← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 1051–1077 · переход к 1056.

стр. 1051

هناء وهناء ولا نظير له في مهموز. ويقال هنأه بالأمر والولاية هنأ هنأه تهنئة وتهنيئاً إذا قيل له ليهنئك والعرب تقول ليهنئك الغارس بجزم الهمزة وليهنيك الغارس بياء ساكنة ولا يجوز ليهنك كما تقول العامة ومن زلات الأقلم قول بعضهم بات فلان يشكو من فداحة الخطب يريد من ثقله وقد بحثت في عدة معجمات فما وجدت للفداحة فيها أثر ولا رأيت عنها خبر والمعروف في أمهات اللغة (الفدح) يقال فدح الأمر أو الحمل أو الدين زيداً من حد منع (فدحاً) أي أثقله وهاله وبهظه. ومنه قول الآخر يصف أحد القصور في نهاية القصور فيه رياش نفيسة يؤنس الرياش بالوصف خطأ وهي مثل الأثاث قال في الأساس وفلان له رياش أي لباس وحسن حال وشارة واشترى علي ﵁ قميصاً بثلاثة دراهم فقال الحمد لله الذي هذا من رياشه ومن غريب الزلل الذي يقع فيه بعض من يعربون تعريباً حرفياً قولهم (هو كريم) بكل معنى الكلمة) فهل رأى الناس كريماً بنصف معنى الكلمة وآخر بربع معناها وثالثاً بثمنها ومتى كانت المعاني العرفية العامة محدودة بمثل هذه المقادير؟ ألا ليعفوا المتفرنجون أسماعنا من مثل هذا الاستعمال الساقط وليستعملوا عوضاً عنه ما أرادوا من التراكيب. ومنه قولهم (فلان هجاص) ويريد أن موصوفه يكثر من الأخبار التي لها أصل والصواب هجاس قال صاحب اللسان هجس الأمر في نفسي يهجس هجساً وقع في خاطري فالهجاس كثير الهجس أي الذي يقول كل ما يهجس في نفسه كما ترى. ومن مزال الأقلام قول بعضهم (فلان لابس ثوباً (فاتحاً)) ومنهم من يقول (زاهياً) وكلا الاستعمالين غير مراد. والوجه أن يقال (ناصع اللون) والناصع الخالص الصافي من كل شيء. ومن الزلل قول بعضهم (يجب أن يعين منا مديريون) مراده مديرون جمع مدير. وزيادة الياء ها هنا لا مسوغ لها كما أنه لا مسوغ لهذا الإيجاب ولكن الجهل يعني صاحبه. ومنه قوله (يتعهد المدين بدفع الدين) يريد أنه آلى وأعطى موثقاً بالدفع وإنما التعهد التحفظ بالشيء وتجديد العهد به وتفقده والاحتفاظ بالعهد أيضاً ومن الأخير قول أبي العطاء السندي من فصحاء العرب يرثي ابن هبيرة. وإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود

стр. 1052

فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد وليس شيء من هذه المعاني بمراد لنفسه في هذا المقام. ومنه قول الآخر (فلان موظف ظهورات) يريد أنه موظف إلى حين ومن كان كذلك فوظيفته المساعدة والوجه فيه (موظف ظِهرة) أو ظُهرة قال تميم الهفي: على عز العزيز وظهرة ... وظل شباب كنت فيه فأدبرا وفي اللسان (الظهرة الأعوان والظهرة كالظهر وهم ظهرة واحدة وجاءنا في ظهرته وظِهرته وظاهرته أي في عشيرته وقومه وناهضته الذين يعينونه وفلان ظِهرتي على فلان أي عوني.

стр. 1053

الإسلام والإيمان من هنا يتضح أن الله أرسل لكل أمة رسولاً وكتاباً وجمعهم على دينه قروناً وأحقاباً وها نحن في زمان أخذت فيه الأمم تتعارف لتتبادل الأفكار والعلوم والمرافق الحيوية وأخذت نواميس الحياة تسوقها سوقاً إلى وحدة العقائد كما وحدتها في المدركات العلمية والعملية من هنا حدث شعور عام بضرورة وجود دين عام وكيف يمكن أن يكون للإنسانية دين عام وجميع الأديان التي أمامنا تكلف الأمم بالانخلاع من شخصيتها التي اكتسبتها في عشرات من القرون والتقمص بشخصية جديدة تعادي معها دينها السابق وتكفر بسائر أنبيائها وتعدهم كذابين مزورين وتحتقر جميع مقدسيها وأقدميها لا جرم أن أمثال هذه الأديان المحرفة لا يستطيع أحدها أن يكون ديناً عاماً مطلقاً ما دام لم ينظر لمجموع الإنسانية كلها بنظر الملم بأحوالها المراعي الحكمة في تكليفها. على أن في محاولة هذه الأديان خلع من يتمسك بها من كل ما كان يعتقده قبلاً ودفعه للكفر بجميع ما كان فيه يعد جوراً وميلاً عن الحق الظاهر لأنه (ما الذي يرجح للإنسان أن يعتقد بعيسى ويكفر ببوذى مع العلم بأن الاثنين أسسا ديناً وجاءنا بإصلاح كبير واتبعهما خلق كثير وكان سواء في الصلاح والتقوى وحب الإنسانية؟ وما الذي يرجح له أن يحترم الأناجيل والقديسين النصارى ويحتقر كلما له علاقة بديانة بوذا مثلاً. لا شك أن لا مرجح يحمل الإنسان لأن يعتقد برسول دون رسول وبكتاب سماوي دون كتاب آخر كون أمة وأحياها إلا الجور في الحكم والميل مع الوراثة والتقليد فالعدل كل العدل أن يعتقد الإنسان بكل رسول أرسله الله للأمم مستدلاً على رسالته بآثاره وأعماله وتاريخ حياته فيؤمن بجميع رسل الله إجمالاً وبجميع كتبه جملة تاركاً التعصب الذميم والانتصار لأحد المرسلين دون الآخرين جاعلاً دينه قوله تعالى: (آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمين) هذا هو الدين الحق العادل الصالح لأنه يجمع كافة الشعوب والأمم ويؤاخي بينهم ويرضيهم جميعاً وينزع من قلوبهم العداوة والبغضاء والسخائم القديمة الموروثة بسبب كفر بعضهم بأنبياء بعضهم واحتقار بعضهم بكتب بعض. هنا تنجم مشكلة تعوذ حلاً مقبولاً وهي أن جميع الكتب الدينية التي بأيدي الأمم محرفة

