ـ[العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم]ـ
المؤلف: الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط
الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت
الطبعة: الثالثة، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
عدد الأجزاء: ٩
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
العواصم والقواصم
في الذب عن سنة أبي القاسم
تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني
المتوفى سنة ٨٤٠ هـ
حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه
شعيب الأرنؤوط
الجزء الأول
مؤسسة الرسالة
стр. 3
العواصم والقواصم
في
الذب عن سنة أبي القاسم
١
стр. 4
جميع الحقوق محفوظَة
لمؤسسَة الرسَالة
ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد.
سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفراداً.
الطبعة الثالثة
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقياً، بيوشران
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 6
قالوا في «العواصم» ومصنفه:
١ - «كان مقبلاً على الاشتغال بالحديث، شديد الميل إلى السُّنَّة». الحافظ ابن حجر «إنباء الغمر» ٧/ ٣٧٢
٢ - «إن العواصم والقواصم يشتمل على فوائد في أنواع من العلوم، لا توجد في شيء من الكتب، ولو خرج هذا الكتاب إلى غير الديار اليمنية لكان من مفاخر اليمن وأهله». الشوكاني «البدر الطالع» ٢/ ٩١
٣ - «والذي يغلب على الظن أنّ شيوخه لو جمعوا جميعاً في ذاتٍ واحدةٍ لم يبلغ علمهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا، ولو قلت: إن اليمن لم تنجب مثله، لم أبعد عن الصواب». الشوكاني «البدر الطالع» ٢/ ٩٢
٤ - «كان فريد العصر، ونادرة الدهر، خاتمة النُّقاد، وحامل لواء الإسناد، وبقية أهل الاجتهاد، بلا خلاف وعناد، رأساً في المعقول والمنقول، إماماً في الفروع والأصول». صدّيق حسن خان «أبجد العلوم» ٣/ ١٩٠
стр. 7
الإمام محمد بن إبراهيم الوزير
وكتابه العواصم والقواصم
بقلم
القاضي الفاضل الأستاذ إسماعيل الأكوع
رئيس الهيئة العامة للآثار ودور الكتب باليمن الشمالي
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله نحمُده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ باللهِ من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهدِ الله، فهو المهتدي، ومن يُضلِل، فلا هادِيَ له ونصلي ونسلِّم على رسول الله الهادي إلى أقوم طريق، وأوضح سبيل، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإني لا أجد -وأنا أتحدثُ عن الإمام الجليل محمد بن إبراهيم الوزير، ﵀ عبارةً تصفُ علماء السنة المجتهدين في اليمن وهو في مقدمتهم أدق وأشمل من كلمة شيخ الإسلام الشوكاني ﵀ وهو يترجم للإمام تفسه في كتابه " البدر الطالع " مشيراً إلى جهل علماء المسلميين خارج اليمن بمكانة علماء السنة في اليمن، وعُلُوِّ منازلهم، وطول باعهم، ورسوخ أقدامهم في ميادين الاجتهاد وهذا نصُّها:
"ولا ريب أن علماء الطوائف لا يُكثرُون العناية بأهل هذه الديار (اليمن) لاعتقادهم في الزيدية ما لا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطَّلِع على الأحوال، فإن في ديار الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عدداً
стр. 9
يُجاوِز الوصف، يتقيِّدونَ بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صحَّ في الأمهات الحديثية، وما يلتحق بها مِن دواوين الإسلام المشتملة على سنة سيد الأنام، ولا يرفعون إلى التقليد رأساً، لا يشوبون دينَهم بشيء من البدع التي لا يخلو أهلُ مذهب من المذاهب من شيء منها. بل هُم على نمط السلف الصالح في العمل بما يدل عليه كتابُ الله، وما صحَّ من سنة رسول الله مع كثرة اشتغالهم بالعلوم التي هي آلات علم الكتاب والسنة من نحوٍ وصرفٍ وبيانٍ وأصولٍ ولغةٍ، وعدم إخلالهم بما عدا ذلك من العلوم العقلية. ولو لم يكن لهم مِن المزية إلا التقيدُ بنصوصِ الكتاب والسنة، وطرح التقليد، فإن هذه خصيصة خصَّ اللهُ بها أهل هذه الديار في هذه الأزمنة الأخيرة، ولا تُوجد في غيرهم إلا نادراً" (١).
