← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل الشيطان وهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبله قد اشتهر عن أكثرهم لاحتراف بحرف مخصوصة كالزراعة والتجارة والخياطة وغير ذلك وهؤلاء السلف الصالح ﵃ كانوا يكرهون البطالة أشد الكراهية، ويعدون صاحبها العضو الأشل في هذا المجتمع ومن عباراتهم تقعد عن الرزق وتقول اللهم أرزقني وقد علمت أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة فدع الحمول والكسل واسع لتستغني عن الناس، وقال عمر ﵁ ما من موضع يأتيني فيه الموت أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع واشتري، وقيل لأحمد ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده وقال لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي فقال هذا رجل جهل العمل أما سمع قول النبي ﷺ حين ذكر الطير فقال تغدوا خماصاً وتروح بطاناً، فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق فاستبان بهذا أن لا مندوحة لا حد عن السعي والعمل ولا غنى له عن التكسب والكدح، وأن على المسلمين أن يحترفوا ولا يتجروا، ويضربوا في الأرض، عملاً بمقتضى دينهم، وإرشاد نبيهم، وأن من يزعم أن دينهم يأمرهم بالجمود والحمل والكسل، هو الجاهل الدنيء المتعصب، أو العدو الأحمق المتفرنج، هل يعقل أن ديناً بين الناس سبل الحضارة والتقدم، والعمل والتمدن، وجاءهم بالبينات والهدى، والتربية والآداب يأمر بالجمود، هل يتصور أن ديناً جاء بتنمية العقول، وتهذيب النفوس، يأمر بالحمول هل يتوهم أن ديناً جاء بعلو الهمة وكرائم الأخلاق، ومحاسن الصفات والآباء عن الدنايا يأمر الكسل كلا؟ فإن قلت ما قررته ودعوت إليه ينافي التوكل ويباين الانقطاع إلى الله تعالى وأين هو من قوله عز أسمه (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) وقوله ﵊ من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب قلنا الجواب عن هذا يحتاج إلي شرح معنى التوكل وبيان حقيقته إذ يتوهم كثير أن التوكل ترك الرجل هذه الأسباب بتاتاً وإهمال نفسه بحيث يجعلهم كالثوب الخلق الملقى عن الأرض ثم يكون في حاجاته كلا على الناس وهذا كما لا يخفى لا يرتاب عاقل بمنعه وتحريمه لأنه مع مخالفته ما تقدم من صريح الأدلة آية الذل، وعلامة الهون والمسكنة والمؤمنون مبرؤن عن ذلك قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين إذا تمهد هذا فاعلم أن التوكل هو الركون إلى الله وحده واعتقاد أنه هو الفاعل المختار والكافر لأرزاق عباده والمسلم من حيث هو مسلم يعتقدان لا إله إلا

стр. 37

الله وإن ما في هذا الكون من منع وإعطاء وموت وحياة وغنى وفقر بإيجاده تعالى وحده لا شريك له فيه وإن الكسر والسعي والعمل من سنن الله تعالى في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا وإن المسلم مأمور أن يتعاطاها ظاهراً مع الإيقان أن المأثر هو الله تعالى فلا يكفيه الاعتقاد بدون العمل، ولا العمل بدون الاعتقاد بل لابد منهما كليهما لا يكون هذا مفسداً للتوكل ولا منافياً له أرأيت لو أن أرضاً مسبعة علمها إنسان وتحقق هلكه فيها هل يجوز له الشرع بحيلة التوكل حلولها. أو النوم فيها كلا وكذلك لا يجوز الشرع للمرء أن يعرض عن العمل، ويدع السعي حتى يهلك وصبيته، أو يموت وأهله، وصف رسول الله ﷺ المتوكلين ولم يصفهم بأنهم لا يكتسبون ولا يتعيشون بل وصفهم بأنهم يتعاطون هذه الأسباب معتقدين أن الفاعل هو الله سبحانه أخذك بالأسباب واعتمادك على رب الأرباب هو عين التوكل وثمرة التفويض، ولب الانقطاع، فالتوكل إذاً هو التوحيد الصرف الباعث على الشجاعة والإقدام وثبات القلب وعلو الهمة والاطمئنان لا كما يفتريه كثير من المتفرنجين فيزعمون أنه مخرب للبلاد مضر بالعباد وأن لا حياة للإنسان إلا بالاعتماد على نفسه. والركون إلى عمله. والثقة بحوله وقوته سبحانك ربنا وبحمدك. علمنا ما ينفعنا. ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا آله دبر هذا الكون بما فيه. وأمد أهله بالعون والقوة ندعه ونعتمد على أنفسنا آله له الملك والملوك. والعظمة والجبروت. أوجدنا من العدم ووهبنا هذه الحياة وكل شيء فيها نغفله ونتوكل على أنفسنا سبحانك ما عرفك الناس حق معرفتك فلا تهلكنا بما فعل السفهاء منا. أيها المتفرنج بعداً لك وسحقاً إن لم تتكل على مولاك. وتترك الثقة بنفسك وهواك. أين قوتك لو أمرضك. أين هولك لو أهملك. أين تدبيرك وحزمك لو سلب منك جوهرة عقلك. أين أنت من قوله تعالى لنبيه ﷺ (قل لا أملك بنفسي ضر ولا نفعاً إلا ما شاء الله) اللهم اجعلنا ممن يرجع فيه أموره إليك. ويعمل هو متكل عليك. ولا تكلنا إلى أنفسنا ترفة عين. الاستعداد الإنساني كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يحسانه. من نظر في القرآن المجيد والأحاديث النبوية الشريفة ثم رجع إلى هذا العالم رأى أن النوع

стр. 38

الإنساني هو الملحوظ بالعناية المقصود بالكرامة. خلق لأمر عظيم ألا وهو عبادة الله وحده والإقرار بربوبيتهوالإذعان لأوامره ونواهيه ثم أنه تعالى من كمال العناية به قد خلق فيه القابلية لذلك وأشهده على نفسه فشهد بالربوبية لله قبل هذا الظهور. يعرف هذا ويؤمن به من يقر بأن القرآن كلام الله (ولا كلام لنا مع من يجحد القرآن أو بعض آياته) قال تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلا شهدنا) ولم تذل هذه الشهادة أي هذه الفطرة والقابلية مركوزة فيه حتى يبرز من عالم الخفاء وتلده أمه بهذا العالم عالم الظهور. فكل مولود يولد على الفطرة وهي الجبلة السليمة المتهيئة لقبول كل فضيلة فأل للعهد والمعهود تلك الفطرة (فطرة الله التي الفطر الناس عليها) إن الله تعالى خلق في قلوب بني آدم هذه القابلية كما خلق في أسماعهم وأبصارهم قابلية للمسموعات والمرئيات فلو تركوا على تلك القابلية وهذه الفطرة ولم يعرض لهم ما يصدمهم عن النظر الصحيح ونصب الأدلة الجلية على التوحيد وصدق الرسول لأدر كوادين الفطرة، دين الإسلام، دين الحق، ولم يختاروا إلا الملا الحنفية السمحاء، يدلك على هذا ما وقع في رواية البخاري في تتميم الحديث (كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها من جدعاء) يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليماً من الآفات فلو ترك على الأصل لبقي كامل الخلقة بريئاً من العيوب لكن تعرض له بعض الآفات والنقائص فتجدع أذنه، ويوسم وجهه، فيخرج عن الأصل وكذلك الإنسان يولد ظاهراً نظيفاً كاملاً شريفاً. مفطوراً على التوحيد والإذعان. مجبولاً على قبول الإسلام والإيمان. تناديه الفضائل من كل ناد. وتدعوه المعارف والعلوم بكل لسان. ولا يزال هدى شانه (حتى يعرب عنه لسانه) أي إلى زمان تمييزه وإدراكه (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمحسانه). الإنسان من أول نشأته معرض للآفات البشرية، وقد تأتيه البلايا وتصيبه الرزايا فمن يزعم أنه متفان في إيصال النفع إليه مجتهد في دفع الضير عنه لا بوان لهما أعظم المنة حتى يسعيا في نقض هذا البناء وتخريب هذا العمران. يولد الطفل فتذوق أمه من ألم الولادة ما الله أعلم به، ويتحمل أبوه من ثقل الكدح في استحصال القوت والكسوة له سيما أن كان فقيراً ما يعدل ألم أمه زد على هذا ما ينالهما بعد ذلك بسبب معاناة التربية من أنواع العذاب. سهر ليالٍ. وقلق بال. أمراض مبرحة عوارض

стр. 39

مترحة ولن يبرحا على ذلك حتى ينمو ذلك الطفل فيصير صبياً فغلاماً فشاباً وعند ذلك يبتدأن في تعليمه ما تلقفاه من آبائهما من أنواع الكفر روى عن النبي ﵊ حكاية عن رب العزة (كل عبادي خلقت حنفاء فاغتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري) ذكر الأبوين في الحديث الشريف باعتبار الغالب وقد يكون الموصل لهذا الشقاء غيرهما من شياطين الأنس. الأستاذ. والمعلم. والمربي. وإن لم يكونوا آباء يكون لهم التأثير على عقل الصبي أو الشاب وكذلك الصاحب المخالط سيما أن كان هناك ميل قلبي وشغف زائد. يغدوا هذا الصبي الفطري لمدرسة علمية ليتعلم العلوم النافعة أو لمكان صناعي أو تجاري ليستفيد صنعة أو تجارة أو إلى مرب ليأخذ عنه الأدب والتربية الصحيحة فلا يلبث حتى يخرج تمثال أستاذه أو معلمه أو مربيه وهناك الطامة الكبرى مذلة الأقدام إن كان هذا الأستاذ أو المربي أو المعلم أجنبي أو خريج المدارس الأجانب ولا يأخذ منك الاستغراب أن تقول من أين سرى لنا هذا التفرنج وكيف أتتنا هذه اللوثة الغربية لأن حبك الشيء يعمي ويصم. هذا الوباء الساري قد عظم في هذه الأزمنة حتى كان لا يخلو منه العالم والصالح فضلاً عن العوام السذج وأنا نرى أن دام هذا الداء وتغضينا عن السعي وراء الدواء كان الأمر أخطر، والخرق أكبر، أولى الناس سعياً بتطهير هذه الجراثيم الفاسدة علماء الدين والأغنياء فالعلماء تبين المفاسد وتجاهر بها في المحافل والمساجد والأغنياء تقبل تلك الأقوال بالامتثال وتمتنع من ادخار أولادها يمثل هذه المد \ ارس خشية أن تتخلق بمثل هذه الأخلاق وتسعى بإنشاء مدارس إسلامية تعلم العلوم النافعة الخلية من شوائب الريب وتخلق بأخلاق أسلافنا العظام وحين إذ نرى التقدم الباهر الذي كان لأبنائنا الأول أعاد الله إلينا هذا المجد وباعد عنا الأغيار آمين.

