Полный текст (65 431 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
والعبث، وحماية المجتمع من ضروب الفساد التي يغرق فيها؟ إن الأمم العظيمة في عصرنا تلجأ في أحيان كثيرة إلى إصدار مثل هذه القوانين لبث الإصلاح الاجتماعي؛ وما عهد التحريم الأمريكي ببعيد، فقد حرمت الخمر في أمريكا مدى أعوام، وكانت تجربة اجتماعية هائلة لا تزال ذاكراها ماثلة في الأذهان؛ وما تزال بعض الدول تحرم بعض الملاهي التي تراها خطرا على الأخلاق العامة؛ وما تزال بعض الحكومات تحد من حريات الشعب في التجوال بالليل في ظروف معينة حرصاً على الأخلاق والأمن العام
ومطاردة المرأة والحجر عليها؟ لا ريب أن الحاكم كان يذهب في ذلك إلى ذروة الغلو والإغراق، ولكن المرأة من أشد عوامل الفتنة والغواية، ولاسيما في عصور الفساد والانحلال، وقد رأى الحاكم، في الحجر على المرأة، والمباعدة بينها وبين الرجل في حياة المدينة، وسيلة لمكافحة الرذيلة وحماية الأخلاق الفاضلة. أما الإغراق في تطبيق التجربة، فهو بلا ريب أثر من إغراق هذا الذهن الهائم في كل ما يعتقد ويبتكر؛ وإذ كنا نستطيع أن نعلل فكرة الحجر على المرأة وإبعادها عن مجتمعات المدينة، فمن الصعب علينا ذلك الإغراق في تطبيقها إلى حدود من القسوة الذريعة. بيد أنه ليس من الإنصاف أن ننكر على الإجراء كل حكمة، فإن من المحقق أنه كان ذا اثر كبير في درء الفساد الشامل وتنقية حياة المدينة، وإنا لنشهد في عصرنا في بعض الأمم العظيمة فكرة مماثلة في الحد من حريات المرأة الاجتماعية وردها إلى حظيرة الأسرة مع فرق في العصر والظروف. ففي إيطاليا الفاشستية، وألمانيا الهتلرية تفقد المرأة كثيرا من حريتها، ويحضر عليها التبذل والتهتك في الأزياء؛ وفي إيطاليا تلزم بان لا يقل ثوبها عن طول معين؛ وفي ألمانيا وإيطاليا يحضر اليوم كثير من ضروب اللهو الخليع، وتمنع الحانات الليلية والملاهي العارية. ولا ريب أن الفكرة التي أملت على الحاكم خطته، وتملى اليوم على ألمانيا الهتلرية وإيطاليا الفاشستية خطتها نحو المرأة، ترجع في جوهرها إلى اصل واحد، هو مكافحة عوامل الغواية والفساد التي يبثها تهتك المجتمع النسوي وإمعانه في صنوف الاستهتار والخلاعة
وأما تحريم بعض أنواع الأطعمة فقد يرجع إلى أسباب صحية لها قيمتها في ذلك العصر، وإما تحريم ذبح الأبقار السليمة فهو إجراء ظاهر الحكمة وهو المحافظة على النسل. وأما قتل الكلاب فهو تحوط صحي لا يزال يتبع في عصرنا في جميع الأمم المتمدنة
стр. 8052
ولسنا ندعي أننا نستطيع أن نعلل كل قوانين الحاكم وإجراءاته وتصرفاته أو أن ننفذ إلى بواعثها وحكمتها جميعاً، فهناك الكثير منها مما لا يستطاع فهمه وتعليله؛ ولكن الذي نود أن نقوله هو إن هذه القوانين والإجراءات، كانت عكس ما تصورها الرواية الإسلامية بأنها نزعات طاغية مضطرب الذهن، تكون في مجموعها برنامجاً إصلاحياً شاملا، وترمي في مجموعها على تحقيق غايات لا ريب في حكمتها وسموها
يقول العلامة دوزي: (لم تكن قوانين الحاكم سخيفة كما يحب أن يصورها الرواد السنيون الذين اعتادوا ان يقدموا إلينا من هذا الأمير شخصية مضحكة لا صورة حقه) ثم يقول: (ولقد أراد الحاكم أن يكافح الانحلال الشامل الذي سرى إلى مجتمع عصره بقوانين بوليسية صارمة، وأحيانا غريبة شاذة) ثم يشرح رأيه بعد ذلك على ضوء هذه القوانين والأحكام المختلفة، ويحدثنا بعطف عن تواضع الحاكم وتقشفه، ويقول ميلر بعد أن يلخص قوانين الحاكم الاجتماعية (إن هذه التصرفات ليست كلها تنم عن الحماقة؛ وإذ كنا لا نستطيع أن نعلل كل أعماله، فليس ذلك مما يحملنا على أن نعتبر تصرفاته فورة أهواء مستبد ولا سيما ونحن نراها في نواحٍ أخرى سليمة معقولة. وكل ما وصلنا من الروايات إنما هو وقائع مجردة، مشوهة ومبالغ فيها بلا ريب؛ وإنه ليكون من المدهش اليوم أن نستطيع أن نحل رموز هذه المعضلة الشاملة) ثم يقول: (وليس لدينا إلا أن نعتقد أنه أما باطني متعصب، توهم في نفسه الإغراق والألوهية، وأما أمير ذكي بارع في تاريخ أسرته ومذبها، وأعتقد أنه يستطيع أن يسمو فوق البشر وأن يحتقرهم ويصنفهم كالشمع طوع إرادته. وربما كان يجمع في طبيعته المتناقضة بين شيء من هذا وشيء من ذاك وربما لا يستطيع أن يظفر بالحقيقة هنا سوى خيال شاعر)
والخلاصة أن الحاكم بأمر الله لم يكن تلك الشخصية الوضيعة الساذجة، ولا تلك العقلية المخرفة التي تقدمها إلينا الرواية؛ ولم تكن أعماله وأحكامه، كما صورت على كل العصور مزيجا من النزعات والأهواء الجنونية؛ وإنما كان الحاكم لغز عصره، وكان ذهنا بعيد الغور وافر الابتكار وكان عقلية تسمو على مجتمعها وتتقدم عصرها بمراحل. وكان بالاختصار عبقرية يجب أن تتبوأ في التاريخ مكانها الحق.
تم البحث
стр. 8053
محمد عبد الله عنان
المحامي
стр. 8054
سقراط والعالم الإسلامي
للدكتور إبراهيم بيومي مدكور
في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد لهجت السنة الأثينيين باسم حكيم لا كالحكماء، وفيلسوف لا كالفلاسفة. لا يتفق شكله وزيه مع جلال الحكمة، ولا يتلاءم أصله ونسبه مع عظمة الفلسفة. فقد كان أفطس الأنف، مرسل الشعر في غير انتظام، حافي القدمين، حاسر الرأس مرتديا كساء غليظا. أبوه نقاش وأمه قابلة: مهنتان ليس لهما من الشرف نصيب كبير وهو مع هذا يناقض أهل أثينا ويبين خطأهم، ويسفه أحلامهم دون أن يدعي الإتيان بجديد، أو تعليم الناس ما لم يعرفوه. أجل لم يك هذا الفيلسوف رئيس مدرسة يجتمع فيها الطلاب ولا صاحب نظرية محدودة يتدارسها الأتباع والتلاميذ. بل كان يبعث حكمته في الأسواق والطرقات ويلقى درسه أمام الحوانيت وفي ملعب الشبان. وما كان هذا الدرس وتلك الحكمة إلا إعلانه دائماً إنه لا يعرف شيئاً وترديده لهذه الجملة المأثورة: (أعرف نفسك بنفسك). ذلكم الحكيم الغريب شكله، القبيح منظره، الشاذة تعاليمه وطريقته هو سقراط الذي نهج بالفلسفة نهجاً جديداً، وكان على رأس طوائف فلسفية متعددة ومتباينة
بين فلاسفة الأغريق ثلاث أسماء لا يكاد الإنسان يذكر واحدا منها إلا وحضر بذهنه الآخرون. ومن ذا الذي يلفظ أسم أفلاطون دون أن يخطر بباله أنه كان تلميذا لسقراط وأستاذا لأرسطو؟ أو من ذا الذي يتكلم عن سقراط ولا يلحظ تلميذه أفلاطون وتلميذ تلميذه أرسطو؟ وفي الحق أن هؤلاء الحكماء الثلاثة يكمل بعضهم بعضا: تضافروا على تكوين نظرية مشتركة نشأت بين يدي الأول، وترعرعت لدى الثاني، وأخذت شكلها الكامل عند الأخير. فكلهم أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض وعني بالإنسان في تفكيره وسلوكه أكثر من عنايته بالشؤون الطبيعية في نظامها وتقلبها. وكلهم بحث عن الفكرة ' في طريق تكونها وأصل نشأتها ودرجة وجودها وبذا كانوا جميعاً أساتذة (الفلسفة الفكرية) التي لعبت دوراً هاماً في تاريخ الدراسات النظرية والتي لا تزال عماد البحث العقلي إلى اليوم
لم يقف نفوذ سقراط عند الشعبة الأفلاطونية والأرسطوية، بل تعداهما إلى مدارس أخرى كانت من أشد الناس عداءاً لأفلاطون وأرسطو. فالميجاريك تلاميذ أقليد الميجاري والسينيك أتباع أنطستين يصعدون إلى سقراط وان كانوا من أول من خرج عن المنطق،
стр. 8055
وشكك الناس في الحقيقة وكيفية الوصول إليها. فهم بهذا من أكبر الخصوم (الفلسفة الفكرية) التي تحدثنا عنها. والأخلاق لدى أصحاب الرواق تعتمد على أساس سقراطي واضح؛ فالرواقيون يرون - كما يرى سقراط - أن الحسن ما أملته الإرادة، وما أتفق مع العاطفة الشخصية. وعلى هذا يجب أن تؤسس الأخلاق لديهم جميعا على دعامة من العزيمة والشعور الفردي. وطريقة اللاإداريين في الحوار والمناقشة متأثرة قطعاً بطريقة سقراط ومن قبله من السوفسطائيين
ذلكم هو سقراط في العالم الإغريقي؛ وبودنا أن نعرف على أي صورة وصل إلى العالم العربي هل وجد بين العرب أنصارا وأتباعا مثلما وجد بين الأغريق، وهل عنى المسلمون بشأنه عنايتهم بأفلاطون وأرسطو؟ مما لا شك فيه أن هذين الأخيرين ملكا على العرب الجانب الأعظم من تفكيرهم الفلسفي، وكان موضع شغل الباحثين منهم ولعل ذلك راجع إلى أن قدرا كبيرا من كتبهما ترجم إلى العربية، فساعدا على دراستهما دراسة مستفيضة. أما سقراط فلم ينفذ إلى الفكر الإسلامي إلا بواسطة ما رواه على لسانه أفلاطون وأرسطو وبعض المؤرخين أمثال بلوتارك. بيد أن شيخ أثينا هذا، ورسول (أبولون) وترجمان وحي (دلف) قد أثر في نواحي عربية هامة غامضة؛ وسنحاول الكشف عنها اليوم
في سقراط ظاهرتان هامتان: حياته أن شئت شخصيته الغريبة، وطريقته وتعاليمه؛ وقد يكون ذيوع صوته راجعاً إلى الأولى اكثر من رجوعه إلى الثانية فكثير من الناس يعرف سقراط الزاهد المتقشف الذي أعرض عن ملاذ الدنيا فلم يشرب نبيذا قطاً ولم يتناول طعاماً شهياً؛ وكثير منهم يعرف سقراط القوى العزيمة الذي لا يخضع لإرادة غير إرادة الحق مهما عظم شأنها؛ وكثير منهم يعرف سقراط البطل الذي ضحى بنفسه آمنا مطمئنا في سبيل رايته وعقيدته. كل هؤلاء يعرفون ذلك من سقراط، وان خفيت عليهم آراءه ونظرياته. هذه الظاهرة الهامة في الفيلسوف الأثيني هي التي بهرت المسلمين بوجه خاص، فرعاهم منه شخصه أكثر مما راعهم علمه ودرسه. وإن إذا رجعنا إلى كتب التراجم العربية وجدنا أنها لا تكاد تدرس إلا حياته وقصة موته. فابن النديم الذي ترجم له في اختصار بلغ حد الإخلال اكتفى بأن قال أنه (كان زاهدا خطيبا حكيما قتله اليونانيون لأنه خالفهم)، والقفطي الذي وقف عليه نحو تسع صفحات من القطع الكبيرة بين في
стр. 8056
