبت دائماً، وتتزايد دائماً وملا رقاب القبابات دائما برغاء من أكسيد الكربون المتصاعد من التخمر. ووجد الكحول دائما بالقبابات. كان عملاً جد عسير، حدا به إليه زيادة الحرص على صدق نتائجه، وخشية الخدعة فيما يتراءى له أنه الحق
استوثق من خمائره، واصبح أمرها لديه معروفاً مألوفاً، ولكنها لم تزد في عينه على الأيام إلا جدة، ولم تزده الفته إياها إلا إعزازاً لها. كان يرعاها كالأم الرؤوم، يطعمها ويحبها ويعجب بمجهودها الهائل في قلب السكر الكثير إلى كحول. وفوت على نفسه بذلك وجبات الطعام، حتى اعتل مزاجه وفسدت صحته. ذكر أنه جلس إليها ذات مساء في الساعة السابعة - وهي الساعة التي يحرص فيها كل فرنسي محافظ على إجابة دعوة المائدة - وأخذ يتجسس عليها وهي تتقسم فتتزايد، واخذ يحدق فيها، ولزمت عينه المجهر حتى منتصف الساعة العاشرة. وعندئذ، وعندئذ فقط، آمن بأنه رآها تتقسم فعلا، فتتزايد من جراء ذلك. وأجرى تجارب واسعة النطاق، بعيدة الأمد، تجارب امتدت من يونيو إلى سبتمبر، ليرى متى يفرغ صبر هذه الخمائر فتنكص عن تحويل السكر. فلما علم من هذا ما علم صاح يقول: (أعط خمائرك سكراً، تظل تعمل أشهراً ثلاثة أو فوق ذلك عدداً)
وعندئذ انقلب البحاث إلى دعاء. انقلب العالم إلى تاجر بارع يعنى بعرض بضاعته للناس، فيثير إعجابهم ويبعث الحمية فيهم. وذلك في سبيل الدعوة للمكروبات. فالدنيا يجب أن تعلم حقيقة أمرها، والناس يجب أن تنقطع أنفاسهم من الدهشة إذا أتاهم نبؤها - إذا هم أنبئوا أن ملايين الجالونات من خمر فرنسا، وبحار البيرة التي تصنع في ألمانيا، لا يصنعها الرجال كما يحسبون، ولكن جنود مجندة تعمل ليل نهار من المخلوقات لا تبلغ عشرات البلايين منها حجم طفل صغير من بني الإنسان والق عن أبحاثه محاضرات، وألقى في الناس خطابات.
ورمى في وجه ليبج حججاً تدمغ مزاعمه. ولم تلبث دولة العلم على الشاطئ الأيسر لنهر السين في باريس أن تحركت، فشمله أساتذته الأقدمون بالثناء. وأكاديمية العلوم التي
стр. 7918
رفضته بالأمس عضواً، جاءت اليوم تمنحه جائزة الفسلجة. وكلود برنارد رب الفسلجة ذاتها، قام يصوغ لها المدائح عقوداً. ودوماس، أستاذه القديم، أستاذه الذي أصعد بمحاضراته الدمع إلى عينيه وهو صبي أبله، قام في جمع عام يطرى بستور بحديث رائع، حديث جدير بإخجال رجلنا. ولكن رجلنا لم يخجل، لأنه أستيقن أن دوماس إنما يقول الحق. كتب بستور إلى أبيه: (وقام دوماس يتمدّح استقصاءاتي واستطراداتي، ثم وجه الخطاب إلي فقال: قد إجازتك الأكاديمية يا سيدي منذ أيام على أبحاث بارعة أخرى. واليوم يصفق لك هذا الحشد اعترافاً بأنك أستاذ في أساتذتنا عظيم مجيد. نطق دوماس بهذه الألفاظ ذاتها يا والدي، وتبع هذا تصفيق كان له دوي بعيد)
وبين هذا التصفيق كان من الطبيعي أن تسمع هسيساً من خصوم لا يرضون عما يقول. خصوم من خلق بستور نفسه. خصوم لم تخلقهم كشوفه الجديدة، وتخطيئه لنظريات قديمة وعقائد عتيقة، ولكن خصوم خلقهم سوء تحديه للناس. كان يكتب فتقرأ بين اسطره إعجاباً بنفسه، وتحقيره لكل من يتلكأ فلا يؤمن بالذي يأتيه تواً. كان يحب حوار الكلم، ويغرم كالديك بالمناقرة لأتفه الأمور. كان يغضب ويدمدم لكل نقد، حتى للتعليقة الساذجة يلفظ بها امرؤ عن اجروميته، أو تنقيطه لكلماته. انظر إلى صورته في هذا العهد. عام ١٨٦٠ على التقريب - تقرأ في كل شعرة من حاجبه اعتداده بنفسه، وتحفزه للحرب دون يقينه. وطالع أبحاثه الشهيرة في هذا الوقت، تجد فيها الشموس والأباء، حتى في مصطلحاته العلمية وفرمولاته الكيمياوية
أثار بستور الخصومات حوله لتحديه الناس وازدرائه إياهم، ولكن كان من بينهم من خاصموه بسبب اختلاف برئ على تجاربه. كانت تجاربه بديعة مدهشة، ولكنها لم تبلغ دائماً الغاية والكمال. كانت عليها مأخذ وبها ثغرات. مثال ذلك أنه كان يبذر في محلول السكر بعض تلك العصى القصيرة التي تحيله إلى حامض اللبن، فكان أحياناً يشم رائحة كريهة تخرج من القارورة هي رائحة الزبد إذا فسد، ثم ينظر بمجهره فلا يرى للعصى أثراً. ويمتحن السائل فلا يجد به من حامض اللبن الذي أراده شيئاً. فهذه الخيبات التي اعتورت تجاربه كان يتخذ منها خصومه قذائف يحاربونه بها. وكانت تقض مضجعه فلا ينام ليله. ولكن لم يدم ارقه طويلاً. كان بستور غريب الأطوار عجيب المسالك، ولم يكن
стр. 7919
بأقلها مسلكه إذا هو خاب. لم يستطع أصلاً أن يعلل لِمَ تحيط تخميراته أحياناً عن الطريق السوي المعروف، إلى طريق معوج غير مألوف، ومع هذا لم يظهر عليه أنه اهتم لهذا أبداً. كان ماكراً ذا حيلة، فإذا انسد في وجهه الطريق لم يحاول فتحه بنطحه، فقد علم أن هذا لا يجديه إلا تحطيم رأسه، فكان يدور حول المشكل دوراناً، ويزوغ من ورائه زوغاناً، فيلويه ويثنيه حتى يصبح له بعد أن كان عليه
لِمَ هذه الرائحة الكريهة رائجة الزبد الفاسد؟ لِمَ لا ينتج حامض اللبن أحياناً؟! وفي ذات صباح حدق في قطرات السائل، فرأى حياً جديداً يعوم حول تلك العصى المتخاذلة المتناقصة. (ما هذه الأحياء؟ إنها أكبر من العصى كثيراً، وهي تعوم كالسمك عوماً، هي إذن حيوانات صغيرة)، وأخذ يلحظها لحظات الكاره لها، الضائق بها، المتبرم منها، فقد عرف بالسليقة أنها دخيلة، إنها زورة الضيف الثقيل لا أهلاً به ولا سهلاً. وكانت تتقاطر كالإبل، ولكنه إبل كريهة المنظر، شوهاء الوجوه. أو هي كالأفعى تنسل انسلالاً. وأحياناً كانت توجد فرادي، وكان يدور الفرد منها دوراناً رشيقاً، أو يتزن على عقبه ثم ينفلت انفلاتاً بديعاً. وكان منها الرعاد والرقص.
مناظر ممتعة حقاً، ولكن ما دخولها إلى ماء السكر بغير دعوة ولا استئذان! وحاول بستور مائة مرة أن يسدّ عليها السبيل كي لا تدخل إلى القوارير. وسلك لذلك سبلاً لا تروق لنا اليوم. وكان كلما ظن أنه قطع دابرها، إذا بها تنط له في القوارير من جديد. وذات يوم خطر له أن هذه الأحياء ذات صلة بالرائحة الكريهة التي كان يجدها ببعض القوارير
وبهذا أثبت؛ في نوع من التحقيق، إن هذه الأحياء صنف جديد من الخمائر تحيل السكر إلى حامض الزبد الفاسد. أقول في نوع من التحقيق، لأنه لم يكن موقناً يقيناً تاماً بخلو قواريره من أنواع أخرى من الأحياء غير التي رآها. وبينما هو في خبلته، ساهم في حيرته، تراءى له أن يخرج النجاح من خيبته، ويطلب الفرج من أزمته. نظر إلى بعض السائل بأحيائه الجديدة فوجد أن أوسط القطرة يتنغش بها، ويعج بحركاتها. ودار بمنظاره قليلاً قليلاً غير قاصد حتى جاء إلى حرف القطرة، فوجد تلك الأحياء فاقدة الحراك كجثث الأموات تصلباً وهموداً. وعاد فنظر في قطرة أخرى، فوجد بها ما وجد بالقطرة الأولى، فصاح: (إن الهواء يقتل تلك الأحياء). وأكد لنفسه أنه كشف كشفاً خطيراً. وبعد قليل أخبر
стр. 7920
الأكاديمية أنه وجد خمائر جديدة، خمائر غريبة، تخرج حامض الزبد من السكر، وأنه وجد فوق ذلك أنها تستطيع العيش والحركة واللعب والعمل بدون هواء. بل إن الهواء يقتلها قتلاً. ثم عقب على هذا يقول: (وهذا أول مثل لحي يعيش بلا هواء)
ولسوء طالع بستور لم يكن هذا أول مثل، بل ثالث الأمثال، فإن لوفن هوك كشف هذا قبله بمائتي عام. واسبلنزاني قبله بمائة عام وجد أن الأحياء المكرسكوبية تعيش ولا تتنفس
يترجح عندي أن بستور لم يعلم بهذين المثلين، بل أنا جازم أنه لم يقصد إلى سرقة مجهود غيره، ولكنه في ثورته لكسب مجده، وتحرقه لتكثير كشوفه، تناقص اهتمامه بما جرى قبله وما كان يجري حوله، ومن هذا أنه كشف من جديد أموراً كشفها غيره، كأن كشف أن المكروبات تفسد اللحم، ونسى أن إشفان سبقه إلى ذلك، ونسى أن يؤدي إليه حقاً وجب.