стр. 40

الأسئلة والأجوبة جائتنا هذه الرسالة من العالم الفاضل صاحب الإمضاء: سئلت عن معنى القاضي وعن المراد من تقسيم القضاة في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم في مستدركه عن بريدة ﵁ وهو قوله ﵊ (قاضيان في النار وقاض في الجنة قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فجار متمعداً أو قضى بغير علم فهما في النار) فأجبت بقولى القاضي هو من يعهد إليه بأن يحكم بين خصمين بحق من الحقوق ولو بتحكيمهما ولا فرق بين أن يكون المعهود إليه بالحكم واحداً أو جماعة كما هو المصطلح عليه في هذا العصر في ثائر المحاكم فكل واحد من علماء الجماعة المعهود إليهم في الحكم قاض ولا فرق بين كونه نائباً لمحكمة شرعية أو رئيساً لحقوقية أو حزائية أو عضواً في بعضها فلكل على السواء داخلون في أقسام قضاة الحديث الشريف. والمراد من التقسيم بقوله على الصلاة والسلام قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة، التقسيم من جهة اتصافهم بالعلم ومعرفة الأحكام الشرعية والجهل لذلك وحكمهم بأوجه الشرعي على علم به أو جهل وجورهم بالحكم عمداً أو خطأ كما هو صريح تتمة الحديث. أما التقسيم باعتبار العدد فليس بمراد ومن توهم ذلك فجعل ثلثي قضاة في النار وثلثهم في الجنة من خير تفقه منه لتتمة الحديث فقد عرى من العلم وارتدى ردأ الجهل. الحديث يتضمن ستة أقسام يحسب الاعتبار الذي ذكرناه قسمان من قضاة الخير وأربعة من قضاة السوء فقوله ﵊ قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، شروع في بيان هذه الأقسام وهذا أحد أقسام قضاة الخير وقوله قاض عرف الحق فجار متعمداً هو أحد أقسام قضاة السوء ومن قوله متعمداً يخرج غير المتعمد وهو من يعرف الحق ويحكم به ولكن أخطأ في الحكم لا عن قصد وهذا ثاني قضاة الخير لأن المؤاخذة بالخطأ مرفوعة عن هذه الأمة، قال ﵊ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكر هو عليه وقوله ﵊ أوقد بغير علم شامل لثلاثة أقسام من قضاة السوء لأنه صادق بما إذا جال في الحكم عمداً وهذا قسم أو جار خطأ وهذا قسم ثان أو صادف في حكمه الحق على غير علم وهذا قسم ثالث والله أعلم نعوذ بالله من النار ومن كل عمل يقرب إليها ونسئله الجنة والتوفيق لكل عمل يقرب إليها.

стр. 41

حضرات أصحاب مجلة الحقائق الغراء: نرجو الجواب عن السؤال الأتي. وهو هل نرتقي؟ وبماذا نرتقي ع د (الحقائق) أرجأنا الجواب عن هذا السؤال بتأخر وروده وليحيط أهل الفضل به علماً فيتكرموا بما يوحيه العلم وتبعث عليه حقيقة والاختبار.

стр. 42

التاريخ تابع ما قبله أبو بكر ﵁ ومن يتدبر التاريخ الإسلامي ويلاحظ الحوادث بعد رسول اله ﷺ يعلم ما لأبي بكر رضي الله من الأعمال الخطيرة في سبيل التأيد مركز الإسلام. فهو مسكن ما حدث بالصحابة يوم وفاة النبي ﷺ . توفي رسول الله فأخذة الدهشة من الصحابة مأحذها حتى أن عمر رضى الله عنه جعل يهدد من يقول ان رسول الله قد مات إلى أن أتى أبو بكر ﵁ وكان في أهله بالسنح بإذن من رسول الله صلى الله عليه فأقبل لايلوي على أحد حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة وهو مسجى في ناحية البيت عليه برد حبره فأقبل حتى كشف عن وجهه فقبله ثم قال بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذاقتها ثم لن يصيبك بعدها موتة أبداً ثم رد الثوب على وجهه وخرج وعمر يكلم الناس فقال على رسولك يا عمر فأنصت بأبي ألا أن يتكلم فلما رأه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فهمد الله وأثني عليه ثم قال أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية (وما محمد إلا رسول قد خلد من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقبلتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزى الله الشاكرين) قال أبو هريرة فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله حتى تلاها أبو بكر يومئذ قال وأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم قال عمر والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقلت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله قد مات فلله هذه القلوب ما أسرع أوبتها وأعترفها بالحق ولله در أبي بكر وأشد ثباته وأقوى جأشه ﵃ أجمعين. كان أبو بكر من أكبر العاملين على جمع كلمة الصحابة على الخلافة بعدما كادوا يتفرقون. اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتفاوضون بشئون الخلافة فنما الخبر إلى أبي بكر وعمر ﵄ فانطلاقا مسرعين خشية تغرق الكلمة فتكلم أبو بكر ﵁ فأدلى بالحجة ثم قال إني أختار لكم أحد هذين الرجلين. عمر بن الخطاب وأبا عبيدة الجراح فقالا لا نتقدم عليك أنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في النار وخليفة

стр. 43

رسول الله على الصلاة والصلاة أفضل دين المسلمين. ثم مد أبو بكر وعمر أيدهما كل منهم يريد أن يبايع صاحبه وكان عمر أقوى رجلين ففتح يد أبي بكر فبايعه وتتابع الناس على البيعة وكفى الله المؤمنين ما كان يخشى حدوثه من الفتنة وافتراق الكلمة. وهو الذي انفذ جيش أسامة في ذلك الوقت الحرج ولم تفزعه المصائب ولن تقف في سبيل مضاء عزمته الخطوب. عن الحسن ابن أبي الحسن البصرة قال ضرب رسول الله ﷺ قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم وفيهم عمر بن الخطاب وأمر عليهم أسامة بن زيد فلم يجاوز أخرهم الخندق حتى قبض رسول الله ﷺ فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر أرجع إلى خليفة رسول الله فاستأذنه يأذن لي أن أرجع بالناس فإن معي وجوه الناس ولا أمن على خليفة رسول الله وثقل رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون. وقالت الأنصار فإن أبي الآن نمضي فبلغه عنا واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلاً قدم سناً من أسامة. فخرج عمر بأمر أسامة فأتي أبا بكر فأخبره بما قال أسامة فقال أبو بكر لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاءً قضي به رسول الله ﷺ قال فإن الأنصار أمروني أن أبلغك وأنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة فوثب أبو بكر وكان جالساً فأخذ بلحية عمر فقال له ثكلتك أمة وعدمتك يا ابن الخطاب استعمله رسول الله ﷺ وتأمرني أن أنزعه فخرج عمر إلى الناس فقالوا له ما صنعت فقال أمضوا ثكلتكم أمهاتكم ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله، ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب وعبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر فقال أسامة يا خليفة رسول الله والله لتركبن أولأ نزلن فقال والله لا تنزل ووالله لا أركب وما على أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة فإن للغازي لكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له وسبعمائة درجة ترفع له وترفع عنه سبعمائة خطيئة حتى إذا انتهى قال أن رأيت أن تعينني بعمر ففعل فإذن له ثم قال يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني لا تخونوا ولا تغلوا ولا تقدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا أمرأ ولاة تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا

стр. 44

أنفسهم في السوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلم منها شيئاً بعد شيء فاذكروا الله عليها اسم وتلقون أقواماً قد فحصوا أوصات رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقاً اندفعوا باسم الله أقناكم الله بالطعن والطاعون وعظهم ﵁ بحاله وقاله، مشى بين يدي أسامة وهو راكب ليعلمهم كيف يكون احترامهم لأميرهم وطاعتهم له وتعظيمهم لشأنه لأن الاستقامة لا توجد في جيش ما لم يكن أميرهم مطاعاً. وألقي عليهم تلك الخطبة الحكمية التي تمثل رفق الشريعة الغراء وعد لهم تمثيلاً تتضائل أمامه نفوس كبار الغربيين الذين يتشدقون بمحبة الإنسانية ويدعون إلى تخفيف ويلات الحروب. إلا فليعلموا أن الدين الإسلامي سبقهم لهذا وإنه هو الدين الوقيم. وهو الذي استعمل الثبات والحزم يوم ارتدت العرب ومنعوا الزكاة واشرأب النفاق، وتأججت جذوة الشقاق، وأشار عليه عمر ﵁ بالرفق بهم فقال لو منعوني عقالاً لقتلتهم عليه كما قدمنا صحيفة ٣١ج وكان رأيه الصائب وفكره الموفق فجرد الجيوش لقتالهم فما هو إلا أن نصر الله أو لياءه وأيد هذا اليد على يد أبي بكر وعادت العرب إلى أداء الزكاة طائعين عن أبي هريرة ﵁ فقال والله الذي لا إله غيره ولا إن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قالها ثانية وثالثة فقيل مه يا أبا هريرة فذكر اليوم الذي ارتدت فيه العرب. هذه بعض حسنات أبي بكر ﵁ تجاه الإسلام سجلها التاريخ ليذكر المسلمون ذلك الرجل العظيم والخليفة العادل الذي كان أيامه عقداً في جيد العالم الإسلامي ولا ينكر هذه الحقيقة التاريخية إلا من أعمى الله بصيرته فمال عن الحق واتبع سبيل الهوى (ومن يضلل الله فلا هادي له) ولم استقرت له الخلافة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فاعيوني. وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة. والكذب خيانة. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ منه الحق والضعيف فيكم قوي عندي حتى أخذ له الحق إنشاء الله تعالى. لا يدع أحد منكم الجهاد فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله فالبذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما اطعت الله ورسوله فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم فقوموا إلي صلاتكم

стр. 45

رحمكم الله. علم أبو بكر ﵁ أن الأمة هي التي تنصب الحكام وتختارهم لمصلحها وانهالها الحق في انتقاد أعمالهم. ومراقبة أحوالهم. فإن عملوا بما ينطبق على مصالها. وسعوا وراء رقيها أعانتهم. وإن أساؤا أقومتهم. فصدح بما خالج ضميره من معرفة تلك السلطة وإنها حق طبيعي للأمة مهما حاول إبطاله المستبدون. كلمات قالها أول خليفة للمسلمين ليعلم الشعوب الإسلامية دروس الحرية والمساواة الحقيقة التي يتطلبها فلاسفة الغربيين اليوم وما هم لها بواجدين سار ﵁ بالمسلمين أيام خلافته سيرة العدل والاستقامة والرأفة والحنان. يرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحمل كلهم، ويعينهم على نوائب الدهر، ولم يأل جهداً في تعزيز الدين وأعلاء كلمة المسلمين جيش الجيوش وبعث البعوث في سبيل الدعوة الإسلامية وتابعه عمر ﵁ على ذلك فدكوا عروش القياصرة. وثلوا صروح إلا كاسرة. ونشروا لواء العدل بين تلك الأمم التي كانت ترسف في قيود العبودية لملوكهم. والله يتولى الصالحين.

стр. 46

الأدبيات قال ابن عباس ﵁ ملاك أمركم الدين. وزينتكم العلم وحصون أعراضكم الأدب وعزكم الحلم. وحليتكم الوفاء. من كلام الجاحظ جنبك الله الشبه. وعصمك من الحيرة. وجعل بينك وبين المعرفة نسبا. ومن الصدق سببا. وحبب إليك تثبت وزين في عينك الأنصاف. وأذاقك حلاوة التقوى، واشعر قلبك عز الحق. وأودع صدرك برد اليقين. وطرد عنك ذل اليأس. وعرفك ما في الباطل من الذلة. وما في الجهل من القلة. كتب البديع الهمداني إلى ابن أخته يحثه على تعلم العلم أنت ولدي ما دمت والعلم شأنك. والمدرسة مكانك، والمحبرة حليفك. والدفتر إليفك. فإن قصرت ولا أخالك. فغيري خالك والسلام. كتب أبو الطيب المتبني إلى أحد إخوانه بعد أن أبل من مرضه وصلتني أعزك الله معتلا. وقطعتني مبلا. فإن رأيت أن لا تكدر الصحة على. وتحبب العلة إلى فعلت ١هـ قال أبو العتاهيه وهو من أحسن ما قيل في الصديق. صديقي من يقاسمني همومي ... ويرمي بالعداوة من رماني ويحفظني إذا ما غبت عنه ... وأرجوه لنائبة الزمان من أمثال أكثم بن الصيفي أحد حكام العرب ١ كفوا ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه ٢ الأمور تتشابه مقبلة فلا يعرفها إلا ذووا الرأي فإذا أدبرت عرفها الجاهل كما يعرفها العاقل ٣ إن قول الحق لم يدع لي صديقاً ٤ في طل بالمعالي يكون العناء ٥ لم يهلك من مالك ما وعظك ٦ ويل لعالم أمراً من جاهله ٧ البطل عند الرخاء حمق ٨ العجز عند البلاء أفن

стр. 47

٩ نعم لهو الحرة المغزل ١٠ حيلة من لا حيلة له الصبر ١١ المكثار كحاطب ليلاً قال أبو الفتح البستي في حفظ اللسان تكلم وسدد ما استطعت فإنما ... كلامك حي والسكوت جماد فإن لم تجد قولاً سديداً تقوله ... فصمتك عن غير السديد سداد أوصى زهير بن خباب بنيه وخطابهم فقال يا بني أني قد كبرت سني وحكمتني التجارب، فاحفظوا عن ما أقول وعوه إياكم والخور عند المصائب، والتواكل عن النوائب، فإن ذلك داعية للغم وشماتة للعدو وسوء ظن بالرب. وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين ولها آمنين ومنها ساخرين. فإنه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا ولكن توقعوها فإن الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة فمقصر دونه ومجاوز لموضعة.

