Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.
стр. 8016
ثم مضت سنون وولد لديدالوس طفل جميل الصورة، طلق المحيا، مشرق الغرة، سماه إيكاروس. ولكن الطفل لم يستطع أن يخفف من الروع الذي كان ينتاب أباه، أو يذهب بسورة الهم التي كانت تجثم على قلبه، وتثقل على نفسه، كلما تصور الهامة المفزعة التي يضطرب بها نومه، فتقض مضجعه وتزلزل كيانه
لقد كانت القطاة تتمثل له كلما أغمض طرفه، كأنها روح ميت ترنق على خصمها تكاد تصعقه. وازداد الشيخ خبالاً حينما ألحف عليه الأثينيون يسألونه عن بردكس أين قضى وأيان ولى! وأخذ الغوغاء يلغطون، وشرع الخاصة يتسقطون أخبار الفتى الفنان، ودأبوا على عمه يسألونه عنه، وهو يضلل بهم ويخترع لهم، حتى أوجس أن ينكشف سره، فينكل الناس به. فآثر الهجرة عن أثينا المحبوبة، إلى صديقه مينوس ملك إقريطش، مصطحباً معه ابنه الطفل إيكاروس
وتطامن الدهر، وشب إيكاروس وترعرع، وأخذ عن والده من الفن ما أخذ بردكس من قبل، وحسب ديدالوس أن الزمان قد غفل عنه، وأن أعين الآلهة قد غفت واستنامت، وأن الأيام قد ابتلعت إثمه الكبير في تضاعيفها القاتمة المظلمة، فأستيقظ الغرور في قلب الفنان الشيخ، ولم يتقبل ما غمره به مينوس الملك من النعم بالشكر الواجب على لاجئ طريد مثله، بل بطر وأستكبر، وكفر بأنعم مولاه وآلائه، ومد له هواه فولغ في إناء الملك، بعد أن أختلط بأهل بيته اختلاطاً شائناً أدى إلى كثير من القيل والقال
وعلم الملك بما كان من خيانة ديدالوس فأمر بالقبض عليه، واعتقاله في إحدى غرف القصر حتى يقضى في شأنه؛ فأُلقي به في حجرة منفردة في طرف القصر، مشرفة على الماء، متصلة بالسماء
وطالت عزلت الفنان الشيخ في معتقله هذا، وضاق ابنه بالحيز الضيق الذي يحبس أنفاس روحه، ويحسر مرامي مقلتيه، ويشيع الهم في حنايا ضلوعه، فقال لوالده وهو يحاوره: (أهكذا قضى علينا أن نموت هنا صبراً يا أبتاه!) وكانت كلمات إيكاروس المبللة بالدموع تذهب كالصدى في أذان الشيخ، وكان الغلام يجتذب اللفظة المفردة من فم أبيه، فما كاد يفوز إلا بلا. . . أو بنعم. . .
وكانت للغرفة التي اعتقلا فيها شرفة صغيرة تطل على البحر الأبيض المتوسط، وكان
стр. 8017
منظر السفائن الماخرة كالأعلام، والطير صافات من فوقها كأنها تسبح بدورها في لج من زرقة السماء، يثير في نفس الفتى أحلاما وأخيلة وأمنيات. وأنه لفي أصيل جميل يناجي الطبيعة من شرفة سجنه الصغيرة، إذا به يذهب إلى والده مستبشرا متهللا، ويقول: (أبي! أعجزنا أن نصنع لنا أجنحة كهذه الطير. فنفلت بها من هذا المكان الرهيب؟.)
وكان الشيخ جالسا في زاوية مظلمة من زوايا الغرفة يجتر أحزانه، ويتغنى آلامه، فلما سمع ما خاطبه ابنه به، افتر فمه العجوز عن ابتسامة منقبضة مغضنة، وشاعت في أساريره بوارق أمل جديد!
وقال لابنه: (أجنحة وأنى لنا بالريش يا إيكاروس؟)
فقال الولد: (لا عليك يا أبي، أن غرفة الدجاج قريبة من هنا!)
وعبس الفنان الشيخ، وقال: (والحارس الفظ؟. . .)
فتضاحك إيكاروس قائلا: (الحارس!؟ أمره أهون مما ترى. . . سنرشوه يا ابتاه، فيحضر لنا ما نشاء من الريش، وسنخدعه أننا صانعان له لباسا لا تحلم الملوك بمثله!)
ولكن العبوسة التي رفت على جبين الشيخ أنشبت فيه جميع مخالبها، وقال: (دعني أفكر يابني، دعني أفكر يا إيكاروس. . .)
وهكذا كانت العبقرية البكر، الكامنة في هذا الفتى الصغير، لقاحا بعيد الأثر في عبقرية الشيخ الفاني المتهدم، وهكذا بدأ الفنان الأكبر، باني اللابيرنث، ومشيد هياكل الآلهة، يفكر في هذا المقترح الشارد الذي اقترحه عليه الفنان الصغير!
(أجنحة. . . دجاج. . . ريش. . . الحارس الفظ. . . مينوس. . . بردكس. . . فرخ القطا. . . الطير. . . إيكاروس ابني. . .!) وهكذا انبطح الشيخ على وثيرته تتداعى هذه الخلجات في رأسه الساخن المتأجج، تذكى فيه الذكريات والماسي!
وأحتال الفتى على الحارس حتى حصل على مقادير هائلة من ريش البط والإوز والديكة؛ وفكر الشيخ كيف يثبت الريش في مكانه من عضد الجناح، فادخر الشموع التي كانت تترك له يضيئها في الليل، ليتضاعف بلهيبها الخافت حزنه؛ حتى إذا كان لديه قدر كبير منها، عمد إليها فصهرها، وثبت بها ما شاء من الريش، وبذلك صنع زوجين من الأجنحة الكبيرة، يكفي أحدهما لحمل فيل!
стр. 8018
وجلس يمحض ابنه النصح فقال:
(أي بني! أي إيكاروس العزيز! سنطير من هنا يا ولدي! إلى أين؟ لست ادري! ولكننا سنفلت من هذا السجن على كل حال! وهاأنذا قد صنعت الأجنحة التي تخيلها املك الصغير الذي هو أكبر من جميع آمالي! ولقد رأيت إلى كيف كنت أذيب الشمع قريبا من النار يا ولدي، فأوصيك إذا طرنا ألاَّ تترك سمتي، وأن تكون دائما قريبا مني، فإني أخشى إذا علوت علوا شاهقا أن تصهر الشمس شمع جناحيك، فتهوى في البحر، فتتردى في أعماق الموت! وكما أخشى عليك من العلو الشاهق، فكذلك لا أرى لك أن تدنو من الماء، فإنه إن وصل إلى الشمع أيبسه، ولم يعد يصلح لمهمة الطيران، إذ يساقط قطعة فقطعة، ويتناثر الريش، وتسقط، إما في البحر فتغرق، وإما في الأرض فيندق عنقك. فلا تنس يا بني أن تتبعني أبداً، وأحذر أن تعلو فتدنو من الشمس، أو أن تسفل فيصيبك رذاذ الماء ورشاشه. إليَّ يا ولدي اثبت لك جناحيك، ولنمض على بركة ز. . . ز. . . زيوس!!)
وتلجلج لسانه حين أراد أن ينطق باسم الإله الأكبر، لأنه يثق أنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو محيط بعباده، لا ينسى أن ينتقم من الظالمين للمظلومين!
وانطلقا من الشرفة، والقيا على القصر، وما أحاط به من حرس وعسس، نظرات كلها نقمة وتغيظ. . .
ومرا بشطوط كثيرة ومروج كبيرة، وكان الصيادون والزراع والبحارون وأهل القرى كلما رأوا هذين الطائرين الكبيرين، ذوي الهيئة الآدمية، خروا للأذقان سجدا، يحسبون أنهما إلهان من آلهة السماء، هبطا يباركان الناس والخلق، فيهللون ويكبرون!!
فهذا شيخ يطلب إليهما أن يباركا في عقبه ويمدا في اجله، وهذه شمطاء تدعو أن يردا عليها جمالها الضائع وشبابها الذاهب، وتيك رؤوم تناجي ابنها في قبره فتطلب إليهما أن ينفضاه من الثرى! وهؤلاء فلاحون يصرخون أن يمنا عليهم فيخلصاهم من الفقر والمتربة. . .
وشاع الزهو في أعطاف إيكاروس، فكان يرتفع قليلا، أو يهبط قليلا عن سمت أبيه؛ ثم تشجع وتشجع، وبهرته زرقة السماء وأديمها الصافي، فجازف وارتفع ارتفاعا شاهقا، ونسي وصية أبيه، فعلا وذهب في السماء صعدا، وكان يغريه أن يصغر العالم الأرضي
стр. 8019
في عينيه، فيعلو ويعلو
وا أسفاه!! لقد دنت ساعة الانتقام لك يا بردكس! فلقد صهرت الشمس شمع الجناحين، وهوى إيكاروس إلى الأعماق! ولما دنا من والده صرخ صرخة هائلة دوت في إذن أبيه، فتلفت الشيخ ليرى ولده يغوص في اليم، يبتلعه مرة ويلفظه أخرى!
فأسرع الوالد المسكين إلى البحر، وأنتشل ولده من الماء جثة هامدة! وكان هو بدوره قد أذاب الماء شمع جناحيه، فعالج الموج معالجة، وسبح بفلذة كبده إلى جزيرة قريبة، بلغها بعد جهد وعناء!
وجلس يبكي ولده. . .
ثم شق له قبرا صغيرا في رمل الشاطئ، وما كاد يسره فيه، حتى رأى قطاة حزينة تدوم في السماء، ثم تهبط قليلا قليلا، حتى تكون بمقربة من القبر، فتقف كاسفة مشجونة وتنظر إلى الجثة والدموع تنهمل من عينيها. . عبرة، فعبرة. .
ويفرغ الشيخ من مواراة ولده في التراب! وينته! فيرى القطاة! فينشج نشيجا مؤلما، ويقول: (بردكس!! أتيت تبكي إيكاروس!! سامحني يا بردكس!)
فتزقو القطاة كأنها تنتحب! ثم تدنو من القبر حتى تكون فوقه، فتذرف عبرتين غاليتين، وترف في الهواء حتى تغيب عن عيني ديدالوس!!