أما سببُ تفرد اليمن بظهور علماء مجتهدين ملتزمين بالعملِ بكتاب الله وسنة رسوله ﵌ غير ميِّالين إلى أيِّ مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة، فيرجِعُ إلى أن المذهب الزيدي في أصل عقيدته يدعو إلى الاجتهاد، فلم يَحجُرْ على أتباعه حريةَ التفكير، ولا قيَّدهم بالتزام نصوصه وآرائه، ولكنه أطلق لهم العِنَانَ، وترك لهم الخِيار بعد أن جعل بات الاجتهاد مفتوحاً لمن حذق علومه واستوفى شروطه؛ فكان هذا حافزاً لمن وهبه اللهُ ذكاءً وفِطنة، ورزقه فهماً وبصيرة أن يعملَ بما أوصله إليه اجتهادُه من أدلة الكتاب والسنة، فكان الإمام محمد بن إبراهيم الوزير أبرزَ منْ بلغ أقصى درجاتِ الاجتهاد المطلق، وكذلك الحسن بن أحمد الجلال (١٠١٤ - ١٠٨٤) وصالح بن مهدي المَقْبلي (١٠٣٨ - ١١٠٨) ومحمد بن إسماعيل الأمير (١٠٩٩ - ١١٨٢) ومحمد
стр. 10
ابن علي الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠)، ﵏ جميعاً على تفاوتٍ فيما بينهم.
ولم أخص هؤلاء بالذكر إلا لأنهم نَعَوْا على العلماء المقلدين جمودَهم، وحثُّوا المسلمين على العمل بالكتاب والسنة، فهذا شيخ الإسلام الشوكاني يستطردُ في ترجمته للإمام الوزير استنكاره على العلماء المقلدين، فيقول: " وإني لأكثر التعجب من جماعة من أكابر العلماء المتأخرين الموجودين في القرن الرابع وما بَعده، كيف يقفونَ على تقليد عالم من العلماء، ويُقدمونه على كتاب الله وسنة رسوله مع كونهم قد عرفوا من علم اللسان ما يكفي فيم فهم الكتاب والسنة بعضه؟ فإن الرجل إذا عرف من لغة العرب ما يكون به فاهماً لما يسمعه منها، صار كأحد الصحابة الذين كانوا في زمنه ﵌، ومن صار كذلك، وجب علبه التمسكُ بما جاء به رسولُ الله ععلى الله عليه وآله وسلم، وترك التعويل على محض الآراء. فكيف بمنْ وقف على دقائق اللغة وجلائلها إفراداً وتركيباً وإعراباً وبناء؟، وصار في الدقائق النحوية والصرفية والأسرار البيانية، والحقائق الأصولية بمقام لا يخفى عليه مِن لسان العرب خافية، ولا يَشذُّ عنه منها شاذة ولا فاذة، وصار عارفاً بما صحَّ عن رسول الله ﵌ في تفسير كتاب الله، وما صحَّ عن علماء الصحابة والتابعين، ومنْ بعدهم إلى زمنه، وأتعب نفسه في سماع دواوين السنة التي صنفتها أئمة هذا الشأن في قديم الأزمان وفيما بعده فمن كان بهذه المثابة فكيف يسوغ له أن يعدل عن آية صريحةٍ، أو حديث صحيحٍ إلى رأي رآه أحدُ المجتهدين؟ حتى كأنه أحدُ الأغتام الذين لا يعرفون من رسوم الشريعة رسماً. فيالله العجب، إذا كانت نهايةُ العالم كبدايته؛ وآخر أمره كأوله، فقل لي: أيُّ فائدةٍ لتضييع الأوقات في المعارف العلمية؟ فإن قول
стр. 11
إمامه الذي يُقلِّده هو ما كان يفهمه قبل أن يشتغل بشيء من العلوم سواه كما نُشاهده في المقتصرين على علم الفقه، فإنهم يفهمونه، بل يصيرون فيه من التحقيق إلى غاية لا يخفى عليه منه شيء، ويدرسون فيه، ويُفتون به وهم لا يعرفون سواه، بل لا يُميزون بينَ الفاعل والمفعول (١).
ثم خَلَصَ شيخ الإسلام إلى هذه النصيحة: " والذي أدينُ الله به أنه لا رُخصةَ لمن علِمَ من لغة العرب ما يفهم به كتاب الله بعد أن يُقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف وشطرٍ من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز، ثم إذا انضم إلى ذلك الاطلاعُ على كتب السنة المطهرة التي جمعها الأئمة المعتبرون، وعملَ بها المتقدمون والمتأخرون، كالصحيحين وما يلتحقُ بهما مما التزم فيه مصنفوه الصحة، أو جمعوا فيه بينَ الصحيح وغيره مع البيانِ لما هو صحيح، ولما هو حسن، ولما هو ضعيف، وجب العملُ بما كان كذلك من السنة، ولا يَحِل التمسكُ بما يُخالفه من الرأي، سواء كان قائله واحداً أو جماعة أو الجمهور، فلم يأت في هذه الشريعة الغراء ما يدل على وجوب التمسك بالآراء المتجردة عن معارضة الكتاب والسنة فكيف بما كان منها كذلك، بل الذي جاءنا في كتاب الله على لسان رسول الله ﵌ "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا". إلى آخر ما أورده في الحث على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﵌ وحدهما (٢) ".
