← Джавами‘

Джавами‘ · id 29676

مجلة الحقائق

عبد القادر الإسكندراني

Полный текст (1 077 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

النساء وذلك بسبب قلة طاعتهن لله ولرسوله ولأزواجهن وكثرة تبرجهن، ومن هنا يعلم عظم وزر هذه الخطيئة (التبهرج) وأن المرأة المتبرجة لغير زوجها زانية والتي تخرج من دارها بغير إذن زوجها تلعنها ملائكة السماء والأرض حتى ترجع. والرجل الراضي بأن تتبرج امرأته لغيره وأن تخرج من غير أذنه شريك لها في وزرها مستحق للمقت معها بل هو الديوث الذي لا يشم ريح الجنة ولا يدخلها والخلاصة أن هذه السيئة من المنكرات التي يجب التناهي عنها والتعاضد لصد تيارها حتى لا يتسع الخرق فتعتقد المرأة أن خروجها متبهرجة حق من حقوقها الطبيعية لا دخل للزوج في وضعه ولا رفعه. وهذا ما دعانا لأن نستحث همة كل خطيب وكاتب ومدرس وواعظ ومرشد وناصح ليبذل كل جهده في إزالة هذه العادة السيئة والبدعة القبيحة وأن نشكر همة من قاموا ببلدتنا (دمشق) بتأسيس جمعية لهذه الغاية ولقد علمنا أن هذه الجمعية حيا الله رجالها توالي الجلسات وتعقد الاجتماعات وتجتهد كل الاجتهاد للتوصل إلى إبطال هذه الرذيلة بالطرق المشروعة المقبولة فجزى الله أعضاءها وكل مساعد لهم جزاء المحسنين وكان لهم خير معين. وهنا يحسن لبنا أن نورد للقراء مقالة نشرتها مجلة مكارم الأخلاق بقلم الكاتب المفكر عبد المجيد أفندي رئيس قسيم الإدارة بمديرية الشرقية في هذا الصدد لما فيها من الفائدة وفصاحة البيان قال أكثر الله من أمثاله: بسم الله الرحمن الرحيم وبحمد والصلاة والسلام على رسوله أستفتح مقالتي التي جعلت عنوانها تهتك الحرائر وتالله ما كتبتها تحت هذا العنوان استلفاتاً للنظر ولا مبالغة في الوصف وإنما هو الواقع كما أنكم تنتظرون كيف لا وكل يرى المرأة لاهية عن بيتها عن الزينة دقها وجلها ثم لا يلبث أن يراها وقد أرادت الخروج قد أخذت كل زخرفها وازينت وبرزت من خدرها عروساً ولكنها لا خباء أو فجوراً ولا مبالغة ولا مراء كيف لا نسمي ذلك تهتكاً والحرة والفاجرة فيه سواء ها هي الطرقات والأسواق غاصة بالنساء وهن في غاية التبرج والخلاعة كما ترون فلا حاجة لوصف أزيائهن التي عند تصورها يضيق الصدر ويعتقل اللسان ماذا سترت المسلمة من زينتها التي أمرت بشترها إذا كانت هكذا في الطريق ظاهر ردفها وخصرها ونحرها وكفها والمعصم كذاك شعر رأسها وكل ما في وجهها كأنفها ثم الفم.

стр. 1017

أم ماذا تركت الحرة للفاجرة من ضروب التبرج وماذا أبقت لنفسها من ضروب الاحتشام أنها لم تترك من ذاك ولم تبق من هذا شيئاً. وماذا ينتظر الرجال إلا آخرة هذا الحال وبئست الآخرة هي هتك عرض وذهاب مال. أيها المسلمون لا بأس عليكم ماذا جرى لعقولكم حتى رضيتم أن تفجر أمامكم نساؤكم. أيها المسلمون أولى لكم من الاشتغال بالسياسة العمومية أن تسوسوا بيوتكم. أيها المسلمون نساؤكم من نعم الله عليكم فأمسكوها أن تزول وكفى ما فرطتم. أيها المسلمون أعراضكم كأرواحكم وقد فرطتم فيها كثيراً أفلا تتقون. أيها المسلمون الله ولاكم أمر نسائكم لتصلحوا الولاية فأسأتم بتفريطك فهل أنتم منتهون. أيها المسلمون ما بلغ النساء هذا الحد إلا من تساهلكم وضعف رأيكم في سياستهن وخور عزيمتكم في حجبهن كأنه لا غيرة في قلوبكم على أعراضكم قبح الله من لا يغار. أيها المسلمون ما كلم واحد منكم الآخر في حال النساء إلا وأظهر التحسر والتأسف ولا شك في إجماعكم على قبح هذا الحال وسوء مآله. فإذا كان الحال كذلك سيئاً في نفوسكم فلماذا عدم تغييره والله جاعل دواءه بيدكم أصبح التواكل غريزة فيكم حتى في خصوصياتكم أينتظر الواحد منكم أن يأتي غيره ليصون له حليلته أم تنتظرون أن تقلب الحكومة نظامها وتدخل في أموركم الخصوصية وهي تباعد عنها احتراماً لحريتكم الشخصية وكيف تتداخل هي وأنتم ساكتون وسكوتكم دليل على الرضا بما أنتم له كارهون والله ما شاعت هذه البدعة الفاحشة في المسلمات غلا بتفريطكم في الحجر عليهن فاحذروا يا رجال عاقبة هذا الحال فالعقل لا يسلم بصيانة المرأة تمشي كل وقت بهذا التهتك الفاضح تزاحم الرجال في الأسواق عين ترمقها وقدم يتبعها وقبيحة تسمعها وكف تلمسها ويد تصافحها ورب ساعد يضمها وفم يقبلها ومن يشك في بعض ما قلت فليسر في أسواق المدينة ويتفقد خاناتها (مخازنها) ويتأمل كيف تستقبل من فيها النساء وكيف يعاملوهن وهكذا تفسد الأخلاق وتهتك الأعراض ولا تنسوا أنه كلما كثر خروج المرأة ومخالطتها لغيرها زاد طلبها للملابس والحلي أما تشبهاً بغيرها وإن كن أعلىمنها أو أكثر ثروة وإما تشبهاً لما هو معروض في الأسواق استلفاتاً لأنظارهن وترغيباً لهن ألم تر أن التجار لم يقتصروا على هذه الوسيلة بل تجاوزوها إلى بيع سلعهن للنساء سلفاً وهم

стр. 1018

آمنون على أرباحهم بما يرون من تغلبهن على الرجال. وهذا الأزار الجديد والبدع التي تظهر فيه كل يوم اختراع تجاري ساعد على انتشاره ورواجه تسلط النساء على الرجال مع ضرره المالي (إذا لم نقل الأدبي) فمن ذا الذي ينكر أن أنواع هذا الجديد أغلى ثمناً وأكثر كلفة وأقصر عمراً من القديم كيف لا ومادة الحبر الجديد لا تبلغ جودة الحبر القديم وأنواع الملاآت الجديدة لا تبلغ متانة الملاآت البلدية القديمة وقد كانت الحبرة الأولى تكفي صاحبتها خمس سنين أو أكثر وهي لا تبلغ ثمناً وكلفة أكثر من دينارين وقس على هذه النسبة الملاآت البلدية أما الحبرة الجديدة فقل أن تكفي سنة أو اثنتين إن كانت جديدة وكانت صاحبتها أكثر من غيرها لزوماً لبيتها والاختراع التجاري وتفنن الخياطات في الأزياء ضامنان لزوم حبرتين أو أكثر في السنة الواحدة وثمن وكلفة هذه لا ينقص عن ثلاثة دنانير وقد يزيد إلى سبعة للمتوسطات ولا ندري كيم تتكلف حبرة العاليات وعلى هذه النسبة تقاس الملاآت ولا تسل عما يجتهدن في إحرازه من نفائس الحلل واستنكاف الواحدة منهن الخروج بالحلة الواحدة مرتين وقد تهجر البدلة الثمينة بعد قليل لتغير زياه أو تترك في زوايا الصناديق حتى تنقرض والزوج أسال عرق جبينه في أداء ثمنها لا تجود عليه بالتحلي مرة بين يديه بثوب نظيف بهذه الوسائل الشيطانية والتصرفات النسوانية لتذهب الأموال ويسوء المآل. وهل علمتم ما هي غاية النساء من هذا التبرج نعم تعلمون أنها غاية سافلة فإنما تريد المرأة من خروجها بهذه الهيئة أنها تسلتفت إليها الرجال أثناء سيرها قي الطريق وتريد أن تكون هي المرموقة بين السائرات معها بعين الاستحسان وإن تمحلت بعض الأسباب الواهية مثل كونها تريد مناظرة أمثالها ومباهتهن بنفسها فدعواها باطلة وإلا لأبقت الإزار على عهده السابق بسيرها في الطريق حتى تدخل محل المناظرة والمباهاة فتبدي زينتها على أمثالها وتباهي بها من تشاء منهن وربما نقول أن الرجال وإن رأوها في الطريق فليس يعرفون من هي حتى يكون في ذلك سيئة لزوجها فإذا سلمنا لها بذلك وضربنا صفحاً عن سفيه يراقب دخولها وخروجها من بيتها ولا يلبث أن يعرفها من هي فما فائدة ظهور زينتها لمن لا يعرفها أليس هذا نهاية الطيش والجهالة. تأمل أيها القارئ لهذه الغاية السافلة كيف تكون في نفس تلك الخارجة متى خرجت وتذكر

стр. 1019

أن هيئتها وهي عنوان الخلاعة تطمع من يراها في بلوغ إربه منها وتحرك همته للسعي إلى ما توسوس له به نفسه مع أنها لو ألزمت بستر زينتها لسارت في حمى هيبة الاحتشام ولما وجد سفيه من نفسه مطمعاً يؤديه لمداعبتها وانظر ما في هذا البلد من أشرار برعوا في الوقاحة والتحكك بالنساء واستهواء عقولهن وما فيها من أماكن الفجور التي يسمونها سرية وما يوجد بين أكنافها من القوادات المتسترات ببعض الحرف النسائية ألا تكون نهاية ذلك فساد العرض ولو بعد حين خصوصاً مع مواظبة النساء على الخروج وكثرة الأسباب التي يتذرعن لبها إليه فإما شراء شيء من السوق (لا لنفسها فقط أو لها ولأولادها بل لزوجها أيضاً) أو لزيارة أهل أو ضريح أو جبانة أو لنزهة أو حمام أو لحفلة فرح أو موكب جامع كموكب المحمل أو وفاء النيل أو وفود ملك أو أمير أو غير ذلك مما يتجاوز العد ولا يحيط به الحد. ومع تعرض الأعراض بالخروج لحظ تلك الآلات يسمح الرجال لهن به وتجد المرأة من هذه الأسباب ما يكفي لخروجها من بيتها كل يوم أكثر من مرة وهي مقدمة عندها على واجباتها المنزلية وقد واظب أكثر النساء عليها كل المواظبة ورأي من تفريط رجالهن أكبر مسهل لهن حيث ترك الرجال (غلا قليلاً منهم) أمر الخروج للنساء إن شئن قعدن وإن شئن خرجن ومن منهن تشأ أن لا تخرج. عرفنا من تمادي النساء على هذا الحال والتزام الرجال الصمت والسكون في هذا المقام رغماً عن تحقيقهم ضرره أدباً ومالاً أن سبب هذا الصمت والسكون مع الحاجة للكلام والحركة السريعة هو وهم ساد على عقول الجنسين في فهم معنى الحرية الشخصية التي أطلقتها الحكومة للرعايا فظنوها حكماً مطلقاً لا قيد فيه ومعنى ذلك أن يمشي كل على هواه في ظل الحرية لا أن تخرج المرأة عن طاعة زوجها وتجري في الحجاب على مشيئتها وقد آنست من الرجل التساهل في حقه فكادت تنكره واسترسلت مع هواها وتوسعت في مطالبها حتى وصلت إلى ما نراها فيه الآن لاهي على الزي الإفرنجي الذي يقتضي الاحتشام من الزينة حيث لا حجاب يسترها ولا هي على الزي البلدي متخذة حجاباً يستر زينتها التي كانت تطمئن في اتخاذها في الأيام الخالية على الحجاب اللائق فأصبحت مثال التبرج ولكن لا تبرج الجاهلية الأولى بل تبرج المدينة الأخرى معنى الحرية أن لا ظلم