стр. 48

المتفرقات قيل للحسن البصري من شر الناس قال الذي يرى أنه خيرهم قال الرجل لابن سيرين أني وقعت فيك فاجعلني في حل قال ما أحب أن أحلك ما حرم الله عليك. قيل لعبد الله ابن المقفع أصديقك إليك أم نسيبك قال إنما أحب النسيب إذا كان صديقاً. أول من سمى التجار تجاراً سيدنا محمد (رسول الله) ﷺ وكانوا يسمون السماسرة. . أول من أمر الناس بالصوم من الملوك (طهمورث) وكان قد ظهر الغلاء والقحط في زمنه. امرأة لقيط بن زرارة قال لها زوجها الثاني يوماً ماذا استحسنت من لقيط فقالت كل أموره حسن ولكن أحدثك أنه خرج يوماً يتصيد فلما رجع إلي وبقميصه نضح من دماء صيده والمسك يتضوع من أعطافه ضمني ضمة، وشمني شمة، فليتني مت ثمة، ففعل زوجها الثاني مثل ذلك وضمها إليه وقال أين أنا من لقيط فقالت ماء ولا كصداء ومرعي ولا كسعدان وأرسلتها مثلاً يضرب لمن تحسر على شيء فاته وحصل على أدنى منه. تكرم بهذا التقريظ حضرة الأديب الفاضل صاحب الإمضاء متى كنا نرى بدمشق يوماً ... به تروي الحقيقة كل شائق لقد أوضحت يا زمن الترقي ... لنا سبلاً أبادت كل عائق فشكراً للعدالة ثم شكراص ... لأهل العلم أذ مهدوا الطرائق عسى ولعل داء الجهل يشفي ... وتمحوه المعارف و (الحقائق) عبد اللطيف البغدادي بيان واعتذار وشكر ورجاء إن للمران على العمل يداً في إتقانه، جرياً على ناموس بدء كل عمل ناقصاً ثم تكميله تدريجاً. لذلك صدر الجزء الأول في صحيفة ٣٢ وهذا الثاني في صحيفة ٤٠. ولم يخل الجزء الأول من أغلاط مطبعية قلت في هذا الجزء وخليق بمن رضي بسنة الله. ولم يدع الكمال في أعماله. أن يمده الله بعنايته وأن يقبل القراء عذره. وفي هذا المقام نرفع شكرنا لمن أحسنوا الظن بنا فكاتبونا وشافهونا بما يشف عن استحسان خطة مجلتنا ومواضيعها المفيدة كما نشكر من نوَّه بها من أرباب الصحف ومن تفضل

стр. 49

بمبادلتنا. وربما نعود فننشر بعض ما جادت به علينا أقلام أفاضل العلماء. في استحسان هذا العمل قياماً بواجب شكرهم وكنا ننتظر أن يرد علينا انتقادات قد لا يسلم منها كل مبتدأ في عمل وقد كنا طلبنا ذلك في الجزء الأول واليوم نكرر رجاءنا لأهل العلم، وحملة الأقلام أن ينتقدوا ما يجدونه محلاً للنقد خدمة للعلم والأدب. ونتعهد بنشره والعمل بإشارته أو الجواب عنه. كما نرجو منهم أن يضنوا علينا بمؤازرتهم وآرائهم الصائبة لنحلي بها جيد هذه المجلة. ونكون لهم من الشاكرين.

стр. 50

العدد ٣ - بتاريخ: ٤ - ١٠ - ١٩١٠

стр. 51

الدين الإسلامي والتوحيد سلك علماء التوحيد طريق الاستدلال على إثبات الوجود له تعالى وأن كان وجوده سبحانه مركوزاً في فطرة الإنسان كما قدمنا حسماً لمادة الشبهات التي طرأت على العقائد الدينية. الناشئة من الجهل والزيغ عن الهدى والطريق المستقيم أن المتكلمين وغيرهم وأن اختلفت مناهجهم في تقرير الأدلة على وجود الخالق جل وعز وتفاوتت بحسب الصورة مسالكهم انتهوا جميعاً إلى نتائج اتحدت في الأبحاث والإثبات. لكن منهم من سلك في بحثه مسالك الصراحة والوضوح فاستجلى أمام سامعه حوادث الكون. ومعاهد آثاره البديعة. وجال بفكره في مناحيه جولة المفكر الباحث. فرأى أنه لاشك في وجود واضع لهذا النظام البديع. وموجد لهذه الأشياء يمسكها بقوته. ويمدها بحوله ورحمته (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا أن امسكهما من أحد من بعده). ثم أنه قوى برهانه هذا ببرهان تاريخي. فاستعرض لذلك الأمم وشيوع تلك العقيدة بينها جيلاً بعد جيل مع اختلافها في اللغات والأجناس. وتفاوتها في الفكر والعلم. فاتخذ هذا الإجماع أيضاً دليلاً قوياً على أن العقيدة بوجود الصانع حاجة من حاجات الروح. وغريزة من غرائز العقل. لا يمكن الإنسان أن يلفت نظره عنها إلا بعارض من النقص. ولا ريب أن هذا البرهان لوضوحه. لا يعز إدراكه على أي عقل. ولا يعلو متناوله عن أقصر فكر. فهو أحسن البراهين أسلوباً. وأقواها على ذهن السامع تأثيراً. وأشدها لمقاتل الخصم إصابة. ومنهم من سلك طريقة النظار. على سبيل الاستظهار. فجعل الدليل مرتباً على مقدمتين: الأولى (العالم حادث) والثانية (كل حادث لا يستغني في حدوثه عن سبب يرجح وجوده على عدمه) أما برهان المقدمة الأولى. فلأن العالم أعيان وأعراض. والأعراض يدرك تغير بعضها بالمشاهدة كالحركة والسكون. والظلمة بعد الضوء. وبعضها بالدليل وهو طريان العدم كما في أضداد ذلك وهو إمارة الحدوث إذ العدم النافي القدم. والأعيان يدل على تغيرها ملازمتها للأعراض الحادثة وملازم الحادث حادث. وأما برهان المقدمة الثانية فجلي لأن كل حادث ممكن. والممكن لا يوجد بدون سبب ولا يعدم بدون سبب وإلا يلزم أن يكون أحد الأمرين متساويين راجحاً على الآخر بلا سبب وهو محال فجميع الممكنات بتمامها مفتقرة إلى موجد لها ولا يكون إلا واجب الوجود إذ لو

стр. 52

كان جائز الوجود لكان من جملة العالم فلا يصلح أن يكون محدثاً للعالم ومبدأً له وبعبارة ثانية لو ترتبت سلسلة الممكنات لا إلى نهاية لاحتاجت إلى علة مستقلة وهي لا يجوز أن تكون عينها ولا بعضها لاستحالة كون الشيء علة لنفسه ولما سبقه بل خارجاً عنها فيكون واجباً وأيضاً قد تقرران من القواعد وجوب سبق العلة فلابد من فرد لها ليس معلولاً وإلا كانت العلة والمعلول سيين في تعاقب قال العلامة الأمير، ومثل هذا يعد عمدة النظر. وعدة المناظرة. والأنور في شرح القلب الفزع للقرآن وألسنة المؤيدة بالمعجزات المتمم نورها على توالي الوقات ففيهما ما يدل على انه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء. وانه خالق الممكنات. وكان الله ولا شيء معه. ١هـ قال الله سبحانه (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكونوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم أن في ذلك لآيات للعالمين. ومن آياته منانكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله أن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينظل من السماء ماء فيحي به الأرض بعد موتها أن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السموات والأرض كل له قانتون. وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو اهون عليه وله المثل الأعلي في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم). وقال ﷺ فيما أخرجه البخاري من حديثعمران بن حصين ﵁ كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض وعن ابن عباس ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت لا يموت. والجن والأنس يموتون وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ بعث رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم (بقل هو الله أحد) فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي ﷺ أخبروه أن الله تعالى يحبه. وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يقول عن الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله رب العرش العظيم.

стр. 53

لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم. والإنسان على كل حال من أحواله لا يود البرهان على عقيدته إلا ظاهراً واضحاً لا فلسفياً غامضة. وكل ابتعد أصحاب الاعتقاد في حفظ عقائدهم عن الفلسفة وقضايا الجدل سلموا من آفات الافتراق في الدين والتحزب للمذاهب الباطلة. فإذا كان الإنسان ذا نفس ذكية. طاهرة نقية. رقيقة الإحساسات. دقيقة الشعور. حية العواطف. ينزل إلى هذا الكون وترتيبه فيشق عليه إن يعتقده خالياً من آله رحيم ينشر على المخلوقات أشعة رحمته ويقيم أمورها بحوله وقوته. ويفيض على أصنافها من إفاضات عنايته ورأفته. وهذا لا ينتظر برهاناً فلسفياً ليؤمن بخالقه. ويعتقد بوجوده. إذ هو مؤمن به بذاته. بل نفسه وحدها أصرح براهين على وجود مبدعه. وأما إذا كان مظلم النفس. غليظ الشعور. لا يدرك الكمال. ولا يحس بجلالة العلوم. فلا يبحث عن عقيدة. ولا يصغى لمن يرشد إليها. لفقدانه معنى الكمال الذاتي. وهذا ومن على شاكلته. معنيون بقوله تعالى (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم. ولو سمعوا ما استجابوا لكم) ومثل هذا لا يرغم أنفه. إلا الدليل الواضح. حتى إنك لو برهنت لواحد من هؤلاء الملاحدة على وجود الصانع. بالبراهين الفلسفية. لوجدته يطير فرحاً لأنك أفسحت له مجال القيل والقال. ويأخذ يرد عليك رداً. ويوسعك تأنيباً ونقضاً. وأما لو تركت له مجال تعسف في التفلسف وحاكمته للحس والعيان. لرأيته ينكص على عقبيه. وله رسيس في الصدر يذيب الحجر. قال في الحديقة الفكرية ما لفظه يتصرف. وبالجملة فإن مسألة وجود الخالق لا يصح أن تعد في صف المسائل المشكوك فيها والتي يتسع الرجال فيها للأخذ والرد. لأنها أجلى البدائه العقلية والحسية معاً. ولكن يجب أن يعد نكرانها من باب الجنون. ودليلاً المحسوس على أن مسألة نكران الصانع جل وعز ليست إلا نزعات شياطين سفلية، تبعث بعقول بعض الناس الذين تمكنا فيها داء الجهل بخالقهم واستولى عليهم ضرب من الهوس. فلا يفقهون شيئاً. حتى أن أكبر طبيعي أن دهري مهما كان غزير المادة. قوي الحجة. تراه عند تكلم على هذه المسألة يخبط خبط عشواء. ولا يهتدى إلى إرشاد سبيلاً. فهو يضرب في ليلاء من الشطحات. وظلمات من المدركات التافهة لا يقع في أمثالها الأطفال. بما اعتراه من سخافة العقل وخساسة الرأي. (حمانا الله من آفات الجهل).

