Полный текст (1 077 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
في الصحيح كما في الإيضاح، قال مجد الأئمة وعليه اتفق أصحاب أبي حنيفة إلا النادر والشافعي وفسر في شرح المنظومة الموقت بالمنجم وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني والحاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره في معنى المنجم هنا إذا تأملت تصريح العلامة ابن عابدين المرة بعد المرة بأن الصوم لا يلزم إلا بالرؤية أو بإكمال المدة، تعلم ما أسلفناه لك وتعلم أن ما رمي به الكاتب العلامة ابن عابدين من انه (أراد أن يبين فكرة في المسألة بطرف خفي خوفاً من جمود أبناء زمانه الذي أسكته عن التصريح) محض أفتراء عليه يتبرأ الحق منه ولا يرضاه ومتى كان العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى لا يجاهر بما يعتقد؟ بلا متى كان يخالف نصوص المذاهب الأربعة ثم قال السيد محمد عليه رحمة الله بعد أن بيين أن للسبك تأليف مال فيه إلى اعتماد قول الحساب وسنذكر أن المتأخرين من الشافعية ردوا كلام السبكي فالأولى الاستدلال بالأحاديث الدالة على اعتبار الرؤية لا العلم فإنه ﷺ وقال (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) وقال (فإن غم عليكم فاكملوا العدة) ولم يقل فاسئلوا أهل الحساب بل قال (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) ثم نقل عن شمس الأئمة الحلواني وعن الدر المختار وعن البحر عن غاية البيان وعن معراج الدراية ما لخصه لا يلزم الأخذ بقول الحاسب ولا يثبت به الهلال اتفقاً. وقال هذا ما ظهر لي والله أعلم أفبعد هذه النقول التي نقلها العلامة ابن عابدين والأقوال التي صرح بها، نقول أنه يجوز اعتماد الحساب. أو يشير بطرف خفي؟ نترك الحكم في هذا بيننا وبين الكاتب الفاضل للعلماء الأعلام ثم نقل العلامة ابن عابدين عن مختصر الشيخ خليل للسادة المالكية عدم الاعتاد بقول المنجم والحاسب وذكر الفرق بينهما وقد تقدم، عن الشافعية في كتبهم كشرح المنهاج للعلامتين ابن حجر والرملي والأنوار للأردبيلي وغيرهم المنع أيضاً من الاعتماد على المحاسب. والمنجم إلا لمن يثق بصدقته عن العلامة الرملي ونقل أيضاً رد العلامة الشمس للرملي على السبكي وقال سئل والده الشهاب الرملي عن قول السبكي فأجاب بأنه مردود رده عليه جماعة من المتأخرين ووجه ذلك أن الشارع ﷺ لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية. وقال ابن دقيق العيد الحساب لا يجوز الاعتماد عليه في الصيام والاحتمالات التي ذكرها السبكي لا أثر لها شرعاً لإمكان وجودها في غيرها من الشهادات كلام العلامة الرملي الكبير وهنا نعجب من
стр. 72
قول الكاتب (إذا كنا لا نقول بالاجتهاد فعلينا أن نقلد الإمام الشافعي وأتباعه مثل الإمام السبكي ونسلم المراصد لعلماء المذهب الشافعي الخ) وقد علمت مما نقلناه لك من نصوص اتباع الإمام الشافعي وردهم على السبكي أن مذهب الشافعي في هذه المسئلة كمذهب غيره من الأئمة رضى الله عنهم، فكيف يدعو الكاتب الناس إلى تقليده، الخ.
ونختم هذا الرد بنقل العلامة السيد محمد عن السادة الحنابلة في كتاب الغاية وشرحها من باب صلاة الكسوف ما يؤيد ما ذكرناه أولاً من نصوص المذاهب الأربعة متفقة في هذه المسئلة على عدم اعتبار قول الحساب قال لا عبرة بقول المنجمين في كسوف ولا غيره مما يخبرون به. ولا يجوز عمل به لأنه من الرجم بالغيب فلا يجوز تصديقهم في شيء من المغيبات قم قال ابن عابدين ﵀ أن كون مقدمات الحساب حسية غير مسلم بل هي عقلية أي غير مدركة بإحدى الحواس والعقلي لا يثبت بالتواتر لأنه مما يخطئ فيه الجمع الكثير كخطأ الفلاسفة في قدم العالم. هذا وأنا ننتقد على حضرة الكاتب رمي علماء الدين بالجمود في مسألة علمت أنهم تمسكوا فيها بصريح السنة شأنهم في عامة المسائل الشرعية وننصح له أن لا يعود لمثل ذلك تمسكاً بأدب المناظرة.
الجواب الأول
عن سؤال هل نرتقي. وبماذا نرتقي المدرج في العدد الثاني ص٦١
كيف لا يبلغ الإنسان أعلى ذروة الرقي. وقد أوجده أله عليم حكيم. منحه عقلاً يهتدى به، وأمره أن ينظر في أسرار هذا العالم الباهر، (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً، ثم أوجب عليه أن يسعى فيما تكون فيها سعادته ترى أناساً محافظين على ما خلقوا الأجله، محافظين على هذا المبدأ السعيد الذي لا قوم لهم بغيره، ساعين إلى ما فيه خيرهم، لم يمض عليهم غير قليل من الزمن فأذاهم في غاية من الرقي الذي لا ينال. تأبى نفوسهم أن تسام ضيما فهم أشداء على الأعداء رحماء بينهم كأنهم بنيان مرصوص، وماء عذب سائغ للشاربين (إلا أنهم هم الفائزون)، وترى آخرين قد أهملوا آدابهم وما خلقوا الأجله، وضيعوا مبداهم، فعمهم الجهل، وفسدت تربيتهم، ولعب بهم أولوا الأغراض، وتوانوا وكسلوا فتلاشى أمرهم، وأصبحوا (كسراب بقعية) (بل هباء منتوراً) أولئك في الأذلين قل للمصلحين إنما نرقي بالمحافظة على شعائر الدين والمبدأ الطاهر، لا تظلموا ولا تستبدوا
стр. 73
أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، اتركوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن فهي التي بدلت الأخلاق واحلتنا في الدرك الأسفل من التأخر كل من حاد عن مبدأ سعادته لابد أن تزل قدمه فإذا هو يقلب كفيه، يسعى فيهتدي إلى رقي، هذا ديننا أن نؤسس على أصول الحرية الطاهرة، يوجب علينا مساعدة الضعيف، يحبب إلينا المساواة والعدالة، يؤدبنا بأطر الأخلاق، يؤمرنا بالاتحاد والاعتصام بحبل الله تعالى ينشطنا إلى الحياة الراقية يقول لنا (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين) قل للأغنياء (اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، انشئوا الشركات التجارية لتحي أمتكم، وتعمر أوطانكم وتقوي شوكتكم، ويكون فيه رقيكم. أن أوروبا ترسل لكم في كل يوم بضائع جديدة لتسلبكم ثروتكم، أنتم نيام، وغيركم يسعى بجد وأقدام، إذا لم يستغن عنهم وعن بضعاتهم ونعمل نحن لأنفسنا بأنفسنا لا نرقي، وقل لأولي الأمر تنهبوا فقط كاد ان يتسع الحذق، واعلموا أن خفض الرواتب، وإحالة من لا يصلح للخدمة على نظام التقاعد لا يغني فتيلاً إذا لم تطهروا الدوائر من جراثيم الرشوة والاستبداد، وقل للشعب العثماني توجه لتعزيز قوة الجيش المنظفر ليكون أتقن وأمنع جيش في العالم أمتثالاً لقول الله سبحانه (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) وقل للعامة أنه في حالاتكم اليوم عبرة وذكرى. ضاعت حياتكم ألم يأن لكم أن تخشع قلوبكم لذكر الله أين شهامتكم أين نزاهة وجدانكم أين طهارة أخلاقكم، والله لقد أفسدها حضروكم في مسرح رقص وملعب قمار، وساحة لهو،. ومحضر تمثيل (تياتروا) أمور تبعث الخواطر السيئة في النفس الإمارة بالسوء. وتميت العواطف الشريفة وتجلب المهالك. أحوال تنافي آداب دينكم القويم الذي لم يترك فضيلة ولا خلقاً كريماً إلا أرشدكم إليه. عمركم أجل من أن يضاع في مثل هذه السفاسف. عليكم بما يربي النفوس الكريمة ويحبب إليها الفضيلة. أقبلوا على محافل العلم. واجتمعوا على السحر في الأدب. ادرسوا أحوال دينكم وتمسكوا بها أنشئوا مدارس إسلامية تؤدب أطفالكم وتهذب نشأتكم تعلمهم الفضائل تباعدهم عن الرذائل. ترشدهم إلى حقيقة هذا الدين الذي تفجرت منه ينابيع المدنية ففاضت سلسبيلاً دين يغرس في النفوس الكرم والشجاعة. والعز والقناعة. ويهدي للتي هي أقوم وحين إذ تكون أرقى أمة في العالم كما كان سلفكم الطاهر.
стр. 74
من يزعم أن أوروبا هي راقية وأن دين الإسلام يحول دون رقينا فقد ضلت في حتمه وساء سبيلاً علم الغربيون أن لا سبيل إلى رجوعنا عن مبدأنا القويم لينالوا مأربهم لأن نفوسنا إسلامية. تسابق إلى الفضيلة وتأبى الرذيلة فعمدوا إلى إنشاء مدارس لهدم هذا الأساس. وإطفاء هذا النور. (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) أن التلميذ العثماني إذا دخل مدارس الأجانب مزعماً لشروطها صار بعيداً عن مبدئه مبغضاً لدولته ووطنه. متفانياً في الميل إليه. لما يشربون في قلبه من حبه عاداتهم. حسبنا برهاناً على ذلك ما نشاهده من فساد أخلاق كثير من الشبان المتخرجين في هذه المدارس. فتراهم يقولون لا صلاة. ولا صيام. ولا حلال. ولا حرام ويفعلون ما يفعلون. إن أوضح دليل لكلامنا ما كتبته الصحف في شأن كلية بيروت أن تلك المدارس تزعم أنها تسعى في نشر المعارف خدمة للإنسانية حتى أنها ليست في بعض قرى دمشق مدارس ابتدائية تقبل فيها التلامذة الفقراء مجاناً وهي تجتهد الاجتهاد العظيم حباً في نفعنا. وسعياً وراء رقينا. . . أي فائدة تعود عليها من رقينا. أية مصلحة لها في نفعنا متى عاهدناهم يعملون لنا كلا والله انهم لا يؤسسوا هذه المدارس إلا أحيولة لنيل مقاصدهم. وشركاً يقع فيه الجهلاء من الناس.
نجاهر بهذا الحق الذي أمرنا الله أن نصدع به لا نخشى فيه سيطرة مستبدة. ولا استهزاء متلاعب. فإن زمن العدالة فسح لنا مجالاً لبيان (الحقائق) فلله جزيل الحمد وعظيم المنة فنسألك اللهم أن تهدي هذه الناشئة لما فيه صلاحها وتكشف عنها الغشاوة. ولا تجعلها محجوبة عن مشاهدة محاسن دينها القويم فتردي.
دمشق
(اعتذار)
بعد طبع ما تقدم من الرد على الفاضل شكري أفندي العسلي وردتنا رسالة من الغيور المدقق العلامة الشيخ راغب أفندي السادات في الرد أيضاً على ما كتبه في رؤية الهلال باقة نطاق المجلة عن نشرها فمعذرة من محبرها الكريم.
(شفيق بك المؤيد)
(مبعوث دمشق)
أبت شهامته وغيرته إلا أن يوآزر الحق. ويسعى في نشر العلم. فتبرع بعدة اشتراكات في
стр. 75
مجلتنا هذه لتوزع مجاناً على طلبة العلم. فنشكر حميته ونثني علىريحيته. ونسأل الله أن يكثره من أمثاله من أهل الوطنية الصادقة.
стр. 76
العدد ٤ - بتاريخ: ٣ - ١١ - ١٩١٠
стр. 77
الدين الإسلامي والتوحيد
تابع ما قبله
٢ القدم
إذا ثبت أن جميع الكائنات مفتقرة إلى موجد أوجدها. وصانع دبرها وحكيم رتبها وذلك الموجد هو الله سبحانه المستجمع لصفات الكمال وجب أن يكون قديماً لاستلزام وجوب وجوده وجوب القدم. والقدم عبارة عن سلب العدم السابق على الوجود. فلو لم يكن قديماً لكان حادثاً، فيكون وجوده مسبوقاً بعدم. وهو ينافي وجوب الوجود. ومن القواعد المقررة كل قضية بديهية فلوازمها البنية بديهية أيضاً. والقدم لازم بين لثبوت الوجود الذاتي. إذ كلما تصور القدم والوجود الواجب جزم العقل باللزوم بينهما.