стр. 1020

اليوم فالقوي والضعيف سواء يحكم بينهما بالعدل فيدار القضاء فليتمتع كل ذي حق بحقه لا سواه وليلتزم كل حده لا يتعداه. للمرأة حقوق ولها حدود فلا نهضمها الحق ولا نرضى تخطيها الحد فلها مما نحن بصدده الخروج لزيارة والديها مرة كل أسبوع ولزيارة محارمها (أي أقاربها المحرمة عليهم) في كل سنة مرة. (انظر المادة ٢١٥ من كتاب الأحوال الشخصية). وعليها أن تكون مطيعة لزوجها فيما يأمرها به من حقوق الزوجية ويكون مباحاً شرعاً (أي لا تلزمها طاعته في أمر يحرمه الشرع) وأن تتقيد بملازمة بيته ولا تخرج عنه إلا بإذنه (انظر المادة ٢١٢ من الأحوال الشخصية). وللزوج أن يمنعها من الخروج من بيته بلا إ١ذنه إلا في الأحوال التي يباح لها الخروج فيها شرعاً كزيارة والديها ومحارمها كما تقدم وله منعها من زيارة الأجنبيات وعيادتهن ومن الخروج إلى الولائم ولو كانت عند المحارم (انظر المادة ٢١٧ الأحوال الشخصية). ولكي تظهر لكم حكمة مبالغة الشرع في كراهة خروج النساء إلى الولائم حتى أنه أعطى الرجال حق منعهن من الخروج إليها ولو كانت عند المحارم أصف لكم هيئة فرح وكيف كانت حالة النساء فيها وإن كان ذلك غير خاف عليكم. زرت القاهرة منذ شهرين في ليلة جمعة ومررت صدفة بفرح في بيت عظيم مطل على شارع مهم وكانت الحفلة في الشارع أمام هذا البيت فرأيت النساء مشرفات على الرجال ن الشبابيك المفتحة عن آخرها بلا ستر ولا غطاء ولا خوف ولا حياء كأنهن نساء رجل واحد نافست الواحدة منهن ضرتها في اجتذاب قلبه إليها بزينتها وبهرجتها وكلكم يعلم ما يفعل النساء بأنفسهن عن الخروج للأفراح وكان الرجال المجتمعون في هذا المهرجان في نظرهن ذاك الرجل الواحد لا يرون في الظهور عليه عاراً بل يرونه أمراً حلالاً وصادف أن فرغ المغنون من أغنية كانوا يغنونها وسكتوا للاستراحة فانفتح باب التنكيت ورمت السنة السفهاء من قبيح القول ما أضحك الغافلين والنساء يسمعن وينظرن ولا يستحين كل هذا جرى وكل من الرجال الحاضرين يسمع ويرى وما منهم من قبح منكراً أو هزته حمية لدفع هذا العار المهين مع أن المكان لا يخلو طبعاً من كثير من أزواج أولئك النساء مدعوين مثلهن إلى المهرجان وكانوا بأعينهم يرونهن ويرضون كل ذلك منهن فما استطعت

стр. 1021

صبراً على هذا المنكر وكاد الفؤاد يتصدع والكبد تنفطر فنبهت صاحب الدار لما فيها فأسرع لوقته إلى داخل الحرم وأرسل من أغلق الشبابيك فحجبهن عن الأنظار وما حرمن من مشاهدة الحفلة وراء الحجاب. هذه حفلة من كثير مثلها تقام في هذه المدينة الواسعة وطبعاً يجري في الكل ما جرى في هذه ويحدث من اجتماع النساء وأمنهن الرقيب والزاجر تلك المنكرات الكبائر فالحكمة البالغة في ذلك الحكم في منه هذا الفجور باجتناب أسبابه. وللزوج على زوجته الولاية التأديبية (انظر المادة ٢٠٦ الأحوال الشخصية) وعليها الحجاب وستر الزينة بنص الكتاب إذ قال الله تعالى: وليضربن بخمرتهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن) وقال (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) وقد اتفق أغلب المفسرين على أن المراد ستر المرأة رأسها ووجها وجميع بدنها بحيث لا يظهر منها إلا عين واحدة وقيل عيناها وأن لا تظهر شيئاً غير ذلك مطلقاً إلا لضرورة تستوجب الإباحة شرعاً ككشف المخطوبة وجهها وكفيها لمن يخطبها. وقد اجتنبت الحكومة التعرض لهذه الحقوق بل لم تتعرض للرجال في حق إجراء التعزير المباح لهم شرعاً إيقاعه على النساء عند تجاوزهن حداً من تلك الحدود مثل ما في المادة (٢٠٩) الأحوال الشخصية هو يباح للزوج تأديب المرأة تأديباً خفيفاً على كل معصية لم يرد في شأنها حد مقرر ولا يجوز له أن يضربها ضباً فاحشاً ولو بحق وقد صرحت الحكومة بحيادها هذا في المادة الأولى من قانون عقوباتها وهذا نصها من خصائص الحكومة أن تعاقب على الجرائم التي تقع على أفراد الناس بسبب ما يترتب عليها من تكدير الراحة العمومية وكذلك على الجرائم التي تحصل ضد الحكومة مباشرة بناء على ذلك قد يعينت في هذا القانون درجات العقوبة التي لأولياء الأمر شرعاً تقريرها وهذا بدون إخلال في أي حال من الأحوال بالحقوق المقررة لكل شخص بمقتضى الشريعة الغراء. ولم تلتزم الحكومة الحياد فقط بل نظامها متكفل بمعاونة الرجل على حجب امرأته ولو أدى ذلك إلى استعمال القوة فإذا فرضنا أن رجلاً عجز عن حجب امرأته في بيتها وعن منعها من الخروج لغير ضرورة شرعية وفي حجاب شرعي فله رفع الأمر للقاضي فيحكم له بما

стр. 1022

جاء به الكتاب والسنة وتنفذ الحكومة هذا الحكم كما نطق به لا تغيير ول تبديل وتستعمل القوة وتدخل البيوت كرهاً إذا استدعى الحال ذلك (انظر المواد ١٦و١٧و ٩٣ من دكريتو ١٩ مايوسنة٩٧ الشامل للائحة المحاكم الشرعية الجديدة). أيها الرجال قد عرفناكم ما لكم على النساء من الحقوق المقدسة فما عليكم إلا أن تعضوا عليها بالنواجذ وتنهضوا نهضة الرجل الغيور لردعهن وردهن إلى الرشد واعلموا أنكم مسؤولون بين يدي ربكم عن كل هذه الآثام ولا عذر لكم في تفريطكم في حق يؤدي التفريط به إلى ما حرم الله ورسوله وما جعل الله أمر نسائكم بأيديكم إلا لأنه يعلم ما فيهن من ضعف العقل وخور العزيمة عند مغالبة هوى النفس فكنتم بذلك قوامين عليهن فاتق الله أيها الرجل واعتبر بما تنظر ولا تتجاهل حال امرأتك فهي متبرجة في خروجها كغيرها ولا نكلفك بأن ترجعها مرة واحدة إلى الحجاب الشرعي بل نريد أن يرجع الإزار إلى ما كان عليه قبل ظهور هذه البدعة فإن كنت غيوراً على حرمك وكارهاً أن يرى الناس وجه امرأتك تحت بشكمها الرقيق وكانت فيك بقية من حميتك الإسلامية فمزق اليوم ذاك البشمك كل ممزق واستبدله ببرقع من الحرير الأبيض الممتلى كحرير الكوفيات المحلاوي أو مثله مما ينسج في الأنوال البلدية عند الحمصاني أو اللباني ونحوهما أو اجعله من طبقتين من الحرير الهندي خالياً من شغل الإبرة ولتكن الثقوب التي تعمل فيه للزينة أو للنفس ضيقة بحيث لا ترى الشفتين من خلالها وإن كنت تريد أن يرى الناس خصر امرأتك نحيلاً فوق ردف ثقيل بارزاً على الوراء وأن يرو يديها البيضاوين أو المبيضتين بالمساحيق (البودرة) مكشوفتين إلى المرفقين أو نحو نصف الساعدين بعبارة أخرى إن كنت راضياً بخروجها (على البلهى) بلا إزار كما هي حقيقة الحال الآن فابق على فستانها (الحبرة والملاية الموضة) على حاله وإلا فإن كنت تعرف أن تلك اللذات لك وحدك وأبت نفسك أن تعرضها لغيرك فعجل بقلب هذا الفستان ثوباً لأنه لا ينقص إلا القبة والأزرار ولا تؤجل إعدام البرقع حتى تحضر غيره فإن تأخير المرأة عن الخروج ريثما يحضر البرقع الجديد لا ضرر فيه كتأخير إنفاد هذا العزم حتى تبرد الحمية وتنطفي نار الغيرة التي يحركها هذا التذكير وعلى الفرض إذا احتمل وجود ضرورة للخروج قبل تجهيز البرقع الجديد فيسد هذا الباب باستعمال البرقع البلدي السود (الذي لا عيب فيه على الدوام) لقضاء تلك

стр. 1023

الضرورة وكذلك لا تنتظر هلاك الحبرة أو الملاية الموجودة بل عجل بتحويلها كما ذكرنا حرصاً على فائدة هياج غيرة الحر على حرمه وأقلل ما استطعت السماح لأمرأتك بالخروج وليكن خروجها في عربة ما دمت قادراً على أجرتها أو مالكاً لها لأن مشي المرأة في الطريق على كل حال غير مأمون العواقب لكونها معرضة أن تصدمها عربة أو ترامواي أو يعتدي عليها مجنون أو سكران أو يصيبها أذى من حيوان وإذا مس الشرف عارض من هذه العوارض فلا يستطاع محو عاره ولا تبالي بمعارضتها مهما بلغت شدتها وادفعها تارة بالملاطفة والوعظ الحسن وتارة بالزجر والهجر في المضج وتسديد الجواب بالبرهان كأن تقول لك أن التضييق من الرجل على المرأة لا يحررها فيجيبها نعم لا يحرر الفاجرة ولكنه يحفظ المصونة الطاهرة وتقص عليها من الأحاديث الشريفة ما يحبب إليها الحجاب الشرعي كقوله ﷺ أن لكل دين خلقاً وخلق هذا الدين الحياء. وكقول السيدة فاطمة الزهراء ﵂ أصلح شيء للمرأة أن لا ترى رجلاًُ ولا يراها رجل. وتبرهن لها على حسن ظنك بها بسماحك لها بالزينة ما دام إزارها ساتراً لها عن أعين الرجال واعلم أن انقياد المرأة للرجل متى ثبت على عزمه أمر قريب جداً إذا المرأة المسلمة في الحقيقة أرق قلباً وأسهل انقياداً للشرع من الرجل وما حصل الذي حصل إلا من تقصير الرجل في إرشادها وتعليمها ونصحها وتذكيرها وتساهله معها في أمر الحجاب كما مر فاعمل واثبت على عزمك وتحمل صدها وإن طال فإنها لا تلبث أن ترجع عن غيها وتثوب إلى الحق بعد الضلال وإياك والسكوت على هذا الحال وتذكر أنك جان على شرفك بيدك جناية وقعت أو كادت تقع بتعرضك لأسبابها وتعريض أمانتك المصونة للوقوع في أشراك أهل الضلال. هذه يا قوم حالة النساء اليوم وهذا دواؤها ومن لا زوج لها فأمرها بيد وليها الشرعي من ذوي قرباها وهو أقرب الرجال إليها نسباً بحسب ترتيب الولاة شرعاً كما يستفاد من نص فتوى نقلناها عن صفحة ٦٥ من الجزء الأول لتنقيح الفتاوي الحامدية لابن عابدين وهي سئل في بكر حديثة السن بلغت مبلغ النساء وهي لا أم لها ولا أب ولا جد ولها عم عصبة أمين غير مفسد يريد ضمها إليه خوف العار ويتخوف عليها فهل له ذلك الجواب نعم ومتى كانت الجارية بكراً حديثة السن يضمها إلى نفسه ولو لم يخف عليها الفساد أما إذا دخلت