تفصيل كيف حوكم هذا المتهم البريء وكيف نفذ فيه حكم الإعدام. وابن أبي أصيبعة يشارك القفطي في ترجمته المطولة ويضم إليها بعض حكم يعزوها إلى سقراط إلا أن هذه التراجم في جملتها تحوي أخطاء يجدر بنا أن نشير إلى بعضها فمثلا يزعم ابن النديم ومن جاء بعده أن سقراط ألف مقالة في السياسة ورسالة في السيرة الجميلة؛ والحق أن هذا الفيلسوف لم يكتب شيئاً قط. ومن الغريب أن ابن أبي أصيبعة قد تنبه إلى هذا ولاحظ أن سقراط (لم يصنف كتاباً، ولا أملي على أحد من تلاميذه ما أثبته في قرطاس وإنما كان يلقنه تلقيناً لا غير)؛ ولكنه عاد فوقع فيما وقع فيه من قبله من الخطأ. ويكاد يجمع أصحاب التراجم هؤلاء على أن سقراط عاش ثمانين سنة أو جاوزها إلى مائة مع أنه توفي عن إحدى وسبعين سنة. ويروي القطفي عن بعضهم أن سقراط كان شآمياً وهذا خطأ واضح فإن هذا الحكيم أثيني في نشأته ونسبه ويمثل أول خطوة في الحركة الفلسفية التي دامت في أثينا نحو قرن أو يزيد. ومهما يكن من شيء فإن إن غضضنا الطرف عن هذه الهفوات الصغيرة وجدنا أن هؤلاء المؤلفين وصفوا حياة سقراط في جزيئاتها الهامة
لم تلفت هذه الحياة العظيمة نظر مؤرخي العرب وحدهم بل كان لها اثر بين كل طائفة من الفلاسفة والعلماء فالكندي بلغ به حبه للفيلسوف الإغريقي وإعجابه به أن كتب فيه عدة مؤلفات منها: رسالة في خبر فضيلة سقراط، رسالة في ألفاظه رسالة في ما جرى بينه وبين الحرانين، رسالة في موته. وهناك تشابه بين سقراط والكندي لن يفوتنا أن ننبه إليه؛ فلئن كان الأول قد مهد (للفلسفة الفكرية) في العالم الإغريقي ووضحها بأمثلة من الأخلاق والحياة الدارجة، فأن الثاني هو أول من أتجه نحو الدراسات الفلسفية في العالم العربي. وإخوان الصفا يصعدون بسقراط إلى درجة النبوة، ويعقدون لموته فصلاً قيماً في رسائلهم؛ وعلهم استقوه مما كتبه الكندي من قبل. ويرى الرازي طبيب الإسلام الأكبر وفيلسوفه الذي لم يدرس بعد الدرس اللائق به إن سقراط هو الفيلسوف الحق، ويعارض به أتباع أرسطو من زملائه ومعاصريه المسلمين. ومعروف ما بين الرازي وإخوان الصفا من صلات في العقيدة والآراء الفلسفية والسياسية. فلسقراط إذن أبناء وتلاميذ في الديار الإسلامية، كما كان له من قبل في البلاد الإغريقية؛ وهؤلاء التلاميذ ألصق بشعبة الإسماعيلية والمتصوفة الذين شاءوا أن ينهجوا نهج حكيم أثينا في زهده وتقشفه وأن يتفانوا تفانيه في نصرة
стр. 8057
مبادئهم
أما تعاليم سقراط وإن بدت ثانوية في نظر مفكري فإنها لم تكن مجهولة لديهم. وقد أختص الشهرستاني بإيراد أكبر قدر منها في كتابة الملل والنحل. فهو يعرضأولاًآراء سقراط الدينية والميتافيزيقية، مبيناً ما قاله في صفات الباري وذاته ومفيضاً في ذلك بدرجة محسوسة. ثم يجاوز هذا إلى الكلام عن مذهب سقراط في المبادئ والعلل، وفي أزلية النفوس الإنسانية ووجودها السابق لوجود الأبدان. وهذه الآراء المنسوبة إلى سقراط قد جاءت بنصها على لسان أفلاطون؛ على أن العرب أنفسهم لم يستقوها إلا من مؤلفات الأخير. وهنا تعترضنا مشكلة تاريخية مشهورة، ألا وهي أنا إن سلمنا بأن كل ما رواه أفلاطون باسم أستاذه من عمل الثاني لم يبقي للأول شيء وعلى العكس من ذلك إن كانت مؤلفات التلميذ تترجم عن رأيه الخاص فإنا لا نكاد نجد لسقراط نظرية مستقلة؛ وقد كنا نأمل أن نحل هذه العقدة التي حار فيها المؤرخون المعاصرون على ضوء المصادر الإسلامية، فلم نظفر فيها بما ينقع الغلة. وفي رأينا إن سقراط لم يعن بتكوين نظريات فلسفية مفصلة، وكل مهمته أنه أشار إلى أفكار عامة تولاها أفلاطون من بعده بالدرس والتحليل
بيد إن لسقراط عمل آخر شخصياً لا ينكره عليه أحد؛ وهو طريقته الجدلية المبنية على الاستنباط والتشكيك. بهذه الطريقة أشتهر، وبها تمكن من قهر جماعة السوفسطائيين وبواسطتها أصلح كثيراً من الأخطاء الشائعة، ومهد السبيل لتكوين الأفكار العامة. وقد وصلت هذه الطريقة إلى العرب - كما وصلت إلى المحدثين - في ثنايا كتب أرسطو وأفلاطون؛ ولفلاسفة الإسلام في شرحها ومناقشتها أبحاث مختلفة؛ فسقراط المثل الأعلى في التضحية، وسقراط الباحث النظري، وسقراط المناظر القوي الحجة قد وجد في العالم العربي أتباعاً وتلاميذ، بل أنصاراً ومحبذين
إبراهيم بيومي مدكور
دكتوراه في الآداب والفلسفة
стр. 8058
رسالة الأزهر للأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر
الشيخ محمد مصطفى المراغي
. . . قد يسال بعض الناس: ما فائدة الأزهر، أو ما هي رسالة الأزهر كما يقال اليوم؟ فأقول لهؤلاء: رسالة الأزهر هي حمل رسالة الإسلام. ومتى عرفت رسالة الإسلام عرفت رسالة الأزهر
الإسلام دين جاء لتهذيب البشر ورفع مستوى الإنسانية والسمو بالنفوس إلى أرفع درجات العز والكرامة. قد طوح بالوسطاء بين الناس وربهم، وصل بين العبد وبه. ولم يجعل لأحد فضلاً على أحد إلا بالتقوى، وقدس العلم والعلماء، وقرر في غير لبس ما يليق بذات الخالق من الصفات. وما قرره في ذلك هو منتهى ما سمت إليه الحكمة، ووصل إليه العقل. وفرض عبارات كلها ترجع إلى تهذيب النفس، وتلطيف الوجدان، وأبان أصول الأخلاق، وقرر التمتع بالطيبات ولم يحرف إلا الخبائث، ووضع حدوداً تحد من طغيان النفوس ونزوات الشهوات، ووضع أصول النظم الاجتماعية وأصول القوانين: قواعد كلها لخير البشر وسعادة المجتمع الإنساني
هذه صورة مصغرة جداً للدين الإسلامي، ورسالة الأزهر هي بيان الدين الإسلامي، وشرح قواعده وأسراره، ومتى أدى هذه الرسالة على وجهها فقد أدى نصيباً عظيماً من السعادة والخير للجمعية الإنسانية
في القرآن الكريم حث شديد على العلم، وعلى معرفة الله وعلى تدبر ما في الكون، وليس هناك علم يخرج موضعه عن الخالق والمخلوق. فالدين الإسلامي يحث على تعلم جميع المعارف الحق. وليس في المعارف الصحيحة المستقرة شيءٌ ممكن أن يناقض أصول الدين ويهدمها
نعم قد توجد معارف تناقض بعض ما وضعه العلماء في شرح القرآن والحديث والفقه وغير ذلك، ولكن لا نهتم لهذا. فليس العلم في طريقه، ولنصحح معارف الماضين، لكن على شريطة أن يكون ما يخالف معارفنا من العلم البرهاني المستقر
ولست أقصد بحديثي هذا أن يكون الأزهر مدرسة طب أو هندسة، أو كلية للكيمياء أو ما يشابه هذا: ولكني أعني إن هناك علوماً ومعارف لها صلة بالدين وثيقة، تعين على فهمه،
стр. 8059
وتبرهن على صحته، ويدفع بها عن الشبهات. فهذه العلوم يجب أن يتعلمها العالم الديني ويتعلم منها القدر الضروري لما يوجه إليه
قد تغيرت في العالم طرق عرض السلع التجارية، وأصبح الإعلان عنها ضرورياً لنشرها وترغيب الناس فيها. ولديكم الحوانيت القديمة ومخازن التجارة الحديثة، فقارنوا بينها تدركوا ما في طريقة العرض الحديثة من جمال يجذب النفوس إليها وما في طريقة العرض القديمة من تشويه ينفر الناس منها. وقد توجد في الحوانيت القديمة سلع أحسن صنفاً وأكثر قيمة وأمتن مادة، ومع ذلك فهي في كساد
وكما تغيرت طريقة عرض السلع تغيرت طريقة عرض العلم، وأحدث العلماء طرائق تبعث الرغبة الملحة في العلم، وتنفي عنه الملل والسأم
حدثت هذه الطرق في إلقاء الدروس والمحاضرات، وحدثت في تأليف الكتب أيضاً. وهذا المثل ينطبق علينا. ففي جميع الكتب التي تدرس في الأزهر، وفي جميع العلوم التي تدرس في الأزهر، أعلاق نفسية لا تحتاج إلا إلى تغيير طريقة العرض في الدرس والتأليف، وفي الفقه الإسلامي نظريات تعد الآن أحدث النظريات عند رجال القانون، وفي الفقه الإسلامي آراء يمكن أن يسير عليها الناس الآن من غير حرج، وهي تحقق العدالة في أكمل صورها. ولكن هذه النظريات البالغة منتهى الجمال والحكمة يحجبها عن الناس أسلوب التأليف القديم
على الأزهر أن يسهل فهم علومه على الناس، وان ييسر لهم هذه المعارف وأن يعرضها عرضاً حديثاً جذاباً مشوقاً
ومسألة أخرى يجب أن يعنى الأزهر بها: هي تطهير الدين الإسلامي من البدع، وما أضيف إليه بسبب الجهل بأسراره ومقاصده. فهناك آراء منثورة في كتب المذاهب وفي غير كتب المذاهب يحسن سترها ظناً بكرامة الفقه والدين
ومن الواجب أن يعترف بأن المذاهب الإسلامية جملة تغني عن الاجتهاد في المسائل التي عرضت من قبل متى تخير العلماء منها وأذكر قصة طريفة تجدونها في كتاب الولاة والقضاة للكندي:
(كان في مصر قاضٍ شافعي المذهب في عصر الإمام الطحاوي. وكان يتخير لأحكامه ما
стр. 8060
يرى إنه محقق للعدل من آراء الأئمة ولا يتقيد بمذهب. وكان مرضي الأحكام لم يستطيع أحد أن يطعن عليه في دينه وخلقه. سأل ذلك القاضي إمام الطحاوي عن رأيه في واقعة من الواقعات فقال الطحاوي: أتسألني عن رأي أو عن رأي أبي حنيفة؟ قال القاضي: ولما هذا السؤال؟ قال الطحاوي: ظننتك تحسبني مقلداً. فقال القاضي: ما يقلد إلا عصبي أو غبي؟)
فتخير الأحكام نوع من الاجتهاد ولكنه الاجتهاد الذي لم يغلق الناس أبوابه
إصلاح التعليم في الأزهر واجب اجتماعي لإصلاح الأمم الإسلامية على مختلف أقطارها وأجناسها، وعلى كل مسلم أن يساهم فيه إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً
وأنا ارجوا الله سبحانه أن يوفق العلماء وطلاب العلم إلى الإخلاص في النهوض بالأزهر، فإن الإخلاص في ذلك إخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين ولدين الحق الذي وعد الله أن يظهره على الدين كله، وجعله هداية عامة لجميع البشر