مولد الإمام الوزير:
وُلِدَ على المشهور الصحيح في رجب سنة ٧٧٥ بهجرة الظَهْرَاوين
стр. 12
من شَظب (١) بيد أن المؤرخ عبد الوهاب بن عبد الرحمن البُرَيهي ذكر في تاريخه -وهو يترجم له- ما لفظه: " قلت: قرأتُ تاريخ مولده منقولاً من خطه، قال: مولدي سنة ست وسبعين وسبعمائة " وبمثل هذا روى الإمام شرف الدين في شرح مقدمة كتابه "الأثمار في فقه الأئمة الأطهار" حينما تعرض لذكر محمد بن إبراهيم الوزير استطراداً (٢) فقال: " ورأيتُ لابن أخيه وأنا أدركتُ آخر مدته في أول وقت طلبي، رأيت له ترجمة لهذا بخطِّه؛ قال فيها: ولِدَ ﵀ في شهر رجب الفرد -كما وجدته بخطه- في سنة ست وسبعين وسبعمائة بهجرة الظهْرَاويْن بشَظَب، وهو جبل عالٍ باليمن ".
قلت: وإذا كانت هذه الترجمة التي اعتمد عليها الإمامُ شرف الدين هي التي بين أيدينا اليوم، فهي ليست لابن أخيه؛ وإنما هي لابن ابن أخيه محمد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير وقد ورد فيها ما لفظه: " مولده ﵁ ورحمه- في شهر رجب الأصب مِن سنة خمس وسبعين وسبعمائة بهجرة الظَهْرَاوين من شَظَب، وهو جبل عالٍ باليمن، هكذا نقلتُه من خطه ﵁، وحفظتُه من غيره من الأهل ".
стр. 13
أما ما ذكره السخاوي في " الضوء اللامع " بأنه وُلدَ تقريباً سنة ٧٦٥ فلا صحةَ لذلك، وقد فَنَّد هذا الوهم شيخ الإسلام الإمام الشوكاني في " البدر الطالع " في ترجمته حيث قال: " وهذا التقريب بعيد والصواب الأول " (أي سنة ٧٧٥).
نشأته ودراسته وشيوخه:
نشأ في هجرة الظهراوين بين أهله الذين آثروا طلبَ العلم على ما سواه، وانقطعوا له، واشتغلوا به درساً وتدريساً وتأليفاً، فأخذ يسيرُ على منهجهم، ويقتفي أثرَ من سبقه منهم، متبعاً خطاهم، وملتزماً بمسلكهم، فحفظ القرآن الكريم وجوده واستظهره، وحقظ متون كتب الطلب من نحوٍ وصرفٍ ومعانٍ وبيان وفقه وأصول، ثم أخذ في قراءة شروَحها المختصرة، ورحل إلى صعدة.
فأخذ عن أخيه الأكبر العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير في جميع الفنون تحقيقاً، واستفاد منه كثيراً حتى في علم الأدب.
وأخذ عن القاضي العلامة محمد بن حمزة بن مظفر، وكان المشارَ إليه في علوم العربية واللغة والتفسير.
وقرأ علم الأصول على القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدَّوَّاري.
ثم رحل إلى صنعاء، فأخذ عن القاضي علي بن أبي الخير " شرح الأصول " وهو معتمد الزيدية في اليمن، " والخلاصة " للرصاص، "والغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة" للقاضي محمد بن يحيى بن حنش، وتذكرة الشيخ ابن متَّويه، وسمع عليه " مختصر المنتهى " في علم الأصول لابن الحاجب، كما قرأ هذا المختصر على السيد جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم، ولما سمِعَه عليه، بهَرَهُ ما رأى من صفاء ذهنه، وحُسن نظره وألمعيته وبلاغته وفطنته وبراعته، وكان يُطنِبُ في الثناء عليه، ويرشد طلبة العلم إليه.
стр. 14
وأخذ أيضاً عن شيوخ آخرين.
أما ما قرأه لنفسه من سائر العلوم، فشيء كثير لا يأتي عليه الحصرُ.
وكان عمدة قراءته التي أفنى فيها عنفوان شبابه -كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه الفضائل- علم أصول الفقه وعلم أصول الدين (علم لطيف الكلام) فقد جود فيهما غايةَ التجويد؛ وفحص وحقق وبحث، وبلغ الغاية القصوى، واطَّلع من أقوال أهل الفنين على ما لا يكادُ يعرفه إلا مثلُه، كما يُحدثنا هو نفسه في كتابه " العواصم والقواصم " الذي نقدم له بقوله: " وقد وهبتُ أيام شبابي وزمانَ اكتسابي لكدوره علم الكلام والجدال والنظر في مقالات أهل الضلال حتى عرفتُ قولَ من قال:
لقد طُفتُ في تلك المعاهد كلها ... وسيَّرتُ طرفي بَيْن تلك المعالِمِ
وسبب إيثاري لذلك، وسلوكي تلك المسالك أن أول ما قرع سمعي، ورسخ في طبعي وجوب النظر والقول بأن من قلد في الاعتقاد كفر، فاستغرقتُ في ذلك حدة نظري وباكورة عمري. وما زلت أرى كل فرقة من المتكلمين تداوي أقوالاً مريضة؛ وتقوي أجنحة مهيضة، فلم أحصلْ على طائل، وتمثلت فيهم بقول القائل:
كل يداوي سقيماً من معايبه ... فمن لنا بصحيحٍ ما به سقم
تحوُّله إلى علوم الكتاب والسنة:
فرجعت إلى كتاب الله وسنة رسوله، وقلت: " لا بد أن تكون فيهما براهين وردود على مخالفي الإسلام، وتعليم وإرشاد لمن اتبع الرسول ﵊، فتدبرت ذلك، وانشرح صدري، وصلح أمري وزال ما كنتُ به مبتلى ".