стр. 54

اللغة العربية لا يتمالك المرء أن يزفر زفرة الثكلى ويتنفس الصعداء كلما أعاد النظر والتأمل في آفات الفترة التي أصابت هذه اللغة الكريمة، وأوشكت أن تذهب ببهجة لهجتها، ورونق فصاحتها ولولا إثارة من علم وصلت إلينا مما بقي في أيدينا من كتب حفاظها المتقدمين لأصحابنا اليوم لا نميز بين الثلة والتلة ولا بين الكوع والبوع فشكراً لأولئك العلماء الأعلام الذين كأنهم نظروا بلحظ الغيب إلى ما صرنا إليه من التكاسل والتغافل وقلة العناية والقيام بضبط هذا اللسان القرأني فاستودعوه لنا بطون الكتب وجعلوا له منها صواناً يحفظه من الضياع ريثما ينبهنا حادث الدهر المأدب فنصحوا ونستفيق ونهب إلى نقله من السطور إلى الصدور، ومن الأسفار الجادة والدواوين الصامتة إلى الأفكار النيرة، والألسنة الناطقة وما ذلك على رجال الهمم السامية ببعيد وها نحن قد دبت في قلوبنا روح هذا الإحساس الكريم ونفذت إلى أفئدتنا حياة الشعور بهذا الواجب المحتوم الذي يفرضه علينا الدين الإسلامي والكمال الإنساني، فقام بحول الكتبة وحملة اليراع يعملون على تلافي هذا النقص الذي هو في القادرين أشد منه قبحاً في القاصرين. كما قال أبو الطيب: ولم أر في عيوب الناس شيئاً ... كنقص القادرين على التمام ولعمل الحق أن من تصفح كتابة نوابغ العصر لا يسعه إلا الاعتراف بحسن صنيعه وبيض أياديهم في خدمة هذه اللغة وتمهيد السبيل لقصديها بعدما كادت تعفو آثارها، وتنتمس صواها ومنارها ولقد قضينا ردحاً من عنفوان شبابنا عاكفين على دراسة الإنشاء العربي القديم ومتباعدين عن الكتابة العصرية، تباعد السليم عن الأجرب تحامياً من أن يعلق في أذهاننا شيء من الآثار السيئة التي تنشأ من فرط التكلف وكثرة التعسف ورغبة في الوقوف على أسرار لغة التنزيل العزيز وتعرف أسلوبها الأصلي البديل بحسن ديباجته ورونقه كي نتبين كيف كانت هذه اللغة المجيدة في عهد العرب العرباء. قبل أن تتعاورها أيدي المذوقين والمبهجين من عشاق الجناس والبديع وكيف كانت تجري بسلاستها وعذوبتها على أسلات الألسنة أولئك الأقحاح اللذين كانوا يجيدون النطق بها وهم لم يضربوا زيداً ولا عمراً، ولا صرفوا نصر ينصر نصراً، وما أشوق النفس المشرأبة إلى تفهم تلك العربية، وما فصح من لغاتها وملح من بلاغاتها، مما كان يسمع من الإعراب في

стр. 55

بواديها ومن خطباء الحلل الحلل في نواديها ومن قراضبة نجد في أكلائها ومراتعها ومن سماسرة تهامه في أسواقها ومجامعها وما تراجزت بها السقات على أفواه قلوبها وتساجعة به الرعاة على شفاه علبها وما تقارضته شعراء قيس وتميم في ساعات المماتنة وتراملت به سفراء ثقيف وهزيل في أيام المفاتنة كما قاله العلامة الزمخشري. هكذا كنا نؤثر الاقتصار على استقراء كلام أهل الشيح والقيصوم من الإعراب والإعرابيات اللواتي قال فيهن أبو الطيب: ما أوجه الحضر المستحسنات بها ... كأوجه البدويات الرعابيب حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب أفدي ظباء فلاة ما عرفنا بها ... مضغ الكلاء ولا صبغ الحواجيب ولا برزنا من الحمام ما إلى ... أوراكهن ثقيلات العراقيب ومن هوى كل من ليست مموهة ... تركت لون مشيبي غير مخضوب ولم نزل على ذلك حتى أتيح لنا النظر فيما حبرته أيدي الكتاب بهذا العهد ونمقته أناملهم، وخطه بنانهم، من نفثات صدورهم، وبنات أفكارهم وعبارات ألسنتهم، وتراجم ضمائرهم فرأينا أن الكثير منهم والحق يقال قد سلك في إنشائه طريق السهل الممتنع يرسل عنان قلمه في ميدان صحيفته، معرباً عن ضميره بما يجري على لسانه مما تمليه القريحة بدون إجهاد ولا أعنات مع التحرز من العامية المبتذلة واللغة المرزولة ومن غير تكلف للسجع الذي هو من ألد أعداء المعاني إلا ما جاء عفواً صفواً مما يزيد الكلام بهجة وحسناً مع المحافظة على آداء تمام المعنى وألئك هم صفوة كتابنا الذين نقتبط بهم ونتمنى أن يكثر المتأسون بهم في رفع التكلف الكتابي الذي هو اضطهاد \ للفكر وضغط على القريحة مما يضيق به صدر الكتاب وتشمئز منه نفسه، ولا يزال أحدنا يقصر عن بلوغ هذه المنزلة السامية في الإنشاء ما دامت في اللغة الفصحى أقل رسوغاً منها في اللغة العامية المحكية ولذلك نرى الكاتب العربي يقاسي عرق القربة في تحصيل لغته الكتابية ويعاني من الجهد والعناء أكثر مما يعانيه أبناء اللغات الأخرى المتحدة كتابة وحكاية بين الخواص والعوام وهذا هو السر في كون التركي مثلاً أجرى قلماً وأنجز كتابة فيما لو جمعت بينه وبين عربي لم تقو ملكته الكتابية قوتها المحكية واقترحت على كل منهما أن يكتب من موضوع

стр. 56

درساه مقداراً محدوداً بصحيفة أو صحفتين لأن التركي إنما يكتب بلغة لا فرق بينها وبين التي يمارسها في مخاطبة قومه إلا قليلاً بخلاف العربي فإنه عندما يمسك القلم يضطر إلى تناسي اللغة التي شب عليها وتلقنها من أبويه وتمرن عليها في التفاهم مع قومه وغنما يلي من اللغة التي تعلمها كبيراً وأعدها في صدره زغيرة لوقت الحاجة إليها حين الإنشاء فيالله كم وكم يعاني كل كاتب عربي خصوصاً وكل مسلم عموماً في تحصيل لغة الدين الحنيفة تحصيلاً يرقي به إلى درجة فهم كلام الله وحديث رسوله ﵊ ولولا الكتاب وألسنة لما كنا نأمن أن تسلم هذه اللغة الشريفة من الدروس والانمحاء ولما كنا نثق ببقائها مصونة محفوظة من التلاشي مهما انتابتها طواراق الحدثان وتعاقب عليها بتقلابات الأحوال الملوان. وها هي اليوم قد أخذت تنفض غبار الخمول وتنهض من عثرتها زاهية مفتخرة بخيرة الكتاب، ونخبة المنشئين، قريرة العين بحسن ترسلهم وإنشائهم حر الكلام الذي تحرر بهم من رق التكلف والتنطع بعد أن وسم بل وصم به زماناً طويلاً وسامه الدهر ذلك على فترة من دولة ملوك الأقلام وسلاطين اليراع كما قال البسامي: تباً لدهر قد أتى بعجاب ... ومحافنون العلم والآداب وأني بكتاب لو انبسطت يدي ... فيهم ردد تهمو إلي الكتاب هذا لا يخفى أن مقتضى الحالة الراهنة يدعو إلى متابعة البحث في شأن التنويه بفضل لغة الضاد والإشادة بذكر مزاياها وسرد الأدلة والبراهين على وجوب العناية بها مقاومة لغلبة إهمالها فإن النفس إذ مردت ومرنت على إهمال الواجب وأعتادت تركه ونبذه ظهرياً لا تزال تتناساه وتستصغره حتى تفقد وخز الضمير على ارتكابها تبعة ذلك ويموت إحساسها بمعرة القصور والتقاعس عما يتحتم أداؤه وتستمر ساهية لاهية عنه ولا تعود إليها حركة الضمير ونمو الإحساس إلا بالمبالغة في التنبيه والإيقاظ. ولذلك نراك تعذرنا إيها القارئ الكريم مهما أطلنا عليك في هذا الصدد بل تتوق مصغياً إلى الإفاضة في حديث لغة الضاد التي هي مصدر الشريعة السمحاء ومادة جميع العلوم العربية، ولاشك أنه يعز عليك أن تمسها الألسنة بسوء التحريف وفيك عرق نابض، ودم جار، وفؤاد شاعر، ولا يليق بنا أن نكون أقل حرصاً على مجدنا القديم من رجال الإفرنجة

стр. 57

القائمين اليوم بافتتاح المدارس وبذل النفوس والنفائس في سبيل تعلم اللغة العربية ابتغاء ترقية حضارتهم وتكميل مدنيتهم ومنافسة لنا في العلوم التي كان العرب ينفردون بالإخصاء فيها وطالما صرفوا أعماراً وأموالاً على احتواء احاش الكتب العربية القديمة حتى تسربت إلى بلادهم ولم يبق منها لدينا إلا غيض من فيض وها هم يترجمونها إلى لغاتهم مما ربما يؤدي إلى انقراضها من صحيفة الوجود العربي وهذا من الأسباب التي حملت الأجانب على أن تعني بشأن لغاتها التي أصبح العربي في حاجة إلى تعلمها لدراسة الكثير من فنون هذه الحياة الدنيا التي أستأسر الغربيون بإتقانها والحذق في تفهم أسرارها. هذه فرنسا لها جمعية مخصوصة للنظر في لغتها الأفرنسية والقيام بإصلاح ألفاظها وتحسينها حسبما تقتضي الحالة العصرية والذوق الجديد، فلا تزال تمحو وتثبت وتقرر وتنسخ وتزيد وتنقص ورجال الأقلام هنالك لا يخالفون لها قراراً بل يجرون على ما تخطه لهم وتسنه بينهم ويقتدون في كتابتهم بها حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة هذا ولغتهم لم يبلغ التفاوت بين كتابيتها ومحليتها ما بلغ لدينا معاشر العرب. فنحن أولى بهذه العناية اللغوية منهم فأين جمعيتنا التي تستضيء بنورها في بيان العربي والمعرب والأعجمي والدخيل ونحو ذلك لنقتفى آثارها فيما نريد تدوينه بلغتنا الفصحى التي قامت لغتنا العامية المحكية تنازعها البقاء وتشن عليها الغارة بعد سلبتها من أصل مادتها جزأ لا ينبغي أن يستهان به نعم سلبتها ثلاثة أحرف وهي الثاء والذال والظاء ذهبت ويا للأسف فريسة الإهمال والتساهل المخل فأما الثاء والذال فقد حرمناهما لا إلى بدل مستحدث يقوم مقامها وغنما استعيض عنهما بالسين والزاي وبذلك نقص من حروف الهجاء العربي حرفان لهما نظير في بعض اللغات الأعجمية كالإنكليزية ولم يزل أهلها محافظين على التمسك بذلك والتلفظ به على أصله. وأما الظاء فقد استعيض عنها بحرف أجنبي عن اللغة العربية. مع أن العلماء ذكروا أن الظاء من خصائص لغة الضاد فلا توجد في سواها اللهم إلا إذا دخلت الآن في محدثات بعض اللغات وهكذا أصبحت حروف الهجاء العربي خمسة وعشرين مع حرف مبتدع محدث تصير به ستة وعشرين وربما وافينا القراء في العدد الآتي بنبذة تتعلق بهذا الموضوع الجليل. والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 58