ونصيحة أقدمها إلى العلماء وطلاب العلم في الأزهر راجياً تدبرها، هي احترام حرية الرأي، والتحرج من الاتهام بالزندقة والكفر ولا أطالب بشيء يدعى بدعة. ولا أحدث في الدين حدثاً لهذه النصيحة. فهي موافقة للقواعد التي وضعها سلف الأئمة رضى الله عنهم. وترونها مبسوطة واضحة في كتب الأصول وفي جميع كتب الإمام الغزالي
وحاصلها - على ما أذكر - أن المسائل الفقهية يكفر منكر الضروري منها كالصلاة والزكاة وحرمة الزنا وشرب الخمر وقتل النفس والربا
أما إنكار أن الإجماع حجة، وخبر الواحد حجة، والقياس حجة، فلا يوجب الكفر، وما عدا ذلك من المسائل الفقهية لا إثم في إنكاره مطلقاً. على شرط أن يكون الإنكار غير مصادم لنص أو إجماع على هذا أجمع الصحابة ﵃، وأجمع عليه الأئمة، ولم يعرف أن بعضهم أثم بعضا
وعلى الجملة فما دام المسلم في دائرة القرآن لا يكذب شيئاً منه، ولا يكذب ما صح عن رسوله ﷺ بطريق قاطعة فهو مسلم لا يحل لأحد أن يتهمه بالكفر
عرضت لهذه النصيحة لأنها تسهل على أهل الأزهر معاشرة الناس، والعمل بها يمكن من نشر الدعوة ومن الجدل بطرقه المقبولة. والعمل على خلافها منفر يحدث الشقاق ويورث العداوة
стр. 8061
أسأل إليه أن يهبنا رشداً، وأن يملأ قلوبنا خشية وهيبة من جلال الله، ويملأها عزاً وشفقة ورحمة لعباه
وإذا كانت مهمة الأزهر حمل رسالة الإسلام للعالم فمن أول واجب على أهله أن يعدو أنفسهم لتعلم اللغات، لغات الأمم الإسلامية وغير الأمم الإسلامية، والله لم يرسل رسولاً إلا بلسان قومه ليبين لهم
فليحقق الأزهر القدوة، وليرسل إلى الناس رسلاً يفقهونهم في دينهم بلسانهم: وسأعنى بهذه المسألة كما أعنى بتثقيف إخواننا الذي أسماهم القانون (أغراباً) فإن لهم من الحقوق والحرية في هذا الوطن ما لكل فرد من أهل البلاد، وأرجو أن يفكروا طويلاً فيما يفرضه عليهم دينهم من الهداية والإرشاد وإسعاد المجتمع
стр. 8062
في طريق المدينة
للأستاذ علي الطنطاوي
لفح وجهه نسيم الفجر البارد، فهم بأن يقوم إلى النافذة فيغلقها ويعود إلى سريره، ثم تخاذل واسترخى، ولبث مستلقياً، فسمع أصواتاً غريبة، خيل إليه أنها أصوات الوحوش، أو أحاديث الجن، فجمد من الخوف، وحدق فيما حوله، فرأى كأنما هو نائم في أرض الشارع، وعلى جانبيه أبنية فخمة عالية، مربعة ومستديرة، والوحوش تطل عليه من أعاليها، تصرخ صراخاً مرعباً، فاستعاذ بالله من هذا الحلم - وتقلب في فراشه، وألقى بيده على طرف السرير، فأحس كأن قد وخزته إبرة، أو كأن حية لدغته، فقفز مذعوراً. وإذا هي بالحقيقة لا الحلم، وإذا حيال يده نبت من نبت الصحراء، قصير شائك يقال له القتاد. . . كانت تضرب به الأمثال، وإذا هو في البادية، في (خور حمار) وإذا هي الرحلة تمتد به ثلاثة عشر يوماً، وهو لا يزال دون (العلا)، ولا يزال بينه وبين المدينة جبال وصحاري تسير فيها السيارة أياماً
فجلس يذكر ما رأى في هذه الرحلة من ألوان العذاب، وأشكال الخوف، وما مر به من مشاق وصعاب أبصر فيها الموت عياناً، ويئس فيها من النجاة. . . . وذكر أنهم طالما تمنوا الموت لما وجدوا من العذاب، وأنهم طالما سلكوا من شعاب تقوم فيها السيارة وتقعد، ولا تنجو من شدة إلا إلى أشد منها، وطالما ساروا في رمال كانت تغوص فيها السيارة إلى المرقاة فيدفعونها دفعاً، ويمدون لها الخشب على الأرض مداً، وطالما صعدوا جبالاً يعجز صعودها الماشي على رجليه، فكانوا يجرون السيارة بالحبال، وطالما هبطوا أودية لا يهبطها ممثلو الروايات الأمريكية. . . وأنهم ساروا ألفاً وثلثمائة كيل في أرض لم تطأها قط سيارة. . .
وأنهم سلكوا بين تبوك والعلا مسلكا في جبال الطلع، ساروا فيه بالسيارة من ضحوة اليوم إلى عصر الغد، فلم يقطعوا من الطريق خمسة عشر كيلاً. . . وكانوا يدورون فيه كما دار بنو إسرائيل في التيه. يمشون ما يمشون ثم يعودون من حيث جاءوا، وجبال المطلع جبال عظيمة غريبة الشكل، ليست سلاسل، ولكنها آكام عالية، وجبال منفردة، عالية الذرى محددة القمم، تشبه ذراها رءوس المآذن وهام البروج، لها منظر جميل فتان، فيه هيبة،
стр. 8063
وعليه جلال، وهي منثورة نثراً، تفصل ما بينها مضايق وطرق صخرية ملتوية متشابهة، حار فيها الدليل؛ وكان معهم دليل حاذق شيطان من شياطين العرب، يقال له محمد الأعرج من مشايخ بني عطية، وهو أعرج طويل له عينا ذئب، حاد الذكاء، ضيق الصدر، مخيف كانوا يتهيبون سؤاله، فداروا في هذه المسالك حتى نفد منهم الصبر، وأدركهم اليأس، فصعد الدليل قنة أكمة، فنظر يميناً، ونظر شمالاً، ثم صاح: لا إله إلا الله، وتلك عادتهم: إذا أبصروا وادياً، أو رأوا سهلاً، أو طلع عليهم جبل، تشهدوا. . . ثم نزل يظلع وقادهم في طريق ملتوية حتى جاوز بهم المطلع، وأشرف بهم على السهل الفسيح. وكان عليهم أن يهبطوا السهل ليخترقوا جبل الأقرع وهو قبالتهم، فنظروا فلم يجدوا مهبطا، وكانوا على رأس جدار قائم من الصخر، ارتفاعه أكثر من أربعين متراً، والنزول منه خطر محقق، ولكن الرجوع موت أكيد، وإذا هم رجعوا وضلوا أياماً نفذ فيها ما معهم من ماء، فهلكوا لا محالة عطشاً، فاستخاروا الله ونزلوا نزولاً ما نظن سيارة نزلته مذ خلق الله السيارات: تتدحرج من تحتهم الحجارة إلى قرارة المنحدر، فيكون لها قرقعة مخيفة، والسيارة كأنما هي من الانحدار قائمة على مقدمها، والركاب شاخصة أبصارهم، ينظرون عن أيمانهم وعن شمائلهم، لا يدرون من أين يأتيهم الموت وقد تابوا واستنفروا، واستودعوا اللهأولاً دهم وأموالهم.
ومرت عليهم ربع ساعة أهون منها رباط سنة في جبهة الحرب، ثم وفق الله فبلغوا السهل، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله. . . ويهبون كمن حلم مروع!
وكانت الشمس قد غابت، والليل قد ارتفع، فنزلوا للمبيت يستعدون لوادي الأقرع، وكانوا على رغم ما لقوا يسمعون من الدليل أنه هين بجنب خور حمار، وان العناء والبلاء إنما هما في خور حمار، فكانوا يرون خور الحمار هذا في أحلامهم، ويبصرونه فاتحاً فاه لابتلاعهم، ويرون حيال رأسه حجراً مكتوباً فيه: هنا مات الوفد الأول الذي ذهب لفتح طريق السيارات. . .
وتلقوا من الغد وادي الأقرع، فلما ولجوه ذكروا بالخير جبال المطلع، ووجدوها حيال نار الأقرع جنة النعيم، والوادي عريض فسيح ولكنه وعر، كله صخور عظيمة، ورمال خطرة، إذا نجت السيارة من رملة صدمتها صخرة، وان خلصت من الصخر غاصت في الرمل،
стр. 8064
فداروا فيه كما يدور الحمار في الساقية، وكان سيرهم سير السواقي، سفراً لا ينقطع. . . . ثم فتق لهم التفكير وجه الحيلة، فأجمعوا الرأي على أن يركبوا السكة بالسيارات وعجبوا من أنفسهم كيف حملوا هذا العناء كله، ولم يهتدوا إلى هذا الرأي. . . وكانت السكة عالية تمشي فوق الوعرة كأنها الصراط ممدوداً فوق جهنم، فامضوا ساعتين في ارتقائها، ثم لما ركبوها تعذر المسير عليها، فعجبوا من أنفسهم كيف ارتكبوا هذه الحماقة، ولم يعلموا أن السيارة لا تمشي على سكة القطار، وأنفقوا ساعتين أخريين في النزول عنها، حتى إذا نزلت جلسوا على الأرض. قد طحن الجهد أجسامهم، وملأ اليأس نفوسهم، وانقطع أملهم من كل شيء إلا من الله، وضل من يدعون إلا إياه، فاقبلوا على الله بالدعاء والاستغفار، وذاقوا من حلاوة الإيمان وبرد اليقين، ما اطمأنت به نفوسهم، وارتاحت له ضمائرهم؛ ثم لم يلبثوا أن استجاب الله دعاءهم، وجاءهم منه الفرج، وسمعوا هتاف الجند الذين بعث بهم أمير العلا بأمر جلالة الملك عبد العزيز لمعونتهم وخدمتهم. . .
جلس يفكر في هذا كله، فيراه هيناً إذا قيس بخور حمار وذكر كيف أمضوا نهاراً بطوله، يستعدون لدخول الخور، فلما أقبلوا عليه رأوا مدخله كالشارع العظيم، على جانبيه صخور كبيرة مكعبة مستوية قائمة كالبنيان، كأنما قد بنتها يد بناء حاذق، بميزان الزئبق والشاقول، وفي وسطها جدار من الصخر عرضه ستة أمتار، يشبه غي شكله سفينة عظيمة لم تنزل بعد إلى البحر، لها مقدمها وجوانبها، وقد قدر أصحابنا علو هذه الصخور من مائة إلى مائة وخمسين متراً، فامتلأت نفوسهم رهبة وخشوعاً، وأحسب أن لو رأى هذا الممر سياح الأمريكان لحملوا في سبيل رؤيته عناء السفر في البادية مهما طال وشق. . .
وأرض هذا المضيق رملية حمراء يغوص فيها الماشي إلى الركبة، لها شكل متموج جميل يشبه شكل البحر، يلذ المرء أن يلقي بنفسه عليها، فيشعر كأنما يلقي بنفسه على فراش ناعم حلو. أو ينام على سطح الماء. . .
وذكر كيف انقضى النهار وانقضى الغد ولم يجاوزا نصف المضيق، ورفع رأسه وكان الفجر قد انبلج، وبدت طلائع النهار، فرأى هذه الصخور الشاهقة المستوية، وهذه الشقوق التي تحدث فيما بينها مثل الأزقة، يملأ مرآها النفس خشوعاً
وذكر كيف بذلوا جهدهم، واستعانوا بعشرين من الجنود الأقوياء ثم لم يقطعوا في يومين
стр. 8065
أكثر من كيلين في هذا المضيق، وخالط نفسه الضيق والملل من طول هذه الرحلة وعنائها وما قاسى فيها من التعب والجوع والعطش والنعاس، وما عانى من سوء الصحبة، وقبح الأخلاق، وخلف أن تعطل السيارة، أو يضلوا الطريق، أو تمسكهم وعرة، فينفد الماء ويموتوا عطشاً. . ولم يخف لصاً ولا سارقاً، فقد جعل ابن السعود خور حمار وهو أفظع مكان في البادية، آمن من ميدان النجم في باريز!
وفكر أيبلغ المدينة أم يهلك من دونها، وهاجمه تصور المدينة، وأحيا في نفسه الأمل مرأى القبة الخضراء وهي طالعة عليه من وراء الأفق البعيد، وطار بها إلى الملأ الأعلى تخيله الوقوف بين يدي رسول الله ﷺ ، وصلاته في الروضة، وقيامه من بعد أمام الكعبة، وشربه من ماء زمزم، وسعيه بين الصفا والمروة، وشهوده هذه الأماكن التي ولد فيها الإسلام وعاش فيها محمد ﷺ ، وكانت مهبط الوحي، ومطلع شمس النبوة، ومعقد الآمال من نفس كل مسلم.