стр. 15
ثم يقول: " هذا وإني لما رَتَبْتُ رُتوب (١) الكعب في مجالسة العلماء السادة، وثبت ثبوتَ القُطب في مجالس العلم والإفادة، ولم أزل منذ عرفت شمالي من يميني مشمراً في طلب معرفة ديني أتنقل في رتبة الشيوخ من قُدوة إلى قُدوة وأتوقَّل (٢) في مدارس العلوم من ربوة إلى ربوة ولم يزل يَرَاعي للطائف الفوائد نواطف (٣) وبناني للطف المعارف قواطف لم يكن حتماً أن يرجعَ طرف نظري عن المعارف خاسئاً حسيراً، ولم يجب قطعاً أن يعودَ جناحُ طلبي للفوائد مهيضاً كسيراً، ولم يكن بِدْعاً أن تنسمتُ من أعطارها روائح، وتبصرتُ من أنوارها لوائح أشربت قلبي محبةَ الحديث النبوي، والعلم المصطفوي، فكنتُ ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه، وتمهيدِ ما تعفى من رسومه، ورأيتُ أولى ما اشتغلتُ به ما تعيَّن فرض كفايته بعدَ الارتفاع، وتضيّق وقت القيام به بعدَ الاتساعِ من الذب عنه، والمحاماة عليه، والحثَّ على اتباعه، والدعاء إليه، فإنه علْمُ الصدر الأول، والذي عليه بعدَ القرآن المُعوِّلُ، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة ﴿لتبين للناس﴾ وهو الذي قال الله فيه تصريحاً ﴿إنْ هُو إلا وَحْي يوحى﴾ وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين، حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمَّعة " إنِّي أُوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه مَعه " (٤).
لذلك فقد رسخ هذا الإمامُ في علوم القرآن والسنة حتى فاق أقرانه، وزاحم شيوخَه وتخطاهم، وبلغ مِن علوم الاجتهادِ ما لم يبلُغْه أحدٌ منهم.
стр. 16
اجتهاده:
كان ﵀ من أبرز علماء اليمن المجتهدين على الإطلاق، وقد وصف العلامة أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه "الفضائل" مكانة اجتهاده وعلو منزلته بقوله: " وله في علوم الاجتهاد المَحلُّ الأعلى، والقدح المُعَلى، وبلغ مبلغ الأوائل، بل زاد، واستدرك، واختار وصنف، وألف وأفادَ وجمع وقيد، وبنا وشيد، وكان اجتهادُه اجتهاداً كاملاً مطلقاً، لا كاجتهاد بعض المتأخرين، فإن ذلك إنما يُسمَّى ترجيحاً لأدلة بعض الأئمة المستنبطين على بعض، لا ابتداء اجتهاد واستخراج للحكم عما عُرفَ من غير معترف انتهاض ذلك الدليل عليه بعدَ معرفته للحكم نفسه وللدليل، ولكيفية الدلالة، وانتفاء المعارض، وشروط الاستدلال في العقليات والسمعيات، والتبحر في علم الرواية، ومعرفة الرجال وأحوالهم في النقد (١) والاعتدال والوفيات والأنساب والشيوخ، والتعمق في علم الأصولين والعربية، والتوغل في معرفة الكتاب العزيز، والاطلاع السديد على تفسيره، وكلام المفسرين. ولم يكن بهذه الصفة بغير شك ولا مِرية غيرُ هذا السيد الإمام الأكبر النقيد في هذا الشأن الذي شَهِدَ له بذلك جميعُ أهل الزمان من الأقارب والأباعد، والمخالف له في الاعتقاد والمساعد، ولقد كان آية في زمانه لم يأت الزمانُ بمثلها.
