← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

(ملاهي باريس) التي كتبها مع جورج كورتلين أمير الفكاهة، و (شخص يعكر الحفلة) وغيرها وقد مثلت في مسارح باريس الكبرى، وكان مارساللو صحفياً ونقاداً بارعاً يعمل في بعض الصحف الباريسية، ولكن النزعة الشعرية كانت تغلب عليه دائماً. معهد للدراسات السياسية أنشئ في باريس معهد للدراسات السياسية الخارجية، واشترك في إنشائه جامعة باريس ومدرسة العلوم السياسية، ومكتبة الوثائق الدولية المعاصرة، وجماعة الدراسات الدبلوماسية، وقد زود هذا المعهد بمكتبة سياسية عظيمة تشمل نحو مائة وأربعين ألف مجلد في مختلف المسائل والشؤون الدبلوماسية، والوثائق والمعاهدات والمذكرات السياسية، وسينقسم المعهد إلى أقسام يلتحق بها الأخصائيون في كل ناحية من النواحي التي يعني بها سواءً كانوا من أساتذة الجامعات ام رجال السياسة، ام رجال الأعمال، أو الصحفيين السياسيين. واهم أعماله الثقافية تنحصر في تنظيم محاضرات ودراسات سياسية عالية: وقد افتتح المعهد دورته الحالية بإلقاء محاضرة موضوعها (نهوض العالم العربي وأثره في أفريقية الشمالية) ألقاها الكابتن مونتاني مدير المعهد الفرنسي بدمشق، تحت رياسة الأستاذ شارليتي مدير جامعة باريس، واشترك في مناقشة الموضوع جمع من أعلام الأساتذة والساسة والظاهر إن غاية هذا المعهد ترمي قبل كل شيء إلى خدمة السياسة الفرنسية وتوجيهها إلى ما يحقق مصالح فرنسا الخارجية والاستعمارية، وذلك بدرسها على ضوء التطورات السياسية الدولية

стр. 7947

الكتب المختار من شعر بشار بقلم محمد فهمي عبد اللطيف بشار بن برد شاعر مطبوع خلاق، نقل الشعر العربي من جفوة البداوة إلى رقة الحضارة، فنهج به في الأداء منهجاً مطرد القياس، سهل المخرج، وحمله من المعاني كل بديع مخترع، فسمي لذلك أبا المحدثين وشيخهم. ولقد كان فوق ذلك ثرّ القريحة، فياض الشاعرية، واسع المجال، حدث عن نفسه قال: لي اثنا عشر ألف بيت عين، فقيل له هذا ما لم يكن يدعيه أحد سواك!! فقال: لي اثنا عشر ألف قصيدة لعنها الله ولعن قائلها إن لم يكن في كل واحدة منها بيت فرد ولكن هذه الثروة الشعرية الضخمة ضاعت في أجواء العصور الخالية، وذهبت بين سمع الأرض وبصرها، ولم يصلنا منها إلا نتف قصيرة جاءت في الأغاني وفي غيره من كتب الأدب والتراجم. ولقد اخبر العلامة المرحوم أحمد تيمور باشا منذ سنين بأن نسخة خطية من ديوان بشار موجودة في تونس لدى الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب عضو المجمع العلمي بدمشق وانه شارع في طبعه واخراجه، فتلهفت نفوس الأدباء على تحقيق هذه الأمنية العزيزة، وكتب بعضهم في مجلة المجمع العلمي يستحث همة الأستاذ حسن حسني على الإنجاز، وتقدم السيد بدر الدين العلوي بكلمة قال فيها أنه وجد نسخة عنوانها: المختار من شعر بشار في حيدر آباد بالهند، وهي من اختيار الخالديين أبي بكر وأبي سعيد شاعري سيف الدولة وخازني دار كتبه، وعليها شرح من عمل أبي الطاهر إسماعيل بن احمد بن زيادة من أدباء القرن الرابع، ثم ذكر أنه يستعد لطبع هذا المختار وإخراجه في اقرب نهزة بمساعدة الأستاذ عبد العزيز الميمني المدرس بجامعة عليكرة، ثم ناشد الأستاذ حسني عبد الوهاب أن يعينه وان يخبره عن النسخة الموجودة لديه فلعلها تكون نسخة أخرى من المختار، ولكن الأستاذ حسني ضجع في الأمر ولم يسعف، وبقى الأستاذ بدر الدين عند وعده ومازال حتى أدى الأمانة ووفي دين العربية فدفع بالمختار منذ حين إلى (لجنة التأليف والترجمة والنشر) فجلته للناس في ثوب قشيب، صقيل الورق، جيد الطبع، دقيق التصحيح، مستوفي البيانات والتعاليق، مذيلاً بالفهارس الكاملة، والفوائد المتممة. .

стр. 7948

ولقد قرأت الكتاب فرأيته لا يشتمل على مقدار كبير من شعر بشار، ولكن اكثر ما به من القصائد والمقطوعات لا يوجد في غيره من كتب الأدب المعروفة. ويبدو لي أن الكتاب لا يشتمل على كل ما اختاره الخالديان بدليل قول الشارح: (ورأيت بعد نظري في اختيار الخالديين وما اخترته منه. . ص٨)، وقوله في النهاية (انتهى اختيارنا فيما وجدناه من المختار من شعر بشار. .)، فكأنه قد اختار بعض ما اختاره الخالديان، بل إن كلمة (وجدناه) تدل على أن ما اختاره الخالديان لم يقع جميعه بالشارح أما الكتاب من حيث هو فروض أدب حافل، يأتي عليه القارئ بلذة وشغف؟ فقد نهج الشارح في شرحه منهج الاستطراد، يذكر أبيات بشار ثم يشرحها شرحاً لغوياً وافياً إن كان بها من الألفاظ ما يستغلق على القارئ، ثم يذكر ما لها من الأشباه والنظائر لفظاً ومعنى في شعر المتقدمين الذين اخذ منهم بشار، أو المتأخرين الذين اخذوا عن بشار؛ والرجل يطيل كثيراً في سرد الأشباه والنظائر كأنه يباهي بكثرة محفوظة، وقد يذكر ما يتصل بذلك من أخبار الشعراء ونوادرهم مما جعل الكتاب حافلاً ممتعاً، تظن وأنت تقرأ فيه انك تقرأ في (البيان والتبيين) أو في (زهر الآداب) أو في غير ذلك من الكتب التي تشتمل على أمشاج من الأدب، وصنوف من المعارف. . وقد يكون من الإنصاف أن نذكر بالثناء المجهود الكبير الذي بذله الأديب الناشر في إخراج الكتاب وضبطه وتصحيحه وتعليق الفوائد عليه وتخريج أبياته، كما لا يفوتنا أن ننبه إلى بعض هفوات قد ندت عن خاطره اليقظ، فمن ذلك أنه نظر في قول الشارح: (ولكنه لتراخي الحالب وتضجيعه ص١١٢) فلم يطمئن لكلمة تضجيعه وقال لعلها تضييعه، وكلمة التضجيع اصح وأدق وهي التي أرادها الشارح، فإنه يقال ضجع فلان في الأمر إذا تراخى فيه وأهمله ومن ذلك أنه قيد كلمة (الحبوة) بالضم في قول الشارح (فما حل حبوته ولا كلمهم حتى قضى سبحته ص١٩٣) وإنما هي بالكسر، أما بالضم فمعناها العطاء ولا يصح هذا المعنى في هذا التركيب ومن ذلك أنه علق على قول عدي بن الرقاع (ص٢١٦) فكأنها بين النساء أعارها عينيه أحور من جآذر (عاسم) فقال يروي عاسم وجاسم، وذكر أن عاسماً اسم موضع، قلنا وقد

стр. 7949

جاءت الكلمة في الشعر والشعراء بالغين المعجمة، وحقيقتها جاسم بالجيم اسم قرية بالشام قريبة من دمشق وقريبة من موطن الشاعر وقد وردت في قول حسان: فالمرج مرج الصفرين (فجاسم) فديار سلمى درساً لم تحلل ومن ذلك أنه أورد قول ابن الرومي (ص٢٣٥) وما تعتريها آفة بشرية من النوم إلا (إنه تتحير) فأثبت (أنه) بالهاء كما في الأصل، ورأى أن كلمة تتحير تصحيف تتخثر، وهذا تخريج يفسد معنى البيت ويتجه به إلى الهجاء وما أراد ابن الرومي إلا وصف محبوبته بالحسن، وإنما صحة القول (إلا أنه تتحير) ومن ذلك أنه حسب كلمة الحضر محرفة عن الخفر في قول الشارح: (فهذه القبنة من أهل الكفايا والترفة والحضر ص٢٥٧)، وعندنا أن كلمة الحضر هي المتعينة في هذا المقام فقد عقب عليها الشارح بما يعينها فقال (وليست ممن يمتهن ويبتذل في رعي الغنم والإبل أي إنها من أهل الحضارة لا من أهل البداوة) وهذا ما يريده بشار في البيت الذي يتولى الشارح تفسيره بهذه الكلمات على أن هذه هنات طفيفة خفيفة لا تغض من قيمة كتاب قل أن تخرج المطابع مثله دقة في التصحيح والتنقيح، فالشكر الجزيل للأستاذ الناشر على جهده واهتمامه، وللجنة التأليف والترجمة والنشر على عنايتها بإخراج هذا الكتاب الذي لا يستغني عنه أديب. . . محمد فهمي عبد اللطيف

стр. 7950

العدد ٩٦ - بتاريخ: ٠٦ - ٠٥ - ١٩٣٥

стр. 7951

بنك مصر غداَ في الساعة الخامسة يبدأ الاحتفال القومي بمرور خمسة عشر عاما على مولد بنك مصر. والاحتفال بعيد هذا البنك النامي الخصيب احتفال بالنصر المؤزر في جهاد الأمة لاستقلالها الحق؛ فإن مصر منذ انحسر عن الأرض ذلك الطوفان الدموي الذي غمرها أربع سنين، هبت تقرر في الدول وجودها الطبيعي الحر، فما صغت لها إذن، ولا نهضت بحجتها عدالة. ذلك لأن أوربا الجائعة المجهودة تريد أن تسد فجوات القنابل وحفائر الخنادق وأخاديد القبور بما بقي على الأحداث من أقوات الشرق؛ والشرقي - كما تعلم - يستطيل بالكرم ويستعز بالجاه، فما دمت تحله الصدر، وتبوئه الوظيفة، فلا عليه بعد ذلك أن يكون كرسيه بالاستعارة، ومأكله بالدين، ومسكنه بالأجرة! حمل المنتجون العجاف من أهل أوربا ثمر نشاطهم الصناعي إلى أسواقنا القاصرة المستهلكة، وقاموا على أرزاقنا مقام القيم يبِضُّون لنا بما لا يكاد يستر الجسم ويمسك الرمق، ثم يحولونها عمرانا في خرائب باريس، وسلطاناً في حكومة لندن، ويسمعوننا نثور في المحابر ونصيح على المنابر، فيقولون اكتبوا ما واتى المداد القلم، وأخطبوا ما أسعف الريق اللسان، فلن ينزع العلق خراطيمه الماصة من الجلد مادامت الجنود مقبورة في الثكنات، والأموال مطمورة في الخزائن! حينئذ قال رجل الساعة محمد طلعت حرب باشا: رويدكم! سنرسلها شعواء بالذهب لا بالحديد! كانت مصر في العهد الذي أسس فيه بنك مصر في مأزق من مآزق الحياة المشتبهة الخادعة: تنعم في رخاء كاذب وأمن مريب، ووراءها أوزار حرب ضروس، وأمامها لوائح أزمة طاحنة، وشباب البلاد تعصف في رءوسهم نخوة الوطنية والحرية والكرامة، فلا يفكرون إلا في الإحتلال، ولا يعملون إلا للسياسة؛ وأغنياء الأمة جاثمون على أموالهم المكدسة جثوم الدجاجة المرخم على بيضها العقيم، لا يُثمِّرونه بأنفسهم لنقص الكفاية، ولا يكلون استثماره لغيرهم لفقد الثقة؛ ورجال الدولة مشغولون بجباية الخراج، وتحضير الميزانية، واستئناف المفاوضات، وتحرير مشروعات المعاهدة، فلا يملكون حماية التجارة لقيود الجمرك، ولا يستطيعون إنشاء الصناعة لمناوأة المحتل؛ والأجانب عاكفون على منابع الوادي يستنزفونها بالربا، ويكدرونها بالسفه، ثم لا يسمحون للظمآن أن يألم، ولا للمهان أن يغضب