دريني خشبة
стр. 8020
البريد الأدبي
سان ماركو
قامت إيطاليا في ظل الفاشستية بكثير من الأعمال العلمية والفنية العظيمة؛ ومن ذلك اكتشافات أثرية عظيمة في ضواحي رومة وفي جنوب إيطاليا، وإصلاح لكثير من الآثار الشهيرة، وإصدار موسوعة إيطالية كبيرة، ووصل ثغر البندقية بالأرض بجسر عظيم يبلغ طوله نحو كيلومترين. وأخر الأعمال الفنية العظيمة التي أتمتها الحكومة الإيطالية، هو إصلاح كنيسة سان ماركو (القديس مرقس) الشهيرة في البندقية؛ وتعتبر هذه الكنيسة التي يرجع بناؤها إلى نحو ألف عام من أعظم التحف الفنية في إيطاليا، وتعتبر الثانية من حيث عظمتها الفنية بعد كنيسة القديس بطرس في رومة. وتمتاز بالصور والنقوش الرائعة التي صنعت كلها من الفسيفساء الملون، في جدرانها السفلية وأروقتها العليا. وهي تجاور قصر الدوجات وتقع على يساره، وأمامها ميدان سان ماركو الشاسع الذي كان خلال العصور ميدان الاحتفالات والاجتماعات العامة أيام الجمهورية؛ وقد بدأت أعمال الإصلاح فيها منذ ثمانية وعشرين عاما، وذلك بعد أن قرر الخبراء أنها في خطر، وأن أسسها قد اضطربت وتشققت جدرانها؛ وذلك على أثر سقوط برج (الكامبنيلي) الشهير في سنة ١٩٠٢؛ وهو يقع أمام قصر الدوجات على مقربة من الكنيسة، وقد جدد، وهو يرتفع إلى علو شاهق، ويشرف على ثغر البندقية وجميع الجزر (اللاجون) التي تقوم عليها. وبدئ الإصلاح بتقوية أسس الكنيسة وأعمدتها، وعهد إلى المهندس والفنان الكبير الأستاذ لويجي مارانجوني بالأشراف على أعمال الإصلاح الفنية. وقد بذل هذا الفنان مجهودات فادحة لإنقاذ زخارف الفسيفساء التي كاد بعضها يتلاشى، واستطاع بمعجزة حقيقية أن يعيدها إلى بهائها الأول. ولم تمضي أسابيع قلائل حتى ترفع الأعمدة والحواجز الخشبية التي حجبت بعض واجهات الكنيسة عن النظارة زهاء ثلاثين عاما، ويستطيع الزائر أن يمتع الطرف بمشاهد الصور والنقوش البديعة التي صنعت كلها من فسيفساء ملون، وبينها صور القديسين ومناظر من الكتاب المقدس
ويعتبر إصلاح هذه الكنيسة من أعظم الأعمال الفنية التي قامت بها إيطاليا في هذا العصر؛ ويرجع إلى عزم الحكومة الفاشيستية وسخائها في تعزيز الأعمال الفنية والأثرية، الفضل
стр. 8021
في سرعة إنجاز هذا العمل العظيم
حول أزمة السياحة
تتحدث الصحف الفرنسية منذ حين عن (أزمة السياحة)، لان السياحة مورد من موارد فرنسا العظيمة، وقد لوحظ أن الإقبال على زيارة فرنسا قد أخذ يتناقص في الأعوام الأخيرة، وتأثرت جميع الجهات والمصالح التي تتصل بموسم السياحة، وأخذت تفكر في ابتكار الوسائل لمكافحة هذه الأزمة وترغيب الأجانب في زيارة فرنسا. وقد درس كثير من الخبراء والباحثين أسباب هذه الأزمة في الصحف، ونسبها بعضهم إلى ارتفاع الفرنك وغلاء الأسعار في فرنسا لدرجة فاحشة؛ ونسبها البعض إلى الأزمة العالمية التي أصابت كل الموارد؛ ولكن كاتبا مطلعا وعضوا في مجلس الشيوخ، أدلي برأي جديد في أسباب أزمة السياحة، فقال أنها ترجع قبل كل شيء إلى تغير النفسية الفرنسية، وتحول الفرنسي من مضيف رقيق الطبع كريم الوفادة، إلى تاجر جاف الخلال، تغلب لديه فكرة الكسب على كل فكرة أخرى، فجميع الجهات والأفراد الذين يشتغلون بموسم السياحة كوكالات السفر والفنادق، والسكك الحديدية، وأصحاب المطاعم والملاهي وغيرها، يعمل كل لصالحه فقط، ولا تجمع بينهم رابطة مشتركة وكل يحاول أن يقتضي من السائح أوفر غنم؛ واليوم يلقى السائح في الجمارك الفرنسية موظفين جامدين، وتستقبله في فرنسا قوانين وإجراءات شديدة، ولا يكاد يلقى الابتسامة على ثغر أحد؛ ومن رأي الكاتب أن الاستقبال الحسن هو أهم عنصر لتشجيع السياحة، ويجب أن يشعر الزائر بهذه الخاصة، منذ دخوله البلد حتى خروجه منها، ويجب أن يحسن استقباله أين سار: في الجمارك وفي الفندق، وفي المتاجر والمصالح، وكل ماله مساس بتجواله أو درسه أو متعته. وعلى هذا الأثر الحسن يتوقف مستقبل السياحة اليوم؛ وقد فرنسا في الأعوام الخيرة كثيرا من هذا الأثر الحسن الذي كانت تشتهر به فيما مضى
حول الراغب الأصبهاني
. . . طالعت في العدد السابع والثمانين من مجلة الرسالة الغراء كلمة الأستاذ الباحثة علي الطنطاوي في الراغب الأصبهاني، فأستغربت كثيرا عدم عثوره على غير المصادر التي
стр. 8022
أشار إليها، ولهذا أرى أن من حق الأدب عليّ وخدمة للتاريخ أن ادله على المصادر التالية التي أفردت للكلام عنه بحثا ضافيا، وهي:
(١) كتاب هدية الأحباب للشيخ عباس القمي المطبوع في النجف
(٢) كتاب روضات الجنات للشيخ محمد باقر الخونساري المطبوع في إيران
وسأتقدم بمقال ضاف عما قريب إلى (الرسالة) الزهراء عن المشار إليه، والأمل أن يتفضل صاحب الرسالة بنشره
النجف - العراق
محمد كاظم كمونة
جامعة مشيغن الأمريكية وشباب الشرق
على أثر عودة الدكتور أغا أوغلو أستاذ الفنون والصنايع الإسلامية في جامعة مشيغن إلى أمريكا، بعد زيارته إيران وحضوره حفلات الفردوسي، رفع إلى إدارة الجامعة تقريرا مفصلا بلزوم تعهد الجامعة بنفقات عشرة طلاب من طلاب الممالك الإسلامية ليدرسوا فيها فروع الصناعات الإسلامية والفنون الجميلة الشرقية. وبعد مداولات كثيرة بين الأستاذ اغا أوغلو وبين أعضاء إدارة الجامعة، وافقت الجامعة على طلبه، أما الطلاب العشرة فقد وزعتهم الجامعة على الوجه التالي:
طالبان من العراق، طالبان من ايران، طالبان من تركيا، طالبان من مصر، طالبان من سوريا وفلسطين.
تأليف مجمع للغة الإيرانية
بالنظر إلى اتجاه الأوساط الأدبية والصحفية نحو إحلال اللغة الإيرانية محل الفارسية وتطهيرها من الكلمات والتعبيرات الأجنبية التي قد دخلت عليها واعتبارها أن مثل هذه الحركة إذا تركت بلا توجيه يخشى أن تضر بجمال اللغة - قررت الحكومة أن تنشئ قريباً مجمعاً للغة الإيرانية. وسيضم هذا المجمع نخبة الكتاب وعلماء اللغة الوطنيين، وستكون مهمتهم أن يضعوا معجماً لاستبدال الكلمات الأجنبية الكثيرة، ولاسيما الكلمات المشتقة من العربية والتركية في اللغة الإيرانية الحالية بكلمات إيرانية بحتة
стр. 8023
وقد أرسلت وزارة المعرف تنفيذا لهذا القرار وتجنبا لأي اضطراب في أعمال المجمع منشورا إلى جميع الوزارات والمصالح يحرم استعمال الكلمات الجديدة التي تذيعها الأوساط الأدبية التي ليست لها السلطة ولا الخبرة التامة المطلوبة لهذا العمل؛ والكلمات المستعملة سيستمر استعمالها إلى أن تستبدل تدريجياً كلما انتهى مجمع اللغة الإيرانية الملكي إلى اتخاذ قرارات في بعض البحوث
مؤتمر القلم الدولي
يجتمع المؤتمر الدولي الثالث عشر لنوادي القلم في ثغر برشلونة عاصمة قطلونية (أسبانيا) في العشرين من شهر مايو الجاري، ويستمر انعقاده إلى يوم ٢٥ منه. وقد وضع البرنامج النهائي لأعماله واجتماعاته. ففي الساعة العاشرة من يوم الاثنين ٢٠ الجاري تفتح مكاتب المؤتمر في (كازال ولايتجي) وفي الظهر يطوف الأعضاء ثغر برشلونة، ويزورون متاحفها ومشاهدها، وفي اليوم التالي يفتح المؤتمر بصورة رسمية، وتلقى خطب الافتتاح وتصرف بقية اليوم في حفلات نظمتها لجنة المؤتمر؛ وفي اليوم الثالث يستقبل الفنانون في برشلونة أعضاء المؤتمر في معرض للصور والتماثيل أقيم تكريما لهم. وفي الأيام الثلاثة الباقية يعقد المؤتمر جلساته في صباح كل يوم، ويشهد المؤتمرون بقية اليوم بعض الحفلات والاستقبالات التي نظمت لهم، ويختتم المؤتمر بمأدبة غذاء رسمية في فندق (رتز) أعظم فنادق برشلونة؛ وقد نظمت رحلات أثرية للمؤتمرين في بعض أنحاء قطلونية ورحلة إلى جزائر البليار؛ وستعنى لجنة المؤتمر بأن تعرض على المؤتمرين جميع النواحي الفنية والثقافية الأسبانية والقطلانية بنوع خاص
في الجامعة المصرية
وأخيرا صدر المرسوم الملكي بتعيين زعيم النهضة الفكرية الحديثة الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد بك مديرا للجامعة المصرية. والتعيين هنا معناه إعادة الأستاذ إلى منصبه بعد أن ظل باستقالته منه شاغرا أربع سنين كابدت فيها الجامعة من الأحداث الجسام ما كابدته الأمة كلها في سيادتها ومرافقها وأخلاقها من عبث الطغيان المسرحي الأحمق. استقال الأستاذ استقالته المثلية النبيلة حين رأى عبث العهد البائل ينال حرم الجامعة فيعدو على
стр. 8024
استقلالها، ويعتدي على حقوق رجالها، وينقل عميد كلية الآداب فيها إلى منصب أخر من غير رأيه ولا علمه. ثم هيمنت على إدارة الجامعة وإرادتها سلطة متجنية كانت تدفع الحق دفعاً عن أهله، حتى انجلت عن السياسة المصرية غشاوة الزيغ وسحابة الباطل، فوجد المظلوم العدل، وابصر التائه الطريق
ولم يكن من السهل حتى في ذلك العهد الذي أنكر الكفاية، وجانب المنطق، أن تظفر الجامعة بخلف للطفي بك، فإن ثقافته الشاملة، وعقليته المنطقية، ونزعته الحرة، وطبيعته المعلمة، وخلقه الفيلسوف، جعلته اصلح الناس لهذا المنصب، وأحزم العلماء بهذا العمل
في الجامعة الأزهرية
كذلك صدر مرسوم ملكي أخر بتعيين صاحب الفضيلة العالم الجليل الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخا للجامع الأزهر. ومسألة الأزهر كانت كمسألة الجامعة عقدة من عقد العهد البائد، فقد رضى فيه شيخ الأزهر المستقيل أن يكون مطية ذلولا من مطاياه تخب في الزور، وتخبط في الباطل، حتى غضب الناس للدين، وضح العلماء للعلم، وثار الطلاب للكرامة، ووفق الله الوزارة القائمة فعالجت هذه الحال بإقصاء الشيخ الظواهري وتعيين الأستاذ المراغي. والأستاذ المراغي من العباقرة الآحاد الذين يفهمون القرآن بالأدب، ويطبقون الدين على الخلق، ويوفقون بين المدنية والفقه، وينهجون في الإصلاح منهج الإمام محمد عبده