стр. 1024

في السن واجتمع لها رأي وعقلت فليس للأولياء حق الضم ولها أن تنزل حيث أحبت حيث لا يتخوف عليها وزمننا هذا لا أمن فيه على أنثى وحيث وجد الخوف فللولي حق الضم وقد استفتيت بعض السادات العلماء في صحة استنتاجي هذا فأفتوني وحيث أن هذا حق شرعي لكل ذي ولاية على أنثى فيجب عليه أن يتمسك به وإذا اشتبه على رجل أمر ولايته على امرأة له بها صلة قرابة وارتاب في كون الولاية عليها له أولا فليعرض الأمر على أي عالم فلا يبخل عليه بالجواب. ها أنا قد ذكرتكم بحقوقكم ونبهتكم للخطر المحدق بأعراضكم وأموالكم فأطيعوني وإلا يؤاخذكم الله بذنوبكم تنبهوا يا قوم تنبهوا فما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

стр. 1025

الإسلام والإيمان الإسلام هو الاستسلام إلى الله والانقياد لأحكامه بمعنى أن تبرأ من حولك وقوتك وعلمك وما قلت وما عملت وما تخيلت وما أملت مسلماً وجهك إليه مجرداً روحك له متوجهاً بقلب خاشع وضمير صاف ونفس نقية إلى قيوم السموات والأرض فاراً من الأغيار ملتجئاً إلى جنابه من دعوى الأنانية والاستقلال معتصماً بحضرته من الرعونات النفسية والكدورات البشرية راغباً غليه أن يوفقك لتعلم ويهديك فيما لا تعلم حتى تستوجب رضاه وتستحق كرامته في دنياك وأخراك. هذا هو معنى الإسلام الذي اختاره الله على سائر الأديان وبعث به رسله عليهم الصلاة والسلام وتمت الدعوة إليه بخاتمهم وإمامهم محمد ﷺ وقام به الصحابة والسلف ﵃ ففتحوا لابلاد ودوخوا الملوك والأكاسر وأبادوا عروش القياصرة وسادوا على الأمم جميعاً. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) وأما الإيمان فمعناه التصديق بما جاء به رسول الله ﷺ مما علم من الدين بالضرورة وأركانه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره من الله تعالى. وقد قدمنا معنى الإيمان بهذه الأصول الستة بما لا يعوزنا إلى زيادة الإيضاح. وإذا عرفت ذلك تأيد لديك أن الدين الإسلامي هو الدين العام الذي جعله الله دين رسله وأصفيائه ومقدمة لإفاضة أنوار علمه عليهم والأصل الذي يرجع إليه العالم كله. ولو أدرك الناس كافة معنى الإسلام وفقهوا كنه ما يرمي إليه لما وجد على الأرض من يدين لله بدين آخر. وهنا يحسن بنا أن نورد شيئاً مما كتبه العالم الاجتماعي الكبير فريد بك وجدي في معنى الإسلام ليتضح للقراء ما تضمنه من السماحة والمحاسن الأدبية والأخلاقية والاجتماعية مما يؤدي إلى الاعتراف بأنه اشرف الأديان وأكملها. . قال حفظه الله: (الإسلام) هو الدين الذي جاء به محمد رسول الله ﷺ خاتمة للأديان ولأجل بيان حقيقة هذا الدين المبين يحسن بي نقل ترجمة ما كتبته لمؤتمر الأديان باليابان في هذه السنة. لم أجعل غرضي من مقالي هذا إلا أمراً واحداً إذا فهم حق الفهم كان أشد في جذب الناس إلى هذا الدين من كل البراهين المعجمة والحجج الملزمة ذلك الأمر هو أن الإسلام ليس

стр. 1026

بدين جديد جاء أمة معينة إنما هو الدين الذي أوحاه الله إلى جميع رسله فحرفه أتباعهم ثم أنزل إلى محمد ﷺ أخيراً لإحداث إصلاح ديني عام لسائر الملل شرقيها وغربيها. بعث الله به رسوله حين تعارف الأمم واتصالها ليكون دينها العام الذي عليه يتم اتحادها ويصفو لديه تعارفها. ولذلك جعل قاعدته الإيمان بسائر رسل الله من نعرف أسماءهم ومن لا نعرف أسماءهم وبجميع كتب الله بأي لغة كانت كما سيمر معك تفصيلاً. فهم هذا الأمر الخطير يفيد المسلم وغير المسلم. فيفيد المسلم لأنه يريه أنه تابع لدين من ضمن الأديان المنعزلة المتعادية ولكن للدين الأصلي الجامع لسائر الأديان. فهو بهذا الاعتبار يجد في نفسه قيمة لم يحس فيها من قبل لأنه يرى نفسه رجلاً عاماً لا خاصاً متبعاً ديناً هو في نفسه دين وجامع أرواح الكل في أكمل شكل وأجمل حال. فمن كان كذلك فلا يتحامل على الأديان لأنه أمر بأن يؤمن بها كلها وأن يكون منها بالمركز الوسط مكتفياً بما في كتابه من خلاصاتها ومن أدرك من الناس مقامه في هذا المركز الأوسط العام وشعر أنه في مجمع أميال الأمم وفي نقطة تلاقي مرامها واتحاد أفئدتها في يوم من الأيام فلا يهون على نفسه أن يميل عنه إلى نقطة متطرفة ولو سيق إليها بقوة قاهرة. أما فائدة غير المسلم في فهم هذا الأمر الجلل فهو لأنه يسهل عليه المخرج من ورطته والخلاص من شكوكه وشبهه. فإنه ما من عاقل من عقلاء الأمم الأخرى إلا وشعر بأن أيدي الخرافات قد امتدت إلى أصول عقائده فيجد نفسه مضطراً للتأفف منها راجياً إصلاحها على أي حال كان. فلو علم أن الإسلام إنما جاء بالإصلاح العام لسائر الأديان البشرية لا أنه دين منعزل مثل سائرها لكان التفاته إليه يشبه الأمر الاضطراري لأنه كلما آلمه أمر مما يكرهه في دينه وظنه محرفاً عن أصله نزع إلى ذلك الدين الإصلاحي مضطراً لا مختاراً ولا يزال يدفع ويندفع حتى يقع في دائرته. لهذا جعلنا غرضنا من هذه الرسالة تجلية هذا الأمر الخطير في أظهر أشكاله تاركين الدلالة على فضائل الإسلام لغيرنا ممن في المؤتمر خوفاً من أن لا يلتفت لهذه النقطة واحد منهم. هذه النقطة التي حاولت تجليتها في هذه الرسالة هي أظهر ما في القرآن من خصائص الإسلام وهي السبب الأكبر في تهالك الأمم على هذا الدين في كل جيل لأن الأمم وإن لم تدرك هذا السر علماً إلا أنها تحس به وتلمسه في الإسلام فترة فيه صورة عقائدها مصححة

стр. 1027

منقحة خالصة مما يثير الشكوك والشبه فتميل إليها بأرواحها وتنقلب أشد تعصباًُ لها من أهلها. ولا توجد هذه الخصيصة في أي دين من الأديان لأن هذا المركز الوسط ليس لواحد منها ولم يشرع منها لأن يكون ديناً عاماً أصلاً فتراها كلها بما طرأ عليها من التحريف على أطراف متناقضة لا محل للتوفيق بينها بوجه من الوجوه مثال ذلك: البوذي لا يهون عليك أن يكون نصرانياً (ولا حكم للنادر) لأنه لا محل للصلح بين البوذية والنصرانية بوجه ما. فالنصراني يقول أن عيسى كلمة الله وهو الأقنوم الثاني بعد الأب تجسد وعاش بين الناس وصلب ليفتدي العالم كله من خطيئة كان ارتكبها آدم في أول الخليقة ويعتقد البوذي أن الإله (فيشنو) هو أد أركان التثليت الهندي قد تجسد مراراً لتخليص العالم من الشرور وقد تجسد أخيراً في بوذا للمرة التاسعة فكيف يمكن التوفيق بين صاحبي هاتين العقيدتين وبأي مرجح يقبل أحدهما عقيدة الآخر ويترك عقيدته التي جمد عليها طول عمره. ثم لا يمكن أن يكون البوذي يهودياً لأن التوراة موجهة الخطاب إلى بني إسرائيل ورافعة إياهم على سائر الأمم وليس في نصوصها ما يسمح بوضع بوذا الذي يجله مئات الملايين من الآسيويين منذ أكثر من ألفي سنة في موضع إجلال واحترام فيعز على البوذي أن يركب في تسفيه رأي أسلافه كلهم هذا المركب ثم لا يستطيع النصراني أن يكون بوذياً ولا يهودياً لعدم وجود محل للصلح في واحد من هذين الدينين بالنسبة له ولكن جميعهم يستطيعون أن يسلموا بلا حرج لأن قاعدة دين الإسلام هي الإيمان بسائر الأنبياء ومؤسسي الأديان ممن نعلمهم ومن لا نعلمهم قال تعالى عن الأنبياء (وإن من أمه إلا خلا فيها نذير) وقال تعالى منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك فيرى البوذي أن الإسلام لا ينكر عليه فضل بوذا بصفته مؤسس ديانة كبيرة وفي نصوصه ما يسمح بحسبانه من الرسل العظام ويرى النصراني أن الإسلام يذكر عيسى بالتبجيل والاحترام ويضعه في مصاف الرسل الكرام وكذلك يرى اليهودي فيما يختص بموسى ﵊. فيسهل على الجميع الاجتماع على هذا الدين بلا بكير حرج ولا سيما إن أدركوا أنه جمع العقائد كلها بعد تنقيحا وجعلها كلها ديناً واحداً لأنها كانت كذلك في مبدئها (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاء العلم بغياً بينهم) لهذا السبب تهالكت الأمم على الإسلام

стр. 1028

لرؤيتها فيه صورة عقائدها منقحة مصححة. ومن هنا رأينا أن تجليتنا هذه النقطة الخطيرة علمياً نظرياً يفيد المسلمين والباحثين في الإسلام أكثر مما لو كتبنا في فضائله سفراً كثيراً. قلت في تلك المقالة ما ترجمته بتصرف قليل. لتعذر شخوصي إلى بلاد اليابان للتشرف بالانضمام إلى أعضاء هذا المؤتمر المبجل ولحبي الشديد في معاضدة حضرات أعضائه بصدده رأيت أن ابعث بمقالي هذا إلى حضرة رئيس المؤتمر ليتفضل علي بترجمته إلى اللغة اليابانية وبقرائته على حضرات الأعضاء وجعله موضوعاً من المواضيع التي يتناقش فيها المؤتمر فأقول. إن هناك أمراً خطيراً يضع الدين الإسلامي في مستوى يعلو به على سائر الأديان ويستلفت غليه الأنظار استلفاتاً خاصاً ويجعله ديناً عاماً يمثل إليه النفوس لا بقوة البرهان ومضاء الحجة وسلامة أصوله من الخلل فقط ولكن بقوة النواميس الاجتماعية القائدة للإنسانية إلى كمالها وتباشير الحركة الفكرية العامة التي تسوقها إلى باحات النور والمدنية. هذا الأمر الخطير الذي يستلفت الأنظار وينبه الغافلين إلى هذا الدين هو أن الإسلام كما نص عليه القرآن ليس بدين جديد ولكنه الدين الأولي الذي أوحاه الله إلى المرسلين الأولين رحمة للعالمين. قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما أوصى به نوحاً والذي أوحينا غليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أوروثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير). نص الله كما ترى بأن رسول الله ﷺ لم يرسل ليؤسس ديناً جديداً في أمة معينة ولكن ليصلح سائر الأديان التي طرأ عليها التحريف بهداية الأمم للدين الأصلي الذي أرسل الله به سائر المرسلين (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا

стр. 1029

نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون). بناء على ما تقدم فقاعدة الديانة الإسلامية هي قوله تعالى: (وقالوا كونوا هوداً ونصارى تهتدوا: قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وغسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون: فأن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون قل اتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون. هذه هي القاعدة التي بني عليها دين الإسلام وهي إن الإسلام ليس بدين جديد ولكنه الدين الذي أرسل الله به كل رسول ثم حرفه المحرفون من بعدهم. وإن الديانة الحقة هي أن يؤمن الإنسان بجميع رسل الله من أولهم إلى آخرهم لا فرق بين من أرسل لأمته ومن ارسل لغيرها، ون من يؤمن بسائر كتب الله إجمالاً مما أوحاه الله إلى رسله بأي لغة كانت وفي أي زمان أوحى. هذه الديانة فضلاً عن أنها لا تثير في أية أمة من الأمم حب الذات ولا الحقد ستكون في يوم من اليام الديانة العامة اضطراراً لا اختياراً لأنه لماذا يكون الإنسان يهودياً ولا يكون بوذياً؟ ولماذا يكون مسيحيا ولا يكون برهيمياً؟ وبأي مرجح يعتقد الإنسان أن موسى كان رسول من الله إلى بني إسرائيل وقد جاء بكتاب مبين ونور عميم إلى أمته ولا يعتقد مثل هذه العقيدة في بوذا وزرادشت وبراهما ومحمد وكل المرسلين الذي تقدموا هؤلاء وجاؤوا إلى أممهم بكتب هادية إلى الخيرات ونهجوا لهم سبلاً موصلة إلى الكمالات؟ هل يعقل أن الله يرسل موسى إماماًَ ورحمة إلى بضعة أنفس من الآلاف من بني إسرائيل ويترك مئات الملايين من الصينيين واليابانيين وسائر الآسيويين والإفريقييين والأوستراليين وغيرهم بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير، يهيمون في الظلمات ويعمهون في الضلالات بلا مرشد ولا رسول كريم؟ هل يتصور أن الله وهو الخالق العادل المنزه عن المحاباة والمصانعة يوحي حقائق الدين إلى بضعة آلاف من الناس ويترك ربوات الملايين في الظلام البهيم والفساد العميم؟ كلا بل قال الله: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) وقال تعالى: (منهم من قصصنا

стр. 1030

عليك ومنهم من لم نقصص عليك). البقية تأتي

стр. 1031

أحييك والآماق زار المدينة المنورة حضرة العلامة الفاضل السيد محمد الخضر بن الحسين التونسي وبمناسبة زيارته نظم هذه القصيدة الغراء وأرسل بها إلينا لتنشر قال حفظه الله تعالى: أحييك والآماق ترسل مدمعاً ... كأني أحدو بالسلام مودعا وما أدمع البشرى تموج بوجنة ... سوى ثغر صب بالوصال تمتعا وقفت بمغنى كان يا أشرف الورى ... لطلعتك الحسنى مصيفاً ومربعا وما استيقنت نفسي لفرط ابتهاجها ... بإحراز جثماني تجاهك موضعا يخيل أن العين لم تنفض الكرى ... وأني ما غادرت بالشام مضجعا فذا موقف لامست فيه بأخمصي ... أجل من الدر النضيد وأرفعا وكم بت قبل اليوم أرجو بلاغه ... ولكن يد الإقبال تبدي تمنعا ابث به ما كنت أطويه في الحشا ... ولم تطرق الشكوى به قط مسمعا وهب نسيم من معالم هديكم ... يجيء بريا المسك حيث تضوعا فذلك مرقى كنت تصدع فوقه ... بما حاز في أقصى البلاغة موقعا وذاك مصلى طالما قمت قانتاً ... لديه وقام الصحب خلفك خشعا وذي حجرة كان الأمين يؤمها ... بوحي فكانت للشريعة منبعا بسطت رجائي في رباها ومن يضع ... بمزرعها غرس الأماني اطلعا وهل تذهب الدعوى جفاء بهالة ... أضاء الهوى من نحوها وتفرعا إليك رسول الله نشكو الأذى الذي ... ألم بنا حتى ارتوى وتشبعا وأعظم ما شق الفؤاد بجسرة ... وهاج به الأشجان حتى تقطعا تخاذل حال المسلمين وما أتى ... من الخطب في أرجائهم وتجمعا فما شأننا إلا كعقد تناثرت ... جواهره في سطح أحدب أفزعا فهذا يحاذي في قضاياه نزعة ... تخط وراء الحق للناس مرتعا وهذا يصوغ القول في قالب يرى ... بجانبه قول الشريعة أوسعا وذا ناشر بند الضلالة ماسحاً ... بصبغة دين كي يغر ويخدعا لقد ضربت أيدي الغرور على الحجى ... بستر فأضحى بالجمود مقنعا ونمنا على الآذان نومة جاه ... بما يضع المستيقظون لنصرعا

стр. 1032

ولم نستفق للقوم حتى تحفزا ... وأوجس كل في نواياه مطمعا ولم نستفق للقوم إذ كل انتضى ... ليظفر باستعبادنا السيف مقرعا ولم نستفق للقارعات تصب في ... حواشي القرى نهراً من الخسف مترعا ولم نستفق للقارعات وقد دنت ... إلى مهجة الإسلام حتى تصدعا وفي الناس من حاك الإياس بصدره ... فجرد أفراس السباق وأقلعا وندب درى صرف الليالي وأنها ... تزل بأعلام وتونس بلقعا فقام على جد ينادي بشعبه ... ليرفأ رتقاً أو يشيد مصنعاً ألا أننا لم نتق الفتنة التي ... تصيب أخا العدوان والمتدرعا يقول أناس إنما الدين عثرة ... بسابلة العمران يهوي بمن سعى رمى بهم التقليد في أثر ملحد ... فلم يكشفوا عن مبسم الحق برقعا ألم ينظروا في نشأة الدين برهة ... وكيف تعالى من تحروه مرجعا تجليت في شعب جرة في عروقه ... دم الكبر واعتاد التقاليد منزعا تجليت والبغضاء ترمي صدورهم ... بنار فاصلتها قلوبا وأضلعا أخذت تزكيهم وترفع شأوهم ... إلى أن سمو فوق السماكين مطلعا وأبلغتنا شرعاً وحقك أنه ... لا قوم آدابا وأحكم مهيعا تلقاه منك الراشدون بمدرك ... سليم وذوق لا يطيق التصنعا وشدوا به ظهر السياسة فاستوى ... وكم هجروا جنحاً من الليل ركعا نكثتنا من الأيدي عرا وثقوا بها ... وهل يرتجى شعب تخاذل مفزعا وها أنا ذا أنزلت رحلي (بطيبة) ... ووافيت في ثوب الحياء مروعا فلو أنني سابقت في حلبة التقى ... تقدمني أدنى الخليقة أذرعا وجاركم يحظى وإن ظعنت به ... رواحل أمسى بالكرامة متبعا وذي رحلة أدنت قطوف سعادة ... ومن يغش أعتاب (الرسول) ترفعا وروض الأماني عند أول نظرة ... كحلت بها عين البصيرة أمرعا عليك سلام الله ما انسجم الحيا ... وحيا صباح بالضيا وودعا

стр. 1033

الوظائف الدينية والجهلاء هل أتى على دمشق حين من الدهر كانت مهداً للعلوم والمعارف ومنبعاً للفنون واللطائف يتجلى فيها الدين الإسلامي على أكمل صورة وأبدع نظام، هل أتى عليها ردح من الزمن كان يحوي محيطها فقط قريباً من خمسمائة معهد علمي من أرقى ما يتصوره بنو البشر ملأى من نبهاء الطلاب وأذكيائهم يدرسون فيها أنواع العلوم الدينية وأشتات الفنون الأدبية كل على حسب قصده ومبتغاه فكان لا يمضي القليل من الزمن حتى يخرجوا منها رجالاً عظماء ينفعون البلاد والعباد ويضيء بعلمهم الربع المسكون. وكان جامعها الأعظم يضاهي بعلومه وإتقان دروسه وتحقيقها الجامع الأزهر في مصر والزيتونة في تونس دهمها كما دهم الشرق نكبة شديدة وداهية عظيمة زحزحتها عن مكانها المكين ومجدها المتين فأصبحت في مؤخر بلاد الله بعدما كانت من أرقاها. دهمتها داهية دهماء تنوء عن حملها الأرض والسماء اكتسحت مابقي فيها من آثار العلم بعد ما كانت القطب الأعظم للحركة العلمية في القرن السابع إلى الثاني عشر. . ومن ذاك الوقت فاجئتها هذه الدويهية (التساهل في توسيد الوظائف الدينية لغير الكفؤ) على حين غفلة وسرت فيها سريان السل في الأجسام فصدع نظامها ووهنت عظامها وتشتت شملها وتفرق أمرها وأضحت كأنها في جاهلية جهلاء. التساهل في توسيد الوظائف الدينية والدروس العلمية لمن لم تثبت له الأهلية من أهل الجهالة والبطالة داء دفين ومرض عضال منذ طرأ على دمشق ما قامت فيها قائمة للعلم وأهله حتى يومنا هذا. . والذي سهل اجتيازه إلى ربوعنا ومهد له فيها مهداً وثيراً وجعله الحاكم الأعظم على مملكة العلم يتحكم فيها كيف شاء هواه الصمت الطويل والسبات العميق من رؤساء الدين وعلمائه. نعم تغاضى علماء الدين عن هذا الداء الوبيل جر علينا أموراً لا يعلم بسوء مغبتها ووخامة عاقبتها إلا الله تعالى. . والمرض متى طال زمنه وأهمل معالجته طبيبه استحكم في الجسم وكمن فيه كمون الوميض تحت الرماد واللص تحت أديم الليلة الليلاء وأصبح من الصعب تلافي خطره وملافاة شره وشروره حتى نطس الأطباء ودهاة الرجال. . قال سفيان الثوري ﵀ العلماء أطباء هذه الأمة فإذا مرضوا خيف عليها من الهلاك. . هذا إذا مرضوا فكيف إذا استحكم المرض فيهم؟ أفلا يجب على أهل الدين وعلماء المسلمين أن يدركوا