واستغرق في تفكيره فلم ينبه إلا صوت مؤذن القوم يرن في هذا الوادي الساكن: الله أكبر، لا إله إلا الله فتردد نداءه هذه الصخور الشم. وتمد الإبل أعناقها مصيخة هادئة، ويهب البدو من منامهم ليقيموا الصلاة، وأصحابنا السواقون ومعلموهم يغطون غطيط البكر. . .
ثم قاموا إلى الصلاة، فأمحى الخوف من نفسه، وصغرت عليه البادية، وهانت عليه مشاقها، وتضاءلت هذه الجبال القائمة حتى كأنما لصقت بالأرض، وكأنما طويت له الغبراء فلم يعد ملقى في البادية على بعد ألف وثلثمائة كيل من منزله في دمشق كحبة من الرمل، أو هو أهون على الحياة منها، لأنها وان طار بها ريح، أو حملها سيل، باقية كما كانت، لا تموت ولا تندثر، وهو يموت من أجل رغيف من الخبز وكأس من الماء، بل أحس كأنما هو في منزله، ولم لا؟ وما يناله في البادية إلا ما قد كتب عليه، ولا ينال في منزله إلا ما كتب له، وإذا كان يأمن على نفسه اللصوص والأعراب وينام في عرض الصحراء، كما ينام في أرض غرفته، لا يمنعه باب، ولا يحميه حارس، ولا يخالط نفسه خوف ولا جزع، لأنه في حمى ابن السعود وأرضه، أفلا يأمن من كان في حمى الله رب ابن سعود وأرضه؟
وكان القوم قد هبوا فأقبلوا يضمون الشاي والقهوة، وجلست حيال صخرة أكتب هذه الكلمة (للرسالة)، لأبعث بها مع جندي من البدو إلى بريد العلا. . . . . ولست أدري أتخرج من
стр. 8066
هذه البادية فنقرؤها، أم تبتلعنا هذه الصحراء التي ابتلعت دولاً وأمماً وجيوشاً
وسيقرأ هذا الفصل قراء (الرسالة) وهم في دورهم ومساكنهم، لا يدرون ما الصحراء، ولا يعرفون منها إلا ذكرها في الكتب ووصفها في الأشعار، فيحسبونها تسلية أو خيالاً، وما هي بالتسلية ولا بالخيال، ولكنه مقام بين الموت والحياة. . . اللهم سلم!
علي الطنطاوي
стр. 8067
هل تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني؟ أو الحقيقة
هي العكس؟
بقلم صالح بن علي الحامد العلوي
اطلعت في العدد الحادي والتسعين من (الرسالة) الغراء على مقالين أحدهما للأستاذ أمين الخولي، والآخر للأستاذ علي الطنطاوي؛ وكلا المقالين دائر على مقال آخر قد نشرته الرسالة عن الإمام الأوزاعي للأديب الفاضل عبد القادر الجاعوني
ولم يستثر كتابتي من هذا ولا ذاك شيء إلا نقطة واحدة طرقها الثلاثة وكانوا فيها جد مختلفين، وكادت بل شاءت الرسالة أن تساهم في المعمعة ولكن بإيجاز وإيماء. والنقطة المختلف فيها هي ما جعلته عنواناً لأسطري هذه وهي: هل تأثر الفقه الإسلامي بالقوانين الرومانية أم الحقيقة هي العكس؛ إذ تعرض الكاتب الجاعوني فيما كتبه عن الأوزاعي لقولة كولد زهير يتأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني وقال: (إن كان هذا صحيحاً فأحر بالأوزاعي أن يكون آخر المتأثرين به لأنه من أبعد الفقهاء عن الرأي ومن أقربهم إلى اتباع الكتاب والسنة، والكتاب والسنة ابعد الأشياء عن التأثر بالفقه الروماني) فكان الأستاذ الخولي فيما كتبه مؤيداً لرأي تأثر الفقه الإسلامي بغيره، وكان الأستاذ علي الطنطاوي في مقاله منكراً كل الإنكار أن يكون الفقه الإسلامي مأخوذا من الفقه الروماني، وتشاء الرسالة أن تعلق عليه بان هناك فرقاً شديداً بين التأثر والأخذ
وعلى تسليم صحة الفرق بين التأثر والأخذ فمحصل كلام الأستاذ الطنطاوي إنكارهما معاً والجزم بان ذلك في زمن العلم خرافة من الخرافات
هذه هي وجهات نظر هؤلاء الكتاب. ومهما قلنا بالفرق بين الأخذ والتأثر فكلا المعنيين بجريان إلى مدى واحد، وهو أن يكون في أصل الفقه الإسلامي ومزاجه شيء من الفقه الروماني. غير أنه على الأول بوجه مباشر، وعلى الثاني بواسطة الثقافة كما يقول الأستاذ الخولي
وموضوع مناقشتي الآن هو ما ارتآه الأستاذ أمين الخولي - من تأييد دعوى كولدزهير بأن الفقه الإسلامي متأثر بالفقه الروماني. وقد كنت في غنية عن كتابة هذه الأسطر لو كان الأستاذ علي الطنطاوي - الذي أؤيده الآن - أسهب في الموضوع ووفاه حقه من البسط
стр. 8068
والتدليل، لكنه على قوة حجته نحا في الموضوع منحي الإيجاز والاختصار، وذاك ما حملني على أن أعود - على بعد الدار - للفت أنظار قراء الرسالة للموضوع مرة اخرى، وبما أن مثار مناقشتي إنما هو ما كتبه الأستاذ الخولي أذكرأولاًما قاله في هذا الصدد قال: (. . ومع عدم تعصبي للقول بهذا التأثر ومع القصد في بيانه فإني أرى هذا الاستدلال على عدم تأثر الأوزاعي غير مقبول من الوجهة الاجتماعية والنفسية، فإن متبع الكتاب والسنة لابد له من أن يفهمهما أو يتبين مراميهما وأغراضهما وعللهما وحكمهما، ولكل شخص في هذا الفهم والتبين عقله الخاص وشخصيته الخاصة ومنهجه الخاص، وذلك كله من أشد ما يكون تأثراً بالثقافة والبيئة، فلا غرابة في أن يتأثر منهم الفاهم للكتاب والسنة المتبع لهما تأثراً جلياً بعوامل تثقيفه وظروف حياته كما تأثر بذلك تفسير القرآن في كل الأزمنة، بل كما تأثر بذلك فهم العقائد وأصول الدين ذاتها تأثراً لا يسعنا إنكاره، ولا قيمة لحرصنا على هذا الإنكار لأننا بذلك نقاوم سنن الله في خلقه)
وقبل كل شيء نقول إن الإسلام في ذاته جاء خارقاً لقاعدة البيئة والثقافة، إذ قام النبي محمد ﷺ ، وهو النبي الأمي الذي نشأ من ابعد الناس عن يطلع على قانون روماني أو حكمة منقولة، وأتى بهذا الدين الأقدس مناقضاً كل التناقضات لما عليه قومه، مبايناً لهم في عاداتهم وعقائدهم إذ وجد في وسط بعيد عن العلم، ودرج في بيئة كلها شرك، وجو كله خرافات وأوهام، وبينما هو في هذا المحيط المشبع بالشرك والجاهلية إذا هو ينهض بدين كله حكمة، ونور يسفه الشرك وينبذ الخرافات، ويدعو إلى شريعة سمحة بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
ورداً على زعم التأثر نقول: إن الشريعة الإسلامية وجدت كاملة دفعة، أو بعبارة أصح جاءت في زمن واحد، واستقيت من ينبوع واحد، هو النبي محمد ﷺ ، وقد حكم بها رسول الله ﵌ على جميع الجزيرة العربية إلى العراق وأطراف الشام، ولم يلحق الشارع الأعظم ﵌ بالرفيق الأعلى إلا وقد تركنا على المحجة البيضاء، وهيأ لنا شريعة كاملة وقانوناً ربانياً منظما يصلح لأن يطبق على أي جيل، وعلي أية أمة، ولم يزد فيه الفقهاء بعده شيئاً قط إلا تصنيفه ونقله، غير أنهم فيما لم يجدوا فيه نصاً صريحاً يطبقونه على قواعده الأساسية. والنصوص الفقهية كلها
стр. 8069
صريحة بينة الأغراض واضحة المرامي، أما الأغلب منها فمن الحديث والسنة، وبعضها عن الكتاب مفسراً بالسنة، فكيف يكون لكل شخص فيها فهمه الخاص وشخصيته الخاصة ومنهجه أو عقله الخاص، متأثراً بالثقافة والبيئة كما يقول الأستاذ الخولي؟ إن الكلام الصريح لا يحمل معنى غير ما يتبادر لذهن سامعه، فإذا قلت مثلاً: لا تكذب فليس معناه إلا لا تخبر بغير الواقع، سواء كان ذلك في القرن الأول للهجرة أو في يومنا هذا في القرن الرابع عشر، وسواء أكان السامع متأثرا بثقافة عربية أو رومانية أو صينية فلن يستطيع بعامل ثقافته وظرف حياته أن يزيد في معناها شيئاً، وأرى أننا لو نقلنا خطبة رسول الله صلى الله ﵌ في حجة الوداع مثلاً ونشرناها اليوم لما فهم منها من يعرف مدلولات الكلام العربي من مثقفي اليوم إلا ما فهمه عشرات الألوف من المسلمين حينما خطبهم رسول الله صلى عليه وآله وسلم في ذلك الموقف الرهيب قبل ثلاثة عشر قرناً ونصف
ولا يجوز أن يقاس الفقه بالتفسير، إذ لا يقاس بكتاب الله شيء لبلاغته وأسلوبه العجز، مع عمق معانيه وبعد أغراضه التي لا يستطيع حصرها واكتناهها فهم أو فكر، وهذه فيه من أعظم الدلالات على إعجازه، فهو لا يزال على الأحقاب والأجيال ينفحنا بمعانيه ومراميه بما يشرح الصدور ويقوي الإيمان
على أن الاختلاف في تفسيره وهو ما يراه الكاتب من تأثير البيئات - ليس إلا لا يجازه المعجز مع بعد مراميه الغيبية مما تاه لبعضه المفسرون الأولون، فجاء الزمن يفسره، فكان هذا من دلائل نبوته ﷺ
ثم إن الفقه الروماني الحديث على الرغم أنه اختفى ثم اكتشف لم يظهر ولم يعمل به إلا في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر بعد الميلاد. أما قبل الحادي عشر فإنه لم يكن معروفاً حتى عند الرومان أنفسهم
ولاشك أن الفقه الإسلامي قد قرر وصنف قبل ظهوره بقرون، فكيف يكون متأثراً بشيء لما يوجد بعد؟ وما قيمة زعم تأثر الفقهاء بالقوانين الرومانية إذا كان مصنفو الفقهاء وأئمتهم، ومنهم مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي الخ درسوا وألفوا وصنفوا قبل أن توجد أو تعرف القوانين الرومانية للرومان أنفسهم؟ أليست هذه مهزلة
стр. 8070
مضحكة؟
وفحوى هذا كله أنه محال أن يكون الفقه الإسلامي متأثراً بالفقه الروماني فضلاً عن أن يكون مأخوذاً منه، وسنبين بالبراهين القاطعة أن القوانين الرومانية هي المتأثرة به
