Полный текст (1 077 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ـ[مجلة الحقائق (الدمشقية)]ـ
أصدرها: عبد القادر بن محمد سليم الكيلاني الإسكندراني (المتوفى: ١٣٦٢هـ)
صدر منها: ٣٤ عددا
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع، ورقم الجزء هو رقم العدد]
стр. 2
العدد ١ - بتاريخ: ٧ - ٨ - ١٩١٠
стр. 3
الدين الإسلامي والتوحيد الحقائق ج١ م١
مباحث دينية
الدين الإسلامي والتوحيد
ليس من الصعب على من منح عقلاً سامياً وفكراً نيراً ورزق براعة في الاستدلال ومهارة في الاستنباط أن يستعمل النظر فيما أسس عليه الدين الإسلامي من توحيد وتصديق وعلم وبرهان وتعبد وإذعان وأمر ونهي لتنكشف له حقيقته ويعلم سر قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً).
تأمل أيها المستدل في حجته القويمة ومحجته الواضحة وسيرته الغراء وطريقته الحنيفة السمحاء تجد ما يبهر العقول ويدهش الألباب.
سما بأمته في مدة وجيزة إلى أعلى مراقي الكمال وصعد بها إلى ذروة المجد وشاهق العزة وقدَّسها عما كانت عليه الجاهلية قبل من أوصاف الهمجية وسفاسف الدنايا حتى سادت على العالم بما أحرزته من مقتضيات المدينة وامتازت على الأمم بالشهامة والشجاعة وتهذيب الأخلاق وتسديد الأحكام، تدبرايها الواقف على أحوال سير الأمم في هذا الدين تراه أرشد معلم يهدي الأنفس إلى اكتساب الفضائل واقتناء العلوم والمعارف وأجل أستاذ يطبع الأرواح على مكارم الصفات ومحاسن الآداب.
كان الناس في حيرة وتردد وتقاطع وتبدد في أسر الوسائط والشفعاء وتحت سيطرة المتكهنة والعرفاء يقودهم الجهل إلى أضيق المسالك ويسوقهم الغي إلى مهامة المهالك فجاء الإسلام بالدين القويم والذكر الحكيم أشرقت شموسه وسطعت أنواره وانتشرت محاسنه وهبن نسمات عدالته فطفق الناس يدخلون فيه أفواجاً تصافحهم أيدي العناية وتعانقهم كواعب الهداية وتبشرهم دواعي الرحمة بالسعادة والفوز بالحسنى وزيادة محا الله به عبادة الأوثان والعادات السيئة والمذاهب الباطلة التي كانت عليها العرب في الجاهلية ووضع الأصر والغلال التي كانت على الأمم وأحل الطيبات وحرم الخبائث، ورفع الحجر الذي كان وضعه رؤساء الأديان على عقول السذج والضرائب التي كانوا يأخذونها من سفلتهم وجهالهم وأصبح المسلم عبداً لله خالصاً من رق العبودية لكل ما سواه.
كم هدى الدين ضالاً والآن قاسياً وهذب خشناً وعلم جاهلاً ونبه خاملاً وأصلح من الخلق
стр. 4
فاسداً فهو منبع العلم ومبعث الفضائل وسلسبيل الحكم فاض على الأمم فبث فيها روح الحياة المدنية (فاهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج) ابتدأ هذا الدين بالدعوة وكان الداعي إليه سيدنا (محمد) بن عبد الله الرسول المجتبى بأمر من ربه فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وبشر وأنذر ومازال يقتحم المخاطر ويتجشم المصاعب ويكابد خطوب الأسى وضروب الأذى من الكفار حتى شج وجهه وكسرت رباعيته ولم يصده عن التبليغ شي من ذلك بل كان يدعوهم إلى الدين بأنواع من الطرق المستحسنة بالخطابات البارعة والعبارات الباهرة.
فأصحاب البصائر النافذة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها كان يدعوهم بالدلائل القطعية اليقينية وأصحاب الفطرة السليمة والخلقة الأصلية الذين لم يبلغوا حد الكمال ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان كان يدعوهم بالمواعظ الحسنة والترغيب والترهيب.
وأصحاب الجدال والخصام والمعاندة كان يدعوهم بأحسن طريقة في المجادلة بالرفق واللين من غير غلظ ولا تعسف لأنه أنفع في تسكين لهبهم وتبيين شبههم (أدع إلي سيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
شرف الله هذا الدين ببعثة رسوله ﵊ وأيده بالمعجزات الدالة على صدق دعواه وحماه من كل ما يكون قادحاً في مقامه العالي وأمر عباده على لسان نبيه أن يتلقوا الحكام التي شرعها بقبول وإذعان ولولا إرساله لما عرف الفرق بين الطاعة والمعصية ولا تميز الشقي من السعيد أخذ رسول الله صلى الله عليه ولسم يسوس الناس حتى جمع كلمتهم ووحدها وآلف بينهم وألف وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم بما طبعه الله عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات وساوى بينهم فيما حكم الله لا رفيع في الحق ولا وضيع فأصبح المسلمون أقوياء أشداء أعزاء رحماء.
استقام أمر المسلمين في عز ومجد وسؤدد وفخار إلى ما شاء الله أن يكون حتى وقع ما وقع في زمن عثمان رضى الله عنه وفتح للناس باب التعدي للحدود ووقعت الحروب بين المسلمين إلى أن أفضت الخلافة إلى الأمويين كل ذلك ولم يقف شيئ في سبيل الدعوة الإسلامية بل كان الناس يهرعون إلى الدخول في دين الإسلام فعلموا على توسيع دائرة مملكتهم وجردوا الجيوش وفتحوا المدن حتى وطئت حوافر خيولهم ما وراء النهر وفتحوا
стр. 5
إسبانيا وما جاورها من بلاد الإفرنج إلى نهر تورس وحولوا الاحتلال الموقت إلى السيادة الدائمة.
ثم لما ظهر ضعف بني أمية بعد ذلك واضطرابهم هان على الناس الخروج عن طاعتهم وتوفق العباسيون يومئذ إلى رجل فارسي يدعى أبا مسلم الخراساني فأنقذوه في طلب البيعة لهم في خراسان لبعدها عن مركز الخلافة فتوفق توفيقاً عجيباً حتى أدني الخلافة لبني العباس وسلم أزمتها إلى السفاح أول خلفائهم اعتمد العباسيون على جماعة من الفرس تظاهروا بالعدالة والاستقامة فاتخذوهم أنصاراً في عواملهم السياسية وأعلوا مراتبهم وأجلسوهم على منصة الرفعة والعز وكان الكثير منهم ليس من الدين في شيئ بل كان منهم طوائف ضالة مضلة كالمانوية والباطنية والإسماعيلية وغيرهم من الطوائف المارقة وهكذا إلى أن ظهرت المعتزلة وتفرقت الأمة المحمدية فأخذوا يضلون الناس ويدعونهم إلى اتباعهم والنأسي بأقوالهم وأفعالهم فظهر الإلحاد وفشت الزندقة وكثر الغى واستفحل الأمر فصدر أمر المنصور بتأليف كتب لإظهار شباتهم ودحض دعاويهم الباطلة.
كانت الأوائل من الصحابة والتابعين لسلامة عقائدهم وقلة الوقائع والاختلافات في زمنهم مستغنين عن تدوين على أصول الدين وفروعه أعني التوحيد والفقه فلما حدثت الفتن اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء وكثر جدال المبتدعه وتقووا بحيث لا يمكن زجرهم اشتغل علماء الدين بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد وإيراد الشبه بأجوبتها وتعيين الأوضاع وتبين المذاهب. أول من أظهر الخلاف من فرقة المعتزلة وأصل بن عطاء وكان في مجلس الحسن البصري فقال رجل للحسن يا إمام زعم أناس كفر من فعل كبيرة وقال آخرون لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة فما الحق في ذلك فأطرق ملياً لينظر فأسرع وأصل بإثبات المنزلة بين المنزلتين وعقد له مجلساً وقال الناس ثلاثة (مؤمن، وكافر، ولا مؤمن، ولا كافر) فقال الحسن اعتزلنا وأصل ثم تعاظم الأمر لما عرب المأمون العلوم الفلسفية وكان طلبها من اليونان فضنوا بها فلم يزل حتى أرسلوها وخلطت تلك الشبه فكانت المعتزلة ينتحلون منها وذلك أن من قواعد الفلاسفة أن واجب الوجود لا يكون إلا واحداً من جميع جهاته أخذت منه المعتزلة نفى صفات المعاني ومن قواعدهم التأثير بالتعليل ونفي الاختيار بإثبات اللزوم أخذوا منه
стр. 6
وجوب الصلاح والأصلح ومن قواعدهم أن الرؤية بأشعة تتصل بالمرئي أخذوا منه أن الله لا يرى ومنها تأثير العقول أخذوا منه أن العباد يخلقون أفعالهم الاختيارية وكل ذلك باطل مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة كما هو مقرر في محله أن علماء الإسلام ما صنفوا كتب القواعد ليثبتوا في أنفسهم العلم بالله تعالى وإنما وضعوا ذلك ردعاً وسلم بالخصوص وإعادة الأجسام بعد الموت ونحو ذلك مما لا يصدر إلا من كافر فطلب علماء الإسلام إقامة الأدلة على هؤلاء ليرجعوا إلى اعتقاد وجوب الإيمان بذلك فكان البرهان عندهم كالمعجزة التي ينساقون بها إلى دين الإسلام.
الأدلة على وجود الصانع وتوحيده تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها مرض القلوب والطبيب أن لم يكن حاذقاً مستعملاً للأدوية على قدر قوة الطبيعة وضعها كان إفساده أكثر من إصلاحه كذلك الإرشاد بالأدلة إلى الهداية إذا لم يكن على قدر إدراك العقول كان الإفساد للعقائد بالأدلة أكثر من إصلاحها وحينئذ يجب أن لا يكون طريق الإرشاد لكل أحد على وتيرة واحدة فإن الناس تتفاوت بحسب مراتبهم واستعدادهم.
فمن آمن بالله وصدق الرسول واعتقد الحق وأضمره واشتغل بعبادة أو صناعة فلا ينبغي أن تحرك عقيدته بتحرير الأدلة فإنه ﵊ لم يطالب العرب في مخاطبته أياهم بأكثر من التصديق ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو يقين برهاني وغير المؤمن الجافي الغليظ الضعيف العقل الجامد على التقليد المصر على الباطل لا تنفع معه الحجة والبرهان وإنما ينفع معه السيف والسنان إن كثير من الكفرة أسلم تحت ظلال السيوف ومن استقرأ التاريخ لم يصادف ملحمة بين المسلمين والكفار إلا انكشفت عن جماعة من أهل الكفر مالوا إلى الانقياد. وأما الشاكون الذين فيهم نوع الذكاء ولا تصل عقولهم إلى فهم البرهان العقلي فينبغي أن يتلطف في معالجتهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم بالأدلة البرهانية لقصور عقولهم عن إدراكها.