стр. 1034

الأمة الإسلامية قبل أن يودي بحياتها هذا الداء الوخيم (توسيد الوظائف لغير الأهل) الذي لا يرجى منه شفاء. . أما يجب عليهم أن يخلصوا الأمة من شر هؤلاء القوم الذين يدعون العلم وما هم بعالمين ويستأصلوا شأفتهم لترتاح من ضلالهم وجهلهم البلاد والعباد قال أفلاطون الحكيم إذا تسامحت في العلماء والأطباء دولة فقد قرب انحلالها. وقال عبيد الله ابن أبي جعفر العلماء منار البلاد منهم يقتبس النور الذي يهتدى به فإذا طفئ هذا النور وقعت البلاد في الظلماء وصب عليها البلاء صباً. . فلذلك وجب وجوباً أكيداًُ على من آتاه الله أمانة العلم أن يؤديها حق الأداء وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف أمام تيار البدع الحادثة التي تخالف هدي الشارع ﷺ وهدى أصحابه ولا التهاون في شأنها. استفحل أمر هذه البدعة السيئة والكارثة المشؤومة والبدعة المشهورة (نصب الجاهلين الغاشمين) في مناصب الدين لإرشاد المسلمين. . خصوصاً في هذه الأيام واستطار شررها إلى الآفاق وعظم رزء الإسلام بمصيبتها حتى كاد أن يدرج العلم بأكفانه ولا يلبث عشية وضحاها حتى يدلى بحفرته ويسوى عليه التراب. . (ونحن في غفلة عما يراد بنا) مستسلمون للقضاء راضون بهذا البلاء لا نبدي حراكاً ولا تدبيراً. سئلت مرة عن السبب الأعظم في رواج العلم وأهله في مصر القاهرة والإقبال من كل فج عميق على جامعها الأزهر وتموجه بألوف الطلاب المجدين ووفرته بالمدرسين المحققين حتى صار الكلية العظمى للعلوم الإسلامية وكذلك الحال في في جامع الزيتونة في تونس قبل الاحتلال المشؤون وسبب اضمحلاله في دمشق بعكس الحالة التي كانت عليه في الزمن الغابر. . فأجبت ودمع السف يترقرق من عيني أن الأزهر المعمور ظل مستحفظاً بالامتحان الصحيح والقانون العادل فلا أثر في شؤونه جميعها لهذا المصاب العظيم الذي أصيبت به معاهد دمشق ومدارسها من إعطاء وظائف الآباء للأبناء الجهلاء. . فلا يترقى هناك الطالب من درجة إلى غيرها حتى تثبت أهليته وكفاءته أمام هيئة عادلة من علماء الأزهر النزيهين. ولا يزال يترقى بأهلية واستحقاق إلى أعظم تدريس وأكبر وظيفة حتى يصير المشار إليه

стр. 1035

ولا فرق عندهم بين القروي والمدني وابن العظيم والصعلوك بل يتجلى ثم العدل بأجلى مظاهره ولذلك نرى بأم العين أغلب مشيخة الأزهر وعلمائه من الأرياف والقرى لا من البيوت الكبيرة المعروفة بمصر. الطالب بالأزهر الشريف يعلم أنه مستقبلاً على قدر جده واجتهاده فيجتهد ما شاء الله أن يجتهد بعكس الطالب عندنا ولا يمكن أن يتساهل معه في الامتحان مراعاة لآبائه أو شوقاً لدراهمه حتى لقد جاء أحد طلاب الأزهر إلى أحد أعضاء لجنة الامتحان وأراد أن يهديه هدية يتوصل بسببها لمهاودته في الامتحان ففاجأه الشيخ قائلاً أما تخجل من الله وأنت طالب علم في الأزهر تدرس كتب الدين وأحكامه تجيئني بالرشوة لأهتك حرمة العلم ورفع الشيخ عصاه يريد أن يهشم رأس الراشي فقال ارحمني يرحمك الله إن لي عيالاً وأولاداً فقال لا رحمك الله أتأكل أنت وأولادك الحرام بسبب تماهلك وكسلك فرجع هذا الطالب يجر ثوب الفشل ثم قال الشيخ لأحد أصدقائه ما مرت على عمري ساعة وقد نيفت عن الخمسين أشد من هذه الساعة لأنه لا يزال أناس يعتقدون في الخيانة ويتأملوا أن أدخلهم في وظيفة ليسو بمستحقيها. . وكانت الحالة في دمشق مثل ما هي عليه في الأزهر عيناً فكان يجري التدريس على قاعدة مخصوصة وحال معلومة لا يتعداها أحد كان يراعى في الوظائف العلمية جانب الأهلية والاستحقاق تماماً فكان المدرس في جامع دمشق بعد البدر الغزي والنجم الشيخ إسماعيل العجلوني من قرية عجلون المشهورة والعلاء الحصكفي المفتي وعلي الداغستاني ويونس المصري نزيل دمشق والشيخ مصطفى الحلبي والمهنداري والحايك وغيرهم ولم يكن الشفيع لهم في أخذ هذه الوظائف العالية غير كفاءتهم وأهليتهم لها لا كونهم من بيوت العلم وسلالة الشرف ولم يزل الحال كذلك حتى انفرط العقد في أواخر القرن الثاني عشر وبقينا إلى اليوم نريد أن شمله فلا نوفق. ولو جرى الحال في مصر كما جرى عندنا أخيراً لبدلت مصر سماء غير سمائها وأرضاً غير أرضها ولتساقطت جدران الأزهر حجراً بعد حجر. فقال السائل كأنك تريد أن ارض الشام أقفرت من العلم وأجدبت من أهله. . فقلت لا لا يقذفن في روعك أني أحاول بكلامي سلب فضل الفاضلين وعلم العالمين أو أني أنكر وجود

стр. 1036

بعض العلم عندنا وأجحده أهله فما هذا أردت ولا إليه ذهبت وإنما أقول أن قليلاً من العلماء ومثلهم من الفقهاء وأقل منهم من المحدثين لقليل في بلد كدمشق كان يقال عنها أنها مهد العلم ومرعاه الخصيب. ثم أخاف أيضاًُ أن نفجع بهم ولا مناص من ذلك فيدرج علمهم معهم وهكذا يذهب العلم بذهاب أوعيته قال سيدنا أبو الدرداء ﵁ مالي أرى علماءكم يموتون وجهالكم لا يتعلمون لقد خشيت أن يذهب الأول ولا يتعلم الآخر مالي اراكم شباعاً من الطعام جياعاً من العلم تعلموا قبل أن يرفع العلم فإن رفعه موت العلماء وقال ابن عباس ﵀ لما مات زيد بن ثابت من سره أن ينظر كيف ذهاب العلم فهكذا ذهابه. فيا بقية علماء دمشق بل يا علماء جزيرة العرب بل يا علماء المسلمين كافة أيسركم هذا المنظر الأخير في العالم الإسلامي وطروء هذا الاضمحلال والسقوط عليه؟ أيروق لكم أن يعبث بكم وبهذا الين الخالص قوم جعلوا اسم الدين قنطرة يجوزون عليها إلى ما يشتهون؟ أيروق لكم أن يمثل زعاماتكم أناس حشو إهابهم الجهل غايتهم الوحيدة إسقاطكم حتى يخلو لهم الجو فيصفرون وينقرون. أيروق لكم أن تطلى هذه الجوهرة الغالية بهذا الظلام الحالك والسواد القاتم حتى يحتجب بقية ضوئها ويسدل عليه سجف الظلام الكثيف بعدما أضاءت منها المسكونة مائة قرن أو أكثر؟ أما يغضبكم ويأجج نار حميتكم تصدر أهل الجهالة والغواية يعيثون في الأرض ضلالاً وتضليلاً حتى استضعف جانب الإسلام العدو الممازق وصار يجوس خلال ديارنا بإرسال الوفود تلو الوفود من المبشرين ودعاة النصرانية وتزيدهم وإياهم بالتعاليم المسحية وبذلهم الغالي والثمين في سيبل نشر دينهم حتى دخلوا المدن والقرى وناجزونا في مقر دورنا وبين مساكننا يلقون الشبهة تلو الشبهة على الدين الإسلامية (والمتصدرون الرسميون) لاهون ساهون أسكرتهم خمرة مجد البيوت وسؤدد شرفها على أن يفقهوا حديثاً وسرت في عروقهم نشوة الخيلاء والادعاء الباطل فلا يأبهون لذلك كله يعتقدون في أنفسهم الكمال والتكميل ولو طرحت عليهم شبهة من هذه الشبه أو سؤالاً تدرسه الصبية في كتاتيبهم لوجموا مذعورين ولجالوا جولة الحمر بجللها.

стр. 1037

هذا بعد ما كان علماؤنا يقرؤن النصارى واليهود حقائق دينهم ويرشدونهم إلى سواء السبيل فقد ذكر العلامة التاج السبكي في طبقاته الكبرة في ترجمة العلامة كمال الدين بن يونس الذي قال عنه المحدث ابن الصلاح أن الكمال أعظم من أن يترجم وناهيك بهذا التقريظ الغالي من هذا الجناب العالي أنه كان يدرس عليه رهبان النصارى وعلماؤهم وأحبار اليهود والإنجيل والتوراة، ويحل لهم مشكلات الكتابين أحسن حل. ويعترفون بأنهم لا يجدون مثله في ذلك عدا عن إقرائه الزيج والإسطرلاب والمخروطات ومعضلات الهندسة والفلك وحقائق الهيئة وسائر العلوم الطبيعية. يا لله كيف حالنا اليوم مع حالنا بالأمس؟ أجل يصدق علينا قول ربيعة حيث قال الإمام مالك ﵁ دخل رجل على ربيعة بن عبد الرحمن فوجده يبكي فقال ما يبكيك وارتاع لبكائه المصيبة نزلت بك؟ فقال لا، لكن أستفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم ولبعض من يدعي العلم أحق بالسجن من السراق. يا حماة الدين ويا شيوخ المسلمين أنتم أعلم مني بما قال سفيان الثوري ﵀ (ويحكم احفظوا العلم فإني أخاف أن يخرج العلم من عندكم فتذلون). . وحفظه بلا شك تنحية من لا علم عنده ولا فضيلة عن أرائكه ومنصاته وإلا فالغد شر من اليوم كما كان اليوم شراً من الأمس والمصير إلى الهلكة لا محالة. بعد لقد سرني وأثلج صدري وأثار كوامن أملي ظهور الفائدة المطلوبة والضالة المنشودة بكتابنا في مجلة الحقائق الغراء عن هذه المسألة فقد ظهرت حركة مباركة مع بعض أهل العلم الغيورين ودبت روح جديدة في فريق من العلماء المجدين. . فقاموا (ايدهم الله بتوفيقه) وألفوا جمعية دينية ليطالبوا الحكومة الحكومة المحلية لتأخذ بناصر العلوم الدينية وتحيي ما مات من أوقافها بسائق اغتلاس من لا عهد لهم ولا ذمة وما اندرس من المدارس الدينية ودور العلم ولإنجاز ما وعدت به حكومة الأستانة من تأسيس مدرسة دينية عالية في دمشق تكون كالأزهر والزيتونة. . . وقد بلغني أنهم مزمعون على إرسال طائفة منهم إلى ملاذ والي ولايتنا العالي ليعرضوا على دولته هذا المشروع الديني. ونحن نزف البشرى لهم بنجاح مسعاهم إن شاء الله تعالى ونقول أن والي الولاية حفظه الله ممن يلتهب غيرة على الدين وأهله وهو لا يألوا جهداً في مد يد المساعدة لهذا المشروع

стр. 1038

ولكل مشروع خيري مفيد وقد أثبت ذلك تفانيه الشديد في مؤازرة العلوم والمعارف وبذله كل مرتخص وغال في سبيل الأمور الخيرية. وأنا أقترح على القائمين بهذا المشروع بأن يحصروا طلبهم بطلب تنفيذ قانون المدارس والتدريس الذي هو فيما أعتقد الدواء الناجع لما أصابنا من العلل والأمراض والكافل الوحيد لإرجاع مجد العلم وأهله إلى ما كان عليه من السؤدد والرفعة. . وإرجاع ما اغتلس من الأوقاف إلى ما وقفت لأجله وهذا لا يحتاج إلى عناء شديد وزمن طويل لأن هذا القانون موجود منقح كانت حكومة دمشق صدقت على العمل بموجبه وكاد يخرج العمل به إلى حيز الوجود لولا قيام أرباب الأغراض وإقامتهم العقبات في سيره فلا حول ولا قوة إلا بالله. أما الآن فالحكومة تجيب هذا الطلب العادل وتنفذ هذا القانون على وجه السرعة لأنها قد علمت أخيراً أن لا سبيل لجمع كلمة الأمة وتوحيدها والتفافها نحو دولة الخلافة إلا بالرابطة الدينية ولن تستحكم حلقاتها إلا بترقية علومها وبث تعاليمها بين جميع الطبقات ونعم ما فعلت فقد أصابت كبد الحقيقة إذ أنه لا يمكن لها أن تجذب القلوب نحوها إلا بالتفات نحو الدين والانضواء تحت لوائه المتين. كما أنني أوصي القائمين بالصبر والثبات في الطلب وأحضهم على طلب المعونة من الحق جل وعلا فإنه لا يخيب من يلتجئ إليه. . ولا يهولنهم قيام أرباب الأغراض في وجوههم ليصدوهم عن مشروعهم فإن العاقبة للمتقين. أبو الضيا البقية تأتي (الحقائق) حسن عند كثير من الناس ما نشرناه في الجزئين ٩ و١٠ تحت عنوان (الوظائف الدينية والجهلاء) وأثنوا جميل الثناء على همة كاتبها الفاضل حتى أن بعض الغيورين في طرابلس الشام نشر ما كتب في الجزء العاشر بنشرة خاصة لتوزع مجاناً على نفقته خدمة للعلم وحضاً للحكومة على تدارك هذه البلية العظيمة وهذا نص ما كتب إلينا على ظهر النشرة المطبوعة. قال: حضرات محرري مجلة الحقائق الغراء: قد اطلعنا على المقالة المذيلة بإمضاء أبي الضياء تحت عنوان الوظائف الدينية والجهلاء فصادفت من قلوب ذوي العلم والدين

стр. 1039

ارتياحاً وتحسيناً وحبذت الكتابة بهذا الصدد فجزاكم الله خير الجزاء عن العلم والدين وبالنظر لعموم هذه البلوى واحتياجنا للقيام بصد هذا التيار تصدينا لنشرها على انفراد توزع بالمجان عسى أن يلهج بها القوم وتجعل الحكومة وذوو الأمر حداً لهذا التساهل، ورجاؤنا أن يتابع الكاتب كتاباته بهذا الصدد، والله يجزيكم عن الإسلام والمسلمين خيراً والسلام.