стр. 7952

وكانت عناية الله التي ألهمت سعد زغلول أن يخرج شعبه من رق الاحتلال السياسي، هي التي ألهمت في الوقت نفسه طلعت حرب أن يخرج قومه من رق الاحتلال الاقتصادي؛ وكلا الرجلين منذ نشأ ميسر لما قام له: فسعد باشا بطبعه رجل كفاح وخصومه وزعيم برلمان وحكومة، ورسول من رسول الوطنية الروحية، له عصمته وجاذبيته وإيمانه؛ وطلعت باشا بطبعه رجل إنشاء وعمل، وصاحب تدبير وخطة، ورسول من رسل الوطنية المادية، يهذب النفس برفاهة الجسم، ويرفع العمران بوفرة الإنتاج، ويضمن الاستقلال بقوة الثروة، وله كذلك عبقريته ونزاهته وإخلاصه وثق الناس بالزعيمين الخطيرين فجادوا للأول بالأنفس فشاد بيت الأمة، وكون الرأي العام، وألف الوفد؛ وجادوا للثاني بالأموال، فشاد بنك مصر، وأنشأت شركات مصر، وكوّن ثروة مصر؛ وربى سعد باشا لوطنه شباب جهاد وتضحية، كانوا منه مكان القلب الشاعر، والحس المدرك، والروح الملهم؛ وربى طلعت باشا لشعبه شباب اقتصاد وروية، كانوا منه مكان البصيرة الحازمة، واليد العاملة، والعقل المنظم؛ ثم كان من هؤلاء وهؤلاء دليل ناهض على يقظة هذه الأمة وشعورها بإرادتها لما تفعل، وسيادتها على ما تملك، وحريتها فيما تريد لا أستطيع بهذا القلم الموجز في هذا المكان المحدود أن اجمل ما أضفاه بنك مصر وشركاته ومنشآته من النعمة على الأمة؛ وإن في تقرير مجلس الإدارة الذي نشر منذ أيام عن السنة الخامسة عشرة من حياة البنك، والخطبة الخطيرة الذي سيلقيها المدير الجليل في احتفال الغد عن حياة البنك، لبلاغاً لمن لم يسمع إلى اليوم ذلك اللحن القومي القدسي الذي يتألف من صريف الأموال المصرية في البنك، وهدير البواخر المصرية في البحر، وأزيز الطوائر المصرية في الجو، ودوي المصانع المصرية في المحلة! إن نجاح بنك مصر وشركاته هو وحده الحجة الدامغة على نضوج هذا الشعب، لأنه نسق من الضرورة والقدرة والنظام والثقة لا يقوم على الهوى، ولا ينتظم على الطيش، ولا يصبر على الفساد، ولا يتقدم على العجز، ولا يبلغ شيئا وراء الزعامة الرخوة؛ فبينما نجد النهضة السياسية تنتكس فترجع إلى الموت، والحالة الأخلاقية تنحل فتعود إلى المهانة، والحركة الأدبية تضطرب فتنقلب إلى الفوضى، نجد هذا البنك ينمو نمو النبات بَرَكة على

стр. 7953

بَرَكة، ويتضاعف تضاعف الحياة شركة بعد شركة، ويجذب الوجود المصري معه إلى السبيل التي يأمن فيها الفناء، ويخرج منها إلى العافية! أحمد حسن الزيات

стр. 7954

الانتحار للأستاذ مصطفى صادق الرافعي قال المسيب بن رافع: وقام الشعبي إلى رجل فأعتنقه فرحا بما آل أمره إليه، بعد إذ رأى النور يجري على لونه ويترقرق في ديباجته؛ كأنما وقع الصلح بين وجهه وبين الحياة. ثم قال له: نِعمَ أخو الإسلام أنت، فاستعذ بالله من خذلانه، فإنه ما خذ لك إلا وضعك نفسك بازاء الله تعارضه أو تجاريه في قدرته، فيكلك إلى هذه النفس، فتنتهي بك إلى العجز، وينتهي العجز بك إلى السخط؛ ومتى كنت عاجزا ساخطا، محصورا في نفسك، موكولا إلى قدرتك - كنت كالأسد الجائع في القفر، إذا ظن أن قوّته تتناول خلقَ الفريسة؛ فيدعو ذلك إلى نفسك اليأس والانزعاج والكآبة، وأمثالها من هذه المهلكات تقدح في قلبك الشك في الله، وتثبت في روعك شرَّ الحياة، وتهدي إلى خاطرك حماقات العقل، وتقرر عندك عجز الإرادة؛ فتنتهي من كل ذلك ميِّتا قد أزهقتك نفسك قبل أن تزهقها! ولو كنت بدل إيمانك بنفسك قد آمنت بالله حق الإيمان - لسلطك الله على نفسك ولم يسلطها عليك؛ فإذا رمتك المطامع بالحاجة التي لا تقدر عليها، رميتها من نفسك بالاستغناء الذي تقدر عليه؛ وإذا جاءتك الشهوات من ناحية الرغبة المقبلة، جئتها من ناحية الزهد المنصرف؛ وإذا ساورتك كبرياء الدنيا أذللتها بكبرياء الآخرة. وبهذا تنقلب الأحزان والآلام ضروباً من فرح الفوز والانتصار على النفس وشهواتها، وكانت فنوناً من الخذلان والهمّ؛ وتعود موضع فخر ومباهاة، وكانت أسباب خزي وانكسار. وعزيمة الإيمان إذا هي قويت حصرت البلاء في مقداره، فإذا حصرته لم تزل تنقص من معانيه شيئاً شيئاً؛ فإذا ضعفت هذه العزيمة جاء البلاء غامراً متغشياً يجاوز مقداره بما يصحبه من الخوف والروع، فلا تزال معانيه تزيد شيئاً شيئاً بما فيه وبما ليس فيه. وللإيمان ضوء في النفس ينير ما حولها - فتراه على حقيقته الفانية وشيكا أن يزول؛ فإذا انطفأ هذا الضوء انطمست الأشياء فتتوهمها النفس أوهاما متباينة على أحوالها المختلفة: كما يرى الأعمى يوهمه؛ لاعينه مع الأشياء تكون في طبيعتها، ولا أشياؤه عند عينه تكون في حقيقتها. قال المسيب: وكانت الشمس قد طفلت للمغيب؛ فقال الأمام للرجل: قم فتوضأ وأسبغ

стр. 7955

الوضوء، وسأعلمك أمرا تنتفع به في دينك ودنياك: فإذا قمت إلى وضوئك فأيقن في نفسك واعزم في خاطرك على إن في هذا الماء سرا روحانيا من أسرار الغيب والحياة، وأنه رمز للسماء عندك، وانك إنما تتطهر به من ظلمات نفسك التي امتدت على اطرافك؛ ثم سمِّ الله تعالى مفيضاً أسمه القادر الكريم على الماء وعلى نفسك معاً، ثم تمثل انك غسلت يديك مما فيهما ومما تتعاطاه بهما من أعمال الدنيا، وأنك أخذ فيهما من السماء لوجهك وأعضاءك؛ وقرر عند نفسك أن الوضوء ليس شيئاً ألا مسحةً سماوية تسبغها على كل اطرافك، ليشعر بها جسمك وعقلك؛ وانك بهذه المسحة السماوية تستقبل الله في صلاتك سماوياً لا أرضيا. فإذا أنت استشعرت هذا وعملت عليه وصار عادةً لك، فإن الوضوء حينئذ ينزل من النفس منزلة الدواء، كلما اغتنمت أو تكرهت أو تسخطت، أو غشيك حزن أو عرض لك وسواس؛ فما تتوضأ على تلك النية إلا غسلت الحياة وغسلت الساعة التي أنت فيها من الحياة وترى الماء تحسبه هدوءاً ليناً لين الرضا وإذا هو ينساب في شعورك وفي أحوالك جميعا. قال المسيب: وقمت أنا فجددت وضوئي على هذه الصفة في تلك النية؛ فإذا أنا عند نفسي مستضيئ بروحٍ نجميةٍ لها إشراق وسناء، وإذا الوضوء في أضعف معانيه هو ما علمنا من أنه الطهارة والنظافة، أما في أقوى معانيه فهو إفاضة من السماء فيها التقديس والتزكية وغسل الوقت الإنساني مما يخالطه كلما مرت ساعات وابتداؤه للروح كالنبات الأخضر ناضراً مطلولاً مترطباً بالماء. ثم صلى بنا الشيخ وأمرني بالمبيت مع الرجل، كأنما خشي البدوات أن تبدو له فتنقض عزمه، أو كأن الشيخ لم يأمن على الرجل أن يكون إنسانه الروحي قد تنبه بأكمله فوضعني كالتنبيه له. وجاءنا العشاء من دار الشيخ فطعمنا، ثم قام الرجل فتوضأ وصلينا العتمة وجلسنا نتحدث، فاستنبأته نبأه، فقال: مهلاً، ثم نهض فتوضأ الثالثة وقال: تالله ما أعرف الوضوء بعد اليوم إلا ملامسةً بين السماء والنفس. وما أعرف وقته من الروح إلا كساعة الفجر على النبات الأخضر. قال المسيب: أتصبحنا فغدونا على الامام؛ ثم لزمني الرجل في بعض أموري، ثم وافينا

стр. 7956

المسجد صلاة العصر لحضور درس الشيخ؛ وكان الناس كالحب المتراصف على العنقود لا أدري من ساقهم وجمعهم؛ كأنما علمت الكوفة أن رجلاً مسلماً كفر بالله كفرة صلعاء، وأنه سيحضر درس الشيخ وسيحضر الشيخ من أجله، فهبت الرياح الأربع تسوق أهلاها إلى المسجد من أقطارها. وجلس الشيخ مجلس الحديث فقال: روينا أن رجلاً كانت به جرأحة، فأتى قرناً له فأخذ مشقصاً فذبح به نفسه؛ فلم يصل عليه النبي ﷺ وترك جنازته مطرودةً تقتحم متلفة الآخرة كما اقتحمت متلفة الدنيا! روينا في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار!. روينا عنه ﷺ : (من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة!) روينا عنه ﷺ قال: (كان رجلا به جراح فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة!). قال الشعبي: يقول الله: (بدرني عبدي بنفسه) أي بدرني وتأله في أخر أنفاسه لحظة ينقلب الي، فكان مع ظلمه مغرورا أحمق!. بدرني وتأله حين ضاق، فهور نفسه في الموت من عجزه أن يمسكها في الحياة، فكان عاجزا مع ظلمه وغروره وحمقه! بدرني وتأله على جهله بسر الحياة وحكمتها، فلم يستح هذا المخلوق الظالم المغرور في حمقه وعجزه وجهله - لم يستح أن يجيئني في صورة إله! بدرني وتأله، فطبع نفسه طابعها الأبدي من غي وتمرد وسفاهة، وأرسلها إلى مقتولة يردها علي بدرني وتأله، كأنما يقول: أن له نصف الأمر ولي النصف، أنا أحييت وهو أمات. . .! بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة! قال الشعبي: وإنما تحرم الجنة على من يقتل نفسه، إذ ينقلب إلى الله وعلى روحه جناية يده ما تفارقها إلى الأبد؛ فهو هناك جيفة من الجيف مسمومة أبدا، أو مخنوقة أبدا، أو