стр. 1054

مبدلة وقد تولاها رجال بالشروح والتأويلات حتى خرجت بها الأديان عن أصولها وصارت كلها متناقضة تسمح للملحد أن يقول إذا كانت الأديان كلها وحياً من الله فلماذا نجدها متناقضة متعاكسة فإما أنكم حرفتموها عن أصولها وإما أنكم كذبتم على الله بنسبتها إليه لأنه لا يقال أن الله ينزل على قوم ديناً يعلمهم فيه أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله منزه عن الجسم والجسمانيات لا تحيط به الأفكار ولا الظنون ثم يوحي إلى آخرين ديناً يقرر لهم فيه أن له ثلاثة أقانيم وأنه أرسل ولده ليفتدي العالمين ثم يوحي إلى أمة أخرى بأنه تجسد في جسد فلان وحل في جسم فلان الخ مما لا يمكن التوفيق بينه بأي وجه من الوجوه هذه معضلة لا يحلها إلا أحد أمرين: إما الاعتقاد بأن هذه الأديان محرفة أو بأنها ليست وحياً من الله ولكنها من أفكار من وضعها من الأقدمين. أما القول بأنها من موضوعات الأقدمين فلا ينهض به دليل لأن أولئك الرجال الفضلاء الكاملين الذين دلت حياتهم على فضل وتقوى وزهد وعبادة، الذين قالوا نحن رسل الله جئنا بدين الله يبعد أن يكونوا من الكاذبين المزورين لأن التزوير لا يولد فضيلة ولا ينتج كمالاً ولا تقوى (انظر ما قلناه عن محمد ﷺ إذن لم يبق أمامنا إلا الفرض الثاني وهو أن هذه الأديان حرفت عن أصولها وأن أصلها كلها واحد. إن وصلنا إلى هذا الحد قلنا: ها هو رسول كريم أرسله الله رحمة للعالمين دلنا بتاريخ حياته من أولها إلى آخرها في زهده وعبادته وتواضعه وبعده عن زخارف الدنيا على أنه واحد من اولئك المرسلين جائنا يقول عن الله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً فأما الذين آمنوا واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً). جاء هذا الرسول يقول عن ربع (شرع لكم من الدين ما وحى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين لوا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي غليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى آجل مسمى لقضي بينهم وأن الذين أوروثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا

стр. 1055

ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير). هذا الرسول الكريم أمرنا بالإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين وبكتب الله أجمعين وجعل ذلك قاعدة ديننا وعمدة إيماننا ثم أمرنا بالخير كله ونهانا عن الشر كله وعرفنا سبل الكمال وأمات فينا نزعة الحق والتعصب الممقوت وشرع لنا ناموس الأخلاق ونهج لنا في هذا العصر الذي كثرت فيه الشكوك على الأديان وأصبح فيه علم اللاهوت عدواً لتلك المقالات التي يوردها أصحاب الملل في الله جهلاً وتقليداً لأفكار السابقين.

стр. 1056

نفثة مصدور إلام الميل عن طرق الرشاد ... وفيم العدل عن نهج السداد على دين النبي تفيض عيني ... وتبذل للدموع بكل نادي وقلبي من توالي الذل أضحى ... يقطعه زوال الاتحاد هجرنا ديننا هجراً طويلاً ... فأصبح عزنا بادي النفاد وبدد شملنا عرض تبدي ... يمزق في النواحي والنوادي فأي فتى له عقل ولب ... يشاهد دينه مرمى الأعادي ويرضى أن يعيش بعيش ذل ... ويرغب في حياة باضطهاد فلو أنا نصرنا الدين سدنا ... ولكنا طرحناه بوادي فليس لطالب العليا مجيب ... وينجح من إلى فسق ينادي ينادينا الهوى فنجيب جمعاً ... ولا نصغي إلى داعي الرشاد تنبهنا النوائب كل يوم ... ولم تزل المعاصي في ازدياد ويخطبنا الخطيب وليس فينا ... مجيب دعوة البطل المنادي أروني الوعظ صادف أي قلب ... فكف عن التشبب في الغوادي فلا وحياتكم إن دام هذا ... فهيهات الوصول إلى المراد فمهلاً يا أخا الرشاد مهلاً ... فإن القوم طراً في رقاد (لقد أسمعت لفو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي) وكيف الوعظ يجدي في أناس ... تراهم للمذلة في انقياد فلولا السكر والفحشاء فينا ... لما قبضت أزمتنا الأعادي ولا رضيت بذل النفس هذا ... كرام الحي أصحاب السداد ولا باع الأكابر دين طه ... بنقد بل بسوء اعتماد ولا سل العدو سهام كيد ... وأغمدها بأعناق العباد ولا خرجت نساء الحي تسعى ... إلى الأسواق في حلل الفساد ومن عجب ترى الأزواج طراً ... على هذا الخروج على اتحاد فلو في الدين كان لنا اتحاد ... كهذا صار مرفوع العماد ولكن الورى شيخاً وطفلاً على حب التفرق والعناد

стр. 1057

كفى يا قوم إنكم بواد ... ودين المصطفى عنكم بوادي أفيقوا وانظروا ما نحن فيه ... أصاب جميعنا شرك المعادي وشدوا إزركم بالدين تمحى ... خطوب قدرها فوق العداد فإن الضيم لا يرضاه حر ... وإن يك دونه خرط القتاد وغفلتكم عن الإرشاد عار ... وعار حبكم طول الرقاد فجدوا وانشروا ديناً قويماً ... هجرناه فأصبح في كساد (مكارم الأخلاق) مصطفى أحمد القاياتي

стр. 1058

طريق النجاح لا مراء ولا جدال في أنه لا بد لكل دولة من دين تتدين به ودولتنا العلية حرسها الله دولة إسلامية دينها دين الإسلام. والمسلمون الموجودون اليوم على وجه الكرة الرضية ثلاثمائة مليون يجمعهم دين الإسلام وكلمة التوحيد وهم وإن اختلفت مذاهبهم ومشاربهم وتناءت أقطارهم وبلادهم وتباينت لغادتهم وعاداتهم في الحقيقة أغصان دوحة واحدة ألا وهي (الدين) وبذلك نطق أجلًّ كتاب وأصدق قائل. (إنما المؤمنون أخوة) وهم مرتبطون بإمام ينقادون له ويخضعون لأوامره كما يحكم عليهم بذلك كتابهم ودينهم وذلك الإمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة وإقامة الجمع والأعياد وإصلاح ذات البين وغير ذلك مما يتعلق بالإمام الأعظم الذي هو خليفتهم إذاً فما بلهم متقهقرين وبطريق الفشل سائرين وعن سبل التقدم والرقي ناكبين؟ ما بالهم مع وفرة عددهم وكثرة عددهم بالنسبة لما كان عليه أسلافهم لا يتفقون وعلى ما فيه صلاحهم لا يجتمعون؟ لم لم يكونوا كما كان أسلافهم في صدر الإسلام فقد دوخوا الممالك وذللوا ملوكها وأسودها ومصروا الأمصار وقد سجلته لهم ذلك كتب التاريخ وسطرته أقلام العز والشرف على صفحات المجد والفخر. حتى أن الرجل الواحد منهم كان يحارب المائة والمائتين ممن سواهم فيضعضع أركانهم ويزلزل أقدامهم ويهاجمهم مهاجمة الأس الغضنفر بصلابة دينه ورسوخ عقيدته الإيمانية يفعل ذلك لثقته أنه بين أمرين لا محالة إما أن يعيش سعيداً وإما أن يموت شهيداً. ومن غرائب حربهم ما وقع لهم مع جيش الفرس وجيش هرقل بالقادسية واليرموك وكان المسلمون وقتئذ بضعاً وثلاثين ألفاً في كل معسكر وجموع فارس مائة وعشرون ألفاً وجموع هرقل أربعمائة ألف فقاتلوهم بنيات صادقة وعزائم ماضية وصبروا على قتالهم صبر الكرام حتى هزموهم شر هزيمة وأورثهم الله أرضهم وديارهم وهي قصة مشهورة كادت تبلغ درجة التواتر وعاشوا يومئذ بالترفه والنعم وأصبحت دولة الإسلام أغنى دول الأرض وأرقاها وأنجحها وأعلمها وأعظمها وذكر بعض المؤرخين أن الأموال التي كانت تجبى في كل سنة إلى بيت مال المسلمين في أيام الرشيد سبعة آلاف قنطار وخمسمائة قنطار من الدنانير وذكر الثقات من مؤرخي الأندلس أن عبد الرحمن الناصر أحد ملوك الأندلس خلف في بيوت أمواله خمسة وأربعين ألف ألف دينار ووزنها خمسمائة ألف قنطار