على أنه يحسن بنا ألا نحرج بستور هذا كثيراً، ونعد سيائته في هذا الصدد عداً، ونحاسبه حساب الملائكة الشّداد. ذلك إن خياله، وهو من خيال الشعراء، كان قد بدأ يثبت الوثبة الأولى فيخال إن هذه المكروبات أعداء الإنسانية وقتلة الرجال. ففي مقال هذا كان يتحدث حديث الحالم فيقول: كما أن اللحم يفسد، فكذلك قد تفسد الأجسام، فتعتري الناس الأمراض. وتحدث عما قاساه من اللحم الفاسد وهو يعمل فيه. وتحدث عن كراهته للروائح الكريهة التي ملأت معمله وهو يجري هذه التجارب. (إن تجاربي في التخمر ساقتني بطبيعة الحال إلى هذه الدراسات فتقبلتها على ضرها وخطرها وبرغم الكراهة التي تبعثها في نفسي). ثم حدث الأكاديمية عما سيلقاه في سبيل هذه الأبحاث، وذكر لهم أنه لن يحجم عنها. واقتبس قول لافوازيه: (إن أقذر الأشغال وأكثرها حظاً من كراهة النفوس لتهون على المرء النبيل إذا هو توخاها لخير الإنسانية، وهي لا تزيد الرجل إلا قوة على قطع الصعاب التي يلقاها)
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 7921
موعد
للأديب حسين شوقي
لماذا تسرع هذه الفتاة في السير؟ لماذا؟ إنها خفيفة الخطى كأنها القبرة، وكأنها عما قليل ستطير عن رصيف الشارع. .! لماذا تسرع في السير؟ لو أنها ذاهبة إلى عملها لكان هناك ما يبرر هذه العجلة، ولكن هذا غير مستطاع لأن الساعة الآن السادسة، والمكتب الذي تعمل فيه قد أغلق أبوابه منذ الساعة الخامسة. . لماذا تسرع الفتاة في السير إذن؟ إنه يكفي أن تلمح في وجهها علائم البشر والاغتباط لتدرك لماذا تسرع في خطاها. . إنها على موعد من حبيبها. .
إنها سعيدة، ولما كانت سعيدة أصبحت تعتقد أن الناس كلهم سعداء مثلها. . . ولكن انظر إلى هذه الطفلة الفقيرة النائمة على طوار الشارع بجانب الحائط، لا يمكن أن تكون سعيدة وهي على هذه الحال من البؤس، أحست نحوها الفتاة بحنو شديد حتى فكرت في تبنيها. . . ربما تبنتها لدى عودتها من الموعد. . ها هو أيضاً كلب لا يمكن أن يكون سعيداً، لأنه مجروح، يتألم من جرحه، فقد قذفه أحد الأطفال الأشقياء بحجر فأدماه، تود الفتاة لو أنها تحمله إلى الصيدلية لتضميد جرحه، ولكنها مع السف متعجلة، فهي على موعد من حبيبها، وقد تأخرت عنه، فالموعد في الساعة السادسة، والساعة الآن ست عشرة. . . مسكين حبيبها لابد أنه قلق من طول الانتظار! إنها ترغب في ركوب سيارة لتدركه بسرعة، ولكنها تخشى أن يرفض سائق السيارة توصيلها، لأن المكان الذي ينتظرها فيه الحبيب قريب جداً، فهو على خطوات منها. . تنتقل الفتاة إلى الطوار الآخر، تخترق الطريق وهو غاض بالحركة دون أن تنتظر إشارة الشرطي المؤذنة بالمرور. . حقاً! إن أمر هذه الفتاة عجيب! ألكونها تحب تظن نفسها معصومة من الأخطار؟ تدخل المقهى حيث ضرب لها حبيبها موعداً. . . . . إنها تحس بدوار خفيف عندما وضعت رجلها على عتبة المكان، إن قلبها أيضاً ليس في حال طبيعية، أنه يخفق بسرعة، إذ هو أشد منها رغبة في ملاقاة الحبيب، ولكن لماذا تجهم وجه الفتاة فجأة؟ لماذا؟ لم تجد حبيبها في المقهى، بحثت عنه في كل ركن ولكن بدون فائدة، إنها تحس خوراً في قواها، لذلك جلست هناك إلى مائدة، ثم أخذت تنظر إلى ساعتها اليدوية التي أشار عقربها إلى السادسة والثلث، ثم نظرت إلى
стр. 7922
ساعة المقهى الكبيرة المعلقة في صدر المكان، كأنها لم تقتنع بساعتها، فإذا هي أيضاً السادسة والثلث. . . تنادي الخادم فتسأله: هل ساعة المقهى مضبوطة؟ فيؤكد لها الخادم ذلك. . علامَ هذا القلق؟ علامَ؟ إن الحبيب سوف يحضر. . . لعل طارئاً قد عاقه. . . إنها تطلب فنجاناً من القهوة لتهدئة أعصابها، ولكن تأتي القهوة وأعصابها ما زالت مضطربة. . . تتناول مجلة لتلهى بها نفسها ولكنها تعيدها بعد برهة إلى مكانها، لأنها لا تفهم ما تقرأه، مع أن المجلة ليست علمية صعبة، بل هي تتحدث عن نجوم (هوليود). .
تعود الفتاة إلى إرهاق ساعتها، تنظر إليها مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم تعيد النظر في ساعة المقهى. . ربّ! كيف مر الوقت بهذه السرعة؟ إن العقرب أشرف على السابعة! هل داخل الساعة شيطان يا ترى يعجل الوقت لإغاظة الفتاة؟ يأتي الخادم وقد رآها قلقة، فيسألها: هل تنتظرين أحداً يا سيدتي؟ فتجيبه متلهفة بالإيجاب، ثم تعطيه علامات الحبيب لعله يكون قد رآه، ولكن الخادم آسف لأنه لم يشاهده. .
تتأهب لمغادرة المقهى إذ يئست من الانتظار، تغادر مكانها وهي أشد حزناً من حمامة هجرها أليفها، ولكنها تعود ثانية إلى المقهى فقد نسيت أن تؤدي قيمة ما شربته. . تقف برهة على الباب، إذ عساه يحضر. . ثم تطأطئ رأسها وتنصرف. .
تعود إلى المنزل، ولكنها تسلك هذه المرة طريقاً أخرى غير الطريق الأول، لأنها لم تعد ترغب بعد في تبني الطفلة الفقيرة، ولا في تضميد جرح الكلب. تدخل حجرتها فترتمي على السرير لأنها تحس بتعب شديد كأنها صعدت جبال (الهملايا) مع أنها في الواقع مشت قليلاً. . ليس ما بها من التعب، بل من الحزن، الحزن العميق. . .
تركت باب الحجرة مفتوحاً لتسمع التليفون إذا دق، فهي تأمل أن يعتذر الحبيب إليها. . . يدق التليفون فتسرع إليه، كما يسرع الغريق إلى قارب النجاة. . . . يالخيبة! ليس هو الحبيب الذي يتكلم، بل هو إنسان آخر قد أخطأ الرقم، يدق التليفون من جديد فتهرع إليه الفتاة، فإذا المتكلم سيدة تسأل عن (س) الجزار. . .! ثم يدق التليفون مرة ثالثة، في هذه المرة هو الحبيب الخاطب المتكلم، لأن الفتاة اغتبطت فجأة اغتباطاً عظيماً كأنها ربحت اليانصيب الايرلندي. . . الخاطب يسألها عن سبب تأخرها لأنه ظل ينظرها ساعتين كاملتين في المقهى، وكان أنظاره في المقهى آخر، إذ اخطأ اسم المكان، الفتاة تسرع في
стр. 7923
الذهاب إليه، وقد زال عنها تعبها في غمضة عين، إنها تنهب الدرج نهباً أثناء النزول، فتزل قدميها وتسقط سقطة مؤلمة، ولكنها لا تحس ألماً، بل تضحك من أجل هذا ضحكاً متواصلاً. ثم أخذت تفكر مرة أخرى في تبني الطفلة الفقيرة، وفي إسعاف الكلب الجريح!. .
كرمة ابن هاني
حسين شوقي
-
стр. 7924
٢٠ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
قلت - نعم ولكن لم يرو عن هرقليس نفسه أنه نازل اثنين
فقال - ادعني إذن، وسأكون لك أيولاوس حتى تغرب الشمس
قلت - سأدعوك، لا كما يدعو هرقليس أيولاوس، ولكن كما كان يفعل أيولاوس لو كان يدعو هرقليس
قال - لا فرق بين هذا وذاك، ولكن لنأخذ الحذر أولاً لكي نتقي خطراً
قلت - وما ذاك؟
أجاب - خطر أن تتمكن منا كراهة المنطق فذلك من أسوأ ما قد يصيبنا من أحداث، فكما أن ثمة أعداء للإنسانية وهم من يمقتون البشر، كذلك هنالك من يكرهون المنطق وهم من يمقتون المثل، وكلاهما ناشئ من سبب بعينيه، هو الجهل بالعالم، فتجيء كراهة البشر من الغلو في الركون إلى عدم الخبرة، فأنت تثق برجل، وتظنه مخلصاً تمام الإخلاص. وخيراً وأميناً، ثم لا يلبث أن يتكشف لك زائفاً خبيثاً، وهكذا غيره وغيره.
فإذا وقع ذلك الإنسان مرات عدة، وبخاصة من جماعة أصدقائه الذين يظنهم اشد الناس إخلاصاً له، وكثر النزاع بينه وبينهم، فإنه ينتهي آخر الأمر إلى كراهة الناس جميعاً، ويعتقد أن ليس بين الناس على الإطلاق صاحب خير. أحسبك بغير شك قد لاحظت هذا.