وأما الفطن الذكي لا يقنعه الكلام الخطابي فتجب المحاجة معه بالدليل القطعي البرهاني فقد تبين أن أقسام الخلق أربعة وكل منهم له مرتبة في طريق الإرشاد يخاطب بحسبها فيما يناسب حالة فلا ينبغي أن يساوي بين الناس بالخطاب بالإرشاد كما هو دأب أهل التعصب الذين نصبوا للناس شرك التزلزل في عقائدهم ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير
стр. 7
والازدراء فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في نفوسهم الاعتقادات الباطلة حتى عسر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها.
إذا تمهد هذا فعلينا أن نلتزم طريقة سهلة المأخذ جديرة في النفع واضحة البرهان ظاهرة الحجة ونتباعد عنا يشوش عقائد العامة ويدخل عليهم الريب من نشر الشبه والرد عليها إذا لا يلزمنا أن نطيل المشاغبة في اللوازم إلا عند الاقتضاء وقصارى مطلوبنا تقرير الأدلة الإقناعية والقطعية فالأولى للقسم الثالث والثانية للقسم الرابع:
стр. 8
الفقه والفقهاء
كلمة في الفقه والفقهاء
(من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) منقبة جليلة، ومأثرة عظيمة، ذكر كريم، ووصف جسيم، اعتناء باهر، وإكرام ظاهر، مجد شامخ، وفضل باذخ، خص به فقهاء الدين وحملة الشرع القويم على لسان أفضل البشر وسيد المرسلين عليه من الله أذكى صلاة وأتم تسليم.
نوهت هذه الجملة بفضل المتفقهين وأبانت مركزهم في هذه المجتمع بأنهم خيرته من أفراده، وصفوته من رجاله، وهم (والحق يقال) جديرون بهذه المكانة، حقيقيون بتلك المرتبة لما لهم من الأيادي البيضاء في خدمة الدين بتأسيس قواعده وتشييد مبانيه واستخراج فروعه من أصوله وأحكام أبوابه وفصوله إلى غير ذلك من الأعمال التي دأبوا عليها الأزمنة التي لا تنحصر والأوقات التي لا تعد حتى بينوا محاسن الشريعة كالأنجم الزهر، أو كالغرة في جبين الدهر، فجزاهم الله خيراً.
خلفهم خلف (وبئس الخلف هم) غمصوا حقوقهم وغضوا من فضلهم وجاوزوا إلى تزييف آرائهم وإبطال أقوالهم زاعمين أن غالبها لا مأخذ له من كتاب، ولا استناد به إلى سنة، ولا تعويل فيه على إجماع ولا اعتماد به على قياس، لا يوافق المعقول ولا ينطبق على المدنية بل هو خيالات تخيلوها وأكاذيب أفتروها حتى أخذوا يزينون لكل من علت رتبته في العلم أو نزلت أن يستقل بنفسه ويأخذ الأحكام التي تتعلق به من أدلتها ويرمي بأقوال أولئك الأئمة عرض الحائط وهناك والله الطامة الكبرى من محو الشريعة وتفريق الأمة (حمانا الله من ذلك) نقول هذا ولا نرتاب في أن فتح هذا الباب (باب الاجتهاد) وترك أقوال أئمة عظام وجهابذة فخام أحاطوا بالعلوم العربية من جوانبها وعلموا أصول الشرع وقواعده واستظهروا الكتاب وتأويله وحفظوا المائة ألف والمائتين منم أحاديث السنة بأسانيدها وتراجم رجالها وعرفوا الناسخ والمنسوخ ووقائع الأحوال وأسباب النزول مع ذكاء باهر، وفطنة متوقدة، نعتاض عنها بأراجيف من علم من الصرف الثلاثىَّ المجرد ومن النحو الفاعل والمفعول ومن غامض اللغة مادة أو مادتين ومن تفسير الكتاب تفسير آية أو آيتين ومن الأحاديث نزراً تلقفه من الأفواه لم يعلم سنده، ولا حال رجاله، لا أطلاع له على شيء من باقي العلوم إلا ما كان من شعر ينشده ونثر يسرده (وهذه حالة فغالب مدعى العلم في
стр. 9
هذا العصر المؤهلين أنفسهم لهذا الشأن) خرق كبير في الدين، وجناية على الأمة غفرانك اللهم، هذا وأن مجلتنا هذه بما هي معترفة به من العجز ومذعنة فيه من القصور متكلفة بالجواب عما يرد إليها من الأسئلة عن أدلة الأحكام الشرعية التي نقلت عن الأئمة الأربعة أو أحدهم نأتى بها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس مطبقة على المعقول مشيدة على أصول المدنية وبالله التوفيق ومنه المعونة.
стр. 10
اللغة العربية
مجلة الحقائق
لا يخفى مسيس الحاجة إلى مزيد العناية بشأن هذه اللغة الشريفة التي اختصت بمزايا ترتاح إليها النفوس الزكية والأحلام الراجحة وحسبها شرفاً مخلداً أنه قد ورد الذكر الحكيم وحديث أفصح من نطق بالضاد وأوتي جوامع الكلم ﵊، ولم يزل المولى سبحانه وسعدانه يقيض لهذه اللغة الكريمة من رجال العلم والأدب من يعني بضبط أصولها وفروعها وحفظ قواعدها وشواذها وبيان فصيحها وأفصحها مع التنبيه على ما يطرأ عليها من تحريف أو تصحيف أو تغيير وتبديل حتى بلغت العناية ببعض حفاظها من رجال السلف أنه بينما كان هائماً في بعض القفار هرباً من بأس الحجاج التقفى إذ سمع أحد فصحاء العرب من الثقات الإثبات يقول مات الحجاج ويتمثل بهذين البيتين:
لا تضيقن في الأمور فقد تك ... شف غماؤها بغير احتيال
ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال
فقال ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً أبموت الحجاج الذي تخلصت من شره أم بسماعي هذه الكلمة (فرجه) بالفتح ممن يوثق بكلامه ويعتد به بعد أن طال ترددي فيها والتماسي للوجه الأفصح من هذه الوجوه الثلاثة (فتح الفاء وكسرها وضمها) فتأمل يا رعاك الله هذا التجرب في تلقي الكلمات العربية وقايس بين هذا الاعتناء وبيت التهاون الذي بلغ في زمانناً مبلغاً يقضى بالأسى والأسف ويكاد المرء ييأس معه من تصحيح الأغلاط المتداولة على الألسنة وتنفتح هذه اللغة الكريمة مما شوه وجوه كرائمها وأوشك أن يودي بنضارة محاسنها فترى بعضناً تعرض له الألفاظ العويصة والكلمات التي تستبهم وتستغلق عليه فيقدم على سردها ويلوكها بلسانه غير مبال بضبطها ولا مكترث بتحقيقها وربما كانت معاجم اللغة إلى جانبه وعلى طرق الثمام منه ولا يمنعه منها إلا تكاسله وإلقاؤه الكلام على عواهنه خطأ كان أو صواباً وقد أخذ هذا الداء يفشو وينتشر حتى سري إلى بعض الخواص الذين لا يتنازلون إلى كراجعة قواميس العربية فإذا وقع لأحدهم أشكال في لفظ أو التباس في كلمة طفق يكررها ويعيدها ويعرضها على لسانه كأنها أكلة يذوقها أو لقمة يتطعمها ثم يقول مثلاً الفتح عندي هو الصواب أو الضم أخف وأرشق أو الكسر الطف
стр. 11
وأسلس وما أشبه ذلك مما يدل على دعوى الاجتهاد فيما هو من العلوم النقلية التوقيفية التي لا مجال للعقل فيها وقد كان أبو علي القالي وهو من هو علماً وأدباً وفضلاً إذا استعجمت عليه كلمة فزع إلى كتب اللغة ولم يجسر على الحكم فيها برأيه شأن الموثوق بهم من علماء اللغة وأئمة العربية ومما يحكى عن أبي علي هذا أنه كان يقتني نسخة من الجمهرة بخط مؤلفها أبي بكر بن دريد وكان قد أعطى بها ثلاثمائة مثقال فأبى ولم يقبل ثم اشتدت به الحاجة حتى اضطرته أن يبيعها بأربعين مثقالاً إلا أن الذي اشتراها أعادها له ومعها أربعون ديناراً منحه أياها بباعث الشهامة والمروءة ومكارم الأخلاق حيث رأى عليها بخطه هذه الأبيات:
أنست بها عشرين عاماً وبعتها ... وقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظنى أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لعجزي وافتقاري وصبيةٍ ... صغار عليهم تستهل شؤني
فقلت ولم أملك سوابق عبرتي ... مقالة مكوي الفوآد حزين
لقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين
هكذا كان حرص علماء السلف على كتب اللغة ومراجعتها وقد قام اليوم من نوابغ العصر قوم أخذوا يحمون حوزة هذه اللغة ويذبون عنها باسنة أقلامهم وأسلات ألسنتهم فعسى أن تعود بهم إلى سابق عها وسامق مجدها حيث نحظى بطيب نشرها الجميل ونتعزز بها على فهم أسرار الحديث والتنزيل والله المرجو لتحقيق ذلك وعليه التكلان ومنه التوفيق.
هذا وقد رأينا أن ننشر في هذه المجلة ما يقتضيه الحال من المباحث اللغوية مفتتحين ذلك بتحقيق معني هاتين الكلمتين (مجلة الحقائق) نقلاً عن أمهات كتب اللغة.
(المجلة) بفتح الميم والجيم واللام المشددة بعدها تاء مربوطة. هي الصحيفة تكتب فيها الحكمة وكل كتاب عند العرب مجلة وفي حديث سويد بن الصامت ﵁ أنه قال لرسول الله ﵊ لعل الذي معك مثل الذي معي قال وما معك قال مجلة لقمان أي كتاب فيه حكمة لقمان وقال ابن الإعرابي أحد أئمة اللغة قلت لإعرابي ما المجلة وكانت في يدي كراسة فقال هي التي في يدك وكان ابن عباس ﵄ إذا أنشد شعر أمية قال مجلة أبي الصلت قال الراغب ويسمي المصحف محلة وقال النابغة الذبياني:
стр. 12
مجلتهم ذات الآلة ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
أي كتابهم طاعة الآله والمراد أنه مشتمل على طاعة الآلة
وقال رجل من بني يربوع بعد أن ذكر داراً قد أندرست وعفت ولم يبق إلا آثار أطلالها.