٣ البقاء
هو عبارة عن سلب العدم اللحق. فما وجب قدمه. استحال عدمه ويؤيد ذلك البلهان النقلي قال تعالى (كل شيء هالك إلا وجهه) وورد من حديث طويل أخرجه الإمام مسلم والتلمذي أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الأخر فليس بعدك شيء. وفي البهيقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد (الأكل شيء ما خلا الله باطل) أي فإن مضمحل.
٤ و٥ المخالفة للحوادث والقيام بنفسه
هاتان الصفتان لازمتان لصفتين القدم والبقاء وكلها ٢ صفات سلبية دالة على التنزيه. إذ مفهوم كل صفة منها سلب أمر لا يليق به جل وعز. فيجب على الإنسان أن ينزهه سبحانه عن مشابهة الخلق وأن يتبرأ من كل ما يجيش بصدره من الميل إلى تكييفه وتصوريه. وأن يسد نافذة الخيال في مجال التفكر في ذاته تعالى وأن يعتقد انهم الحي القيوم اللطيف الخبير (ليس كمثله شيء) لا يحد بحد ولا يصور بصورة ذهنية. إذ هو تعالى أكبر من أن يحيط الوهم بسرادقات كماله وأعلى من أن يصعد التصور إلى معارج مجده وعلائه. قال علي ﵁ هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته. وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات عيوب ملكوته. وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته. وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم
стр. 78
ذاته. ردعها وهي تجوب في مهاوي سدف الغيوم متخلصة إليه سبحانه فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بالاعتساف كنه ومعرفته ولا تخطر ببال أولى الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته وهذا هو معنى التنزيه الذي جاء به رسول الله ﷺ بتطهير قلوب الخلق وتنقيتها من أوضار الشبه وأرجاس الشكرك.
المخالفة للحوادث هي عبارة عن عدم المماثلة لها فلا يماثله سبحانه شيء من الممكنات مطلقاً لا في الذات ولا في الصفات. ولا في الأفعال فليس جسماً. لأن الجسم مركب وتحيز. وهو إمارة الحدوث (ولا جوهراً) لأنه عندنا اسم للجزء الذي لا يتجزأ وهو متحيز أيضاً ولا عرضاً لأنه لا يقوم لذاته بل يفتقر إلى محل يقومه فيكون ممكناً ولا محصوراً لأن التصوير من خواص الأجسام يحصل لها بواسطة الكميات والكيفيات وإحاطة الحدود والنهائيات له ولا محدوداً ولا معدولاً ولا متبعضاً ولا متركباً وملا متناهياً لما في ذلك كله من الاحتياج المنافي للوجوب (ولا متميزاً سبحانه بمكان) إذ المكان ما استقر عليه الجسم والحيز هو ما ملئه الجسم فالمكان والحيز من لواحق الأجسام والحق تعالى يستحيل عليه ذلك وأما الاستواء في قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) فليس معناه أنه استواء كاستواء الأجسام بل أستواء يليق به مع كمال تنزيهه سبحانه عن مشابهة كل شيء. أو يؤول الاستواء بالاستياء واضطر الخلف إلى هذا التأويل كما اضطروا إلى تأويل قوله تعالى (وهو معكم أينما كنتم) حيث كمل على الإحاطة والعلم وقوله ﵇ قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن الحديث) حيث حمل على القدرة والقهر وقوله على السلام (الحجر الأسود يمين الله في أرضه) حيث حمل على التشريف والإكرام. لأنه لو ترك على ظاهره للذم منه المحال. فكذا الاستواء لو ترك على معنى الاستقرار والتمكن للذم منه المحال أيضاً.
وهذا البحث الذي نحن بصدده يحتاج في بيانه إلى زيادة توضيح ينقع غلة العقل ويشفي رسيس الصدر. ويسمو بالروح ويعلو بالحياة سيكون لنا إنشاء الله مزيد اعتناء في بسطه وتفصيله. توفية لحقه عند البحث على صفة الكلام.
كذلك سبحانه لا يجري عليه زمان، إذ الزمان عندنا اقتران المتجدد بمتجدد آخر فهو نسبة بين الشيئين المتجددين والله تعالى ليس بمتجدد بل سابق على كل شيء من الأشياء
стр. 79
الماضية والحاضرة والمستقبلة سبقاً واحداً لا تفاوت فيه (وليس له جهة من الجهات ألست ولا هو في جهة) لأنها من طوابع الأجسام وأضافتها. إن ما ذكرناه من التنزيهات وإن كان بعضها يغني عن بعض إلا أننا حاولنا التفصيل والتوضيح في ذلك إداءً لحق الواجب في باب التنزيل ورداً على المشتهى والمرسمة وسائر فرق الضلال والطغيان بأبلغ وجه وأكده فلا نبالي إذاً بتكرر الألفاظ المترافدة والتصريح بما علم بطريق الالتزام.
والتدليل على أنه تعالى مخالف للحوادث. أنه لو ماثل شيئاً منها لكان حادثاً مثلها ولوجب له مثل ما وجب لها من الحدوث فيفتقر إلى محدث وهو محال لما تقدم من وجوه القدم والبقاء له تعالى يؤكد هذا قوله تعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع والبصير) وحكمة تقديم السلب على الإثبات ليستفاد منه نفي التشبيه له مطلقاً حتى في السمع والبصر. وأما قيامه بنفسه فهو عبارة عن الغني المطلق أي لا يحتاج إلى محل ولا مخصص والمراد بالمحل الذات لا الحيز الذي يحل فيه الجسم. والدليل على ذلك أنه لو احتاج إلى محل لكان صفة إذ لا يحتاج إلى الذات إلا الصفات. والصفة لا تتصف بالصفات لامتناع قيام المعنى بالمعنى ولو احتاج إلى مخصص أي فاعل لكان حادثاً وهو محال (يا أيها الناس أنتم فقراء إلى الله والله هو الغني الحميد).
الحج
الحج ركن من أركان الإسلام، ومبني من مباني الدين، فيه نزل قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وفيه قال ﵊ حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها وقال الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، فأعظم بعبادة حاز الإسلام بها الكمال. وأكرم بما جل عن أن يكون ثوابه غير الجنة، هذه منزلة الحج في الإسلام. ومكانته من الدين. وله رتبة في الاجتماع عجز عن الوصول إلى منتهى حكمتها الباحثون. وقصر عن نيل ذرى بغيتها المتطاولون. مهما تصورا من فضيلة للاجتماع. والموا بشرف للاتحاد.
ذلك لأنه مجتمع يجمع المئات والألوف ما بين مشرقي ومغربي. وجنوبي وشمالي. من عربي وأعجمي. وهندي وصيني. وكلهم متأدبون بأدب واحد. ومتوجهون لوجهة واحدة.
стр. 80
غنيهم يساوي فقيرهم. وشريفهم يعدل وضيعهم. لا كبر ولا عجب. ولا خيلاء ولا استيلاء. غنما هو إزار ورداء. وحالة تأخذ بالعقول.
مجتمع يوثق عري الإسلام ويحكم من روابطه يجمع هذه الألوف فيعرف بعضهم بعضاً. يعرفون أخوانهم في الدين. يعرفون مشاركيهم في أوامره ونواهيه. يعرفون مؤازريهم في تعظيم شعائره. ومناصريهم في الذب عن حياضه. فاعظم بهذه الرابطة التي ما تصورها متصور إلا وقدس من أحكمها. وخضع لعزته وجبروته. وأكرم بتلك الصلة التي لا يدانيها غيرها من الصلات. ولو دأب من تمسكوا بها على نشر فضائلها السنين العديدة. وحثوا على القيام بواجبها الأحقاب الطويلة مجتمع كلما تصوره الغربيون أخذتهم الرعدة. وتمكنت من قلوبهم الرجفة. وبادروا لعقد المؤتمرات والمنتديات يتبادلون فيها الأفكار. ويتجاذبون الآراء لحل عري هذه الرابطة القوية. بوضع عقبات نحول بين المسلمين وبين هذا الاجتماع. فكم عقدوا تحت عنوان (خطر الإسلام) من جمعيات وألفوا لتلافي هذا الأمر من شركات. وكم منعوا من يحكمونهم من المسلمين تارة بوضع المحاجر الصحية. وأخرى بأخذ الضرائب والرسوم وطوراً بالاسيثاق بالوثائق والعهود. (يريدون أن يطفؤ نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).
مجتمع لو قدره أرباب التجارة وأصحاب الصنائع قدره لكان أكبر معرض في العالم تتقطع عليه قلوب الغربيين وأفئدتهم. وليس لهم من مثله ما يشفي من غلة. معرض تعرض فيه أصناف التجارة وسلع الصناعة فتبلغ أعلى درجة في الرواج. وتعلوا أرقى ذروة في الارتقاء.
مجتمع يجمع الفاضل المتحقق بالأخلاق الحميدة. والغر الجاهل ذا الطباع الرديئة. فإذا رأى الأول وما هو عليه تبدو له معايبه فيبتعد عنها ويقتبس كرائم الخصال.
مجتمع يتوصل به لحل مشكلات العلوم. ومعضلات الفنون. إذ أن هذا المشهد الحافل لا يخلو على التحقيق من فضلاء برزوا في كل فن واستسلم إليهم ما عصي فهمه على كثيرين من حملة العلوم. يعلم هذا من تصفح كتب التاريخ وأطلع على ما وقع في هذا المجتمع من المناظرات العلمية والمباحثات الفنية. التي انكشفت عن فتح باب كثير من المغلقات هذا ما استحضرناه الآن وأردنا نشره من فوائد هذا المجتمع. وما هو إلا قطرة من بحر مما حواه
стр. 81
من الفضائل. وأحاط به من الكمالات. وللحج فوائد أخرى أجلها التوصل لزيارة سيد العالمين. وفخر الأنبياء والمرسلين. صلى الله تعالى عليه وسلم. وزيارة أهل بيته وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم. حيث يقوم الزائر ببعض الواجب لهم. ويتوسل بهم إلى ربه في تكفير ذنبه. وكشف كربه. وإصلاح حياته ومعاده أجل أن من أعظم الواجب زيارة حضرة سيد الوجود ﵊. وزيارة آله وأصحابه. وسلف الأمة ومتقدميها. ممن قام بتأسيس هذا الدين القويم. وشيد مبانيه. وحبس نفسه على إرشاد الأمة. وقطعها لإفادتها الخير. بل الواجب تعظيم كل من سبقت له يد في إصلاح. أو كان له اعتناء ببعض المنافع العامة. واحترامه حياً وميتاً. وتقديس عمله في سائر الأوقات هذا الخلق مغروز في كل من منح عقلاً سليماً ورزق بصيرة نافذة. لا فرق بين أن يكون من المسلمين أو غيرهم. إذ نرى كثيراً من الأمم المتمدنة والشعوب الراقية. ينشئون الأسفار لزيارة من يرون له أثراً صالحاً في الاجتماع ويداً عاملة في سبيل الرقي والإصلاح تنويهاً بشكل ما فعل وحثا لغيره على العمل وقياماً بالواجب الإنساني له. بل نراهم يشدون الرحال لكل من روى لهم التاريخ عنه شيئاً من عظائم الأعمال. أو جلائل الخصال ولو كانوا من أعدائه ومحاربيه.
هذا ضريح صلاح الدين بن أيوب يتوارده السائحون صباح مساء. ويأتونه بالهدايا والتحف. وجلهم ممن حاربهم وحاربون هذا ولولا الخروج عما نحن بصدده الآن لأسهبنا الكلام في هذا الموضوع فإنه من أجل المواضيع وعسانا نأتي عليه بأزيد مما ذكرناه عند سنوح الفرص.
ومن فوائد الحج تهذيب النفس بتركها ملاذها وشهواتها. من التمتع بالأهل والأولاد. والإسئناس بالأخوان والأصحاب. والتخفيض من غلوائها بركوبها المشاق. والمتاعب. وتحمل ألم الحر والبرد ومشقة الركوب والمشي. وعناء التقشف في المطعم واللباس. ومنها ترويض الجسم بتفرغه من تعب الكسب. وتنقله من بلدة لأخرى. واستنشاقه هواء بعد هواء. بل أن السفر وهو من لوازم الحج معدود في مقدمة الأدوية الفعالة في الشفاء من الأمراض، وهو العلاج الفرد لبعض الأدواء، والمؤثر الوحيد في التخلص منها.