стр. 1059

وهذه دولة من دول إسلام ذلك العصر وغيرها كان يأتيها من المال أضعاف أضعافها كل ذلك كان لاتفاق المسلمين واجتماعهم على الحق واجتهادهم بتوسيع نطاق ممالك الإسلام وتفانيهم بإعلاء شأن كلمة الملة والدين، أولئك السلاف العظام يستهان بأخلاقهم اليوم أمة شأن سلفها العز والمجد أيعجز خلفها أن ينهض نهضة آبائه وأجداده ألا ليت شعري ما هو الدواء النافع الناجع لبرء هذا الداء العضال. الدواء الوحيد هو بث الدعوة الدينية في هذه الأمة العظيمة ونفخ روح الحياة بالعلم في جسم ميتها ليحيى وينهض من حضيض الذل والهوان إلى أوج المعالي وهذا الدواء أعظم وأكبر وأجل سبب شريف لاسترداد مجد الإسلام السالف بهذا الدواء يعز الشعب بعد الذل والصغار ويصحو من خمرة سهوه ولعبه. وليكن بث هذه الدعوة بإرسال مرشدين عارفين بلغات البلاد من طرف الدولة العلية إلى العالم الإسلامي في سائر الجهات والأقطار يدعونه إلى التعاون والتعاضد والتناصر بشرط أن يكونوا عالمين عاملين بما يرشدون به مقتدرين على استمالة الأفكار واستجلاب القلوب يأتون البيوت من أبوابها لا خاملين يدعون الأمة إلى البطالة ويقعدونها عن السعي وراء الرقي والكمال ويثبطون همتها عن الجد بالعمل حتى يلجأ إلى التهاون والتواني وتألف الخمول والكسل. لا متفرنجين مارقين من الدين والأخلاق مروق السهم من الرمية أليفهم الكاس وحليفهم الشيطان على الاجتماع مع المرد واستباحة الأعراض. أولئك قوم أبغضوا المساجد وتلاوة القرآن وتعشقوا مسارح اللهو والخذلان بل ينبغي أن يكونوا صفوة الناس وخلاصتهم لا مفرطين ولا مفرطين متجردين من الغايات الذاتية والمآرب الشخصية يقومون بوظائف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام التي هي أشرف مطلب وأسمى منصب بل هي من أهم الواجبات على علماء الدين الإسلامي بالدعوة يحصل الإرشاد والنصيحة بتأليف القلوب وإصلاح ذات البين ويكون هذا بجمع السواد الأعظم في المساجد لاسيما أيام الجمع والأعياد وفي نواديهم التي يتحدثون بها ويأوون إليها وذلك بالخطب الرائقة والمواعظ الشائقة والدروس الجليلة المنبهة على حسب ما تقتضيه أحوال العصر الحالي يبينون لهم ما ينبغي التذرع به والالتجاء إليه تخلصاً مما هم فيه ويحثونهم على مؤازرة دولة الخلافة بالتداعي إليها والترامي نحوها من جميع النواحي

стр. 1060

بالمال والرجال وبتأليف الجمعيات الخيرية وتجديد المعاهد العلمية وتشييد المدارس الفنية ويحضونهم على تأليف جمعية مخصوصة ترمي بسعيها إلى هذا الغرض ذاته يجعلون لها فروعاً وشعباً في سائر الأنحاء والأرجاء وتأليف جمعية أخرى باسم إحداث معامل صناعية في بلاد الدولة العثمانية تشترك فيها الأغنياء وأصحاب الثروات من المسلمين يمدونها بأموالهم وينتفعون بريعها مساهمة كما هو شأن الشركات الأجنبية التي ببلادنا يعينون لها رؤساء نصوحين صادقين يديرون أمورها ويدبرون شؤونها ونظاراً عليهم يتتبعون أحوالها ويراقبون عمالها حتى تستغني بلادنا عن بلد الأجانب وبهذا ينمو المال وتحيي الرجال وتتألف الأفئدة والقلوب. وربما يعترض على هذا الاقتراح مارق من الدين ليبقى مقيماً على شهواته أو من خارت عزيمة فكره ورويته أو بعثته عصبيته أو جنسيته أو أهاجته غاياته ومآربه أو من ثبط همته بالجبن وأعقده الكسل فيقول أن هذا الاقتراح أمر شديد المراس صعب المزاولة ولا يمكن تصوره لا يتأتى العمل به فنقول له أن الأمر سهل متى لهجت به سائر جرائد الإسلام إن الأمر سهل متى سرت هذه الروح في جسم شعبنا الذي استسلم لليأس والقنوط، وقام ينادي بلسان واحد للأمام للأمام للتقدم للتقدم، إن الأمر سهل متى سرى دم الحياة بشرايين جسم أبناء هذه الدولة العثمانية ففدوها بالنفس والنفيس وبذلوا لصيانتها كل مرتخص وغال وصالوا صولتهم المعهودة وسطوا سطوتهم المعروفة ولا شك أن هذه الروح متى بدأ سريانها اجتمعت لها كلمة الأمة الإسلامية في سائر أقطار المسكونة إلا فما الذي دعى أخواننا المصريين إلى إعانتنا في هذه الأزمة الشديدة بمليون من الليرات؟ وما الذي حمل المتطوعين على مبارحتهم أوطانهم ومفارقتهم أولادهم وعياله؟ ما الذي أثار عواطف مسلمي الهند حتى أرسلوا الإعانات تترى من كل فج عميق؟ ما الذي أهاج عرب طرابلس الغرب حتى وقفوا في وجه الطليان وقوف الأسود الكواسر لتناضل عن أعراضها وتدافع عن أوطانها؟ أليس الباعث للجميع هو الرابطة الدينية والحمية الإيمانية وصون الخلافة الإسلامية من تمزيق جامعها وانحلال رابطتها حيث علموا كلهم أنه لم يبق على وجه الكرة الأرضية دولة تقوم بِأمر الخلافة العظمى سوى دولتنا حرسها الله وأيدها بقدرته وسلطانه فلذا هرعوا جميعاًُ لمساعدتها من تلقاء أنفسهم (ألا فليعتبر المتفكرون).