стр. 1040

خلاصة الرحلة الشرقية وتعليق الدماميني مفارقة (كافة) للحاليبة على صحة الأثر مما جرى فيه على سنن التحقيق فإن المحرر في الأصول العالية لعلم العربية أن الكلمة إذا وردت في محل ولم يسمع استعمالها في غيره فإنما تطرد في الموضع الذي سمعت فيه ولا يقاس عليه غيره من المواضع ومن هذا تخصيصهم فل ولو مان ونومان بالنداء ونحو قط وعرض تختصان بالظرفية وبنى على هذا الشيخ ابن الحاجب أن لفظة كل إذا أضيفت إلى الضمير لم تستعمل في كلامهم إلا توكيداً أو مبتدأ فيمتنع جعلها مفعولاً به أو فاعلاً. ثم قلنا ويندرج في التفقه في الدين تعلم ما يرجع إليه من أحكام وعقائد وأخلاق وإما إطلاق الفقه على معرفة الفروع خاصة فعرف حادث بعد نزول القرآن فلا يصح تفسير الآية به فإن القرآن أنزل بلسان عربي ليتمكن العرب من فهمه فينتفعوا بالعلم به في أنفسهم ويبلغوه إلى غيرهم من الأمم لعلهم يتذكرون وهذه الحكمة تستدعي أن يكون الكتاب جارياً في سائر استعمالاته على المعاني المألوفة لهم في موضوعات لسانهم وأساليب كلامهم وإذا ألقي إليهم قولاً مجملاً أو كلمة لم يسبق لهم علم بمدلولها لم يتمادوا على الجهل بها وتعلموا بيانها عن رسوله ﷺ فإذا لم تكن الكلمة معهودة الاستعمال في معنى وقت الوحي ولم يعينه صاحب الشريعة في بيانها امتنع حملها عليه وبهذا يظهر عدم صحة ما قاله بعض البيانيين في قوله تعالى: (لو كان فيهما آله الخ الآية) من أن استعمال لو في الاستدلال بامتناع الفساد على امتناع تعدد الآلهة وارد على قاعدة أهل المعقول والصحيح ما قاله الشيخ ابن الحاجب من أنه استعمال عربي فصيح كما لا يستقيم قول بعض الكاتبين على قوله تعالى: (وما علمناه الشعر) أن المراد الشعر الذي هو ا؛ د أقسام القياس وقد أنكر الشيخ ابن تيمية على من فهم التأويل في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله) على معنى صرف اللفظ عن المعنى الراجح لدليل يقترن به لأنه معنى اصطلح عليه طوائف من المتأخرين ولم يكن معروفاً للسلف بهذا الوضع بل مسمى التأويل في لغة القرآن هو نفس المراد بالكلام من الأمور الموجودة في الخارج. ثم قررنا تفاوت العلوم في الشرف واستطردنا أن الإقبال على العلم أفضل من الاشتغال بالعبادة لوجهين أن مصلحة العبادة خاصة ومصلحة التعليم عامة وما له مصلحة عامة أشرف مما له مصلحة خاصة ثانيهما أن في التعليم درء مفسدة وفي العبادة جلب مصلحة

стр. 1041

ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ولاسيما ما يدرء الخلل في الدين قال ابن جماعة في كشف المعاني عند قوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس) المستعاذ به غي هذه ثلاث صفات والمستعاذ منه شيء واحد وهو الوسوسة والمستعاذ به في السورة قبلها صفة واحدة والمستعاذ منه أربعة أشياء لأن المطلوب في سورة الناس سلامة الدين من الوسوسة القادحة فيه والمطلوب في سورة الفلق سلامة النفس والبدن والمال وسلامة الدين أعظم واهم ومضرته أعظم من مضرة الدنيا فموقع الدين من النفوس شديد ولهذا كان تأثيرها للاستخفاف بشأنه أو تحريف بعض حقائقه فوق كل تأثير وانظروا إلى فرعون لما أراد صرف وجوه القوم عن اتباع موسى ﵇ كيف قدم لهم التخوف منه على تبديل دينهم فقال (إني أخاف أن يبدل دينكم) هذا في دين يفتضح صاحبه لأول كلمة ترمي لإبطاله فما بالكم بدين كشف عن صفاء فطرته كتاب حكيم وخضع لسطوته كل فكر مستقيم. ثم أوردنا بعد تقرير ما أمرت به الآية من تعلم أحكام الدين قول العضد في خطبة المواقف ناقلاً عن بعض الأئمة (أن المراد من الاختلاف في حديث (اختلاف امتي رحمة) اختلاف هممهم في العلوم فهمة واحد في الفقه وهمة آخر في الكلام كما اختلفت همم أصحاب الحرف ليقوم كل واحد بحرفة فيتم النظام. وعلقنا عليه أن الذي يحمل الحديث على هذا المعنى يقصد التباعد من فهم الأثر على معنى اختلاف الأمة في آرائها ولا يرضيه أن تدخل الرحمة من ناحية اختلاف الآراء ولو في الفروع لأن نصوص الشريعة طافحة بالنهي عن الاختلاف بإطلاق وذوو الاجتهاد مأمورون ببذل الوسع في إزالته والتلاقي في مذهب واحد كما قال الله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء) الخ الآية لكنهم إذا فرغوا جهدهم في البحث عن الأدلة وأمعنوا النظر فيها بقصد الوصول إلى ما هو حق ثم أدركهم العجز عن الاتفاق فالعذر قائم وباب العفو مفتوح والعفو عن هذا الاختلاف وعدم مؤاخذتهم عليه لا يقتضي أن في الخلاف رحمة وأنه أصلح من الوفاق وأسعد من تضافر الآراء على مذهب. تقلت قول القاضي أن في الآية الكريمة إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم من العلم أن يستقيم ويقيم غيره وتخلصنا منه إلى أن أعظم درجات إنسان وأشرفها أن يكون

стр. 1042

كاملاً في نفسه ومنبعاً يتدفق منه الصلاح والكمال إلى غيره. ووصلنا هذا بنكتة لطيفة أعهدها لبعض المفسرين عند قوله تعالى (وسراجاً منيراً) وهي أنه وقع تشبيه النبي ﷺ بالسراج دون أن يمثله بنحو القمر الذي هو أغزر نوراً لأن القمر يضيء في نفسه ولا يمكن أن يستمد ضوئه عدة أجرام تكون مضيئة في نفسها بخلاف السراج فإنه يضيء في ذاته ويمكن أن يقتبس منه سرج لا يشملها الإحصاء فالتمثيل به أوفى بالمراد وأقرب مطابقة لحاله ﵊. أتينا هنا على ان المنذر يتعين عليه أن يتحرى في إنذاره بحيث لا يستند فيه إلا على علم صحيح من آية أحديث ثابت أو نص من يقتدى به من الأئمة. وخرجنا منه إلى جريمة الحكم بغير ما أنزل الله وقررنا ما نعهده للرازي في آية (ومن لم يحكم) وفيما نقلناه من الأجوبة عن آية (فآولئك هم الكافرون) أن المشار إليهم بالكفر هنا من حكموا بغير ما أنزل الله معتقدين أن ما قضوا به أوفق بالسداد وأحفظ للمصالح. وأدرجنا هنا دقيقة للشيخ ابن عرفة وهي أن أسلوب الآية أبلغ من أن لو قيل (ومن حكم بغير ما أنزل الله) فإن هذه العبارة لا تتناول من تقدم إليه الخصمان بقضية فأهملها وهو يستطيع فصلها بخلاف الآية فإنها تتناول من حكم في القضية بالباطل ومن أبى الحكم فيها بما أنزل الله وسكت وهو منتصب في مقام الفصل بين الناس. انتقلنا إلى أن للإنذار بالقرآن تأثيراً بالغاً على النفوس بحيث لا يقوم كلام البشر مقامه وإن ارتقى من البلاغة ذروة سامية. واستطردنا مقالة نفيسة لصاحب المنهاج وهي أن الله تعالى خص القرآن بأنه دعوة وحجة ولم يكن مثل هذا النبي قط إنما كان لكل واحد منهم دعوة ثم يكون له حجة غيرها وقد جمعها الله لرسوله ﷺ في القرآن فهو دعوة بمعانيه حجة بألفاظه وقلنا عقب هذا أن القرآن حجة أيضاً فإن استقامة سائر ما احتوى عليه من القضايا وانطباقها بجملتها وتفاصيلها على مناهج الحكمة ورسم السياسة العادلة يدل دلالة مثل فلق الصبح على أنه وحي سماوي وأنه بريء من أن تبتدعه أفكار البشر وبهذا يمكن للعجم الذين لا يحسنون العربية أن يدر كواوجها من إعجازه متى نقلت لهم معانية الأولية بترجمة محررة. (يتبع)

стр. 1043

سلسلة حكم الخلفاء حكم عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال ﵁ في خطبة لما ولي الخلافة: أوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خلف كل شيء وليس من تقوى الله خلف واعملوا لآخرتكم فإنه من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه وآخرته وأصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم وأكثروا ذكر الموت وأحسنوا له الاستعداد قبل أن ينزل بكم فإنه هادم اللذات وإني والله لا أعطي أحداً باطلاً ولا أمنع أحد حقاً يا أيها الناس من أطاع الله وجبت طاعته. وكتب ﵁ إلى عبد الرحمن بن نعيم: إن العمل والعلم قرينان فكن عالماً بالله عاملاً له فإن أقواماً علموا ولم يعملوا فكان علمهم عليهم وبالاً. وكتب ليه: أما بعد فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين. إن للسلطان أركاناً لا يثبت إلا بها فالوالي ركن والقاضي ركن وصاحب بيت المال ركن والركن الرابع أنا. إن قوام الدين العدل والإحسان. لا يكونن شيء أهم إليك من نفسك فإنه لا قليل من الإثم. وكتب لأهل الشام. . سلام عليكم ورحمة الله أما بعد فإنه من أكثر ذكر الموت قل كلامه ومن علم أن الموت حق رضي اليسير والسلام وخطب الناس بخناصره فقال: أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثاً ولن تتركوا سدى وإن لكن ميعاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم وقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض ألا واعلموا أنما الأمان غدا لمن حذر الله وخافه وباع نافذاً بباق وقليلاً بكثير وخوفاً بأمان ألا تون في أسلاب الهالكين وسيخلفها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله فتغيبونه في صدع من الأرض ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد قد فارق الأحبة وخلع الأسباب فسكن التراب وواجه الحساب فهو مرتهن بعمله فقير إلى ما قدم غني عما ترك فاتقوا الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقعه. وقال من وصل أخاه بنصيحة له في دينه ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته وأدى واجب حقه فاتقوا الله فإنها نصيحة لكم في دينكم فاقبلوها وموعظة منجية في العواقب فالزموها الرزق مقسوم فلن يغادر المؤمن ما قسم له فأجملوا في الطلب فإن في القناعة سعة