وأما تلك المقاماتُ العالية، والاستخراجاتُ الأصلية من الأدلة الكلية مثل ما صنعه في استخراجاته واختياراته في مسائل الاجتهاد، فهم عن ذلك بمراحل؛ وكيف يكون ذلك؟ وهم يغلطونَ في أسماء الرجال المشهورين، وتلتبِسُ عليهم أزمانُهم، ويُصحِّفُون من أسماء كبارهم، ومن
стр. 17
جَهلَ الاسم كيف يعرف الحال؟ وكثيراً ما يضبِطون ألفاظاً في متون الحديث (١) مصحفة تصحيفاً يُفسد المعنى، ولا يُعرف منه المراد، ولا يَصِح معه ظن، ولا يصدق عنده اعتقاد. وهو الخبيرُ الخِرِّيتُ الماهِر من (٢) ذلك المقصد، وبما تدورُ عليه من معرفة التخصيص والنسخ أعرفُ وأقعد، والترجيح عند التعارض وغير ذلك من الأحكام المترتبة على ذلك وله القوة والمَلَكَةُ في تقوية بعض الأدلة بالطريق التي يقويها على اختلاف أنواع ذلك بوجه صريحٍ، وتصرفٍ صحيح، ولفظ فصيح، وحجة لازمة وأدلة جازمة عقلية ونقلية، وفي تضعيف بعض الأدلة مثل ذلك لا يتبع في ذلك إلا محض الدليل، ولا يكتفي فيه بمجرد أنه قيل كما عليه أكثر الناس تساهلاً وعدم تمكن واقتدار.
وأمره في التفسير لكلام رب العزة كذلك في معرفته نفسه، ثم معرفته قراءته، ومعرفة المفسرين والنقلة عنهم، ومعرفة أحوال الجميع، ومعرفة أسباب النزول وزمانه ومكانه، ومعرفة الألفاظ، وكثيراً مما يتعلق بالتفسير وآيات الأحكام، وتنبني عليه قواعد شرع الإسلام مما يطولُ ذكرُه.
ثم قال: "وإنما الغرض التعريفُ أن حال هذا الرجل ﵀ ليس كحالِ غيره، وأن اجتهادَه كاجتهاد أئمة المذاهب، لا كالمخرجين (٣) ومجتهدي المذاهب، ولا كالمرجحين الذين لا يُرجِّحون بغير المعقول، ويشق عليهم معرفة الآثار النقلية، والاطلاعُ على الإسنادات، ومعرفة الرجال، وَيعْسرُ عليهم الأخذُ من لطائف أدلةِ الكتاب والسنة ومعرفتها ومعرفة أنواع الحديث ومراتبه وأقسامه من الصحة والحسن ونحوها التي
стр. 18
عليها مدارُ الاجتهاد والترجيح والانتقاد، وليس لِغيره مثلُ هذه الأهلية، ولا أعطاهم الله -سبحانه- مثل هذه العطية" (١).
وما أصدق ما قاله شيخ الإسلام الشوكاني ﵀ فيه حيث يقول: " والذي يَغْلِبُ على الظن أن شيوخه لو جُمِعُوا في ذاتٍ واحدة، لم يَبْلُغْ علمُهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا، ثم يقول: بعدَ كلام طويل: " ولو قلتُ: إن اليمنَ لم تُنْجِبْ مثلَه لم أُبعِدْ عن الصواب " (٢).
ولما بلغ من العلم هذه الدرجة العليا، وبخاصة في علوم القرآنِ والسنة التي بَرزَ فيها، وأقبل على العمل بكتاب الله، وما صَح من سنة رسول الله ﷺ داعياً إلى الاجتهاد، ومندِّداً بعلماء عصره الذين التزموا بالتقليد، لم يرُق لهم خروجُه على ما أَلفوهُ من التقليد ودعوته لهم إلى نبذه، والرجوع إلى العمل بكتاب الله وسنةِ رسوله ﷺ ، فناصبوه العداء، وشنعوا عليه، وشكَّكوا في دعوته، وصدُّوا الناسَ عن سلوكِ هذا المنهج القويم، والذي تَصَدَّرَ هذه المعارضة هو شيخُه العلامة جمالُ الدين علي (٣) بن محمد بن أبي القاسم، فقد جرت بينَه وبينَ تلميذه منازعة في مسائل كما ذكر صاحب " الفضائل " وقال: " وكان مِن شيخه طَرَفٌ من الحَيف في السؤالات، وتحويلٌ لما يرويه الإمام محمد بن إبراهيم على صفة أنه يأخذ من كلامه مفهوماً لم يقصده، أو قد صرَّح بنفيه والإجماعُ منعقد على عدم اعتبار مفهومٍ وقع التصريحُ بخلافه، وما كان ذلك إلا لمكان دعوى الاجتهاد ".
стр. 19
ثم قال: "وترسَّل السيدُ جمال برسالةٍ حكى فيها كلام الإمام محمد بن إبراهيم، وأجابه على حسب ما حكاه وطلح في موضع التطليح، وساقه مساقَ العلماء، وعلى منهاح الاستدلال والجدل الكامل في أحسن مساق وأوفى عبارة".
وقال محمد (١) بن عبد الله بن الهادي في ترجمته للإمام محمد بن إبراهيم: " وقد نسب -أي جمالُ الدين علي بن محمد بن القاسم في رسالته إلى محمد بن إبراهيم- القول بالرؤية، وبقدَمِ القرآن، ولمخالفته أهل البيت، وقد بناها على مجرَّد التوهمات الواهية والتخيلات الباردة ". وقال شيخ الإسلام الشوكاني في " البدر الطالع " في ترجمة علي بن محمد بن أبي القاسم المذكور: " ولكنه لما اجتهد السيد محمد بن إبراهيم، ورفض التقليد، وتبحر في المعارف، قام عليه صاحبُ الترجمة في جملة القائمين عليه، وترسل عليه برسالة تَدُلُّ على عدم إنصافه، ومزيد تعصبه سامحه الله ".