стр. 1061

والله لو أن في بلاد الإسلام مرشدين كما ذكرنا لجندوا في هذه الحرب الماضية جيشاً عرمرماً من المتطوعين يسير متزيناً بالتهليل والتكبير لا يهدأ له بال ولا يقر له قرار حتى يطحن جيوش الأعداء ويدوسهم تحت سنابك الخيل ويرفع الرايات الإسلامية والأعلام المحمدية فوق عواصم ملكهم كما فعلت أسلافه غير مرة أولئك: قوم لقوم فيهم أود العلا ... والدين أصبح أيد الأركان قد حالفوا سهر العيون وخالفوا ... أمر الهوى في طاعة الرحمن أقران حرب كلما اقترنوا لدى اله ... يجاء تحسبهم ليوث قران لبسوا سوابغهم لأجل سلامة ... الأعراض لا لسلامة الأبدان وتحملوا طعن الرماح لأنهم ... لا يحملون مطاعن الشنأن أهل الحمية لا تزال بدورهم ... تحمي الشموس بأنجم الخرصان وهنا ربما اعترض علينا أيضاً بعض من بغض الدين وهجر مكارم الأخلاق وكان من الأفاكين المرجفين الذين يعتقدون بأن الدين هو العقبة الكؤود في سبيل الرق. وقال أن ما تقدم يشتم منه رائحة التفرقة بين العناصر ونحن اليوم أحوج إلى الوئام فنقول له أن عصرنا عصر الحرية والإخاء والمساواة أما الحرية فهي استقلال العقل والفكر والإرادة وانطلاق اللسان وهي أقسام تحتاج إلى مقالات طويلة إضافية الذيل نرجئها إلى عدد آخر ونكتفي هنا بذكر قسمين: الأول: حرية عمومية وهي تكافؤ الأمة بالحق وتكافلها على قيام الشرائع والقوانين. والثاني: حرية شخصية وهي أمن الإنسان على نفسه وعرضه وماله وتمتعه بسائر حقوقه الشخصية التي تخولها له طبيعة الاجتماع والحرية حق يقابله واجب وهو المسؤولية. لا كما يزعم خراصوا هذا العصر من أن الحرية غ \ هي تعاطي الإنسان جميع ما تسوله له النفس الأمارة بالسوء من زنا ولواط وشرب خمر واهتضام حقوق المغدورين والمظلومين وترك الدين واستباحة الأعراض وغير ذلك مما يسأل فاعله شرعاً وقانوناً. وأما الإخاء فهو قسمان. إخاء ديني لا دخل لأبناء مذهب فيه مع أبناء مذهب آخر. وإخاء وطني تشترك فيه سائر الأفراد لأن المنفعة والمضرة واحدة. وأما المساواة فهي كلمة عامة تجمع تحتها كافة العناصر العثمانية على اختلاف مذاهبهم

стр. 1062

ومشاربهم وهي أيضاً شرعية لأن اليهودي والنصراني والمسلم في الحقوق بنظر الشرع الشريف كشخص واحد لا يمتاز أحد مهم عن الآخر قال سيد الوجود ﷺ في أهل الذمة (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) وقال أيضاً أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته أن الله تعالى لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها كمثل القرآن (وإن الله تعالى لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم) فاتفاق المسلمين وقيامهم يداً واحدة وبث روح الشريعة الغراء في العالم الأرضي ترتاح إليه جميع العناصر وتشكر عليه مسعانا لأن الدين الإسلامي يحجر على أهله التعدي على من سواهم ويأمرهم بالتمسك بآدابه الشريفة وأخلاقه الطاهرة السامية وهو لهم كالشكيمة للفرس تمنعها من التهور والطيش وإلقاء صاحبها في المهالك والمهاوي. ولا شك أن الأمر سهل على من همهم حفظ الوطن والملة وصيانة حقوق الدولة، وحفظ كيانها ونهوضها إلى أوج الحضارة والسعادة لتجاري من سواها من الدول الغربية. . ولله عاقبة الأمور يبرود أحمد الباشا

стр. 1063

الفونغراف رأينا في مجلة مكارم الأخلاق التي كانت تصدر بمصر جواباً على سؤال ورد للمجلة المذكورة من مكة المشرفة ملخصه: ما قولكم فيما وقع كثيراً الآن من حبس صوت قراءة أيات من القرآن الكريم مع غيره من أصوات الغناء في الآلة الإفرنجية المعروفة بالفونغراف فهل يحرم على صاحب الصوت إلقاء صوت قراءته للقرآن فيها فإن قلتم بالحرمة فهل يحرم أيضاً استماعه صوت قراءة القرآن نمنها من بين أدوار الغناء مثلاً وما حكم لأأخذ الدراهم على ذلك وإذا سمع آية سجدة فهل يسن السجود لها أفتونا مأجورين_ولما تضمنه من الفائدة والنصيحة أحببنا نشره ليطلع عليه قراء مجلتنا الكرام. (الجواب عن حبس صوت قراءة القرآن الكريم في الفونغراف) الحمد لولي الحمد والصلاة والسلام على الموفي بالعهد وعلى آله وأصحابه سور الشريعة ودور المجد أما بعد فإن صاحب الصوت بإلقائه صوت قراءته للقرآن في هذه الآلة واضع كلام رب العالمين موضعاً لا يليق بجلالته وتسامي منزلاته إذ حبسه فيها ينقله من إنزاله للتدبر في آياته والخوف من وعيده والاعتبار بقصده والاستبصار بمصباح هدايته والتفهم لمعانيه والإذعان لمعجزه إلى ضحك الضاحكين من جماد يتكلم وذي عجمة يترنم بل إلى منزلة الزامر يحيط به الرعاع وينساب إليه أهل البطالة وعشاق الملاهي بل بعد إن كان قرئ لدى الصحابة تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم صارت منزلته والحالة هذه منزلة آلة مطربة يطاف بها في الأسواق وتتخذ في البيوت ملهاة للشبان ومدعاة للشيطان بل الشأن في هذا أنه أفظع وأشنع مما قالوه من أنه إذا فأفرط القارئ في المد وفي إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف ومن الضمة واو ومن الكسرة ياء أو يدغم في غير موضعه كان حراماً يفسق به القارئ ويأثم المستمع لأنه عدل به عن منهجه القويم إذ القراءة على هذا الوجه خارجة إلى اللهو والطرب خارجة عن عرف رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين إلى شيء جديد غير محمود ونمط مستحدث مردود وقد قال ﷺ (كل مستحدث بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) بل هذا نفسه بعض من إشارات ما في حديث أنه ﷺ عد من أشراط الساعة أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرئهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء

стр. 1064

بل ماذا يكون الخطب الشديد والكرب المزيد فيمن رضي لنفسه أن يضع كلام الله هذا الموضع وقد قال ﷺ فيمن إثمه أقل وحمله أخف اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين وسيجيء بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم بل الحالة في هذه الآلة أشد حرمة من قراءة القرآن على ضرب الدفوف وقرع الطبول وتحريك الأوتار والنقر بالأنامل والنفخ بالأبواق بل إذا كانت العلة في تحريم مس المصحف على المحدث ولو بصدره ولسانه وشعره وظفره أنه إخلال بجلالته وخروج عن تعظيمه وتهجم عل مقامه فكيف لا تكون القراءة في هذه الآلة من أشد أنواع التحقير والإهانة بل إذا كان مس ورقه وجلده ولو منفصلاً حراماً على المحدث فماذا تكون جريمة من ينزل به إلى هذه المنزلة بل إذا كان تعليمه للكافر المعاند وغير المعاند إن لم يرج إسلامه ممنوعاً كما منع السفر به إلى بلاد الكفر إن خيف وقوعه في أيديهم فكيف لا يمنع القارئ من قذفه في هذه الآلة فماً لفم الكافر يحمله والساخر يسمعه إذ أنه إنما دخل فيها الفاظاً ذات مقاطع ومقالع تحملها الأنفاس وتحفظها الآلة وهذا عينه هو القرآن الممنوع قراءته على الجنب إلا بقصد الذكر بل حديث من أحدث في أمرنا ما ليس منه رد كاف في البيان بل نفس هذه الآلة من شعار الفجار والكفار والتشبه بهم حرام وقد قال السند الأعظم ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم) بل إذا فرضت أنه لا تشبه فيها بهؤلاء ولا هؤلاء فافرض أنها من الشبهات والشبهات حرام عند أكثر العلماء روى البخاري والنسائي (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان والمعاصي حمى الله ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه وبعد هذا كله فاعلم أنه يجب على كل مكلف تمكن من إنكاره بيده أو لسانه أو قلبه أو استعانة بسواه وهنا ننصح القراء أن لا يصلوا بالقرآن إلى هذا الحد فالدنيا زائلة والذنوب حاضرة والحجة قائمة وإنما يقبل النصيحة من وفق. (الجواب عن سماع القرآن الكريم من الفونغراف) ما تقدم كله إجمالاً وتفصيلاً ينبئك بشدة الخطر وعظيم الذنب وجراءة القلب وانتهاك

стр. 1065

الحرمة بحبس القرآن في هذه الآلة كما ينبئك أنها آلة لهو أولاً وإخلال بتعظيم القرآن ثانياً وتمكين للكافر من آياته ثالثاً وتشبهاً بالكفار رابعاً وضياع للمال فيها خامساً وإعانة لفاعلها بشرائها سادساً وإحداث لما لم يكن من الدين سابعاً فهي على كل وجه وكل حال من المنكر الذي يأثم الساكت عنه والراضي به والحاضر فيه فالوجه الشرعي أن الجلوس مع شارب الخمرة ونحوه من أهل الفسوق والملاهي المحرمة مع القدرة على الإنكار أو المفارقة عند العجز كبيرة من الكبائر ونفس استماع صوت قراءة القرآن منها رضا بالحالة وإعانة عليها وقد أسلفنا أن الإفراط في القراءة إلى الحد الذي يخرجها إلى اللهو والطرب يفسق به القارئ ويأثم المستمع واستماع القراءة من هذه الآلة أشد من استماعها على الوجه المار بكثير وحسبك أنها منكر سماعه إعانة عليه فاعتبر بهذه الحالة ولا تسمع تلك الآلة واعمل بقوله تعالى: (وتعانوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (الجواب عن أخذ الدراهم عليها) لا أظن بعد أن سمعت في هذه الآلة ما سمعت وعرفت من حقارتها ما عرفت إلا أن تلحق صاحبها في صنف المبتدعين وتعد المعين عليها من أعوان الشياطين وترى كسب الكاسب بها إقراء وإسماعاً من شر وجوه المكاسب وأقبح أنواع الباطل فسواء الكسب بالقراءة فيها والكسب بسقاية الخمر وجلب الحسان للفجور والقيان للأغاني وعمل النائحة وإيكال الربا والسعي إليه والإعانة عليه إلى أمثال هذه الأحوال التي هي في نفسها شنيعة وذريعة إلى المفاسد وللوسائل حكم المقاصد بل هذا المعدود وغيره من مكاسب نحو الخائن والسارق والمقامر والساحر والمنجم والزانية كله داخل في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينك بالباطل) فإن الباطل يعم هذه الأشياء كلها وما في معناها من كل شيء أخذ بغير وجه شرعي وانظر إلى ما أخرجه مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ قال إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً) وقال (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) وانظر إلى قوله ﷺ لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به مع قول العلماء السحت (بضم فسكون) الحرام أو الخبيث من المكاسب ويكفيك أن العلماء على علمهم بحاجة الأمة والدين إلى تعلم القرآن اختلفوا في أخذ الأجرة على تعليمه

стр. 1066

وإن كان الأكثرون على الجواز وإذا كان ذلك كذلك فكيف لا يكون أخذها على وضعه في هذه الة حراماً في حرام وسحتاً في سحت اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك هن معصيتك وبفضلك عمن سواك آمين. (الجواب عن السجود عند سماع آية السجدة في الفونغراف) اعلم أرشدني الله وإياك أن السجود في ذاته ومعناه خضوع لرب الأرباب بلصق الجبهة والأنف بالأرض وبسط اليدين والركبتين وأطراف الأصابع يهيج هذا الخضوع شيء في القلب يتولد من ملامحة عظمة ذي الجلال وطموح البصيرة إلى علو كبريائه عند قراءة أو استماع أية سجدة وأنت تدري أن السامع من هذه الآلة مغلوب على عقله مصروف بكليته عن معالي الجلال والأدب إلى معالي اللهو الطرب يصرف الاستغراب عما يجب لآيات الكتاب على أن سجود التلاوة شرط سنيته حل القراءة وقصدها ولهذا قالوا لا يجود لقراءة جنب لحرمتها كذلك قالوا لا سجود لقراءة الدرة والنائم لعدم القصد فيهما وهذه الآلة قراءتها غير مشروعة فلا سجود وغير مقصودة فلا سجود أيضاً على أنه بحث في الإيعاب عدم السجود لسماع قراءة الجماد مطلقاً على أن مشروعية القراءة لا بد منها في القراءة والسماع وهي هنا غير مشروعة قراءة وسماعاً كما هي كذلك في الجنب وإياك أن تقول حق القياس أن يسجد لسماع القراءة من هذه الآلة مع حرمتها كما يسجد لسماع القراءة في السوق والحمام مع كراهتها فإنه قياس فاسد إذ القراءة هنا محرمة لذاتها وفي السوق لأمر خارج فطهر قلبك ولا تكن من الغاوين وخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. (فرع) شاع بعد تصريحي بحرمة قراءة القرآن في هذه الآلة وسماعه منها أن بعض الناس يبيح السماع بقصد الاتعاظ وهي إشاعة لم تثبت فإن المبيح على فرض وجوده إذا قصد إباحة السمع بقصد الاتعاظ قياساً على إباحة القراءة للجنب بقصد الذكر فقد فاته أن القصد إنما يعتبر إذا كان من جانب القارئ وكان وسيلة لمقصد شرعي كما هو الشأن في الجنب إذ صرف القراءة من القرآنية إلى الذكر تحصيلاً لثواب الذكر ويدل على اعتبار قصده دون السامع أنهم قالوا أن قصد الجنب قراءة القرآن فلا سجود لحرمتها وإن قصد الذكر فلا سجود أيضاً لأنه حينئذ ذكر لا قرآن كذلك قالوا أن كاتب التميمة إن قصد أنها قرآن حرم