стр. 7957

مذبوحة أبدا، أو مهشمة أبدا، يقول الله له: أنت بدرتني بنفسك، وجريت معي في القدر مجرى واحدا، فستخلد نفسك في الصورة التي هي من عملك، وما قتلت ألا حسناتك. قال الشعبي: ولو عرف قاتل نفسه أنه سيصنع من نفسه جيفة أبدية، فمن ذا الذي يعرف أنه إذا فعل كذا وكذا تحول حمارا وبقي حمارا فيرضى أن يتحول ويسرع ليتحول؟ من ذلك نظر النبي ﷺ إلى جنازة ذلك الرجل الذي قتل نفسه كما ينظر إلى ذبابة توجهت بالسب إلى الشمس والكواكب والأفلاك كلها، ثم جاءته تقول له: اشهد لي. قال الشيخ: ومم يقتل الإنسان نفسه؟ أما إن الموت آتٍ لا ريب فيه ولا مقصر لحي عنه، وهو الخيبة الكبرى تلقى على هذه الحياة، فما ضرر الخيبة الصغيرة في أمر من أمور الدنيا؟ أن المرء لا يقتل نفسه من نجاح بل من خيبة؛ فإن كانت الخيبة من مال فهي الفقر أو الحاجة، وان كانت من عافية فهي المرض أو الاختلال؛ وإن كانت من عزة فهي الذل أو البؤس، وان كانت مما سوى ذلك - كالنساء وغيرهن - فهي العجز عن الشهوة أو التخيل الفاسد وليس يخيب الإنسان إلا خيبة عقل أو ارادة، والا فالفقر والحاجة، والمرض والاختلال، والذل والبؤس، والعجز عن الشهوة وفساد التخيل - كل ذلك موجود في الناس، يحمله أهله راضين به صابرين عليه، وهو الغبار النفسي لهذه الأرض على نفوس أهلها، ويا عجبا أن العميان هم بالطبيعة اكثر الناس ضحكا وابتساما وعبثا وسخرية؛ أفتريدون أن تخاطبكم الحياة بأفصح من ذلك؟ ليست الخيبة هي الشر، بل الشر كله في العقل إذا تبلد فجمد على حالة واحدة من الطمع الخائب، أو في الإرادة إذا وهنت فبقيت متعلقة بما لم يوجد. أفلا ترون أنه حين لا يبالي العقل ولا الإرادة لا يبقى للخيبة معنى ولا أثر في النفس، ولا يخيب الإنسان حينئذ بل تخيب الخيبة نفسها؟ لهذا يأبى الإسلام على أهله الترف العقلي والتخيل الفاسد، ويشتد كل الشدة في أمر الإرادة؛ فلا يترخص في شيء يتعلق بها، ولا يزال ينميها بأعمال يومية تشد منها لتكون رقيبة على

стр. 7958

العقل حارسة له، فإن للعقل أمراضا كثيرة يطيش فيها درجات من الطيش حتى يبلغ الجنون أحياناً؛ فكانت الإرادة عقلا للعقل؛ هل لينة إذا تصلب، وهي حركته إذا تبلد، وهي حلمه إذا طاش، وهي رضاه إذا سخط الإرادة شيء بين الروح والعقل، فهي بين وجودين؛ ولهذا يكون بها الإنسان بين وجودين أيضا، فيستطيع إن يعيش هو في الدنيا كالمنفصل عنها، إذ يكون في وجوده الأقوى، وجود روحه، وأكبر همه نجاحه في هذا الوجود وهذا النجاح لا يأتي من المال، ولا تحققه العافية، ولا تيسره الشهوات، ولا ينسيه التخيل الفاسد؛ ولا يكون من متاع الغرور، ولا مما عمره خمسون سنة أو مائة سنة، بل يأتي مما عمره الخلود، ومما هو باق أبدا في معانيه من الخير والحق والصلاح. فههنا يعين المرض بالصبر عليه مالا تعين الصحة، ويفيد الفقر بحقائقه ما لا تفيد الثروة؛ وهنا يكون العقل الإنساني عاملا اكثر مما هو متخيل، وقانعا اكثر مما هو طامع، وههنا لا موضع لغلبة الشهوة، ولا كبرياء النفس، ولا حب الذات؛ وهذه الثلاث هي جالبة الشقاء على الإنسان حتى في أحوال السعادة، وبدونها يكون الإنسان هانئا حتى في أحوال الشقاء بالإرادة المؤمنة القوية ينصرف ذكاء المؤمن إلى حقائق العالم وصلاح النفس بها، وبغير هذه الإرادة ينصرف الذكاء إلى خيال الإنسان وفساد الإنسان وإذا انصرف الذكاء إلى حقائق الدنيا كان العقل سهلا مرنا مطواعا، واستحال عليه أن يفهم فكرة قتل النفس أو يقرًّها؛ فإن هذه الفكرة الخبيثة لا تستطرق إلى العقل إلا إذا تحجر وانحصر في غرض وأحدٍ قد خاب وخابت فيه الإرادة ففرغت الدنيا عنده ولو أن أمرا أتم عزمه على قتل نفسه ثم صابر الدنيا اياما، لانفسخ عزمه أو رك، إذ يلين العقل في هذه المدة نوعا ما، ويجعل الصبر بينه وبين المصيبة مسافة ما، فتتغير حالة النفس هونا ما. فالصبر كالتروح بالهواء على العقل الذي يكاد يختنق من احتباسه في معنى وأحد مقفل من جوانبه. ومثل العقل في هذه الحال مثل القائم في إعصار لفه بالتراب لفاً وسد عليه منافذ الهواء، وحبسه في هذا التراب الملتف حبس الحشرة في جوف القصبة؛ فهو على اليقين أنها حالة ساعة طارئة في الزمن لا حالة الزمن؛ وأن الهواء الذي جاء بهذا الهم هو الذي يذهب بهذا الهم

стр. 7959

وكما أن الأرض هي شيء غير هذا الإعصار الثائر منها، فالحياة كذلك هي أمر أخر غير شقائها قال الإمام: وفي كتاب الله آيتان تدلان على أنه كتاب الدنيا كلها، إذ وضع لهذه الدنيا مثالين: أحدهما المثال الروحي للفرد الكامل، والأخر المثال الروحي للجماعة الكاملة أما الآية الأولى فهي قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر.) واما الثانية فهي قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم.) ففي رجاء الله واليوم الأخر يتسامى الإنسان فوق هذه الحياة الفانية، فتمر همومها حوله ولا تصدمه، إذ هي في الحقيقة تجري من تحته فكأن لا سلطان لها عليه؛ وهذه الهموم تجد في مثل هذه النفس قوى بالغة تصرفها كيف شاءت، فلا يجيء الهم قوة تسحق ضعفا، بل قوة تمتحن قوة أخرى أو تثيرها لتكون عملا ظاهرا يقلده الناس وينتفعون منه بالأسوة الحسنة، والأسوة وحدها هي علم الحياة وقد ترى الفقير من الناس تحسبه مسكينا، وهو في حقيقته أستاذ من أكبر الأساتيذ يلقي على الناس دروس نفسه القوية وفي رجاء الله واليوم الأخر يبطل أكبر أسباب الشرَّ في الناس، وهو نظر الإنسان لمن هو أحظى منه بفتنة الدنيا نظرا لا يبعث ألا الحقد والسخط، فينظر المؤمن حينئذ إلى ما في الناس من الخير والصلاح والإيمان والحق والفضيلة، وهذه بطبيعتها لا تبعث ألا السرور والغبطة، ومن جعلها في تفكيره ابطل اكثر الدنيا من تفكيره؛ وبها تسقط الفروق بين الناس عاليهم ونازلهم؛ كالرحل الفقير العالم إذا قدم على الغني العالم؛ جمع بينهما الاتفاق العقلي وسقط ما عداه وفي رجاء الله واليوم الأخر يعيش الإنسان عمره الطويل أو القصير كأنه في يوم يصبح منه عاديا على الحشر والحساب؛ فهو متصل بالخلود غير معنى إلا بأسبابه؛ وبهذا تكون أمراضه وآلامه ومصائبه ليست مكاره من الدنيا، بل هي تلك المكاره التي حفت الجنة بها؛ ولا يضره الحرمان لأنه قريب الزوال، ولا يغره المتاع لأنه قريب الزوال أيضا وفي رجاء الله واليوم الأخر يسود الإنسان على نفسه؛ ومن كان سيد نفسه كان سيد ما

стр. 7960

حولها يصرفه بحكمه، ومن كان عبد نفسه صرفه بحكمه كل ما حوله قال الشعبي: وأما المثال الروحي للجماعة الكاملة، فهو في وصف المؤمنين بأنهم (رحماء بينهم) فهذا هذا، ما أحسبه يحتاج إلى بسط وبيان إن اكثر ما يضيق به الإنسان يكون من قبل من حوله ممن يعايشهم ويتصل بهم لا من قبل نفسه، فإذا قام اجتماع أمة على أنهم (رحماء بينهم) تقررت العظمة النفسية للجميع على السواء؛ ومن كانوا كذلك لم يحقروا الفقير بفقره ولم يعظموا الغني لغناه، وإنما يحقرون ويعظمون لصفات سامية أو حقيرة. وبين هؤلاء يكون الفقير الصابر أعظم قدرا من الغني الشاكر، وأعظام الناس لفضيلة الفقير هو الذي يجعل فقره عند نفسه شيئا ذا قيمة في الإنسانية ومتى تصححت آراء الجماعة في هذه المعاني المؤلمة للناس بطل المها واستحالت معانيها، وصار لا يبلي معنى من معاني الحياة في إنسان ألا وضع إيمانه معنى جديدا في مكانه، وتصبح الفضيلة وحدها غاية النفس في الجميع؛ وبذلك يصبر الفرد على مصائبه، لا بقوته وحده ولكن بجميع القوى التي حوله. أفلا ترون إن إعجاب الناس بالشجاعة وتعظيمهم صاحبها يضع في ألم السلاح لذة يحسها لحم الشجاع البطل؟ قال المسيب بن رافع: فقام رجل من المجلس. فقال: أيها الشيخ، وإذا فسد الناس وغلظت قلوبهم، وتقطعت بينهم الأسباب، ولم يعودوا (رحماء بينهم)، وشمتوا بالفقير، وتهزءوا بالمبتلى وطرحوه في ألسنتهم كما يطرح الشاعر في لسانه رجلا يهجوه لا يكف عنه - فما عسى أن يصنع المسكين حينئذ وكل شيء يدفعه إلى قتل نفسه؟ وقال الشعبي: ها هنا الرجاء في الله واليوم الأخر، وهو شعور لا يشترى بمال، ولا يلتمس من أحد، ولا يعسر على من أراده؛ والفقير المبتلى وغيرهما إنما يصنع كل منهم مثاله السامي؛ فالصبر على هذا العنت هو صبر على إتمام المثال، وإذا وقع ما يسوؤك أو يحزنك فابحث فيه عن فكرته السامية، فقلما يخلو منها، بل قلما يجيء إلا بها قال المسيب: فقام أخر فقال: وكيف يصنع أمرؤ آلت به أحوال الدنيا إلى ما يخيفه، أو بلغ الهم مبلغه من قلبه فهم أن يقتل نفسه؟ قال الشعبي: فليجعل الخوف خوفين: أحدهما خوفه عذاب الله خالدا مخلدا فيه أبدا؛ فيذهب