(مثل الكتاب لاح في المجلة)
وقد ورد جمع المجلة على مجال بوزن مسرة ومسار ومضرة ومضار والشائع في الاستعمال اليوم مجلات وهو سائغ مطرد في القياس والمجلة قيل معربة وأصلها عبرانية وقيل هي عربية محضة وعلى هذا فهي مفعلة من الجلال بمعنى العظمة والوقار والفخار والرفعة وإنما سميت المجلة كذلك لأن ما يكتب فيها من الحكم والآداب والمواعظ والأحكام ونحوها حقه أن يكون موضع الإجلال والإعظام وأما (الحقائق) فهي جمع الحقيقة على القياس المطرد في جمع كل ما كان وزنه فعيلة على فعائل وهي بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول من حق الأمر إذا ثبت وتقرر أو من حقه إذا ثبته وقرره وهذا من الأفعال التي تستعمل لازمة ومتعدية ولذلك يقال حق لك أن تفعل كذا وحق لك بالبناء للمعلوم والمجهول والقياس في هذا الفعل ونحوه من ذوات التضعيف أن يكون متعديه من الباب الأول كمد ورد ولازمه من الثاني كخف وعف وصنيع القاموس يقتضي أن كلاً من حق اللازم والمتعدي قد ورد من كلا البابين الأول والثاني وعليه فمجيء لازمه من الأول شاذ في القياس دون الاستعمال ومجيء متعديه من الثاني كذلك وبما تقدم ظهر أن الحقائق بمعنى الأمور الثابتة المتقرره أو المثبتة المقررة ومنه حقيقة الشيء بمعنى ماهيته وما به هو ومنه أيضاً الحقيقة من الألفاظ بمعنى الثابت المستقر على معناه الأصلي الذي وضع له ومنه قولهم فلان حامي الحقيقة بمعنى ما يلزمه الدفاع ويحق عليه حفطه وحياطته قال لبيد:
أتيت أبا هند بهند ومالكاً ... بأسماَء أني من حماة الحقائق
وقال عامر بن الطفيل:
لقد علمت هوازن أنني ... أنا الفارس الحامي حقيقة جعفر
وقال أبو المثلم يرثى صخراً الهذلي:
أبي الهضيمةِ ناءٍ بالعظيمة مت ... لاف الكريمة جلد غيرُ ثنيان
حامي الحقيقة نسال الوديقهِ مع ... ناق الوسيقة لا تكس ولاواني
стр. 13
فمعني الحقائق في هذه الأبيات ما يحق على الرجل أن يحميه ويحافظ عليه وتاء الحقيقة كتاء علامة ونسابه وفهامة ونحو ذلك وهي للتأنيث اللفظي الذي يراد منه المبالغة في أصل المعنى وحينئذ يكون معنى الحقيقة من الأمور ما ثبت ثبوتاً قطعياً بحيث لا يشك فيه وأصل هذه المادة كلها هو الحق الذي يدحض الباطل ويدفعه نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا أتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه أنه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.
стр. 14
العلماء
علماء الدين في الإسلام
ما الفخر إلا لأهل العلم أنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقد كل أمرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... فالناس موتى وأهل العلم أحياءُ
العلماء حياة الشعب وظل الله في الأرض وركن الدولة. وفريق الهدى، وأعضاد الملة، وحضنة الإسلام. قال الله تعالى (أنما يخشى الله من عباده العلماء).
حكمة بالغة تعجز أفاضل الكتاب عن أن يلموا باطرافها أو يصوروا بعض معانيها أولو دأبو السنين العديدة. وكتبوا المجلدات الضخمة. تنزيل من رب العالمين.
تصور أيها القارئ ما أفادته هذه الآية من تعظيم أمر العلماء وتبين مقامهم المحمود. حصرت خشية الله بهم ومعنى الخشية الرهبة من الله والخوف من عقابه.
صفة جليلة إذا تخلق بها الإنسان ائتمر بأوامر الله. وانتهى عن مناهبه. وهناك الخير العظيم. والنفع العميم. ثم أرجع البصر إلى ما الزم الله به عباده. وما فرض عليهم التباعد عنه تجده غاية في الرقيّ. ونهاية في المدنية. وقانوناً كافلاً لسائر أسباب النجاح.
لنأت بهذا الرجل الذي خصه الله بخشيته وآتاه الحكمة. وعلمه مما يشاء. ثم لنجله في هذا المجتمع الإنساني مجده هو (والله) حامل تلك الصفات التي يتلمسها علماء العمران. طهارة وجدان. وبراءة ذمة. وأناة وحلم. وأنصاف وعدل. ورفق وإحسان وتباعد من الظلم. واستنكاف من الباطل. ونبذ للرشا. ومحافظة على الحقوق قدر الجهد ونهاية الاستطاعة إلى غير ذلك مما نتصوره من الصفات العالية والأخلاق الفاضلة الكبيرة. وهي كلها على التحقيق فرع لخشية الله والإئتمار بأوامره. اللهم علمنا مدارك التأويل.
كان الصدر الأول أيام كان الإسلام يشرف من أعلى قمم المجد ويخضع لسلطانه كل جبار عنيد. ظرفاً لإعزار العلماء ونفوذهم حتى أن الخلفاء كانوا يغشونهم في دورهم لسماع الوعظ وافرشاد كما وقع للرشيد مع ابن عبينة. وكان حكمهم فوق كل حكم. وكلمتهم تعلو كل كلمة. تدنو لهم رقاب الملوك. وتعنو لهم الخاصة والعامة وشواهد هذا في التاريخ كثيرة فقد حكى المؤرخون أن بني أمية لم يكونوا ليقطعوا أمراً إلا برأي علماء المدينة وذكر
стр. 15
الفخري أن الرشيد قد صب الماء على يدي أبي معاوية الضرير وهو يغسل وروى صاحب طبقات الأدباء أن الأمين والمأمون ولدي الرشيد تنازعاً في حمل نعل أستاذهما الفراء وتقديمها له حتى اصطلحا على أن يقدم كل منها واحدة.
كذلك كانوا يكرمون العلماء الحقيقيين ويجلونهم
استقام الأمر على ذلك مدة مديدة ثم طرأ على مركزهم التزلزل والانحطاط كما طرأ على المسلمين. وكان العامل الأقوى في هذا السقوط انخراط شرذمة من الجهلاء وأهل الأهواء في هذا السلك الشريف. أخذوا يدجلون على العاملة ثم التفوا حول المراء والملوك فجاورهم في أهوائهم وزينوا لهم سيئاتهم وقضوا لهم فيما يشتهون.
أضف إلى ذلك ما جرت عليه الأمة من ذلك الحين. وأنها كانت إذا مات العالم وخلفه جاهل أفضت بالأمر إليه وأفرغت الدروس عليه كان العلم عقار أو مال أو متاع، وهكذا أخذ الجهال وظائف العلماء ولم يبق مرغب في العلم ولا داع إليه ولا حامل عليه.
فسدت الأخلاق. وراج النفاق. وانقلب العز ذلاً، والعلم جهلاً. وصارت علماء الدين مرمي للسهام. ومشحذة للأقلام. بعدما كانوا في منزلة تقر بها عيون الدين. وتنشرح لها صدور المسلمين عظم الأمر وعم الخطب وبلغ التحامل على العلماء مبلغاً لم يعهد من قبل حتى قام بعض الكتاب ممن أولعوا بالتقليد العمى للغربيين ينددون بالسلطة الدينية. ويطلبون فصل السلطتين الدينية والسياسية. مدّعين أن الدين إذا خالط السياسية أفسدها إلى غير ذلك من المزاعم الباطلة وخزعبلات القول ذلك لأنهم رأوا أن الغربيين ينتقدون السلطة الدينية ويطلبون القضاء عليها لأنهم ذاقوا من تلك السلطة ما أظهر لهم أنها تحول دون رقيهم العقلي فقلدوهم على غير هدى. (وهكذا الأمم المنحطة تتشبه بالأمم الراقية. ولو فيما لا ينطبق على مصالحا) اللهم أرزقنا استقلالاً في الفهم على رسلكم أيها الكتاب لا سلطة في الدين الإسلامي إلا للشرع، أن العالم ليقضى بين الناس ويصدر الفتاوي (هذا حلال وهذا حرام) ويأمر بالمعروف. وينهى عن المكر. ويهذب العامة. ويرشد الخاصة. وهو المرجع في الحيرة والمرجو لدفع الشبه عن المسلمين.
لا سلطة ولا تسلط. ولا غفران ولا حرمان إنما هي رتبة خوله إياها العلم. وقضت له فيها الحكمة.
стр. 16
أيها الكاتبون: أن الدين الإسلامي هو دين الشورى دين المدنية، دين الحضارة. هو الدين وحده الذي يصلح أن يكون شريعة دائمة. وهداية عامة للبشر فكونوا يداً واحدة على نشر هذا الدين المبين. والصراط المستقيم. وما نشره إلا بإعزاز علمائه والسعي وراء رقيهم وإيجاد الوسائل لنشر التعليم الديني بين طبقات الأمة ليذوقوا طعم الإسلام وينبذوا من يريد تفريق حكمتهم باسم الدين تارة وباسم الجنس أخرى وليعلموا أن الشريعة الغراء تقضي بالاتحاد والائتلاف. والتكافل والتضامن. لتعيش الناس وادعين آمنين وفق الله الأمة لما فيه صلاحها.
стр. 17
الأخلاق١
إنما بثت لأتمم (مكارم الأخلاق)
أول واجب على من أراد سعادة هذه الأمة أن يسعى بتهذيب أخلاقها وعبثاً يحاول المصلحون العروج إلى الرقي والنجاح من غير هذا الطريق، وفي هذا الحديث دلالة على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أرسلوا بمكارم الأخلاق وأن الرسول متمم ما نقص. وجامع ما تفرق، وفي هذا مع ملاحظة الحصر بإنما من تعظيم قدر الأخلاق ما لا يقدره حق قدره لسان القلم، وقد أصبحنا في زمن نسى أو تناسى فيه المسلمون أخلاقهم تلك الأخلاق التي كانت سبباً لانتشار الدين الإسلامي في أكثر بقاع الأرض بسرعة لم يعهد لها نظير في تاريخ الأديان، صدق في الأقوال وإخلاص في الأعمال وتفان في نصرة الحق (وتعاون على البر والتقوى) قامت هذه العدد المعنوية أمام المعاقل والحصون، والقلاع والأبراج، وغالبتها فغلبتها، ودكت عروش الجبابرة، وهدمت صروح القياصرة، سنة الله في من استرشد بآياته، وتمسك بما أمر به، هذا حال المسلمين في زمن قلتهم وضعفهم. وضيق ثروتهم. فكيف حالهم اليوم نبذوا أوامر الله ظهرياً. واتبعوا أهوائهم، وانكبوا على شهواتهم، وساد فيهم الجهل بالدين وأصوله فبعدوا عن الفضائل، وتحلوا بالرذائل فأخذهم الله ببعض بذنوبهم (أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) كان سلفنا يقول هذا حلال وهذا حرام، وهذه فضيلة، وتلك رذيلة. وميزانهم الشرع ومرجعهم كتاب الله وسنة رسوله فأصبح الخلف يحكمون حكمهم. والميزان الشهوات. والمرجع الأهواء. وبعد أن كان (الحق) و (العدل) و (الأنصاف) (والانتصار للدين) وهكذا سائر الفصائل حقائق لأمور معلومة بينها الشارع ومحصها حتى لم يدع سبيلاً للاختلاف في حقيقتها. أصبحت اليوم تطلق لمعان اصطلاحية (ولا مشاحة في الاصطلاح) فالتهور شجاعة أدبية. والجبن أناة. والوقاحة حرية ضمير. والبعد عن آداب الدين تمدن والتمسك بالفضائل جمود. والقصد والاعتدال في الأمور تعصب.