الفقه الروماني هو المأخوذ من الفقه الإسلامي
وإذا سقط احتمال تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني، فإذا كان هناك تشابه بينهما فالمرجح بل المحقق أن الفقه الروماني هو الذي أخذ مباشرة عن الفقه الإسلامي. وقد كتب أحد علماء العلويين الحضارمة مقالاً في هذا الموضوع وفاه حقه بعنوان: من أين أخذ الإفرنج قوانينهم، نشرته مجلة النهضة الحضرمية قال فيه ما ملخصه:
إن دعوى اختفاء الفقه الروماني ثم ظهوره بعد ستة قرون أكذوبة لا مرية فيها، وقد كان الفقه الروماني معروفاً، وهو أشبه شيء بالفصول المضحكة. أنظر تاريخ الدولة الرومانية للعالم جيبون الجزء ٤ صفحة ٥٢٧، وذكر أمثلة من معاملاتهم ثم قال: يمثل هذه المحاكات القاسية كانت تجري الأحكام لغاية القرن الحادي عشر، ولم تتبدل إلا في الثاني عشر أو الثالث عشر. وقد قال ابن تيمية في القول الصحيح: (إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون لهم من يقضي بينهم بشرع المسلمين إذ لم يكن لهم شرع عام يحكم به بين الناس، وليس في الإنجيل حكم عام، بل عامته الأمر بالزهد)
فكيف يصح أن ينسب هذا الفقه المشابه للفقه الإسلامي الحكيم بزعمهم إلى أمة معروفة، ولها فقه شائع معروف، وكله قسوة وهمجية؟ وكيف يسوغ عقلاً لأمة عظيمة أن يضيع عليها فقهها جملة، ويبقى غائباً عنها طيلة قرون عديدة ثم يعود إلى الظهور؟ هل يصح هذا إلا إذا صح أن تضيع عن أمة عاداتها وأخلاقها ودينها جملة؟
ثم إن حكاية اختفائها وبروزها في القرن الحادي عشر لم يقل بها غير هولود نيكوس سنة ١٥٠١م. ثم راجت، انظر جيبون ٤ صفحة ٥٥٥، وقد اعتبرها بعض العلماء إذ ذاك غير حقيقة، فقد قال القانوني الشهير سافينيه: إن القوانين الرومانية لم تختف لأنها ظلت معمولاً بها إلى البوم من غير انقطاع اه. ويعني بها القوانين القديمة المتقدم ذكرها. وبهذا وذاك تدحض دعوى اختفاء الفقه الروماني ثم ظهوره. ويتضح أن القوانين الحديثة ليست إلا حديثة الوضع، وضعها بعض علمائهم مقتبسة من الفقه الإسلامي وتبريرا لها عند العامة
стр. 8071
انتحلوا اختفاءها وظهورها كسراً لتعصبهم
أما أدلة أخذ القوانين الرومانية من الفقه الإسلامي فهي:
(أولاً) ما قدمنا من إقرار الإفرنج بفضل الفقه الإسلامي وإعجابهم بأحكامه، ونصلهم في بعض بلادهم قضاة يقضون به كما نقل ذلك العلامة ابن تيمية
(ثانياً) إن الفقه الإسلامي، كما قدمنا، قد ألف وصنف قبل أن تبرز القوانين الرومانية الحديثة من اختفائها المزعوم، فلم يبق يد من أحد أمرين: إما أن يكون الفقه الإسلامي قد تأثر بها قبل وجودها وظهورها، وهذا محال، أو تكون هي المأخوذة عن الفقه الإسلامي، وهذا هو المعقول والمنقول
(ثالثاً) ما نقله العلامة العلوي الذي اعتمدنا على ما كتبه في مقالنا هذا قال: نقل العلامة المحقق الأستاذ الجرفادقاتي الإيراني في مقالة له في هذا الموضوع من مجموعة للعالم الباحث مفضل بن رضى الفراوي الاسفارنكي (وفراوة كورة من خراسان بين شهرستان ومرو) فيها رسالة في شرائط كمال الفقه للفتوى قال: كتب أبو العباس الكركري من تلامذة بهمنيار، وهو تلميذ الشيخ الرئيس ابن سينا، في رسالته إلى مفتي مرو أحمد بن عبد الله السرخس في معنى كمال الفقه: إن أبا الوليد محمد بن عبد الله بن خيرة نقل في تعليقاته على النهاية: إن طلبة العلم من الإفرنج الذين كانوا يسافرون إلى غرناطة لطلب العلم، اهتموا كثيراً في نقل الفقه الإسلامي إلى لغتهم لعلهم يستعملونه في بلادهم لرداءة الأحكام فيها خصوصاً في المائة الرابعة والخامسة من الهجرة، فقد برعوا في اللغة العربية، ومنهم غربرت والبرت، فإنهما طلبا مساعدة العلماء لإبراز مقصودهما، وقد ساعدوهما حتى دونوا الفقه كاملاً وحوروه إلى ما يوافق بلادهما اه، وقال موسهيم الجرماني إن غربرت المذكور كان مديناً في معرفته لعرب أسبانيا ثم قال: (إن العرب ولا سيما عرب أسبانيا هم أصل وينبوع كل معرفة. . من القرن العاشر فصاعداً) كما نقله الأستاذ العلوي المذكور آنفاً هذه البراهين كلها تؤيد ما قاله الأستاذ علي الطنطاوي من أن الفقه الروماني جديد لفقه جماعة من العلماء وتحقق أنهم أخذوه من الفقه الإسلامي، وهذا ما يجب ألا يعتقد خلافه كل مسلم
ولست أرى دعوى تأثر الفقه الإسلامي بالفقه الروماني إلا مكيدة دبرها من يريد الطعن في الإسلام بطريق غير مباشر مثل كولدزهير وأمثاله، وتلقنها عنهم منا معشر المسلمين من لم
стр. 8072
يدرك مراميهم السيئة وأغراضهم العدائية، وجعل يقررها كأنها قضية مسلمة لا تصادم عقلاً ولا ديناً؛ وعجيب جداً أن تجد هذه الفكرة لها قبولاً في مصر. وأن تطبع وزارة الأوقاف كتاباً في الفقه على المذاهب الأربعة يأتي في مقدمته تقرير هذه الفرية التي انتحلها كولد زهير وتأييدها؛ وعجيب أن يأتي الأستاذ الخولي مستسيغاً لها بل مبرهناً ومؤيداً مطبقاً ذلك على قاعدة تأثير الثقافة والبيئة
وبعد، فلم يبق مساغ لدعوى التأثر في الفقه الإسلامي، ولا مجال للريب في بطلانها، وأنها ليست إلا خرافة وفرية تلقنها بعض المسلمين، وليست إلا أغنية من تلحين مستشرقي المبشرين.
سنغافورة
صالح بن علي الحامد العلوي
стр. 8073
٢٢ - محاورات أفلاطون
الحوار الثالث
فيدون أو خلود الروح
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
قال سقراط: كفى يا سيبيس حديثاً عن هارمونيا؛ آلهتكم الطيبة، فما أحسبها قد أغلظت معنا الصنيع، ولكن ماذا أقول لكادموس الطيب، وكيف أسترضيه؟
قال سيبيس: أظنك واجداً سبيلا إلى استرضائه، فلست أرتاب في أنك رددت حديث الانسجام بطريقة لم أكن أتوقعها قط. فقد أيقنت حينما تقدم سمياس باعتراضه أن ليس إلى أجابته من سبيل، فأدهشني لذلك أن أرى قوله يخور فلا يثبت أمام هجمتك الأولى، وليس بعيداً أن يلاقي الآخر، الذي تدعوه كالدوس مصيراً كهذا المصير
فقال سقراط: لا يا صديقي العزيز، فما ينبغي أن نزهي خشاة أن تنطلق من عين خبيثة هذه الكلمة التي أوشك أن أنطق بها، فلنا أن ندع الأمر بين أيدي من هم في عليين، حتى أدنو، على طريقة هومر، فاختبر ما يتوقد في عبارتك من حماسة، وخلاصة اعتراضك باختصار هي ما يأتي: انك تريد أن يقام لك الدليل على أن الروح باقية خالدة، وتظن أن الفيلسوف الذي يطمئن إلى الموت إنما يركن إلى طمأنينة فارغة حمقاء، إذا هو ظن أنه سيكون في العالم السفلي أوفر جزاء ممن سلك في حياته سبيلا أخرى، ما لم يستطيع أن يدلل على ذلك، وأنت تزعم أن إثبات ما للروح من قوة وألوهية، واثبات وجودها السابق لوجودنا في هيئة البشر، لا يقتضي بالضرورة خلودها. فإذا سلمنا بأن الروح قد عمرت طويلاً، وأنها في حالتها الأولى علمت وعملت شيئاً كثيراً، فليس هذا الاعتبار دليلاً على خلودها، وقد يكون حلولها في الصورة البشرية ضرباً من الموت الذي هو ابتداء الانحلال، وقد تنتهي آخر الأمر إلى ما يسمى بالموت، بعد أن تفرغ من عناء الحياة. وسواء أكانت الروح تحل في الجسد مرة واحدة فقط أم مرات عدة، فذلك، كما قد تقول، يخفف من مخاوف الأفراد شيئاً، فليس يخلو إنسان من الشعور الطبيعي، فإن لم يكن لديه عن خلود الروح علم وبرهان حق له أن يخاف. ذلك ما أحسبك قائلة يا سيبيس، وهو ما أعيده عامداً،
стр. 8074
حتى لا يفلت منا شيء منه، ولكي نستطيع إن شئت أن تضيف إليه أو تحذف منه شيئاً
فقال سيبيس: ولكن، فيما أرى الآن، لا أجد ما أضيفه أو ما أحذفه. إنك عبرت عما أريد
فسكت سقراط هنيهة، وبدا عليه كأنما غاص في تأمله، وأخيراً قال: إن هذا المبحث الذي أثرته يا سيبيس لذو خطر عظيم، فهو يتضمن موضوع النسل والفساد برمته، وذلك ما أود، إن شئتم بعين على حل إشكالكم
فقال سيبيس: لشد ما أرغب في أن أنصت لما تقول
قال سقراط: إذن فهاك حديثي يا سيبيس: لقد كنت في صباي شديد الرغبة في معرفة ما يسمى بالعلم الطبيعي من أبواب الفلسفة، فقد ظننت أن له أغراضا سامية، إذ هو العلم الذي يبحث في علل الأشياء، فينئنا لماذا وجد الشيء، وفيم خلقه وفناؤه، وكنت لا أنى أقلق نفسي بالنظر في مسائل كهذه: هل يرجع الناس؟ أيكون العنصر الذي نفكر به هو الدم أم الهواء أم النار؟ أم قد لا يكون شيئاً من هذا القبيل؟ - فربما كان المخ هو القوة التي تبتدع أحاسيس السمع والبصر والشم، وقد تنشأ عن هذه الأحاسيس الذاكرة والرأي، وعلى الذاكرة والرأي قد يبني العلم، ولكن إذا وقفت فيهما الحركة وأدركهما السكون؛ وبعدئذ مضيت أختبر انحلال الأحاسيس، وأتناول بالبحث أشياء الأرض والسماء، واستخدمت أخيراً أنني عاجز كل العجز عن هذه المباحث، وعلى ذلك سأقيم لك الدليل قاطعاً.