стр. 7961

الأقوى بالأضعف. وإذا ابتلى فليضم إلى نفسه من هو اشد بلاء منه؛ ليكون همه أحد همين، فيذهب الأثقل بالأخف إن الإنسان ونفسه في هذه الحياة كالذي أعطى طفلا نزقاً طياشاً عارماً متمرداً، ليؤدَّبه ويحكم تربيته وتقويمه، فيثبت بذلك أنه أستاذ، فيعطي اجر صبره وعمله، ثم يضيق الأستاذ بالطفل ساعة فيقتله. أكذلك التأديب والتربية؟ (لهذا المجلس بقية) مصطفى صادق الرافعي

стр. 7962

عصر الخلفاء في مصر الإسلامية ٥ - الحاكم بأمر الله للأستاذ محمد عبد الله عنان ولم تقتصر سياسة الحاكم الدينية على هذه الناحية من اضطهاد النصارى واليهود، ولكنها كانت تتناول الناحية الإسلامية أيضا، بكثير من الأحكام والأوامر الشاذة. وقد كانت الخلافة الفاطمية تحكم في مصر شعبا لا يتبعها من الوجهة المذهبية، وكان العمل على تدعيم هذه الصبغة المذهبية أهم عناصر سياستها الدينية؛ وقد حذا الحاكم في ذلك حذو أبيه العزيز وجده المعز، وعمل لبث الدعوة الفاطمية في قوة وجرأة ولكن في نوع من التناقض أيضا؛ ففي سنة ٣٩٥هـ، أمر بسب السلف (أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ومعاوية. . . الخ)، وكتب ذلك على أبواب الجوامع والمساجد والمقابر والحوانيت، وأرغم الناس على المجاهرة به ونقشه في سائر الأماكن. وفي نفس العام انشأ الحاكم دار الحكمة لتنظيم الدعوة وبثها بطريقة منظمة؛ وسنعود للكلام عنها في فصل خاص. وكان سب السلف مظاهرة شيعية عملية، ولكن سخيفة مبتذلة؛ فلم يلبث أن ضج الشعب لهذا الاجتراء المثير، وألغى المرسوم (سنة ٩٧) وشدد في هذا المنع فيما بعد، وعوقب المخالفون بالضرب والتشهير. وفي سنة ٣٩٨هـ صدر مرسوم يقرر بعض الأحكام الدينية ويفسرها، على أثر ما وقع بين الشيعة وأهل السنة من خلاف وشغب على فهم بعض الأحكام وتطبيقها؛ وهو مرسوم يشف عن روح العصر، ويحمل طابع التوفيق بين المذهبين، وإليك نصه بعد الديباجة: (أما بعد فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم آية من كتاب الله المبين، لا إكراه في الدين. . . مضى أمس بما فيه، وأتى اليوم بما يقتضيه؛ معاشر المسلمين نحن الائمة، وأنتم الأمة. . . من شهد الشهادتين. . . ولا يحل عروة بين اثنين، تجمعهما هذه الأخوة، عصم الله بها من عصم، وحرم عليها ما حرم، من كل محرم من دم ومال ومنكح، الصلاح والأصلح بين الناس أصلح؛ والفساد والإفساد من العباد يستقبح؛ يطوى ما كان فيما مضى فلا ينشر، ويعرض عما انقضى فلا يذكر؛ ولا يقبل على ما مر وأدبر من أجزاء الأمور على ما كانت في الأيام الخالية أيام آبائنا الأئمة المهتدين، سلام الله عليهم أجمعين، مهديهم بالله، وقائمهم بأمر الله، ومنصورهم بالله ومعزهم لدين الله، وهو إذ ذاك بالمهدية والمنصورية؛

стр. 7963

وأحوال القيروان تجري فيها ظاهرة غير خفية، ليست بمستورة عنهم ولا مطوية؛ يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون؛ ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون؛ صلاة الخميس للدين بها جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون؛ يخمس في التكبير على الجنائز المخمسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربعون؛ يؤذن بحي على خير العمل المؤذنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذنون؛ لا يسب أحد من السلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يوصف، والخالف فيهم بما خلف؛ لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده، وإلى الله ربه ميعاده عنده كتابه، وعليه حسابه؛ ليكن عباد الله على مثل هذا عملكم منذ اليوم؛ لا يستعلي مسلم على مسلم بما أعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما أعتمده، من جميع ما نصه أمير المؤمنين في سجله هذا، وبعده قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعا، فينبئكم بما كنتم تعملون). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ كتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة) ومن الصعب أن نحدد موقف الحاكم إزاء الشؤون الدينية تحديداً واضحاً؛ فقد نسبت إليه في هذا الشأن تصرفات كثيرة متناقضة؛ وقيل أنه حاول أن يعدل بعض الأحكام الدينية الجوهرية كالصلاة والزكاة والصوم، بل قيل أنه شرع في إلغائها، غير أنه ليس ثمة ما يدل على أنه ذهب إلى هذا الحد، على الأقل في الفترة التي نتحدث عنها، وان لم يكن ثمة شك في أنه عدل بعض الأحكام والرسوم تعديلا يجعلها اقرب إلى الصبغة الذهبية. وأما عن عقيدة الحاكم الدينية فمن المجازفة أن يقطع فيها رأي حاسم، ومن المحقق أنها لم تثبت على وتيرة واحدة، وأنها حسبما تدل تصرفاته وأوامره الدينية، كانت تختلف باختلاف فترات حكمه؛ ونستطيع أن نصف الحاكم طورا بعد أخر، بالتعصب الديني والإغراق المذهبي، واليقين والتشكك، والإيمان والإلحاد؛ وسنرى عند الكلام عن الدعوة الفاطمية السرية أن الحاكم، كان في أواخر عصره يذهب إلى ابعد مدى من الغلو والإغراق، فيؤيد الدعوة السرية إلى نسخ أحكام الإسلام، وإلى الدعوة بألوهيته وقيامه. ويعترض ابن خلدون بشدة على القول بكفر الحاكم وإلحاده وإلغائه للصلاة، ويقول أنه زعم لا يقبله ذو عقل، ولو صدر من الحاكم شيء منه لقتل لوقته. بيد أن هذا المنطق لا يتفق مع الأدلة والوثائق التي

стр. 7964

انتهت إلينا عن الفترة الأخيرة عن عصر الحاكم وعن تصرفاته الدينية ومؤازرته للدعاة السريين كما سنبين بعد - ٨ - ولننتقل إلى ناحية أخرى من تصرفات الحاكم هي تصرفاته المالية. كان الحاكم بإجماع الرواية، جواداً وافر البذل، وكان كثير الزهد بالمال؛ وكانت الخلافة الفاطمية قد حققت في عهدها القصير من الأموال والثروات الطائلة من الجواهر والتحف الباذخة ما يفيض في وصفه المؤرخون المعاصرون بما يدهش ويبهر، وتكدس لدى الحاكم من الأموال والتحف ما يجل قدره ووصفه. ولكن الحاكم لم يغرق في تلك المظاهر الفخمة التي كانت تنثرها الخلافة الفاطمية من حولها؛ وكان يؤثر بطبيعته مظاهر الانكماش والبساطة، وكان خلافا للطغاة يعف عن مال الرعية، فإذا بدا له أن يصادر مال كبير مغضوب عليه فإنه يضيفه إلى الأموال العامة، وقد انشأ لذلك ديونا خاصا يسمى بالديوان (المفرد) تضاف إليه أموال من يقضى عليهم بالمصادرة؛ وقد ترد هذه الأموال إلى أصحابها متى زالت أسباب السخط عليهم؛ وقد تبقى نهائيا وتستعمل في الشؤون العامة واشتهر الحاكم طوال عهده بالسخاء والبذل، وكان يسرف في العطاء أحياناً إلى حدود تهدد مالية الخزينة، وتثير اعتراض الوزراء ورجال الدولة؛ ومما يؤثر في ذلك أن أمين الأمناء الحسين ابن طاهر الوزان اعترض ذات مرة على إسراف الحاكم في الصلات والعطايا، وبلغ الحاكم اعتراضه وتوقفه في تنفيذ الأوامر، فبعث إليه بخطه في الثامن والعشرين من رمضان سنة ٤٠٣ بهذه الرقعة المؤثرة: (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله كما هو أهله ومستحقه: أصبحت لا أرجو ولا اتقي … إلا إلهي وله الفضل جدي نبيِّ، وإمامي أبي … وديني الإخلاص والعدل ما عندكم ينفذ، وما عند الله باق، والمال مال الله عزوجل، والخلق عيال الله، ونحن أمناؤه في الأرض، أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها والسلام) وكان ذوو الحاجات يقصدون الحاكم أثناء طوافه، سواء بالنهار أو الليل، ويرفعون إليه حاجاتهم وظلاماتهم، فيقضي فيها بنفسه، ويقضي حاجات الكثيرين، ويثير العطايا على المحتاجين. بيد أنه لم يكن يخلو في ذلك من

стр. 7965

الشذوذ أيضا فيبخل أحياناً بأقل الصلات وكان الحاكم يميل إلى التخفيف عن الشعب في أمر الضرائب فكان يرفع عنه أحياناً بعض المكوس حين الأزمات العامة؛ وقد يعيدها طبقا للظروف والأحوال؛ ولما فتحت دار الحكمة كان من رسومها أن يؤدي (المؤمنون) مال النجوى، وهو رسم اختياري ينفق من دخله على النقباء، وكانت تحصل أحياناً وتبطل أحياناً - ٩ - إلى جانب هذا الجود الشامل، وهذا التعفف عن أموال الرعية، كان الحاكم يتمتع بخلة أخرى اجمع المؤرخون على الإشادة بها، تلك هي زهده وتقشفه في مظاهره العامة وفي حياته الخاصة، ثم تواضعه المؤثر واحتقاره للرسوم والألقاب الفخمة التي كان يحيطه بها ملك قوي وخلافة باذخة. وكان لأول حكمه قد أمر بمنع الناس كافة من مخاطبة أحد أو مكاتبته بسيدنا ومولانا إلا أمير المؤمنين وحده؛ ثم عاد فاصدر أوامره، بألا يقبل أحد له الأرض، ولا يقبل أحد ركابه ولا يده عند السلام عليه، إذ لا يجوز الانحناء إلى الأرض لمخلوق، وإنما هي بدعة من صنيع الروم لا يجمل أن يجيزها أمير المؤمنين؛ ويكفي في السلام الخلافي أن يقال: (السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته)، كذلك يجب ألا يصلى عليه أحد في مكاتبة ولا مخاطبة، بل يقتصر في ذلك على (سلام الله وتحياته ونوامي بركاته على أمير المؤمنين) ويدعي له بما تيسر من الدعاء فقط، وقد كانت الصلاة على أمير المؤمنين من أخص رسوم الخلافة الفاطمية، وكانت الإمامة عنوانها، وكان يصلى على الخليفة كما يصلى على النبي في الخطبة، وفي المكاتبات والمحادثات الرسمية. ولكن الحاكم ابطل هذه الرسوم ولم يقل الخطباء يوم الجمعة سوى: (اللهم صلي على محمد المصطفى، وسلم على أمير المؤمنين على المرتضى، اللهم وسلم على أمراء المؤمنين، آباء أمير المؤمنين، اللهم اجعل افضل سلامك على عبدك وخليفتك. . . الخ)، ومنع الحاكم أيضا ضرب الطبول والأبواق حول القصر، فصار الحرس يطوفون بلا طبل ولا أبواق. وركب الحاكم يوم عيد الفطر (٤٠٣هـ) إلى المصلى بلا زينة ولا جنائب ولا موكب فخم، واكتفى بأفراس عليها سرج ولجم محلاة بفضة خفيفة، وبنود ساذجة، ومظلة خلافية بيضاء بلا ذهب، يرتدي البياض بلا حلية ولا ذهب، وعمامة دون جوهر، ولم يفرش المنبر، ولم