وفاة الشيخ عبد المحسن الكاظمي
في يوم الخميس الماضي استعز الله بالشاعر العربي العراقي الكبير الأستاذ عبد المحسن الكاظمي عن سنة عالية وشهرة مستفيضة؛ وهو من الذين ساهموا في نهضة الشعر الحديثة بقسط وافر من السليقة الخالصة، والقريحة الطيعة، والبديهة التي ترتجل القصيدة المطولة عفو الساعة. هبط الأستاذ مصر منذ خمس وثلاثين عاما، فطابت له فيها الإقامة، ولاذ بكنف الإمام محمد عبده، وهو يومئذ موئل العلم والأدب، فظاهر نعمه عليه كما ظاهرها على الشنقيطي وحافظ والمنفلوطي، حتى اتصل سببه وأثمر أدبه في حماه وتحت عينه. ولم يبتغ الكاظمي الوسيلة إلى الحياة إلا بالشعر - والشعر في هذا الزمن رحم قطعاء وأداة
стр. 8025
عاجزة - لذلك نكد عيشه قليلا بعد الإمام، فرضى بميسور الكفاف من الرزق، وبالإنتاج القليل من القريض، وأقعده ضعف القلب وكلال البصر وتقدم السن عن غشيان المجالس والأندية، حتى أختاره الله إلى جواره. وسنعود إلى تفصيل أمره وتحليل شعره في عدد مقبل
стр. 8026
الكتب
كتاب المواقف والمخاطبات للنفري
للدكتور عبد الوهاب عزام
- ١ -
الأستاذ نيكلسون أستاذ الأدب العربي بجامعة كمبردج، أحد العلماء الأوربيين الذين عنوا بدراسة التصوف الإسلامي، وبلغوا في درسه والعلم بتاريخه درجة عالية
وللأستاذ نيكلسون أياد مشكورة في ترجمة كتب التصوف الفارسية والعربية إلى الإنكليزية، ونشر نصوصها، والكتابة في كثير من مباحث التصوف. وأعظم مآثره في ذلك ترجمته الكتاب الخالد، كتاب المثنوي إلى الانكليزية، ونشره الاصل الفارسي في طبعة مرتبة مصححة، لا تقاس بها طبعة أخرى؛ ولا ريب أن الأستاذ بعد اليوم من أئمة هذا الشأن في المشرق والمغرب
- ٢ -
وللأستاذ نيكلسون تلاميذ نهجوا نهجه واقتفوا أثره في العناية بالتصوف الإسلامي، والاهتمام بأحياء كتبه ونشرها
ومنهم صديقنا النابغة العلامة اربري الذي سعدنا بصحبته حينا في كلية الآداب، ثم شقينا بفراقه هذا العام، إذ ولى منصب في المكتبة الهندية بلندن
وكان صديقنا اربري، زمان إقامته بالقاهرة، دائب البحث عن المخطوطات الصوفية، يواصل الجهد في تصحيحها ومقابلة بعضها ببعض، ونسخها بخطه العربي الجميل، وقد يسر له أن يجمع جملة نادرة من رسائل التصوف وكتبه، منها: رسائل المحاسبي والسلمي من متقدمي الصوفية
ثم بدأ ينشر ما جمعه وصححه، فطبع في القاهرة كتابي المواقف والمخاطبات اللذين نكتب عنهما اليوم، وترجمهما إلى الإنكليزية، ثم نشر الأصل والترجمة في كتاب واحد، وكتب له مقدمة نفيسة
- ٣ -
стр. 8027
محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري، أحد صوفية القرن الرابع الهجري، توفي سنة ٣٥٤ أو بعدها بقليل. وينسب إلى قرية نفر إحدى قرى العراق، وهي مدينة نبور البابلية القديمة
ويقال إن أبا الشيخ كان جوالا في البراري لا يستقر في مكان، ولا يسكن إلى إنسان، وأنه توفي بإحدى قرى مصر
ولم ينبه ذكر الشيخ بين رجال الصوفية، ولم تذع كتبه بين الناس. وقد ذكره محي الدين بن العربي في كتاب الفتوحات، والشعراني في الطبقات الكبرى، ولكن المأثور من أخباره قليل
وللشيخ النفري كلمات في التصوف، طائفة منها تبدأ بقوله: أوقفني على كذا، والأخرى تبدأ بقوله: خاطبني. وقد جمع ابن بنته كلماته في كتابي المواقف والمخاطبات اللذين نشرهما صديقنا العلامة اربري
وخير تعريف للكتابين أن اعرض على القارئ بعض كلماتهما، فهذه شذرات من المواقف، وفي العدد الآتي ننقل شذرات من المخاطبات
وسيرى القارئ إن هذا الكتاب بدع من كتب التصوف، وأنه من الأدب الصوفي الذي لا يعرف نظيره:
موقف العز
أوقفني في العز وقال لي:: لا يتسقل به من دوني شيء، ولا صلح من دوني لشيء، وأنا العزيز الذي لا يستطاع مجاورته، ولا ترام مداومته. أظهرت الظاهر وأنا اظهر منه، فما يدركني قربه، ولا يهتدي إلى وجوده. وأخفيت الباطن وأنا أخفى منه، فما يقوم عليّ دليله، ولا يصبح إليّ سبيله
وقال لي: أنا اقرب إلى كل شيء من معرفته بنفسه، فما تجاوزه إليّ معرفة، ولا يعرفني أين تعرفت إليه نفسه
وقال لي: لولاي ما أبصرت العيون مناظرها، ولا رجعت الأسماع بمسامعها.
وقال لي: لو أبديت لغة العز لخطفت الإفهام خطف المناجل، ودرست المعارف درس الرمال عصفت عليها الرياح العواصف
стр. 8028
وقال لي: لو نطق ناطق العز لصمتت نواطق كل وصف، ورجعت إلى العدم مبالغ كل حرف
وقال لي: إن من اعد معارفه للقائي لو أبديت له لسان الجبروت، لأنكر ما عرف، ولمار مور السماء يوم تمور مورا
. . . وقال لي: طائفة أهل السماوات وأهل الأرض في ذل الحصر. ولي عبيد لا تسعهم طبقات السماء، وتقل أفئدتهم جوانب الأرض. أشهدت مناظر قلوبهم أنوار عزتي فما أتت على شيء إلا أحرقته. فلا لها منظر في السماء فتثبته، ولا مرجع إلى الأرض فتقر فيه. الخ
موقف البحر
أوقفني في البحر، فرأيت المراكب تغرق، والألواح تسلم، ثم غرقت الألواح
وقال لي: لا يسلم من ركب
وقال لي: خاطر من ألقى بنفسه ولم يركب
وقال لي: هلك من ركب وما خاطر
وقال لي: في المخاطرة جزء من النجاة
وجاء الموج فرفع ما تحته وساح على الساحل
وقال لي: ظاهر البحر ضوء لا يبلغ؛ وقعره ظلمة لاتمكن، وبينهما حيتان لا تستأمن
وقال لي: لا تركب البحر فأحجبك بالالة، ولاتلق نفسك فيه فأحجبك فيه
. . . وقال لي: الدنيا لمن صرفته عنها، وصرفها عنه، والآخرة لمن أقبلت بها عليه وأقبلت به علي
موقف المطلع
أوقفني في المطلع وقال لي: أين اطلعت رأيت الحد جهرة، ورأيتني بظهر الغيب
وقال لي: إذا كنت عندي رأيت الضدين والذي أشهدتهما فلم يأخذك الباطل ولم يفتك الحق
وقال لي: الباطل يستعير الالسنة، ولا يوردها موردها. كالسهم تستعيره ولا تصيب به
وقال لي: الحق لا يستعير لسانا من غيره
стр. 8029
وقال لي: إذا بدت أعلام الغيرة ظهرت أعلام التحقيق
. . . وقال لي: يا عالم اجعل بينك وبين الجاهل فرقا من العمل وإلا غلبك. واجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة وإلا اجتذبك
وقال لي: اليقين طريقي الذي لا يصل سالك إلا منه
وقال لي: من علامات اليقين الثبات. ومن علامات الثبات الأمن في الروع
وقال لي: إن أردت لي كل شيء علمتك علماً لا يستطيعه الكون، وتعرفت إليك معرفة لا يستطيعها الكون
وقال لي: يا عارف أرى عندك قوتي، ولا أرى عندك نصرتي. أفتتخذ إلهاً غيري؟
وقال لي: يا عارف أرى عندك حكمتي، ولا أرى عندك خشيتي. أفهزئت بي؟
وقال لي: يا عارف أرى عندك دلالي ولا أراك في محجتي
وقال لي: من لم يفر إلى لم يصل إلى. ومن لم أتعرف إليه لم يفر إلي
وقال لي: إن ذهب قلبك عني لم أنظر إلى عملك
وقال لي: إن لم أنظر إلى عملك طالبتك بعلمك. وإن طالبتك بعلمك لم توفي بعملك
وقال لي: من عبدني وهو يريد وجهي دام، ومن عبدني من أجل خوفي فتر، ومن عبدني من أجل رغبته أنقطع
وقال لي: العلماء ثلاثة، فعالم هداه في قلبه، وعالم هداه في سمعته، وعالم هداه في تعلمه
وقال لي: القراء ثلاثة فقارئ عرف الكل، وقارئ عرف النصف، وقارئ عرف الدرس
وقال لي: الكل الظاهر والباطن، والنصف الظاهر، والدرس التلاوة
وقال لي: إذا تكلم العارف والجاهل بحكمة واحدة، فاتبع إشارة العارف؛ وليس لك من الجاهل إلا لفظه
موقف الموت
أوقفني في الموت فرأيت الأعمال كلها سيئات. ورأيت الخوف يتحكم على الرجاء، ورأيت الغني قد صار نارا ولحق بالنار. ورأيت الفقر خصما يحتج، ورأيت كل شئ لا يقدر على شئ. ورأيت الملك غروراً. ورأيت الملكوت خداعا. وناديت يا علم فلم يجبني. وناديت يا معرفة فلم تجبني. ورأيت كل شيء قد أسلمني، ورأيت كل خليقة قد هربت مني. وبقيت
стр. 8030
وحدي. وجاءني العمل فرأيت فيه الوهم الخفي والخفي الغابر. فما نفعني إلا رحمة ربي. وقال لي أين عملك؟ فرأيت النار
وقال لي: أين عملك؟ فرأيت النار
وقال لي: أين معرفتك؟ فرأيت النار، وكشف لي عن معارفه الفردانية فخمدت النار
وقال لي: أنا وليك فثبت
وقال لي: أنا معرفتك فنطقت
وقال لي: أنا طالبك فخرجت
عبد الوهاب عزام
стр. 8031
العدد ٩٧ - بتاريخ: ١٣ - ٠٥ - ١٩٣٥
стр. 8032
بنك مصر أيضاً
٢
نعود إلى الحديث عن بنك مصر مغتبطين كما يعود المطرب إلى تكرير لحنه، والمؤمن إلى ترديد صلاته! وهل كان بنك مصر وعيده في الأسبوع المنصرم إلا لحناً شدا على كل لسان، ودعاء صعد منك كل قلب؟ لقد جاء هذا العيد القومي كما توقعناه دليلاً على رشد هذه الأمة الكريمة: رَحَض عن سمعتها الأذى، ودَحضَ عن كفايتها التهم، وجلا عن نهضتها الشكوك، وبدّد عن مستقبلها السحب، وأعلن - في شاي الحديقة، وعشاء الكونتننتال، ومهرجان القاهرة، وحفلات الأقاليم، بلسان طلعت حرب باشا مدير البنك، وأحمد عبد الوهاب باشا وزير المالية والسِّر إدوارد كوك عميد سياسة الاقتصاد الإنجليزية، والمسيو هنري نوس ممثل رءوس الأموال الأجنبية - أن مصر التي غَلَّها العجز الاجتماعي حيناً من الدهر عن استعمال حقها واستغلال خيرها واستثمار غناها، قد أتاح لها بنك مصر وشركاته أن تشعر بالقوة التي كمنت فيها، وتفطن إلى القدرة التي ذهلت عنها؛ وتخرج من ذلة اليُتم والعُدم والقصور إلى عزة الرشد الوُجْد والأهلية
نعم كانت الأيام الثلاثة التي حفِلت بعيد بنك مصر مظاهرة قومية موفقة، شارك فيها قصر الملك، ودار المندوب، وجميع الأحزاب، وكافة الطبقات، وعامة الشعب، في الساعة التي رجعت فيها السياسة المصرية إلى ذبذبتها الأولى: تتحرك ولا تسير، وتتردد ولا تستقر، وتتصرف ولا تملك. وكان ابتهاج الأمة بها ابتهاجاً بحقها الذي يتخلص من الباطل، وفوزها الذي يتميز من الفشل، ونصرها الذي يتبرأ من الهزيمة!!