فقد فتنت بها إلى درجة عميت معها عيناي أن ترى الأشياء التي كنت أحسبني، ويحسبني الناس، عالماً بها علم اليقين؛ وقد أنسيت ما كنت ظننته من قبل بديهياً لا يحتاج إلى دليل، وهو أن نمو الإنسان نتيجة الأكل والشرب، لأنه بهضم الطعام يجتمع لحم إلى وعظم إلى عظم، وحيثما تجمعت عناصر متجانسة كبر الجرم الضئيل، وعظم الإنسان الصغير. ألم يكن ذلك رأياً معقولاً؟
قال سيبيس: نعم أظن ذلك
حسناً، دعني أنبئك شيئاً آخر، فقد مر بي زمن كنت فيه أحسب أني أفهم معنى الأكبر والأصغر فهما جيداً، فإذا أبصرت رجلاً ضخماً واقفاً إلى جانب رجل ضئيل، توهمت أن أحدهما أطول من الآخر قيد رأس، أو أن حصاناً كان يلوح لي أنه أكبر من حصان أخر، بل أوضح من ذلك أنني كنت فيما يظهر أحسب العشرة تزيد على الثمانية باثنين، وان
стр. 8075
ذراعين أكبر من ذراع واحدة، لأن الاثنين ضعف الواحد
قال سيبيس: وماذا أنت اليوم قائل في مثل هذه الأمور؟ - فأجاب: كان ينبغي أن أنأى بنفسي بعيداً عن توهم أنني اعلم إليه سبباً؛ حقاً كان ذلك ينبغي، فلست أستطيع أن أقنع نفسي بأننا لو أضفنا واحداً إلى واحد صار الواحد الذي جاءته الإضافة اثنين، أو أن الوحدتين مضافتين معاَ تساويان بسبب الإضافة أثنين، فلست بمسيغ كيف أنه إذا انفصلت إحداهما عن الأخرى كانت واحداَ لا أثنين، ثم إذا تلاقيا، فقد يكون مجرد التقارب بينهما سبباً في أن تصبحا اثنتين: هذا ولست أفهم كيف تكون قسمة الواحد سبيلاً للحصول على اثنين، لأنه عندئذ تكون النتيجة الواحدة ناتجة من سببين متباينين - ففي المثال الأول نشأ اثنان من جمع واحد إلى واحد وتقاربهما، وفي الثاني كان السبب هو انفصال واحد من واحد وطرحه منه ولست مقتنعاً بعد ذلك بأنني أفهم لماذا يتولد الواحد، أو أي شيء آخر، ولماذا نزول، بل ولماذا يكون إطلاقاً. إنني لن أسلم بهذا قط وإني لأتمثل في ذهني فكرة مهوشة عن طريقة أخرى
ثم استمعت إلى رجل كان عنده كتاب أناكسجوراس، كما قال، وطالع فيه أن العقل هو المصرف والعلة لكل شيء، ولشد ما اغتبطت لذكر هذا الذي كان باعثاً على الإعجاب. وقلت لنفسي: إذا كان العقل هو المسير فإنه سيسير بكل شيء إلى الصورة المثلى، ويضع كل شيء أحسن موضع، وزعمت أن من يرغب من الناس في استكشاف علة تولد أي شيء أو زواله أو وجوده، فعليه أن يرى كيف تكون الصورة المثلى لذلك الشيء من حيث وجوده وسعيه وعمله، لذلك كان لزاماً على المرء ألا يضع نصب عينه إلا الحالة المثلى بالنسبة إلى نفسه وإلى الناس، ثم عليه بعد ذلك أن يعلم الأسوأ أيضاً، فالأمثل والأسوأ يحويهما علم واحد. وسرني ما ظننت أي واجد في اناكسجوراس من يعلمني ما وردت أن أعلم من أسباب الوجود، وخيل إلى أنه منبئي أول الأمر عن الأرض أمسطحة هي أم كروية، وأنه باسط لي بعد ذلك علة هذا وضرورته، وأنه معلمي طبيعة الأمثل ومظهري على أن الأمثل إنما هو هذا، فإن زعم أن الأرض قائمة في المركز شرح كيف أن هذا هو الوضع الأمثل، وكنت سأقتنع به ولو بين لي ذلك، وما كنت لأقتضيه غير ذلك سبباً، وحسبت أنني قد التمسه بعد ذلك فأسائله عن الشمس والقمر والنجوم، فيشرح لي سرعتها
стр. 8076
المقارنة، ونكوسها ومختلف حالاتها، وكيف أنها تتجه بميولها المتعددة، القابلة منها والفاعلة نحو الأمثل دائماً، وما كنت أتصور أنه إذا ما تحدث عن العقل باعتباره مصرفاً لها، يعلل وجودها على هيئتها الراهنة بغير علة أن هذه هي الصورة المثلى، وظننت أنه بعد أن يفرغ من الشرح المفصل لعلة كل منها وعلتها جميعاً، سيمضي يبين لي الحالة المثلى لكل منها والأسوأ، فتلوثها مسرعاً ما استطعت إلى السرعة سبيلا، وقد رجوت آمالاً لم أكن لأبيعها بكثير.
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 8077
في الأدب الفرنسي المعاصر
رومان رولان
بقلم علي كامل
تتمة
في (النهار الجديد) (١٩١٢) وهو آخر جزء من قصة (جان كرستوف) كتب رومان رولان يقول: (إن أوربا الآن توحي للناظر كأنها في ليلة حرب). كتب ذلك قبل أن تعلن الحرب بعامين. وعندما اندلعت الحرب الشرارة الأولى عام ١٩١٤ كان رومان رولان في سويسرا. فكان بعده عن وطنه مساعداً له على أن يكون حر الرأي بعيداً عن التأثر بضروب الدعاية المختلفة التي كان يصيح بها ساسة الدول المتحاربة - ومنها فرنسا - تبريراً للحرب وحثاً للناس على خوض غمار القتال (كإنقاذ المدنية) أو (الحرب من اجل السلام الخالد) إلى غير ذلك من الأقوال
ومنذ التاسع والعشرين من أغسطس عام ١٩١٤ شرع رومان رولان يكتب سلسلة مقالات في (جريدة جنيف) بدأها بخطاب مفتوح إلى الكاتب الألماني هويتمان مستنكراً الوحشية الألمانية التي أحرقت بلدة (لوفان) البلجيكية. وقال فيه: (كثير منكم أن يبدو ذلك العنف الذي تعاملون به هذه الأمة الكبيرة النفس - يقصد بلجيكا - التي لا ذنب لها إلا الاستماتة في الدفاع عن استقلالها وعن الحق كما فعلتم أنتم الألمان عام ١٨١٣. . .! احتفظوا بهذه القسوة لنا نحن الفرنسيين أعداءكم الحقيقيين. أما أن تتحمسوا ضد ضحاياكم، ضد ذلك الشعب البلجيكي الصغير السيئ الحظ البريء. فيا له من عار!) ثم يقول: (ولم تكتفوا بان تأخذوا البلجيك الحية، فأعلنتم الحرب على الأموات، على مجد القرون، فأمطرتم (مالين) بالقنابل وأحرقتم (روبان)، وأصبحت لوفان تلاً من الرماد، لوفان بكنوزها الفنية وعلمها، لوفان المدينة المقدسة. . . . هل تحاربون الجيوش أم الفكر الإنساني؟ اقتلوا الرجال لكن احترموا الأعمال الفنية، إنها تركة الجنس البشري الذي أنتم منه والذي نحن جميعاً الأمناء عليه. إنكم حين تحطمونه كما تفعلون الآن تثبتون أنكم غير جديرين بذلك
стр. 8078
التراث العظيم).
وفي مقالته الثالثة (فوق المعركة) - التي أطلق عنوانها على مجموعة المقالات حين جمعها فيما بعد، نسمع رومان رولان يوجه اللوم الشديد إلى قادة الرأي العام والرؤساء الدينيين والمفكرين والخطباء الاشتراكيين قائلاً: (بين أيديكم ثروات حية، كنوز من البطولة، فماذا فعلتم بها؟ لقد وجهتموها إلى الصراع والموت!) ثم تراه يظهر استنكاره المرير من أن تنتقل شهوة رجال السياسة إلى رجال الفكر فتتولد بينهم العداوة (فيصبح أوكن ضد برجسون، وهويتمان ضد مترلنك، ورولان ضد هويتمان، وولز ضد برناردشو. كما يتغنى كبلنج ودانونزيو ودو رينييه وبارس ومترلنك بأغاني الحرب والقتال. بينما يطلب الفيلسوف الشيخ قندت - الذي بلغ من العمر الثانية والثمانين - بصوته المحطم من طلبة جامعة ليبنزج الاشتراك في (الحرب المقدسة))
وفي هذا المقال أيضاً صرح رولان أن اعظم هيئتين خانتا مهمتهما وظهرتا بمظهر الضعف أثناء الحرب هما (أولاً) المسيحية: أي السلطة الدينية (وثانياً) الاشتراكية. إذ أن كلا من هاتين الهيئتين من أول مبادئهما الدعوة إلى السلام العالمي والإخاء بين الشعوب. لهذا كان تأييدهما للحرب وقبولهما دخول سعيرها إنكارا لا يليق لمبادئهما السامية. (فهؤلاء الاشتراكيون الذين لم يجدوا في نفوسهم الشجاعة على الموت في سبيل عقيدتهم قد وجدوها للموت في سبيل عقيدة الآخرين)
وعندما يتكلم عن الباعث الحقيقي على الحرب يقول: (إن العدو الألد ليس خارج حدود الوطن بل هو رابض داخل كل أمة. وليس هناك أمة واحدة تملك الشجاعة لمحاربته. إنه ذلك الشبح ذو المائة راس الذي يسمى التوسع الاستعماري. تلك الإرادة في الكبرياء والتسيطر التي تريد أن تمتص كل شيء فإما الخضوع لها وإما الهدم. تلك الإرداة التي لا تحتمل مطلقاً أي عظمة ونمو خارج دائرتها)
وبعد أسبوع من معركة المارن أعلن رومان رولان فكرته العالمية (ووجوب إقامة المدينة الواسعة الممتدة الأطراف التي تزال منها المظالم وأحقاد الأمم وتجتمع فيها النفوس المتآخية الحرة في العالم أجمع) على أنه لم يكن يطلب تحقيق ذلك عن طريق العنف فهو ألد أعدائه. بل يترك للزمن تحقيقه على مهل حين تسمو النفوس عن الصغائر وتتجرد العقول مما
стр. 8079
تتعلق به الأوهام
لقد رأينا كيف أن رومان رولان في مقالاته كان متجرداً من كل خضوع لفكرة وطنية، أو التأثر بتيار الحماسة الذي كان يجرف كل الأمم المتحاربة. ولذا لم يتردد - كما رأينا - في السخرية من كل رجال الفكر والدين، لأنهم خانوا مبادئهم النبيلة في الوقت الذي كان يمكنهم فيه تأدية أكبر جانب من مهمتهم في الحياة. كما أنه لم يتردد في إظهار ألمه من تردي العلم في حمأة الأغراض، حين يدعى الأستاذ بيريه مدير المتحف وعضو أكاديمية العلوم في باريس أن البروسيين لا ينتمون إلى ينتمون إلى الجنس الآري. كذلك كان من الأسباب التي زادت عدد مهاجميه احتفاظه بعد أن أعلنت الحرب بصداقة من كان يعرفهم من الكتاب الألمان (إذ ليس حبي لوطني - كما قال - معناه أن أكره أناساً مخلصين يحبون هم كذلك أوطانهم)
كل هذه الأسباب إلى جانب التهم التي وجهت إليه قبل الحرب عن طعنه في العبقرية الفرنسية جعلت عدداً من جرائد بلاده تنشر مقتطفات محرفة من مقالاته في لتثير عليه الرأي العام. ولقد استطاعت بلوغ ذلك إلى حد كبير. فكان جواب رومان رولان على هذا أن نشر مقالاته لتثير عليه الرأي العام. ولقد استطاعت بلوغ ذلك إلى حد كبير. فكان مستقل في سبتمبر عام ١٩١٥، حتى يطلع الشعب الفرنسي بنفسه على حقيقة ما كتب ليعرف مقدار اتهامات أعدائه من الحق أو الضلال. وقد قال في مقدمة كتابه ما يأتي: (إذا باغتت الحرب شعباً عظيماً فإنه ليس فقط أن يدافع عن حدوده، بل أمامه عقله أيضاً فإنه ليس عليه فقط أن يدافع عن حدوده، بل أمامه عقله أيضاً يجب أن يحميه من الخرافات والخروج على العدل ومن السخافات. تلك الأمور التي تطلقها من عقالها المصيبة العظمى لكل شخص مهمته، فكما أن على الجيوش أن تحافظ على أرض الوطن، كذلك على رجال الفكر الدفاع عن الفكر؛ فإذا سخروه لخدمة شهوات شعبهم، فقد يستطيعون أن يكونوا آلات نافعة، ولكنهم يخاطرون بخيانة العقل الذي ليس هو أقل جزء من تراث هذا الشعب) ثم يقول في النهاية: (لقد ظللت عاماَ بأكمله غنياَ بالأعداء، والآن أقول لهم أنهم يستطيعون أن يحقدوا علي، ولكنهم لن يستطيعوا أن يعلموني أن أكون حقوداَ. . . أن مهمتي أن أقول ما أعتقده عدلاً وإنسانياً)
стр. 8080
والواقع أن التهم التي أسندت إلى مقالات رومان رولان في (جريدة جنيف) لا أساس لها من الصدق، إذ خلقتها عداوة بعض الإفراد والجرائد من جهة، ومن جهة أخرى الرقابة على المطبوعات إبان الحرب التي كانت حين تحذف من مقالاته كثيراً من الفقرات التي ترى فيها تطرفاً لا يجوز نشره، تترك بذلك المجال لأعدائه لتأويل الجزء الضئيل الباقي تأويلاً سيئاً
وعلى كل حال فقد كان هذا الصراع الهائل بين رجل وأمة داعياً لأن تتسع شهرة رومان رولان بعد الحرب، وخصوصاً وقد حصل عام ١٩١٦ على جائزة نوبل للآداب، وكانت شهرته خارج فرنسا أوسع من داخل فرنسا نفسها؛ وقد قوبلت كتبه التي ظهرت بعد الحرب بشغف زائد وإقبال عظيم، فطبعت عشرات الطبعات ومن هذه الكتب: (١٩١٧) - الذي طبع عام ١٩١٤ ولم ينشر إلا عام ١٩١٩ - , ' ' (١٩٢٠) - (١٩٢٤) - ' (١٩٢٥) ' (١٩٢٦ - ١٩٢٧) و (١٩٢٦) (١٩٢٨) - ' (١٩٣٠).