كتبت إحدى المجلات العلمية صورة كتاب ورد لأحد العلماء من صديق له بأميركا وقدم ذلك العالم بين يدي نجواه مقدمة يبين بها فائدة نشر هذا الكتاب يقول فيها بعد كلام طويل (حتى إذا رأيته نافعاً تتكرم بنشره ليرى الناس كيف يعيش ذلك الشعب الراقي في بحبوحة
стр. 18
السعادة والراحة والغنى إلى أن قال وكيف يعلم الشعوب دروس الآداب العالية والعلم الصحيح الخ)، تقرأ ذلك ثم تقرأ الكتاب فترى من جملته (أما محال التمثيل فإنها مرتقية أكثر من أوربا وأرخص أجوراً حتى أنك لترى في بعض الملاعب مائة فتاة يرقصن معاً وأجور الفرجة رخيصة للغاية) فأنظر يا رعاك الله إلى أي درجة وصلنا من الانحطاط في الأخلاق حتى صار من يدعي في عرف المجلات عالماً ألمعياً يرى أن رقص مائة فتاة بأجور رخيصة من دروس الآداب العالية والعلم الصحيح. اللهم أن هذا نهاية الخذلان.
نام علماء الدين عن وظيفة الإرشاد فقام من ليس في العير ولا في النفير يدعون مقام المرشدين. ووظيفة المصلحين يسيطرون على الأمة في دينها وأخلاقها، وان كانوا خلواً من كل فضيلة. يقولون نحن قادة الأمم إلى خيرها نحن منقذوها من ظلمة الهمجية إلى نور التمدن نحن نحن. . ووجدانهم يكذبهم و (الحقائق) تتبرأ منهم والله من ورائهم محيط.
رأوا أن بضاعتهم من العلم مزجاة فتلمسوا طريقة لأن يروق سعيهم في نظر العامة فلم يجدوا سوى تقيص العلماء واحتقارهم ليوهموا السذج أنهم كما يدعون وفوق ما يصفون. هذه مقدمة خطتهم في وضعهم أنفسهم أمام العامة موضع المصلحين. ثم يعمدون إلى إرضائهم بأن يدخلوا في الدين ما تميل إليه نفوسهم وترغبه شهواتهم، فيجعلوا من الحرام ما يهذب الأخلاق، ومن الرذائل ما يرفع إلى أوج الحضارة، والنفوس (إلا من هذبه العلم) مجبولة على حب الإطلاق ومن دعا إليه وأن كان فيه شرها وتدهورها إلى حضيض الذل والهوان.
اللهم أكثر في هذه الأمة دعاة الخير والإصلاح الحقيقي ولا نحتاج إلى الدعاء على دعاة الشر بالانقراض فإنهم متى آنسوا أن صاحب البيت طلبه قوضوا خيامهم ورضوا من الغنيمة بالأياب ومن أين للظلام أن يثبت مع الشمس أو للجهل أن يقاوم العلم أو للتمويه أن يصادم الصدق وإنما يظهر الباطل في غفلة الحق عنه والحق أبلج والباطل لجلج وقل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقاً.
стр. 19
الانتقاد
الصحف والصحافيون
ماذا أقول في الصحف الصادقة وما ينبغي أن أقول. أن القلم ليعجز والفكر ليمل دون ان يعرف ما لها من الفضائل أو يوفيها حقها من الثناء إذا كانت الأمور تشرف بشرف غاياتها وتعظم بعظم ثمراتها كان للصحف المفيدة من الكرامة أعظم وأوفر نصيب ذلك من حيث أن الوطن ومستوطنيه إذا غشيتهم غاشية ظالم. أو حقت عليهم كلمة آثم. لم يكن لهم موئل يئلون إليه. ولا منهل يتواردون عليه غير تلك الصحف النافعة الآخذة على عهدتها القيام بخدمة الوطن والانتصاب للذب عنه. وضعت الصحف لتبحث فيها يعود بالمنفعة العامة على هذا النوع البشري فليست أقل فائدة من الكتب المحترمة بل لا فرق بينهما إلا أن الصحف تنشر تباعاً والكتب تنشر دفعة واحدة ويشتمل الكتاب على بحث واحد والصحيفة على عدة أبحاث، فالمجموع من بحثها في الأخلاق أخلاقي، ومن بحثها في الدينيات كتاب ديني، ومن بحثها في الأدبيات كتاب إنشاء ومحاضرات الخ وضعت الصحف لتعرف الإنسان بماله وما عليه من الواجبات، لتعرفه أنه إنسان حر في أقواله. مطلق في أفعاله. لا سلطة ترهبه. ولا سيطرة تفزعه. اللهم إلا سلطة الشرع وسيطرة الدين وضعت الصحف لتعرف الإنسان أن الله تعالى برأه ليكون صوت رحمة على بني وطنه. وخيراً محضاً لبلاده. لا راحة له إلا أن رقت. ولا هناء له إلا أن علت لتعرفه كيف يصاحب ولمن يجانب، وكيف يسوس أهله، ويربي أولاده. ويعلمهم ويزكيهم ويهذبهم ويرشدهم وضعت الصحف لتطلع الإنسان على أحوال الناس وآرائهم وعاداتهم وأخلاقهم ليطرح الخبيث ويتحلى بالجيد ويقرب من العلماء ويبتعد عن السفهاء وضعت الصحف لتربي في الإنسان ملكتين أدبية وأخلاقية يتعرف بالأولى صحيح الكتابة من فاسدها وغثها من سمينها ويعتقد بالثانية أنه مدين لدينه بدين يجب وفاؤه وحق يلزم قضاؤه، نحن نجل الصحيفة بالوصف السابق ونقدرها قدرها ونرى أنها الدالة على حضارة قومها، وترقي آلها، وأنها يد البأس وعضد المسكين، ولسان الخائف، وساعد المظلوم، وأنها تاريخ عام للمحسن والمسيء، تنتقد للإصلاح وتسير على نهج الفلاح، تصدع بالحق ولو آلمها وتجهر بالصدق ولو جرحها، تبحث فيما تعلم، وتصدف عما لا تعلم وأنها للوطن كالغيث ينتفع منه الكبير
стр. 20
والصغير، والغني والفقير ولكنا نعترف بأن أكثر صحفنا اليوم خرج عن هذا الوضع، وتباعدت عن هذا الوصف، فاستبدل أصحابها المفاسد بالفوائد والمضار بالمنافع، يهتون عرض هذا، ويأكلون لحم ذاك، ثم لا يكفيهم هذا حتى يدعى أحدهم أنه رب الحرية وزعيمها، وشيخ المسائل العمومية وأميرها، وأن لا غرض له في ثلب أعراض الناس وهتكها إلا إظهار الحقيقة، وخدمة الوطن، أمثال هؤلاء المتهورين أخرجوا الصحف عن وضعها وساروا بها في غير مسيرها ففرقوا الكلمة والصحيفة وضعت لجمها، ونفروا القلوب والصحيفة أنشأت لإئتلافها وعاثو في الأخلاق والصحيفة أسست لإصلاحها، وأماتوا اللغة والصحيفة وجدت لإحيائها، ولذلك كثر عدد عذالها، ونما جمع لوامها، وانقسم الناس فيها شيعاً وأحزاباً، فمن حادث عليها موجب لقراءتها، ومن مانع منها محرم لها، لا لوم على المانع، ولا حرج على المحرم، فإن الصحف بخروجها عن وضعها الأصلي صارت محط الصفات الذميمة، والأخلاق السافلة، يفتتح الإنسان الصحيفة من صحف اليوم فيرى من أخبارها أن فلاناً قد تولى المنصب الفلاني وهو خير كفوء له، وأحق قائم يقوم به لما له من الهمة الفائقة، والفكرة الصادقة، والخبرة والمعرفة والدهاء والذكاء، وحسن الإدارة والسياسة، وصدق القول، وطهارة الوجدان، وغير ذلك مما يدهش القارئ والسامع، والعالم والجاهل، ثم لا يكاد يتم سروره حتى يتناول بعد أيام عدد آخر من تلك الصحيفة فيراها تقول أن فلاناً (الممدوح بالأمس) قد جرد من منصبه وهو رديء الحال، سيئ السمعة، طائش الفكرة، عديم المعرفة، مبغض للخير، عدة للمعارف، هناؤه في شهوته، وراحته في لذته إلى غير ذلك من الوصاف الدنيئة، والنعوت الوضعية التي توجب على القارئ أن يحكم بداهة بتكذيب أحد الخبرين أن لم نقل بكليهما زد على ذلك ما إذا مر نظره على تلك الأخبار الواهية التي يتناقلها أكثر الصحافيين ولا يعلمون لها سنداً أو تلك الأسطر المشوشة للأفكار. الصدعة للخواطر الصغيرة حقيقتها ترجمتها، أو تلك المبالغات والزيادات التي أفسدت خلق الناشئة وهونت الغلو عليها، أمثال هذه السيئات اضطرت المانع أن يمنع والمحرم أن يحرم والقارئ أن يقيس الصحف بمقياس واحد ويحكم بهذا الحكم على سائر الصحافيين ولا يسعنا وأكثر الصحف مصبوغ بهذه الصبغة أن نصوب نحو هذا المندد سهم الاعتراض، ونصلت عليه سيف الانتقاد بل الواجب أن نتدارك ما فرط به بعضنا وننصح
стр. 21
لله جهدنا أملاً بأن يرجع إلى الخطة القويمة والطريقة المستقيمة وإلا فنعده في زمرة المفترين، والقوم المفسدين، وبذلك نخدم الصحافة والصحافيين ونبين فضلهما للناس أجمعين.
стр. 22
التاريخ
أبو بكر ﵁
نأتي في هذا الباب على ترجمة أعاظم رجال المسلمين ممن أنتقع بهم العلم والدين، كما تعهدنا بذلك في المقدمة لما فيه من تجريك بواعث الهمم، للاقتداء بأولئك الرجال. في جلائل العمال. وكرائم الخصال. ولانا نرى كثيراً ممن يدعى التمدن يحفظون تاريخ فلاسفة الغربين. ويتلمظون به في المجالس ثم إذا سألتهم عن تاريخ رجل من عظماء المسلمين. أو عالم من العلماء المبرزين. تراهم لا يحفظون نبذة من كلامه ولا مأثرة من مأثره اللهم غفراً ينسون تاريخ قومهم ويحفظون تاريخ غيرهم أن هذه النهاية التعاسة وغاية الخذلان.