تستطيع أن تناقش وتعارض وتستريب إن زعم لك زاعم أن يقظتنا للعلم والأدب، والحرية والسياسة، بلغت الحس العالي المرهف، ولكنك أمام الأرقام التي قدمها إليك بالقول طلعت حرب، والمنتجات التي وضعها في يديك بالفعل طلعت حرب والمؤسسات التي عرضها عليك بالسينما طلعت حرب، تعتقد اعتقاداً رياضياً أن نهضتنا الاقتصادية يقين لا يخامره شك، وواقع لا تزخرفه مبالغة. وإن في تسميتنا هذه النهضة التي نهضها بنك مصر فحلَّت عن الأمة حبوة العجز، بالنهضة الاقتصادية، تسمية لها بالوصف الأشهر والأثر الأغلب. أما الواقع فإنها انتظمت مرافق البلد من كل نوع، وتناولت أمور الناس من كل جهة: أجدْت
стр. 8033
على العلم ففتحت له أبواب العمل؛ وعلى التعليم فمهدت له سبل التطبيق؛ وعلى الأدب فاستعملت اللغة في أعمال المال، ونشرت الثقافة بتسهيل الطباعة؛ وعلى الأخلاق فأحيت في الرجال الثقة، وقوَّت في الشباب الرجولة؛ وعلى الاجتماع فوقَت الأمة شر العطلة المجرمة، والأزمة المستحكمة، باستخدامها الألوف المؤلفة من الموظفين والصناع والعمال في شركات البنك وفروعه؛ وعلى القومية فخلقت الروح الجماعية بإنشائها الأعمال التي تقوم على رءوس المال، وتوزع العمل، وتساند القوى، وتضامن الجماعة؛ وعلى السياسة فكفكفت عنها شِرَّةَ النفوذ المالي الأجنبي بمنازلته الجريئة في ميادينه القوية الحصينة؛ وعلى الإسلام، فساعدت على إقامة ركن من أركانه، وكشف الضر عن بيت الله ومنزل قرآنه؛ وعلى وحدة العرب فوصلتها بأسباب التعاون، وثقَّتها بسلاسل الذهب؛ والاقتصاد اليوم وقبل اليوم كان دستور الحياة، وعلة السعي لها، وغاية الجهاد فيها، فلا بدع إذا أثر في كل شيء، وعمل في كل حركة، وهاج في كل ثورة، وصاح في كل نهضة
شهدت كثيراً من المؤتمرات والمظاهرات والاحتفالات في أغراض شتى، فكان شعوري الذي أجده فيها شعور الحالم الذي يتوهم الحقيقة، والفاقد الذي ينشد الوجدان، والأمل الذي يرجو الظفر؛ ولكني شهدت هذه المرة احتفالات قومي بعيد بنك مصر، فكان الشعور الذي ملكني وملك الناس شعور العالم الذي اطمأن إلى التجربة، والواجد الذي اغتبط بالحصول، والظافر الذي انتشى بالنصر، والحي الذي استعز بالكرامة
وكنا نلحظ البشر الذي يجول في المحيا الذي لا ينبسط، والابتسام الذي يجري على الشفة التي لا تَفْتَرُّ، فنتخيل في وجه طلعت حرب وهو يَشِعُّ بالإخلاص الساذج مستقبل بلادنا الذي يتهلل، وأمل شبابنا الذي يبتسم
نضّر الله بالرضى والغبطة وجوه أولئك الأبرار المخلصين الذين شغفهم حب الخير ففكروا وأمِلوا، ثم آمنوا وعملوا، ثم استمسكوا بِرَوح الله وقوة الشعب على عصف الخطوب وإلحاح المكايد، حتى استقر بهم الإيمان على الفوز، واستقام بهم الإخلاص على الطريقة، فكانوا مثلاً لجهاد الصابر المثابر الذي يتلمس القوة من جوانب الضعف، ويتطلب الكثرة من أشتات القلة، ويخلق النجاح اليقين من أحاديث المني، ويرفع في مُعترك الشُّبَه والظنون هذا الصرح الباذخ فيكون قاعدة للمصلح الباني، ومنارة للمتخلف الواني، ومثابة للمتنكب
стр. 8034
الشريد!
أحمد حسَن الزيات
стр. 8035
٣ - الانتحار
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
قال المسيْبُ بنُ رافع: وكان الإمام قد شَغَل خاطرَه بهذه القصة فأخذت تمدُّ مدّها في نفسه، ومكَّنت له من معانيها بمقدار ما مكن لها من هَمه، وتفتَّق بها ذهنُه عن أساليبَ عجيبةٍ يتهيأ بعضُها من بعضٍ كما يلدُ المعنى المعنى. فلما قال الرجُلان مَقالها آنفاً وأجابهما بتلك الحكمة والموعظةِ الحسنة، انْقدَح له من كلامهما وكلامِه رأي فقال:
يأهلَ الكوفة: أنشُدكم اللهَ والإسلام، أيُّما رجلٍ منكم ضاق بروحه يوماً فأراد إزهاقَها إلا كشف لأهل المجلس نفسه وصَدَقَنا عن أمره؛ ولا يَجِدَنَّ في ذلك ثَلباً ولا عاباً، فإنما النكبةُ مذهبٌ من مذاهب القَدَر في التعليم؛ وقد يكونُ ابتداء المصيبة في رجلِ هو ابتداءَ الحكمة فيه لنفسه أو لغيره؛ وما من حزينٍ إلا وهو يشعر في بعض ساعات حزنه أنه قد غُيِّبت فيه أسرارٌ لم تكن فيهن وهذا من إبانة الحقيقة عن نفسها وموضعها كما لألأ في سيفٍ بَريقُه
وعقلُ الهمِّ عقلٌ عظيم، فلو قد أُريدَ استخراجُ علمٍ يَعلمُهُ الناسُ - من اللذات والنِّعم، لكان من شرح هذا العلم في الحمير والبغال والدواب ما لا يكون مثله ولا قرابة في العقلاء، ولا تَبلغهً القُوى الآدميةُ في أهلها؛ بَيد أنه لو أُريد علمٌ من البؤس والألم والحاجة لما وُجد شرحُهُ إلا في الناس ثم لا يكون الخاصُّ منه إلا في الخاصة منهم
وما بَانَ أهلُ النعمةِ ولا غَمَروا المساكينَ في تَطاولهم بأعناقهم إلا من أنهم يَعُلون أكتافَ الشياطين؛ فالشيطانُ دابّة الغنيّ الذي يجهلُ الحقِّ عليه في غناه ويحسبُ نفسه مُخَلى لشهواته ونعيمه؛ كما هو دابةُ العالِم الذي يجهل الحق عليه في غناه ويحسب نفسه مخلي لشهواته ونعيمه؛ كما هو دابة العالم الذي يجهل الحق عليه في علمه، ويزعمُ نفسه مخلى لعقله أو رأيه، وما طال الطويل بذلك ولا عن ذلك قصُر القصير، وهل يصحُّ في الرأي أن يقال هذا أطولُ من هذا لان الأول فوق السُّلم والآخر فوق رجليه. . . .
قال المسيَّب: فقام شيخٌ من أقصى المجلس وأقبل يتخطَّى الرقابَ والناسُ يَنفرجون له حتى وقف بازاء الإمام؛ وتَفرّستُه وجعلتْ عيني تَعجمُهُ، فإذا شيخ تبدو طَلاقَةُ وجهه شباباً على وجهه، أبلجُ الغُرًّة مُتهَللٌ عليه بشاشة الإيمان، وفي أساريره أثرٌ من تقطيب قديم، ينطق هذا وذاك أن الرجلَ فيما أتى عليه من الدهر قد كان أطفأ المصباحَ الذي في قلبه مرةً ثم
стр. 8036
أضاءه. وعجبتُ أن يكون مثلُ هذا الشيخ قد همَّ بقتل نفسه يوماً وأنا أرى بعينيَّ نفسه هذه منبثقةً في الحياة انبثاق النخلةِ السحوق
وتكلم هذا الرجل فقال:
أمَا إذ ناشدتنا الله والإسلام وميثاقَ العلم ووحيَ الأقدار في حكمتها، فإني محدِّثك بخبري على وصفه ورَصْفه: أملقْتُ منذ ثلاثين سنة ووقف بي من الدهر ما كان يجري، وأصبحتُ في مزاولة الدنيا كعاصرِ الحَجَر يريد أن يشرب منه، وعجزتْ يدي حتى لَظُفْرُ دجاجة في نبشها الترابَ عن الحبة والحشرة أقدرُ مني، وَطرَقَتني النوائبُ كأنما هي تُساكنُني في داري، وأكلني الدهر لحماً ورماني عظاماً فما كان يقف عليّ إلا كلاب الطريق؛ ولي يومئذ امرأةٌ أعقبت منها طفلاً ويَلزمني حقٌّهما ولا أستطيعه، وكان بيننا حبٌّ فوق المعاشرة والألفة قد تركني من امرأتي هذه كالشاعر الغزِلِ من صاحبته، غير أن الشعر في دمي لا في لساني
فلما نكتني المصائبُ وتناولتني من قريب ومن بعيد؛ قلت للمرأة ذات يوم وقد شَحِبَتْ وانكسر وجهها وتَقبضَ من هُزاله: وأيمُ الله يا فلانة لو جاز أن يُؤكل لحمُ الآدميْ لذبحت نفسي لتأكلي وتدِرِّي على الصبي. ولقد هممتُ أن أركبَ رأسي وأذهب على وجهي لتفقداني فتفقدا شُؤمي عليكما؛ ولكن ردّني قلبي، وهو حبسني في هذه الدنيا الصغيرة التي بينكما، فليس لي من الأرض مَشرقٌ ولا مغربٌ إلا أنت وهذا الصبي. ولستُ أدري والله ما نصنع بالحياة وقد كنا من نباتها الأخضر فرَجعنا من حطبها اليابس، وعادت الشمس لا تغذوها بل تمتصُّ منها ما بقى، ولا تستضيء لها، ولكن تَستوقد عليها!
إن من فَقَد الخيرَ ووقع في الشر، حَريٌّ أن يكون قد أصاب خيراً عظيماً إذا قتل نفسَه فخلُص من الشر والخير جميعاً، لا يُكدي ولا ينجح، ولا يألم ولا يَلذْ؛ وكما أنكرته الدنيا فلينكرها. أما إنه إن كان القبرُ فالقبرُ ولكن في بطن الأرض لا على ظهرها كحالنا؛ وإن كان الموتُ فالموتُ ولكن بمرًّة واحدة وفي شيء واحد لا كهذا الذي نحن فيه أنواعاً أنواعاً. قد ماتت أيامنا وتركتنا نعيش كالموتى لا أيام لهم، وزاد علينا الموتى في النعمة والراحة أنهم لا يتطفَّلون على أيان غيرهم فيطُردوا عن يوم هذا ويوم ذاك
قال: فاستعبرَت المرأةُ باكية، ولما فرغتْ من كلام دموعها قالت: كأنك تريد أن تفجعنا
стр. 8037
فيك؟ قلتُ: ما عَدَوْتِ ما في نفسي؛ ولكن هل بقي فيّ من تُفجعين فيه؟ أما ذهب مني ذاك الذي كان لك زوجاً وكاسباً، وجاء الذي هو هُّمك وهُّم هذا الصبيّ من رجلٍ كالحفرة لا تنتقل من مكانها وتأخذ ولا تعطي؟
أم واللهِ لكأني خُلقتُ إنساناً خطأ، حتى إذا تبين الغلط أُريد إرجاعي إلى الحيوان فلم يأتِ لا هذا ولا ذاك، وبقيت بينهما؛ يمر الناس بي فيقولون إنسان مسكين؛ وأحسبُ لو نطقت الكلابُ لقالت عني كلبٌ مسكين. يا عجباً عجباً! لا ينتهي، أصبحت الدنيا في يدنا من العجز واليأس كأنما هي بَعرةٌ نجهدُ في تحويلها ياقوتةً أو لؤلؤة. . . .