стр. 1044

وبلغة وكفافاً. إن أجل الدنيا في أعناقكم وجهنم أمامكم وما ترون ذاهب وما مضى فكأن لم يكن، وكل أموات عن قريب وقد رأيتم حالات الميت وهو يساق وبعد فراغه وقد ذاق الموت والقوم حوله يقولون قد فرغ رحمة الله وعانيتم تعجيل إخراجه وقسمة تراثه ووجهه مفقود وذكره منسي وبابه مهجور كأن لم يخالط أخوان الحفاظ ولم يعمر الديار فاتقوا هول يوم لا نحقر فيه مثقال ذرة في الموازين من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح ومن لم يعد كلامه من عمله كثرت ذنوبه والرضا قليل ومعول المؤمن الصبر وما أنعم الله على عبد نعمة ثم انتزعها منه فأعاضه مما انتزع منه الصبر إلا وكان ما أعاضه خيراً مما انتزع منه (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) إذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل علم بما كان قبله، ونزاهة عن الطمع، وحلم عن الخصم، واقتداء ومشاورة أهل العلم والرأي وكتب لعدي بن أرطأة أما بعد فقد أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك واعلم أن مالك عند الله مثل ما للرعية عندك. وكتب ﵁ إلى الجراح أنه بلغني أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشاً أو سرية قال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليداً فإذا بعثت جيشاً أو سرية فمرهم بذلك. وكتب عدي ابن أرطأة له ﵁ إني بأرض كثرت فيها النعم وقد خفت على من قبلي من المسلمين قلة الشكر والضعف عنه فكتب إليه عمر ﵁ أن الله تعالى لم ينعم على قوم نعمة فحمدوه عليها إلا كان ما أعطوه أكثر مما أخذوا منه واعتبر بقول الله تعالى: (ولقد آتينا دواد وسليمان علماً وقالا الحمد لله) فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان. إبراهيم خليل مردم بك

стр. 1045

العدد ٣٤ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٣

стр. 1046

طلبة العلوم الدينية لا يخفى على كل ذي عقل سليم وطبع مستقيم أن تحصيل العلم لا يتيسر إلا بالمال وطول الزمان مع وجود الفطنة والأستاذ النصوح ورحم الله من قال: أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وصحبة أستاذ وطول زمان ولذلك قام عقلاء الأمة من أسلافنا الكرام أصحاب الحمية والمرؤءة المحبين لتقوية دينهم وترفية بلادهم فصرفوا جل أموالهم على اكتساب العلوم والفنون وأسسوا المدارس ووقفوا لها أوقافاً كلية تقوم بنفقة مدرسيها والقاطنين بها ووضعوا لها نظامات ليسير المعلمون والطلبة عليها ولو اطلعت على تاريخ الواقفين لرأيت أحدهم وقف نصف أمواله على تحصيل علم الحديث والآخر على تحصيل علم الفقه وغيره على تحصيل التفسير والقراآت ومنهم من وقف ماله على تحصيل العلوم العربية وآدابها والعلوم الرياضية كالهندسة والحساب والمساحة والجبر وبذلك تيسر لهم تحصيل غالب الفنون والعلوم وبرعوا فيها وألفوا الكتب العديدة النافعة والعالم فيهم والمدرس معزز مكرم مكفي المؤونة مطاع في أهله وقومه وأما الآن ويا للأسف فقد خلف من بعدهم خلف تولوا إدارة شؤون المدارس فأضاعوا الأوقاف وخربوها وجعلوها ملكاً لهم أو كالملك وغصبوا كثيراً من وظائفها لأنفسهم ثم لأولادهم من بعدهم على سبيل الإرث وإن كانوا هم وأبناؤهم جهالاً لا يميزون بين الكوع والبوع والمنصوب والمرفوع وأعانهم على ذلك حكام باعوا دينهم بدنياهم فلذلك أصبح طالب العلم يعد شروعه في طلب العلم متحيراً في أمره محجماً عن الإقدام على إكمال تحصيله لما يراه من سوء العاقبة في الأمور الدنيوية مع شدة الفاقة وقلة العيش وامتهان الناس له وازدرائهم به خصوصاً عند بعض الأمراء الذين يناط بهم شيء من أمور الطلبة وقد جرأهم على ذلك ما يرون من انخراط بعض الجهلة في سلك طلاب العلم وسكوت الشيوخ وعدم قيامهم بما وسد غليهم من الوظائف ولو اطلع الإنسان على ما يقاسيه بعض أهل العلم في المدارس الدينية لفاضت عيونه دماً واشتعل رأسه شيباً واحترق قلبه حسرة وإني في هذه السنة خرجت من دمشق بعد نصف رمضان وكنت نزيلاً عند العالم الفاضل الشيخ إسحاق الداغستاني في مدرسة جامع الكبير وهي محتوية على سبع عشرة غرفة وحجرة كبيرة للتدريس وفيها مكتبة قد خيم العنكبوت عليها وعما قريب

стр. 1047

تقرضها الدود عمرها أمير أطنة خليل بك ابن الأمير رمضان ووقف لها أوقافاً كلية وشرط لها شروطاً منها أن يتخصص عشرة من أذكياء ونبلاء طلابها وتعطى لهم زيادة معاش وملبس كي يجدوا على تحصيل العلوم الدينية خصوصاُ ويسابروا عليها وينشروا ذلك في القرى والأمصار ولكن يا للأسف قد طمست معالم العلم في هذه المدرسة وفي غيرها وعفت آثاره وصار للمدارس حظ من اسمها فأصبحت خاوية على عروشها يأوي إليها الفقراء والعجزة وبعض المتخلقين بالأخلاق الذميمة. ولنطلع القراء على بعض ما رأيته من الغرائب ليطلعوا على سوء إدارة بعض عمال نظارة الأوقاف في الولايات العثمانية عدم إنكار العلماء والمفتين ذلك مما أودى بنا إلى الذل والهوان وسوء المنقلب. إن العلماء قديماً كانوا يخرجون في أثناء تعطيل الدروس إلى القرى والبوادي لنشر العلم والدين وإرشاد الناس إلى ما فيه صلاحهم وكان يحصل لهم إكرام عظيم بسبب صلاحهم وحسن نيتهم فخلفهم قوم لم يراعوا طريق سلفهم فإذا جلسوا للوعظ يضيعون الأوقات بالحكايات والأقاصيص وبعضهم دخلاء على العلم وأهله وهم أضر على الدين من أعدائه لأن العوام يأخذون قولهم بالقبول ولو أردت نصحهم تقوم وقتئذ الطامة الكبرى حتى أن يعضهم قد قرر في درسه أن البول قائماً حرام ومن فعل ذلك فهو كالزاني بأمه وهادم الكعبة فلما بلغني ذلك ممن كان حاضراً في درسه من الثقات وقد تواتر ذلك أخبرتهم بأن ذلك مكروه عند بعض الأئمة والنبي ﷺ بال قائماً واختلف العلماء بالكراهة وعدمها كما هو مذكور في كتب الفقه والحديث ولم يقل أحد بالحرمة ثم أن الفاضل الشيخ إسحاق أخذته الحمية والغيرة وبين للناس في درسه العام حكم المسألة فتأمل وقل ما تشاء في حق العلماء الذين يساعدون أمثال هؤلاء الجهلة ويصدقون على أنهم مدرسون وأن هذه وظيفة ورثها فلان عن أبيه فيلزم أن لا نحرمه خبز أبيه ولم يراعوا دين الله وخالفوا نصوص الفقهاء وقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). فصدق عليهم مفهوم قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) ومنطوق قوله عز اسمه: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى إلى خرابها) وقل

стр. 1048

في حق من كان على شاكلتهم من أمراء الأوقاف ما تشاء. . فهم مهما رفعت إليهم الشكايات يحاولونها ولو كان ذلك اندراس الدين وخراب المساجد والمعابد كما هو مشاهد بالعيان وبالعكس من جاورنا من أهل الذمة يعمرون معابدهم ويشيدون المكاتب والمستشفيات ويحضون الناس على اتباع دينهم ولهم جمعيات مخصوصة لهذه الغاية وأغنياؤهم لا تزال تنفق الأموال الطائلة في سبيل ترقي معارفهم وتقوية دولهم حتى أن بعضهم يقف جميع أمواله على تحصيل العلم وغيره على تقوية الجيوش البرية والبحرية ومن أنكر ذلك فهو كمنكر الشمس في رابعة النهار اللهم أصلح الرعاة والرعية وخذ بيدنا إلى الخير إنك على ما تشاء قدير. صلاح الدين الزعيم

стр. 1049

اللغة والأدب زلات الأقلام مما يزل فيه بعض أرباب الأقلام استعمال لفظة (استبدل) على غير الوجه بل لا يكاد يجيد وضع هذا الحرف في موضعه إلا القليل. فمن أمثلة الزلل فيه قول أحدهم يصف عاشقاً جد به الهوى فنفر ن عينيه الكرى استبدال النوم بالسهر أراد أنه اتخذ السهر من البوم بدلاً ولكنه قلب الوضع فجاء مقلوباً والوجه أن يقال استبدل السهر بالنوم ليستقيم الوضع والمعنى معاً. ومن الزلل في استعمال هذا الحرف أيضاً قول الآخر يصف محتالاً بدل الجنيه (أي الليرة) درهماً زائفاً وقول غيره في هذا المعنى بدل الماس حجراً يريد كلاهما أن المحتال قد يعلم الدرهم الزائف بدلاً من الجنيه وقطعة من حجر بدلاً من الماس ولكن الوضع لا يدل على هذا المعنى والوجه أن يقال أبدل الجنيه بدرهم زائف والماس بحجر لأن التبديل تحويل صورة إلى صورة أخرى والمراد في هذين الموضوعين التنحية أي جعل شيء مكان شيء آخر وهو الإبدال. وعلى ذكر هذا الحرف نذكر ما سمع في فعل وفعل وهو أربعة أحرف بدل وبدل ومثل ومثل وشبه وشبه ونكل ونكل ولم يزد عليها أحد. ومن زلل قول بعضهم مفتش (أول) اللغة العربية يريدون مفتش اللغة العربية الأول فيفصلون بين المضاف والمضاف إليه بنعت الأول. ومنه قول خليني أفهمك يريد دعني أفهمك فيستعمل التخلية خطأ وقد شاع استعمال هذا الحرف على نحو ما رأيت قال شاعر الشرق: فخذ سبلاً على العلياء شتى ... وخل دليلك الدين القويم وإنما الخلية الترك وذلك غير ما يقتضيه المقام كما هو ظاهر. ومنه قوله هذا الكتاب ترجم بمعرفة فلان يريد أن فلاناً هو الذي ترجمه فيأتي بهذا الوضع وهو لا يدل على المعنى المراد. وإنما يقع مثل هذا الكاتب في ذلك الوهم لالتزامه التعريب الحرفي وظاهر أن الجملة المتقدمة تفيد أن فلاناً يعرف أن الكتاب ترجم لا أنه هو الذي ترجمه فإذا أريد الشطر الثاني قيل ألف هذا الكتاب فلان وهذا الضرب من الخطأ كثير