وها نحن أولاء نتيمن بالابتداء بترجمة خليفة رسول الله ﷺ وأفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبيين. (أبي بكر الصديق) رضى الله تعالى وعنه وكان الأحرى بنا أن نبتدئ بترجمة الرسول ﷺ لولا أن ألف في ترجمته مالا يحصى من المؤلفات عدا بل أن الكتب الدينية جمعاء ترجمة لحياته الشريفة ﷺ . اسم أبي بكر عبد الله سماه به رسول الله ﷺ حين أسلم وكان اسمه عبد الكعبة ولقبه بالعتيق لجمال وجهه ووصف بالصديق لبداره إلى تصديق الرسول ﷺ في كل ما جاء به عموماً واسم أبيه عثمان ويكنى أبا قحافة ويجتمع نسبه مع النبي ﷺ في مرة بن كعب. ولد رضى الله عنه لسنتين وأشهر من مولد النبي ﷺ . صحب النبي ﷺ صحبه لا يمكن للمؤرخ أن يحيط بها مهما بلغ من الإطلاع وأجاد في الشرح. صحبة تمثل التفاني في تأييد الحق بأجلى مظاهره وتعلم الناس كيف يتحدون. قداه بماله عند الاقتضاء. وبنفسه عند الشدائد صدقه حين كذبه الناس ونصره حين خذله الناس وآمن به حين كفر به الناس قال ﷺ أنم آمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام. وعن عمر بن الخطاب ﵁ وقد ذكر عنده أبو بكر فبكي وقال وددت لو أن عملي كله من عمله يوماً واحداً من أيامه وليلة من لياليه أما الليلة فليلة سار مع النبي ﷺ إلى النار فلما انمتهيا إليه قال والله لا تدخله حتى أدخل قبلك فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخل فكسحه فوجد في جانبه ثقباً فشق
стр. 23
أزاره وسد به تلك الثقب وبقي منها اثنان فألقمهما رجله ثم قال لرسول الله ﷺ أدخل فدخل فوضع رأسه في حجره ونام فلدغ أبو بكر في رجله من الحجر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ فانتبه فقال مالك يا أبا بكر فقال لدغت فداك أبي وأمي فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده ثم انتقض عليه فكان سبب موته وأما اليوم فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا لا يؤدي زكاة فقال لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وأرفق بهم فقال أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام أنه قد انقطع الوحي وتم الدين ثم ينتقض وأنا حي ما هذه المحبة وما هذه المفاداة! أن هي إلا نور قذفه الله في قلب أبي بكر حتى كان رسول الله ﷺ حب إليه من نفسه (ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في صدره وكان أبو بكر ﵁ أشجع الناس وقف في وجوه المشركين وقفات عديدة يعرض فيها نفسه للخطر دفاعاً عن رسول الله ﷺ عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه قال أخبروني من أشجع الناس قالوا أنت قال أما أني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه ولكن أخبروني من أشجع الناس قالوا لا نعلم قال أبو بكر أنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً فقلنا من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوى إليه أحد من المشركين فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوى إليه أحد إلا هوي إليه فهو أشجع الناس قال ولقد رأيت رسول الله ﷺ وآخذته قريش فهذا يجبأه وهذا يتلتله وهم يقولون أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً فو الله مادنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجبأ هذا ويتلتل هذا وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلاً ان يقول ربي الله ثم رفع علي ﵁ بردة كانت عليه فبكي حتى أخضلت لحيته ثم قال أنشدكم بالله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر فسكت القوم فقال إلا تجيبوني فو الله لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مؤمن آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه.
стр. 24
العدد ٢ - بتاريخ: ٥ - ٩ - ١٩١٠
стр. 25
الدين الإسلامي والتوحيد
تابع ما قبله
أسس هذا الدين على أصول وفروع، أما أصوله فتوحيد الله وتصديق الرسول ﷺ فيما جاء به وهذا (أي التوحيد) هو الأصل الذي ترجع إليه سائر الأصول، والقطب الذي تدور حوله جميع أفلاك العقائد الدينية، وأما فروعه فالاقتداء بالقرآن العظيم، وسنة نبيه ﵊. وأمتثال المأمورات واجتناب المنهيات والشفقة على عباد الله تعالى. وكف الأذى عنهم، وبذل النصح لهم إلى غير ذلك التوحيد هو أفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتاً وصفات وأفعالاً وهو الغاية العظمى والنهاية القصوى، من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام الحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل ومنها ما يتعلق بالاعتقاد فالعلم المتعلق بالأولى يسمي علم الشرائع والأحكام، والمتعلق بالثانية يسمى علم التوحيد والصفات. وهو ما يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد. ولذا كان أشرف العلوم.
انقسمت مباحث هذا العلم ثلاثة أقسام، في الإلهيات، وهي المسائل المبحوث فيها عن الآله من حيث صفاته، لا من حيث ذاته، للإجماع على عدم وقوع معرفة الكنه فإن الحادث يقصر بالطبع عن عظيم هذا المقام (سبحان من لا يعلم كنهه غيره) والعجز عن ذات الله إدراك والبحث فيها إشراك والثاني في النبويات وهي المسائل المبحوث فيها عن حقيقة النبوة وعن ما يجب للأنبياء، وما يجوز وما يمتنع، والثالث في السمعيات وهي المسائل التي لا تعرف إلا من طريق السمع ولا تؤخذ إلا من الأدلة النقلية كالصراط والميزان ونحو ذلك.
أبحاث الإلهيات يتوقف الشروع فيها على معرفة ثلاثة أشياء، الوجوب والاستحالة والجواز، وهي أقسام المعلوم، فالواجب ما لا يتصور في العقل عدمه كصفات الله تعالى والمستحيل ما لا يتصور في العقل وجوده كالجمع بين النقيضين. والجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه كهذا العالم.
الواجب لله تعالى من الكمالات لا نهاية له لكن بعضه نصب لنا دليل على خصوصه فوجب علينا معرفته تفصيلاً وهو الصفات العشرون وبعضه لم ينصب لنا دليل عليه
стр. 26
بخصوصه فوجب علينا معرفته إجمالاً لعدم ما يدل على تعينه.
الصفات العشرون الواجبة له تعالى هي الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بنفسه والوحدانية والقدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام وكونه قادراً مريداً عالماً حياً سمعياً بصيراً متكلماً.
الوجود
لاشك أن الإنسان إذا أعمل الفكر في عجائب مصنوعات الله تعالى اضطر إلى الحكم بأن هذه الموجودات مع هذا الترتيب المحكم لا تستغني عن صانع أوجدها من العدم، وحكيم رتبها على قانون أودع فيه فنون الحكم، قال إعرابي وقد سئل ما الدليل على وجود الصانع أثار القدم تدل على المسير فهيكل علوي ومركز سفلي إلا يدلان على اللطيف الخبير ووقف قس ابن ساعدة الأيادي يعظ قومه في سوق عكاظ فقال يا أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا. وأن وعيتم شيئاً فانتقعوا. أن من عاش مات ومن مات فات. وكل ما هو آت آت. مظرونبات. وأرزاق وأقوات. وجمع وأشتات. وآيات بعد آيات، إن في السماء لخبرا، وفي الأرض لعبرا. نجوم تمور وبحار تغور. وسقف مرفوع. ومهاد موضوع. أقسم بالله قسماً. لا حانثاً ولا آتماً. أن الله ديناً أحب من دينكم. ونبياً قد أظلكم أوانه. وأدرككم أبانه. فطوبي لمن أدركه فآمن به وهداه. وويل لمن خالفه وعصاه ثم قال ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون. أرضوا بالمقام فأقاموا. أم تركوا هناك فناموا. يا معشر بني آدم أين الآباء والأجداد. أين المرضى والعواد. طحنهم الثري بكلكله ومزقهم الدهر بتطاوله كلا بل هو الله الواحد المعبود. ليس بوالد ولا مولود. وقال أبو حنيفة ﵀ وقد همّ بقتله جماعة ممن أنكروا الآله هل يعقل أن سفينة مشحونة بالإحمال. مملوءة من الأثقال. قد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة وزياح مختلفة وهي من بينها تجري مستوية بلا اضطراب، لا ملاح لها يجريها. ولا متعهد يدفعها. قالوا لا هذا شيء لا يقبله العقل. فقال أبو حنيفة يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل جريان سفينة مستوية من غير متعهد ولا مجر فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها. وتغير أعمالها. وسعة أطرافها. وتباين أكنافها من غير وجود صانع فبكوا جميعاً ثم تابوا وانصرفوا.
وعلى هذا درست العقلاء إلا من لا عبرة بمكابرته من الدهرية والطبيعية اتفقت كلمة من
стр. 27
يعتد بقولهم أنه لا طريق لرقي الإنسان إلى أوج السعادة واقتحامه عقبات هذه الحياة إلا بالنظر في النفس والتأمل في ملكوت السموات والأرض. ليقف على حقائق الكون وطبائعه، فيزداد إيماناً بوجود الصانع وكمال تدبيره.
ليس المراد من النظر تقليب الحدقة فإن البهائم تشارك الإنسان فيه، ومن لم ير من السماء إلا رزقتها، ومن الأرض إلا غبرتها، فهو مشارك للبهائم وأدنى حالة منها وأشد غفلة (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل).
فعلم أن المراد من النظر التفكر في المعقولات، والنظر في المحسوسات والبحث عن حكمتها وتصاريفها لتظهر حقائقها وكلما أمعن الإنسان النظر فيها ازداد هداية ويقيناً ونوراً وتحقيقاً وعجائب السموات والأرض بحار لا تدري سواحلها، ولا تعرف أوئلها ولا أواخرها (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) ومع هذا كله نرى أن الإنسان إذا دهاه أمر، أو ألمت به ملمة، فلابد أن يفزع إلى مرجع يرجع إليه، ويعتمد في كشف بلواه عليه، فيستغيث به طبعاً وجبلة، لا تكلفاً وتصنعاً هذا كله مر كزوفى جبلة الإنسان العاقل ولكن أكثر الناس يذهلون عن ذلك في السراء ويرجعون إليه تعالى في الضراء (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا أياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم) فثبت بهذا أن عامة الناس ارتكز في طبائعهم وتمكن من نفوسهم من غير معلم أرشدهم، ولا اصطلاح وقع بينهم أن لهم خالقاً يدبر شئونهم وهم متساوون في هذا الاعتقاد مهما اختلفت طرائقهم ومشاربهم، وتضاربت آرائهم ونزعاتهم والرسل عليهم الصلاة والسلام لم يرسلوا ليعلموا الناس بوجود الصانع فإنه معلوم الوجود بداهة كما قدمنا وإنما أرسلوا عليهم الصلاة والسلام ليدعوا الناس إلى التوحيد كما تشهد آية (فاعلم أنه لا إله إلا الله).
الصيام
قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تنقون أياماً معدودات) أمر الله جبت حكمته عباده المؤمنين بالصيام وألزمهم به أعتناء بهم. وتفضلاً عليهم. ليطهرهم به من الآثام. ويحررهم من رق الشهوات ليخلقهم ببعض أخلاقه، ويلحق أوصافهم بأوصاف ملائكته، ليستخلصهم لنفسه، ويدخلهم حظيرة قدسه. ثبتت
стр. 28
فرضية صوم رمضان على المكلفين بالآية المتقدمة وبقوله ﷺ بني الإسلام على خمس شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وأيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وعلى هذا انعقد الإجماع فيكفر جاحده ويستحق عذاب النار تاركه.