ولا يزال رومان رولان يعيش في سويسرا متخذاً إياها وطناً ثانياً له، محافظاً كل المحافظة على تفكيره وآرائه التي أثارت عليه الحملات غير عابئ بها، مؤمناً بذلك الإحساس الذي دفعه إلى أن يقول أثناء الحرب رداً على متهميه في إحدى مقالاته ' إن (الوقت الذي يخصصه الرد على خصم ما إنما يعتبر كزقة من أولئك التساء، أولئك السجناء. من تلك الأسر التي تسعى ونحن في جنيف أن نمد لها أيدينا).
ويرى الناقد رينيه لالو أن هذه الصلابة الشديدة التي نجدها عند رومان رولان في التسمك برأيه والاحتفاظ بنقاء ضميره كرجل أخلاقي قد آذته إلى حد ما - كفنان، إذ أفقدت قصصه كثيراً من الليونة والطراءة. على أن هذا الإخلاص لعقيدته بين عواصف الافتراء الكاذب، وذلك الاحتمال الباسم للاضطهاد الذي بعثنه النفوس الصغيرة، وتلك السعادة في العذاب التي انعكست عليه من أبطاله بيتهوفن وتولستوي وغاندي، قد جعلت جميعاً منه أحد أعاظم قادة الفكر الأوربي الحديث الذين في أعناقهم - هم وسائر مفكري العالم - يقف مصير المجتمع الإنساني
علي كامل
стр. 8081
ملوك الغرب
لمناسبة احتفال الإنجليز بعيد ملكهم
للأستاذ فخري أبو السعود
تيهوا بعيد المليك المفرد العلم … وفاخروا بِعُلاهُ سائر الأمم
ومجِّدوا فيه عنواناً لمجدكمُ ورمز … مُلْكٍ وطيدٍ ثابت الدعم
مُلْكٍ حَوَى مشرقَ الدنيا ومغربَها … لم يَرْوِ عن مثلهِ التاريخُ من قِدَم
تيهوا بني الغرب بين العالمين بما … بلغتم اليوم من مجد ومن عِظم
ولْتَزْدَهُوا بملوك في عروشكُم … همْ زينة المُلْكِ والأحكام والنظم
تأوي الشرائع منهم والحقوقُ إلى … حصنٍ حصينٍ وركنٍ غير منهدم
هم أول الحارسي الدستور من عبث … والحافظين لِما أولوه من ذِمم
وهم مَناَطُ أمانيِّ البلادِ وَهُمْ … أبُوَّةُ الشعب في الأحداث والغُمم
في كل يومٍ لهم في الشعب مأثرة … تُغيث منه مكان الداء والألم
ملائكُ النور في سلم وفي دعة … وهم حُماةُ وَأوج كمال الخُلق والشيم
وسادة الناس في علم وفي أدب … هُمُ وُأَوْجُ كمال الخُلق والشيم
نالوا من العز شَأواً لم يُنَلْ ولهم … محبةٌ في قلوب الشعب لم تُرَم
محبةُ الشعب ترعاهم وتحرسهم … لا الشاهقاتُ من الأسوار والأُطم
محبةٌ هي أغلى لِلْمُدِلِّ بها … من منظرٍ فارهٍ أو مظْهَرٍ سَنِمِ
تَوَارَثوا صولجانَ المُلْك في أُمم … لا تبتغي بَدَلاً - لو خُيِّرَتْ - بهِم
لا كالملوك الأُلى - بالأمس - إذ حَكموا … ساقوا الرعيةَ سَوْقَ الشاء والنَّعَم
ولم يخالوا شعوباً تحت رايتهم … سوى عبيدٍ لرَبَّ التاج أو حَشَم
ولم يرَوا لهمُ جاهاً ولا حَسبَاً … في الناس حتى يُذلُّوا كلَّ ذِي شمم
يقُصي الأبيُّ ويَشْقَى الحُرُّ عندهم … ويَمْرَحُ المالٍقٌ الأفَّاكُ في النِّعَم
باسم المكارم أعْلَوْا مُلكَهُم وهُم … حَرْبٌ على كَرَم الأخلاق والهمِم
عن حاجةِ الشعب باللذات في شُغُلٍ … كانوا وعن دعوة المهضوم في صمم
سِيَّانِ إن سَعِدَتْ في ظل دَوْلتهِم … رعيةٌ أو هَوَتْ في البؤس والوصَم
стр. 8082
لا يِرْقُبُ الناسُ منهم فضلَ مكرمة … لكن يخافون منهم بطش محتكم
ذيَّاك عهدٌ تولى غيرَ مرتجَع … هيهات يَبعْثَهُ باغٍ من العَدَم
وعاصرتْنا ملوكٌ في ممالكهم … همُ لمن حكموهم أول الخدم
يشاطرون صروفَ الدهر قومَهُمُ … ويعطفون عليهم عطفَ ذي رحم
وهم على شعبهم في كل ما صنعوا … فيضٌ من البرِّ لا صوبٌ من النِّقم
تَسَنَّمُوا ذروةَ العليا، وباسمِهم … تُزْجى الجحافلُ في الوديان والأكَم
وينزلون - إذا ما الجِدُّ جَدَّ - على … ما قالهُ قائلوا الساداتِ والعَمَم
ولا يرَوْنَ لهم من دون أُمتهِم … مجداً ولا دون حب الشعب من عِصم
فخري أبو السعود
стр. 8083
يعجبني. . .
للأستاذ محمد الحليوي
يُعجبني الحطَّابُ في غابه … وفأْسُه تعملُ في جذعِهِ
يِهوِي بها - فهي قضاً نازلٌ … تَرْتجف الغابة من وَقْعِهِ
وتحملُ الريحَ إلى مسمعي … صَدَى نحيب الغاب في رجعه
يُعجبني المِزْمار في ساَمِرٍ … في هَجعة اللَّيل وفي وَهْنهِ
غناؤه في الحيِّ يَهْتاَجُني … ويستبيني بشجي لَحْنِهِ
وتحمِلُ الرِّيحُ صدَى شاكياً … مثْلَ شَكاةِ الْقَلْبِ في حُزْنِه
يُعجبني الآذانُ في هَدْأَةٍ … يُرْسِله العابدُ من جوِّه
يُرسله شَفْعاً يهز الفضا … مُرَجَّعاً يهتاَجُ في شَجْوِهِ
وتحمل الرِّيح صدَى هائماً … تَنْجَذِبُ الرُّوح إلى نحوِه
يعجبني الدُّولاب في رَوضَةٍ … وصوتُه الآتي على رِودِهِ
وَجُلْجُلُ الناقِةِ في عنقها … والماءُ إذ يهمس في وخْدِه
وتحمل الريح صدَى غامضاً … يستَوْقِف الآذانَ في بُعدهِ
وإذ تَؤُمُّ الريحُ في سيرها … بَيتِيَ أو تجثُمُ في قُربهِ
أُحبُّ أن تحمل أمواجها … شتَّى اللُّغَي، كلٌّ على ضربهِ
وهْمسةُ الأورَاق في دَوْحِها … وغُنَّةُ الطائرِ في سِرْبِهِ
وَنَقَّةُ الضِّفْدعِ في مائها … وهزمةٌ للرعدِ في سُحْبِهِ
تُبهجني، تُعجبُني كلّها، … وتلك حسبُ القلب من حبِّهِ
يا عجباً! قد تأملُ الأذْنُ أنْ … تستوعب الكونَ على رُحْبِهِ
(تونس)
محمد الحليوي
стр. 8084
الدبكة
ليلة عرس في القرية
بقلم محي الدين الدرويش
سكب البدر على القر … ية ضوءاً فزهاها
وبدت حالية الأك … ناف تهتزُّ رُباها
نَفَحتها نسمةٌ عط … ريةٌ يُغرى شذاها
يا لها من ليلة قد … أغرقتني في سناها
جُليتْ فيها فُتو … نٌ ضلّ عقلي في مداها
وَفَدَ القوم إلى السّهلِ … نساءً ورجالا
يتهادون نَشَاَوي … ويميلون دلالا
موكبٌ للعرس أضحى … يملأ العين جلالا
علت الضّوضاء فيه … وكذا الطبل تعالى
وبدت فيه العذا … رى كنجوم تتلالا
يا عذارى الحيّ هذى … فَرحةُ العرس السعيدِ
عرس هند إتها … كالظّبي في لحظٍ وجيد
غادةٍ عوذتها با … لله من عين الحسود
يا عذارى لا رأي … تنْ سوى عيشٍ رغيد
كمل الأنس فبادِ … رْنَ إلى رقص فريد
علت الأنوار حتى … أصبح الليل نهارا
وغدا كلُّ فؤادٍ … من رُؤاها مستطارا
بُسُطُ الديباج صُفَّتْ … فبدت تحكي إطارا
جلس القوم عليها … وبها الرَّقص استدارا
جُنَّ صوت الطبل في … البطحاء والزَّامر ثارا
عقدوا الأيدي وداروا … هالةً فيها النُّجومُ
كهرباءُ قد سرت … فارتعشت منها الجسوم
стр. 8085
مالت الأعناق وال … أعطافُ تهوى وتقوم
والنُّهود اختلجت، في … حسنها تَغْوَى الحُلُو
لُجَجٌ فوق صُدورٍ … ليتني فيها أعُومُ
وقَّع الزّامر أنغا … ماً فمالت بالصُّفوفِ
من رجال ونساءِ … وغويّ وعَزُوفِ
أرسلوا الأرجلَ في الأرْ … ض وعادوا للوقوف
ماجت الأعطاف فالقا … ب بها جِدُّ شَغُوف
يا لأعطاف العذارى … فتنتْ كلَّ عفيف
وتعالتْ نغماتٌ … سلبت منّى نُهايا
مشجيات ردَدَت أص … داَءها كلُّ الزَّوَايا
وأثارت ذكرياتٍ … رَقَدَتْ بين الحنايا
يا صبايا حسبكنَّ اليو … مَ شجواً يا صبايا
نحن نهواكنَّ فأر … فُقْن قَليلاً بالضْحايا
حمص (سوريا)
محي الدين الدرويش
стр. 8086
١٣ - قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
بستور
صلة حديثه
وصل الفائت: أثبت بستور أن المكروب ضروري للحياة على ظهر هذه الأرض. فإن الأموات من الحيوان والنبات لابد من تعفنها وتحللها وأكسدتها لتتسع البسيطة للنبات الجديد والحيوان الوليد. وأن هذا التحلل لابد له من الأكسجين. ولكن أكسجين الجو عاجز عن هذه الأكسدة فإنها لا تتم إلا بواسطة المكروب. ثم أثبت بستور بعد ذلك أن المكروب منشؤه الهواء، يحمله غباره. وأنك لو أدخلت الهواء دون الغبار إلى اللبن والأمراق ونحوها بعد إغلائها جانبها الفساد، فقضى بذلك على نظرية الانبعاث التلقائي التي تقول إن المكروب ينشأ في الأمراق والألبان وأمثالها من تلقاء نفسه، من العدم
وبعد ذلك قام بستور بتجربة يدلّ البحث الدقيق بين المخلفات والسجلات أنها من صنع نفسه. تجربة هائلة، ركب لها القطار، وصعد من أجلها الجبال، ودار في أعاليها في حذر وريبة حول ما انجمد بها من الأنهار. وعاد معمله مرة أخرى فازدحم فيه القباب، ورنّ الزجاج، وغلت الأحسية فأرغت وتفقعت. وقام أعوانه على العمل قومةً واحدة، فلم تر فيهم إلا رائحاً مسرعاً أو غادياً مهرولاً، حتى لكائنهم عبيد مسترقّون السياط، وما كان وراءهم إلا قلوب مؤمنة وعزمات صوادق. قاموا يجهزون مئات القوارير، ويملئونها بالأحسية بعض الملء، ثم يُغلون كل واحدة منها دقائق، وبينا هي تغلي يسيحون رقابها في نفخات اللهب الشديد، ثم يمطونها ويختمون على القوارير وقد ذهب هواؤها. فإذا بردت لم يكن بها غير الحساء فوقه فراغ. وقاموا على هذا التجهيز ساعات عديدة طويلة حسبوها دقائق من فرط اهتمامهم
стр. 8087
وبدأ بستور رحلته بهذه القوارير. فذهب أول ما ذهب إلى مرصد باريس فنزل إلى حجراته المطمورة تحت الأرض. وأجال نظره فيها ثم التفت إلى صبيته وقال: (كيف تجدون هذا المكان؟ إنه هادئ بالغ الهدوء، ساكن بالغ السكون، قل فيه الغبار فعز فيه المكروب)، وقام الصبية إلى القوارير فامسكوها بعيداً عن أجسامهم بمقابض من المعدن أحميت في النار قبل ذلك، وأخذوا يفضون أختامها حتى بلغ المفضوض منها عشر قوارير، وكلما فضوا ختم قارورة دخلها الهواء فسمعوا له صفيراً. وما كاد يدخلها الهواء حتى عادوا فختموا القارورة على التو مرة أخرى، وذلك في لهب مصباحٍ زيته الكحول. وذهبوا إلى فناء المرصد ففضوا فيه عشر قوارير أخرى على مثال ما وصفنا: ثم أسرعوا عائدين إلى معلمهم، إلى ذلك المحضن تحت حنية السلم، فوضعوا القوارير فيه
وبعد أيام كنت تجد بستور قاعداً القرفصاء أمام هذا الفرن ينظر قواريره في رفق وحنان، وعلى فمه ابتسامة من ابتساماته النادرة، فإنه لم يكن يضحك إلا إذا جاءه التوفيق والنجاح. وكتب شيئاً في كراسته وحرج يزحف من هذا الحجر ليخبر أعوانه أنه وجد تسع قوارير رائقة من العشر التي فتحوها في قاع المرصد، (فهذه القوارير التسع لم يدخلها مكروب واحد. أما العشر التي فتحناها في الحوش فتعكرت كلها بالملايين من تلك الخلائق. إن الهواء هو الذي أدخلها في القوارير. إن هباء هذا الهواء هو الذي حملها معه!)