الأخلاق التفلسف الحديث ما احتفظت أمة من المم بعادتها. وتمسكت بأهداب أخلاقها. إلا وتوفرت لها ضروب السعادة وانفسح لمها مجال التقدم والنجاح. وعاشت بظل عيش وارف. تختال بمجدها التالد والطارف. وهي آمنة على مركزها الاجتماعي حيث تسير سيرها الحثيث في تقدم بلادها وعمرانها. وما اضمحلت أمة وانقضت أركان مجدها. وفقدت ثقة الغير بها. وسقطت في مهاوى الذل والازدراء إلا بنبذ أخلاقها وعاداتها ظهرياً والمغالاة في نشر أخلاق غيرها من الأمم. من هذه الخطة التي رسمتها في مقالي يظهر بداهة للقارئ ما وصلت إليه أخلاق المسلمين في هذه القرون المتأخرة. وما خالطها من الأخلاق الفاسدة التي يصعب استئصالها من محيط أدمغتهم. هذا وأنا لنسمع أقوال بعض الغربيين. ويدوى صداه في صماخ آذاننا من أن الإسلام بعيد عن التمدن الحديث. وأنه يستحيل على المسلمين أن يرتقوا سلم الحضارة والتقدم مع ما هم عليه من الانحطاط العظيم في الأخلاق والتربية. ولماذا قالوا لأن سيطرة دينهم والأحرى تعسف علماءهم ليمنعانهم عن الإطلاع على العلوم العصرية. والاكتشافات الجديدة وأن الدين الإسلامي نفسه هو عقبة كؤود في سبيل التقدم والحضارة. . هذه هي الوصمة الشنعاء التي جعل بعض الغربيين من أجلها الدين الإسلامي هدفاً لسهام ملامهم ولكن لو انصفوا وراجعوا تاريخ مدينتهم وحضارتهم لوجدوه شرارة طارت إليهم من كتلة التهبت في الشرق وكان موقد جذوتها (الدين الإسلامي الحنيف) وأن السبب الوحيد لانحطاطنا هو ما ورثه بعض أحداث متفلسفتنا من آثار الهمجية والأخلاق السافلة التي تخبطت بهما الأمم الغربية، قروناً كثيرة، وأني أود أن أصرح بأن القرآن الكريم ما بين دفتيه هو الناموس الآلهي الضامن لنا نيل السعادتين. والكفيل الوحيد لتقدمنا وحضارتنا وهو مصدر الأخلاق والأفكار الفاضلة. وأن تلك الشريعة السمحاء رحيبة الصدر. هنية المورد يرد زلالها المتعطشون في أي زمان مهما تطورت أطوارهم. وتشعبت أفكارهم بيد أن هنالك فئة قليلة حملت على عاتقها رؤساً ناتئة كرؤوس الشياطين وأدمغة انتخرت

стр. 59

عظامها من سوس الأباطيل والأضاليل. وكلفت نفسها بأن تقوم بإرشاد الأمة وهديها وإذا اندس أحد أفرادها بالمجتمعات العمومية المشتملة على السذج البسطاء الذين لا يفوقون (الغث والعث) (والطين والعجين) تراه كالأرقم ينفث من سموم الخرافات والخزعبلات في أفكارهم ما يخلب عقولهم السخيفة ويأخذ بمجامع قلوبهم الضعيفة. وترى جل ما يلقيه عليهم ويخدش به افكارهم هو ما جمعته مخيلته وتكبدت حفظه من الوقائع والحوادث التي هي أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة فتلك الفئة التي هي أحوج لإرشاد نفسها لا ينبغي قياسها على ما هنالك من العلماء الإعلام الذين صرفوا جل أوقاتهم في بيان حقيقة الدين الإسلامي وهم لا يرضون بمثل هذه الفوضى للإسلام والوصمة الشنعاء له ولمعتنقيه ودائماً يبثون روح الدين الحقيقي والعلم الصحيح في نفوس الأمة الإسلامية، ويظهرون مجد تاريخها وعظيم، رجالها (أكثر الله من أمثالهم). هذا وأني لا أنكر بأن هناك فئة أخرى قد شربت عقولهم حب الفلسفة العاطلة. والشقشقة الكاذبة، وقد درسوا شيئاً من تاريخ الطبيعة والعلوم النظرية، وخرجوا من المدارس وهم يديتون بدين أرسطو وجالينوس، ومتشيعون لمذهب فيثاغورس، وارشميدس، وقد تصفحوا نتفاً من فلسفة ابن رشد وابن سينا فعظمت نفوسهم وانتفخت أدمغتهم فنزعوا ربقة الدين من أعناقهم، وعدوا مسائلة ضرباً من الهذبان فوا ذهاب الرشد (وضيعة الأحلام). . أنا لا ننكر عليك إيتها الناشئة إطلاعك على العلوم الطبيعة ودرسك الفلسفة الحقيقة لأنا نعلم أنها مصدر حياتنا المادية، ولكن ننكر عليك درسك مذهب قدماء اليونان إذ لك بالقرآن غنى عن مثل تلك الشعوذات والخيالات. تدرسين تاريخ رجال الغرب وحياتهم وتتركين تاريخ الإسلام ورجاله الذين لهم ذكر مخلد في أعلى طبقات مكاتب الغربيين فأحرى بك أن تعلمين مقدار تفانيهم في حب الدين وانتشاره، وتنظرين عظمة نفوسهم وسعة علومهم ومعارفهم (وفقنا الله لاتباع أسلافنا، والتأسي بأخلاقهم وأفعالهم).

стр. 60

الانتقاد الزهاوي يري في المرأة غير رأي القرآن مهما اتسع نطاق العلوم. وأينعت ثمارها. ونمت فروعها. وارتقت المدارك. وتسهلت أسباب المعارف والتحصيل. وتهيئت معدات الفهم فليس العلم بمغنى غنائه المطلوب ما لم يقل وجود الأدعياء والدخلاء فيه. ويكتف كل إنسان بنوع العلم الذي عاناه. والفرع الذي يمت به، فلا يدعى الفقيه علم الهندسة، ولا الطبيب علم الكلام. ولا الشاعر علم الشرائع. ولا الكاتب علم الكتاب هذا جميل صدقي الزهاوي الشاعر المشهور. صاحب القصائد الرنانة. أراد أن يزج نفسه في غمار العلماء فخانته معارفه. لأن العلم غير الشعر، وأن الحقيقة غير الخيال كتب في عدد ١٧٠ من المؤيد الأسبوعي الأغر مقالة في المرأة تفنن فيها ما شاء وشاءت له قريحته الشعرية الخيالية. بأسلوب يخلب الألباب. وان كان لا يغير وجه الحقيقة، ولا يغني من الحق شيئاً. ظن أن العلوم كلها خيال كالشعر فاستسهل هذا المنهج. واستلين هذا المركب. فمتى تيسر له اللفظ الأنيق. والمعنى الرشيق. لم يبال وافق الحقيقة أو باينها فكتب. واستدل. وحكم. وبرهن ولكن ياللأسف مقدمات لا تلازم بينها. ونتائج غير لازمة. وقياسات غير منتجة. وأحكام لا تنطبق على علك ولا عقل. ولولا تناسب بين الألفاظ. وارتباط بين الجمل. وأسلوب عربي فصيح لقلنا أنه هذيان المحموم أو عربدة النشوان. أن من إمارات ضعف الهمة. وخور العزيمة. أن ننظر إلى الغربيين نظر الرهبة والإجلال. حتى نتوهم أنهم من عالم فوق عالم البشر، فنستسلم لجميع أقوالهم. ونأخذ عنهم كل قضية نظرية. قضية مسلمة. ونرى جميع أعمالهم غاية في المدنية والحضارة. والأخلاق الفاضلة، مع أن الواقع المشاد أن منها الحسن، ومنها القبيح، ثم إذا أردنا الاقتباس منهم تركنا همتهم وأقدامهم ونشاطهم في سعيهم. ومحدثاتهم ومخترعاتهم. وعلومهم وعملهم، وجدهم وكدهم. وعمدنا إلى رذائل الأخلاق التي بات الغربيون أنفسهم يتذمرون منها، ويسعون السعي الحثيث لإبطالها، وتلافي ضررها فأخذناها على أنها مرقاة نصعد بها إلى أوج الترقي، وما هي إلا مهواة ننزل بها إلى حضيض الهوان، هذا حال الأمم الضعيفة بإزاء الأمم الراقية، تريد تقليدها فتقلدها بساسف الأمور، ورديء الأخلاق لاعتقادها في

стр. 61

نفسها العجز عن مجاراتها في إحاسنها كتب فريد أفندي وجدي أحد علماء الاجتماع نحن بغاية الأسف نرى أن تلك المدنية يعني الغربية تفتن الشرقيين لدرجة أصبحوا يعدون مقابحها التي ضج أصحابها منها كمالات يجب علينا الأخذ بها وبذل النفس والنفيس في السعي إليها، ويتصامون عن صيحات ذويها وأناتهم، ولقد كادت تلك الصيحات والأنات لا تدع صماخاً سليماً بين البشر اللهم ألهم كتابنا أن يربأوا بأنفسهم عن هذه المنزلة منزلة الضعة والمهانة، والذل والإستكانة، وأن لا يكونوا من المدنية الغربية كالغربال من دقيق الخبز يمسك خشاره، ويفلت لبابه، بل كالضمير في النقاد يختار الجيد، ويترك الزائف، وان يعلموا ما لوظيفتهم من المكانة في عالم الاجتماع فلا يكتبون إلا عن اجتهاد ووجدان، مطابقين للعلم والدين كتب مصطفى لطفي المنفلوطي من نوابغ كتاب مصر، أن في أيدينا معشر الكتاب من نفوس هذه الأمة وديعة يجب علينا تعهدها والاحتفاظ بها والحدب عليها حتى نؤديها إلى خلفائنا من بعدنا كما أداها إلينا أسلافنا سالمة غير مأروضة ولا مثلمة فإن فعلنا فذاك وإلا فرحمة الله على الصدق والوفاء وسلام على الكتاب الأمناء أن الله وحده هو خالق هذه العوالم بأسرها وهو وحده القادر على أن يضع لها قانوناً يكفل لها مصالح دنياها وسعادة أخراها في كل مكان وزمان، أما واضعوا القوانين فغنهم مهما علا كعبهم في العلم وارتقت مداركهم في الفهم فليسوا قادرين لأن يضعوا قانوناً إلا لزمنهم وللأمم التي تحت نظرهم فمن الحق وافن الرأي أن يأخذ الشرقي عن الغربي قانوناً وضع لغير زمنه ولغير أمته ولا يلتئم مع عوائد أمته وأخلاقها ولا مع تعاليم دينها، أن الزهاوى كتب ما كتب تقليداً لمتطرفة الغربيين ولو بحث ونقب، لرأى أن معتدلي الغربيين. أدركوا خطأ أمتهم فطفقوا يجاهرون بوجوب الرجوع إلى مادلت عليه التجارب من أن مجاراة المرأة للرجل في أعماله خروج عن سنن الفطرة وطبائع الكون. حاصل ما أراد الكاتب أن يبين من حقوق المرأة المسلوبة منها على زعمه مساواتها للرجل الطلاق كونه بيد الرجل وحده وتعدد الزوجات ونقصها في الميراث عن الرجل في الحجاب وها نحن نرد عليه بها على الترتيب ملتزمين جادة الأنصاف وبالله التوفيق. لابد للمتناظرين أن يكونا متفقين على مبادئ يرجعان إليها في الاستدلال على ما يحاولان إثباته أو نفيه. فنحن مع الكاتب من جهة كونه مسلماً واستشهد بآية (ولهن مثل الذي عليهن)