(مسئلة)
الصوم هو الإمساك عن جميع المفطرات من الصبح إلى الغروب بنية مخصوصة وهاك نبذة من المفطرات أثبتناها هنا لكثرة طروها، وشدة الحاجة إليها، وهي الأكل والشرب والجماع، واستعمال الدخان، والسعوط. والاحتقان وسبق الماء إلى الفم أو الأنف في المضمضة والاستنشاق. وتعمد القيء ولو دون ملء الفم. وإعادة ما غلبه منه بصنعه. إذا كان ملء الفم. وأكل ما بين الأسنان إذا كان قدر الحمصة. واستعمال هذه المفطرات أو أحداها عمداً بعدما صدرت نسياناً أو مع الشك في طلوع الفجر والحال أنه قد طلع أو مع ظن أن الشمس غربت وهي لم تغرب. إلى غير ذلك مما يجب على الإنسان طلبه من محاله مهما وجد داعية إليه.
ليس الصيام كما يظن من خصوصية أمة (محمد) ﷺ بل هو عام في جميع الأمم. حضت عليه الأنبياء وحثت عليه عامة الشرائع لما له من المنافع الدينية والدنيوية. والفوائد الصحية والأدبية. حسبك من مناقبه أن الثواب عليه بعيد من مظان الحصر. وخارج عن دائرة التقدير. إذ كان متميزاً بخاصية نسبة إليه تعالى. لا يدانيه فيها غيره من جلائل الأعمال. ولا يشابهه فيها سواه من عظائم الخصال قال الله تعالى في الحديث القدسي كل حسنة بعشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به وأنه الغاية التي يرمى إليها كبار الأطباء في حفظ الصحة. والأمر الجامع لتقوية الجسم ونشاطه. وأنه من الدروس العالية في الأخلاق، تنكسر به شهوة النفس. وتضعف سيطرتها وفي ذلك من الفوائد ما لا يخفى. ضعف سيطرة النفس ويقلل الذنوب. ويكسب الإنسان ميلاً إلى الحق. ورغبة في الأنصاف. وبعداً عن كل ما يعيب. حتى أنه لا يهمز ولا يلمز. ولا يعتوا ولا يتعجرف بل يكون لين الجانب سهل الانقياد. (سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى. سمحاً إذا قضى. سمحاً إذا استقضى) لا يظلم ولا يخون. ولا يؤذي أحداً من خلق
стр. 29
الله، الصيام كما أنه يكثر شهوة النفس ويذهب بسيطرتها يسبب صفاء القلب. وسعة الفكر. وطيب السريرة. ويبعث في النفس رحمة تضطر الصائم إلى النظر في حال أولئك الضعفاء المساكين وهو أحد أسباب مشروعية الصيام. فمن أدكر أن بعض الفقراء تلجئه الضرورة في أيام رمضان إلى الاقتصار على لون واحد من الطعام وبعضهم يضطره العدم إلى أن يبيت حزيناً طاوياً يقع في قلبه أثر هذه الرحمة ويشعر بمذاق ذلك الحنان. فتراه يحن على الفقير حنينه على جسده. ويعطف إليه عطفه إلى ولده وبذلك يستوجب رضاء الله ورحمته (الراحمون يرحمهم الرحمان ﵎ يكون متقبل العمل مكتوباً اسمه في ديوان الصائمين. أما من غفل عن أسرار الصيام وفوائده وظن أنه يحصل بمجرد ترك الكل والشرب وأن نام الإنسان ثلثي النهار وتناول الكثير من الأطعمة ليخفف وطئة الصوم ورفث وفسق وأكل الحرام. وسرح في ميدان الشهوات وأذى آله وجيرانه. ووقع في أعراض الناس. فليس لله حاجة في صيامه روى البخاري مرفوعاً (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وجاء في بعض روايات الحديث السابق أمره ﷺ الصائم بحفظ اللسان بقوله (إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل فإن أمرؤ قاتله أو شاتمة فليقل أني صائم أني صائم) زد على هذا إن الغافل لم يعرف مقدار نعمة الله على عباده فإن من لم يذق ألم الجوع ولا يعرف مقدار نعمة وجود الطعام. وإن نفسه ضعيفة لم تعتد الصبر على تحمل المشاق. والرضا بالقليل عند فقد الكثير. وإنها النفس الشريرة التي تكره الطاعات. وترغب في الشهوات. وبذلك تقل الحسنات وتكثر السيئات ويكون هذا الرجل هو الذي لم ينله من صيامه إلا الجوع وتحمل الأوزار. وفقنا الله لمرضاته وألهمنا العمل بواجباته. مع فهم أسرارها. وجنى ثمارها. وأعاد علينا وعلى المسلمين أمثال هذا الشهر المبارك ممتعين بما يسر الصديق. ويكبت العدو. أمين.
стр. 30
اللغة العربية
ومن يسعى في محوها كالذهاوي
حفظ اللغات علينا ... فرض كحفظ الصلاة
إذ ليس يحفظ دين ... إلا بحفظ اللغات
أطبق علماء الاجتماع والعمران، على أن احتفاظ كل أمة بلغتها مما يضمن لها حفظ حسبها ومجدها، وبقاء ميزاتها بين سائر الأمم وهي العلاقة الوثيقة التي تجمع بين أفراد الأمة مهما افترقوا وتباعدوا ومهما اختلفت آرائهم وتباينت أهوائهم، ومن أمعن النظر في أسرار الجامعة اللغوية، ظهر له فضل هذه الحكمة العمرية التي كتب بها سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري وهي قوله له (خذ الناس بالعربية، فإنها تزيد في العقل، وتثبت المروءة).
فإن العربي المطلع على كنه لغة قومه باستقراء أشعارهم وأمثالهم وتتبع حكمهم، وسائر أوقالهم، يعرف بذوقه العربي ما كانوا عليه من الأنفة والإباء، والشهامة والذكاء، وسمو المدارك والأفكار، وسائر مكارمه ومأثر أخلاقه، من سعة الصدر والسماحة والوفاء بالعهد والتزام الصدق. وبذل النفس والنفيس. في حماية الجار والمستجير. وإغاثة الملهوف والمتصرخ. مع الحذق في الفراسة. والمهارة في الفروسية والشجاعة. التي كانت تقلل في عيونهم جحافل الأعداء. وكتائب العاديين مهما بلغت عدداً وعدداً وماذا عسى أن أسرد للقراء مما يمكنهم أن يستنبطوه من خلال كلمات العرب وغضون عباراتهم من المناقب والمفاخر التي لم تذل تتناقلهم الأمم، جيلاً فجيلاً، وكابراً عن كابر ولولا هذه اللغة المجيدة لما ظفرنا بشيء من آثار تلك الأمة النجيبة التي أصبح تاريخها آية كبرى، وأكبر موعظة وذكرى، ولأن كان في كتب المؤرخين مجال لدعوى الارتياب في الحقائق التاريخية فلسان العرب المشتمل على كلامهم الجذل البليغ، أصدق شاهد ينبئ عما انطوت عليه تلك الأيام من الوقائع المأثورة التي (لها غرر مشهورة وحجول).
وأما فصاحة هذه اللغة واتساعها، فمما لا يتمارى فيه اثنان، ولا يمتطح فيه عنزان، ولذلك قيل أن الحكمة تنزلت على ثلاثة أعضاء من أهل الأرض، ألسنت العرب، وأدمغة اليونان وأيدي أهل الصين، فالعربي الصحيح هو الذي إذا نطق أراك السحر الحلال، وأجرى
стр. 31
بسلاسة قوله الماء الزلال، على أنه هو الذي بين فكيه سيف صارم كما قال الشاعر:
تقلقل بين فكيكَ ابنُ غمدٍ ... صليل غراره الكلم الفصاح
تقطُّ به مفاصل كل قول ... ونت عنه المهندة الصحاح
فقل لي يا ناشدتك الله أي ناطق بالضاد تتمثل له فضائل قومه هذه وضاحة جلية بالسان المبين ثم لا يدفعه ضميره إلى التحلي بآدابها. والتمسك بأهدابها. والاقتباس من محاسنها. جهد المستطيع اللهم إلا إذا كان ميت النفس. فاقد الحس. وهذا لا كلام لنا فيه لأنه ملحق بالجمادات أو العجماوات وإنما كلامنا في هذا المخلوق المكرم الذي يقال له المرء. والرجل. والإنسان. أي ذو المروءة والرجولية والإنسانية وهذا لابدان تدعوه نفسه الناطقة. الحساسة الدراكة. أن يعمل بمقتدية قول جد النبي ﷺ :
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل
نبنى كما كانت أوائلنا ... تبنى ونفعل مثل ما فعلوا
وحسبك دليلاً على أن اللغة تزيد في العقل، وتثبت المروءة. كونها تدعوا ابنها إلى التأسي بكرام. قومه ورجالات أمته. ليكون عصامياً عظامياً كما قال عامر بن الطفيل:
فما سودتني عامر بن كلالة ... أبي الله أن أسموا بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقى ... أذاها وأرمى من رماها بمنكب
ومن ذا الذي يحيط علما بجزء صالح من هذه اللغة الكريمة ويشرف على بحور قواميسها الذاخرة. ثم يدعى أنها قليلة المادة لا تفي بالتعبير عن حاجيات هذا الزمن، ولا تكفي لأداء معاني العلوم العصرية ولا يمكن أن يوجد ألفاظها ما يليق اطلاقه على ما لم يذل يتجدد من هذه المخترعات والمكتشفات هكذا أصبح اليوم بعض الناس يتقولون فينسبون إلى هذه اللغة العظيمة تتزهها عنه (الحقائق).
فاللهم غفراً غفراً. يئدون بناتها. ثم يدعون عقمها. ويعمون عن مخدراتها وغانياتها. ثم يصومونها بالقبح. ويصومون عن لحنها الرقيق ونغمتها الرخيمة. ثم يرمونها بالعي والحصر، ويتهمونها بالبكم والخرس، فساء ما تقول وبئس ما يدعون مما لا يمالئهم عليه إلا كل من يهرف بما لا يعرف.