стр. 7966

تتخذ بالمسجد أهبات غير عادية، وركب إلى الصلاة في عيد الأضحى على هذا المنوال البسيط وكانت هذه النزعة إلى البساطة تسود معظم المواكب والاستقبالات الرسمية. وكان الحاكم يركب في المدينة في ابسط المظاهر الديمقراطية التي تذكرنا بديمقراطية المسلمين الأوائل؛ فيرتدي ثيابا بسيطة، أو يرتدي دارعة صوف بيضاء ويتعمم بفوطة وفي رجله حذاء عربي ساذج، وقد يركب فرسا بلا زينة أو حمارا، وفي أحيان قليلة يركب محفة يحملها الرجال، وعشارية تشق به النيل؛ وكان اغلب طوافه بالقاهرة على الحمير دون موكب ولا ضجة، لا يصحبه من الحشم سوى بضعة من الركابية؛ وكان كثير الاتصال بالشعب فكان القصر مفتح الأبواب للمتظلمين وذوي الحاجات؛ وكان يستمع إليهم أثناء طوافه وينظر في مطالبهم كما قدمنا وأما عن حياة الحاكم الخاصة فلم تصلنا سوى لمحات ضئيلة؛ ولكن لا ريب أنه كان يعيش بنفس البساطة التي كان يبدو بها في مظاهره الرسمية؛ وقد رأينا كيف اضطلع الحاكم بأعباء الحكم صبيا دون السادسة عشرة، وكيف أن انهماكه بالشؤون العامة منذ حداثته لم يترك له فرصة للانغماس في مجال اللهو والعبث التي يغرق فيها من كان في سنه وفي ظروفه؛ وقد كان الحاكم تحمله بلا ريب نزعة صوفية فلسفية؛ ذلك أنه كان يرى في التقشف مثله، ويحتقر متاع هذه الدنيا الدنيئة؛ ويرتفع عن مفاسد هذا المجتمع وعن غرائزه وشهواته النفسية الوضيعة. ولم يقل لنا أحد ممن كتبوا عن الحاكم، معاصرين أو متأخرين أنه كان يتصف بشيء من الرذائل الاجتماعية، بل تدل أقوالهم جميعا على أن هذا الطاغية الفيلسوف، كان نقيا في حياته الخاصة، بعيدا عن هذا الترف الناعم الذي يفت في الأجسام والأرواح القوية، متقشفا في مأكله وملبسه، حتى قيل أنه لبث أعواما يرتدي الصوف، وأنه امتنع عن دخول الحمام. والخلاصة إن هذه الشخصية العجيبة التي تقدم إلينا من نواحيها العامة في صورة مثيرة مروعة، تحملنا من نواحيها الخاصة على الإعجاب والاحترام بما تشف عنه من سمو ونقاه واحتقار للشهوات الإنسانية للبحث بقية محمد عبد الله عنان المحامي

стр. 7967

المكتبات المدرسية والمتنقلة بإنجلترا بقلم الأستاذ محمد عطية الأبراشي المفتش بوزارة المعارف ليس في المدرسة الإنجليزية مكتبة واحدة فحسب، بل في كل فصل من فصول المدرسة مكتبة صغيرة للتلميذ، بها كتب مدرسية وأدبية تناسب المستوى العلمي للفصل، وبها مصورات جغرافية، وروايات تمثيلية، وكتب للمراجعة. ويقوم كل فصل بانتخاب أحد تلاميذه للعناية بالمكتبة، وهو مسؤول عن ترتيبها ونظامها، فيحضر الكتب منها وقت الحاجة إلى استعمالها، ويعيدها إلى مكانها بمساعدة بعض إخوانه بعد الانتهاء من الدرس ولكل تلميذ الحق في أن يستعير من الكتب ما شاء لمدة معينة؛ بأن يذهب إلى دفتر الإعارة فيكتب فيه أسم الكتاب الذي استعاره، وأسم المؤلف، ورقم الكتاب، وتاريخ الاستعارة ثم يمضي. والأمانة سائدة بين التلاميذ، فحينما ينتهي التلميذ من قراءة الكتاب في المدة المعينة يعيده إلى موضعه في المكتبة، فلا يضع رقم (١٠) مثلا موضع رقم (١٠٥). وبهذه الوسيلة يتعود التلاميذ النظام، ويبث فيهم روح التعاون. وإذا لم يستعر أحد التلاميذ شيئا سأله مدرسه عن السبب، وكلفه بالاستعارة، ثم أختبره بعد الانتهاء من قراءة الكتاب في موضوعه، وسأله عن أحسن قطعة قرأها فيه، وأحسن رجل اعجب به؛ وبهذه الطريقة يضطر كل تلميذ إلى أن يستعير ويقرأ، ويشجع التلاميذ على البحث والاطلاع. وإذا اعتاد الفتى أن يقرأ كتابا في الخارج كل أسبوعين مثلا قرأ ما ينيف على العشرين كتابا في السنة، فتكثر معلوماته، ويشعر بحب الكتب من الصغر وحبذا الأمر لو فكر كل مدرس لدينا في أخذ طلبته إلى مكتبة المدرسة، وشوقهم إلى القراءة والاطلاع، وفهمهم طريقة البحث في الكتب، وحثهم على الاستعارة والمطالعة في أوقات الفراغ وزيادة على المكتبات المدرسية تجد في كل مدينة إنجليزية مكتبة عامة أو اكثر في المدن الكبيرة. وفي كل منزل إنجليزي مكتبة بها الكثير من الكتب الأدبية والعلمية والصحية، ويهدي لكل طفل إنجليزي كثير من الكتب التي تناسب سنه في يوم ميلاده وفي عيد الميلاد كذلك

стр. 7968

وقد تكون للطفل مكتبة خاصة به، وحجرة خاصة بلعبه أو مربى إذا كان من أسرة متوسطة أو غنية. ولا أبالغ إذا قلت إن الطفل في إنجلترا رجل صغير، قوي الملاحظة، كثير الآراء والأفكار الصائبة، فقد يقول لك قبل إن يرى المدرسة: إن هذا الفيل من الهند، ولو فقد هذا الجزء من السيارة لحدث كذا، وهذا الجزء من الطائرة أسمه كذا، ووظيفته (العلمية) كذا، ولقد حدث (لعلي بابا) في ألف ليلة وليلة كيت وكيت المكتبات المتنقلة بإنجلترا وهناك أيضا مكتبات متنقلة تنتقل من المدينة إلى القرية مثلا بوساطة سيارة معدة لان تكون مكتبة، تنقسم أربعة أقسام وهي: قسمان للروايات، وقسم للكتب العلمية المختلفة، والقسم الرابع خاص بكتب الأطفال. وتقوم هذه المكتبات بعمل جليل في نشر العلم، وإعطاء الفرصة لسكان القرى النائية الأطراف في أن يستعيروا ما يريدونه من الكتب للقراءة والاستفادة. وهي منتشرة الآن في جميع أنحاء إنجلترا وتعد المكتبة المتنقلة فرعا من المكتبة العامة التي تمدها بما تحتاج إليه من الكتب. ويقوم بإدارتها موظف تابع لمدير المكتبة العامة. وفي (كنت) مثلا - وهي إحدى الضواحي التابعة للندن - مكتبة متنقلة أنشئت في نوفمبر سنة ١٩٢١ وبها نحو ١٥٠ ألف كتاب للأستعارة، يستعيرها القراء بالتناوب، ويتداولونها بينهم وأحدا بعد الأخر؛ في سنة ١٩٣٠ قد بلغ المستعيرون من هذه المكتبة ١٢٢٣٠٠٠ وهذا العدد يدل على كثرة الإقبال على القراءة، وعلى أن إنجلترا من اكثر الأمم حباً للقراءة، فلا تركب قطارا أو سيارة عامة إلا وتجد في أيدي كل فرد صحيفة، أو مجلة أو كتابا. فالمكتبة المتنقلة قد سدت فراغا كان الناس يشعرون بالحاجة إلى ملئه منذ زمن ليس بالقصير. وفي (كنت) سيارتان تملأن من المكتبة الرئيسية العامة بها، ثم تزوران كل قرية في تلك الجهة مرتين أو ثلاث مرات في السنة، وقبل قيام المكتبة من (كنت) وهي المركز الرئيسي في تلك الجهة يخبر القائم بأمور المكتبة في القرية بوقت وصول السيارتين إليها حتى يستطيع استدعاء عدد كبير من المستعيرين للمساعدة في اختيار المجموعة الجديدة من الكتب، ورد ما يمكن رده من المجموعة القديمة التي كانوا قد استعاروها من قبل. وينتهي الأمر وهو رد الكتب القديمة، وأخذ كتب أخرى بدلها في نحو ساعة من الزمن

стр. 7969

وكتب الأطفال في المكتبات المتنقلة اقل من كتب غيرهم من القراء. وحب القراءة مشاهد لدى كل طفل، وبخاصة قراءة القصص والحوادث. ومن الصعب أن تشبع رغبات الأطفال في الحكايات وقراءتها. وليس في هذه المكتبات من الكتب ما يكفي كل الأطفال، ففي (كنت) مثلا ٧٥٦٦٦ طفلا في المدارس الأولية، وليس في قسم الأطفال بالمكتبات إلا نحو ٣٢ ألف كتاب، ولذا يضطر رؤساء المكتبات إلى جعل الاستعارة خاصة بمن تبلغ سنه ١٢ سنة. ويقص الرؤساء أحياناً بعض الحكايات المحزنة لرفض مطالب كثيرين من صغار الأطفال، ثمة بأنه كلما كان الكتاب جميل المنظر، جيد الطبع، كثرت عنايتهم به. ولا يزال الكتاب لدى الطفل القروي شيئا ثمينا. فالمكتبات المتنقلة والمدرسية والعامة تقوم بخدمة جليلة للتلاميذ وغيرهم ممن يحبون القراءة، ويجدون مسرة فيها ودور الكتب العامة مملوءة بالقراء. وهناك نوع من المكتبات التجارية التي تخصص قسما منها للإعارة نظير دفع اشتراك سنوي يسير. فلدى كل فرد صغير أو كبير، غني أو فقير، الفرصة في أن يجد ما يريده من الكتب، من أي نوع من الأنواع وفي وصف الكتاب وفوائد الكتب، قال نابغة العرب، وأديب العلماء، والعالم بين الأدباء (أبو عثمان عمرو الجاحظ) (الكتاب وعاء ملئ علماً، وظرف حشي ظرفا، وبستان يحمل في ردن، وروضة تقلب في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء.) وقال: (. . . . . . ولا اعلم نتاجا في حداثة سنه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع بين التدابير الحسنة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب) ودخل الرشيد على المأمون وهو ينظر في كتاب، فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب يشحذ الفكرة ويحسن العشرة، فقال: الحمد لله الذي رزقني من يرى بعين قلبه اكثر مما يرى بعين جسمه وقيل لبعض العلماء: ما بلغ من سرورك بأدبك وكتبك؟ فقال: هي إن خلوتي لذتي، وان اهتممت سلوتي، وإن قلت أن زهر البستان ونور الجنان يجلوان البصر، ويمتعان بحسنهما الألحاظ، فإن بستان الكتب يجلو العقل، ويشحذ الذهن، ويحيي القلوب، ويقوي القريحة، ويعين الطبيعة، ويبعث نتائج العقول، ويستثير دفائن القلوب، ويمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة، ويضحك بنوادره، ويسر بغرائبه، ويفيد ولا يستفيد، ويعطي ولا يأخذ، ونصل لذته