فقالت المرأة: والله لئن حَييت على هذا إن هذا لكفرٌ قبيح، ولئن متّ عليه إنه لأقبحِ وأشد
فقلت لها: ويحكِ وماذا تَنظر العينُ المبصرةُ في الظلام الحالكِ إلا تنظًر العمياء؟
قالت: ولِمَ لا تنظر كما ينظر المؤمن بنور الله؟
قلت: فأنظري أنت وخّبريني ماذا ترَيْن أترَين رغيفاً؟ أترين إداماً؟ أتريْن ديناراً؟
قالت: والله إني لأرى كل ذلك وأكثر من ذلك. أرى قمراً سيكشف هذه السُّدفَةَ المظلمة إن لم يطلع فكأن قَدْ
قال: فغاظتني المرأة ورايتها حينئذ أشدّ علي بقلة ذاتِ عقلها من قلت ذات يدي؛ ولا حبي إياها ورحمتي لها لأوقعت بها. واستحكم في ضميري أن أُزهِق نفسي وأدَعًها لما كُتب لها
وقلت: إن جُبن المرأة هو نصف إيمانها حين لا يكون نصف عقلها، وللقَدَر يدٌ ضعيفة على النساء تَصفعهنً وتمسح دموعَهن، وله يدُ أخرى على الرجال ثقيلة تصفع الرجلَ وتأخذُ بحقله فتعصرُه
قال: وكنتُ قد سمعتُ قولً الجاهلية في هذه الخليقة: أرحامٌ تَدفع، وأرض تَبْلع. فحضرني هذا القولً تلك الساعةَ وشُبِّه لي، واعتقدتُ أن هذا الإنسان شيء حقيرٌ في الغاية من الهوان والضَّعة: حملتْه أمُّه كُرْهاً، وأثْقَلتْ به كُرهاً، ووضعته كُرهاً؛ وهو من شؤمِه عليها إذا دَنَا لها أن تَضعَ لم يخرج منها حتى يضربًها المخًاضُ فتتقلًّب وتصيح وتتمزَّق وتًنْصَدع؛ وربما نَشِبَ فيها فقتلها، وربما التوى فيُبْقرُ بطنُها عنه. وإذا هي ولدته على أيِّ حالِهْا من عُسرٍ وتطريق بمثل المطارق المحطِّمة، أو سَرَاحٍ ورَواحٍ كما يتيّسر - فإنما تلده في مَشِيمَةٍ ودماءٍ وقذَرٍ من الأخلاط كأنما هو خارج من جُرْح. ثم تتناوله الدنيا فتضعُه من معانيها في
стр. 8038
أَقبحَ وأَقذرَ من ذلك كله. ثم يستوفي مُدَّته فيأخذه القبر فيكون شراً عليه في تمزيقه وتعفينه وإحالته
قال: وحضرني مع كلمة الجاهلية قَولُ ذلك الجاهل الزنديق الذي يُعرفُ (بالبَقلْيّ) إذ كان يزعم أن الإنسان كالبَقْلة - فإذا مات لم يَرجع. وقلت لنفسي؛ إنما أنتِ بقلةٌ حمقاءُ ذاوية في أرض نشَّاشَةٍ فقتلها مِلْحُ أرضها أكثرَ مما أحياها
قال: وثُرتُ إلى المُدْية أريد أَن أتوَجَّأ بها، فتبادِرُني المرأةُ وتحولُ بيني وبينها؛ وأكاد أبطُشُ بها من الغيظ، وكانت روحُ الجحيم تَزْفِرُ من حولي، لو سًمِعوا سمعوا لها شهيقاً وهي تفور؛ فما أدرى أَيُّ مَلكٍ هبط بوحي الجنة في لسان امرأتي
قلت لها: إنها عَزْمةٌ مني أن أقتلَ نفسي
قالت: وما أريد أن أنقُضها ولستُ أرُدَّك عنها وستُمضيها
قلت: فخلى بين نفسي وبين المُدية
قالت: كلنا نفسٌ واحدةٌ أنا وأنت والصبيّ فلنقْضِ معاً؛ وما بنفسي عن نفسك رغبةٌ، ولا ندعُ الصبيّ يتيماً يصفعُه من يُطعمه، ويضرُ به ابنُ هذا وابنُ ذاك إذ لا يستطيعُ أن يقول فيأولاً د الناسِ أنا ابن ذلك ولا ابنُ هذا
قلت: هذا هو الرأي
قالت: فتعالَ اذبح الطفل. . . .
قال المسيَّب بن رافع: وما بلغ الرجل فبي قصته إلى ذبح ابنه حتى ضجَّ الناسُ ضجةً منكَرة؛ وتوهم كل أبٍ منهم أن طفله الصغير مُمدَّدٌ للذبح وهو ينادي أباه ويشُقُّ حَلْقَه بالصراخ: يا أبي؛ أدركني يا أبي
أما الإمام فدَمًعتْ عيناه وكنتُ بين يديه فسمعتُه يقول: إنا لله، كيف تصنعُ جهنمُ حطَبها؟
وأنا فما قَطُّ نسيتُ هذه الكلمة، وما قطُّ رأيتُ من بعدها كافراً ولا فاسقاً فاعتبرتُ أعمالَه إلا كان كلُّ ذلك شيئاً واحداً هو طرقة صنعته حطباً. . . كأن الشيطان لعنه الله يقول لأتباعه: جَفِّفُوه. . . .
وكانت هُنيهاتٌ، ثم فاءَ الناسُ ورجعوا إلى أنفسهم وصاحبوا بالمتكلم: ثم ماذا؟
قال الرجل: ففتحتُ عيني وقلبي معاً ورمقْتُ الطفلَ المسكين الذي لا يملك إلا يديه
стр. 8039
الضعيفتين ونظرتُ إلى مَجرى السكِّين من حلقه وإلى مَحزِّها في رقبته اللينة؛ ورايتُه كأنما تَفرَّقَ بصرُه من الفزَع على كل جهة، ورأيته يتضرّع لي بعينيه الباكيتين ألا أذبحَه، ورأيته يتوسل بيديه الصغيرتين كأنه عرف أنه منى أمام قاتله؛ ثم خُيِّل إلى أنه يتلوّى وينتفضُ ويصرخ من ألم الذبح تحت يد أبيه
يا ويلتاه! لقد أخذني ما كان يأخذني لو تهدّمت السماء على الأرض، وحسبت الكونَ كلَّه قد انفجر صُراخاً من أجل الطفل الضعيف الذي ليس له إلا ربُّه أمام القاتل
فَهرُولْت مسرعاً وتركت الدارَ والمرأةَ والصبيْ وأنا أقول: يا أرحمَ الراحمين. يا من خلق الطفل عالَمُهُ أمُّه وأبوه وحدهما وباقي العالم هباءٌ عنده. يا من دبّر الرضيعَ فوهبه مُلكاً ومملكة وغنى وسروراً وفرحاً، كلًّ ذلك في ثَدْي أمِّه وصدرِها لا غير. يا إلهي: أنسني مثلَ هذا النسيان، وارزقني مثل هذا الرزق، واكفلني بمثل هذا التدبير فإني منقطعُ إلا من رحمتك انقطاعَ الرضيع إلا من أمِّه
قال الرجل: ولقد كنتُ مغروراً كالجيفة الراكدة تحسب أنها هي تفور حين فارت حشراتُها. ولقد كنت أحقرَ من الذباب الذي لا يجد حقائقه ولا يلتمسها إلا في أقذر القذر
وما كدت أمضي كما تسوقني رجلاي حتى سمعت صوتاً ندِياً مطلولاً يُرجِّع ترجيع الورقاءِ في تحنانها وهو يُرتل هذه الآيةِ:
(واصبرْ نفسك مع الذيِن يدْعون ربّهم بالغداةِ والعشيِّ يريدون وجهه ولا تَعْدُ عيناكَ عنهم تريد زينةَ الحياة الدنيا، ولا تُطعْ من أغفلنا قلبَه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطا.)
قال: فوقفت أسمع وماذا كنت أسمع؟ هذه شُعَلٌ لا كلمات، أحرقت كلّ ما كان حولي ولستْ مصباحَ روحي المنطفئ فإذا هو يتوهج، وإذا الدنيا كلها تتوهج في نوره، وارتفعتْ نفسي عن الجدبْ الذي كنت فيه وكأنما لفّتني سحابةٌ من السحب ففي روحي نسيم الماء البارد ورائحةُ الماء العذب
لعن الله هذا الاضطرابَ الذي يُبتلى الخائفُ به. إننا نحسبه اضطراباً وما هو إلا اختلاطُ الحقائق على النفس وذّهابُ بعضها في بعض، وتَضُّبُ الشرّ في الخير والخيرِ في الشر حتى لا يَبينَ جنسٌ من جنس، ولا يُعرف حَدُّ من حد، ولا تمتاز حقيقة من حقيقة. وبهذا يكون الزمنُ على المبتَلى كالماء الذي جَمدَ لا يتحركُ ولا يَتَسايَرُ، فيلوحُ الشرُّ وكأنه دائماً
стр. 8040
لا يزال في أوله يُنذرُ بالأهوال، وقد يكون هَوْلهُ انتهى أو يُوشك
قال الرجل: وكنت أرى يأسي قد اعْتَرى كل شيء، فامتد إلى آخر الكون وإلى آخر الزمن؛ فلما سكن ما بي إذا هو قد كان باسَ يوم أو أيام في مكان من الأمكنة؛ أما ما وراء هذه الأيام وما خلف هذا المكان فذلك حكمُهُ حكمُ الشمس التي تطلع وتغيب على الدنيا لإحيائها؛ وحكم الماء الذي تَهْمي السماءُ به ليسقي الأرض وما عليها، وحكم استمرار هذه الأجرام السماوية في مَدَارِها لا تُمسكها ولا تزنها إلا قوة خالقها
أين أثر الإنسان الدنيء الحقير في كل ذلك؟ وهل الحياةُ إلا بكل ذلك؟
وما الذي في يد الإنسان العاجز من هذا النظام كله فيَسُوغَ له أن يقول في حادثةٍ من حوادثه إن الخير لا يبتدئ وإن الشر لا ينتهي؟
تعتري المصائب هذا الإنسان لتمحوَ من نفسه الخِسَّة والدناءة، واكسر الشرَّ والكبرياء، وتَفثَأ الحدَّةَ والطيش؛ فلا يكون من حمقه إلا أن يزيد بها طيشاً وحدة، وكبرياءَ وشراً، ودناءة وخسة، فهذه هي مصيبة الإنسان لا تلك
المصيبة هي ما ينشأ في الإنسان من المصيبة
قال: وردًّدتُ الآية الكريمةَ في نفسي لا أشبع منها، وجعلتُ أرتلها أحسنَ ترتيلٍ وأَطرَ به وأشجاه فكانت نفسي تهتزُّ وترّبحُّ كأنما هي تبدأُ تنظيمَ ما فيها لا قرار كل حقيقة في موضعها بعد ذلك الاختلاط والاضطراب
صبرُ النفس مع الذين يمثلون روحانيتها تمثيلاً دائماً بالغَداة والعشيّ، وعلى نور الحياة وظلامها، يريدون وَجهَ الله الذي سبيلُه الحبُّ لا غيرُه من مال أو متاع. وتقييدُ العينين بهذا المثل الأعلى كما يكون الأمر في الجمال والحب؛ والربطُ على الإرادة كيلا تَتَفَلَّت فتُسفًّ إلى حقائر الدنيا المسمى هُزُءاً وتهكما زينةَ الدنيا، تلك التي تشبه حقائق الذباب العالية. . . فتكون قذرةً نجسةً، ولكنها مع ذلك زينة الحياة لهذا الخلق. . . .
تلك والله هي أسباب السعادة والقوة. أما المصائب كلها، فهي في إغفال القلب الإنساني عن ذكر الله
قال: ولما صحَّت توبتي، وقوىَ اليقينُ في نفسي، كَبُرَت روحي واتسعت، وانبعثت لها بواعث من غيره حقائق الذباب، وأشرق فيها الجمال الإلهي ساطعاً من كل شيء، وكان
стр. 8041
الصبح يطلع علىًَ كأنه ولادة جديدة، فأنا دائماً في عمر طفل. وجاءني الخير من حيث أحتسبُ ولا أحتسب، وكأنما نمتُ فانتبهتُ غنيّاً، وعَمِلَ القلبُ الحيُّ في الزمن الحيّ
ولقد أَفدْتُ من الآية طبيعةَ لم تكن فيَّ، ولا يثبتُ معها الشر أبداً؛ فاصبح من خِصالي أن أرى الحاضرَ كلَّه متحركا يمرُّ بما فيه من خيره وشره جميعاً، وأستَشْعِرَ من حركته مثلما ترى عيناي من قِطَار الإبل يهتزُّ تحت رِحاله وهو يُغِدُّ السَّير
لم أُبْعِدْ قليلاً وأنا أمشي مطمئناً تائباً متوكلاً حتى دعاني رجلٌ ذو نعمة ومروءة وجاء، وكأنما كلَّمه قلبه أو كلمه وجهي في قلبه فاستَنْبأني، وبثَثْتُه حالي واقتصصتُ قصتي. فقال: سيُحييك الله بالطفل الذي كدتَ تقتله فارجع إلى دارك. ثم وجَّه إلى دنانير وقال: اتَّجِر بهذه على اسم الله وبركته فسينمو فيها طفلٌ من المال حتى يبلغ أُشدَّه. وقد صدق إيمانه وإيماني فبارك لي الله ونما طفلُ المال وبلَغَ وجاوز إلى شبابه
قال المسيَّب: وجلس الرجل وكان كالخطيب على المنبر، فقال الإمام: وما أشبه النكبَة بالبيَضةُ تحسَب سجناً لما فيها وهي تحوطُه وتربِّيه وتُعينُه على تمامه، وليس عليه إلا الصبرُ إلى مدة، والرضى إلى غاية، ثم تَنْقُفُ البيضةُ فيخرجُ خلقاً آخر
وما المؤمنُ في دنياه إلا كالفَرخ في بيضته، عملُه أن يتكوَّن فيها، وتمامُه أن ينبثقَ شخصُه الكامل فيخرج إلى عالَمِه الكامل
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 8042
السكون في الظلام
للأستاذ أحمد أمين
ما ألذه، وما أهنئه، وما أحلاه!