قلت - نعم
- أليس ذلك مدعاة للخزي؟ وسببه إن الإنسان في اضطراره إلى معاملة سائر الناس، لا يكون لديه بهم علم، لأنه لو عرفهم لعرف الأمر على حقيقته، وذلك إن ذوي الخير قليلون، وان ذوي الشر قليلون، وان الكثرة الغالبة هي فيما يقع بين هذين
قلت - ماذا تعني؟
أجاب - أعني أنه كما قد نقول عن بالغ الكبر وبالغ الصغر، بأنه ليس أندر من رجل بالغ
стр. 7925
الكبر، أو رجل بالغ الصغر، فهذا ينطبق بصفة عامة على الهايات، سواء أكانت ذلك عن الكبير والصغير، أم السريع والبطيء، أم الكدر والصافي، أم الأسود والأبيض، وسواء ضربت أمثلة ناساً أو كلاباً أو أي شيء آخر، فقليلون هم النهايات، أما الكثرة فتتوسط بين النهايات، أو لم تلاحظ هذا فقط؟
قلت - نعم لاحظته
قال - ثم ألست ترى أنه لو كان بين الشرور تنافس، لوجد أن قليلاً جداً منها هو اسبقها في الشر؟
قلت - نعم فذاك ارجح الظن
أجاب: نعم ذاك أرجح الظن، ولست أعني إن مثل الأحاديث في هذا مثل الناس - وأراك ها هنا قد حملتني أن أقول أكثر مما اعتزمت أن أقول، ولكن وجه المقارنة هو أنه إذا ما آمن رجل ساذج، لا يحذق علوم الكلام، بصحة دليل، وخيل إليه فيما أنه باطل، سواء أكان باطلاً حقاً أم لم يكن، ثم تكرر هذا في غيره وغيره، فلا تبقى للرجل عقيدة واحدة، وينتهي المر كما تعلم بكبار المجادلين إلى الظن بأنهم قد باتوا احكم بني الإنسان، لأنهم هم وحدهم الذين أدركوا ما في التدليلات كلها من تزعزع وضعف شامل، لا بل أدركوا ذلك في الأشياء جميعاً، وهي تظل هابطة في مد وجزر لا ينقطعان، كما هي الحال في تيار يوربيوس
قلت: هذا جد صحيح
أجاب: نعم يا فيدون، ولشد ما يبعث على الأسى أيضاً أن يصادف إنسان تدليلاً هنا أو هناك، فيبدو له أول الأمر أنه حق، ثم يتكشف له عن باطل، فبدلاً من أن ينحو باللائمة على نفسه وعلى ما يعوزه من ذكاء، تراه لحنقه آخر الأمر يغتبط شديد الغبطة في إزاحة اللوم عن عاتقة ليلقيه على التدليل بصفة عامة، ويظل بعد ذلك إلى الأبد كارهاَ لاعناَ لكل تدليل، فتفلت منه حقيقة الوجود وعرفانه، لو كان ثمة ما يسمى بالحقيقة أو اليقين أو القدرة على المعرفة إطلاقاً
قلت: نعم، إن ذلك ليبعث على الحزن الشديد
قال: فلنحاول إذن بادئ ذي بدء، أن نسلم في نفوسنا بالفكرة القائلة أنه لا حقيقة ولا عافية
стр. 7926
ولا قوة في أي تدليل على الإطلاق، ولنعلن قبل ذلك أن ليس فينا نحن الآن عافية وانه يجب أن نطلق فينا العنصر الإنساني، ونسعى جهدنا في اكتساب العافية - فتكسبها أنت وسائر الناس جميعاً من أجل حياتكم المقبلة كلها، وأما أنا فمن أجل الموت، فلست أحس الساعة إني متخلق الفيلسوف، وما أنا في الرأي إلا مشايع كأفراد السوقة، وليس يعبأ المتشيع، حينما يلج في المخاصمة، بأوجه الصواب من الموضوع، بل يحرص على إقناع سامعيه بأقواله وكفى، وليس بينه وبين في اللحظة الراهنة من فرق إلا هذا ـ بينا هو يحاول إقناع سامعيه بصحة ما يزعم، تراني أحاول إقناع نفسي قبل كل شيء، فإقناع سامعي أمر ثانوي بالنسبة إليّ. ولتنظرن كم عسى أن أفيد بهذا، فلو كان ما أقوله صحيحاً فما اجمل أن أكون مقتنعاً بالحقيقة، وأما إن كان لا شيء بعد الموت، فسأفو على أصدقائي هذا العويل فيما بقي من حياتي من أجل قصير، هذا وسترتفع عني جهالتي، ولهذا فلن يقع مني ضرر. أي سيماس وسبيس، تلك هي الحالة العقلية التي أتناول بها الحوار، وإني اطلب إليكما أن تفكرا في الحقيقة لا في سقراط؛ فإن رأيتما إني أتكلم حقاً فوافقاني وإلا فقاوماني بكل ما وسعكما من جهد، حتى لا أخدعكما جميعاً كما اخدع نفسي، وحتى لا أكون لكما كالنحلة، فادع فيكما حمتي قبل موتي
قال: والآن دعنا نمضي، ولأتأكد منك قبل كل شيء إن ما في ذهني يطابق ما كنت تقوله، فإن كنت مصيباً فيما أتذكر، فقد كان لدى سيماس مخاوف وشكوك أن تكون الروح أسبق إلى الفناء، ما دامت في عبارة عن انسجام، على الرغم من أنها أشد من الجسد ألوهية وصفاء. وقد بدا سيماس من جهة أخرى أنه يسلم بأن الروح أطول من الجسد بقاء، ولكنه قال: عن أحداً لا يستطيع أن يعلم إن كان يمكن للروح بعد أن تكون قد أبلت أجساداً عدة، أن نفني هي نفسها، مخلفة وراءها آخر أجسادها، وأن هذا الموت الذي يجلب الدمار للروح لا للجسد، لأن فعل التخريب لا يفتأ عاملاً في الجسد أبداً. أليست هذه، ياسيماس وسيبيس، هي النقط التي تستوجب منا النظر؟
فوافق كلاهما على إن ذلك تقرير لرأيهما
فمضى سقراط: وهل تنكران ما في الحوار السابق كله من قوة، أم تنكران ما في بعضه فقط؟
стр. 7927
فأجابا: بل ما في بعضه فقط
قال: وماذا ارتأيتما في ذلك الجزء من الحوار الذي ذكرنا فيه إن المعرفة عبارة عن تذكر فحسب، واستنتجنا منه إن الروح لا شك كانت موجودة فيما سبق، في مكان آخر، قبل أن تنحصر في الجسد؟ فقال سيبيس أنه قد تأثر بذلك الجزء من الحوار تأثراً عجيباً، وانه لبث فيه راسخ اليقين، ووافقه سمياس، وأضاف أنه عن نفسه لم يكد خياله يجيز أن يجيء يوم يرى فيه حول ذلك رأياً مخالفاً لهذا
فاستأنف سقراط: ولكن يجدر بك، أي صديقي الطيبي، أن ترى رأياً مخالفاً، لأنك إن أصررت على إن الانسجام في إطار الجسد، فلا ريب انك لن تجيز لنفسك القول بأن الانسجام سابق للعناصر التي يتألف منها الانسجام
- كلا يا سقراط فذلك مستحيل
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 7928
في مجمع الرذائل
للأستاذ فخري أبو السعود
عقَدَ الرذائلُ في خلاءٍ مجمعاً … في مهمةٍ نائى المزار يباب
يَنثُرنَ كلّ حديثِ سوءٍ مْجتَوًى … بينَ الدِّنانِ ومُتْرَعِ الأكواب
وتتابعت ثَمَّ الرذائلُ كلها … يَخْطبْنَ في لَسَنٍ وفي إطناب
متفاخراتٍ بالذي رَنَقَنَ من … نعماَء أو قطٍعن من أسباب
وتدفقَ الحسدُ المفَوّه واصفاً … مَسْرَاه في الأكباد والألباب
وتلاهُ ثمتَ الاغتيابُ يَقُصُّ ما … يمشي به من فتنةٍ وتَباب
حتىإذا سكت الجميع وقَرَّ ما … في الحفل من جدل ومن تَصخاب
ارتدَّ حُبُّ النفْسِ ثمتَ قائماً … نضرَ الصبا مُتألقَ الجلباب
متبسماً متمكناً من نفسه … فِعْلَ العريق المجدِ والأحساب
فدعا: ضُيوفي! قد سمعتُ خطابَكم … فتسمعوا أنتم لفَصْلِ خطابي
أنا ربُّ هذا الخَلْقِ دانوا كلهم … لِعُلَايَ قَبْلَ عِبَادَةِ الأرباب
وأنَا قَهَرْتُ عَدُوىَ الإيثارَ إن … ناداهمُ وَلوْا بغير جواب
وإذا دعوتُهُمُ فَرَهْنُ إشاَرَتي … وهُمُ على ما رُمْتهُمْ أَحَزابي
أنا مُفسِدُ الوُدِّ الذي زعموه من … قدَمٍ فكلُّ الود محض كِذاب
إما رأيتُ وثيقَ ود بَينهمْ … أنفَذْتُ سهمي فيه أو نُشابي
فأنَبتَّ أو وَهَنَتْ عُرَاهُ أو اغتدى … زَيفاً مِنَ الأقوال والألقاب
مِن ذاك يحسَبُهُمْ جميعاً مَنْ رأى … وقلوبُهمْ شَتى هَوىً وطِلَاب
ويُرَى الودادُ أَقَلَّ ما احتفلُوا به … منِ طيبِ ذُخْرٍ أو كريمِ رغاب
لم يأخذوا في العيش أو يُعطُوا سوى … ما دوَنوا في دَفتَرٍ وحساَبِ
وأنا المغالي في النفوسِ بِقَدْرها … حتى تُصَغرَ مدحَ كلِّ محابي
وأنا المبررُ للخَطايا عِندَها … فَتَرَى صواباً كلَّ غيرِ صواب
وأنا مشوهُ كل فضلٍ ظاهرٍ … للغير وهو أحقُّ بالإعجاب
وأنا محرضُ من تجاوزَ حقه … وبغَى على القُرَناءِ والأصحاب
стр. 7929
وكذاكَ أضرِمُها عوَاناً بينهم … يَصلوْنها حِمَماً وبرحَ عذاب
وإذا أشاء أبُثُّ فيهمْ منكمُ … رسلي وأنشر بينهم أذنابي
امشي بحقدٍ بينهم وضغينةٍ … وأُوَكلُ المغتاب بالمغتاب
ويكون لي الكذبُ المموه برقعاً … ويكون من زَيْفِ النفاق خضابي
وأهيج بالحسد الجوانحَ والحشاَ … فتعجُّ بالأوضارِ والأوصاب
انتم جنودي لا عَدِمْتُ ولَاءكم … أبداً على الأجيال والأحقاب
فأحُسوا الشرابَ لقد رضيتُ بَلَاءكم … لكمُ ثنائي كله وثوابي
فخري أبو السعود
стр. 7930
أمراض الحضارة
// ليت الذي بجليل الفكر حققها … يشاهد الآن (فقد العز في الحضر)
(جيل الحضارة) هذا فانظرن معي … أللبطولة عند القوم من أثر؟
أم للمودة والإخلاص منزلة … أم للمروَءة والإخلاص من خطر؟
تقدم العلم فانحطت به قيمَ … كانت هي العرف بين الله والبشر
مالوا عن الدين لما شك عالمهم … والشك أدعى لأخذ الأمر بالحذر
فأصبحوا هملاً لا يفقهون لما … في الدين من وازع والعلم من بصر
وأولعوا بسخيف من عوائدهم … عجزاً عن الجد في الإبداع والظفر
ظواهر الأمر تكفيهم وتشغلهم … عن النفوذ وراء السطح والصور
فضيلة لم تُذع ليست لصاحبها … فاحرص على النشر دون الصدق في الخبر
يا من يريد بجهد صامت شرفاً … أقصرْ ودع عنك هذا الوهم واعتذر!