стр. 62

متفقون ومن جهة المسائل التي أنكر فيها صريح القرآن كتعدد الزوجات والميراث مختلفون أننا نناظره على الطرف الأول تغليباً لحسن الظن فنستدل عليه من الكتاب والسنة والإجماع وسنن الكون ولعل الطرف الثاني ناشئي عن جهل لا عن سوء قصد. أما تفنيد زعمه مساواة للرجل فمما لا يحتاج إلى برهان لأنه بديهي البطلان، ويحسن بنا أن ننقل هنا نبذة عن كلام فريد أفندي وجدي بهذا الموضوع. قال: هل المرأة مساوية للرجل في سائر الحيثيات فالجواب. لا وهل لدينا دليل حسي على هذا الجواب السلبي أصدق من وجود المرأة من ابتداء الخليقة للآن تحت سيطرة يوجهها كيف يشاء ويحكم عليها بما تقضى أمياله إذا كانت المرأة مساوية للرجل من الجهتين: الجسمية والعقلية فلماذا رضخت كل هذه الألوف المؤلفة من الأعوام لسلطان الرجل وجبروته لاشك أنا إذا لاحظنا ناموس الغلبة والقهر الذي مؤداه أن القوى يغلب الضعيف ويأسره، علمنا جيداً أن المرأة لا تساوي الرجل في جميع المواهب الطبيعية إذ لو ساوته فيها لحدثنا التاريخ بأخبار التدافع بين هذين الجنسين شأن كل عاملين متساوي القوة في هذا الوجود ولكن الأمر بالعكس فإن المرأة ظلت راضخة لنير الرجل، ولم تنل ما نالته من حريتها في أوربا إلا بسعي الرجل نفسه، ورضاه بتخفيف الوطأة كما هوشان القوي إذا أراد أن يخفف عن الضعيف المقهور له شيئاً من أثقاله ثم بحث في كون الرجل أقوى من المرأة جسماً وكون المرأة أضعف من الرجل إدراكاً واستشهد طبائع الكون فأفادوا جاد ومن أراده فليرجع إليه ومما يفندر زعم الكاتب المساواة قوله تعالى (وللرجل عليهن درجة) وقوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) ومن السنة قوله ﵊ لو كنت أمراً أحداُ أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها وقوله ﵇ ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة الحديث وفيه والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى. ومثل هذا كثير مستفيض في كتب السنة وما ذكرناه كاف لمن كان له قلب. أن من يريد مساواة المرأة للرجل في سائر الشئون عامل على معاكسة سنة الله في هذا الكون التي قضت أن يكون لكل واحد من الجنسين كمال لا يشاركه فيه الآخر. فالرجل يسعى ويشقى، ويكد ويتعب ويشتغل ليحصل على رزقه ورزق عياله. والمرأة

стр. 63

ترتب له بيته وتربي له أولاده وتجهز له أكله وتحفظ عينه من الحرام الخ. والغربيون الذين عملوا على معاكسة هذه السنة زماناً اتضح لهم خطاءهم وافن رأيهم لما رأوا بناء عائلاتهم تقوض ونظام مدنيتهم فسد وأن أردت دليلاً على ذلك فاسمع ما كتب فريد أفندي وجدي تحت عنوان ما هي نتائج تحرير المرأة في أوربا قال لا نظن أن المرأة قاست من آلام الأسر في بلد مثل ما قاسته في أوربا من أول أدوارها لغاية القرن السابع عشر ونحن هنا لا نود أن نتوسع في بيان الفظائع التي كانت تعامل النساء بها في تلك البلاد الغربية، ولكنا نقول إجمالاً أن المرأة كانت هنالك تعد من ضمن العجماوات سواء بسواء بل ربما كانوا يكرمون العجماوات أكثر منهن في بعض الأحوال فإن أمامنا الآن من أخبار القرون الوسطى أنهم كانوا يحرمون على المرأة كل اللحوم ويجبرونها على ملازمة الملآكل النباتية كما يمنعونها من الضحك والكلام ولكننا لم نر من أخبار تلك القرون أنهم حرموا على الهرة تناول اللحم أو حرموها من اللعب والقفز أمام من يقتنيها نعم بلغ أسر المرأة في الغرب إلى درجة وحشية جداً، حتى تطرف كثير منهم وزعموا أن المرأة ليست من نوع الإنسان بل هي من نوع وسط بين الحيوان والبشر وألف أحد علمائهم في ذلك كتاباً سماه، هل للمرأة نفس، ولكن لما ترقت المدارك ولطفت الإحساسات أدرك الرجل شدة هضمه لحقوق المرأة فأخذ في إطلاق العنان لها شيئاً فشيئاً وساعد على ذلك فشو الإلحاد في بعض الطبقات تحت ثار التعاليم المادية التي انتزعت منهم كثيراً من الكمالات الإنسانية فمالت النفوس إلى الشهوات البهيمية واستلزم ذلك التغاضي عن تبرج النساء فقوى شأنهن تدريجاً حتى فمن في السنين الأخيرة (تحت حماية الرجل) يؤلفن الجمعيات للمطالبة بحقوقهن المهضومة التي تخولهن على زعمهن التربع في دسوت الوزارات وتقلد المراكز السياسية لقيادة الشؤون الاجتماعية وليت الأمر وقف عند هذا الحد بل سرى فساد الأخلاق إليهن سرياناً يخجل الكاتب من سرد وقائعه الشائنة وتعداد حوادثه المخجلة. ألم تران المرأة التي كانت محرماً عليها أكل اللحم صارت تشاطر الرجال في الجلوس على المنتديات العمومية، ألم ترها بعد أن كانت محجوراً عليها غير الصلاة وطاعة زوجها طاعة عمياء قد صارت الآن تحسو بنت ألحان على رؤوس الإشهاد حتى لا تجد في ساقيها قوة توصلها إلى بيتها الذي فيه صغارها فتطرح نفسها على أفاريز الطرقات وهي سكرى

стр. 64

لا تستطيع حراكاً فيحملها رجال البوليس لتبيت في الضابطة، فقد دل الإحصاء في بعض البلاد المتمدنة على أن البوليس يجد فيها سنوياً ما يزيد عن العشرة آلاف امرأة ملقاة في الطريق ثملا وليتهن وقفن عند هذا الحد المدهش فإن بعض المتعلمات منهن قد فقدن فضيلة الحياء لدرجة صرن يؤلفن الكتب ينددن بعادة الزواج مدعيات أنها من آثار الوحشية الأولى قائلات ما هذه العادة السيئة التي تحرم المراة من التمتع بإبلاغ عواطفها الحبية مشتهياتها ما هذه المقاليد التي تربط المرأة بالرجل ارتباطاً دائماً فتجبرها على ملازمة رجل قبيح في عينها لرؤيتها من هو أجمل منه. ما هذا الرباط الحديدي الذي يمنع المرأة من أن تنصاع لأميال فؤادها. السريع التقلب الكثير الإحساس بالانفعالات المختلفة. يعاب على الهيئة الاجتماعية أن تذر هذه التقاليد حية للآن. ويجب على ربا الجمال أن يبذلن وسعهن للتخلص منها بكل الطرق الممكنة. هذه كلها مقولات بعض المتغاليات من نساء العالم المتمدن وهذه الحالة قد أقامت علماء العمران وأقعدتهم وجعلتهم يتوقعون انهدام عظمة أوربا بيد المرأة الضعيفة إذا لم يتوصلوا إلى إيقافها عند حدها. قال المسيو (جان فينو) مدير مجلة المجلات في فصل ذكر فيه غلواء النساء في الحرية والمصائب التي جرتها على المدينة (نقول بغاية الآسف أن المرأة التي بواسطتها تهذيب أوربا ستكون هي نفسها هادمة تلك المدينة الزهراة بيديها بإزاء هذه النزعات فإن عقلاء القوم لا يدرون كيف يوقفون سير هذا التيار الشديد الاندفاع الذي ابتدأ يجرف أمامه كل الكمالات الأخلاقية التي بنيت على أساسها عظمة العالم المتمدن ولا يظنن القارئ أن هذا ناشئ من حسد الرجال للنساء على ما نلن من حرية. فإن عقلاءهن أيضاً قد أدركن هذا الفساد ووخامة عاقبته فقمن ينصحن لأخوانهن بالاعتدال والتوسط في أمورهن ولا يتأخرن عن إظهار ما يختلج بضمائرهن عن رأيهن وإليك مضي ما قالته إحدى العاقلات للمسيو (جول بوا) بعد ذكرها أحوال النساء. هذه الحالة هي مهواة جنس من الأجناس. ونهاية جيل من الناس. لم يفكروا إلا في شهواتهم البهيمية حتى انتهى بهم الأمر إلى حد اليأس المهلك إلى أن قالت أن داء الضجر العضال ينتابنا معشر النساء المتبرجات جميعاً. وأن إذ كانا تدرك ساعة هدوها أنها غير صالحة لشيء ما. أرح نفسك فإنا سنتلاشي يهدو وسكينة بدون مقاضاتنا أمام العدالة وأن كان كل ما لنا من جمال ورواء سيصير أثراً

стр. 65

بعد عين هذه شهادة امرأة عاقلة على بنات جنسها ممن يتغالين في الحرية والترف فهل بعد هذا يجوز لنا أن نحتذي حذوا أوربا في هذا الشأن الخطير أليس يجب علينا بعد هذه المشاهدات أن ندرس هذه المسألة جيداً ليتضح لنا مثار الفساد الذي جرته أوربا على نفسها ولم تسطع أن تصدم تياره بما لديها من وسائل وحكمة نعم أن هذا من أوجب الواجبات علينا قبل أن نخطو خطوة واحدة في سبيل إعطاء المرأة حقوقها لأن العاقل من يتعظ بغيره، وأما الطلاق فقد استهجنه الكاتب حتى عدهأا قسوة فقال أجاز المسلمون أن يقسو الرجل فيطلق امرأته الخ. ثم لم يرض أن تكون عقدة الطلاق بيد الرجل وحده وسأل لم لا يجوز للمرأة أن تطلق الرجل عملاً بمدلول (ولهن مثل الذي عليهن) لتعم المساواة الخ. ومازلنا نستقبح قول الشاعر: ما قال ربك ويل للذي سكروا ... بل قال ربك ويل للمصلينا ونعده جرأة على الله وعلى الدين مع أنه أراد المجون لا محالة حتى جاءنا الشاعر العصري الاجتماعي فسلك طريقة ذاك من الاستدلال ببعض الآية قبل تمام المعنى المراد إلا أنه في مقام الجد والاستدلال على مسئلة دينية اجتماعية. فإن محل الاستدلال مساواة ما لهن بما عليهن وهي مشروطة بقوله تعالى بالمعروف المتعلقة بما تعلق به الخبر الذي هو لهن كما ذكره المفسرون وتمام الآية (وللرجال عليهن درجة) نص في عدم المساواة وإليك زبدة ما قاله المفسرون في تفسير هذه الآية (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) أي وللنساء من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات والمراد بالمماثلة بالوجوب لا بجنس الفعل فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك فعلى الرجل أن يحسن عشرتها ويقوم بنفقتها وعلى المرأة أن لا تخرج من بيتها ولا تمنعه من نفسها الخ. أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله ﷺ قال إلا أن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً أما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون إلا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن والدرجة هي درجة الرياسة والقيام على المصالح المفسرة بآية