قضية لا ينكرها أحد. ولا مجال فيها لارتياب مرتاب حيث قامت عليها قواطع الأدلة، وحكمت بصحتها شواهد التجربة هذا ولا يسعنا بعد ما أتينا على بعض ما وصل إليه دركنا
стр. 82
من حكم الحج وفوائده، إلا أن نحث من وجب عليه أن يبادر إليه فإنه من الفروض العينة على كل مسلم بالغ عاقل حر مستطيع قال الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) وقال ﵊ يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا من مات ولم يحج فليمت أن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً. وقال عمر رضي الله تعالى عنه، لقد هممت أن أكتب إلى الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلاً، وروى عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد طاووس (وهم أئمة التابعين) أنهم قالوا لو علمنا رجلاً غنياً وجب عليه الحج ثم مات قبل أن يحج ما صلينا عليه.
وقد ذهب الأئمة الأربعة ما عدا الشافعي ﵀ في أصح الراويتين عنهم إلى أن افتراض الحج على الفور في أول سني الإمكان لأن فرضيته ثبتت بالكتاب والسنة وانعقد عليها الإجماع ولا يأمن أحد على نفسه من الموت إذا أخره فوجب على الفور احتياطاً، وللحج شروط وأركان وسنن وآداب لولا أن الكلام في بيانها يستدعي مجالاً واسعاً ووقتاً طويلاً لأتينا عليها مفصلة مبينة تتميماً للفائدة غير أنا نحيل على مناسك العلامة الألوسي الذي سماه (أوضح منهج لمناسك الحج) ففيه كفاية في هذا الباب، وبغية لأولي الألباب.
стр. 83
الأخلاق
كلمة في الاقتصاد
كأن الكتاب يعنون به العلم بطرق تكثير المال وتوفيره، وتعظيم الثروة وتقويتها، وقد أفرد بعض الغربيين البحث عن هذه الطرق بالتأليف وبعض متفنني الأتراك كتب منها أيضاً عنوانها (بعلم الثروة) ويمكن أنه اقتطفها من كتب الغربيين، وقد اصطلحوا على قراءتها في المكاتب العالية لكننا لم نر نتيجة لهذا العلم عند من تخرجوا في تلك المكاتب، بل ربما رأينا ضده أعني العلم بسرف الأموال ومحقها، وهدم الثروات وسحقها.
نرمق أكثر من يأتي من ناشئتنا المتخرجين في تلك المكاتب كلاً على الدولة، كلاً على ثروة والديه حتى يذهب بها، عليهما ولو كأننا فقيرين من فهم هذا العلم وبحث في الطرق التي تكون سبباً لتكثير المال وتوفيره، وتقوية الثروة لابد وأن يبحث في كيفية إتقان الصنائع والحرف وتنظيم أمور التجارة وتوسيع نطاقها وتسهيل عمل الزراعة وتعزيز استغلالها ومن أين يطرأ عليها الفساد والانحطاط.
إلى الآن لم نعثر على مؤلفات عربية تبحث في هذا الموضوع تمام البحث ولا سمعنا بعالم غيور تظاهر بنشر هذا الفن النافع، وجال بمسائلة علماً وعملاً حتى ولا من ناشئتنا المدعين تنور الأفكار الذين تخرجوا في المدارس الأجنبية ودرسوا هذا العلم هناك ولا من أهل الصحف الذين تعهدوا بنشر بذلك وسموا صحفهم اقتصادية وقد جالوا في الغرب وأطلعوا على المدارس الزراعية والصناعية هناك ونظروا في أحوال التجارة وأسباب ترقيها بل ما رأينا فرعاً من فروع الصناعة والزراعة والتجارة بلغ من الإتقان أشده في بلادنا السورية ولعله في باقي البلاد العثمانية كذلك إلا ما كان من أعتناء الحكومة السنية بعلم الطب على اعتبار كونه من الصنائع وهنا مجال لأن تقترح على من عثر على تأليف مفيد بهذا الفن، وكان بغير اللغة العربية أن يعربه إليها لتعم الفائدة، وكذا على من عنده دراية حقيقية به ويمكنه التعليم والتطبيق أن يجاهر بذلك ليستفيد منه الوطن فائدة تذكر، وكذا على أصحاب المدارس الأهلية أن يدخلوا هذا الفن في برنامج دروسهم ويهتموا لتعليمه أسوة بالمدارس الراقية ولأنه على التحقيق عبارة عن درس أخلاقي عظيم الفائدة وبودنا لو تتألف جمعية ممن استنارت أفكارهم ويسعون بعقد شركات عمومية يكون
стр. 84
مقصدها الحقيقي تقوية الصنائع والحرف والتجارة والزراعة فيفتحون مدرسة لتعليم ذلك كله على نهج الترتيب والانتظام أن (مكتب الصنائع) الذي في حاضرتنا الآن قد اجتهد بتأسيسه المرحوم مدحت باشا ليفيد الوطن صنائع جديدة يستغني بها الشرق عن الغرب بعض الاستغناء قد أصبح بفضل الإهمال قليل النتيجة عديم الفائدة إذ الصنائع التي تدرس فيه اليوم هي حثالة الصنائع الدمشقية فحبذا لو أن ولاة الأمور يعيرونه نظرة فيحققون بها قصد المؤسس وبهذه المناسبة نطلب من قادة الأقلام أن يوسعوا نطاق هذا البحث وينتقدوا من الصنائع والحرف والتجارة والزراعة ما يظهر لهم من مواقع النقد على صفحات الصحف.
أن المعنى الذي ذكرناه للاقتصاد كأنه اصطلاحي لكنه مأخوذ من المعنى اللغوي ولازم له لأن للاقتصاد في اللغة معان منها الاستقامة يقال اقتصد فلان في أمره لأي استقام ومنها الاعتدال في النفقة أي التوسط بين طرفي الإسراف والتقتير يقال اقتصد في نفقته أي لم يسرف ولم يقتر فالاستقامة في الأمور والتوسط في النفقة هما من أشرف الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان وهما من أعظم العوامل على توفير المال وتحسين الحال وتعظيم الثروة وتشيد القوة وجلب السعادة وطرد الشقاء في الحديث الشريف (ما عال مقتصد ولا يعيل) من حاد عن الاقتصاد ضل طريق الكرم الإسلامي لأنه أما أن يصعد على درجات شقاء السرف والتبذيرا وينزل لدركات البخل والتقتير.
وفي كلا الأمرين انحراف عن سنن القرآن ووقوع في المقت وغضب الرحمن. قال تعالى (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً).
وقال عز اسمه (ولا تبذر تبذيراً أن المبذرين كانوا أخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً) وقال جل سلطانه (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتيهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) نتلوا هذه الآيات الشريفة وكانا لا ندري من أنزلها أو لسنا داخلين في عموم الخطاب (أفلا يتدربون القرآن أم على قلوب أقفالها) نذكر للقراء نموذجاً من حالنا اليوم إذا أجرى أحدنا سنة النكاح لنفسه أو لولده أو سنة الختان أو الفرح بمولود أو بقدوم من حج أو غيره. تراه يتفنن في ارتكاب أنواع المنكرات وأعاجيب المخالفات. تبذير أموال. وتفاخر بالقوال والأفعال. ولو ذكرته أو نصحته لرد
стр. 85
نصحك أو اعتذاراك بما هذا معناه. أن عادات أمثالنا هكذا ولا محيد عن اتباع العادات مخافة أن يتكلم الناس علينا أو ان نسائنا عليهن مثل ذلك لأمثالهن فلا يرضين بغيره. أن أكثر من يريد إجراء هذه السنة لا يقصد منها مقاصدها الشرعية بل يقصد الفخفخة والجعجعة وجلب السعادة (الجهاز) فتراه لا يؤم في خطبته إلا من اشتهر بمحبة ما ذكر ولو كان في ذلك حتفه.
بعد إجراء العقد يسعى كل من الأبوين فيما يطلب منه. . أما أبو الزوج فتراه أن كان دار ضيقة يسعى في توسيعها وتزيين محالها أو الانتقال لأوسع منها بطريق الشراء أو الاستئجار ثم يتغالى بعد في جلب المفروشات والملبوسات وأنواع المجوهرات يقصد بذلك الفوز على أهل عروسه وإظهار الغنى الواسع.
حتى أنك لو ذهبت إلى داره ونظرت زخرفة متاعه وأثاثه لقلت هذا من الأكاسرة او القياصرة أو رب الثروات العظام ولكن وياللأسف يفعل هذا وهو في تجارته أو زراعته ضيق اليد ضعيف الساعد يتقلب على جمر الغضا ويشكو ألم الضيق. وقد يلجئه الأمر لأن يجسر على صرف أموال الناس ولو عاش باقي حياته كئيباً. وأما أبو الزوجة فيسلم زمام الأمر لناقصات العقل والدين. فتراهن يحملنه على إنفاق ثروته والاستدانة فوقها في سبيل شراء ملبوسات ومفروشات وغير ذلك لأجل تجهيز هذه العروس الكريمة ولا يرضيهن ولو أنفق ما في الأرض جميعاً. بعد وصول هذه السعادة (الجهاز) لدار الزوج الذي سعد بها بعد شقاء أبيه وحميه.
يحتفل بمراسم العرس. ومن المؤكد الذي لا يمكن تركه إحضار المغنيات المتهتكات الراقصات. . لدار الزوج ليلة حفلة العريسين وصرف الأموال بغير مصرفها الشرعي بدعوى التخلص من العار ولو تأمل العاقل لوجد أن أعظم العار في ارتكاب المنكرات. وترك المأمورات. وتبذير الموال في سبيل التقرب من الشيطان وحزبه.
تنهض العروس صبحة هذه الليلة متعجرفة متكبرة ترنو بهذه النفائس الجهاز وما والاه لما تعلم بأنها معدة لأجلها فتتيه عجباً وتعثو استكباراً وتلهو عن أنها مخطوبة لهذا الزوج لتسكن إليه ويسكن إليها ويقضيان الدهر بالتعاون على صرف حوادثه ومدافعه صدماته لكن لا تلبث إلا قليلاً حتى ينقلب الحال. ويقع بينهما الشجناء والبغضاء. وتكون على هذا
стр. 86
الزوج المسكين داهية دهماء لا يمكن دفعها وبلية نازلة لا يستطاع رفعها، فيضيع الحرث والنسل ويذهب عمرهما سدى.
هذه هي السعادة التي بذل في سبيلها الأموال الكثيرة ودكت للإنفاق عليها أركان الثروات الطائلة سببت هذه النتائج الوخيمة.
ولو فحصتها لوجدتها ظلاً زائلاً وسروراً باطلاً أن معظم الملابس التي أخذت لتتجمل بها العروس لا تلبث الأعشية أوضحاها حتى يذهب رونقها وتتمزق وتبقى عديمة النفع. قف هنا متأسفاً متحسراً على هذه الموال والثروات وعلى هذين العروسين وأبويهما ولا تلمهما بنبت شفة لأن لديهما العذر المقبول الذي قد علمته تمكنت فينا هذه العادات الخسيسة ببركة ساداتنا وكبرائنا ونحن على آثارهم متقدرون.
نتحمل هذا كله ولا نبالي وترى الواحد منا لو اقترح عليه أن يتكرم بشيء من ماله إعانة لمشروعي خيري أو لمنفعة عمومية لبخل واستغنى واعرض ونأى أولي الحكم أيها الأخوان لو عقلتم ضرر هذا كله وأتفقتم على عدم إتلاف هذه الأموال وارتكاب هذه المنكرات واستعوضتم عن صرفها بمثل هذه السفاسف الدنيئة بصرفها في أمور نافعة تعود على وطنكم وأبنائه بالخير العميم، والنجاح الدائم.
ويا حبذا لو تتألف جمعية اقتصادية تقوم بنصح وتذكير من يريد إجراء مثل هذه العادات فتبين له ضررها وترشيده لفعل ما هو المحمود بنظر العقلاء وانه لا اعتبار لذم الاراذل الحمقاء ولنا عودة إلى هذا الموضوع عند سنوح الفرصة إن شاء الله تعالى.