يذهب بالأوصاب، ويرد العافية إلى الأعصاب
فترة سكون في ظلام يجب أن يقضيها كل إنسان في كل يوم - وإذا كان كل الناس في حاجة إليها فرجال الفكر إليها أحوج، هي راحة من عناه مجهودهم، واسترداد لما فقدوا من رءوسهم، واسترجاع لما قطروا من عصارة عقولهم
وهي فوق ذلك أدعى لصفاء الذهن، وصحة التفكير، وجودة الإنتاج - فالبذرة لا تنبت في جلبة وضوضاء وضياء، إنما تنبت في جوف الأرض، حيث لا تراها عين، ولا تؤذيها حركة، وحيث تستمتع بكل ما في السكون والظلام من قوة، حتى إذا تم نضجها خرجت إلى السكون والظلام من قوة، حتى إذا تم نضجها خرجت إلى النور والهواء والحركة بساقها وفروعها، لا بنفسها -
لا وردة تفتن بجمالها ومنظرها وعبيرها قبل أن تدفن بذرتها، يجب أن تمر بها أيام وأيام، تشعر بنفسها ولا يشعر الناس بها، وحتى إذا أعجبت الناس ونفحتهم بنعيمها يجب أن يبقى اصلها منعماً بظلامه وسكونه، فإذا أقلقًتَ مضجعها، وسلبتها هدوءها سلبتك محاسنها
وكذلك كل حي لابد أن يموت ليحيا، وهل النوم إلا ضرب من الموت، ونوع من الفناء. دع الحي يحيا أياماً من غير نوم تره وقد تهدلت أعصابه، وتهدمت قواه، وقرب من الفناء الأبدي
وليس يكفي النوم للمفكر، فهناك ضرب خير من النوم هو أويقات يمضيها في هدوء وسكون وظلام، يكون فيها منتبهاً نائماً، وشاعراً حالماً، يلذ فيها لذة النوم، كما يلذ لذة الصحو، يتعرض فيها لنفحات الله، ويلمع في روحه قبس أشبه ما يكون بالإلهام، وتأتيه الفكرة الناضجة، أو الخَطْرة الكاشفة، أو اللمحة الدالة؛ فتكون خيراً من ساعات وساعات يقضيها في العمل، وبين المحبرة والقلم، والصحف والكتب
قرأت مرة أن متعلماً كان يقص على معلمه أنه يصبح مبكراً فيقضي ساعات في استذكار دروسه، وساعات في تعلم لغات أجنبية، وساعات في أخذ دروس جديدة في علوم مختلفة،
стр. 8043
حتى يمضي جزء كبير من الليل فيذهب إلى فراشه وقد أنهكه التعب، وأخذ منه كل مأخذ، فقال له أستاذه: ومتى تفكر، وأين تجد نفسك؟
وهو سؤال له دلالته ومغزاه، فاكثر الناس لا يفكرون، وإن ظنوا أنهم فيما يقرءون ويكتبون ويفكرون، وأكثر الناس يفقدون أنفسهم في ثنايا صحفهم وكتبهم
ولأمر ما كان النبي ﷺ (يخلوا بغار حراء، ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء)
في غار حراء حيث السكون والظلام. بعيداً عن الخلق قريباً إلى الحق، قد انقطع عن العالم وضوضائه، والدنيا وألاعيبها، قد صفت نفسه من صفاء محيطه، ووجد نفسه فوجد ربه، وتعرض للإلهام فجاءه الإلهام، وتهيا للوحي فنزل عليه الوحي
لكَمْ تمنيت أن يكون للمسلمين تكايا أو خانقات في أمكنه نزهة منقطعة، ليست من هذا النوع الذي يأوي إليه العاجزون والعاطلون، والذين يأكلون ولا يعملون، ولكنها من طراز حديث يهرع إليها من أراد أن يَسْتجِم نفسه، ويريح قلبه، ويسترد هدوءه، بعد أن أتلفتها ضوضاء المدينة، وجلبة الحياة العصرية - تكون مستشفى للنفوس بجانب مستشفيات الأبدان، ويترهب فيها من أضناه العمل، وأعياه الجهد، رهبانية مؤقتة يجدد فيها نفسه، ويغذي بهدوئها وسكونها عقله وحسه، ويُبعْث إلى العالم خلقاً جديداً كما يبعث النوم الحياة - إذَنْ لقلّت أخطاء الناس ومظالمهم، فأكثرها مبعثه فساد الأعصاب - وإذن لقلّ إلحادهم فأكثره منشؤه الانغماس في المادة وشؤونها، فإذا تجرد المرء منها زمناً وخلا بنفسه وأتيحت له فرصة التفكير في هدوء وسكون وظلام تحرك قلبه للعبادة، ونزع إلى الإيمان، فاستجاب لفطرته، واستمع لطبيعته - وإذن لقلة مطامع الناس، وتكالبهم على الحياة، فحياة الهدوء والسكينة توحي بأن الحياة ظل زائل، ومرحلة مسافر
لقد اعتاد الناس أن يفروا من متاعبهم إلى المقاهي والفنادق في الهواء الطلق، وعلى شواطئ الأنهار والبحيرات والبحار، ولكنها كلها تفيد الجسم ولا تفيد - كثيراً - الروح والنفس، هي من نوع المستشفيات البدنية لا المستشفيات الروحية والنفسية، فيها - عادة - كل مظاهر المدينة وتعقيداتها وأخيلتها وتكاليفها، فهي لا تغني غناء صحيحاً في العلاج النفسي والروحي - إنما يغني هنا الغناء أنواع من المعاهد والمؤسسات قد بني على أساسٍ
стр. 8044
نفسي وروحي لا يعبأ بزخارف المدنية وزينة الحضارة، يربح النفس من عناء التكاليف والتقاليد، ويسمو بها فوق المواضعات والمصطلحات. فتجد النفس راحتها الطليقة، وتعود إلى طبيعتها الحرة. وتسبح في تأملاتها، وبذلك تسترد حيويتها ونشاطها
في سكون الظلماء يرى الإنسان بعينه ما لا يراه في الضياء، ويسمع بأذنه ما لا يسمع في الضوضاء، على أنه هو لا يرى بعينه فحسب، ولا يسمع بإذنه فحسب، بل كل شيء فيه يسمع ويرى، يفهم منطق الطير، ويتذوق موسيقاه، ويدرك معاني المياه في تحريرها، والرياح في هبوبها، والأشجار في حفيفها - فكأنه منح من الحواس ضعاف حواسه، وملك من الملكات ما لا يعد بجانب ملكاته - وكأن عالم الصخب والجلب يغشي عينه، ويثقل سمعه، ويبلد عقله ويثلم ذوقه، فلئن كان الصوت في عالم الحس له حدود، فإذا قلت تموجاته عن حدوده أو زادت انعدم السمع، فليس في عالم الروح حدود للصوت، ولئن كانت العين في عالم الحس لا تدرك من الألوان إلا اقلها، وتعجز عن إدراك أكثرها، فعين الفكر لا يحدها حد ولا يعجزها لون، ولئن كانت عيننا البصيرة لا تبصر إلا في ضياء، وأذننا لا تسمع إلا من قرع هواء، فعيوننا وآذاننا الروحية تستعين بالسكون والظلماء، أكثر مما نستعين بالضوء والهواء
إني لأرثي لهؤلاء الذين يضيعون كل حياتهم في هزل بل أرثي كذلك لهؤلاء الذين يقضون نارهم في وظائفهم وأعمالهم. ثم ينصرفون إلى لهوهم حتى يناموا، بل أرثي أيضاً لهؤلاء الذين يقضون أوقاتهم بين بحث علمي، وقراءة وتأليف وتعليم. ثم لهو قليل ونوم، واعتقد أن هناك عنصرا في الحياة ينقصهم وهو عنصر التأمل، ولست أعني بالتأمل ذلك الضرب من الأسلوب المنطقي العلمي في البحث والتفكير، إنما اعني ذلك الضرب الذي عناه القرآن بمثل قوله: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وقوله: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) هو نوع من العقل قد مزج بنوع من الشعور، وقد امتاز به الشرق على الغرب قديما، ومن ثم كان مبعث الأديان، ومصدر الإلهام
في هذا الضرب من التأمل يجد الإنسان نفسه حيث لا يجدها في هزل ولا جد، وفيه يعرف نفسه على حين أنه يعرف غيره أكثر مما يعرف نفسه، وفيه يجلس إلى نفسه ويصادقها ويصارحها على أن أكثر الناس يجالسون الناس ولا يجالسون أنفسهم، ويصارحون الناس
стр. 8045
ولا يصارحون أنفسهم، ويصادقون الناس وهم أعداء لأنفسهم
وأظن أن في الاستطاعة أن يوضع برنامج متسلسل للتأمل كبرنامج القراءة والكتابة وتعلم اللغات وتعلم العلوم، يبدأ فيه بألف باء التأمل، وينتهي بيائه إن كان له ياء، وتخصص له حصص يومية كحصص المواد العلمية، وإن كانت حصصه تمتاز بأنها في ميسور كل إنسان، ليست تحتاج إلى مدرسة يتردد عليها، ولا إلى معلم يأجر، ولا أدوات وكتب يتداولها، وإنما هي من قبيل تربية النفس بالنفس - وليست تحتاج إلا إلى مران واعتياد وعرفان بكيفية السلوك
أول دروسها أن تخلو بنفسك، ولا يكون ذلك إلا في هدوء وسكون، وخير أن يكون في ظلام. ثم تجرد في هذه الحصة من شواغل الدنيا وهمومها؛ واستعرض نفسك من حيث بدنك كيف تؤذيه ببعض عاداتك؛ وهل تدبره تدبير عاقل حكيم، أو مستبد جاهل، وما خير الوسائل لإصلاح ما تقع فيه من أغلاط؟
وتدرج من هذا إلى التأمل في ناحية أخرى نحو علاقتك بعقلك، وعلاقتك بالناس واستعراض ما يكون منك ومنهم
وارق إلى خطوة ثالثة تسائل فيها نفسك، ما غايتك وما مبادئك في الحياة، وهل وضعت لها خططاً؟ وما مقدار تقدمك إليها أو تأخرك عنها؟
سيسلمك ذلك - من غير شك - إلى خطوات أوسع، وتأمل أعمق حسب جهدك واستعدادك؛ وستكون لك في النهاية فلسفة لا من جنس فلسفة أفلاطون وأرسطو، ولكنها فلسفة شخصية قد بينت على تأملك وشعورك لا على حفظك وقراءتك. وستتصل من هذا الطريق بأفق أوسع وملكوت أعلى
في الحديث: (الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا) ولعل هذا الضرب من التأمل ينبههم في حياتهم، من غير أن ينتظروا أن ينتبهوا بموتهم
ربما كان هذا ضرباً من التصوف يتفق وروح العصر، وإن شئت فقل إنه نوع من التصوف على أحدث طراز وأبدع نمط، يبعث على الحياة لا الموت، ويدعو إلى النشاط والعمل لا إلى الخمول والسأم، ولعل الإنسان يجد في الركون إليه بعض أوقاته راحة مما رمتنا به المدينة الحاضرة من عناء، وما أرهقتنا من عنت، ولعلنا نستروح من هذا
стр. 8046
البرنامج نسيم الراحة فيراجعنا نشاطنا، وتثوب إلينا قوتنا، وتعود إلينا نفوسنا
أحمد أمين
стр. 8047
عصر الخفاء في مصر الإسلامية
٦ - الحاكم بأمر الله
ختام البحث
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- ١٠ -