стр. 7970

إلى القلب، من غير سامة تدركك، ولا مشقة تعرض لك وفي الكتب العربية آيات بينات عن الكتب وفوائدها، شعرا ونثرا فليرجع إليها من أراد الزيادة محمد عطية الأبراشي

стр. 7971

قصيدة شوقي في جلالة الملك فيصل بقلم الأستاذ حسين الظريفي لما اعتزم مغني مصر الكبير الأستاذ محمد عبد الوهاب السفر إلى العراق عام ١٩٣٢، رأى المغفور له شاعر الضاد وأمير الشعراء أحمد شوقي بك، ألا يدع الفرصة تفوت دون أن يملأها بما يريد، فألف قصيدته الخالدة التي أثنى فيها الثناء الجم على أمة العراق وملكه ساكن الجنان فيصل الأول وقد انشد الأستاذ القصيدة على مسرح المعرض الذي أقيم في بغداد في السنة المذكورة، وانشدها أمام الملك في قصره في حضور رجال الدولة وكبار الساسة وأعيان البلد وجمهور المستمعين من شتى الطبقات. ثم رأينا مكروفون المذياع وأبواق الحاكي تعيد لنا ما أبدع به محمد عبد الوهاب على مسرح المعرض حتى شاعت القصيدة وذاعت على الأفواه. والذي نريد إثباته في هذه الفرصة هو أن مطلع القصيدة وبيتا أخر قد كثر حولهما كلام الناس في بغداد. وأنتقدهما غير واحد من الشعراء، وكان اكثر هؤلاء المنتقدين - على ما اعتقد - يجهلون معنى البيت جهلا تاما، وبهذا الجهل انحدروا إلى التهجم على شاعرية شوقي، وهو الشاعر الفرد الذي أضاف إلى لغة الضاد مادة جديدة من معانيه المبتكرة. وأنتقل بالشعر في بعض مواقفه من عالم الطبيعة إلى ما وراءها، حيث تجتمع الفلسفة والشعر الرفيع في نقطة واحدة ولذلك أحببت أن اعرض رأيي الخاص فيما يجب أن يحمل عليه البيتان. وأولهما هو مطلع القصيدة: يا شراعاً وراء دجلة يجري … في دموعي، تجنبتك العوادي وقد رأى كثير من الشعراء والأدباء، أن المخاطب بهذا البيت هو جلالة الملك فيصل، والحقيقة أن الخطاب إلى الأستاذ محمد عبد الوهاب، لعدم امكان حمله على غيره، ولدلالة الأبيات التي تلي هذا البيت، وهي: سر على الماء كالمسيح رويداً … واجر في اليم كالشعاع الهادي وائت قاعا كرفرف الخلد طيبا … أو كفردوسه بشاشة وادي

стр. 7972

وقد شبه الشاعر - محمداً - بالشراع لما شاع وذاع من أمر غنائه في البلاد، وهو تشبيه يمت بصلة قوية إلى التشبيه بالعلم بمعنى الجبل كقول الخنساء في أخيها صخر - كأنه علم في رأسه نار - وأراد بقوله وراء دجلة - بقصد دجلة. وذلك عند اعتزام المغني السفر إلى العراق ولما كان محمد عبد الوهاب دائم التغريد بما يؤلف له شوقي بك من قطع الشعر والقصائد، وكانت أكثرية هذه القصائد تعج بلواعج الهوى بحيث تحمل دموع الشاعر الغزيرة من أثر الحب فيه، جعل الشراع جاريا في هذه الدموع، بإنشاد المغني قصائد الشاعر. فكأن شوقي يقول: يا من اعتزم السفر إلى العراق وهو كأنه الشراع في الشهرة، مرتلا قصائدي التي هي كالدموع في الهوى، وهو يجري فيها كالشراع - تجنبتك العوادي - وحفظك الله من كل مكروه وهذا البيت ولا ريب من انبغ الشعر، وهو ابن العبقرية التي اصبح فيها لشوقي الخلود، وللغة الضاد التيه والفخر وأما البيت الثاني فقوله: قف تمهل، وخذ أماناً لقلبي … من عيون المها وراء السواد والمخاطب فيه محمد عبد الوهاب أيضا، والسواد هو العراق من قولهم - أرض السواد - ولا يمكن أن يحمل المعنى على أن الظباء كائنة وراء العراق، إذ لا يمكن أن يكون هذا قصد الشاعر، وإلا فسد عليه المعنى، ولأن سائر أبيات القصيدة إنما تبحث عن العراق وملكه وساكنيه، وقد ذهب إلى هذا التفسير الباطل كثير من الشعراء والأدباء، اغترارا بظاهر اللفظ مع أن الواقع خلاف ما يدعون. وزعم قوم أن المراد بالسواد هنا - سواد العيون - وبهذا التفسير يختل معنى البيت ويبقى مهملا لا يشير إلى شيء وادعى آخرون أن معنى البيت فاسد من اصله، وقالوا في تعليل الفساد أن لفظ البيت يؤدي إلى وصف الظباء خارج العراق، وذكر ذلك لا مكان له في القصيدة، مع أن هذا غير مقصود من الشاعر كما سبق ذكره، وبالنظر لروحية القصيدة ولظروف وضعها ولخواطرها المتسلسلة وذهب غيرهم إلى حمل البيت على إرادة الحجاب بالسواد، كأن أعين الحساد تستطيع

стр. 7973

التأثير على قلوب الناس، وهي متحجبات من وراء النقاب. وهذه مبالغة لم نر لها مثيلا في شعر شوقي، وقد يتجاوز هذا المفهوم حدود المبالغة إلى تكذيب الواقع له والذي أراه في هذا البيت، هو أن القادم إلى العراق إنما يرى منه السواد قبل كل شيء فيه، بالنظر لكثرة ما فيه من خمائل ومزارع ونخيل حتى عرف في التاريخ بهذا الاسم، وبذلك تكون الظباء وراء السواد بالنظر إلى القادم إليه، وهي في أثنائه في حقيقة الأمر الواقع. وهذا البيت ولاشك من وحي العبقرية أيضا، وفيه ابلغ ما تصل إليه رقة الشاعر في شعره وإننا نجد المبرز في الشعر قد يرتفع في كل قصيدة من قصائده بالبيت أو البيتين أو الثلاثة أو ببضعة أبيات. ولكنه مع ارتفاعه هذا لا يغيب بشعره عن أعين القراء. غير أن شوقي قد شب في الشعر عن الطوق، وبذ زملائه الشعراء في كل بيت يرتفع فيه عن مستوى الشعر حتى يتواري فيه عن الأبصار. فلا تكاد تقع عليه إلا بعد الجهد الجهيد، ولا تنظر إليه إلا من بعيد كما ظهر لقراء الضاد في هذين البيتين، ونحن لا نشك في إن فهمهما يحتاج إلى مجهود عقلي كبير، وتلك ميزة النابغ من الشعر، تفرد بها شوقي عن شعراء جيله، وبها فضل الجميع وهنا أود أن اذكر ملاحظة العالم النفسي الدكتور ناجي بك الأصيل حول شاعرية أحمد شوقي بك، قال الدكتور: على الجيل الحاضر أن يحدد شاعرية شوقي بك في المدى الذي بلغت إليه، وإلا فإن الأجيال القادمة سوف تخطئ في تقديره. وعلل هذه الفكرة بأن هناك من الشعر لشوقي ما قاله وهو فيما وراء الشعور، ومع ما في هذه الفكرة من العلو والنضوج فإنها لا تأتلف والحقيقة. لان مثل هذه الأبيات التي يشير إليها الدكتور هي من وحي الإلهام، وقد قالها شوقي وهو في غيبوبة العبقرية وبها أستحق كل هذا التقدير من أبناء الضاد واصبح له فيها الخلود، ولا يمكن أن تحمل على أن شوقي قال ما لم يدر، أو أن شاعريته اقل من شعره، لان في ذلك المنطق المغلوط. ولعل الدكتور ينحرف في فكرته قليلا إلى القول بوجوب تحليل أبيات شوقي التي قالها في غيبوبة العبقرية، لئلا تفوت الأجيال القادمة بعض الدقائق النفسية التي يعرفها الجيل هذا ما عنّ لي ذكره في هذين البيتين اللذين كثر حولهما القيل والقال ومن كان له فيهما شيء يقال فليأت بما عنده، إذ الحقيقة بنت البحث

стр. 7974

بغداد حسين الظريفي المحامي

стр. 7975

بين الدعاية والجد القديس (تبريها)!! قد يبدو غريبا أن نترجم لشخص لما يمض شهران على مولده، وأنه لغريب حقا، ولكن الذي دعانا إلى أن نكتب عنه وان نترجم له، هو أنه ولد ولم يلبث أن شب واكتهل وحصل على درجة القديسين، وغشى دور كثير من العظماء والأدباء والعلماء، وان لم يعرفه بعض أولئك الذين دخل عليهم دورهم ولد القديس تبريها في شهر مارس سنة ١٩٣٥م. وولد في مصر وفي بيئة عظيمة جدا إلى أقصى حدود العظمة. وهنا نستمهل القارئ برهة وجيزة نخرج فيها إلى موضوع أخر عرض لنا. ثم نعود إلى قديسنا العظيم قرأت كتاب الدكتور هيكل (حياة محمد) من عنوانه إلى إمضاء الدكتور في أخر صفحة منه، وكنت أجد من السرور لقراءته ما ينسيني نفسي وما يتعلق بها من شؤون الحياة وكانت تأخذني في كثير من مواقفه تلك الروعة العظيمة التي سورها المؤلف عند وفاة الرسول إذ يقول: (أستعيد الساعة صورة هذا المشهد الرهيب، فأراني شاخصاً له مأخوذاً به ممتلئ القلب من جلال هيبته أكاد لا أجد إلى الانصراف عنه سبيلاً) فرغت من قراءة الكتاب وفي نفسي من الآثار لكثير من حوادثه ما في نفس الدكتور هيكل لوفاة الرسول طفقت أقلب الصفحات الأخيرة من الكتاب عن غير قصد حتى وصلت من فهرس الأعلام إلى حرف التاء في صفحة ٥١٢ فوقف نظري عند أسم القديس (تبريها) فجعلت أستعيد في ذاكرتي ما قرأت فوجدتني لا اذكر هذا الاسم، ولا لأي شيء ورد ذكره، فأسفت على أن لم أع مما قرأت شيئاً ثم رأيت أمام اسم القديس في الفهرس أن أسمه ورد في صفحة ٤٣ من الكتاب، فرجعت إليها لأعرف ذلك الذي شرد عن ذهني، فإذا بي أجد في تلك الصفحة هذه العبارة: (وإن الذين زاروا كنيسة القديس بطرس في رومية ورأوا قدم تمثال القديس تبريها قبلات عبادة المؤمنين، حتى لتضطر الكنيسة إلى تغييرها كلما انبرت ليعذرون أولئك الذين. . . . الخ)