مع أن جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم كان من المعجبين بتلميذه الإمام محمد بن إبراهيم، وكان يحُثُّ طلبة العلم على الأخذ عنه، وُيثني على علمه ونبوغه كما وصف ذلك أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه " الفضائل " بقوله: ولقد حكى لنا السيدُ الإمام علي بن أبي القاسم -وكان من أجل مشايخه سئل عنه- وكان في نفسه عليه ما يقع في نفوس العلماء فقال: "هو أذكى الناس قلباً، وأزكاهم لُباً كأنَّ فؤاده جذوةُ نار تتوقد ذكاءاً، وغيرُه أكبرُ منه سناً ومثله وأصغر من علماء زمانه المصنفين لم يبلغوا هذا المحل، إنما غايةُ اجتهادهم أن يقولوا: هذا أولى، لأنه حاظر، والحظر أقدم من
стр. 20
الإباحة، أو عام ومعارِضُه خاص، أو مطلق ومعارضه مُقَيَّد ونحو ذلك" (١).
ورغم هذا الثناء والتقدير من شيخه، فإنه قد تحوَّل من مادح إلى قادح، ومن صديق إلى كاشح، ومن مُعجبٍ به وبعلمه ونبوغه إلى مسفِّهٍ له، ومنفرٍ للناس عنه مما آلم الإمام الوزير وأحزنه، فقال معاتباً شيخه:
عَرَفْتَ قدْرِي ثُم أنكَرتَهُ ... فما عدا بالله مما بدا؟
في كل يوم لك بي موقف ... أَسرَفْتَ بالقَوْل بسُوء البَدَا
أمْسِ الثنَا واليومَ سوءُ الأذى! ... يا لَيْتَ شِعري كيف تضحي غدَا؟
يَا شيْبة العتْرةِ في وَقْتهِ ... ومَنْصِبَ التعْلِيمِ والاقْتدَا
قَد خلَعَ العِلْمُ رداء الهُدَى ... علَيْكَ، والشيْبُ رِداءَ الرَّدَى
فَصُنْ رِدَائَيكَ وطَهرْهُما ... عَنَ دنسِ الإسْراف والإعتدَا
وقد ردَّ الإمام محمد بن إبراهيم الوزير على رسالة شيخه بكتابه " العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم " الذي يُعد ذخيرةً نفيسةً في عالم المؤلفات الإسلامية لم يَسْبِقْ لأحد في المتقدمين، ولا في المتأخرين أن ألف في موضوعه مثله.
وقد وصف ما حدث له مِن علماء زمانه المتمسكين بالمذهب، والمجاهرين بمعاداته لتمسكه بالسنة النبوية بقوله " وإني لما تمسكتُ بعروة السنن الوثيقة، وسلكتُ سنَن الطريقة العتيقة، تناولتني الألسنةُ البذيئة من أعداء السنة النبوية، ونسبوني إلى دعوى في العلم كبيرة، وأمورٍ غير ذلك كثيرة حرصاً على ألا يُتَبَّع (٢) ما دعوتُ إليه من العمل بسنة سيد المرسلين،
стр. 21
والخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين، فصبرت على الأذى، وعلمتُ أن الناس ما زالوا هكذا:
ما سَلِمَ اللهُ من بريَّته ... ولا نبيُّ الهُدى فَكيف أنا! (١)
وقد اعترض عليه شيخُه المذكور برسالة وصفها الإمام ابنُ الوزير بقوله: " إلاّ أنه لما كثر الكلامُ وطال، واتسع مجال القيل والقال جاءتني رسالة محبَّرة، واعتراضات محررة، مشتملة على الزواجر والعظات، والتنبيه بالكلم المُوقِظَات، زعم صاحبها أنه من الناصحين المحبين، وأنه أدَّى بها ما عليه لي من حق الأقربين، وأَهلاً بمن أبدى النصيحة، فقد جاء الترغيب إلى ذلك في الأحاديث الصحيحة، وليس بضائرٍ إن شاء الله ما يَعْرِضُ في ذلك من الجدال مهما وُزِنَ بميزان الاعتدال، لأنه حينئذ يدخل في السنن، ويتناوله أمر ﴿وَجَادِلهُم بالتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ (٢) وقد أجاد من قال، وأحسن:
وجدالُ أَهلِ العِلْمِ لَيْس بِضائِرٍ ... مَا بَيْنَ غَالبِهِم إلى المَغْلُوبِ
وعقب الإمام ابن الوزير على ما ورد في هذه الرسالة بقوله: بيد أنها لم تَضعْ تاجَ المرح والاختيال، وتستعملْ ميزان العدل في الاستدلال، بل خُلِطَت مِن سِيما المختالين بشوب، ومالت من التعنت في الحجاج إلى صوب، فجاءتني تمشي الخطَرَا، وتميس في محافِل الخطَرا، مفضوضةً لم تُختم، مشهورةً لم تكتم، متبرجةً قد كشفت حجابَها، وطرحت نِقابها، وطافت على الأكابر، وطاشت إلى الأصاغر حتى مضت أيدي الابتذال
стр. 22
نضارتَها، وافتضت أفكارُ الرجال بكارتها، وخيرُ النصائح الخفي وخيرُ النُّصاح الحفى، وخيرُ الكتاب المختوم، وخير العتاب المكتوم.