стр. 87
اللغة العربية
(ث. ذ. ظ)
حسبما وعدنا القراء الكرام نأتي هنا بكلمة تتعلق بتحريف هذه الأحرف اللثوية ليظهر كيف استدرجنا إهمال اللغة الفصحى إلى أن دفع بنا إلى ارتكاب تحريف الكلم عن مواضعه حتى في كتاب الله المجيد فشا تحريف هذه الأحرف في اللغة المحكية وتداولته جميع الألسنة وسرى عليها سرياناً عاماً لم تسلم منه كلمة تشتمل على شيء منها. فكأن الرأي العام أطبق على إعدامها كما جرى تنفيذه فعلاً على أن هذا الحكم الجائر قد شمل القاف أيضاً فأعدمها العوام عندنا واستعملوا عوضها الألف اليابسة الهمزة، وغنما قصرنا موضوعنا هنا على الحروف اللثوية لأنها هي التي دخل في تطرق الفساد إلى الكتب العلمية قراءة وكتابة.
فتراهم يستبدلون بالثاء سيناً وبالذال زاياً وبالظاء أيضاً زاياً غير أن هذه يفخمونها جداً ولقد طغى تيار هذا الخطأ حتى شمل جميع رجال الطبقات العلمية الذين وافقوا العوام في هذا اللحن وعملوا معهم على إماتة الحروف اللثوية. وهجروها من اللغة المحكية هجر القلى كما أنهم وافقوهم في كثير من الأغلاط المتداولة فتنازلوا إلى التفاهم بالسوقي المبتذل مجاراة للرأي العام وتظرفاً بين العوام. اللهم إلا قليلاً منهم توسطوا في الأمر وانتهجوا طريقة بين بين. وهؤلاء هم الذين يتخلل كلامهم كثير من الألفاظ الفصيحة، والجمل الصحيحة، فإذا خاطبتهم رأيت على كلامهم مسبحة من حسن الديباجة والطلاوة وهذه هي الطريقة التي استحسنها السيد (البطليوسي في (الاقتضاب) وحض الأديب على العمل بها ومال إلى أنها هي اللائقة بأهل الفضل في تخاطبهم مع العوام ولو كان رجال العلم سالكين تلك السبيل لتحسنت اللغة المحكية ولتنقحت من سقطات كثيرة وربما كان ذلك من أكبر الوسائل لرفعها إلى درجة اللغة الفصحى ولكن مع الأسف نرى العمل جارياً بالعكس ولذلك غلبت علينا اللغة المحكية حتى صار أحدنا يتعمد الخطأ ويتقصد الغلط ويعير أخاه إذا استعمل فصيح الكلام وجرى على الأسلوب العربي فينبزه بالمتشدق المتفاصح ويلقبه بالمتنطع المتقعر كما أصبح إخراج الحروف اللثوية من مخارجها الأصلية معدوداً من المعايب والناطق فيها بالصواب مستثقلاً تمج كلامه الإسماع وتشمئز منه النفوس ولو كان هذا الخطأ المستظرف بزعم الزاعم منحصراً في اللغة المحكية لكان الخطب يسيراً غير أنه
стр. 88
تجاوزها إلى اللغة الكتابية فصار الذوق العصري يقضي على القارئ باستعمال هذا التحريف ابتغاء مرضاة جلسائه وإيناس سماره فإذا اتفق أن القارئ كان مطبوعاً على الفصاحة أو الثغ لا يقدر على النطق بالسين والزاي فهو لابد أن يخرج الحروف اللثوية من مخارجها الصحيحة وحينئذ ينفر منه سامعه وتستك عنه مسامعه ولاسيما إذا أتى بكلام طويل مشتمل على مثير من تلك الحروف فإنه يعتبر ذلك منه بمنزلة الهراء والهذيان فتأمل شهرة الخطأ الفاشي كيف تقضى على الصواب وتجعله سمجا مستكرهاً وشيناً مستقجاً وإذا أردت أن تتمثل لك حقيقة ذلك فاقرأ على جليسك هذه العبارة (فلان ذو نفوذ وحظ عظيم حيث ثابر على استثمار ثروته وظفر بذهب كثير وحظي بذخيرة ثمينة وهو يلبق في مثوى ذي أثاث لا مثيل له ويلبس أثمن الثياب وقد ذاع أنه ذكي لو ذعى منجذ ذرب اللسان ثبت الجنان، نافذ الذهن، متثبت متيقظ لحوادث الزمان وهو عذب الحديث إذا باحثته تسلتذ مباحثته، وإذا ذاكرته كرته تستعذب مذكراته يثنى عليه محادثه بسلاسة لفظه وكثرة حفظه إذ يأثر مستظرف الأحاديث فينث سمينها ولا يذكر غثها وله من ذريته ثلاثة ذكور أحداث أذكياء مهذبون وثمان إناث ذكيات مثقفات لا يزال ينظر إليهم ويلاحظهم ويؤثرهم بموعظه وهم يلبثون في ذراه المذكور والكل يحتذون حذوه ويمتثلون مثاله ويتأثرون آثاره ويتعظون بوعظه فينفذون ما ينفذ ويذرون ما يذرولا يثنيهم ثان عن ذلك فهم مثال الثبات على الطريقة المثلي والتشبث ياذيال مآثر التهذيب فثناء على الذي هذبهم وثقفهم متخذاً ذلك أعظم ذخر يتاب عليه ثواباً كثيراً إلى غير ذلك من هذه الكلمات لا تكاد تفرغ من حكايتها على الصواب حتى يفاجئك مستعمك بجمل الاستقباه والاستثقال وعبارات المقت والاستهجبان بعد أن ترى على وجهه أشكالاً وألواناً من إمارات التضجر والتبرم وعلائم السآمة والملالة وحينئذ يشبعك تأففاً وإنكاراً ويوسعك ازدراء وتعنيفاً كأنك جئت بفعله مادر أو أتيت بفرية غادر مع أنك لم تجن إلا النطق بالصواب وليس ذنبك إلا التكلم بالعربية الفصحى وإخراج الحروف اللثوية من مخارجها الصحيحة الأصلية وهيهات هيهات أن يعترف معك جليسك باستحسان الصواب فضلاً عن أن يقر بوجوب التزامه والعمل عليه وما أنت له بمقنع ولو أدليت بالألوف المؤلفة من البراهين اليقينية والحجج الدامغة.
стр. 89
الانتقاد
الزهاوي يرى في المرأة غير رأي القرأن
أما جعل الطلاق بيد الرجل وحده فهو منتهى الحكمة. وغاية الرحمة للأمة. لأن الطلاق شرع للحاجة وكان أبغض المباح إلى الله تعالى كما أسلفنا تضييقاً لدائرته. فيجعله بيد الطرفين يتسع نطاقه وتضيع الحكمة والمرأة رقيقة الشعور. سريعة الانفعال. قاصرة العقل. كثيرة التقلب لا تكاد تثبت على حال. فلا يبعد لو كان الطلاق بيدها أن توقعه لأقل حادث. إطاعة لهواها ومجاراة لشهواتها.
ولأن الحالة الزوجية حالة اجتماعية. ولابد لكل مجتمع من رئيس يرجع إلى رأيه عند اختلاف الآراء وتشعب المقاصد. ولولا ذلك لأختل النظام. وفسدت المجتمعات. لعدم إمكان الاتفاق على جميع المصالح ولمات كان الرجل أحق بالرياسة. وأقدر على التنفيذ بقوته وماله. جعل قواماً على المرأة (الرجال قوامون على النساء) وبموجبه نال الرياسة العامة ومن متمماتها جعل عقدة النكاح بيده يحلها متى شاء.
ومع ذلك فقد أجاز الشرع للمرأة أن تشترط في عقد قرانها أن يكون طلاقها بيدها. وحينئذ يمكنها متى رأت من الزوج نزوعاً إلى الأخلاق السافلة أن تعمل بمقتضى ما شرطت على تفصيل مذكور في كتب الفروع. ولا ينافي ذلك ما ذكر من حكمة كونه بيد الرجل وحده. فإن الرجل بهذه الصورة تنازل عن حقوقه.
وقد انتهينا إلى مسألة تعدد الزوجات
أباح الله جل ذكره تعدد الزوجات بآية [وأن خفتم إلا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى أن لا تعولوا] فأنت ترى أن الإباحة مشروطة بعدم الخوف من الظلم. وذلك بأن يثق من نفسه بالعدل. ومتى كان عدم العدل متوقعاً سواء كان راجحاً أو مرجوحاً لزم الاكتفاء بواحدة. ومنه تعلم انه مباح مضيق فيه للمصلحة.
وقد يستدل قوم ممن يريدون تطبيق القرآن على مرادهم وشهواتهم كيداً للإسلام ومنتحليه بآية [فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة] على تحريم التعدد. قالوا ومن ذا الذي يمكنه أن لا يخاف عدم العدل مع ما تقرر من أن العدل غير مستطاع. وهل لا يخاف الإنسان من عدم القيام
стр. 90
بالمحال. يريدون عدم الاستطاعة المستفادة من آية [ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم] وفاتهم أو تغافلوا عن كون العدل في الآيتين ليس واقعاً على شيء واحد فإن العدل المطلوب هو العدل في البيتوتة وفي النفقة وهذا مستطاع والعدل المنفي استطاعته هو العدل في المحبة والجماع ويدل عليه بقية الآية [فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة] وقد ذكر الإمام ابن جرير في تفسير الآية الثانية أن المارد بالعدل العدل في المحبة أو في الجماع أو بهما على اختلاف في الروايات التي وصلت إليه وقد سردها وهي كثيرة وتابعه على ذلك جمهور المفسرين.
وكان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول اللهم هذا (أي العدل في البيات والعطاء) قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك. يريد الميل القلبي.
جاء القرآن بهذه الإباحة المشروطة وجاءت السنة بوعيد من لم يعدل قال عليه الصلاو السلام [من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل] وكان ﵊ في مرضه الذي مات فيه يسأل أين أنا غداً أنا غداً (يريد يوم عائشة) فإذن له أزواجه يكون حيث شاء فكان في بيت عائشة حتى مات عندها) فالرسول ﵊ راعى العدل بين أزواجه في أشد أوقات مرضه. أفبعد هذا يظن أن تعدد الزوجات بشرطه مخالف للمدنية وارتقاء العائلات إلى آخر ما يهذون به هذا وللتعدد حكم كثيرة نذكر منها ما يأتي:
الأول: كون الإناث أكثر عدداً من الذكور في أكثر بقاع الأرض فيما نعلم وخصوصاً في أعقاب الحروب. والرجال معرضون لموانع التزوج أكثر من النساء. ومنها مخاطر الأسفار والحروب ومشاق الارتزاق وكثيراً ما نرى العجز عن القيام بأعباء الزواج من المهر والنفقة مانعاً للزوج عن التزوج خصوصاً في هذه الأيام فإذا لم يبح التعدد لمن يثق من نفسه بالعدل تعطل عدد كثير من النساء وفاتت حكمة الزواج المقصود منه كثرة النسل ولا يقف الضرر عند هذا الحد بل لابد أن يوجد من هذا القسم المتعطل كثير ممن لا يقدرن على مغالبة شهواتهن فيجين أعراضهن وبذلك يكثر عدد العاهرات كما هو الشأن في كثير من البلاد الإفرنجية.