إلى ذلك الحين سلخ الحاكم زهاء خمسة عشر عاماً في الحكم؛ وكانت فترة تحمل طابع الاضطراب والعنف والمفاجأة بما تخللها من غريب الأحكام والتطورات التي أتينا على ذكرها. . ولكن الحوادث تدخل من ذلك الحين في طور آخر، ويميل العهد إلى نوع من الهدوء، ويتجه الحاكم وجهة أخرى. كان ذلك الذهن المضطرم الهائم معاً لا يسكن إلى ركود الحياة العادية، وكان دائماً يؤثر التوغل في عوالم الحياة الروحية. وكانت أعوام العصر الأخيرة مليئة بهذه التيارات الخفية التي تحجب عنا أغوارها ريب وظلمات كثيفة. كانت مصر في هذه الأعوام مهداً خصباً لعصبة من الدعاة المغامرين الذين هبطوا إليها يبشرون بأديان وعقائد جديدة؛ وكان الحاكم من وراء هذه الدعوات يرعاها ويرقب تطوراتها حتى استحالت في أواخر عهده إلى دعوة جريئة إلى (ألوهيته)، ونعت الحاكم عندئذ بقائم الزمان وناطق النطقاء. وقد سبق أن فصلنا عناصر هذه الحوادث والدعوات في (الرسالة) في بحثنا (الدعوة الفاطمية السرية) فلا نعود إليها هنا
وكانت خاتمة الحاكم، كحياته، خفية مدهشة؛ فقد أغاض من هذا العالم وزهق في ظروف غامضة مازالت على التاريخ سراً عسير الجلاء
وهنا نحاول، بعد استعرضنا أعمال الحاكم بأمر الله وغريب أحكامه وتصرفاته، أن نعرض إلى أدق وأصعب نقطة في دراسة هذه الشخصية العجيبة
ماذا كانت حقيقة هذه الشخصية التي جمعت بين خلال وصفات يحمل أكثرها طابع العنف والشذوذ والتناقض؟ وبأي عين يجب أن ننظر إليها، وبأي معيار نستطيع أن نقدر صفاتها وأعمالها؟ وأي أحكام يسوغ لنا أن نصدرها لها أو عليها؟
لدينا في ذلك مادة منوعة: أقوال الرواية الإسلامية المعاصرة والمتأخرة، وحوادث العصر،
стр. 8048
وأعمال الحاكم وتصرفاته ذاتها. فأما الرواية الإسلامية، فلا ترى في أمر الحاكم لغزاً يصعب استجلاؤه؛ ولنلاحظأولاًأن ما انتهى إلينا من أقوال الرواية الإسلامية، إنما هو في الغالب أقوال المؤرخين السنيين، خصوم الشيعة وخصوم الدولة الفاطمية، وإننا لم نلتق من تراث الشيعة الذي بددته الحوادث والدول الخصيمة ما يلقي ضياء كافياً على ذلك الخفاء الذي يحيط بشخصية الحاكم وأعماله. والحقيقة أن الرواية الإسلامية تأخذ بظواهر الحوادث المادية، وتكتفي بأن تقدم إلينا الحاكم في تلك الصور المروعة المثيرة التي أشرنا إليها؛ وقلما تحاول أن نلتمس في ما وراء ذلك شيئا من البواعث والأسباب التي يمكن أن نعلل بها بعض نزعات الحاكم وتصرفاته العجيبة. وقد أوردنا بعض أقوال الرواية الإسلامية في وصف الحاكم؛ فهي لا ترى فيه أكثر من أمير مضطرب العقل والتفكير، عنيف الأهواء والنزعات، كثير العبث والسفك، شديد التناقض، لا يصدر عن رؤية أو منطق متزن، ولا يتحرى غاية أو مثلاً معقولة. هذه هي الصورة العامة التي يقدمها إلينا المؤرخون المسلمون عن الحاكم؛ وهي صورة بسيطة ساذجة مستمدة من ظاهر الحوادث المادية؛ فقد كان الحاكم طاغية شديد البطش والسفك، ولكنه كان يتخذ السفك وسيلة لا غاية، وكان القتل في نظره خطة سياسية؛ وكان عنيف الأهواء والنزعات، ولكنها لم تكن نزعات شهوة نفسية، وإنما نزعات ذهن يرتفع عن الوسائل العادية لتوجيه مجتمع يراه جديراً بالتغيير والتطور؛ وكان متناقضاً في كثير من تصرفاته، ولكن تناقض الذهن الذي يحاول مختلف الوسائل والتجارب لتحقيق غايات معينة. ومع ذلك فإنه لم يفت بعض المؤرخين أن يلاحظ أن عقلية الحاكم لم تكن بتلك البساطة التي تصور بها، فقد وصفه الذهبي بأنه كان (خبيثاً، ماكراً، ورديء الاعتقاد)، وهي صفات ليست من خواص الذهن المضطرب السقيم الذي يفكر دون تدبر ويعمل دون غاية
والواقع أن الحاكم بأمر الله كان عقلية مدهشة، وكان لغزا عسير الفهم؛ وإذا كان قد أشكل على المؤرخين المسلمين من معاصرين ومتأخرين فلم يحاولوا فهمه، فإنه مازال أيضاً في بعض نواحيه لغزا على عصرنا، وإن كنا نستطيع أن نحاول فهمه من بعض النواحي، وتعليل كثير من أعماله وأحكامه. ويصفه العلامة الألماني ميللر بأنه (من أعجب وأغمض الشخصيات التي عرفها التاريخ)؛ ويقول: (إن من يقرأ ما أورده المؤرخون المتأخرون من
стр. 8049
مختلف الأساطير والقصص يخرج بأنهم لم يفهموه، وأنهم اعتبروه مجنونا فقط؛ وقد جرى رأيهم فيه مجرى الحقيقة، ولكن توجد ثمة شواهد واضحة على أن هذا الأمير الذي هو أعجب من أنجبت أسرته، كان أشدهم إثارة للأساطير من حوله، وأن حجابا كثيفا قد أسبغ على صورته فلا نستطيع أن نظفر منها إلا بلمحات)
والآن ماذا نستطيع أن نقول في قوانين الحاكم وتصرفاته؟ وكيف ننظر إليها؟ هل كان في مجموعها فورات مجنون ونزعات مخبول كما تصورها معظم الروايات الإسلامية؟ إن كثيراً من هذه القوانين والأحكام يحمل طابع القسوة والإغراق، ولكن من التحامل والظلم إن نصفها بالسخف المطبق، وان ننعت صاحبها بالجنون ولقد ظلم التاريخ الحاكم كما ظلم كثيراً من الطغاة المصلحين؛ وقد كان الحاكم طاغيا، ولكن مصلحا على طريقته، وكان يرمي بما يصدر من القوانين والأحكام إلى تحقيق غايات معينة، دينية وسياسية واجتماعية، ربما خفيت على الكافة، لأنها تتعلق بسياسة الدولة العليا؛ ومن ثم كان الريب في حكمتها والسخط عليها؛ وكانت القسوة في تطبيقها
فأما معاملة الذميين: أعنى اليهود والنصارى، وما صدر في شأنها من الأوامر والأحكام المشدودة، فلم تكن بدعة في ذاتها ولم تكن حدثاً جديدا في الخلافة الإسلامية؛ ولم يكن فيها من الجديد سوى روحها ووسائلها الشديدة التي جعلت منها نوعا من الاضطهاد المنظم. ولقد كانت الخلافة الإسلامية تأخذ بسياسة التسامح الديني وتطلق لرعاياها الذميين الذين يؤدون الجزية حرية الاعتقاد والشعائر؛ ولكن الذميين كانوا يلقون من الوجهة الاجتماعية دائما نوعا من المعاملة الخاصة؛ ومنذ خلافة عمر فرضت عليهم بعض الأحكام والقيود التي تجعلهم من الوجهة الاجتماعية أدنى من المسلمين، وكان منها قيود تتعلق بالأزياء وركوب الخيل، وحمل السلاح واقتناء العبيد؛ وكانت هذه الأحكام تتخذ في عصور الحماسة الدينية لوناً من الشدة يختلف باختلاف الظروف والأحوال. قد رأينا إن الخلافة الفاطمية كانت تتبع سياسة التسامح الديني نحو اليهود والنصارى، وإنهم في ظلها ازدهروا وتبوءوا أرفع مناصب الثقة والنفوذ وإن موقف الحاكم نحوهم، واشتداده في معاملتهم على هذا النحو، كان انقلابا في السياسة الفاطمية. وقد نستطيع أن نفسر هذا التطرف من جانب الحاكم، بأنه نوع من الغلو الديني له بواعثه السياسية؛ ففي هذه المرحلة التي أشتد فيها الأمر على اليهود
стр. 8050
والنصارى، كان الحاكم يبدي كثيرا من التعصب والغلو سواء من الناحية الدينية العامة أو الناحية المذهبية الخاصة ولكن هذه الشدة استحالت في أواخر عصره إلى نوع من اللين والرفق بالنصارى واليهود؛ ذلك لان هذا الذهن المضطرم يستحيل عندئذ إلى ذهن فلسفي حر التفكير، ينظر إلى الأديان كلها نظرة واحدة؛ وإن كانت السياسة العليا تحتم عليه أن يؤيد دين الدولة ومذهبها الرسمي؛ وقد كان الحاكم ولد أم نصرانية كما قدمنا أفلا نستطيع، أثر هذه الأرومة أيضاً في هذا التكوين الديني المضطرب، وفي هذا التردد بين الشدة واللين؟ ومما يلاحظ في هذا الصدد إن موقف الحاكم إزاء النصارى واليهود هو من المواقف القليلة التي ثبت فيها الحاكم على سياسة واحدة، وإنه لن يجنح فيه من الشدة إلى اللين إلا في أواخر عصره حينما ظهر الدعاة السريون الذين يدعون إلى دين جديد وعقائد جديدة وقوانين الحكم الاجتماعية؟ هل كان تشريعاً جنونياً خاليا من كل باعث وحكمة؟ إن الحكم على هذه القوانين يقتضي أن نفهم روح العصر وخواص المجتمع المصري يومئذٍ؛ كان الحاكم بأمر الله على رأس خلافة مذهبية يقوم سلطانها السياسي على صفة الإمامة الدينية؛ وكانت هذه الخلافة تريد أن تحيط ملكها في مصر بسياج قوي من الخلال القوية التي أحاطت ملكها في المغرب؛ ولكنها الفت في مصر مجتمعا متحضراً يميل إلى الترف والحياة الناعمة، ولم ترد أن تضيق على هذا المجتمع بادئ بدء، لأنها كانت تخطب وده وتسعى إلى تأليفه؛ ولهذا كانت تسايره، وتغيره ببذخها وبهائها، وتطلق له أعنة البهجة والمرح، وتغمره بالمواسم الفخمة والحفلات والمواكب الشائقة؛ فكانت تذكر بذلك مرحه وخفته واستهتاره بدلا من أن تذكر فيه الخلال القوية التي تنشدها. وكانت عوامل الانحلال تجثم في قرارة هذا المجتمع الذي يخفى انحلاله تحث أثواب من الفخامة والبهجة؛ وكانت الرذائل الاجتماعية على اشدها حينما تولى الحاكم بأمر الله، وظهر ذلك الانحلال الاجتماعي في اشد مظاهره حينما نظمت حياة الليل، وشهد الأمير مواكبه الليلية مظاهر هذا الفساد الشامل. عندئذ عمد الحاكم إلى وضع هذه الخطة التي يمكن أن توصف بحق بأنها برنامج للإصلاح الاجتماعي، ولجأ إلى تلك القوانين والإجراءات الصارمة كوسيلة لمكافحة هذا الفساد الاجتماعي الشامل؛ وفيم تحريم الخمر ومطاردة المدمنين، وتحريم الغناء واللهو الخليع إلا أن يكون لتقويم أخلاق الشعب، وحماية أمواله وصحته من الإسراف
стр. 8051
والعبث، وحماية المجتمع من ضروب الفساد التي يغرق فيها؟ إن الأمم العظيمة في عصرنا تلجأ في أحيان كثيرة إلى إصدار مثل هذه القوانين لبث الإصلاح الاجتماعي؛ وما عهد التحريم الأمريكي ببعيد، فقد حرمت الخمر في أمريكا مدى أعوام، وكانت تجربة اجتماعية هائلة لا تزال ذاكراها ماثلة في الأذهان؛ وما تزال بعض الدول تحرم بعض الملاهي التي تراها خطرا على الأخلاق العامة؛ وما تزال بعض الحكومات تحد من حريات الشعب في التجوال بالليل في ظروف معينة حرصاً على الأخلاق والأمن العام