(أجاعل أنت بيقوراً مسلعة … وسيلة لك بين الله والمطر؟)
ويح البرية من علم يضيء لها … جوانب الكون دون النفس والفكر
(. . . .)
стр. 7931
نعيم الحب
بقلم حلمي اللحام
عضو المجمع الأدبي
هاجَتْ بِيَ الذكْرى شُجُونَ الهوَى … وأضرَمَتْ في الصدر نارَ الْجَوَى
تلفتَ القلبُ إلى أَمِسهِ … لَهْفَانَ مِما جَشمَتْهُ النوَى
أيْنَ عُهودٌ كالرؤَى لذة … وظلُّ عَيش كَرَفِيفِ الْحُلَى
وأيْنَ حُلْمٌ سائغٌ وِرْدُهُ … كَسَلْسلِ الْخُلْدِ إذا ما جَرَى
يا نِعْمَةَ النسْيَانِ جُودِي عَلَى … قلْبٍ رماهُ اليَأسُ حتى ذَوَى
وَهَدْهِدِي بالسحْرِ أحزانَهُ … وَأَرْقِدِى فيه طُيُوفَ الأَذَى
أَواهُ كم يَهفُو إلى رَقْدَةٍ … في ظِلكِ الوَارِفِ هَفْوَ الصبا
إنْ سَاوَرَتْنيِ سِنَةٌ حُلْوَةٌ … نَعْمتُ باللثْمِ وطِيبِ اللقاَ
وإِنْ تَغِبْ أَشْقَ، فياليْتَنيِ … اقضِي حياتي في ظِلال الكَرَى
يا طَيْفَهَا كم زُرْتَنيِ مُنْعِماً … في هَدْأَةِ الليلِ وسَجْوِ الدُجى
وَطِرْتَ بالروحِ إلى عالَمٍ … مُزدَهِرِ الأَرْجاءِ، ضَاحي الذرَى
يُرَفْرِفُ الحُبُّ على أُفْقِهِ … ويَنْعَشُ المحزُونَ فيه الرضاَ
مُضْنَاكِ يا رَيْحانَتيِ يائسٌ … طاحَتْ أغانيهِ وغابَ الصدَى
إِنْ هَاجَهُ الشوْقُ بكَى حَظهُ … وعَادَهُ الماضِي فأَغضى أَسَى
آضتْ منَ الهِجْرَان جَناتُهُ … صَحْرَاَء لا يَضْحَكُ فيها الْجَنَى
فَنَضرِيها تَأتَلِقْ بَهْجَةً … وتكْتَنِفْها نُعْيَمَاتُ الدنا
أنْتِ سَناَ الروْضِ ورَيْحانْهُ … وفتْنَةُ الزهْرِ وعِطْرُ الشذَا
منْكِ اسْتَمَدَّ القلبُ أَلْحَانَهُ … واسْتَلْهَمَ الشعْرَ وذاقَ الهوَى
يَا حُسْنَ ذِكْرَاكِ وَيَا طِيبهَا … قُوتاً لِرُوحي إِنْ عَرَاها الوَنَى
لم يَبْقَ في الكأسِ سِوَى جُرْعَةٍ … والنفْسُ ظَمْأَى! أَفتُرْوِى الصدَى؟
مَنيْتِني بالوَعْدِ، لكِننيِ … مِثْلُ فَرَاشٍ حامَ حَوْلَ السنَا
تَرَكتِني في لوْعَةٍ مُرةٍ … مُستَعبرَ العَينيْنِ، جَمّ الضُى
стр. 7932
لا الطيْرُ يُصبِينيَ ترْجِيعُهُ … في السحَرِ الندْيَانِ إِما شَدَا
ولا الأغارِيدُ تَذُودُ الأَسَى … عن مُهجَتي الحَرى وتَنْفى الشجاَ
هذا الصبا المِمرَاحُ أيامُه … رَفافةٌ، حاليَةٌ بالمُنى
والمُجتنَي دانٍ فهيا نَهِمْ … مثلَ طيورِ الفْجرِ بينَ الربا
ونَحْىَ كالزهرِ ألِيفيْ هَوى … في رَوْضةٍ وَشى رُباها الحَيا
ونَقطفِ اللذاتِ مَنضورةً … من قبلِ أنْ يَذْوىَ عُودُ الصبا
عينَاكِ سِرُّ الوَحْيِ في خاطرِي … وثَغْرُكِ المَعْسولُ كأسُ الطلى
فأرْشِفيني نَهلةً عذْبةً … تَغْمُرْ جَنَاني بِسَنىِّ الرؤى
وألهمِيني نَغماً فاتناً … أنْسَ بهِ بَرْحَ الأسَى والبُكا
إذا انتَشَى قلبيَ من حبهِ … فلا صَحاَ منْ سُكرِهِ لَا صَحاَ
الحبُّ رُوحُ اللهِ في خلقهِ … ونَفْخَةُ الوَحىِ، ونورُ الهُدَى
جادتْ قِفارَ الكوْنِ أنداؤُهُ … فبَشتِ الدنيا، وغضَّ الثرَى
لولاهُ ما غردَ في أيكةٍ … طيرٌ ولا غَنى حَمَامُ الضحَى
ولا أراقَ الورِدُ أنفَاسَه … في الجوِّ رَيا مِرُضَابِ الندَى
آمنْتُ بالحبِّ وآلامهِ … كلُّ نعيمٍ ما عداهُ سُدَى
(دمشق)
حلمي اللحام
стр. 7933
القبلة
بقلم الياس فيصل
أنتِ سِلك مكهرَبٌ بشعاعِ ال … حبِّ ينبث منه همسُ الفؤادِ
فيكِ من نكهةِ الشعور حميا … سحرُها المستطابُ خافٍ وبادِ
أنت معنى، بيانه الفذ يبرى … من جمال المراحِ أفقاً جديدا
أنتِ أنشودةٌ تزفُّ ثنايا … ها رجاَء مذهباً منشودا
وسواء ألممت مسرعةَ ذا … ت نفورٍ أو ذبتِ بين الشفاه
ففتونُ الفتونِ كالنور يغشا … كِ بلونٍ من التمتع زاهي
نزوة الشوق تسكبين عليها … ما يوارى لهيبها المنثورا
والحنين الملحّ في القلب يغدو … حين تهفين لذةَ وحبورا
ليس ينسى النبوغ مالك من فض … ل ولن تغفل العلى عن جميلكْ
كم فتى سجل الخلود اسمه ما … كان لولا جهوده في سبيلكْ
يا خيالا من اللذاذة فيه … قبس الذكرى دائم الإيماض
ليتَ محبوبتي تروى غليلي … مرة من معينكِ الفياضِ
عاصمة الجمهورية الفضية
الياس قنصل
стр. 7934
القصص
من أساطير الإغريق
يو أو منشأ إيزيس
للأستاذ دريني خشبة
كان لأحد أرباب الأنهار التي تنحدر من شواهق الأولمب ابنة بارعة الجمال فتانة، حلوة كأنها قبلة على فم حبيب، رقيقة كأنها زنبقة على غصن رطيب
وكانت تخطر كما تخطر نسمة معطرة أفلتت من الجنة لتملأ القلوب حباً، ولتشيع في الحب سعادة، ولترف في قيظ الحياة فتروح على المكدورين المحزونين
وكانت هذه الفتاة (يو)، مفتتنة بجمال الطبيعة، مشغوفة بسحرها الأخاذ، تود لو تستطيع فتعيش ملء السهل والجبل، أو تقدر فتنسجم والحياة الدائبة في الغابة، أو تكون روحاً شفافاً يرف في زرقة السماء، ويمتزج بالظلال والأفياء
ولم تكن عاشقة، ولكنها كانت حين تجلس على الصخرة المشرفة على البحر تعبد القمر في هدأة من الليل، يتهيج حب الطبيعة في نفسها، فتبكى وتبكى، ولا يقطع عليها بكاءها إلا خرير الغدران المترقرقة التي تنسرب في الأدغال. . . وكانت عبادة الطبيعة تقطعها عن أترابها من عرائس الماء، وصاحباتها من بنات الغاب، فكن إذا تفقدنها، توزعن في مهاوي الجبل، وتفرقن في منبسط السفح، وتنادين بها ههنا وههنا، حتى يجدنها آخر الأمر مستغرقة بين يدي قمرها المعبود، تناجى البحر المصطخب، وتلكم النجم المضطرب
ونزل زيوس يوماً من ذروة الأولمب التي هي أول مراقي السماء، يرتاد جنات الأرض في مملكة جدته (جي)، وما كاد يوغل في إحدى جنبات الجبل حتى لقي يو، تلك الفتاة الأولمبية الساحرة، واقفة على الصخرة تستمتع جمال الشروق في صبيحة من أوليات الربيع. . . وكانت السماء ما تزال موشاة بسحائب خفيفة من بقايا الشتاء، وأراد، ذكاء تنتشر خللها فتفضض أذيالها، وتذهب أوساطها، وتكسب الأفق رونقاً زاهياً خلاباً
وسحر زيوس، وهو كبير الآلهة، بجمال العروس التي هي من خلقه، وابنة أحد اتباعه وأحس بعطف يغمر قلبه العظيم من أجلها، وشعر كأنه ظمئ إلى هذا الجمال الفتان
стр. 7935
المشرق، الذي كف في عينيه جمال زوجاته، وفيهن حيرا وديون ولا تونا.