الثاني: ما ذكره العلامة الجسر في (الرسائل الحميدية) نذكره بتصرف وزيادة لا شك أن الله
стр. 91
جل شأنه خلق كل من الزوجين ميلاً إلى الآخر لحكمة التناسل والرجل مستعد لأداء النسل من سن بلوغه إلى آخر العمر الطبيعي للإنسان الذي هو مائة سنة والمرأة تكون مستعدة للنسل إلى سن الخمسين في الغالب لأنها بعده تضعف قوتها وتنقطع مادة حيضها فلولا إباحة التعدد لكان خمسون سنة من عمر الرجل معطلة عن التناسل الذي شرع النكاح لأجله أو أكثر أو أقل فيما إذا تزوج بأصغر منه أو أكبر على أن عادة التزوج بأكثر من واحدة ليست من مخترعات الدين الإسلامي بل مما أقره، بعد ما هذبه وعدله، ولقد كان هذا الأمر شائعاً جداً قبل الإسلام بدون حد يقف عنده، أو نظام يعمل فيه فجاء الإسلام فأوجب الاكتفاء بأربع. وشرط أن يثق الإنسان من نفسه بالعدل وأوعد من لم يعدل بما تقدم ذكره ومما يدل على وجوده قبل الإسلام ما رواه أبو داود وابن ماجه عن قيس بن الحارث قال أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فقال اختر منهن أربعاً والاعتراض بالتعدد سري إلى الكاتب مما ينتقده الغربيون على الإسلام كما هو الشأن في جميع ما كتبه على أن الغربيين أنفسهم حتى النساء منهم شعروا بفوائد التعدد فدعوا إليه وقد نقل في المجلد الرابع من المنار عن كاتبة غربية فاضلة مانصه (لقد كثرت الشاردات من بناتنا وعم البلاء وقل الباحثون عن أسباب ذلك وإذ كنت امرأة تراني انظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحزناً وماذا عسي يفيدهن بثي وحزني وتوجعي وتفجعي وأن شاركني فيه الناس جميعاً. لا فائدة إلا فيما يمنع هذه الحالة الرجسة والله در العالم الفاضل (تومس) فإنه رأى الداء ووصف له الدواء الكافل الشفاء وهو الإباحة للرجل التزوج بأكثر من واحدة وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة وتصبح بناتنا ربات بيوت فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوربي على الاكتفاء بامرأة واحدة فهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال ولابد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلا وعالة وعاراً على المجتمع الإنساني فلو كان تعدد الزوجات مباحاً لما حاق بأولئك الأولاد وبأماتهم ما هم فيه من العذاب الهون ولسلم عرضهن وعرض أولادهن فإن مزاحمة المرأة للرجل ستحل بنا الدمار. ألم تران حال خلقتها تنادي بأن عليها ما ليس على الرجل وعليه ما ليس عليها وبأباحة تعدد الزوجات
стр. 92
تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين.
وقد رأينا في (الإسلام روح المدنية) نبذة في هذا المعنى منقولة عن فيلسوف ألماني قال (أن قوانين الزواج في أوربا فاسدة المبني بمساواتها المرأة بالرجل فقد جعلتنا تقتصر على زوجة واحدة فافقدتنا نصف حقوقنا وضاعفت علينا واجباتنا على أنها مادامت أباحت للمرأة حقوقاً مثل الرجل كان من اللازم أن تمنحها عقلاً مثل عقله إلى أن يقول ولا تعدم امرأة من الأمم التي تجيز تعدد الزوجات زوجاً يتكفل بشئونها والمتزوجات عندنا نفر قليل. وغيرهن لا يحصين عدداً تراهن بغير كفيل بين بكر من الطبقات العليا قد ساحت وهي هائمة متحسرة ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السفلي يتجشمن الصعاب ويتحملن مشاق الأعمال وربما ابتذلن فيعشن تعيسات متلبسات بالخزي والعار ففي مدينة لوندرا وحدها ثمانون ألف بنت عمومية سفك دم شرفهن على مذبحة الزواج ضحية الاقتصار على زوجة واحدة إلى آخر ما نقل وفيه أيضاً أن حضرة أدوارد السابع ملك انكلترا أصدر منشوراً يبيح فيه تعدد الزوجات بالرغم من معارضة القسوس وكانت أمه قبله معارضة لهذا الرأي أشد المعارضة.
ومنه يظهر لك أن الغربيين فازوا بأباحة التعدد كما فازوا بأباحة الطلاق وأن نهاية سير التمدن الوصول إلى ما عليه الدين الإسلامي الحنيف ونحن بعدما سردنا شيئاً من حكم تعدد الزوجات وبأنه مبني على غاية من العدالة والحكمة. وبعدما نقلنا عن الغربيين استحسانهم له وشيوعه حديثاً بينهم بعد كل ما تقدم من الفوائد لا ننكرانه في زماننا هذا قد يكون منه فساد للعائلات أكثر مما يرجي منه من الفوائد. لفشو الخلاق السافلة وسوء التربية. فقد يتزوج الرجل الزوجة الثانية وزوجته الأولى صالحة للتناسل حسنة الأخلاق. وهو لا يقصد بذلك تكثير النسل ولا إعالة من يتزوجها ثانية ولا غير ذلك مما هو من حكم التعدد. إنما يدفعه إلى ذلك الشره بالشهوة البهيمية. ثم لما كان الدافع الشهوة كان ميزانه في معاملتهن الحب والبغض فهو يعامل كل واحدة بنسبة موضعها من قلبه. فتدب الغيرة في نفس المظلومة ويروج بينهم سوق الكذب والنميمة والأباطيل إلى آخر ما يكون هناك من ضروب المفاسد الاجتماعية لا ننكر وجود ذلك وشيوعه. إلا أنه لا يعترض به على مشروعية إباحة التعدد لأن ذلك ليس طبيعياً له بدليل تخلفه. فقد شوهد من تزوج بأكثر من
стр. 93
واحدة وراعي ما شرط من العدل فكانت معيشته في غاية الانتظام. ونهاية الراحة. على أن السبب الحقيقي لجميع ما يشاهد من اختلال نظام العائلات عند التعدد هو عدم العدل من جهة الرجال. وسوء التربية وفساد الأخلاق من جهة النساء. فتربية النساء تربية دينية من أول نشأتهن يتعلمن بها ما يجب عليهن نحو أزواجهن ومجتمعهن هي التي تجعل للدين السلطان القوي على القلوب فيحملها على مجاهدة غيرتها التي هي منشأ أكثر المساوي العائلية. إذا تربى النساء هذه التربية وراعى الرجال شرط العدل وتركوا وحي المحبة وحكمها الجائر. لاشك أنه يزول جميع ما يسمع وما يشاهد مما يجره التعدد من الفساد.
الفاضل الشيخ محي الدين أفندي الخياط وضعه لتلامذة المدارس على أسلوب سهل المأخذ جليل الفائدة وهو يباع في المكتبة الأهلية وثمنه قرشان ونصف فنحث على إقتنائه نجاحاً، ولنا كلمة فيه أرجأناها لعدد آخر.
فسخ النكاح التقليد والتلفيق البسملة الشريفة
رسائل إهدانا إياها الأديب الفاضل الشيخ جميل أفندي الشطي من تأليف جده الأعلى العلامة المحقق الشيخ حسن الشطي الحنبلي صرح في الأولى أن فسخ النكاح عند السادة الحنابلة مشروط بشروط (بينها) لا كما هو الشائع عند العامة، واعتمد في الثانية صحة التلفيق وهو خلاف ما عليه محققوا الأصوليين وتكلم في الثالثة على البسملة الشريفة بكلام مفيد والرسائل جديرة بالمطالعة فنحث على اقتنائها ونشكر همة حفيد المؤلف التي بذلها في نشر آثار سلفه ونسأل الله لمؤلفها جزاء حسناً ولناشرها تقدماً وارتقاء.
المتفرقات
العصر الجديد
جريدة علمية سياسية أدبية تجارية مصورة (كذا) تصدر يوم السبت من كل أسبوع في طرابلس الغرب لصاحبها الفاضل محمد علي أفندي البارودي قيمة اشتراكها ثم مجيديان وخمسون قرشاً بباقي الولايات العثمانية وعشرة فريكات بالبلاد الأجنبية تناولنا منها العددين السابع والثامن لسنتها الثانية فإذا هما حافلان بالموضوعات الجليلة والأخبار المفيدة. فنرجوا لها التقدم والنجاح.
стр. 94
سبيل الرشاد
جريدة عربية تركية تصدر مرة في الأسبوع موقتاً لصاحبها ومديرها الفاضل محمد أفندي بهجت بدل اشتراكها ٢٥ قرشاً في الولايات العثمانية و٨ فرنكات في المماليك الأجنبية فنرجوا لها التقدم الذي يليق ببغداد مهد العلم والحضارة العربية.
وردتنا هذه التقاريز من حضرات العلماء الأفاضل أصحاب التواقيع فأثبتناها (على حسب ورودها) اعترافاً بشكرهم.
أصحاب مجلة الحقائق الغراء
حققكم الله بحقائق دينه. ومكنكم بعوارف يقينه. ووفقكم بتوفيقه القويم. وهداكم إلى صراطه المستقيم. وحماكم بحمايته المحمودة من كل شكل عقيم وبارك لكم فيما علمكم من لسان البيان. وجعل لكم اليد الطولي في كل حكمة وعرفان جاء الحق وسطع نوره، وزهق الباطل وانمحى ديجوره، بظهور شموس دين الله القويم، وانهزام قطاع صراطه المستقيم.
أيد اللهم المجاهدين في سبيلك، ومدهم بمدد تبيك وخليلك، إلا وهم العلماء الأعلام، والأماجد الكرام، الذين انتصبوا للدفاع عن المسلمين والإسلام، وقاموا بواجب كفائي طالما تاقت إليه نفوس أهل السنة والجماعة وتفكرت رجال الإصلاح الحقيقي فيما يؤسس عليه.
أيها السادة سقطتم على الحقيقة المقصودة. بتمامها ووفقتم لما سيكون بحوله تعالي وطوله كافلاً للأمة بمرامها، أعلا الله مناركم على كل منار، وقبض لحقائقكم أنصاراً إلى أنصار والسلام.
السيد صالح الشريف
حضرة الأفاضل أصحاب مجلة الحقائق الغراء
سطعت علينا شمس الحقائق فتلونت وجوهنا قبل أن نقرأها خشية أن يزاد في طين التضليل بلة وحين قرأناها تهللت وجوهنا طرباً. وكبرت قلوبنا جذلاً وذرفت عيوننا دموع السرور، أجل سررنا إذ وجدنا ناصراً للحق. وقابضاً على الدين. ومحبطاً لمساعي المفسدين. فاحمدوا الله أيها الأفاضل إن وفقتك لعمل يرضي عنه ربكم. وتقدسه ملائكته بألسنة رطبة بشكركم. أثبتوا على هذا المبدأ، وكيولهم الصاع بالصاع، فإن شررهم تطاير، وشرهم استطار الله لكم معين. ومحمد \ ﷺ ممد. وسلف الأمة وخلفها
стр. 95
لعملكم هذا من الشاكرين.
عبارتي هذه غيض من فيض مما بقلبي من الحزازات من أرباب المبادئ الثقيلة، وعسى أن (الحقائق) لا تدع مجالاً لأ باطليلهم.
هذا وأن عموم طلبة العلم عندنا وبخص وبسائر الأقطار الإسلامية على مشربكم، ومعززون لمبدأكم، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون، والله معكم وأياه أسئل أن يدين النفع بحقائقكم والسلام.
محمد سعيد زهور
جادت دمشق لنا وذا ما نبتغي ... بمجلة قد سميت بحقائق
جمعت كلام أفاضل قد مزقوا ... ظلم الأباطل في ضياء حقائق
دمشق
محي الدين الخاني
أمط بالجد وسوسة الحواسد ... ويمم ما صفت منه الموارد
وفز بمجلة الإرشاد وأغنم ... (حقائق) قد علت فيها الفوائد
عدول بادروا بسني فكر ... بها بذلوا لنا خير العوائد
مجلتهم بأسرار الترقي ... بها انتفع الأقارب والأباعد
أتوا في طيها بفنون سحر ... يقر لهم بها الضد المعاند
فنون أرخت يمناً بهيجاً ... حقائقها بأخلاص المقاصد
نتيجة عصرها عن كل ترب ... سمت فضلاً به افتخر الأماجد
لها حرية الأفكار أضحت ... مصادر ما استطاب لكل رائد
أدام الله فضل من انتقاها ... بخير أدلة وأجل شاهد
وجاء بها لمن رام ارتقاء ... مهذية لها التوفيق عاضد
أقول بأمر سيدنا وشيخنا العلامة الشيخ عبد الرزاق أفندي البيطار نظمت هذه الأبيات تقريظاً على هذه المجلة الفريدة الغراء وأنا الفقير.
محمد علي بك الميداني
стр. 96
العدد ٥ - بتاريخ: ٣ - ١٢ - ١٩١٠
стр. 97
اللغة العربية
ث. ذ. ظ
وليس براض عنك ما لم تحرف الكلم عن مواضعه فتجعل الثروة سروة والثمينة سمينة واللبث لبساً والأثاث أساساً والمثيل مسيلاً والنفوذ نفوزاً والذكي زكياً والحديث حديساً والثلاثة سلاسة والثمر سمرا والمأثورة مأسورة والثاني سانياً والثناء سناء والمثقف مسقفاً والكثير كسيراً.