стр. 7976

عندئذ فقد عرفت ما شرد عن ذهني، وعرفت ذلك القديس العظيم الذي ولد في مصر وفي مطبعة مصر وعرفت أنه ولد على يد واضع فهرس الأعلام، وعرفت إن ذلك الواضع هو أبو ذلك القديس العظيم!! أبو حجاج

стр. 7977

دين البادية عن لامرتين للأستاذ التنوخي عضو المجمع العلمي العربي وكاتب سره وأولئك الملاحون السابحون إلى الأبد على بحار من الرمال، قد أكسبهم الاعتياد أخلاقاً متشابهة، بمشاهدة مناظر متشابهة، وسكنى منازل متشابهة، وبنقلهم المستمر لخطوات متشابهة، في طرق ومسالك متشابهة، فسجاياهم على ذلك مشابهة لسجية البادية. أنهم لمتمسكون بدينهم تمسك اللانهاية بهم، وأحرار كحرية الفضاء المكشوف لهم؛ وجوالون تجوال الجواد الذي يقلهم، والناقة التي تحملهم، والقطيع الذي يتبعهم؛ وهم أجاويد مثل الخيمة المفتوحة أبداً لأخي الأسفار، أضلته مجاهل القفار؛ ومغاوير لهم جرأة المدين بحياته لقوة عضلاته، والمضطر للذود عن حريمه ومأواه، والدفاع عن مائة ومرعاه، من غزوات القبائل والغارات المداهمة؛ وهم بحكم العادة ميالون كالوحدة إلى الصمت، ومولعون بالحديث أحياناً شأن الإنسان الذي يلاقى بعد طوال الوحشة أخاه الإنسان فيحدثه عن كل شيء، ويستخبره عن كل شيء؛ وهم مفطورون على الشعر وعلى التأمل فطرة الليل والنهار، والكواكب والآفاق التي يقع عليها أبصارهم أبداً؛ وهم قصاص بارعون لاضطرارهم إلى قضاء ساعات الفراغ الطويلة في سرد الحكايات والأخبار والعجائب إما تحت الخيام أو حول الآبار تسلية للقلب من البلبال، وتزجية لساعات الفراغ والملال إن من لم يكتحل بمشاهدة غروب الشمس في ضبابة حمراء من الجحيم يعكس نورها ذلك الرمل المنتشر ما بين النهرين، أو بلاد الكلدان، ومن لم يراقب طلوع الكواكب متهادية، ثم هبوطها في ليالي الشتاء على بحر محيط من الأثير الأزرق، اعمق من الفكرة التي تغوص فيه، وأصفى من ماء البحر في رأس الأرض المنتصب الذي يحول دون لآلائه والتجمد، ومن لم يسمع همس تلك النسمات المتوالية من ريح لم يتم في البادية سكونها، وكيف تهينم بصوت رخمه في المسامع مروره على تلك الروابي والهضاب، وعلى عذبات أوراق الاعشاب، ومن لم يطرح طرفه كل مطرحٍ في ذلك الفضاء الذي لا وراء بعده، والذي

стр. 7978

يغيب في الله افقه الرحيب، ومن لم يبصر في تلك الظلال الجانبية من الجمال الباركة كيف ترتسم صورها في أجواز السماء، وهي جامدة جمود تلك الصور الجانبية من ظلال تماثيل أبي الهول الصخرية على سود تلك الرمال المصرية، من كان هذا شأنه لا يحق له أن يحكم على ذلك العربي المنتجع لمواطن الماء والكلأ، ولا على ذلك السحر الذي يستهويه، وبقضاء الله الذي يرضيه اجل إن تلك الارتسامات والحساسات، وما يعرو الإنسان في البادية من وساوس وهواجس لبعيدة المصدر بعدا يخيل معه للمرء أنها صادرة عن اللا نهاية نفسها، وان تلك الأنوار المنهمرة أمطاراً من النار على الروابي والبوادي، لم تنهمر قط على سطوح المدن والقرى، ولا تلوثت بالدخان المتصاعد من مداخن المساكن، وفي أناء الليل والنهار لا يحول بين الروح وصانعها حائل، فيشعر الإنسان لذلك بيد خفية لكنها ملموسة، هي يد الخالق على خلقه، ويبصر في كل لمحة تجلي الصانع خلال ذلك البحر من الضياء الذي يغمره، وفي حدود ذلك الأفق الذي يكتنفه من الغموض ما يخيل للمرء أن لا وراء بعده إلا المجهول، وفي ظلال الليالي تجوس الأبصار خلال الكواكب فتلحقها أو تسبقها إلى منازلها، فهي تشهد بدون حجاب ذلك النظام المحكم، بل ذلك الإتقان الناطق بكلمة الإيمان! إن الدين وهذا الإيمان المستقر في الأرض منشؤه علم النجوم في بوادي كلدة، وإن الحروف التي يتألف منها الاسم الإلهي تقرأ بأبهر مبني واعمق معنى، وهي منقوشة على ألواح السماوات، وان المخيلة لتغتذي برؤى السماء ورقى الأضواء؛ وإن التجليات الخارقة الغيبية مع تجسيم الحقيقة بالأوهام، لا تزال منذ بدء العالم على حالها، والرجل المدثر برداء التقوى والإيمان لا يتأثر إلا بالانفعال الذي هو به جدير: اعني به انفعال اللانهاية والخلود إن جميع العقائد لمنبعثة من تلك الخلوات منذ عهد الإله (الكوكب) مركز عوالم زرادشت، حتى (الله) رب محمد، ومنذ الإله المشرع (يهوه) موسى، حتى الإله (الكلمة) التي يبحث عنها متى سجا الليل رعاة بيت لحم فالعربي (وهو السر المكنون كالسكون، والمتأمل كالليل، والمستوحش كالوحدة، والمصدق بالمعجزات كرقية السحر الخالدة يستنزل بها الوحي، ويسترق بها السمع)، له من قوة

стр. 7979

الحواس ما يدرك بها الله في الصحراء اكثر منا: إن حياته لعبادة أبدية، فهو لا يلهيه عن الخالق شيء، ورحابة البادية التي لا حد لها هي معبده والمحراب، فما كان لهذه الطبيعة أن تلتقي والإلحاد أبدا أمع مثل هذه الطبيعة يتاح لبدوي أن يلحد يوما؟ خذوا أي زنديق من زنادقة الغرب، واقذفوا به بضع سنين إلى المشرق تجدوه لا يخرج منه إلا معافى من تلك العاهة الروحية: إن الإلحاد لا ينشأ إلا في الظلال، وفي مواطن الحرمان من التأمل والخيال، ومدن الغرب التي يصاب فيها المرء بدوار الرأس والخبال؛ إن الشمس لتستأصل شافة الكفر والإلحاد والشبهات، لان تلك السموم الباردة لا تنمو إلا في الظلمات؛ وإن ذلك الفضاء الرحب، وهو ملك البصر، ليمنح العربي من الشعور بكرامته ما هو اشد من البادية عنجهية، واكثر منها حرية، ذلك إن الجماعة تسحق الأفراد والوحدة تسمو بهم، والمنفرد يشعر بعظمته في كل حين، لأنه إنما يقيس نفسه بالنظر إلى عظمة الطبيعة وسعة سلطانها، لا إلى تلك القيمة العددية الخفية التي يمثلها بكيانه بين ظهراني جمهور لا يحصى من مدينة غاصة بأحيائها، وأمة كبيرة بوفرة أبنائها. إن هذا الشعور بالعظمة الذاتية ليجعل من الإنسان مخلوقا غير خليق بالصغار، وليحمله على آباء الضيم والعبودية؛ اجل إن العربي ليخضع لدينه ولرياسة الأسرة الإلهية، ولعادات السادات شريعة العرف المقدسة؛ ولكنه لا يخضع للقوة الغاشمة أبداً! التنوخي عضو المجمع العلمي العربي وكاتب سره

стр. 7980

فتح العرب للأندلس بقلم فريد مصطفى عز الدين في مدة قصيرة لا تتجاوز عقدين من السنين، ولا تساوي في حياة الأمم فترة من حياة الأفراد تمكن العرب من تدويخ إمبراطوريتين كانتا أعظم دول ذلك العهد. فاكتسحوا الإمبراطورية الفارسية وثلوا عرش أكاسرتها، وسودوا دينهم ولغتهم على سكانها، وكانوا في الوقت ذاته ينتزعون من الإمبراطورية البيزنطية ولاياتها الشرقية الواحدة تلو الأخرى. فدخلت سورية الكبرى ومصر، وطرابلس الغرب، وتونس والجزائر والمغرب الأقصى في دولتهم الفتية، وانضوى سكانها تحت راية القرآن والدين الحنيف وكأني بالفاتحين وقد جثموا على الشاطئ الأفريقي، ورأوا قبالتهم الشاطئ الأوربي لا تفصلهم عنه إلا شقة ضيقة من الماء أخذتهم نشوة النصر والظفر، ووطنوا العزم الأكيد على تدويخه وان يمثلوا مع الأسبان الدور الذي مثلوه قبلا مع الفرس والرومان كانت إسبانيا قبل الفتح العربي في حالة اضطراب وفوضى، تتنازعها الثورات والفتن. والعامل الأكبر في هذا التقلقل والاضطراب راجع إلى النظام الاجتماعي الفاسد الذي كان سائدا عندئذ في البلاد. فقد كان سكانها يقسمون إلى أربع طبقات هي: ١) الأشراف - ٢) سكان المدن - ٣) الفلاحون - ٤) العبيد أما الأشراف فكانوا أصحاب النفوذ والسيادة، غير أنهم انصرفوا في أخر عهدهم عن أمور الدولة إلى اللهو والبذخ والمجون. وكان سكان المدن - ومعظمهم يهود - يتحملون معظم الضرائب التي كانت عبئا ثقيلا على عاتقهم جعلتهم تواقين للخلاص من حالتهم الحاضرة. أما الفلاحون فكانوا وسطا بين الأحرار والعبيد، إذ أن التملك كان محرما عليهم إلا بإذن الشريف الذي يقعون في دائرة نفوذه، ولذا كان القليل النادر منهم ملاكا وكان العبيد وهم اكثر السكان عددا يباعون كالسلع ويسامون من العذاب أشكالا وألواناً. فليس غريبا إذا أن يهربوا في بعض الأحايين من نير أسيادهم إلى الجبال والقفار، فيعتصموا بها وينعموا بالحرية المفقودة، ويعيشوا في البلاد فسادا انتقاما لحريتهم المسلوبة. وكانت هذه الحالة السيئة كافية لإزاحة الحكم الروماني عن هذه البلاد والتمهيد للقبائل