ثم إني تأملت فصولها، وتدبرت أصولها، فوجدتها مشتملة على القدحِ تارةً فيما نُقِلَ عني من الكلام، وتارةً في كثير من قواعد العلماء الأعلام، وتارة في سنة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام فرأيتُ ما يَخُصُّنِي غير جديرٍ بصرف العناية إليه، ولا كثير يستحق الإقبال بالجواب عليه.
وأما ما يختصُّ بالسنن النبوية، والقواعِد الإسلامية مثلَ قدحه في صحة الرجوع إلى الآيات القرآنية، والأخبار النبوية، والآثار الصحابية، ونحو ذلك من القواعد الأصولية، فإني رأيتُ القدحَ فيها ليس أمراً هيّناً، والذب عنها لازماً متعيناً، فتعرضتُ لجواب ما اشتملت عليه من نقض تلك القواعد الكبار التي قال بها الجِلَّةُ من العلماء الأخيار (١).
وقد قصدتُ وجه اللهِ تعالى في الذب عن السنن النبوية، والقواعد الدينية، وليس يضرني وقوفُ أهل المعرفة على ما لي من التقصير، ومعرفتهم أن باعي في هذا الميدان قصير، لاعترافي بأني لست من نُقَّاد هذا الشأن، ولا مِن فرسان هذا الميدان، لكني لم أجد من الأصحاب من تصدَّى لجواب هذه الرسالة لما يجُرُّ إليه ذلك من سوء القالة، فتصديتُ لذلك من غير إحسان ولا إعجاب، وَمَنْ عَدِمَ الماءَ تيممَ بالتراب، عالماً بأني لو كنت باريَ قوسها ونبالِها، وعنترةَ فوارسها ونزالها، فلن يخلو كلامي من الخطأ عند الانتقاد، ولا يصفو جوابي من الكدر عند النقاد. فالكلامُ الذي لا يأتيه
стр. 23
الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو كلامُ الله الحكيم، وكلامُ من شهد بعصمتِهِ القرآن الكريم؛ وكُلُّ كلام بعدَ ذلك، فله خطأ وصواب، وقِشر ولُباب. ولو أن العلماء ﵃ تركوا الذبَّ عن الحق خوفاً من كلام الخلق، لكانوا قد أضاعوا كثيراً، وخافوا حقيراً، وأكثر ما يخافُ الخائفُ في ذلك أن يَكِلَّ حسامُهُ في معْتَرَكِ المناظرة، وينبو ويعثر جوادُهُ في مجال المحاجة ويكبو، فالأمر في ذلك قريب إن أخطأ فمن الذي عُصِمَ؟ وإن خُطِّىء فمن الذي ما وُصِمَ؟ والقاصد لوجه الله تعالى لا يخافُ أن يُنقد عليه خللٌ في كلامه، ولا يهابُ أن يُدل على بطلان قوله، بل يُحِبُّ الحقَّ من حيث أتاه، ويقبل الهُدى ممن أهداه، بل المخاشنةُ بالحق والنصيحة أحبُّ إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة، وصديقك مَنْ صَدَقَكَ لا من صدَّقك. وفي نوابغ الحكمة: عليك بمن ينذر الإبسال والإبلاس، واياك ومن يقولُ: لا بَاسَ وَلا تَاس.
ثم إن الجواب لما تم -بحمد الله تعالى- اشتمل على علوم كثيرة، وفوائد غزيرة أثرية ونظرية، ودقيقة وجلية، وجدلية وأدبية، وكلُّها رياض للعارفين نضِرة، وفراديسُ عند المحققين مُزْهِرَة، لكني وضعته وأنا قوي النشاط، متوفر الداعية، ثائر الغَيرة، فاستكثرتُ من الاحتجاج رغبةً في
قطع اللجاج، فربما كانت المسألة في كتب العلماء ﵃ مذكورة غيرَ محتج عليها بأكثر من حجة واحدة، فأحتج عليها بعشر حُجج؛ وتارة بعشرينَ حُجة، وتارة بثلاثين حُجة، وكذلك قد يتعنَّت صاحبُ الرسالة، ويُظهِرُ العُجْبَ مما قاله فأحبُّ أن يظهر به ضعفُ اختياره، وعظيم اغتراره، فاستكثر من إيراد الإشكالات عليه حتى يتضِحَ له خروج الحق من يديه، فربما أوردتُ عليه في بعض المسائل أكثر من
стр. 24
مئتي إشكال على مقدار نصف ورقة" (١).