ووقف الإله المشدوه يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وسمر مكانه، وهو سيد الآله، يعبد عبدته الصغيرة التي أبدعتها يداه. . وهو لا يدري!
وعول على اغتنام الفرصة، وأقسم ليملأن وطابه استمتاعاً لا يضيره ألا يكون بريئاً، ولذاذة ليس به أن تكون نقية خالصة. . . (أنا سيد أرباب الأولمب، وكل ما بين لابتيك أيتها الأرض لي؟، وقد اشتهيت هذه الجميلة الخبيثة فمن الذي يجرؤ أن يحجزها عني أو يمنعها مني!. . . .؟)
ثم بد له ألا يزعجها بالظهور لها في سيماه الحقيقية فينخلع قلبها وتطير نفسها، لأنها ستكون منه تلقاء إله فتحول في لمحة إلى فتى يافع ينهل الشباب في برديهن ويترقرق الصبي في أعطافه، وتشع عيناه صبوة وفتوناً. وتقدم إليها فحياها تحية كلها صفاء وكلها دعة، فحيت بأحسن منها، ولقيته أرضى لقاء. . .
وجلس يحدثها وتحدثه، وكان الإله المحتال يمزج أحاديثه بالسحر، ويزخرف صوته بالموسيقى، ويعسل ابتساماته بالمحبة، ويطلق في نظراته كل ما وسعه من شياطين الهوى، وكان ما ينفك يقترب منها ويقترب، حتى لامس ذراعه ذراعها، فأخذ يدها الصغيرة البضة بين كفيه الحارتين، وطفق يضغط قليلاً قليلاً. . .
وصمتا هنيهة. . . ثم فرغ طور اللسان، وبدأت نوبة العين، وأخذا في رشفات وقبل. . .
وعاد أدراجه إلى الأولمب، ولما يزر من أطراف الأرض غير هذه الناحية الحبيبة التي سعد فيها لحظة بيو، وظل منذ ذلك اليوم يتردد إليها فيلقاها على أنها كأسه الروية التي تبترد بها غلته، وتلقاه على أنه حبيب أسعدتها فينوس به، وما درت قط أنه كبير الآلهة ورب الأرباب. . .
وكان يتحرق إلى لقائها، وكانت تتسلى عنه بقمرها الفضي، فإذا سعدت منه بزورة، اندغمت عبادتها للطبيعة في عبادتها له، وأذهلتها نشوة الحب عن الدنيا وما فيها!
وأحست حيرا ببعض ما يشغله، ولحظت أنه صادف عنها، فأيقنت أن لابد من أمر، وأن في الأمر أنثى، وأن في الأنثى صبابة وغراماً، فبثت العيون ورصدت الرقباء، حتى وقفت من شأنه على كل شئ!
стр. 7936
ولشد ما دارت الدنيا لحيرا! لقد ودت أن تقلب جبلاً على رأس يو!! وأقسمت أن تبغتهما إذ يتراشقان كؤوس الهوى دهاقا، لكيلاً يكون لبعلها على خيانته حجة، ولكيلا يكون له من بعدها برهان
وذر قرن الشمس في صبيحة ضاحكة، فذهب زيوس يشفى ما في قلبه من برحٍ عند يو، وكانت حيرا قد أوهمته إنها ستقضى سحابة يومها هذا عند واحدةٍ بعينها من صديقاتها، وزاد ذلك في ابتهاج الآله، وضاعف انشراحه، واعتزم أن يستمتع طيلة يومه هو الآخر لدى يو
وانه لفي لهو النشوة وأبان السكرة وعنفوان المرح، إذا به يلمح حيرا مقبلة!. . .
وكانت ما تزال في أول الأفق، فأيقن أنها مكيدة دبرته لتفجأه مع يو، وإنها قد كشفت من سره ما بالغ في كتمانه.
فتناول إذن صاحبته فنفث فيها نفثة سحرتها في أقل من لمحة بقرة بيضاء ناعمة، ثم شرع يلاطفها ويمسح عنقها. . .
ووصلت حيرا، ولم تنطل عليها حيلة الآله، وما شكت قط إن البقرة الواقفة تبحث بأنفها في الحشيش الأخضر كأنها تنشد الكلأ، إن هي إلا يو. .! عدوتها اللدود!!
فبسمت لزوجها بسمة كلها دل وكلها فتون، وسألته، وهو يحاول منها قبلة، أن يمنحها هذه البقرة الخصبة التي. .:
(لم أر في حياتي أشق منها ولا أجمل. . لقد أحببتها ن وهي من غير ريب، حين تكبر، ستعطينا أجود اللبن وأسلمه، وسيكون لبنها خير غذاء لوادينا الحبيبين ايرس وهيفيستوس ولطفلتنا الجميلة هيب. . .)
وارتبك زيوس، ولم ير بدا من إجابة زوجه إلى ما تريد. . .
ومضت حيرا بالبقرة فرصدت لها أحد اتباعها الأقوياء:
آرجس الهائل، ذا مائة العين التي لا تنام! ناطته بها، وأمرته ألا يغفل عنها. . . (وإلا فالويل لك يا آرجس إذا هربت منك، أو احتال عليك فألهاك عنها. . . إذن يحل عليك غضبي وأسحقك سحقاً. . .)
وظل الحارس الساهر يرعى يو، ويرقب كل حركة من حركاتها، حتى فزعت المسكينة من
стр. 7937
سوء منقلبها، وصبت اللعنات على هذا الحبيب الشيطان الذي ردها بعد جمالها إلى ذا الخلق الشائه، وصيرها إلى ذاك المصير المؤلم. لقد كانت تتحين الفرصة لتستطيع أن تفلت من رقابته الثقيلة، ولكن كي؟ إن الخبيث كان إذا أضناه السهد وأعياه السهر، ينام بخمسين عيناً، ويقدح الشرر بخمسين أخرى!! فإذا استيقظت هذه نامت تلك، وهكذا دواليك، حتى تشرق الشمس فتصحو المائة كلها! وكانت تقابل صواحبها عرائس البحر كلما مررن بها، فتود لو تستطيع مخاطبة إحداهن، ولكن. . . هيهات! لقد كانت. . مو. . مو. . تنطلق من فمها الكبير مالته أشداقها، فتنزعج أيما انزعاج!
ومضت أيام. . . وأيام. . .
ثم لقيت أباها مرة، فنظرت إليه وهو ينكرها، ونظرت، ولكنه لم يستطع أن يفسر نظراتها، فذرفت أحر الدموع وأدمى العبرات! وحاولت أن تلفته إلى أنها ابنته، فلم يأبه لها!
وبدا لها أن تخط على ثرى الشاطئ حكايتها، وما كادت تفعل حتى فطن أبوها لما تريد، فلما قرأ ما رقشته في أديم الرمل، أجهش المسكين وسكب دموع الحنان، ثم عانقها عناقا طويلا! ولكنها أسقط في يديه! إذ ماذا يستطيع رب نهر صغير أن يصنع في سحر الإله الأكبر!؟
ولما شهد أرجس ما كان من بكاء البقرة، ثم بكاء رب النهر وعناقه إياها، تأثرا باديا. . ولو لم يفقه من كل ما كان شيئا. ثم ذكر وعيد حيرا، فنطلق بالمسكينة إلى مكان سحيق، وثمة، تخير بقاعاً عاليا أقام ليشرف منه على كل شيء، فلا يخشى على بقرته رهقاً، ولا تستطيع هي مهربا
وذكر زيوس فتاته المسكينة التي كان حبه إياها سبب تعسها وشقائها، وذكر تلك الأويقات الحلوة التي يسرت له فيها أصفى لحظات السعادة، التي لم يتيسر له مثلها في مملكة الأولمب على ما جمعت من صنوف الرفاهة والنعيم، فثارت في قلبه عوامل الرحمة، وتحركت في صميمه تلك الشفقة الآلهية التي اتصف بها في قديم الآباد
وفكر وفكر. . . ثم استدعى من فوره ابنه من زوجته مايا، البطل الطيار المشهور، هرمز، وأمره بالتوجه إلى حيث أرجس فيحتال عليه ويقتله
ومرق هرمز كالسهم إلى حيث الأكمة التي جلس فوقها أرجس، فألفاه يحرس البقرة حراسة
стр. 7938
شديدة منكرة، وكانت القمراء تغمر السهل والغاب والجبل، وكان البدر يتنقل في دارات السماء، والرياح تهب سجسجاً، والبلابل تغرد فوق أغصان التفاح فتطرب وتشجي؛ وكأن سنة من النوم خفيفة رقصت في خمسين من عيون أرجس فأطبقت قليلاً، ولكن ما برحت الخمسون الأخرى تنافس الثريا ببريقها؛ وكانت البقرة ملقاة على الثرى المندى من الإعياء، فلما شهدت هرمز لم تحفل به
ولكن ما هذه الموسيقى الحنون!!