стр. 66

(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض) الخ. وذكر العلامة النيسابوري وجهاً آخر في تفسير الآية وهو أن فوائد الزواج هي السكن والأزدواج والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة وكل ذلك مشترك بين الجانبين بل يمكن أن يقال أن نصيب المرأة منها أوفر. ثم أن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها والقيام بمصالحها فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق الزائدة ويكون هذا كقوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم). ولنرجع للموضوع وهو الطلاق فنقول. في مشروعية النكاح مصالح العباد الدينية والدنيوية. وفي الطلاق إكمال لها لأن الزوجة الخائنة العاهرة لولا الطلاق لكانت عبأً ثقيلاً على كاهل زوجها. وهيهات أن يثبت زناها ثبوتاً مشروعاً مبيحاً للطلاق في غير الشريعة الإسلامية. ولأن اختلاف الطباع والمشارب من سنن الكون الثابتة التي لا يمحوها مرور الأزمنة ونمو التهذيب والتأديب. وقد يكون بين الزوجين من تباين الأخلاق ما لا يستطاع معه اتفاقهما. فهل من العدل أن يقيا طول عمرهما في خصام وبغضاء ربما أفضت بهما إلى مالا تحمد عاقبته. وذلك لا يكون مقصوراً عليهما بل يسرى إلى أولادهما فتفسد تربيتهم ويختل نظام الحياة العائلية. واختلاط الزوجين قبل العقد المشروع في بعض الأديان المانعة للطلاق لا يفيد في استطلاع أحوال كل من الزوجين للآخر. لأن كلاً منهما يتكلف إظهار المحاسن وستر المقابح. وهذا الاختلاط مشروع عند الأوروبيين ومع ذلك يزداد بينهم شيوع الطلاق كثرة كلما تقدموا في المدنية. نعم أن الاختلاط يفيد عدم التنافر من جهة الصورة الظاهرة. والجمال الخلقي. فإن الأذواق تختلف باستحسان ما يستحسن من الجمال. وهذا يتأتي بمجرد النظر المباح في شريعتنا الإسلامية قبل العقد للزوجين. هذا وفي جعل الطلاق عدداً حكمة لطيفة ذكرها العلامة ابن الهمام في فتح القدير قال أن النفس كذوبة ربما تظهر عدم الحاجة إلى المرأة والحاجة إلى تركها وتسوله فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر، وعيل الصبر فشرعه سبحانه ثلاثاً ليجرب نفسه في المرة الأولى، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضي العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، ثم إذا عادت النفس لمثل الأول وغلبته حتى عاد

стр. 67

إلى طلاقها نظر أيضاً فيما يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب وفقه حال نفسه. وبعدد الثلاث تبلى الأعذار فسبحان اللطيف الخبير الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. هذه الفوائد للطلاق لا يتماري فيها عاقل ومع ذلك فقد اعتمد الكمال ابن الهمام أنه غير مباح إلا عند الحاجة. وأطال في تقرير ذلك وأجاد إلى أن قال وأما إذا لم تكن حاجة فمحض كفران نعمة وسوء أدب فيكره وحمل قول ﵇ أن أبغض المباحات عند الله تعالى الطلاق على المباح في وقت الحاجة. هذا وقد نقل ابن حجر في فتح الباري عن النووي القول بعدم إباحته مطلقاً قال الطلاق قد يكون حراماً أو مكروهاً أو واجباً أو مندوباً أو جائزاً. أما الأول ففيما إذا كان بدعياً وله صور. وأما الثاني ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال وأما الثالث ففي صور منها الشقاق إذا رأى ذلك الحكمان. وأما الرابع ففيما إذا كانت غير عفيفة. وأما الخامس فنفاه النووي وصوره غيره بما إذا كان لا يريدها ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع فقد صرح الإمام بأن الطلاق في هذه الصورة لا يكره أفبعد ما سمعته من إباحته عند الحاجة إليه. وأنه أبغض المباحات إلى الله تعالى وبعدما رأيت من فوائده الاجتماعية يقال أجاز المسلمون أن يقسو الرجل ولكن (فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور). هذا والغربيون كلما ارتقوا في المدنية قربوا من الدين الإسلامي وبعدوا عن تقاليدهم القديمة ولكن تحت اسم التمدن لا التدين والطلاق لما كان من أهم الكمالات الاجتماعية عند الاحتياج إليه قرر. فلا سفتهم إباحته وهذا بنتام قرر في كتابه أصول الشرائع لزوم الطلاق. وأقام على ذلك البراهين العقلية. ولا بأس أن ننقل نبذة من فصل عقده لبيان اعتراضات ما نعي الطلاق والجواب عنها. قال الاعتراض الأول: أن الطلاق يولد عند الزوجين ريبة في مستقبلهما. فالرجل يلتفت يميناً وشمالاً ليجد امرأة توافقه أكثر من التي في عصمته. وكذلك يكون للمرأة مقاصد وأسباب تحملها على تغيير زوجها ونتيجة هذا الحال اضطراب في المعيشة حاضراً وعدم يقين بها في المستقبل. الجواب أولاً يوجد شيء من هذا المحظور في الزواج الدائمي وتختلف الأسماء فقط. فبدل الزوجة الجديدة هناك يقال عشيقة أو رفيقة هنا وبدل الزوج الجديد يقال العاشق أو الرفيق.

стр. 68

وربما كانت تلك الشروط القاسية. والقيود الثقيلة من أسباب القلق وعدم الثبات لا من دواعي الصبر والاستمرار. ألا يعلمون أن النهي والإكراه يحركان الشهوة ويقويانها. أما دلت التجارب على أن العوائق تشغل الفكر وتجمع العقل على الموضع الواحد فتقوى الرغبة في تذليلها، كذلك حرية الزواج أقل ضرراً من الأسر فيه وإذا وجد الطلاق عند أمة كثر فيها الافتراق الظاهري وقل الافتراق الحقيقي ثم أورد أجوبة أخرى على هذا الاعتراض وذكر اعتراضات أخر وأجاب عنها. ونحن نكتفي بما ذكرنا رعاية لكثرة المواد التي نريد البحث عنها في هذا العدد. وسنتكلم في العدد الرابع على بقية المسائل التي ذكرها الكاتب إنشاء الله.

стр. 69

الأسئلة والأجوبة لهلال) المندرجة في عدد ٤٨٠ من جريدة المقتبس فقد #أثبت فيها أن الأولي إثبات حضرات أصحاب مجلة الحقائق الإسلامية الغراء حفظهم الله تعالى بما أن مجلتكم الزاهية. مجلة علمية دينية. مقصدها الوحيد خدمة العلم، ورد الشبهات، وإثبات الحقيقة ظاهرة للعيان، جئت ألفت أنظاركم إلى مقاله الكاتب شكري أفندي العسلي المعنوية ب (رؤية رمضان على حساب المنجمين=الفلك وأسند ذلك إلى أقوال بعض علماء الدين. فالرجاء من حضرتكم أن كان ذلك حقاً أن تبينوه لنا على صفحات (الحقائق) أو غيره فغيرتكم على الدين وأقوال علماء المسلمين توجب عليكم بيان الحقيقة والله لكم معين. دمشق توفيق قويدر الجواب نحن لا نقول أن الكاتب كتب ما كتب عن سوء نية بل نقول أنه لم يصب الحقيقة لعدم تمسكه بأقوال الأئمة الموافقة لصريح السنة وأن استشهد بها. ولرغبته في ترجيح جانب العقل في مسائل لم يدع العقل مجالاً للاختلاف فيها لو اطلع الكاتب على ما ورد في هذه المسئلة من صريح الأحاديث الشريفة لما كانت (مسألة إثبات رؤية الهلال من أشكل المشكلات عنده ولما كان ثبوتها بشهادة رجل واحد من أغرب ما قرأه، ولما صعب عليه أن يرى الناس مفطرين في الشام وبيروت صائمين في صفد والناصرة) هذه سنة رسول الله ﷺ صريحة بسهولة الأمر وأنه ليس من المشكلات والأحاديث الشريفة ناطقة بجواز ثبوت الهلال بشهادة رجل واحد وجواز ما عليه عمل الناس. فقد أخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال جاء إعرابي إلى النبي ﷺ فقال أبصرت الهلال الليلة فقال أتشهد لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال نعم قال قم يا بلال فإذا في الناس أن يصوموا غداً وأخرج الجماعة إلا البخاري وابن ماجه من حديث كريب أن الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل على شهر رمضان وأنا الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال متي رأيتم الهلال قلت ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته، قلت نعم ورأه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكبار أبناء ليلة السبت قلا

стр. 70

نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت أولاً تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فأنت ترى أيها القارئ أن سيدنا رسول الله ﷺ وهو صاحب الشرع الشريف لم يعد مسألة إثبات رؤية الهلال من أشكل المشكلات بل أثبتها بإعرابي واحد مسلم وأن أصحابه كسيدنا عبد الله بن عباس لم يصعب عليهم أن يصوموا وعم في المدينة مع علمهم بفطر أهل الشام وهنا ننصح للكاتب الفاضل أن يخنع لحملة الشرع، ويقتفي أثر الصحابة ومن بعدهم من العلماء مسألة الهلال مسألة جليلة لا تحوج الكاتب الفاضل لو لم يمل إلي فكره إلى أدنى تأمل يدرك هذا من له المام في كتب الفقه وقواعد الفقهاء بل من طالع رسالة العلامة السيد محمد ككاتبنا الفاضل. بيان ذلك أن العلامة ابن عابدين قسم رسالته إلى أربعة فصول أحدها في بيان ما ثبت به هلال رمضان، وخلاصته أن وجوب الصوم يتوقف عند الأئمة الأربعة على أحد أمرين إثبات الرؤية أو إكمال شعبان ثلاثين عملاً بنصوص الأحاديث الشريفة، وثانيها في بيان حكم رؤية القمر نهاراً، وخلاصته عدم اعتبار رؤية الهلال نهاراً عند الأئمة الأربعة لأن الشارع ﷺ إنما ناط الحكم بالرؤية بعد الغروب، ورابعها في بيان حكم اختلاف المطابع وخلاصته عدم النزاع في اختلاف المطابع لتحققه وذكر الخلاف في اعتبار وعدم اعتباره، وثالثها في بيان حكم قول علماء النجوم والحساب ولا نذكر لك أيها القارئ خلاصته بل ننقل لك منه ما يعلمك أن الكاتب الفاضل لم يرد بما كتبه تقليد الأئمة ﵃، وإنما تلقف جملاً نقلها العلامة ابن عابدين مردوداً عليها فذكرها الكاتب من غير أن يذكر الرد عليها ليثبت بذلك شبهته كما ستراه بعد أن شاء الله تعالى قال العلامة السيد محمد ما لفظه صرح علماؤها وغيرهم بوجوب التماس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن روأه صاموا وإلا اكملوا العدة فاعتبروا الرؤية أو إكمال العدة اتباعاً للأحاديث الآمرة بذلك دون الحساب والتنجيم. وقد اتفقت عبارات المتون وغيرها من كتب علمائنا الحنفية على قولهم يثبت رمضان برؤية هلاله وبعد شعبان ثلاثين. ومن المعلوم أن مفاهيم الكتب معتبرة فيفهم منها أنه لا يثبت بغير هذين. ولهذا بعدما عبر في الكنز بما مر قال صاحب النهر في شرح ما نصه، وحاصر كلامه أي كلام الكنز أن صوم رمضان لا يلزم إلا بأحد هذين فلا يلزم بقول الموقتين أنه يكون في السماء ليلة كذا وغن كانوا عدولاً