стр. 1067

على المحدث مسها وحملها وغلا فلا ومن هنا تعلم أن العمدة على قصد القارئ والكاتب كما علمت بل لو قصد القارئ في هذه الآلة الوعظ أو الذكر لم يقبل منه لأنه قصد لأثر له يترتب عليه ثوابه ولم يخرج سامعه عن الحرمة لفساد القصد وأنه حيلة لا تنطلي ولأن الآلة جعلت اللهو كما هو جلي هذا ما عن لي فحرر وادع وفي هذه الآلة كلام طويل ربما ألمعنا إليه في فرصة أخرى ولكننا هنا نحذر المسلمين من رضاهم بإهانة القرآن إلى هذا الحد ومن رضي بهذا فحسبه جهنم وساءت مصيرا.

стр. 1068

دعوة العرب إلى العلم بني يعرب ادعوكم النهضة العظمى ... لترقى بكم نحو السموات أو أسمى إلى عرش مجد لم يطأه سوى امرئ ... بهمته العلياء ينتعل النجما إلى مجد قحطان أبي العرب من عنت ... لقدرته الدنيا بأجمعها رغما بنى جدنا صرحاً إلى المجد شامخاً ... وصير من أركانه العزم والحزما ولكن هدمناه بمعول جهلنا ... فما أبطأ المبنى وما أسرع الهدما فهل بين قومي من يؤسس ركن ما ... هدمناه حتى نغادر له رسما وهل من يجاري عهد معاهد ال ... علوم عسى نقضي على جهلنا الأعمى ألم يخجل الأحفاد من ذكر جدهم ... وقد قصروا عن نيل غايته العظمى أنحن بنو قحطان والانحطاط لم ... يغادر لنا معنى بلى ترك الاسما هلموا هداة العالمين بأسرهم ... لنثبت أنا ليوم أبناؤه حتما وذلك فيما ندرك الشمس رفعة ... به وبماضي عزمنا ندرأ الخصما نتيه افتخاراً في سراة جدودنا ... ويا ليتنا سرنا على نهجهم يوما لئن خلدوا ما يمدحون عليه هل ... أتينا سوى ما نستحق به اللوما من الخرق أن نحدو ابتهاجا بذكرهم ... ولم نقتف الآثار مجداً ولا علما أنقنع في تمويه أوهامنا عن ال ... حقائق فاعتضنا عن العسل السّما إلى م التمادي في الخمول وخصمنا ... يناهضنا ظلماً ويسلبنا هضما أفق أيها الشعب الكريم ولا تنم ... فقد أنفذ الغرب الغريب بك السهما وقد كنت قبل اليوم للغرب سيداً ... فصرت بحكم الجهل عبداً له تسمى أعد من ضروب المجد ما قد فقدته ... برأي سديد منك لم يخطء المرمى أليس من العار المشين احتياجنا ... لرأي وصي كالذي يرتدي اليتما متى يبلغ الشرق المراهق رشده ... على أنني شاهدات أقوامه هرمى أجل شمتهم هرمى التخاذل والجفا ... وحسبهمو بلوى تخاذلهم جرما أيا أمة كانت أنوار مجدها ... تسير مسير الشمس إذ نورها عما فما هذه الظلماء والفجر منبطئ ... أجل إن ليل الجهل للشعب قد أعمى أقومي تلافوا أمركم حسبنا الذي ... فقدناه من ملك لأحشائنا أدمى

стр. 1069

وشدوا لحفظ الملك إزر مليككم ... خليفتنا سلطان دولتنا العظمى ولموا بتأليف الضمائر شعثكم ... فإن الجفا قد يصدع الملك إن أصمى فأعرابنا والترك صنوان في الورى ... وأقرب في الهيجاء يوم الوغى رحما ألم تجمع الأقوام وحدة دينهم ... ودولتهم أضحت لمجموعهم أما ومن ذا الذي لم يحم بالروح أمه ... إذا آنست من بعض أعدائها ظلما عبد الرحمن القصار

стр. 1070

خلاصة الرحلة الشرقية ثم قررنا عند قوله (قومهم) أن إضافة القوم هنا للعموم ومعلوم أن الجمع المضاف من صيغ العموم فتفيد الآية أنهم ينذرون بما تعلمون من الفقه كل فرد من أفراد قومهم فيبطل ما يزعمه بعضهم من أن لأهل التصوف أحكاماً خاصة يتلقونها بطريق الباطن قال أبو إسحاق الشاطبي لم يشرع الله تعالى إلا ما جاء به النبي ﷺ وتلقاه منه الصحابة ثم العلماء. والتصريح بإبطال أن يكون للعارفين بالله أحكام تخصهم في سد لباب الخروج عن تقاليد الشريعة زيادة عن كشفه عن الحقيقة فإن فتح هذا الباب يفضي إلى أن ينبذ كثير من الناس الجادة بدعوى أنهم بلغوا درجة الولاية وأنهم متعبدون بأحكام باطنة وأهل التصوف الخالص أنفسهم يصرحون بهذا قال الإمام الجنيد حسبما نقله الزركشي في شرح جمع الجوامع من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لن يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة. ذكرنا استدلالهم على أن خبر الآحاد حجة. ثم قلنا اشتهر بين الأصوليين أن خبر الآحاد حجة في العمليات وأما المسائل العلمية فلا يتمسك فيها إلا بقاطع قال الإمام في المحصول إن ورد خبر الآحاد في مسألة علمية وليس في الأدلة القاطعة ما يعضده رد وإلا قبل. واختار الشيخ ابن عرفة أن المسائل العلمية التي لا ترجع إلى العقائد يكتفى فيها بالأدلة الظنية كخبر الآحاد إنما يشترط القطع في العمليات الراجعة إلى العقائد الإيمانية. واستطردنا هنا مسألة اعتراض خبر الآحاد لقاعدة كلية وأوردنا في مساقها ما ذكره أبو بكر بن العربي في تفصيل مذاهب الأئمة الثلاثة وهو قوله إذا جاء خبر الآحاد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به أو لا فقال أبو حنيفة لا يجوز العمل به وقال الشافعي يجوز وتردد مالك في المسألة ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به وإن كان وحده تركه كحديث العرايا فإنه صادمته قاعدة الرب وعاضدته قاعدة المعروف. وأتى بنا سؤال من أحد الحاضرين إلى معنى القاعدة ومأخذها فقلنا هي قضية تنتزع من دلائل متفرقة في الشريعة حتى تكون قطعية في نفس من استقراها من المجتهدين كقاعدة ارتكاب أخف الضررين فمن مأخذها قوله تعالى: (فأردت أن أعيبها) فإن إعابة السفينة