ومن العازف في هدأة الليل!
وما للنجوم تضطرب هكذا من الطرب؟
آه. . لقد تحول هرمز الصناع إلى شاب ذي قوة وذي فتوة وذي جمال، وبدأ في شكل راع من رعاة الضأن، وجلس القرفصاء على صخرة مقابلة لآرجس، ثم انبرى يعزف على يراعه المثقب الذي اتخذه من قصب البرية الفسيحة التي اقبل منها، وانبطحت في السفح شاؤه ونعمه. تغط في شبه نوم عميق. . . .
واستيقظت الخمسون الأخرى من عيون الأرجس، ودب النشاط في هيكله الضخم مما سمع من حسن التوقيع وروعة اللحن فانتفض انتفاضة كان بها عند هرمز - الراعي الفتي - فسلم عليه وصافحه وجلس بين يديه كالعنز يسمع ويطرب وينتشي، ثم اخذ معه في حديث طويل عن موسيقاه العذبة وألحانه الرقيقة، ثم استطرد فسأله عن نايه، مم صنعه، أو من ذا الذي وهبه له؟. . .
فقال هرمز: (في إحدى الغابات ذات الأيك البالغ عنان السماء، والدوح المنتشر في الأرجاء، كانت تعيش سيرينكس عروس الماء المرحة، ذات السيقان الناعمة، والجسم الأبيض الخصب الجميل. وكانت تهوى الرياضة وتقبل عليها، وتؤثر منها الجري والوثب والقفز، والتعلق بأطراف الشجر، ثم السباحة. وكانت تجري فتسبق الريح وتعدو فيتعثر الظليم في آثارها، ولا تدرك الصافنات غبارها. وطالما طلبت إليها آلهة الغاب مسابقتها، فكانت تأذن لهم فيجرون قبلها مرحلة، ثم تنطلق فتحلق بهم، وتسبقهم بمراحل!. . .)
وتثاءب هرمز الخبيث وقال: (ومن طريف ما حدث لها، إن بان العظيم، رب الرعاة واله المروج وسيد الغاب، ومعبود الناس في اركاديا، لمحها يوماً تعدو وكأنها زوبعة، فتبعها؛
стр. 7939
ولكنها شأته. وأجهدته! مع ما هو معروف عنه من السبق والتفوق في الجري وحاول أن يلحق بها فضاعف سرعته وأطال خطواته ولكن هيهات!. . . والتفتت سيرينكس فرأته يطوي أديم الأرض من خلفها. ففزعت أيما فزع، وهالها منظره الشائه الغريب. . . فسيقانه العنزية الأربعة، وأذناه البهيميه الشاخصة، وجسمه المفتول ذو العظل ووجه الواسع العريض. . . كل ذلك بعث في قلبها الذعر وهاج في نفسها الرعب حتى كادت تذهب شعاعاً.)
وتثاءب هرمز ثانية وثالثة، ثم قال: (. . واعترضها نهر عظيم فصرخت في أخواتها عرائس الماء تستغيث بهن، وتطلب إليهن النجدة، فما أذهل بان عن نفسه إلا أن رأى طائفة من هذه العرائس تبرز من الماء فجأة فتجذب سيرينكس حتى تغيبنها في اليم، ثم ما أذهله أيضاً إلا أن يرى قصبات رقيقة، ذوات أرياش صفيقة، تنمو في الموضع من الماء غيبت فيه سيرينكس!!
ووقف بان مشدوه اللب، ذاهل الفكر، يحملق في النهر الذي طوى منية القلب، وهوية النفس، ثم انثنى فنزع القصبات النامية، وراح يصنع منها نايا حلو النغم رقيق اللحن، حنون الجرس
ولقيته مرة في روضة مونقة، منضورة منسقة، وكان بان يجلس على رابية بها معشوشبة، عازفاً على يراعه، فطربت لموسيقاه طرباً شديداً؛ ودلفت إليه، فرجوته أن يهب الناي لي، فتبسم قائلاً. (إليك يا بني أكرم القنى وأعز الذكريات. . .)
وشهدت عبرات تنطلق من مقلتيه، حاول أن يخفيها عني. . .
وكان هرمز وهو يبقي هذه الأقصوصة التي اخترعها اختراعاً، يحاول أن يمطها مطا، ويزيد في ثناياها حواشي مملة، ويزخرفها بتعليقات لا غناء فيها. وكان يتثاءب ويتثاءب، وكانت الكلمات تساقط من فمه كأنها مشدودة بسلسلة من حديد، حتى تثاءب آرجس هو الآخر، وغلبه نعاس شديد أغلق عيونه كلها. وابتهج هرمز الخبيث لذلك، وجعل يروح على وجه آرجس، حتى انطلق الشخير من أنفه الكبير تجاوب أصداءه الضفادع. . .!
وهنا. . . امتشق هرمز جرازه المرهف وأهوى به على عنقه الطويل، فانفصل الرأس عن البدن، وغادرهما معفرين بالتراب، وعاد أدراجه إلى الأولمب يحمل إلى والده نبأ المعركة.
стр. 7940
وحزنت حيرا على خادمها أمض الحزن وأشده، وذهبت بنفسها فحملت رأسه إلى مخدعها في قصر الأولمب الكبير، وطعقت تسمل العيون عيناً عيناً وتركبها في ريش طاووسها الجميل لتظل إلى الأبد رمز حبها له، ووفائها لذكراه. . . ثم آلت لتسلطن على يو - البقرة المسكينة - ذبابة صفراء من ذباب الأبالسة، تقرصها وتجعل من حياتها نكالاً، حتى ضجت المخلوقة التعسة ورفعت أكف الضراعة تستمطر الرحمة من زيونس. . . كبير الآلهة، ورب الأرباب: (يا الهي العظيم الرحيم، يا أبا الآلهة، وابن الآلهة! أتوسل إليك بأبنائك الكرام الرحماء!
أدركني يا أبا جريوس! اغفر لي زلتي حين أحببت هذا الفتى الجميل وأحبني! إن كنت قد صنعت في ما صنعت انتقاماً، فحسبك ما حل بي من عذاب الهون! لن أزل يا الهي إذا غفرت لي ورفعت عني وزر غضبك! اقبل يا رب الأولمب صلاتي واجعلها شفيعي إليك! أنا. . . يو المسكينة. كنت أعبد ابنتك أرتميس ربة القمر، فكنت أنزوى عن العالم، وألبث وحدي بين يدي قمري الحبيب، أصلى لك ولا بنتك المعبودة، في هدأة الليل، وسكون السحر، فما هو إلا أن قطع عل هذا الفتى صلاتي، وهو من خلقك، وجماله الفتان آية من آياتك، فإذا سحرني وأذهلني عن عبادتي، فإني أستأهل كل هذا الذي أنافيه!. . . . يا إلهي اغفر لي، فقد وسع غفرانك كل شئ. . . .!)
ويستجيب الإله لهذه الصلاة الحارة الخالصة، فينطلق إلى حيرا، حيث يجدها مكبة على رأس آرجس تسمل عيونه، فيواسيها ويسيلها، ثم يرجوها أن ترحم يو، وأن تخفف عنها العذاب، وهو لقاء هذا يعطيها كل المواثيق إلا يصل أسبابه بأسبابها مرة أخرى. فترق حيرا، وتتفجر الرحمة لأول عهدها بها، في قلبها، وترسل من يرفع الذبابة عن البقرة ونأذن لزيوس فيعيدها إلى صورتها الأولى. . الصورة القديمة المحبوبة. . .!
ولكنها تشترط عليه أن يرسل من يذهب بها إلى أقصى أطراف الأرض، حتى تطمئن عليه. . . وعلى قلبه المتصابي!. . . من حبها ويأمر زيوس بعض اتباعه فيحتمل يو إلى. . . . . ضفاف النيل!! وتخرج من الصحراء فيلقاها المصريون، فتبهرهم بجمالها الرائع، وحسنها الوضاء، ومفاتنها البارعة، ثم يجتمعون على عبادتها، ويقيمونها مليكة عليهم،
стр. 7941
ويسمونها: (إيزيس)
وتمر الأيام. . .
فيتزوجها كبير آلهة مصر، آزوريس، وتلد له ابنه حوريس!