وكان الوقت صيفاً، ودراسات المعاهد معطلة والأساتذة يستجمون، وحق لبستور أن يستريح مثلهم، ولكنه جمع ما بقي من القوارير وأسرع إلى القطار، إلى بلده القديم في جبال الجورا فصعد جبل بوبية وهناك فض أختام عشرين قارورة ثم لحمها. وذهب بالقوارير إلى سويسرا، وتسلق جبل مونت بلان مغامراً مخاطراً، وعلى أكتاف هذا الجبل العظيم فض أختام عشرين قارورة أخرى فدخلها الهواء صافراً. ورجا بستور أنه كلما علا في الجو قل العدد الذي يتعكر من قباباته. وقد تحقق رجاؤه. قال: (هذا ما كنت أرجو، وهو ما يجب أن يكون. فإني كلما صعدت في الهواء قل الغبار فقل المكروب الذي يركبه دائماً). وعاد إلى باريس فخوراً، وأخبر الأكاديمية أنه اصبح من الثابت المحقق أن الهواء وحده لا يستطيع إحداث المكروب في الأمراق، وأن لديه على ذلك براهين سيدهش لها كل إنسان. صاح فيهم يقول: (هنا، بهذا المكان توجد مكروبات. وهنا، على مقربة من المكان الأول لا توجد
стр. 8088
المكروبات. وهناك، في ذلك المكان الأبعد توجد مكروبات غير تلك التي وجدناهاأولاً. . . . وهذا مكان آخر، قد هدأ هواؤه هدوءاً بالغاً، فلم نجد فيه مكروبا أصلاً). وأراد أن يمهد لانتصارات أخرى، فقال: (لوددت أن أصعد في منطاد إلى طبقات أعلى في الجو فأفتح فيها قباباتي). ولكن سامعيه اغتمروا حساً بحديثه، واكتفوا بالذي كان، ووثقوا بالذي يقول، فلم يعد بستور عندهم عالماً باحثاً عادياً فحسب، بل وقع من حسبانهم موقع أولئك الأفذاذ الذين يجود الدهر بهم آنا بعد آن. كان بستور أول الأبطال المخاطرين في عصر المغامرة الذي تلا، والذي سنتحدث عنه في هذه القصة بعد حين
وكان بستور كثيراً ما يفور في خصوماته بالتجارب البارعة التي كانت تترك خصومه طرحى صرعى. ولكن في بعض أحايين كان فوزه لضعف في خصومه أو لغباوة فيهم. وأحياناً كان يأتيه الفوز حظاً ومصادفة. قام بستور يوما في جماعة من الكيميائيين فحط من المقدرة العلمية للطبيعيين صاح فيهم: (فإن أعجب فعجبي لهؤلاء القوم كيف لا يدخلون على العلم من بابه، من باب التجربة. فإنهم لو فعلوا، إذن لنفخوا في علمهم روح الحياة). وأنت تستطيع أن تتصور ما كان من كره الطبيعيين لهذا المقال. فقد كرهه بخاصة المسيو يوشيه مدير متحف روان وشركه في كرهه الأستاذ جولي والأستاذ موسيه وهما الطبيعيان الشهيران بكلية تولوز. ثلاثة من أعداء بستور لم يستطع شيء في الدنيا أن يقنعهم بان تلك الأحياء المكرسكوبية إنما تتخلق من آباء. لم تستطع حجة أن تذهب باعتقادهم في إمكان نشوء الحياة والأحياء من ذوات أنفسها. ومن أجل هذا أجمع الثلاثة أمرهم على أن ينازلوا بستور في أرضه وبنفس سلاحه
فملئوا مثله القوارير، ووضعوا فيها الأحسية على مثال ما صنع، وأغلوها وختموها كما أغلى وختم، إلا أنهم اتخذوا أحسيتهم من مرق الأعشاب الجافة لا كما اتخذها هو من أمراق الخمائر. وحملوا قواريرهم إلى جبل مالاديتا في البرنيز فأخذوا يصعدون فيه ثم يصعدون حتى بلغوا مكاناً أرفع مما بلغ بستور على جبل مون بلان في سويسرا. وهناك خرجت عليهم من مغاور الثلوج رياح قارسة نفذت من خلال أكسبتهم الغليظة إلى جلودهم. وزلقت رجل المسيو جولي من فوق كتف الجبل، فكاد يذهب ضحية العلم لولا أن أمسك بعض الأدلاء بذيل كسوته. وقاموا وهم في هذه الحال بفتح القوارير وملء فراغها بالهواء ثم
стр. 8089
ختمها. ونزلوا يجرون أقدامهم، وقد نال الجهد منهم والبرد، فدخلوا إلى خان في الطريق فنصبوا فيه محضنا حيثما اتفق، ثم أودعوه قواريرهم. وبعد أيام نظروا إليها فبرقت أساريرهم لما رأوا أمراقها تعج بالخلائق الصغيرة. إذن لقد أخطأ بستور
وعندئذ أشهروا الحرب بينهم وبينه. وقام بستور يهزأ في الناس بتجارب الأسياد: يوشيه وجولي وموسيه. وقارعهم بحجج نعلم نحن اليوم أنها كانت تمحكا ولجاجة
فرد عليه يوشيه. قال فيما قال: (إن بستور قدم قواريره هو إنذاراً أخيراً للعلم ليدهش كل إنسان). فغضب بستور واهتاج، ووسم يوشيه بالكذب، وطلب اعتذاره على رؤوس الأشهاد. وخيل للناس أن الفصل بين الحق والباطل سيكون للدماء الصبيبة بدل التجارب الهادئة. وكان من بعد ذلك أن احتكم يوشيه وصديقاه إلى تجربة يجرونها بين رجال أكاديمية العلوم، فإذا وجد واجد أن قارورة واحدة من قواريرهم خالية من المكروبات عقب فتحها، إذن لأقروا بأنهم مخطئون. وجاء اليوم الموعود، واقتربت ساعة النزال، ساعة الاحتكام إلى القوارير، واشرأبت أعناق الناس، ودفئت قلوبهم في انتظار ما يكون. ولكن خصوم بستور رجعوا على أعقابهم ناكصين. فروا من المعركة قبل أن تكون. فقام بستور نفسه بتجاربه أمام المحكمين، أجراها في وثوق واطمئنان، وسخر من خصومه وهو يجريها. وبعد قليل أعلن المحكمون (أن الوقائع التي ارتآها المسيو بستور، فخاصمه فيها يوشيه والمسيو جولي والمسيو موسيه حقائق لا تحتمل النزاع ولا تسمح بالخصومة)
انتصر بستور بالحق، وكذلك انتصر بالحظ، فإن خصومه لم يكونوا مخطئين في الذي وصوفه من تجاربهم. لأنهم لسوء الحظ اتخذوا أمراقهم من العشب، لا من حساء الخمائر. وقد أثبت العالم الإنجليزي تندال بعد ذلك بسنوات أن هذه الأعشاب تحمل جراثيم مكروب تصمد للغليان ساعات فلا تموت. فالذي أنهى الخصومة بين بستور وأصحابه إنما هو في الحق تندال. وهو هو الذي أثبت ان بستور مصيب
- ٥ -
وعندئذ حظى بستور بالمثول بين يدي الإمبراطور نابليون الثالث. فقال لهذا الملك الحلام إن كل أمله أن يعثر على تلك المكروبات التي تتسبب عنها الأمراض يقيناً، ودعاه الملك إلى نزهة ملكية في كومبين وهناك صدر أمر الملك إلى ضيوفه بالاستعداد للصيد، فتوسل
стр. 8090
بستور ورجا أن يعفى من هذا، لأنه كان في انتظار حمولة عربة من الأجهزة ستأتيه من باريس، مع أن ضيافته في القصر الملكي كانت لأسبوع واحد. وأكبره الملك والملكة لما رأياه مكباً على مجهره، بينا يكب الآخرون من الأضياف على صنوف اللهو والخلاعة
لابد أن يعلم الناس أن المكروب لابد له من آباء! وفي باريس، في سهرة علمية بالسربون، قام بستور فالقى خطاباً سهلاً في الجمهور الحاضر، وكان من بينهم اسكندر دوماس القصصي الشهير، وجورج ساند المرأة العبقرية المعروفة، والأميرة ماتلدا، ومئات من ذوات البلد وأعيانه. وقام في هذا الحشد بقطعة مسرحية رجعوا من بعدها إلى بيوتهم يثقلهم الهم ويساورهم الخوف. فقد أراهم بستور على الشاشة صوراً عديدة من مختلف المكروبات. وبدون إنذار أظلم المكان فجاءة، وأرسل في كتلة الظلام الأسود شعاعاً ابيض من الضياء. وصاح فيهم: (انظروا إلى هذا الشعاع، وانظروا إلى العدد الهائل من ذرات التراب التي ترقص فيه، ثم اعلموا أن الهواء الذي انتم فيه مليء بهذا الهباء، ثم تعلموا إلا تحتقروا دائما شيئا لصغره، فتلك الذرات الصغيرة قد تحمل المرض والموت، قد تحمل فوق ظهورها مكروب التيفوس والكوليرا والحمى الصفراء، وأنواع كثيرة غير هذه من الوباء). هذا هو النبأ الفظيع الذي جمعهم من أجله! ألقاه إليهم في صوت يتهدج غيرة وإخلاصا، فآمنوا به وارتجفوا ارتياعا منه. بالطبع لم يكن هذا النبأ صادقا كله، ولكن بستور لم يكن كذاباً فياشا، بل كان يؤمن كل الإيمان بالذي يقول. فهذا الهباء، وهذا المكروب الذي حمله، أصبحا من ضرورات حياة صاحبنا. إذا فكر ففيهما التفكير، وإذا نظر فإليهما النظر. ويدعوه الداعون من رجالات المجتمع إلى موائدهم فلا يبالي أن يرفع إلى أنفه الصحون والمعالق، فيحملق فيها، ثم يدور عليها يمسحها بمنديله. كان كل عمل يأتيه إعلانا بعيد المدى عن تلك المكروبات
نعم أغرق بستور كل فرنسي أن يهتم لهذه المكروبات، من الإمبراطور في عظمته وأبهته، إلى الزبال بين قمامته. وتسارق الناس الأخبار من أبواب مدرسة النرمال عن أحداث مريبة غريبة، حدثت أو تحدث قريباً: ومر الأساتذة والطلاب بتلك المعامل، وفي خطاهم بعض سرعة، وفي قلوبهم شيء من فزع؛ وكأني بك تسمع الطالب يتحدث إلى رفيقه الطالب، وقد مرا في طريقهما بمدرسة النرمال فأظلتهما حيطانها العالية الغبراء، فيقول له:
следующие страницы →