هكذا يود منك جليسك وربما حاول موافقتك له على الباطل طامعاً في إقناعك بمجرد زعمه أن شهرة الخطأ وحدها تكفي للحكم بترجيحه على الصواب بدليل ما استفاض بين الناس مما رواه فلان بن فلان عن هيان بن بيان وهوان (الخطأ المشهور خير من الصواب المهجور) وليس أسخف وأحمق من واضع هذه الجملة البديهية البطلان إلا الذي يتلقاها بالقبول والتسليم كأنها قاعدة مطردة أو أصل متفق عليه مع وضوح كونها مصادمة للحقيقة من جميع الوجوه نقلاً وعقلاً وإلا نكى أنها تؤيد نفسها نفسها لأنها من الخطأ الشمهور ولذلك يتوهم بعضهم أنها مظنة الصحة وقد توقعه في ورطة الشبه والشكوك في مسائل لا مجال للريب فيها وهكذا شأن سائر البدع والنكرات إذا تطرقت إلى أقوام لا يتناهون عن منكر فعلوه فلا تزال تفشو بينهم وهي كلما زادت شيوعاً زادت تمكناً منهم واستحكاماً فيهم حتى تصير لهم عادة مألوفة يذم المرء على تركها بقدر ما كان يذم على فعلها ولذلك تأبى النفوس مستصعبة أن تنصاع للحق الذي جرت العادة بخلافه وهذا مما قضي علينا أن نستبشع استعمال الحروف اللثوية غير أن ذوي الفضل والنبل وأهل العلم والأدب ومنهم المتصدون للتعليم والمتصدرون للإرشاد ينبغي أن لا يستأسروا لهذه العادة المضرة ولا أقل من أن يتجنبوها في مواطن الإملاء والتدريس ولا سيما في أثناء دروس التفسير والحديث ولله در بعض العلماء حيث أتى إليه يوماً رجل فسأله عن قوله ﵊ (إنما الأعمال بالنيات) هل هو حديث صحيح أم لا؟ فقال له أما هذا الكلام الذي تلوكه بلسانك فتهذ الحديث هذا كما تلف البقرة الكلأ بلسانها فليس ذاك بكلام أفصح من نطق بالضاد وإنما هو حديث صحيح إذا سمعته فوعيته فاديته كما سمعته، وقرأته كما يقرؤه العربي الصميم أو الأعجمي الذي أتقن العربية فمابالك بمن يدخل التحريف على جوهر الحروف فيستحيل
стр. 98
المعنى والمبنى ويتخالف المراد والمؤدى وقد يتفق أن يكون للكلمة بعد تحريفها معنى فاحش يناقض مراد المتكلم كل المناقضة ويبعد عنه بعد الثري عن الثريا ومثل هذه الكلمة إذا وقعت في عبارة خالية عن قرينة تعضد إرادة المعنى المقصود فهناك الطامة الكبرى.
كما إذا جعلت الثاء سيناً بقولك (فلان ثابت على دينه) إذ يدل حينئذ على أن الرجل يهودي قد دخل في حكم يوم السبت وباشر إعمال العبادات المتعلقة به على حسب ما تجري عليه الملة اليهودية وكذلك في قولك (فلان له بيت لا مثيل له) إذ يدل على انه ليس له مجرى ليسيل المياه الجارية وكذلك في قولك (مات زيد ثم عمرو) إذ يدل على أن زيداً مات لمجرد انقضاء أجله بلا سبب خارجي وإن عمراً مات مسموماً وإذا جعلت الذال زاياً في قولك (فلان أكثر قومه نعماً إلا أنه لا يذكي) يدل على أنه لا يؤدي الزكاة التي هي صدقة مفروضة وإما بالزال فالمعنى أنه لا يذبح ولا ينحر ومنه المثل (شر المال ما لا يذكي ولا يذكي) وهو الحمير الأهلية ويحسن بنا أن نذكر هنا قصة وقعت لبعض أفاضل الأدباء وذلك أن رجل شكى إليه ذات يوم من لصوص طرقوا داره فسرقوا ما فيها من الأدوات والأمتعة البيتية، فقال له يا سيدي قد سرق اللصوص (أساس) داري ففهم ذلك الفاضل أن المسروق إنما هو أساس الجدران فأخذه المقيم المقعد من العجب والدهش فقال له وماذا يجذيهم (أساس) دارك وكيف تمكن من سرقته دون أن تشعر ويشعر جيرانك فقال له هكذا وقع الأمر وإذا نزل القدر عمى البصر فلم يزل معه في أخذ ورد حتى فهم أن مراده من الأساس (الأثاث) فحينئذ زال دهشه وعجبه وعلم أن عذره في عدم فهمه فوراً إنما هو فضله وأدبه وهذا الذي أوردناه قليل من كثير مما يوقع في الشبه ويوجب سوء الفهم ويحمل السامع على ضد ما يقصده المتكلم بنحو هذه الكلمات ذوات الثاء والذال وأما ذوات الظاء المشارة فلا حاجة إلى الإتيان بمثال لما ينشأ من تحريفها لأنها على الاستعمال العامي لا معنى لها البتة وهي مهمة مفقودة لا وجود لها في اللغة الفصحى ولذلك ترى انه لا سبيل لنا إلى كتابتها على الصورة المحكية اليوم إذ ليس في الهجاء العربي حرف يدل عليها بخلاف غيرها من الحروف الفاشي تخريفها فإن كلاً منها له صورة يرسل بها مع الاختلاف بين صورته في الأصل وصورته بعد التحريف.
والزهاوي الذي يريد أن يستعيض في الكتابة عن اللغة الفصحى بالسوقية المتداولة لاشك
стр. 99
أنه يقع في حيص بيص في مثل هذا الموطن حيث يجد نفسه مضطراً إلى اختراع رسم حرف جديد يدل على الظاء العامية بصورة تكفل بيانها وتقريبها للذهن.
إذ الظاء في اللغة المحكية أو لغة الزهاوي الكتابية ليست إلا عبارة عن زاي ضخمة غليظة مفخمة تفخيماً فاحشاً تكرار الزاي في الرسم يشعر بذلك وإما الظاء المنشودة في اللغة الفصحى فغن الزهاوي يضطر للحكم بإعدام صورتها كما حكم مع السوقة بإعدام لفظها الفصيح ونحن إذا كنا نعتبر هذا من قبيل المشخ لعرائس العربية فإن الزهاوي يعتبره من قبيل الترقي والتقدم.
مما يتشدق به أشياع اللغة السوقية قولهم أن إخراج الحروف اللثوية من مخارجها الأصلية ينبو عنه الذوق العصري الجديد فهو على الاستعمال المتبذل أخف وأرشق ويجدر بنا أن نقول لهؤلاء المتشدقين لو كان التمدن يدخل أيضاً في مخارج الحروف لكان الإفرنج أولى بذلك منكم وها هي الأمة الإنكليزية على ما تعتقدون فيها من العراقة في الحضارة والمدنية ومجاراة الأحوال العصرية وتقدمها في فنون الابتداع وأساليب الاختراع وتشبعها بالأفكار الجديدة ومع ذلك كله فإن في لغتها نظير هذه الأحرف اللثوية وها هي تنطق بها كما ينطق بها صرحاء العرب الخلص فيقولون (ثري) بمعنى ثلاثة (ثرد) بمعنى الثالث (ثانك يو) بمعنى شكراً لك (ثميبل) بمعنى الحديدة المجوفة التي يضعها الخياط في إصبعه ليدفع بها الإبرة (باث) بمعنى الطريق (ثنك) بمعنى تفكرو (بريث) بمعنى نفس (ذس) بمعنى هذا هذه (ذات) بمعنى تلك ذلك (ذم) بمعنى هم (ذي) بمعنى لام التعريف (بوذ) بمعنى خيمة خص وقد تفخم الذال في اللغة الإنكليزية فتلفظ كالظاء العربية مثل (مظر) بمعنى والدة ولو حرف الإنكليزي هذه الحروف تحريفها الجاري في لغتنا المحكية لآض هزأة بين قومه ولأصبح عندهم موضع التهكم ومناط السخرية مع انه لم ينزل بلغتهم كتاب مقدس يحذرون أن يتطرق إليه شيء من آفات ذلك التحريف كما نخذره نحن معاشر المسلمين على التنزيل القرآني العزيز وأن كنا نعتقد أنه مصون محفوظ بعناية الله ﷻ كما قال فيه (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فغن اعتقادنا هذا لا ينبغي أن يحملنا على التساهل في لغة ذلك القرآن الكريم الذي يتحتم علينا تقويم السنتنابه بأن نتلوه حق تلاوته ونتحري قراءته كما انزل بلسان عربي مبين ولا يخفى إننا إذا تعمدنا في
стр. 100
قراءته تحريف الثاء سيناً والذال زاياً والظاء أيضاً زاياً مفخمة مع قدرتنا على النطق بالصواب يشملنا حينئذ قوله تعالى (يحرفون الكلم عن مواضعه) إذا لكلم تطلق على الحروف كما تطلق على ما يتركب منها ومواضعها تشمل مخارجها كما تشمل مدلولاتها التي تفهم منها بواسطة الوضع.
ولا عذر في مثل هذا الأمر لأحد من المسلمين سواء كان عربياً أو أعجمياً اللهم إلا رجلاً تحقق عجزه عن التخلص من هذا الخطأ والحروف في الحروف اللثوية وتعذر عليه إخراجها من مخارجها الصحيحة فاستعصي عليه لسانه بعدما حاول أن يلينه وبعد أن مارس تعويده وتمرينه ويندر جداً بلوغ اليبوسه والصلابة إلى هذا الحد في بعض الألسنة وقد ساوى الخالق جلت حكمته بين جميعها في تكوينها من أعصاب وعضلات ومع ذلك نرى كثيراً من الناس يدعون أنهم مضطرون إلى هذا التخريف للعجز عن إقامة ألسنتهم على الصواب ولعل أكثر هؤلاء إذا دققوا على أنفسهم يجدون انهم يجيدون النطق بها كما هو شأن عامة مواطننا السوريين ومهما تمحل بعضهم من المعازير في التسامح بمثل هذا الخطأ الجاري في اللغة المحكية فليس في وسع أحد من العقلاء أن يتهجم بمثل ذلك على قراءة التنزيل العزيز ويجب علينا أن نتذكر دائماً ولا ننسى ما أصاب الكتب العربية من وخامة مغبة هذا التحريف الفاشي فإن فيها كثيراً من سوء أثاره لأن النساخ وعملة المطابع قلما يوجد بينهم من يفرق بين الحروف اللثوية والحروف التي تحرفت إليها وزد على ذلك قلة الانتباه لوجود انتقاء الأكفاء من رجال التصحيح الإخصائيين بالعناية في تنقيح الكتب أثناء طبعها وتدارك أغلاطها وتلافي سقطتها قبل انتشارها على علاتها والذي زاد هذا الخطب تفاقماً واستفحالاً أن أكثر المعلمين والأساتذة إن لم نقل كلهم لا يتحاشون من هذا التحريف المخل أثناء دروسهم التي يلقونها على التلاميذ فيشب هؤلاء على التهاون بذلك ومن شب على شيء شاب عليه فنلفت أنظار رجال المدارس والمكاتب كما نلفت أنظار العلماء إلى هذا الأمر الذي يظهر في بادئ الرأي أنه جزئي بسيط وهو في الحقيقة من أضر المصائب على لغتنا الكتابية التي يسعى الزهاوي إلى محوها من بين أبناء العرب في جميع أقطار العالم.
стр. 101
رأينا في إصلاح المدارس
لم يتفق العقلاء في شيء اتفاقهم على هذه الكلمة الجليلة (العلم حياة الإنسان والمدارس أس العمران) وقد كثر بحث الباحثين عن فضائل المدارس وتنوعت أساليبهم وكان نتيجة ذلك اتفاقهم على أنها باب العمران، وعنوان العرفان، والسبب الوحيد في توحيد الكلمة وتعزيز الجامعة، وحفظ الكلام، وترقية الأذهان، على أن هذا الأمر لا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج إلى بيان وليس من يطلب دليلاً عليه الأمكن يطلب دليلاً على كون الشمس منيرة والقمر مضيئاً.
تتنوع مدارسنا اليوم أنواعاً خمسة دينية وأهلية، أميرية وصناعية والخامسة أجنبية، يقصد من الأولى تحصيل العلوم الشرعية ووسائلها ومن الثانية ما يجعل في نفس الطالب استعداداً يمكنه بسببه أن يسلك أي مسلك أراد، ومن الثالثة وظائف الحكومة والانخراط في سلكها، ومن الرابعة ما يؤهل الطالب للخوض في معترك هذه الحياة، ومن الخامسة قالوا تعلم العلوم واللغات وغير ذلك ونقول إفساد العقائد والعادات وفوق ذلك، وها نحن أولاء نتكلم على هذه المدارس كلاماً عاماً ثم نعود فنتلكم على كل واحدة منها بالخصوص مبينين ما لها وما عليها وما يلزمها من أسباب الرقي إنشاء الله تعالى.