стр. 1071

ضرر ولكنه أخف من أخذ الملك لها بسلطة غاصبة ومن منازعها حديث الأعرابي الذي جعل يبول فغي المسجد وزجره بعض الصحابة فقال النبي ﷺ لا تزرموه فإن بوله في المسجد ضرر إلا أنه أخف من الضرر الذي ينشأ من إمساكه عن البول قبل فراغه. وجئنا في تفسير (لعلهم يحذرون على اختلافهم في حرف الترجي الواقع في كلام الله تعالى فإن منهم من يخرجه على معنى التعليل كما ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ومنهم من يصرفه إلى المخاطبين كما نقله صاحب الإتقان عن سيبويه حيث قال في معنى قوله تعالى (لعله يتذكر) اذهبا على رجائكما وطمعكما ويجري على هذا كل ما فيه حرف ترج نحو قوله تعالى (لعلكم تفلحون) وكان بعض التلامذة حين شرعت في إقراء الدرس قائمين على أقدامهم من ورائي يريدون أسئلة ويطلبون إعادة بعض التقارير وما لبثوا أن انقلبوا إلى السكينة والأصغياء وكانوا يلهجون عند الاستحسان بكلمة (كويس) تصغير كيس. رافقني بعد انفصالنا عن الدرس طائفة من التلامذة فمررنا بمنزل كان أحد الجلساء به الأستاذ الشيخ الزنتاني فوقف موقف التحية وحدثه أحد الرفقاء بما كنا بصدده من قراءة التفسير فتوجه لي وقال قد أحييت سنة الشيخ ابن عرفة فذكر له الرفيق أن الدرس أيضاً يحتوي على مباحث متعددة منقولة عن الشيخ ابن عرفة. تفضل علي بالزيارة في هذا المساء السيد شرف أحد الأعيان في عائلة أشراف مكة المحترمة فمقل لنا بعلو همته وسلاسة أخلاقه كيف تكون همم بني هاشم وآدابهم ثم أخذ بيدي حتى امتطينا عربة سارت بنا لإجابة دعوة السيد الشريف بن حمودة ولما انقضت المسافة ضرب كل منا بيده إلى كيسه ليتولى خلاص أجر الركوب عن سائر الجماعة فكانت يد الشريف أسرع في فتح الكيس ومناولة الدراهم لسائق العربة وأكد علينا أن نرد إلى الأكياس بضائعها فقال له الشيخ محمد صالح الشواش على وجه الدعابة لا تقسم علينا أيها الشريف متطاولاً فنحن أشرف أيضاً فتبسم منبسطاً لهذه الجسارة المشعرة بسلامة الضمير وحريته وقد تذكرت بهذه المداعبة ما كتبه الشريف الرضي إلى الإمام القادر بالله وهو: عطفاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق

стр. 1072

ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في المعالي معرق إلا الخلافة قلدتك فإنني ... أنا عاطل عنها وأنت مطوق مضى لنا مع الشرف والشريف مجلس أنس يحاكي نسيم الأسحار إذا جاءت متضمخة بنفحات الأزهار ولكننا مررنا عند إيابنا بامرأة جالسة بقارعة الطريق والناس ملتفة حولها وهي تتلو القرآن بصوت رخيم. أخذ مني الأسف مأخذه لما قدمت على المعهد الأزهري حين طويت منه محاضر الدروس وبرز أساتذته العظام لقضاء أمد الراحة الصيفية في أماكن الرياضة ومهاب النسيم ولم يتفق لي أن أشاهد محضرة درس بهذا الجامع العظيم وأنبأني التلامذة بأن سائر دروس الجامع معطلة ولا يقرأ به في هذه الأيام ولو درساً واحداً. سافرت صباح يوم الأحد إلى برت سعيد ومررنا على جانب من فتحة السويس التي وصلت البحر الأحمر بالبحر الأبيض وحق لي عنهدما بلغت إلى مجمع هذين البحرين أن أذكر بيتين كان العلامة البليغ صاحبنا الشيخ السيد محمد الطاهر بن عاشور قد أرسلهما إلي في بطاقة يدعوني بها إلى زيارته حيث حل بحضرته إثنان من أولي العلم والأدب وهما: تألقت الآداب كالبدر في السحر ... وقد لفظ البحران من موجها لدرر فما لي أرى منطيقها الآن غائباً ... وفي مجمع البحرين لا يفقد الخضر شأن القرآن في سرد القصص وضربها أمثلة الاكتفاء لماله مدخل في الموعظة والاعتبار فتجده في الغالب لا يصرح بأسماء الأماكن التي تجري فيها الوقائع كقصة ملاقاة موسى للخضر ﵉ فإنه لم يعين المراد بمجمع البحرين حيث لا ينبني على التعيين فائدة في الإرشاد لأن الحكمة من مساق هذه القصة التذكير بما اشتملت عليه من المحامد والآداب كسفر العالم للازدياد من العلم وتكبده المشاق في السير له ولو بعدت المسافة سنين فإن موسى ﵇ يقول (أو أمضي حقباً) والإيماء إلى أن التوكل اعتماد القلب على الله لا في نكث اليد من الأسباب فإنه ﵇ حمل معه الزاد ودل على هذا بقوله (آتنا غدائنا) إلى غير هذا من الفوائد ولكن بعض المفسرين كثيراً ما يسردون أقوالاً في أسماء ما جاء مبهماً في القرآن كاختلافهم هنا في المراد من البحرين فقيل هو بحر فارس والروم وقيل بحر القلزم وبحر الأردن ومجمع البحرين عند طنجة أو بأفريقيا وقيل هو بحر الأندلس

стр. 1073

والبحر المحيط والتعيين في مثل هذا لا يعول عليه إلا إذا جاء به حديث صحيح ومن العجائب قول بعضهم كما نقله الأبي في التفسير أنه يقع في نفسي أن مجمع البحرين هو مجتمع المالح ووادي مجردة عند الدرسة وهو الذي يقال له حرق الجسرين والصخرة صخرة أبي ربيعة والجدار في ا (المحمدية). امتطينا الباخرة الخديوية مساء هذا اليوم وتعارفنا فيها بالشيخ عبد القادر بن شيخ زادة أحد علماء طرسوس فأرانا السكينة في أحسن تقويم وما برحنا نروح الخاطر بمحادثته إلى أن رست الباخرة أمام بلد (يافا) فغرب عنا بدر فضله بعد أن أعطانا ملء صدورنا أنساً. (لها تابع)