ومطاردة المرأة والحجر عليها؟ لا ريب أن الحاكم كان يذهب في ذلك إلى ذروة الغلو والإغراق، ولكن المرأة من أشد عوامل الفتنة والغواية، ولاسيما في عصور الفساد والانحلال، وقد رأى الحاكم، في الحجر على المرأة، والمباعدة بينها وبين الرجل في حياة المدينة، وسيلة لمكافحة الرذيلة وحماية الأخلاق الفاضلة. أما الإغراق في تطبيق التجربة، فهو بلا ريب أثر من إغراق هذا الذهن الهائم في كل ما يعتقد ويبتكر؛ وإذ كنا نستطيع أن نعلل فكرة الحجر على المرأة وإبعادها عن مجتمعات المدينة، فمن الصعب علينا ذلك الإغراق في تطبيقها إلى حدود من القسوة الذريعة. بيد أنه ليس من الإنصاف أن ننكر على الإجراء كل حكمة، فإن من المحقق أنه كان ذا اثر كبير في درء الفساد الشامل وتنقية حياة المدينة، وإنا لنشهد في عصرنا في بعض الأمم العظيمة فكرة مماثلة في الحد من حريات المرأة الاجتماعية وردها إلى حظيرة الأسرة مع فرق في العصر والظروف. ففي إيطاليا الفاشستية، وألمانيا الهتلرية تفقد المرأة كثيرا من حريتها، ويحضر عليها التبذل والتهتك في الأزياء؛ وفي إيطاليا تلزم بان لا يقل ثوبها عن طول معين؛ وفي ألمانيا وإيطاليا يحضر اليوم كثير من ضروب اللهو الخليع، وتمنع الحانات الليلية والملاهي العارية. ولا ريب أن الفكرة التي أملت على الحاكم خطته، وتملى اليوم على ألمانيا الهتلرية وإيطاليا الفاشستية خطتها نحو المرأة، ترجع في جوهرها إلى اصل واحد، هو مكافحة عوامل الغواية والفساد التي يبثها تهتك المجتمع النسوي وإمعانه في صنوف الاستهتار والخلاعة
وأما تحريم بعض أنواع الأطعمة فقد يرجع إلى أسباب صحية لها قيمتها في ذلك العصر، وإما تحريم ذبح الأبقار السليمة فهو إجراء ظاهر الحكمة وهو المحافظة على النسل. وأما قتل الكلاب فهو تحوط صحي لا يزال يتبع في عصرنا في جميع الأمم المتمدنة
стр. 8052
ولسنا ندعي أننا نستطيع أن نعلل كل قوانين الحاكم وإجراءاته وتصرفاته أو أن ننفذ إلى بواعثها وحكمتها جميعاً، فهناك الكثير منها مما لا يستطاع فهمه وتعليله؛ ولكن الذي نود أن نقوله هو إن هذه القوانين والإجراءات، كانت عكس ما تصورها الرواية الإسلامية بأنها نزعات طاغية مضطرب الذهن، تكون في مجموعها برنامجاً إصلاحياً شاملا، وترمي في مجموعها على تحقيق غايات لا ريب في حكمتها وسموها
يقول العلامة دوزي: (لم تكن قوانين الحاكم سخيفة كما يحب أن يصورها الرواد السنيون الذين اعتادوا ان يقدموا إلينا من هذا الأمير شخصية مضحكة لا صورة حقه) ثم يقول: (ولقد أراد الحاكم أن يكافح الانحلال الشامل الذي سرى إلى مجتمع عصره بقوانين بوليسية صارمة، وأحيانا غريبة شاذة) ثم يشرح رأيه بعد ذلك على ضوء هذه القوانين والأحكام المختلفة، ويحدثنا بعطف عن تواضع الحاكم وتقشفه، ويقول ميلر بعد أن يلخص قوانين الحاكم الاجتماعية (إن هذه التصرفات ليست كلها تنم عن الحماقة؛ وإذ كنا لا نستطيع أن نعلل كل أعماله، فليس ذلك مما يحملنا على أن نعتبر تصرفاته فورة أهواء مستبد ولا سيما ونحن نراها في نواحٍ أخرى سليمة معقولة. وكل ما وصلنا من الروايات إنما هو وقائع مجردة، مشوهة ومبالغ فيها بلا ريب؛ وإنه ليكون من المدهش اليوم أن نستطيع أن نحل رموز هذه المعضلة الشاملة) ثم يقول: (وليس لدينا إلا أن نعتقد أنه أما باطني متعصب، توهم في نفسه الإغراق والألوهية، وأما أمير ذكي بارع في تاريخ أسرته ومذبها، وأعتقد أنه يستطيع أن يسمو فوق البشر وأن يحتقرهم ويصنفهم كالشمع طوع إرادته. وربما كان يجمع في طبيعته المتناقضة بين شيء من هذا وشيء من ذاك وربما لا يستطيع أن يظفر بالحقيقة هنا سوى خيال شاعر)
والخلاصة أن الحاكم بأمر الله لم يكن تلك الشخصية الوضيعة الساذجة، ولا تلك العقلية المخرفة التي تقدمها إلينا الرواية؛ ولم تكن أعماله وأحكامه، كما صورت على كل العصور مزيجا من النزعات والأهواء الجنونية؛ وإنما كان الحاكم لغز عصره، وكان ذهنا بعيد الغور وافر الابتكار وكان عقلية تسمو على مجتمعها وتتقدم عصرها بمراحل. وكان بالاختصار عبقرية يجب أن تتبوأ في التاريخ مكانها الحق.
تم البحث
стр. 8053
محمد عبد الله عنان
المحامي
стр. 8054
سقراط والعالم الإسلامي
للدكتور إبراهيم بيومي مدكور
في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد لهجت السنة الأثينيين باسم حكيم لا كالحكماء، وفيلسوف لا كالفلاسفة. لا يتفق شكله وزيه مع جلال الحكمة، ولا يتلاءم أصله ونسبه مع عظمة الفلسفة. فقد كان أفطس الأنف، مرسل الشعر في غير انتظام، حافي القدمين، حاسر الرأس مرتديا كساء غليظا. أبوه نقاش وأمه قابلة: مهنتان ليس لهما من الشرف نصيب كبير وهو مع هذا يناقض أهل أثينا ويبين خطأهم، ويسفه أحلامهم دون أن يدعي الإتيان بجديد، أو تعليم الناس ما لم يعرفوه. أجل لم يك هذا الفيلسوف رئيس مدرسة يجتمع فيها الطلاب ولا صاحب نظرية محدودة يتدارسها الأتباع والتلاميذ. بل كان يبعث حكمته في الأسواق والطرقات ويلقى درسه أمام الحوانيت وفي ملعب الشبان. وما كان هذا الدرس وتلك الحكمة إلا إعلانه دائماً إنه لا يعرف شيئاً وترديده لهذه الجملة المأثورة: (أعرف نفسك بنفسك). ذلكم الحكيم الغريب شكله، القبيح منظره، الشاذة تعاليمه وطريقته هو سقراط الذي نهج بالفلسفة نهجاً جديداً، وكان على رأس طوائف فلسفية متعددة ومتباينة
بين فلاسفة الأغريق ثلاث أسماء لا يكاد الإنسان يذكر واحدا منها إلا وحضر بذهنه الآخرون. ومن ذا الذي يلفظ أسم أفلاطون دون أن يخطر بباله أنه كان تلميذا لسقراط وأستاذا لأرسطو؟ أو من ذا الذي يتكلم عن سقراط ولا يلحظ تلميذه أفلاطون وتلميذ تلميذه أرسطو؟ وفي الحق أن هؤلاء الحكماء الثلاثة يكمل بعضهم بعضا: تضافروا على تكوين نظرية مشتركة نشأت بين يدي الأول، وترعرعت لدى الثاني، وأخذت شكلها الكامل عند الأخير. فكلهم أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض وعني بالإنسان في تفكيره وسلوكه أكثر من عنايته بالشؤون الطبيعية في نظامها وتقلبها. وكلهم بحث عن الفكرة ' في طريق تكونها وأصل نشأتها ودرجة وجودها وبذا كانوا جميعاً أساتذة (الفلسفة الفكرية) التي لعبت دوراً هاماً في تاريخ الدراسات النظرية والتي لا تزال عماد البحث العقلي إلى اليوم
لم يقف نفوذ سقراط عند الشعبة الأفلاطونية والأرسطوية، بل تعداهما إلى مدارس أخرى كانت من أشد الناس عداءاً لأفلاطون وأرسطو. فالميجاريك تلاميذ أقليد الميجاري والسينيك أتباع أنطستين يصعدون إلى سقراط وان كانوا من أول من خرج عن المنطق،
стр. 8055
وشكك الناس في الحقيقة وكيفية الوصول إليها. فهم بهذا من أكبر الخصوم (الفلسفة الفكرية) التي تحدثنا عنها. والأخلاق لدى أصحاب الرواق تعتمد على أساس سقراطي واضح؛ فالرواقيون يرون - كما يرى سقراط - أن الحسن ما أملته الإرادة، وما أتفق مع العاطفة الشخصية. وعلى هذا يجب أن تؤسس الأخلاق لديهم جميعا على دعامة من العزيمة والشعور الفردي. وطريقة اللاإداريين في الحوار والمناقشة متأثرة قطعاً بطريقة سقراط ومن قبله من السوفسطائيين
ذلكم هو سقراط في العالم الإغريقي؛ وبودنا أن نعرف على أي صورة وصل إلى العالم العربي هل وجد بين العرب أنصارا وأتباعا مثلما وجد بين الأغريق، وهل عنى المسلمون بشأنه عنايتهم بأفلاطون وأرسطو؟ مما لا شك فيه أن هذين الأخيرين ملكا على العرب الجانب الأعظم من تفكيرهم الفلسفي، وكان موضع شغل الباحثين منهم ولعل ذلك راجع إلى أن قدرا كبيرا من كتبهما ترجم إلى العربية، فساعدا على دراستهما دراسة مستفيضة. أما سقراط فلم ينفذ إلى الفكر الإسلامي إلا بواسطة ما رواه على لسانه أفلاطون وأرسطو وبعض المؤرخين أمثال بلوتارك. بيد أن شيخ أثينا هذا، ورسول (أبولون) وترجمان وحي (دلف) قد أثر في نواحي عربية هامة غامضة؛ وسنحاول الكشف عنها اليوم
في سقراط ظاهرتان هامتان: حياته أن شئت شخصيته الغريبة، وطريقته وتعاليمه؛ وقد يكون ذيوع صوته راجعاً إلى الأولى اكثر من رجوعه إلى الثانية فكثير من الناس يعرف سقراط الزاهد المتقشف الذي أعرض عن ملاذ الدنيا فلم يشرب نبيذا قطاً ولم يتناول طعاماً شهياً؛ وكثير منهم يعرف سقراط القوى العزيمة الذي لا يخضع لإرادة غير إرادة الحق مهما عظم شأنها؛ وكثير منهم يعرف سقراط البطل الذي ضحى بنفسه آمنا مطمئنا في سبيل رايته وعقيدته. كل هؤلاء يعرفون ذلك من سقراط، وان خفيت عليهم آراءه ونظرياته. هذه الظاهرة الهامة في الفيلسوف الأثيني هي التي بهرت المسلمين بوجه خاص، فرعاهم منه شخصه أكثر مما راعهم علمه ودرسه. وإن إذا رجعنا إلى كتب التراجم العربية وجدنا أنها لا تكاد تدرس إلا حياته وقصة موته. فابن النديم الذي ترجم له في اختصار بلغ حد الإخلال اكتفى بأن قال أنه (كان زاهدا خطيبا حكيما قتله اليونانيون لأنه خالفهم)، والقفطي الذي وقف عليه نحو تسع صفحات من القطع الكبيرة بين في
следующие страницы →