الأخلاق
أول شيء ينتقد على المدارس الأخلاق. وعدم التأدب بالآداب المرضية إذ لا نمتري بأن الكثير منهم أغفلوا ذلك الأمر بتاتاً، والباقون نظروا غليه نظراً ثانوياً، والتفتوا نحوه التفاتاً عرضياً، نعم تواطئوا على ذلك الحكم الجائر واتفقوا عليه حتى كاد أمر الخلاق يعفو ويصبح اسماً بلا مسمى وجسماً بلا روح على أننا نحن نجهر بأن اللوم في ذلك كله لا يجوز حمله على معلمي المدارس والقائمين بإصلاح المعارف فقط بل لابد من وضع قسم كبير منه على عاتق الآباء الأوصياء إذ أن التخلق بجميل الأخلاق لا يمكن إلا بالجود الآلهي أو المجاهدة والتدرب على أفعال أهل الكمال ومرافقتهم والنظر إلى أحوالهم، فإذا كان أقرباء الطالب أو عشراؤه ذووا فساد وشره، فماذا عسى ينفع نصح الناصح، وأي شيء يفيد تعليم المعلم لذلك نقول ما يجب على المعلمين يجب مثله على الأولياء والأقربين وما يؤاخذ به القسم الأول يؤاخذ به القسم الثاني ومن بينهما نخرج التلميذ نجيباً أديباً يطلب
стр. 102
الكمال ويسعى إليه المدرسة يقصد منها بحسب الوضع أمران التعليم والتربية فبالأول يكون الإنسان عالماً مطلق الفكر، لا تعتقد نفسه بنهاية للكمال، يطلب التقدم ما وجد إليه سبيلاً وبالثانية يكون شريف النفس، مهذب الأخلاق، يطلب ما ينفع ويبتعد عما يضره، ويعامل الناس بما يجب أن يعاملوه العلم وحده مجرداً عن الأخلاق يشقي صاحبه أو لا ينفعه ويكون به ممقوتاً بين النسا، فلا يغني عنه علمه شيئاً، خل عنك ما يحدثه من الضرر يوم ينبث صاحبه بين أفراد الأمة ويسعى باسم الإصلاح والإرشاد فمهما تصورت من الأضرار في الأخلاق من جانب الجهل فتصور مثله أيضاً من جانب التعليم الخالي عن الأخلاق وإحيائها إذ لولا فساد الأخلاق لما رأيت الفسق والفحش على مرأى من الأبصار، لولا فساد أخلاق لما رأيت الكذب وهو الصفة الوحيدة في الدلالة على الدنائة فاشياً بين طبقات الناس، لولا فساد الأخلاق لما رأيت الغيبة والبهتان والمداهنة والتعبير والتحقير وتزكية النفس والتكلم بما لا يعني والتنابز بالألقاب والظلم والعجب وقطع رحم الأهل وقطع رحم الوطن وغير ذلك أوصافاً لنا لا تفارقنا ولا نفارقها لولا فساد الخلاق لما رأيت العجلة وسرعة الحكم على الأمور من غير ترو ذائعاً بين رجال الطبقة العليا ومن يؤمل منهم خدمة الوطن لولا فساد الأخلاق لما رأيت منا من يهجر لغة دينه وقومه ويقبل على تعلم لغة أجنبية ليس بينه وبينها صلة ولا نسب، لولا فساد الأخلاق لما رأيت المئات من شبان مدارسنا عاكفين على مسارح الرقص والخلاعة وسائر الموبقات لما رأيتهم يتبرجون تبرج العانيات، ويتثنون تثني الراقصات لما رأيتهم يقلدون الغربيين في الضار من أقوالهم وأفعالهم، لما رأيتهم يدعون الحلف بالله تعالى إلى الحلف بالوجدان، لما رأيتهم يجهلون سيرة سيد الوجود ومن قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن بعده من سلف الأمة ويعلمون سيرة نابليون وغيره من ملوك الإفرنجة، لما رأيتهم يؤثرون الحكم الغربية على الحكم العربية، لما رأيتهم يهملون التحية الإسلامية ويحيون بالتحية الأوربية.
رأينا أكثر دروس هذه المدارس فلم نر فيها وياللأسف درساً للأخلاق ولا بحثاً للآداب، كأن أمر الأخلاق ليس بالكبير الفائدة، وليست ناشئتنا بحاجة إليه أو كان النبي ﷺ لم يبعث ليتمم مكارم الأخلاق. يخ يخ اهتمام يحسدنا عليه الأخلاقيون، واعتناء يعجب منه الحكماء الراسخون، جهلنا حقيقة مكارم الأخلاق وما يترتب عليها من الفوائد العامة
стр. 103
والخاصة ولو علمنا أن صاحب الخلق الحسن يحي حياة طيبة، يحي فتسعد به أمته ووطنه لأقللنا من تهاملنا ولأدركنا أنا عن أمر الأخلاق معرضون، يكفي من فوائد الأخلاق أن صاحبها لا يجادل ولا يظلم ولا يخاصم، يسع الناس بحمله ويسالمهم بأخلاقه، عكس فاسد الأخلاق، فإن القلم ليمل من وصف مرارة عيشه وسخط الناس جميعاً عليه وبالجملة حسن الأخلاق مدعاة كل خير، وفسادها منشأ كل شر ومن تأمل قول الله تعالى لنبيه ﵊ (وإنك لعلى خلق عظيم) يعلم ما للأخلاق من القدر والشأن فعلى علمائنا ومحبي الإصلاح منا أن يتكرموا بنشر ما تجود به قرائحهم من فضائل الأخلاق وما لها من المنافع الدينية، والفوائد العمرانية، وعلى رؤساء المدارس بأنواعها أن يتداركوا هذا الأمر العظيم، ويرتقوا هذا الفتق الكبير فيضموا إلى دروسهم هذا الدرس المفيد ويختاروا له معلمين عاملين به، عالمين بطرائقه إذ أن من الجهل الفادح اعتقاد هون المر، وسهولة هذا الخطب حتى نرضى لتربية أحداثنا كل دعي في التهذيب وسالك مسلك المعلمين رؤساء المدارس اتقوا الله في اختيار المعلمين الأخيار فإن ذلك من أهم الأمور وأوكدها والتلامذة عندكم وديعة وأمانة، وقلوبهم الطاهرة جواهر خالية عن كل نقش وصورة قابلة لكل نقش وصورة فإن عودتموهم الخير سعدوا في الدنيا والآخرة وأنتم شركاؤهم، وإلا فأنتم السبب في هلاكهم وإحباط مستقبلهم ياتيكم الطالب من داره وقد طرأ مسمعه آلاف الكلمات البذيئة ورأت عينه أنواع العادات الضارة مما عليه أمه وأخوه، وابن عمه وذووه فيرى من عادات بعض من جعلتموهم أنتم معلمين ما يثبت في نفسه تلك العادات السافلة ويجعلها بحيث توازى السجية وتستحكم استحكام الطبع وهناك البلية العظمى.
المعلم الأمين هو الذي يهذب الأطفال بعاداته كما يهذبهم بأقواله نحن لا نعتقد أنا إهمالنا لانتقاء المعلمين الأخيار متى بلغنا أن فلاناً على شيء من المعرفة أو أنه انفرد بإتقان علم من العلوم، أو أن لديه شهادة من بعض المدارس العالية، أو أنه اشتهر بأنه من أصحاب الأفكار نخف إليه مسرعين ونخوله التربع على كرسي التعليم ونسلم إليه مئات القلوب من أولادنا غير ملتفتين إلى أخلاقه وعاداته وميوله وأهوائه رأينا بعض من خولتهم المعارف التدريس في بعض مدارسها يشرب الماء في نهار رمضان عمداً وهو صحيح الجسم بدعوى أن الصيام يجب أن لم يحدث مشقة، وسمعنا أن بعضهم ينكر وجود السموات
стр. 104
وبعضهم يتجاهر بارتكاب الموبقات والمفسدات بل أن بعض مديري المدارس يأمر الطلبة بالذهاب إلى الروايات وما شاكلها ومن ثم يمنحهم من لدنه ورقة تؤذن بالنسبة إلى ذلك المكتب ليؤخذ منهم نصف الأجرة ولا يخفي ما في ذلك من الضرر والأضرار كيف يقوم أمر من أمامه في إعوجاج؟ كيف يبصر من مرشده في عماء؟ كيف يسجد ويركع من معلمه لا يقول بالفقه ولا الفقهاء؟
اللهم أن هذا هو الخذلان المعلم والأستاذ والمرشد والناصح كلمات رشيقة اللفظ. عظيمة المعنى. فالواجب رعاية لمعناها أن يختار لها أئمة عالمون وقادة مصلحون يربون الطلبة بالأعمال قبل الأقوال وما ذلك على أرباب الهمة بعزيز.
لها بقية
стр. 105
الانتقاد
الزهاوي يرى في المرأة غير رأي القرأن
(٣)
أما نقص المرأة في الميراث عن الرجل فتتضح حكمته مما يأتي:
كان العرب قبل الإسلام يتوارثون بسببين: النسب والعهد أما للنسب فكان خاصاً بالرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون الأعداء ويأخذون الغنائم ليس للنساء ولا للأطفال شيء من ذلك.
وأما العهد فهو يشمل صورتين: الأولى الحلف كان الرجل يقول للرجل دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فإذا تعاهدا على ذلك فمات أحدهما قبل الأخر كان للحي ما اشترط من مال الميت والثانية التبني كان الرجل يتبنى ابن غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه ولما جاء الإسلام تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه ثم أبطل التبني لما أباح لرسوله ﷺ أن يتزوج زينب جحش مطلقة متبناه زيد بن حارثة رضى الله عنه بآية (فلما قضي زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً) وأبطله أيضاً بآيه (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) وبآية (أدعوهم لآبائهم) روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ماكنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن (داعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) فقال النبي ﷺ أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.
وأبطل العهد بآيات الميراث وبآية (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وأبطل بآية (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الاثنيين) منع توريث النساء على وجه بليغ حيث قال للذكر مثل حظ الانثيين ولم يقل للأنثى نصف حظ الذكر كأنه جعل إرث المرأة مقرراً معروفاً، وإرث الرجل محمولاً عليه، ويعرف بالإضافة إليه، وأبطل بها أيضاً منه توريث الأطفال لأنه أثر اسمي الذكر والأنثى على الرجال والنساء تنصيصاً على استواء الصغار والكبار من الفريقين في الاستحقاق ومن جميع ذلك تعلم أن الإسلام جاء لرحمة المرأة لا لهضم حقوقها كما زعم الكاتب والحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الانثيين
стр. 106
هي أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجه أما النساء فلا يحتجن إلى المال لأن نفقتهن على ازواجهن ولأن النساء مظنة الإسراف وخصوصاً فيما يتعلق بأمور الزينة والرجال أعلم بقدر المال لعلمهم بمقدار التعب والكد في تحصيله فلا ينفقونه إلا في محل الحاجة إليه غالباً بخلاف النساء وله حكم كثيرة لا تخفى على الفطن.
(وقد بلغ بنا الحديث إلى مسئلة الحجاب)
الحجاب أس فضائل النساء، وعليه يرتكز جميع مالهن من حياء وصيانة وعفة وأمانة ولولاه لبقيت هذه الأسماء قليلة المسميات في أخلاق النساء ومن ذا ينكر أن اجتماع النساء والرجال في مكان واحد خصوصاً بلباس الزينة الذي يستحيل أن تخرج أو تختلط المرأة بدونه يحدث تيار غرام لا يقطعه في الغالب إلا الوصال فإن الإنسان ليس في وسعه مغالبة شهواته بالوازع العقلي ولا بالوازع الديني إذا أبيح ترك الحجاب على هذا المبدأ الشريف [الحجاب] بني حياء المرأة وغيرة الرجل ومتى أبيح تركه تعودت المرأة على عدم التأثر بعاطفة الحياء الذي هو من أشرف خصالها واعتاد الرجل على أن لا يبالي بنظرات الأجانب ومغازلة الأباعد والأقارب، مما يضعف وصف الغيرة فيه.