стр. 1074

سلسلة حكم الخلفاء حكم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال أبو منصور الثعالبي في كتابه الإعجاز والإيجاز لم أسمع أحسن وأوجز من قول عمر بن عبد العزيز أن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما وكتب إلى عامل حمص يقول أنها تحتاج إلى حصن فقال: حصنها بالعدل والسلام. وأوصى ﵁ يزيد بن عبد الملك ولي عهده عند احتضاره بكتاب قائلاً أما بعد فاتق الله يا يزيد الصرعة بعد الغفلة، حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك والسلام. ووقع في كتاب أرسله لبعض عماله يستأذنه في مرمة مدينته ابنها بالعدل ونق طرفها من الظلم وفي مثل ذلك. حصنها ونفسك بالتقوى. وغلى صاحب العرق لما أخره عن سوء طاعة أهلها. ارض لهم ما ترضى لنفسك وخذ بجرائمهم بعد ذلك. ووقع في قصة متظلم العدل أمامك وفي رقعة محبوس تب تطلق وفي رقعة متنصح لو ذكرت الموت شغلك عن نصيحتك. وفي رقعة رجل شكى أهل بيته أنتما في الحق سيان. وفي رقعة ارمأة حبس زوجها. . العدل حبسه وفي رقعة رجل تظلم من ابنه إن لم أنصفك منها فأنا ظلمتك. وقال ﵁ ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر بأهله وقال كن من الموت على حذر. يزيد بن عبد الملك ما الطمع فيما لا يرجى وما الخوف مما لا بد منه وكان يقول لو دام الملك لم يصل إليك ولا تترك حسن رأي فإنما تفسده عثرة. ووقع في قصة متظلم شكى آل بيته ما كان عليك لو صفحت عنه واستوصلتني وكتب إليه عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس يستأذنه في غلام يهديه إليه فكتب إليه يزيد إن كنت فاعلاً فليكن جميلاً ظريفاً لبيباً كاتباً فقيها حلواً عاقلاً أميناً سرياً يقول فيحسن ويحضر فيزين ويغيب فيؤمن فكتب إليه قد التمست صفة أمير المؤمنين فلم أجدها إلا في القاسم بن محمد وقد أبى أهله. هشام بن عبد الملك ﵀ إنا لا نتخذ جلسائنا خولاً ليس لك أن تغلظ لأمامك. وقال له بعض آل مروان أتطمع في الخلافة وأنت جبان بخيل فقال كيف لا أطمع وأنا حليم عفيف وكتب إلى مسلمة بن عبد

стр. 1075

الملك: طهر عسكرك من أهل الفساد فإن الله لا يصلح عمل المفسدين. ووقع في قصة مظلوم: أتاك الغوث إن كنت صادقاً وحل بك النكال إن كنت كاذباً فتقدم أو تأخر. ووقع لعامله في العراق في أمر الخوارج: ضع سيفك في كلاب النار وتقرب إلى الله بقتل الكفار وقال احذر ليالي البيات. إن النعمة إذا طالت بالعبد ممتدة أبطرته فأساء حمل الكراتمة واستقل العافية ونسب ما في يديه إلى حيلته وحسبه وبيته ورهطه وعشيرته فإذا نزلت به الغير وانكشطت عنه عماية الغي ذل منقاداً وندم حسيراً وتمكن منه عدوه قادراً عليه قاهراً له. الوليد بن عبد الملك لله فينا علم غبب نحن صائرون له وقال لهشام يوم توفي مسلمة بن عبد الملك يا أمير المؤمنين إن عقبى من بقي لحوق من مضى وقد أقعر بعد مسلمة الصيد لمت رمى واختل الثغر فدهي وعلى أثر من سلف يمضي من خلف فتزودوا فإن خير الزاد التقوى وقال يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد الشهوة ويهدم المروءة وينوب عن الخمر ويفعل فعل السكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء رقية الزنا أقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة وأشهى إلي من الماء إلى ذي غلة ولكن الحق أحق أن يقال. وكان يقول يعجبني نشاط على غب ومن كلامه لا تؤخر لذة اليوم إلى غد فإنه غير مأمون. يزيد بن الوليد بن عبد الملك ﵏ خطب لما قتل الوليد بن يزيد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيه الناس والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في الملك وما بي إطراء نفس وإني لظلوم لها إن لم يرحمني ربي ولكن خرجت غضباً لله تعالى ولدينه وداعياً إلى الله تعالى وإلى سنة نبيه لما هدمت معالم الهدى وأطفي نور أهل التقى وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة الراكب لكل بدعة مع أنه والله ما كان يؤمن بيوم الحساب وإنه لابن عمي في النسب وكفي في الحسب فلما رأيت ذلك استخرت الله تعالى في أمره وسألته أن لا يكلني إلى نفسي ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي حتى أراح الله منه العباد وطهرت منه البلاد بحول الله وقوته وإن لكم علي أن لا أضع حجراًُ على حجر ولا لبنة على لبنة ولا أكنز مالاً ولا أعطيه زوجة ولا ولداً ولا أنقل مالاً من بلد إلى بلد حتى أسد فقره وخصاصة أهله

стр. 1076

بما يغنيهم فإن فضل نقلته إلى البلد الذي يليه مما هو أحوج إليه منه ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم ولا أحمل على أهل حرفتكم ما أجليتهم به عن بلادكم فأقطع به نسلهم ولكن عندي أعطياتكم في كل سنة وأرزاقكم في كل شهر حتى تستدر المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم فإن أنا وفيت لكم فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكافأة وإن لم أف لكم فعليكم أن تخلعوني إلا أن استتبتموني فإن تبت قبلتم مني وإن عرفتم أحد يقوم مقامي ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من بايعه ودخل في طاعته أيها الناي أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وكان يقول أخاف على نفسي عين الكمال وعودة الشرفة وآفة السؤدد. ووقع إلى صاحب خراسان نجم أمر أنت عنه نائم وما أراك منه أو مني بسالم. (لها بقية) دمشق إبراهيم خليل مردم بك

стр. 1077

خاتمة السنة الثالثة بمعونة الله تعالى وتوفيقه تمت السنة الثالثة لمجلة (الحقائق) والحمد لله أولاً وأخيراً وله الشكر تعالى أن وفقنا لهذه الخدمة الجليلة خدمة نصر السنة السنية، والدفاع عن الآداب الشرعية، وقمع أولئك المعتدين، والتنديد ببدع المتفرنجين، وهو سبحانه المسؤول لقبول هذا العمل والمرجو لغفران ما صدر من الزلل إنه قريب مجيب وسائله لا يخيب هذا والأمل من مشتركينا الكرام أهل الحمية والغيرة أن يسددوا ما عليهم من بدل اشتراك هذه السنة والسنتين قبلها سواء من كانوا في دمشق أو غيرها من الجهات ويكون ذلك باسم وكيل أعمال المجلة العام الأديب الغيور محمد سليم أفندي اللحام والأمل وصيد في أن كلمتنا هذه للمشتركين تفيد الفائدة المطلوبة وما ذلك على همتهم بعزيز.