يشدو أحدنا من العلوم العربية شيئاً نزراً يسيراً لا يتجاوز قصائد معدودة وأمثالاً قليلة مع
стр. 32
بعض النوادر الإعرابية ثم يستظهر نتقة من الكلمات العويصة ويحفظ نبذة من القواعد اللغوية ثم يريد أن يظهر بين الملاء بمظهر ثعلب أو ابن السكيت أو غيرهما من أئمة اللغة غير أنه يرى نفسه تتضائل في ميدان أولئك الفرسان ويخشى أن يقال له أخطأت أستك الحفرة أو أطرق كرا أو ليس بعشك فادرجي فتأخذه العزة بالإثم لعجزه عن لحاق فحول رجال العربية ويتميز غيظاً فلا يجد ما يتشفى به لنفسه الكسلى أسهل عليه من الإفتراء على هذه اللغة الكريمة فيتحامل عليها تحاملاً يجعله مضغة في الأفواه، وضحكة بين العقلاء على انه لا يجد ما يلفقه غير زعمه أن لسان الناطقين بالضاد لا يليق بأنباء هذا العصر الممتلئ بالمخترعات الجديدة، والمكتشفات الحديثة، ثم يؤيد هذه الدعوة الواهية بأن لغة العرب تحتاج إلى علوم كثيرة يصعب تحصيلها فيا له من تأييد عاد صاحبه بنقض دعواه وكأنه لم يدر في غلده أن تلك العلوم الكثيرة أوضح برهان على رقي اللغة التي دونت هي لبيان محاسنها، والدلالة على بديع أساليبها الحكيمة، وإرشاد المتكلمين بها على وجوه الصواب ووضع كل قول في موضعه حيث أن لكل مقام مقالاً واللغة الغزيرة المادة التي تشتمل على دقائق المعاني الجمة هي التي تخدم بالعلوم الكثيرة من نحو وصرف ومعاني وبيان وبديع وغير ذلك وها نحن كل يوم نرى أن من تبحر في لغة الضاد وكل طويل الباع في تناول جواهرها ومحرزاً قصب السبق في مضمارها، يشهد لها بعظم الفضل والتميز بين سائر اللغات، ويعترف بالعجز عن بلوغ نهاياتها، هذا الإمام الشافعي وهو الثقة الثبت والحجة في المسائل اللغوية والذي لا ينعقد إجماع بدونه بل كان رجال العلم يتوقفون على رأيه في اللغة بلهو ثائر العلوم التي كان مجلياً في حلبتها وقد صرح ﵁ أن الإحاطة بهذه اللغة العربية مما لا يمكن إلا للأنبياء يريد أن ذلك لا يكون الأمن طريق العناية الإلهية الخاصة بالأنبياء من وحي وإلهام وغيرهما ومن البراهين المحسوسة على هذا أن الكاتب العربي مهما سبق له التوفر على دراسة لغته وصرف الهمة إلى تحصيلها أو مهما بلغ من الحذق والمهارة والإتقان في فن الإنشاء قلماً تسلم كتابتهم من الهفوات والأغلاط اللغوية.
وبهذا يزول العجب مما قد تزل به ألسنة بعض أكابر الكتاب البارعين في الإنشاء ويصدر من فحول أرباب اليراع النابغين في الكتابة نظماً ونثراً وإنما الفاضل المجيد منهم جداً هو
стр. 33
الذي تعد سقطاته وتحصى غلطاته والكمال من جميع الجهات في كل أمر إنما هو لله وحده.
ولعمر الحق أننا أولي الأمم بالاعتناء والاحتفاظ بشأن لغتنا الفصحى التي هي عندنا لغة الدين والعلوم ونحن إذا أخلصنا الخدمة لهذا اللسان المبين وأحسنا القيام بواجباته فلسنا نخدم بذلك العرب فقد بل نخدم المسلمين قاطبة من أي عنصر كانوا وحيثما أقاموا.
فموضوع اللغة هو الذي يجب علينا القيام بلم شعثه، وضم نشره، وإظهار معالمه وتصحيح الخطأ الذي ينتابه، ورد الشبه التي تتوارد عليه، فتمسخ الألفاظ وتنسخ المعاني.
فحسبنا ما فرطناه في جنب اللغة حتى كادت تكون أثراً بعد عين، وتصبح عسلطة كرطانة البرابرة، وزمازم العلوج، وأصبحنا ونحن المنتمون إلى ملوك الكلام نرتضخ اللكنة الأعجمية ونوشك أن نندمج في بقية العناصر أو نستحيل انقلاب إلى عنصر جديد مستعجم. فيصدق علينا قول أبي العلاء:
أين أمرء القيس والعزاري ... إذ مال من تحته الغبيط
استنبط العرب في الموامي ... بعدك واستعرب النبيط
وكأننا لا نبالي بأن ننسلخ من هذا العنصر الصميم الكريم الذي يشهد له بالمجد والسؤدد والعظمة حتى المستشرقون والمستشرقات من الإفرنجة والفضل ما شهدت به.
وهلا نهب الآن من سباتنا ونزاول إزالة ما حال بيننا وبين لساننا المجيد من العقبات العنودة بأن نعمل معاً معاشر الكتاب على إزاحتها مهما كثرت وصعب خطبها فإن همم الرجال تزيح الجبال ولله در القائل:
لاستسهلن الصعب وأدرك المنى ... فما قادت الآمال إلا لصابر
وهلا نستمع لصوت هذه اللغة التي قامت اليوم تستصرخ بأبنائها مما ابتليت به ممن يتجرأ على القول بوجوب إهمالها وإلغائها ونبذها ظهرياً وأن يستعاض عنها بالمتداول على ألسنة السوقة وعامة الناس مما يتخاطب به الأوباش والهمج ويتحاور به الرعاع والطغام من تلك اللغة الملفقة والمبتذلة المشحونة بالرطانة واللكنة والمشينة بالكلمات الأعجمية التي عنها الحافظ إبراهيم ذلك الشاعر الخنذيذ المفلق بقوله:
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة ... منوعة الألوان مختلفات
وإننا مع كوننا من عشاق حرية الفكر لنستهجن رفع العقيرة بمثل هذا الرأي الفطير البديهي
стр. 34
البظلان وهل هو يا رعاك الله إلا بمثابة من يطلب مسخ الغادة الحسناء الرائعة الوسية القسيمة ويحرص على جعلها قردة مشوهة قبيحة المنظر دميمة الخلقة شنيعة الهيئة سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم ولولا خوف الإطالة لأوردت من اللغة المحكية العامية ما تمجه الإسماع وتنفر منه الطباع من ركاكة الألفاظ وتنافر التراكيب وقصور المعاني وغير ذلك مما يبرهن على أن اللغة المحكية اليوم بين العرب هي اللغة الفوضوية بين اللغات فلا يمكن أن تنحصر تحت قواعد أو تنضبط بأصول وقوانين على أن القائل بجعلها لغة الكتابة بدل اللغة الفصحى لابد أن تظهر له الأيام خطأه ويسقط رأيه بنفسه:
وما كل قول قيل علم وحكمة ... ولا كل آراءِ الرجال صواب
стр. 35
الأخلاق
السعي والتوكل
لامرية أن الإنسان مهما بلغ من الكمال، وعلا كعبه في الرقي، وتفلسف في الاختراع والاكتشاف وتمكن في الحضارة والتمدن ووصل في المعارف إلى رتبة لا تنال، وغاية ولا تدرك مفتقر إلى ما يقوت جسمه، ويمسك روحه وبدنه، من لدن نشؤه إلى يوم وفاته، (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد).
لم يفرق سبحانه في هذا الافتقار بين صغير وكبير، وغني وفقير، وعامل وجاهل، بل جعل الكل مفتقرين إليه محتاجين إلى منه وكرمه، ولم يدعهم وشأنهم بل هيأ لهم سبحانه أسباباً يتعاطونها، وأدر لهم الضرع، وأنبت لهم الزرع، وخلق ليلاً يسكنون فيه، ونهاراً يتعيشون في أوقاته، وجعل ما في هذا الكون لهم، (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ترى أيها القارئ إذا أنعمت النظر في هذه الآية الكريمة أن يد الإنسان مبسوطة على هذا الكون بما فيه، وأن الكل مسخرون لأمره، منقادون لعمله وفكره، ولكن لم يشأ تعالى أمره أن يكون له ذلك هنيئاً مريئاً، سيغ الشرب لذيذ الطعم بل يسر له ذلك وذلله يسر وجعله بعيداً منه بحيث يراه ثم أمره بالسعي إليه، والمشي والإقبال عليه، (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) فلابد من الجد والاجتهاد والتجول، ولا غنية عن السعي والكد والعمل، ولولا ذلك لهلك الناس، وفسد نظام وجودهم، وبطلت حكمة تميزا الخبيث والطيب منه، هذا (رسول الله) ﷺ مع انه خيرة الخلق لم يكن ليدع التكسب والعمل فقد سافر مع عمه المرة الأولى في تجارة إلى الشام وسافر إليها المرة الثانية أيضاً لتجارة لخديجة بنت خويلد مع غلام لها يدعى ميسرة فباعا بيعاً عظيماً وربحا ربحاً جسيماً، وقال (أحل ما أكل الرجل من كسبه وكل بيع مبرور).
وقال ﵊ وكان جالساً مع أصحابه فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة يسعى فقالوا ويح هذا لو كان شبابه وجلده في سبيل الله فقال ﷺ لا تقولوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسئلة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفهم فهو في سبيل الله، وإن كان
стр. 36
يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل الشيطان وهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبله قد اشتهر عن أكثرهم لاحتراف بحرف مخصوصة كالزراعة والتجارة والخياطة وغير ذلك وهؤلاء السلف الصالح ﵃ كانوا يكرهون البطالة أشد الكراهية، ويعدون صاحبها العضو الأشل في هذا المجتمع ومن عباراتهم تقعد عن الرزق وتقول اللهم أرزقني وقد علمت أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة فدع الحمول والكسل واسع لتستغني عن الناس، وقال عمر ﵁ ما من موضع يأتيني فيه الموت أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع واشتري، وقيل لأحمد ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي فقال هذا رجل جهل العمل أما سمع قول النبي ﷺ حين ذكر الطير فقال تغدوا خماصاً وتروح بطاناً، فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق فاستبان بهذا أن لا مندوحة لا حد عن السعي والعمل ولا غنى له عن التكسب والكدح، وأن على المسلمين أن يحترفوا ولا يتجروا، ويضربوا في الأرض، عملاً بمقتضى دينهم، وإرشاد نبيهم، وأن من يزعم أن دينهم يأمرهم بالجمود والحمل والكسل، هو الجاهل الدنيء المتعصب، أو العدو الأحمق المتفرنج، هل يعقل أن ديناً بين الناس سبل الحضارة والتقدم، والعمل والتمدن، وجاءهم بالبينات والهدى، والتربية والآداب يأمر بالجمود، هل يتصور أن ديناً جاء بتنمية العقول، وتهذيب النفوس، يأمر بالحمول هل يتوهم أن ديناً جاء بعلو الهمة وكرائم الأخلاق، ومحاسن الصفات والآباء عن الدنايا يأمر الكسل كلا؟ فإن قلت ما قررته ودعوت إليه ينافي التوكل ويباين الانقطاع إلى الله تعالى وأين هو من قوله عز أسمه (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وقوله ﵊ من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب قلنا الجواب عن هذا يحتاج إلي شرح معنى التوكل وبيان حقيقته إذ يتوهم كثير أن التوكل ترك الرجل هذه الأسباب بتاتاً وإهمال نفسه بحيث يجعلهم كالثوب الخلق الملقى عن الأرض ثم يكون في حاجاته كلا على الناس وهذا كما لا يخفى لا يرتاب عاقل بمنعه وتحريمه لأنه مع مخالفته ما تقدم من صريح الأدلة آية الذل، وعلامة الهون والمسكنة والمؤمنون مبرؤن عن ذلك قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين إذا تمهد هذا فاعلم أن التوكل هو الركون إلى الله وحده واعتقاد أنه هو الفاعل المختار والكافر لأرزاق عباده والمسلم من حيث هو مسلم يعتقدان لا إله إلا
стр. 37
الله وإن ما في هذا الكون من منع وإعطاء وموت وحياة وغنى وفقر بإيجاده تعالى وحده لا شريك له فيه وإن الكسر والسعي والعمل من سنن الله تعالى في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا وإن المسلم مأمور أن يتعاطاها ظاهراً مع الإيقان أن المأثر هو الله تعالى فلا يكفيه الاعتقاد بدون العمل، ولا العمل بدون الاعتقاد بل لابد منهما كليهما لا يكون هذا مفسداً للتوكل ولا منافياً له أرأيت لو أن أرضاً مسبعة علمها إنسان وتحقق هلكه فيها هل يجوز له الشرع بحيلة التوكل حلولها. أو النوم فيها كلا وكذلك لا يجوز الشرع للمرء أن يعرض عن العمل، ويدع السعي حتى يهلك وصبيته، أو يموت وأهله، وصف رسول الله ﷺ المتوكلين ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون ولا يتعيشون بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب معتقدين أن الفاعل هو الله سبحانه أخذك بالأسباب واعتمادك على رب الأرباب هو عين التوكل وثمرة التفويض، ولب الانقطاع، فالتوكل إذاً هو التوحيد الصرف الباعث على الشجاعة والإقدام وثبات القلب وعلو الهمة والاطمئنان لا كما يفتريه كثير من المتفرنجين فيزعمون أنه مخرب للبلاد مضر بالعباد وأن لا حياة للإنسان إلا بالاعتماد على نفسه. والركون إلى عمله. والثقة بحوله وقوته سبحانك ربنا وبحمدك. علمنا ما ينفعنا. ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا آله دبر هذا الكون بما فيه. وأمد أهله بالعون والقوة ندعه ونعتمد على أنفسنا آله له الملك والملوك. والعظمة والجبروت. أوجدنا من العدم ووهبنا هذه الحياة وكل شيء فيها نغفله ونتوكل على أنفسنا سبحانك ما عرفك الناس حق معرفتك فلا تهلكنا بما فعل السفهاء منا.