ولا يظنن ظان أن تعليم النساء يكفل لنا صونهن فإن التعليم مهما بلغ ليس بقادر أن ينزع من الرجل والمرأة ما جبلا عليه من انعطاف كل للآخر ذلك الانعطاف الفطري فكان من رحمة الله بالبشر أن شرع الحجاب ولولاه لوقعت الفوضى في النساب تلك مقدمات تكاد تكون بديهية في نظر العقل ولا ينكر أحد ما لترك الحجاب من المضار العظيمة إلا رجل محجوب عن النظر لهذا المجتمع البشري وحوادثه.
فإن في أحوال الأمم التي اعتادت الابتذال عظة لقوم يعقلون مع كل ما للحجاب من الفوائد الدينية والأدبية نرى بعض جهلاء الكتاب ينسبون له من المضار كثيراً مما يوحي به إليهم شيطان الغرور حتى كادوا لا يتركون في معاجم اللغة لفظاً يدل على مفسدة إلا الصقوه بهذه الفضيلة وقد ذكر الكاتب طرفاً من ذلك ومن رأينا أن لا نتكلف الرد عليه في ذلك فإن الوقت أجل من أن يصرف في رد مثل هذه السفاسف البديهية البطلان إنما نبين الحق في مسئلة الحجاب مستمدين من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ (وماذا بعد الحق إلا الضلال).
стр. 107
مسألة التلغراف
(وخلاصة القول فيها)
اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا اجتنابه منذ أيام علمنا أن العالم الفاضل الشيخ جمال أفندي القاسمي نشر في عدد (٥٠٠) من المقتبس مقالة تحت عنوان (بشرى علمية) أبان فيها صحة العمل بالتلغراف وجواز الاعتماد عليه وقوى فكرة ذلك بنقله عن فئة من أهل العلم أقاويل قال أنها تقتضي جواز العمل به ولما كانت هذه المسئلة من المسائل ذوات البال أجبنا أن نبين اعتقادنا فيها مستندين في ذلك لما عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها رجاء أن يتمحص الحق وينكشف عن وجه الحقيقة النقاب وقبل القول في ذلك نقدم بين يدي مقالنا جملة نبين فيها فضل الشهادة ومقدارها من الدين ليعلم القراء أي بحث يبحثون، وفي أي حديث يخوضون، قال الله تعالى (ي أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أن يكن غنياً أو فقير فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وأن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعلمون خبيراً).
وقال (وأقيموا الشهادة لله) وقال (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) وقال ﵊ فيما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث خريم ابن فاتك قال ﷺ صلاة الصبح فلما انصرف قام قائماً فقال (عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات) ثم قرأ (فاجتنبوا الرجس من الوثان واجتنبوا قول الزور) فعلم بهذا أن الشهادة من الأمور العظيمة في الإسلام ولها في الدين المرتبة الأولى ويكفي أم أكثر أحكامه يتوقف عليها فلو أردنا عدم العناية بها وبعبارة ثانية حل عقدتها لكنا بذلك هادمين لأكثر أحكام الدين ومعطلين قسماً كبيراً من مسائله وبهذا يظهر لك سبب عناية العلماء ﵃ بها وإليك شيئاً من كلامهم المؤيد بكلام الله ورسوله ﷺ وبه تعلم فساد الاعتماد على التلغراف (قالوا) شرط الشاهد أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ناطقاً عدلاً عالماً بما يشهد به لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع مضرة عنها ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ولا بترك المروءة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة والأصل في هذا قول الله تعالى (واستشهدوا شهدين من رجالكم) قال ابن جرير يعني بذلك جل ثناؤه واستشهدوا على
стр. 108
حقوقكم شاهدين يقال فلان شهيدي على هذا المال وشاهدي عليه وأما قوله (من رجالكم) فإنه يعني من أحراركم المسلمين دون عبيدكم ودون أحراركم الكفار وقوله سبحانه (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء يعني سبحانه فإن لم يكونا رجلين فليكن رجلاً وامرأتين على الشهادة وقوله ممن ترضون من الشهداء يعني من العدول المرتضى دينهم وصلاحهم وعلل كون المرأتان بمقابلة الرجل الواحد بقوله سبحانه (أن تضل إحداهما نتذكر إحداهما الأخرى) أي لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها الغلبة الرطوبة على مزاجها فتذكر إحداهما الأخرى وقوله سبحانه (واشهدوا ذوي عدل منكم) أي من المسلمين (وأقيموا الشهادة لله (أي لوجهه خالصاً وذلك أن يقيمها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض كجلب نفع ودفع ضر ذاتيين وقوله ﷺ لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة (ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت فهذا صريح بأن أمر الشهادة مبني على اليقين التام. خال عما يوجب الالتباس أو يوقع في الشك ولذلك ألغى الإسلام شهادة الصبيان ولو مميزين مسلمين لضعف إدراكهم الموجب للشك في كلامهم وهو مناف ليقين الشهادة ومنع شهادة الكافر على المسلم للشك في صدقه، ومنع شهادة النساء فيما لا يعلمنه عادة ولو مسلمات بالغات عاقلات للشك في كلامهن أيضاً بسبب ضعف إدراكهن بالنسبة للرجل ومنع شهادة مرتكبي الكبائر ومن عرفوا بالخيانة والسفه للشك أيضاً في أدائهم الشهادة خالصة والشك كما تقدم ينافي في ما بنيت عليه الشهادة من اليقين ويوجب الالتباس في الأحكام.
فكيف يجوز لنا العمل بالتلغراف وهو آية الشك وسبيل الالتباس بل أن المخبر الذي لم يستوف شروط الشهادة لم يعتبره الشرع وألغى كلامه مع انه أقوى خبراً من التلغراف لا محالة إيضاح سيدنا رسول الله ﷺ صاحب الشرع الطاهر سئل عن الشهادة فقال للسائل (هل ترى الشمس قال نعم قال ﷺ على مثلها فأشهد أودع) فهل التلغراف يوجب اليقين ويزيل الالتباس والاحتمالات بحيث يجعلها كالشمس الواضحة أم لا؟ الصغير قبل الكبير والجاهل قبل العالم والناس أجمعون يقولون (لا) أفبعد هذا يجوز لنا أن نبني أحكام ديننا على التلغراف كم وقع الناس في حيرة بسبب التلغراف؟ كم فهموا عكس المعنى المراد.
стр. 109
ورد لبعضهم تلغراف هذا نصه (والتك مريض جيدة) فقام صاحبه وقعد، وبكى واستبكى ووقع في أشد الحيرة ولم يدر أوالدته مريضة أم صحيحة وورد لآخر تلغراف نصه (احضروا مهرة) وصوابه حضر فلان الفلاني ولآخر (قدموا كميه) وصوابه كمأة ولغيره قدموا قازمات وصوابه بقسماط وسئل بعضهم عن سعر العناب فقرأه من التلغراف القناب وظنه القنب فأخبر السائل أن سعر الرطل قرش ٩ فاشتري جملة خسر بها ستين ليرة ولبعضهم (قيصري أحضر كذا) وصوابه (نص أحضر كذا) إلى غير ذلك مما لو أردنا استقصاء لأدى بنا إلى الخروج عن المقصود فثبت بهذا أن القول بأن التلغراف من الأمور اليقينة لا يصح وأن الإدعاء بأنه بنية والبينة ما يبين الأمر ويوضحه في غير محله أيضاً لما علمت ما فيه من الاحتمالات بل قد يكون مغايراً للحقيقية وقد لا تمكن قراءته البتة على أن دعوى أنه بينة وأنه داخل في كلام ابن القيم غير مسلمة لأن البينة على فرض تسليم كلام ابن القيم ما يبين الأمر ويوضحه لا ما يوجب فيه الشك والالتباس هذا الإمام أحمد الذي كان ابن القيم من اتباعه لم يجوز الشهادة على المرأة حتى ينظر إلى وجهها لاحتمال اشتباه صوتها فكيف نقول أن كلام ابن القيم يشمل التلغراف وفيه ما علمت اللهم علمنا مدارك التأويل وفهمنا أسرار الشرع والتنزيل هذا وليعلم أن إثبات هلال رمضان والشهادة وغيرهما من الأحكام لا يكون بالتشهي (والتطبيق على كثير من الأمور المتجددة في العمران) ولا بالأقيسة الباطلة وغيرها بل بما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه فالتساهل في الشهادة وقبولها من أي إنسان كان بل من آلة صماء كالتلغراف غير ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه فقد ثبت أن سيدنا عمر وهو من هو في الدين دعا الشهود من الكوفة إلى المدينة ولم يكتف بمجرد الأخبار عنهم مع أنه أقوى من التلغراف وكان في وسعه أن يكاتبهم ويتأكد الخبر عنهم ولكن لما كان أمر الشهادة يجب أن يكون خالياً من الاحتمالات كما قدمنا عدل ﵁ لإحضارهم إليه المفيد لليقين التام بقي هنا أن الكاتب الفاضل قوي فكره كما قدمنا بنقله حججاً ثمانية قال أنها تفيد صحة العمل بالتلغراف والصحيح غير ذلك لما أن إبلاغ محافظة القاهرة قاضي مصر بأن قاضي مركز الدار حكم بانسلاخ رمضان استناداً على من راى الهلال ثم وتلقيه أي قاضي مصر تلغرافاً آخر من قاضي محكمة قنا بالمعنى نفسه لا يكون موجباً لرضائه بذلك وحكمه به
стр. 110
بدليل استفتاءه مفتي مصر وبقاءه بعد ذلك متردداً وكذلك نقل مفتي مصر فتوى الشيخ العباسي لا يكون فتوى لأنه حكاية حال ماضية ومثله حكم قاضي (مركز الدار) وقاضي (قنا) لأنهما بنياه على شهادة من رأي الهلال ثم ولا دخل لهما بفتوى التلغراف وإدعاء أن الشيخ عبد الباقي الأفغاني الحنفي أفتى بذلك سيظهر لك بطلانه وذلك أنه أي الشيخ عبد الباقي بعد أن بحث في خبر التلغراف واستظهر اعتباره كحكم الكتاب أو كحكم الساعة المجربة قال ويمكن أن يكون حكمه كحكم الواحد وفرع على ذلك اعتباره في بعض حقوق العباد وعدم اعتباره في أخرى ثم صرح في آخر كلامه على مسئلة إثبات هلال رمضان تصريحاً لأشبهة في أنه خلاف ما فهم وأفتات عليه الكاتب الفاضل وها نحن أولاء ننقل لك عبارة الرسالة لتعلم ما فيها قال يعتبر السلك ويجعل حكمه كحكم الكتاب ثم قال ويجوز أن يكون حكمه كحكم الساعة المجربة ويمكن أن يكون حكمه كحكم أواحد فيعتبر خبره في بعض حقوق العباد كالحقوق التي لا إلزام فيها أصلاً كخبر الوكالة والمضاربة والرسالة في الهدايا ونحوها من الودائع فإنه لا إلزام فيها على أحد بل مختار بين أن يقبل الوكالة وبين أن لا يقبل فهذه الحقوق وأمثالها مما لا إلزام فيه على أحد كما تثبت بخبر الواحد كيفما كان ذلك الواحد كذلك تثبت بخبر السلك إلى أن قال وأما الحقوق التي فيها إلزام محض كخبر إثبات الحق على أحد في الديون والأعيان المبيعة والمرتهنة والمغصوبة فتشرط فيها سائر شرائط الأخبار من العقل والعدالة والضبط والإسلام مع العدد ولفظ الشهادة والولاية ثم قال بخلاف خبر السلك فإنه لا يقبل في هذه الحقوق وأمثالها التي فيها إلزام لأنه فاقد للشرائط المذكورة ثم قال وإما الحقوق التي فيها إلزام من وجه دون وجه كخبر عزل الوكيل وحجر المأذون فيشترط فيه أحد شطري الشهادة عند أبي حنيفة ﵁ أعني العدد أو العدالة وعندهما لا يشترط فيه شيء ثم قال ففي هذا النوع من الحقوق لا يقبل خبر السلك على ما ذهب إليه الإمام ويقبل على ما ذهب إليه صاحباه ثم نص على مسئلة هلال رمضان بخصوصها فقال ولا يعتبر خبره في صيام رمضان وأن كان خبره خبر الواحد لاشتراط الشهادة فيه وهو ليس من أهل الشهادة فلا يجوز للقاضي أن يحكم بصيام رمضان بخبره بل لابد لإثباته من عدل واحد يشهد بروية هلاله ذكراً كان أو أنثى هذا عندنا وكذا عند الشافعي ﵁ في أصح قوليه والعدل عنده لابد أن يكون ذكراً حراً إلى أن
следующие страницы →