دريني خشبة
стр. 7942
البريد الأدبي
ملك الصحافة
توفي أخيراً قطب من أقطاب الصحافة هو أدولف اوكس صاحب جريدة (نيويورك تيمس) هي أعظم الصحف الأمريكية، وكانت حياة أوكس كقصة روائية، فقد بدأ الحياة بائع صحف متجول، ثم غدا بعزمه وذكائه ومثابرته اعظم صحفي في العالم الجديد وصاحب اعظم صحيفة فيه. وقد ولد أوكس في سنسناثي من أعمال أوهيو في سنة ١٨٥٨؛ وبدأ حياته العملية في نوكسفيل يبيع الصحف ويدرس أعمالاً مطبعية وصحفية صغيرة، واستمر يعمل كصبي بائع في الطريق، وصبي في المطبعة حتى سنة ١٨٧٧ وفي ذلك العام عمل صفافاً في مطبعة صحفية. ثم سمت به همته بسرعة، فاصدر في العام التالي جريدة اسمها (شاثانوجا تيمس) استمرت ملكه طول حياته، وتقدم أوكس بسرعة في الصحافة وتقدمت جريدته حتى غدت صحيفة إقليمية هامة تتمتع بقسط لا بأس به من النفوذ والتقدير. وفي سنة ١٨٩٦، أثار أوكس دهشة العالم الصحفي بإقدامه على شراء جريدة (نيويورك تيمس) وكانت الصحيفة الكبرى قد توالت عليها الأزمات والصعاب حتى كادت تتوقف عن الصدور؛ واضطر أصحابها إلى عرضها للبيع، فتقدم أوكس لشرائها، ودفع جزءاً فقط من الثمن. وكانت الدوائر الصحفية تتوقع الفشل لأوكس، لأنه لم يعمل من قبل إلا في صحيفة محلية؛ ولكن أوكس أبدى في إحياء صحيفته الكبرى همة وكفايات مدهشة، فلم يمضي سوى قليل حتى عادت الصحيفة إلى سابق قوتها، واختار أوكس لها اللون المحافظ مع اعتدال في اللهجة، ومع التزام الجد والوقار، والرصانة، ومجانبة الصيغ والحملات المثيرة، وكان شعاره الذي يطبع إلى جانب العنوان في كل عدد (كل الأخبار صالحة للنشر)، وهو شعار مازالت تحمله الصحيفة، حتى اليوم، واستطاع أوكس من خلال أعوام قلائل أن يسدد جميع الثمن وأن يستأثر بامتلاك الصحيفة الكبرى. ومازال أوكس يعمل حتى غدت (النيويورك تيمس) أعظم صحيفة في العالم الجديد، سواء في حجمها، أو تحريرها ومادتها، أو تصويرها وطباعتها، وأصدر أوكس لصحيفته ملحقاً أسبوعياً (ملحق الأحد) غدا أعجوبة في الصحافة العالمية، حيث يصدر مصوراً في ١٨٠ صفحة كبيرة، وملحقاً به قسم خاص بالنقد الأدبي، والنيويورك تيمس أيضاً من اقدم الصحف الأمريكية؛
стр. 7943
فقد بدأ صدورها سنة ١٨٥١ في مدينة نيويورك وكادت اكثر من مرة تختفي من الميدان، ولكن أوكس أسبغ عليها حياة جديدة، وهي الآن من أعظم صحف العالم، ولها اكبر مجموعة من المراسلين الخارجيين في سائر العواصم، وقلما تجاريها اية صحيفة كبرى في أنبائها أو موادها. ومع إن انتشارها لا يعدو نصف مليون نسخة في اليوم، فإنها تتمتع بأكبر نفوذ في عالم السياسة والفكر والمال
العلامة المكتشف سفين هيدين
عاد أخيراً من مجاهل الصين الوسطى والغربية الرحالة المكتشف والعلامة الباحث السويدي سفين هيدين إلى ستوكهلم مسقط رأسه، فاحتفلت به الهيئات العلمية احتفالاً شائقاً، وقدمت إليه الحكومة النمساوية على يد سفيرها في ستوكهلم وسام الشرف العلمي والفني، وهو أرفع وسام تمنحه النمسا الجديدة لرجال العلوم والفنون، ولا تمنح منه إلا لممثلي أربع وعشرين دولة فقط؛ وقد عاد سفين هيدين وهو يتحدث إلى الهيئات العلمية والصحف الكبرى عن رحلاته واكتشافاته الجغرافية والعلمية في المناطق والوهاد السحيقة التي تجول فيها مدى أعوام؛ وأذاع سفين هيدين أيضاً عن حوادث التركستان الصينية، وما وقع في عاصمتها كشغر من الثورات والانقلابات معلومات نفيسة، وقد كان هنالك وقت اضطرام المعارك الأهلية في تلك الأنحاء
وقد ولد سفين هيدين في ستوكهلم سنة ١٨٦٥، ودرس فيها وفي برلين وأوبسالا، وشغف منذ حداثته بالأسفار، وتتلمذ للرحالة الألماني الشهير البارون فون رختهوهن، وقد بدأ رحلاته مذ كان طالباً بالسفر إلى العراق وفارس في سنة ١٨٨٥، وفي سنة ١٨٩٠ أرسلته الحكومة السويدية عضواً في السفارة التي أرسلها الملك أوسكار إلى شاه الفرس، وفي سنة ١٨٩١، اخترق خراسان والتركستان حتى كشغر، ويبدأ عمله كمكتشف أسيوي في سنة ١٨٩٣، حيث بدأ في اختراق آسيا الصغرى من أورنبورج إلى بكين، وقد سافر عن طريق لوبنور وهضاب التبت، وأنفق في رحلته أربعة أعوام واكتشف خلال هذه الفترة آكام مستجاستا الثلجية، والجبال الواقعة حول منابع يرقند داريا، واكتشف أطلال مدينة بوذية قديمة في صحراء ثكلا ماكن، وفي سنة ١٨٥٩ قام برحلته الأسيوية الثانية، وفيها سار في نهر تاريم حتى بحيرة لوبنور، واكتشف حول البحيرة آثار حضارة صينية قديمة، ثم
стр. 7944
اخترق التبت وحاول عبثاً أن يدخل مدينة لاسا، وهي مدينة (اللاما) المقدسة، وفي سنة ١٩٢٦ قام برحلة ثالثة في آسيا، وقام برحلات أخرى في الهند والهملايا، وغيرها، وله مؤلفات كثيرة شائقة منها: رحلة إلى خرسان وتركستان - خلال آسيا - مخاطرات في التبت - نتائج علمية لرحلة في أواسط آسيا - من القطب إلى القطب - مع الجيوش الألمانية في الغرب - بغداد وبابيليون - التبت الجنوبية - حياتي كمكتشف، وغيرها
الرياضة والثقافة
كان من الآثار الاجتماعية التي أحدثتها الحرب انتشار الروح الرياضي بين الشباب بسرعة مدهشة، وكان الروح قبل الحرب محدود المدى، وكان كثير من الآباء يخشون على أبنائهم من أن يحملهم تيار الرياضة فيهملوا دروسهم ومدارسهم، وكان الاعتقاد الغالب هو أن الشباب الذين يشغفون بالرياضة هم أقل ذكاء واجتهاداً من أقرانهم؛ وفي غداة الحرب تطورت هذه الأفكار القديمة واكتسح الروح الرياضي مجتمع الشباب ذكوراً وإناثاً، وغمر شغف الرياضة فصول المدرسة والجامعة، وذاعت النظريات الرياضية الجديدة عندئذ، فقيل إن الجنس الأبيض مدين بتفوقه إلى الحركة والرياضة، وأنه ينشط متى تحرك؛ وأصفى ما تكون العقول عقب الركض أو الكرة أو الصعود أو السباحة أو غيرها من صنوف الرياضة. ولكن ناحية واحدة لم يوفق دعاة المدرسة الجديدة إلى تحقيقها، هي خلق الأدب الرياضي الثقافة الرياضية، فقط لوحظ إن أولئك الذين يشغفون بالرياضة قلما يقرأون، ولا يقرأون حتى كتب الرياضة ذاتها، فعقولهم وأذهانهم دائماً في معزل عن اجتناء متعة القراءة والرياضة العقلية، ولهذا لم يجد الأدب الرياضي سبيله حتى اليوم إلى دور النشر، وما زالت دور النشر تأباه وتعترض عليه، وتحرص ألا تتورط فيه، وهذه أول ظاهرة سيئة تلازم الحركة الرياضية
بيد أن هنالك ظاهرة أهم واخطر، هي اليوم موضع الجدل في فرنسا، وذلك أن الأساتذة والمفكرين قد اخذوا يتوجسون خفية من عواقب هذا التيار الرياضي الجارف، ويقول كثير منهم اليوم إن الانهماك في الألعاب الرياضية إلى هذه الحدود يخشى أن يسفر عن عواقب سيئة في تكوين النشئ، وأن يخرج للأمة شباباً من الذكور والاناث، يتمتعون بأجسام وهيئات حسنة؛ ولكن بعقول وأذهان ضيقة؛ لا يسهل فهمهم ولا يحتمل التفاهم معهم؛
стр. 7945
يضيقون ذرعاً بالإيضاح والتروي؛ ويجنحون إلى الإيجاز والتحكم، وهذا ما يلاحظ اليوم على معظم الشباب الرياضي؛ وفي رأي هؤلاء إن الشباب الرياضي إنما هو عنصر منحط من الوجهة العقلية والثقافية؛ وإذا كانت الرياضة تبعث النشاط إلى العقل؛ فإن الانهماك فيها من جهة أخرى يحول دون ثقافة الذهن ومرونته؛ ولاسيما في هذا العصر الذي ضاقت فيه الأوقات؛ وحملت السرعة كل مجتمع؛ ولم تبقى أمام النشئ فرصة للارتواء من تلك المناهل الثقافية التي أتيحت لآبائهم. فهل تكون هذه الدعوة بدء انحلال في الحمى الرياضية التي تغمر المجتمع؟ هذا ما سيبدو لنا في المستقبل القريب
هبة فنية
من أنباء فينا إن أكاديمية الفنون الحية قد تلقت وصية من سيدة كبيرة، توصي فيها إليها بمجموعتها الفنية النفيسة. والسيدة المذكورة هي زوج المستشار السابق البرخت شميت، وكانت من أكابر الهواة، وقد جمعت في حياتها كثيراً من التحف الفنية النادرة، وفيها صورة أصلية من صنع تنتيرتو وهو من أعظم مصوري إيطاليا في القرن السادس عشر، ومنها آنية بديعة من المرمر تقدر بمئات الألوف، وتحف ثمينة أخرى.
الشاعر الفرنسي لوي مارساللو
لم يكن لوي مارساللو الشاعر الفرنسي الذي توفي أخيراً، شاعراً كبيراً فقط، ولكنه كان أيضاً صحفياً ذا أسلوب ساحر، وكان مؤلفاً مسرحياً تنال قطعه المسرحية في الكوميدي فرانسيز اعظم تقدير واستحسان. بيدا أن مارساللو اشتهر كشاعر قبل كل شيء. وقد ظهر له أول ديوان شعري، سنة ١٨٨٦ وهو في الثانية والعشرين فقط بعنوان (القبلات الضائعة)؛ وهو بريتاني الأصل ولد في بريست سنة ١٨٦٤، وقدم إلى باريس فتى، وانخرط في سلك جماعة أدبية كان فيها شارل كروس وماري كرسنسكا وجورج لوران؛ ولم يبقى منها حياً إلى اليوم سوى جان اجالبر. وقد ظهر في ديوانه الأول (القبلات الضائعة) مبلغ تأثره بمناظر وطنه الأصلي، وتقاليده وكبريائه الطبيعية. ثم كتب مارساللو بعد ذلك للمسرح فصادف فيه نجاحاً عظيماً. ومن قطعه المشهورة، (الملك المغرم) (شريط بسيشيه) وقد مثلتا مع غيرهما من قطعه في الكوميدي فرانسيز، و (قلبه الصغير) و
стр. 7946
(ملاهي باريس) التي كتبها مع جورج كورتلين أمير الفكاهة، و (شخص يعكر الحفلة) وغيرها وقد مثلت في مسارح باريس الكبرى، وكان مارساللو صحفياً ونقاداً بارعاً يعمل في بعض الصحف الباريسية، ولكن النزعة الشعرية كانت تغلب عليه دائماً.