стр. 7981

البربرية الغازية. كانت القبائل التي اكتسحت إسبانيا عديدة، منها (الفندال) و (الزواف) و (القوط). ولم يمض وقت طويل على تدفق البرابرة في إسبانيا، حتى ترك القوط القبائل الأخرى من البلاد، واستأثروا بالسلطة المطلقة. ثم بدأوا يأخذون بأساليب الحضارة المسيحية، وتمكنت الكنيسة الكاثوليكية من ضمهم إلى حظيرتها سنة ٥٨٧، فاكتسب الكهنة مكانا ساميا في الدولة لا يقل خطرا عن مكان الأشراف، غير أنهم استثمروه لمنفعتهم الذاتية، فاقتنوا الضياع وبنوا القصور العظيمة ولم يلتفتوا إلى الطبقات الأخرى التي كانت تعاني أمر العيش وأبشعه مذاقا فيصلحوا أحوالها، بل اندفعوا في سبيل مآربهم الدنيوية، فاصبحوا عاملا أخر في زيادة الفساد والاضطراب وقد خلق أيضا وجود اليهود في البلاد فسادا في الحكم، لأنهم كانوا في إسبانيا كما كانوا في غيرها طبقة مضطهدة مهيضة الجناح تنوء تحت عبء الذل والاحتقار، فكانوا صابرين في مضض على حالتهم السيئة، منتظرين بذاهب الصبر تغير الحال وزوال حكم القوط عن كواهلهم حدث الفتح أثناء ولاية موسى بين نصير على أفريقية. وكان العرب يعنون بأفريقية تونس الخضراء والجزائر ومراكش، وتمكن موسى من فتح طنجة وهي من أعظم فرض المغرب وولي عليها طارق بن زياد ثم قفل راجعا إلى مدينة القيروان - التي بناها الفاتح العربي الكبير عقبة بن نافع في عهد معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول - تاركاً سبتة وهي المدينة الوحيدة التي لم تخضع لسلطان المسلمين في أفريقية وكانت الفوضى - كالعادة - ضاربة إطنابها في إسبانيا. فإن أحد الأشراف ويدعي لذريق اغتصب الملك وطرد أبناء الملك غيطشة المتوفى من البلاد، فعبر هؤلاء البوغاز إلى الشاطئ الأفريقي وحاولوا الاستعانة بالعرب عن طريق يوليان حاكم سبتة، الذي كان على وداد مع العرب. فأجابهم يوليان إلى طلبهم وأخذ يحبب إلى العرب حرب لذريق. أما السبب الذي حدا يوليان إلى استنفار العرب على لذريق فشخصي محض، وذلك أنه أرسل ابنته - وكانت آية في الجمال - جريا على عادة أشراف القوط إلى القصر الملكي في إسبانيا لتتأدب، فرآها لذريق واستهواه جمالها الفتان، وما زال بها حتى أوقعها في حبائله

стр. 7982

وعبث بها. فلما علم والدها بالأمر استشاط غيظا وغضبا، وعز عليه أن ينتهك عرضه وشرفه على هذه الصورة القذرة، فاقسم على الانتقام من هاتك عرضه وملصق العار بجبينه، وأخذ يشوق العرب إلى فتح الأندلس ولكن بعض المؤرخين يشكون في صحة هذه الرواية ويقولون إن السبب في قيام يوليان علي لذريق أن غيطشة ملك القوط المتوفى ساعده مرة على العرب فحفظ له يوليان هذا الجميل، ورأى من الواجب أن يساعده أبناء ولي نعمته على مغتصب ملك أبيهم، فطلب مساعدة العرب ظانا أنهم بعد أن يفتحوا البلاد ويوطدوا ملك أبناء غيطشة فيها يرجعون إلى أفريقية كانت الغزوة الأولى غزوة استكشافية محضة غرضها درس حالة البلاد عن كثب، وذلك لان موسى بن نصير كتب إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك - الخليفة الأموي السادس - يستشيره في أمر هذا الفتح، فأرسل إليه الخليفة العظيم أن يتريث ويستكشف الأحوال قبل الإقدام على أية مغامرة. فأمر موسى طارقا بإرسال قوة صغيرة إلى الأندلس لمعرفة أحوالها الحقيقية، فأنفذ طارق فصيلة مؤلفة من ٤٠٠ مقاتل بقيادة مولاه طريف فنزلت في جنوبي الأندلس - الجزيرة - فكتب الله لها النجاح في مسعاها الدنيوي الديني، فشجع هذا النجاح موسى ابن نصير وعول على فتح الأندلس وسرعان ما حقق غايته فأرسل قوة كبيرة بقيادة البطل الفاتح طارق بن زياد مؤلفة من البربر والموالي وقليل من العرب، فعبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الجزيرة ثم زحفوا شمالا نحو قرطبة، وكان لذريق عندئذ في الشمال يقاوم حملة من الإفرنج غزت حدود بلاده الشمالية ولكنه أسرع - حالما علم بقدوم المسلمين - وعاد إلى الجنوب على رأس جيش لجب عدده مائة الف مقاتل لصد تيار الفاتحين فطلب طارق من موسى إمداده بالنجدات فأمده بخمسة آلاف مقاتل. وهناك في مكان جنوبي إشبيلية على نهر غواديلاثا التقى الجيشان فكان النصر حليف العرب، وذلك إن فرقة من الجيش القوطي موالية لأبناء غيطشة انسحبت من ميدان القتال فتضعضعت معنويات جيش القوط وتراخت عزائمهم فظفر بهم العرب وكان نصرهم نصرا مبينا. وتقول بعض الروايات العربية إن لذريق غرق في النهر، غير إن روايات أخرى تقول أنه بقي حيا إلى

стр. 7983

أن جاء موسى بن نصير الأندلس فهزمه في معركة فاصلة أودت بحياته ثم قسم طارق جيشه إلى أربعة أقسام: قسم سار بقيادته إلى طليطلة، وقسم سار إلى قرطبة، وأخر سار إلى غرناطة، ورابع زحف إلى مالقا؛ وكان النصر حليفهم فاستولى كل قسم منهم على البلد الذي زحف عليه، وكانت الطبقات المضطهدة تساعد الجيش الزاحف وتمده بمعلومات قيمة عن جيوش العدو وترشده إلى أسهل الطرق وأقربها، وكان طارق يكافئ أعيان البلاد بتعيينهم حكاما على المناطق المفتوحة، ورأى الإسبانيون عندئذ أن غزوة العرب لم تكن مؤقتة يرجع العرب بعدها إلى أفريقية بل كانت دائمة لأنهم ذهبوا إلى إسبانيا ليبقوا فيها وكان كثير من الأشراف قد فزعوا إلى الجبال بعد الانتصارات التي أحرزها العرب، فخاف طارق العاقبة وأرسل إلى موسى يستنجده. فعبأ موسى قوة عظيمة وعبر إلى الأندلس سنة ٧١٢ بعد ذهاب طارق إليها بسنة، واتبع خطة منظمة في الاستيلاء على البلاد. فكان ينظم كل مدينة يحتلها ويعدها لحكم عربي دائم. فاستولى على قرمونا وإشبيلية وسار توا إلى طليطلة فالتقى بطارق - وكان لقاؤهما جافا - ووحدا جبهتهما وانتصرا على جيش أسباني لجب، يقال إن لذريق كان يقوده، انتصارا حاسما، وافتتحا طليطلة مرة ثانية. وكانت آخرة لذريق في بطون أسماك نهر التاج وفي سنة ٧١٣ سك موسى نقودا عربية في الأندلس، وظل يتوغل في هذه البلاد وينتقل من نصر إلى نصر إلى أن جاءه رسول الوليد يستدعيه إلى دمشق - عاصمة الإمبراطورية العربية - فغادر موسى الأندلس أسيفاً لأنه كان قد عزم على التوغل في بلاد الفرنجة حتى يصل إلى القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية فيفتتحها ويسير منها إلى دمشق بعد أن يكون قد دوخ أوربا وأخضعها للخلافة الإسلامية وسطر أسمه في سجل الخالدين ثم أستخلف موسى على الأندلس ابنه العزيز وعلى سبتة ابنه الثاني عبد الملك، وعلى أفريقية ثالث أبنائه عبد الله، وسار إلى العاصمة الأموية يصحبه طارق مثقلا بالغنائم، فوصلها بعد وفاة الوليد بن عبد الملك وقيام سليمان. وبالرغم مما قدمه لسليمان ابن عبد الملك من الغنائم لم يلق في عيني الخليفة حظوة، لان أخبار الأندلس وصلت إلى دار

стр. 7984

الخلافة مغالى فيها. فوجد سليمان إن ما جاء به موسى قليل رغم كثرته فاضطهده وسجنه. ولم يكن حظ طارق بأسعد من حظ زميله فناله بعض سخط أمير المؤمنين وبقي موسى بن نصير في محبسه مدة قصيرة. ثم أطلق سراحه بعد أن شفع له القائد الكبير يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، فسار إلى مكة المكرمة يحج البيت، غير أن المنية عاجلته وهو في طريقه إلى الديار المقدسة أما ابنه الأكبر عبد العزيز فقد عمل على توطيد الحكم العربي في الأندلس بتزوجه من أرملة لذريق واستمالة القوط، ولكن مؤامرة دبرت لاغتياله بعد سنتين من ولايته؛ ويتهم بعض المؤرخين سليمان بتدبير المؤامرة، وتحريض أصحابها على الفتك بابن مدوخ الأندلسي. وهكذا كانت نهاية فاتحي الأندلس قتلاً وسجناً وتشريداً فريد مصطفى عز الدين

стр. 7985

١٢ - قصة المكروب كيف كشف رجاله ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم بستور صلة حديثه وصل الفائت: أثبت بستور أن الذي يخمر السكر فيحيله إلى كحول إنما هو خمائر كرية صغيرة تتزايد بالانشقاق. وان الذي يحيله إلى حامض اللبن هو مكروبات كالعصى. وأخترع بستور حساء من السكر وملح النشادر تتكاثر فيه هذه الأحياء بدل مرق اللحم ونقيع الحب. وقال للناس أن اللحم يفسد لان المكروب يناله، فتخرج منه بالتحلل روائح كريهة تحمل المرض والموت في طياتها. وأنه سيخوض في سبيل البحث غمار هذه الأوبئة لخير الإنسانية - ٤ - وبذلك هيأ بستور المسرح لإجراء تجاربه الخطيرة. هيأه قبل إجرائها بزمن طويل. فوضع فيه المناظر ووزع فيه الستائر، ومازج وآلف بين الألوان، وأخفت الأنوار حيث وجب خفوتها، وأسطعها حيث يجمل سطوعها، فأثار بذلك طبيعة العلماء الباردة، فاستمعوا له بآذان مرهفة، وقلوب واجفة، انتظارا لدور البطولة الذي سيقوم به في القريب على أعينهم، حتى لكائني بهؤلاء الأساتذة الموقرين يسيرون في شوارع الحي اللاتيني العتيق، بين ربوعه الغبراء، رائحين في الإمساء إلى منازلهم، وقد ثارت ثائرتهم، والتهب خيالهم، فتمثلوا بستور يودعهم في حرقة وداع الفراق الذي لا أوبة له، ثم يوليهم ظهره، ويسير بقدم ثابتة، وصدر مفتوح، ورأس مرفوع، وانف وسيع، نحو تلك الروائح الكريهة قد حملت في طياتها جراثيم الموت وأسباب الهلاك. . . في هذا فاق بستور صاحبنا لوفن هوك، وفي هذا آفاق أسبلنزاني كذلك. كان بستور يجيد
следующие страницы →