стр. 71

في الصحيح كما في الإيضاح، قال مجد الأئمة وعليه اتفق أصحاب أبي حنيفة إلا النادر والشافعي وفسر في شرح المنظومة الموقت بالمنجم وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني والحاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره في معنى المنجم هنا إذا تأملت تصريح العلامة ابن عابدين المرة بعد المرة بأن الصوم لا يلزم إلا بالرؤية أو بإكمال المدة، تعلم ما أسلفناه لك وتعلم أن ما رمي به الكاتب العلامة ابن عابدين من انه (أراد أن يبين فكرة في المسألة بطرف خفي خوفاً من جمود أبناء زمانه الذي أسكته عن التصريح) محض أفتراء عليه يتبرأ الحق منه ولا يرضاه ومتى كان العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى لا يجاهر بما يعتقد؟ بلا متى كان يخالف نصوص المذاهب الأربعة ثم قال السيد محمد عليه رحمة الله بعد أن بيين أن للسبك تأليف مال فيه إلى اعتماد قول الحساب وسنذكر أن المتأخرين من الشافعية ردوا كلام السبكي فالأولى الاستدلال بالأحاديث الدالة على اعتبار الرؤية لا العلم فإنه ﷺ وقال (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) وقال (فإن غم عليكم فاكملوا العدة) ولم يقل فاسئلوا أهل الحساب بل قال (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) ثم نقل عن شمس الأئمة الحلواني وعن الدر المختار وعن البحر عن غاية البيان وعن معراج الدراية ما لخصه لا يلزم الأخذ بقول الحاسب ولا يثبت به الهلال اتفقاً. وقال هذا ما ظهر لي والله أعلم أفبعد هذه النقول التي نقلها العلامة ابن عابدين والأقوال التي صرح بها، نقول أنه يجوز اعتماد الحساب. أو يشير بطرف خفي؟ نترك الحكم في هذا بيننا وبين الكاتب الفاضل للعلماء الأعلام ثم نقل العلامة ابن عابدين عن مختصر الشيخ خليل للسادة المالكية عدم الاعتاد بقول المنجم والحاسب وذكر الفرق بينهما وقد تقدم، عن الشافعية في كتبهم كشرح المنهاج للعلامتين ابن حجر والرملي والأنوار للأردبيلي وغيرهم المنع أيضاً من الاعتماد على المحاسب. والمنجم إلا لمن يثق بصدقته عن العلامة الرملي ونقل أيضاً رد العلامة الشمس للرملي على السبكي وقال سئل والده الشهاب الرملي عن قول السبكي فأجاب بأنه مردود رده عليه جماعة من المتأخرين ووجه ذلك أن الشارع ﷺ لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية. وقال ابن دقيق العيد الحساب لا يجوز الاعتماد عليه في الصيام والاحتمالات التي ذكرها السبكي لا أثر لها شرعاً لإمكان وجودها في غيرها من الشهادات كلام العلامة الرملي الكبير وهنا نعجب من

стр. 72

قول الكاتب (إذا كنا لا نقول بالاجتهاد فعلينا أن نقلد الإمام الشافعي وأتباعه مثل الإمام السبكي ونسلم المراصد لعلماء المذهب الشافعي الخ) وقد علمت مما نقلناه لك من نصوص اتباع الإمام الشافعي وردهم على السبكي أن مذهب الشافعي في هذه المسئلة كمذهب غيره من الأئمة رضى الله عنهم، فكيف يدعو الكاتب الناس إلى تقليده، الخ. ونختم هذا الرد بنقل العلامة السيد محمد عن السادة الحنابلة في كتاب الغاية وشرحها من باب صلاة الكسوف ما يؤيد ما ذكرناه أولاً من نصوص المذاهب الأربعة متفقة في هذه المسئلة على عدم اعتبار قول الحساب قال لا عبرة بقول المنجمين في كسوف ولا غيره مما يخبرون به. ولا يجوز عمل به لأنه من الرجم بالغيب فلا يجوز تصديقهم في شيء من المغيبات قم قال ابن عابدين ﵀ أن كون مقدمات الحساب حسية غير مسلم بل هي عقلية أي غير مدركة بإحدى الحواس والعقلي لا يثبت بالتواتر لأنه مما يخطئ فيه الجمع الكثير كخطأ الفلاسفة في قدم العالم. هذا وأنا ننتقد على حضرة الكاتب رمي علماء الدين بالجمود في مسألة علمت أنهم تمسكوا فيها بصريح السنة شأنهم في عامة المسائل الشرعية وننصح له أن لا يعود لمثل ذلك تمسكاً بأدب المناظرة. الجواب الأول عن سؤال هل نرتقي. وبماذا نرتقي المدرج في العدد الثاني ص٦١ كيف لا يبلغ الإنسان أعلى ذروة الرقي. وقد أوجده أله عليم حكيم. منحه عقلاً يهتدى به، وأمره أن ينظر في أسرار هذا العالم الباهر، (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً، ثم أوجب عليه أن يسعى فيما تكون فيها سعادته ترى أناساً محافظين على ما خلقوا الأجله، محافظين على هذا المبدأ السعيد الذي لا قوم لهم بغيره، ساعين إلى ما فيه خيرهم، لم يمض عليهم غير قليل من الزمن فأذاهم في غاية من الرقي الذي لا ينال. تأبى نفوسهم أن تسام ضيما فهم أشداء على الأعداء رحماء بينهم كأنهم بنيان مرصوص، وماء عذب سائغ للشاربين (إلا أنهم هم الفائزون)، وترى آخرين قد أهملوا آدابهم وما خلقوا الأجله، وضيعوا مبداهم، فعمهم الجهل، وفسدت تربيتهم، ولعب بهم أولوا الأغراض، وتوانوا وكسلوا فتلاشى أمرهم، وأصبحوا (كسراب بقعية) (بل هباء منتوراً) أولئك في الأذلين قل للمصلحين إنما نرقي بالمحافظة على شعائر الدين والمبدأ الطاهر، لا تظلموا ولا تستبدوا

стр. 73

أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، اتركوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن فهي التي بدلت الأخلاق واحلتنا في الدرك الأسفل من التأخر كل من حاد عن مبدأ سعادته لابد أن تزل قدمه فإذا هو يقلب كفيه، يسعى فيهتدي إلى رقي، هذا ديننا أن نؤسس على أصول الحرية الطاهرة، يوجب علينا مساعدة الضعيف، يحبب إلينا المساواة والعدالة، يؤدبنا بأطر الأخلاق، يؤمرنا بالاتحاد والاعتصام بحبل الله تعالى ينشطنا إلى الحياة الراقية يقول لنا (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين) قل للأغنياء (اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، انشئوا الشركات التجارية لتحي أمتكم، وتعمر أوطانكم وتقوي شوكتكم، ويكون فيه رقيكم. أن أوروبا ترسل لكم في كل يوم بضائع جديدة لتسلبكم ثروتكم، أنتم نيام، وغيركم يسعى بجد وأقدام، إذا لم يستغن عنهم وعن بضعاتهم ونعمل نحن لأنفسنا بأنفسنا لا نرقي، وقل لأولي الأمر تنهبوا فقط كاد ان يتسع الحذق، واعلموا أن خفض الرواتب، وإحالة من لا يصلح للخدمة على نظام التقاعد لا يغني فتيلاً إذا لم تطهروا الدوائر من جراثيم الرشوة والاستبداد، وقل للشعب العثماني توجه لتعزيز قوة الجيش المنظفر ليكون أتقن وأمنع جيش في العالم أمتثالاً لقول الله سبحانه (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) وقل للعامة أنه في حالاتكم اليوم عبرة وذكرى. ضاعت حياتكم ألم يأن لكم أن تخشع قلوبكم لذكر الله أين شهامتكم أين نزاهة وجدانكم أين طهارة أخلاقكم، والله لقد أفسدها حضروكم في مسرح رقص وملعب قمار، وساحة لهو،. ومحضر تمثيل (تياتروا) أمور تبعث الخواطر السيئة في النفس الإمارة بالسوء. وتميت العواطف الشريفة وتجلب المهالك. أحوال تنافي آداب دينكم القويم الذي لم يترك فضيلة ولا خلقاً كريماً إلا أرشدكم إليه. عمركم أجل من أن يضاع في مثل هذه السفاسف. عليكم بما يربي النفوس الكريمة ويحبب إليها الفضيلة. أقبلوا على محافل العلم. واجتمعوا على السحر في الأدب. ادرسوا أحوال دينكم وتمسكوا بها أنشئوا مدارس إسلامية تؤدب أطفالكم وتهذب نشأتكم تعلمهم الفضائل تباعدهم عن الرذائل. ترشدهم إلى حقيقة هذا الدين الذي تفجرت منه ينابيع المدنية ففاضت سلسبيلاً دين يغرس في النفوس الكرم والشجاعة. والعز والقناعة. ويهدي للتي هي أقوم وحين إذ تكون أرقى أمة في العالم كما كان سلفكم الطاهر.

стр. 74

من يزعم أن أوروبا هي راقية وأن دين الإسلام يحول دون رقينا فقد ضلت في حتمه وساء سبيلاً علم الغربيون أن لا سبيل إلى رجوعنا عن مبدأنا القويم لينالوا مأربهم لأن نفوسنا إسلامية. تسابق إلى الفضيلة وتأبى الرذيلة فعمدوا إلى إنشاء مدارس لهدم هذا الأساس. وإطفاء هذا النور. (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) أن التلميذ العثماني إذا دخل مدارس الأجانب مزعماً لشروطها صار بعيداً عن مبدئه مبغضاً لدولته ووطنه. متفانياً في الميل إليه. لما يشربون في قلبه من حبه عاداتهم. حسبنا برهاناً على ذلك ما نشاهده من فساد أخلاق كثير من الشبان المتخرجين في هذه المدارس. فتراهم يقولون لا صلاة. ولا صيام. ولا حلال. ولا حرام ويفعلون ما يفعلون. إن أوضح دليل لكلامنا ما كتبته الصحف في شأن كلية بيروت أن تلك المدارس تزعم أنها تسعى في نشر المعارف خدمة للإنسانية حتى أنها ليست في بعض قرى دمشق مدارس ابتدائية تقبل فيها التلامذة الفقراء مجاناً وهي تجتهد الاجتهاد العظيم حباً في نفعنا. وسعياً وراء رقينا. . . أي فائدة تعود عليها من رقينا. أية مصلحة لها في نفعنا متى عاهدناهم يعملون لنا كلا والله انهم لا يؤسسوا هذه المدارس إلا أحيولة لنيل مقاصدهم. وشركاً يقع فيه الجهلاء من الناس. نجاهر بهذا الحق الذي أمرنا الله أن نصدع به لا نخشى فيه سيطرة مستبدة. ولا استهزاء متلاعب. فإن زمن العدالة فسح لنا مجالاً لبيان (الحقائق) فلله جزيل الحمد وعظيم المنة فنسألك اللهم أن تهدي هذه الناشئة لما فيه صلاحها وتكشف عنها الغشاوة. ولا تجعلها محجوبة عن مشاهدة محاسن دينها القويم فتردي. دمشق (اعتذار) بعد طبع ما تقدم من الرد على الفاضل شكري أفندي العسلي وردتنا رسالة من الغيور المدقق العلامة الشيخ راغب أفندي السادات في الرد أيضاً على ما كتبه في رؤية الهلال باقة نطاق المجلة عن نشرها فمعذرة من محبرها الكريم. (شفيق بك المؤيد) (مبعوث دمشق) أبت شهامته وغيرته إلا أن يوآزر الحق. ويسعى في نشر العلم. فتبرع بعدة اشتراكات في

стр. 75

مجلتنا هذه لتوزع مجاناً على طلبة العلم. فنشكر حميته ونثني علىريحيته. ونسأل الله أن يكثره من أمثاله من أهل الوطنية الصادقة.
следующие страницы →