стр. 1050

الشيوع. ومنه قوله الأمل (لغو) هذا القرار يريد أ، يبطل فيأتي بهذا اللغو واللغو واللغا السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره ويقال شاة لغو ولغاً أي لا يعتد بها في المعاملة وقال ذو الرمة يهجو هشام بن قيس المرئي أحد بني امرئ القيس: ويهلك وسطها المرئي لغواً ... كما ألغيت في الدية الخوارا واللغو في الأيمان ما لا يعقد عليه القلب. ومعنى اللغو الإثم فأنت ترى أن المراد الإلغاء لا ذلك اللغو السخيف. ومنه قوله من فتح مدرسة (قفل) سجناً يريد أقفل فيستعمل المجرد خطأ قال في لسان العرب أقفل الباب وأقفل عليه فانقفل واقتفل والنون أعلى والباب مقفل ولا يقال مقفول وعن الجوهري أقفلت الباب وقفل الأبواب مقل أغلق وغلق. وفي حديث عمر ﵁ أنه قال أربع مقفلات النذر والطلاق والعتاق والنكاح أي لا مخرج منهن لقائلهن كأن عليهن أقفالاً فمتى جرى بهن اللسان وجب بهن الحكم. ومنه قوله لا يعيقني عن ذلك شيء يريد لا يصرفني عنه صارف فيعدل عن المجرد إلى بعض مزايداته خطأ والصواب عاق من الأجوف الواوي قال في اللسان عاقه عن الشيء يعوقه عوقاً صرفه وحبسه ومنه التعويق والاعتياق وذلك إذا أراد أمراً فصرفه عنه صارف. . قال ويجوز عاقني وعقاني بمعنى واحد. . وعوائق الدهر الشواغل من أحداثه. ومنه قوله: أخذ فلان يمطل لدائنه يريد أنه أخذ يعلله بالعدة أو يسوف وهذا الحرف متعد بنفسه قال في أساس البلاغة مطلني حقي وماطلني به مطلاً ومطالاً فالاستعمال الأول غير صحيح كما ترى ومنه قوله: اتهم فلان بالنصب وقد كثر هذا الاستعمال وهو في كتابة الصحف أكثر بل لا يكاد يخلو باب الحوادث فيها من ذكر هذه الجملة مراراً في كل سنة. والصواب اتهم بالاحتيال قال الزمخشري وأهل النصب الذين ينصبون؟ لعلي ﵁ ونصبت له رأياً إذا أشرت عليه برأي لا يعدل عنه. ومما كثر شيوعه في طائفة من التآليف والرسائل المحبرة والقصائد المحررة قولهم لك الهناء ول يرد الهناء في اللغة العربية قال ابن منظور هنئ الطعان وهنوء يهناء صار هنيئاً مثل فقه وفقه وهنئت الطعام أي تهنأت به وهنأ في الطعام وهنأ لي يهنيئني ويهنأني

стр. 1051

هناء وهناء ولا نظير له في مهموز. ويقال هنأه بالأمر والولاية هنأ هنأه تهنئة وتهنيئاً إذا قيل له ليهنئك والعرب تقول ليهنئك الغارس بجزم الهمزة وليهنيك الغارس بياء ساكنة ولا يجوز ليهنك كما تقول العامة ومن زلات الأقلم قول بعضهم بات فلان يشكو من فداحة الخطب يريد من ثقله وقد بحثت في عدة معجمات فما وجدت للفداحة فيها أثر ولا رأيت عنها خبر والمعروف في أمهات اللغة (الفدح) يقال فدح الأمر أو الحمل أو الدين زيداً من حد منع (فدحاً) أي أثقله وهاله وبهظه. ومنه قول الآخر يصف أحد القصور في نهاية القصور فيه رياش نفيسة يؤنس الرياش بالوصف خطأ وهي مثل الأثاث قال في الأساس وفلان له رياش أي لباس وحسن حال وشارة واشترى علي ﵁ قميصاً بثلاثة دراهم فقال الحمد لله الذي هذا من رياشه ومن غريب الزلل الذي يقع فيه بعض من يعربون تعريباً حرفياً قولهم (هو كريم) بكل معنى الكلمة) فهل رأى الناس كريماً بنصف معنى الكلمة وآخر بربع معناها وثالثاً بثمنها ومتى كانت المعاني العرفية العامة محدودة بمثل هذه المقادير؟ ألا ليعفوا المتفرنجون أسماعنا من مثل هذا الاستعمال الساقط وليستعملوا عوضاً عنه ما أرادوا من التراكيب. ومنه قولهم (فلان هجاص) ويريد أن موصوفه يكثر من الأخبار التي لها أصل والصواب هجاس قال صاحب اللسان هجس الأمر في نفسي يهجس هجساً وقع في خاطري فالهجاس كثير الهجس أي الذي يقول كل ما يهجس في نفسه كما ترى. ومن مزال الأقلام قول بعضهم (فلان لابس ثوباً (فاتحاً)) ومنهم من يقول (زاهياً) وكلا الاستعمالين غير مراد. والوجه أن يقال (ناصع اللون) والناصع الخالص الصافي من كل شيء. ومن الزلل قول بعضهم (يجب أن يعين منا مديريون) مراده مديرون جمع مدير. وزيادة الياء ها هنا لا مسوغ لها كما أنه لا مسوغ لهذا الإيجاب ولكن الجهل يعني صاحبه. ومنه قوله (يتعهد المدين بدفع الدين) يريد أنه آلى وأعطى موثقاً بالدفع وإنما التعهد التحفظ بالشيء وتجديد العهد به وتفقده والاحتفاظ بالعهد أيضاً ومن الأخير قول أبي العطاء السندي من فصحاء العرب يرثي ابن هبيرة. وإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود

стр. 1052

فإنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد وليس شيء من هذه المعاني بمراد لنفسه في هذا المقام. ومنه قول الآخر (فلان موظف ظهورات) يريد أنه موظف إلى حين ومن كان كذلك فوظيفته المساعدة والوجه فيه (موظف ظِهرة) أو ظُهرة قال تميم الهفي: على عز العزيز وظهرة ... وظل شباب كنت فيه فأدبرا وفي اللسان (الظهرة الأعوان والظهرة كالظهر وهم ظهرة واحدة وجاءنا في ظهرته وظِهرته وظاهرته أي في عشيرته وقومه وناهضته الذين يعينونه وفلان ظِهرتي على فلان أي عوني.

стр. 1053

الإسلام والإيمان من هنا يتضح أن الله أرسل لكل أمة رسولاً وكتاباً وجمعهم على دينه قروناً وأحقاباً وها نحن في زمان أخذت فيه الأمم تتعارف لتتبادل الأفكار والعلوم والمرافق الحيوية وأخذت نواميس الحياة تسوقها سوقاً إلى وحدة العقائد كما وحدتها في المدركات العلمية والعملية من هنا حدث شعور عام بضرورة وجود دين عام وكيف يمكن أن يكون للإنسانية دين عام وجميع الأديان التي أمامنا تكلف الأمم بالانخلاع من شخصيتها التي اكتسبتها في عشرات من القرون والتقمص بشخصية جديدة تعادي معها دينها السابق وتكفر بسائر أنبيائها وتعدهم كذابين مزورين وتحتقر جميع مقدسيها وأقدميها لا جرم أن أمثال هذه الأديان المحرفة لا يستطيع أحدها أن يكون ديناً عاماً مطلقاً ما دام لم ينظر لمجموع الإنسانية كلها بنظر الملم بأحوالها المراعي الحكمة في تكليفها. على أن في محاولة هذه الأديان خلع من يتمسك بها من كل ما كان يعتقده قبلاً ودفعه للكفر بجميع ما كان فيه يعد جوراً وميلاً عن الحق الظاهر لأنه (ما الذي يرجح للإنسان أن يعتقد بعيسى ويكفر ببوذى مع العلم بأن الاثنين أسسا ديناً وجاءنا بإصلاح كبير واتبعهما خلق كثير وكان سواء في الصلاح والتقوى وحب الإنسانية؟ وما الذي يرجح له أن يحترم الأناجيل والقديسين النصارى ويحتقر كلما له علاقة بديانة بوذا مثلاً. لا شك أن لا مرجح يحمل الإنسان لأن يعتقد برسول دون رسول وبكتاب سماوي دون كتاب آخر كون أمة وأحياها إلا الجور في الحكم والميل مع الوراثة والتقليد فالعدل كل العدل أن يعتقد الإنسان بكل رسول أرسله الله للأمم مستدلاً على رسالته بآثاره وأعماله وتاريخ حياته فيؤمن بجميع رسل الله إجمالاً وبجميع كتبه جملة تاركاً التعصب الذميم والانتصار لأحد المرسلين دون الآخرين جاعلاً دينه قوله تعالى: (آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمين) هذا هو الدين الحق العادل الصالح لأنه يجمع كافة الشعوب والأمم ويؤاخي بينهم ويرضيهم جميعاً وينزع من قلوبهم العداوة والبغضاء والسخائم القديمة الموروثة بسبب كفر بعضهم بأنبياء بعضهم واحتقار بعضهم بكتب بعض. هنا تنجم مشكلة تعوذ حلاً مقبولاً وهي أن جميع الكتب الدينية التي بأيدي الأمم محرفة

стр. 1054

مبدلة وقد تولاها رجال بالشروح والتأويلات حتى خرجت بها الأديان عن أصولها وصارت كلها متناقضة تسمح للملحد أن يقول إذا كانت الأديان كلها وحياً من الله فلماذا نجدها متناقضة متعاكسة فإما أنكم حرفتموها عن أصولها وإما أنكم كذبتم على الله بنسبتها إليه لأنه لا يقال أن الله ينزل على قوم ديناً يعلمهم فيه أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله منزه عن الجسم والجسمانيات لا تحيط به الأفكار ولا الظنون ثم يوحي إلى آخرين ديناً يقرر لهم فيه أن له ثلاثة أقانيم وأنه أرسل ولده ليفتدي العالمين ثم يوحي إلى أمة أخرى بأنه تجسد في جسد فلان وحل في جسم فلان الخ مما لا يمكن التوفيق بينه بأي وجه من الوجوه هذه معضلة لا يحلها إلا أحد أمرين: إما الاعتقاد بأن هذه الأديان محرفة أو بأنها ليست وحياً من الله ولكنها من أفكار من وضعها من الأقدمين. أما القول بأنها من موضوعات الأقدمين فلا ينهض به دليل لأن أولئك الرجال الفضلاء الكاملين الذين دلت حياتهم على فضل وتقوى وزهد وعبادة، الذين قالوا نحن رسل الله جئنا بدين الله يبعد أن يكونوا من الكاذبين المزورين لأن التزوير لا يولد فضيلة ولا ينتج كمالاً ولا تقوى (انظر ما قلناه عن محمد ﷺ إذن لم يبق أمامنا إلا الفرض الثاني وهو أن هذه الأديان حرفت عن أصولها وأن أصلها كلها واحد. إن وصلنا إلى هذا الحد قلنا: ها هو رسول كريم أرسله الله رحمة للعالمين دلنا بتاريخ حياته من أولها إلى آخرها في زهده وعبادته وتواضعه وبعده عن زخارف الدنيا على أنه واحد من اولئك المرسلين جائنا يقول عن الله تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً فأما الذين آمنوا واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً). جاء هذا الرسول يقول عن ربع (شرع لكم من الدين ما وحى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين لوا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي غليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى آجل مسمى لقضي بينهم وأن الذين أوروثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا

стр. 1055

ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير). هذا الرسول الكريم أمرنا بالإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين وبكتب الله أجمعين وجعل ذلك قاعدة ديننا وعمدة إيماننا ثم أمرنا بالخير كله ونهانا عن الشر كله وعرفنا سبل الكمال وأمات فينا نزعة الحق والتعصب الممقوت وشرع لنا ناموس الأخلاق ونهج لنا في هذا العصر الذي كثرت فيه الشكوك على الأديان وأصبح فيه علم اللاهوت عدواً لتلك المقالات التي يوردها أصحاب الملل في الله جهلاً وتقليداً لأفكار السابقين.
следующие страницы →