أيها المتفرنج بعداً لك وسحقاً إن لم تتكل على مولاك. وتترك الثقة بنفسك وهواك. أين قوتك لو أمرضك. أين هولك لو أهملك. أين تدبيرك وحزمك لو سلب منك جوهرة عقلك. أين أنت من قوله تعالى لنبيه ﷺ (قل لا أملك بنفسي ضر ولا نفعاً إلا ما شاء الله) اللهم اجعلنا ممن يرجع فيه أموره إليك. ويعمل هو متكل عليك. ولا تكلنا إلى أنفسنا ترفة عين.
الاستعداد الإنساني
كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يحسانه.
من نظر في القرآن المجيد والأحاديث النبوية الشريفة ثم رجع إلى هذا العالم رأى أن النوع
стр. 38
الإنساني هو الملحوظ بالعناية المقصود بالكرامة. خلق لأمر عظيم ألا وهو عبادة الله وحده والإقرار بربوبيتهوالإذعان لأوامره ونواهيه ثم أنه تعالى من كمال العناية به قد خلق فيه القابلية لذلك وأشهده على نفسه فشهد بالربوبية لله قبل هذا الظهور. يعرف هذا ويؤمن به من يقر بأن القرآن كلام الله (ولا كلام لنا مع من يجحد القرآن أو بعض آياته) قال تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلا شهدنا) ولم تذل هذه الشهادة أي هذه الفطرة والقابلية مركوزة فيه حتى يبرز من عالم الخفاء وتلده أمه بهذا العالم عالم الظهور. فكل مولود يولد على الفطرة وهي الجبلة السليمة المتهيئة لقبول كل فضيلة فأل للعهد والمعهود تلك الفطرة (فطرة الله التي الفطر الناس عليها) إن الله تعالى خلق في قلوب بني آدم هذه القابلية كما خلق في أسماعهم وأبصارهم قابلية للمسموعات والمرئيات فلو تركوا على تلك القابلية وهذه الفطرة ولم يعرض لهم ما يصدمهم عن النظر الصحيح ونصب الأدلة الجلية على التوحيد وصدق الرسول لأدر كوادين الفطرة، دين الإسلام، دين الحق، ولم يختاروا إلا الملا الحنفية السمحاء، يدلك على هذا ما وقع في رواية البخاري في تتميم الحديث (كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها من جدعاء) يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليماً من الآفات فلو ترك على الأصل لبقي كامل الخلقة بريئاً من العيوب لكن تعرض له بعض الآفات والنقائص فتجدع أذنه، ويوسم وجهه، فيخرج عن الأصل وكذلك الإنسان يولد ظاهراً نظيفاً كاملاً شريفاً. مفطوراً على التوحيد والإذعان. مجبولاً على قبول الإسلام والإيمان. تناديه الفضائل من كل ناد. وتدعوه المعارف والعلوم بكل لسان. ولا يزال هدى شانه (حتى يعرب عنه لسانه) أي إلى زمان تمييزه وإدراكه (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمحسانه).
الإنسان من أول نشأته معرض للآفات البشرية، وقد تأتيه البلايا وتصيبه الرزايا فمن يزعم أنه متفان في إيصال النفع إليه مجتهد في دفع الضير عنه لا بوان لهما أعظم المنة حتى يسعيا في نقض هذا البناء وتخريب هذا العمران.
يولد الطفل فتذوق أمه من ألم الولادة ما الله أعلم به، ويتحمل أبوه من ثقل الكدح في استحصال القوت والكسوة له سيما أن كان فقيراً ما يعدل ألم أمه زد على هذا ما ينالهما بعد ذلك بسبب معاناة التربية من أنواع العذاب. سهر ليالٍ. وقلق بال. أمراض مبرحة عوارض
стр. 39
مترحة ولن يبرحا على ذلك حتى ينمو ذلك الطفل فيصير صبياً فغلاماً فشاباً وعند ذلك يبتدأن في تعليمه ما تلقفاه من آبائهما من أنواع الكفر روى عن النبي ﵊ حكاية عن رب العزة (كل عبادي خلقت حنفاء فاغتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري) ذكر الأبوين في الحديث الشريف باعتبار الغالب وقد يكون الموصل لهذا الشقاء غيرهما من شياطين الأنس. الأستاذ. والمعلم. والمربي. وإن لم يكونوا آباء يكون لهم التأثير على عقل الصبي أو الشاب وكذلك الصاحب المخالط سيما أن كان هناك ميل قلبي وشغف زائد.
يغدوا هذا الصبي الفطري لمدرسة علمية ليتعلم العلوم النافعة أو لمكان صناعي أو تجاري ليستفيد صنعة أو تجارة أو إلى مرب ليأخذ عنه الأدب والتربية الصحيحة فلا يلبث حتى يخرج تمثال أستاذه أو معلمه أو مربيه وهناك الطامة الكبرى مذلة الأقدام إن كان هذا الأستاذ أو المربي أو المعلم أجنبي أو خريج المدارس الأجانب ولا يأخذ منك الاستغراب أن تقول من أين سرى لنا هذا التفرنج وكيف أتتنا هذه اللوثة الغربية لأن حبك الشيء يعمي ويصم.
هذا الوباء الساري قد عظم في هذه الأزمنة حتى كان لا يخلو منه العالم والصالح فضلاً عن العوام السذج وأنا نرى أن دام هذا الداء وتغضينا عن السعي وراء الدواء كان الأمر أخطر، والخرق أكبر، أولى الناس سعياً بتطهير هذه الجراثيم الفاسدة علماء الدين والأغنياء فالعلماء تبين المفاسد وتجاهر بها في المحافل والمساجد والأغنياء تقبل تلك الأقوال بالامتثال وتمتنع من ادخار أولادها يمثل هذه المد \ ارس خشية أن تتخلق بمثل هذه الأخلاق وتسعى بإنشاء مدارس إسلامية تعلم العلوم النافعة الخلية من شوائب الريب وتخلق بأخلاق أسلافنا العظام وحين إذ نرى التقدم الباهر الذي كان لأبنائنا الأول أعاد الله إلينا هذا المجد وباعد عنا الأغيار آمين.
стр. 40
الأسئلة والأجوبة
جائتنا هذه الرسالة من العالم الفاضل صاحب الإمضاء:
سئلت عن معنى القاضي وعن المراد من تقسيم القضاة في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم في مستدركه عن بريدة ﵁ وهو قوله ﵊ (قاضيان في النار وقاض في الجنة قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فجار متمعداً أو قضى بغير علم فهما في النار) فأجبت بقولى القاضي هو من يعهد إليه بأن يحكم بين خصمين بحق من الحقوق ولو بتحكيمهما ولا فرق بين أن يكون المعهود إليه بالحكم واحداً أو جماعة كما هو المصطلح عليه في هذا العصر في ثائر المحاكم فكل واحد من علماء الجماعة المعهود إليهم في الحكم قاض ولا فرق بين كونه نائباً لمحكمة شرعية أو رئيساً لحقوقية أو حزائية أو عضواً في بعضها فلكل على السواء داخلون في أقسام قضاة الحديث الشريف.
والمراد من التقسيم بقوله على الصلاة والسلام قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة، التقسيم من جهة اتصافهم بالعلم ومعرفة الأحكام الشرعية والجهل لذلك وحكمهم بأوجه الشرعي على علم به أو جهل وجورهم بالحكم عمداً أو خطأ كما هو صريح تتمة الحديث.
أما التقسيم باعتبار العدد فليس بمراد ومن توهم ذلك فجعل ثلثي قضاة في النار وثلثهم في الجنة من خير تفقه منه لتتمة الحديث فقد عرى من العلم وارتدى ردأ الجهل.
الحديث يتضمن ستة أقسام يحسب الاعتبار الذي ذكرناه قسمان من قضاة الخير وأربعة من قضاة السوء فقوله ﵊ قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، شروع في بيان هذه الأقسام وهذا أحد أقسام قضاة الخير وقوله قاض عرف الحق فجار متعمداً هو أحد أقسام قضاة السوء ومن قوله متعمداً يخرج غير المتعمد وهو من يعرف الحق ويحكم به ولكن أخطأ في الحكم لا عن قصد وهذا ثاني قضاة الخير لأن المؤاخذة بالخطأ مرفوعة عن هذه الأمة، قال ﵊ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكر هو عليه وقوله ﵊ أوقد بغير علم شامل لثلاثة أقسام من قضاة السوء لأنه صادق بما إذا جال في الحكم عمداً وهذا قسم أو جار خطأ وهذا قسم ثان أو صادف في حكمه الحق على غير علم وهذا قسم ثالث والله أعلم نعوذ بالله من النار ومن كل عمل يقرب إليها ونسئله الجنة والتوفيق لكل عمل يقرب إليها.
следующие страницы →