معهد للدراسات السياسية
أنشئ في باريس معهد للدراسات السياسية الخارجية، واشترك في إنشائه جامعة باريس ومدرسة العلوم السياسية، ومكتبة الوثائق الدولية المعاصرة، وجماعة الدراسات الدبلوماسية، وقد زود هذا المعهد بمكتبة سياسية عظيمة تشمل نحو مائة وأربعين ألف مجلد في مختلف المسائل والشؤون الدبلوماسية، والوثائق والمعاهدات والمذكرات السياسية، وسينقسم المعهد إلى أقسام يلتحق بها الأخصائيون في كل ناحية من النواحي التي يعني بها سواءً كانوا من أساتذة الجامعات ام رجال السياسة، ام رجال الأعمال، أو الصحفيين السياسيين. واهم أعماله الثقافية تنحصر في تنظيم محاضرات ودراسات سياسية عالية: وقد افتتح المعهد دورته الحالية بإلقاء محاضرة موضوعها (نهوض العالم العربي وأثره في أفريقية الشمالية) ألقاها الكابتن مونتاني مدير المعهد الفرنسي بدمشق، تحت رياسة الأستاذ شارليتي مدير جامعة باريس، واشترك في مناقشة الموضوع جمع من أعلام الأساتذة والساسة
والظاهر إن غاية هذا المعهد ترمي قبل كل شيء إلى خدمة السياسة الفرنسية وتوجيهها إلى ما يحقق مصالح فرنسا الخارجية والاستعمارية، وذلك بدرسها على ضوء التطورات السياسية الدولية
стр. 7947
الكتب
المختار من شعر بشار
بقلم محمد فهمي عبد اللطيف
بشار بن برد شاعر مطبوع خلاق، نقل الشعر العربي من جفوة البداوة إلى رقة الحضارة، فنهج به في الأداء منهجاً مطرد القياس، سهل المخرج، وحمله من المعاني كل بديع مخترع، فسمي لذلك أبا المحدثين وشيخهم. ولقد كان فوق ذلك ثرّ القريحة، فياض الشاعرية، واسع المجال، حدث عن نفسه قال: لي اثنا عشر ألف بيت عين، فقيل له هذا ما لم يكن يدعيه أحد سواك!! فقال: لي اثنا عشر ألف قصيدة لعنها الله ولعن قائلها إن لم يكن في كل واحدة منها بيت فرد
ولكن هذه الثروة الشعرية الضخمة ضاعت في أجواء العصور الخالية، وذهبت بين سمع الأرض وبصرها، ولم يصلنا منها إلا نتف قصيرة جاءت في الأغاني وفي غيره من كتب الأدب والتراجم. ولقد اخبر العلامة المرحوم أحمد تيمور باشا منذ سنين بأن نسخة خطية من ديوان بشار موجودة في تونس لدى الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب عضو المجمع العلمي بدمشق وانه شارع في طبعه واخراجه، فتلهفت نفوس الأدباء على تحقيق هذه الأمنية العزيزة، وكتب بعضهم في مجلة المجمع العلمي يستحث همة الأستاذ حسن حسني على الإنجاز، وتقدم السيد بدر الدين العلوي بكلمة قال فيها أنه وجد نسخة عنوانها: المختار من شعر بشار في حيدر آباد بالهند، وهي من اختيار الخالديين أبي بكر وأبي سعيد شاعري سيف الدولة وخازني دار كتبه، وعليها شرح من عمل أبي الطاهر إسماعيل بن احمد بن زيادة من أدباء القرن الرابع، ثم ذكر أنه يستعد لطبع هذا المختار وإخراجه في اقرب نهزة بمساعدة الأستاذ عبد العزيز الميمني المدرس بجامعة عليكرة، ثم ناشد الأستاذ حسني عبد الوهاب أن يعينه وان يخبره عن النسخة الموجودة لديه فلعلها تكون نسخة أخرى من المختار، ولكن الأستاذ حسني ضجع في الأمر ولم يسعف، وبقى الأستاذ بدر الدين عند وعده ومازال حتى أدى الأمانة ووفي دين العربية فدفع بالمختار منذ حين إلى (لجنة التأليف والترجمة والنشر) فجلته للناس في ثوب قشيب، صقيل الورق، جيد الطبع، دقيق التصحيح، مستوفي البيانات والتعاليق، مذيلاً بالفهارس الكاملة، والفوائد المتممة. .
стр. 7948
ولقد قرأت الكتاب فرأيته لا يشتمل على مقدار كبير من شعر بشار، ولكن اكثر ما به من القصائد والمقطوعات لا يوجد في غيره من كتب الأدب المعروفة. ويبدو لي أن الكتاب لا يشتمل على كل ما اختاره الخالديان بدليل قول الشارح: (ورأيت بعد نظري في اختيار الخالديين وما اخترته منه. . ص٨)، وقوله في النهاية (انتهى اختيارنا فيما وجدناه من المختار من شعر بشار. .)، فكأنه قد اختار بعض ما اختاره الخالديان، بل إن كلمة (وجدناه) تدل على أن ما اختاره الخالديان لم يقع جميعه بالشارح
أما الكتاب من حيث هو فروض أدب حافل، يأتي عليه القارئ بلذة وشغف؟ فقد نهج الشارح في شرحه منهج الاستطراد، يذكر أبيات بشار ثم يشرحها شرحاً لغوياً وافياً إن كان بها من الألفاظ ما يستغلق على القارئ، ثم يذكر ما لها من الأشباه والنظائر لفظاً ومعنى في شعر المتقدمين الذين اخذ منهم بشار، أو المتأخرين الذين اخذوا عن بشار؛ والرجل يطيل كثيراً في سرد الأشباه والنظائر كأنه يباهي بكثرة محفوظة، وقد يذكر ما يتصل بذلك من أخبار الشعراء ونوادرهم مما جعل الكتاب حافلاً ممتعاً، تظن وأنت تقرأ فيه انك تقرأ في (البيان والتبيين) أو في (زهر الآداب) أو في غير ذلك من الكتب التي تشتمل على أمشاج من الأدب، وصنوف من المعارف. .
وقد يكون من الإنصاف أن نذكر بالثناء المجهود الكبير الذي بذله الأديب الناشر في إخراج الكتاب وضبطه وتصحيحه وتعليق الفوائد عليه وتخريج أبياته، كما لا يفوتنا أن ننبه إلى بعض هفوات قد ندت عن خاطره اليقظ، فمن ذلك أنه نظر في قول الشارح: (ولكنه لتراخي الحالب وتضجيعه ص١١٢) فلم يطمئن لكلمة تضجيعه وقال لعلها تضييعه، وكلمة التضجيع اصح وأدق وهي التي أرادها الشارح، فإنه يقال ضجع فلان في الأمر إذا تراخى فيه وأهمله
ومن ذلك أنه قيد كلمة (الحبوة) بالضم في قول الشارح (فما حل حبوته ولا كلمهم حتى قضى سبحته ص١٩٣) وإنما هي بالكسر، أما بالضم فمعناها العطاء ولا يصح هذا المعنى في هذا التركيب
ومن ذلك أنه علق على قول عدي بن الرقاع (ص٢١٦) فكأنها بين النساء أعارها عينيه أحور من جآذر (عاسم) فقال يروي عاسم وجاسم، وذكر أن عاسماً اسم موضع، قلنا وقد
стр. 7949
جاءت الكلمة في الشعر والشعراء بالغين المعجمة، وحقيقتها جاسم بالجيم اسم قرية بالشام قريبة من دمشق وقريبة من موطن الشاعر وقد وردت في قول حسان:
فالمرج مرج الصفرين (فجاسم) فديار سلمى درساً لم تحلل
ومن ذلك أنه أورد قول ابن الرومي (ص٢٣٥) وما تعتريها آفة بشرية من النوم إلا (إنه تتحير) فأثبت (أنه) بالهاء كما في الأصل، ورأى أن كلمة تتحير تصحيف تتخثر، وهذا تخريج يفسد معنى البيت ويتجه به إلى الهجاء وما أراد ابن الرومي إلا وصف محبوبته بالحسن، وإنما صحة القول (إلا أنه تتحير)
ومن ذلك أنه حسب كلمة الحضر محرفة عن الخفر في قول الشارح: (فهذه القبنة من أهل الكفايا والترفة والحضر ص٢٥٧)، وعندنا أن كلمة الحضر هي المتعينة في هذا المقام فقد عقب عليها الشارح بما يعينها فقال (وليست ممن يمتهن ويبتذل في رعي الغنم والإبل أي إنها من أهل الحضارة لا من أهل البداوة) وهذا ما يريده بشار في البيت الذي يتولى الشارح تفسيره بهذه الكلمات
على أن هذه هنات طفيفة خفيفة لا تغض من قيمة كتاب قل أن تخرج المطابع مثله دقة في التصحيح والتنقيح، فالشكر الجزيل للأستاذ الناشر على جهده واهتمامه، وللجنة التأليف والترجمة والنشر على عنايتها بإخراج هذا الكتاب الذي لا يستغني عنه أديب. . .
محمد فهمي عبد اللطيف
стр. 7950
العدد ٩٦ - بتاريخ: ٠٦ - ٠٥ - ١٩٣٥
следующие страницы →