وهذا هو ما أشار إليه شيخ الإسلام الشوكاني في معْرِضِ كلامه عن " العواصم والقواصم " في أثناء ترجمته لمؤلفه، فإنه قال: " ومن أراد أن يعرف حالَه -أي حال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير- ومقدار علمه، فعليه بمطالعة مصنفاته، فإنها شاهدُ عدلٍ على علو طبقته، فإنه يسرد في المسألة الواحدة من الوجوه ما يبْهَرُ لُبَّ مطالعه، ويعرف بقصر باعه بالنسبة إلى علم هذا الإمام كما يفعله في " العواصم والقواصم " فإنه يورد كلامَ شيخه السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم في رسالته التي اعترض بها عليه، ثم ينسفه نسفاً بإيراد ما يُزَيِّفُهُ من الحجج الكثيرة التي لا يجد العالم الكبير في قوته استخراج البعض منها" (٢).
رحلته إلى تعز
رحل الإمام ابن الوزير إلى تعز إلى الإمام نفيس الدين سليمان بن إبراهيم العلوي الحنفي، وبعث أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير رسالة منه إلى الإمام نفيس الدين يصف علم أخيه جاء فيها ما يلي:
" وأما محمد أخي، فإنه لما أخذ من علم الحديث، جذب إليه القلوب ورقَّقها، ودعا إلى طائفةٍ من العلماء (٣) ... وشوّقها، وهو بحمد الله ممن جَوَّد في علم الكلام وصنف، وبرَّز فيه وشنَّف، وجالس في نقله الأفاضل، ومارس في العلم فأفحم كل مناضل إلاّ أنه نزل إليكم، ففاضت
стр. 25
بركاتُكُم على أحواله وأقواله، وصار في هذا الفن لا يُجارى، وكأنَّه لقنه هذا العلمَ شيخُ بخارى (١) مع إجادته في الفنين العظيمين: علمِ الكلام وعلمِ الأصول: فاعترضه بعضُ الأصحابِ الأكابر، وهي من ذوي الدفاتر والمحابر، فصنف كتابه الكبير في الرد على المعترض. ولما صنفه تراشقته الألسنُ، وتغامزت به الأعين، وتوغَّرت عليه الصدور، وقال الناسُ فيه مقالاً، وأغضب فيه رجال رجالاً، فتصفحتُ كتابَه الكبير، فلم أره أتى بما فيه ضراً (٢) ... الله هجراً، ولكنه سلك عندهم طريقاً وعراً، وأظهر مِن خلافهم أمراً إمرا، وجاء فيه مما لا يعتاد في جهتهم من الذبِّ عن علم الحديث وحملته ومن سلك مسلكه كان بين الناس غريباً، ووجب أن يتخذ من الصبر مجناً صليباً ". انتهى.
وقد أخذ الإمام الوزير عن الإمام نفيس الدين العلوي وأجازه بما لفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله حمداً يُوافي نعمه، ويُكافىء مزيده، لا نحصي ثناء عليه، والصلاة والسلامُ على رسوله سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأصهاره وأنصاره كلما ذكرهم الذاكرون، وَغَفَلَ عن ذكرهم الغافلون.
وبعد، فإنه شرفني الله تعالى، ورحل إلي، وقدِمَ على إلى بلدي مدينة تعز المحروس مستقر المملكة اليمنية الرسولية عَمَرَهَا الله بالعلم الشريف سَيِّدُنَا الإمام حقاً، والمجتهدُ صدقاً، الفائقُ على أقرانه من
стр. 26
الأغصان النبوية، والأفنان المصطفوية، المؤيَّد بالتأييد الإلهي، المختارُ لله تعالى، والموفِّق في اجتهاده، جمال العترة النبوية محمدُ بنُ إبراهيم بن علي ابن المرتضى بن المفضل بن منصور بن محمد العفيف، بن المفضل الحسني السني بحمد الله تعالى وسمع من لفظي، وقرأ علي ثُلُثَ كتاب "الجمع بين الصحيحين" صحيحي البخاري ومسلم رحمة الله عليهما جَمْع الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن حُميد الأزدي الحُميدي الأندلسي الظاهري المذهب من كبار تلامذة ابن حزم، مولده في سنة عشرين وأربعمائة. أجمع العلماء أنه لم يكن في العلماء له نظير في براهينه وعفته وورعه. وتوفي سابع عشر من ذي الحجة سنة ٤٨٨. وأجزته باقي الكتاب لأهليته لذلك ودينه وأمانته وعلمه وبراعته، وسمع معه ما ذكرتُهُ الفقيهُ الصالحُ النبيه صالحُ بن قاسم بن سليمان بن محمد الحنبلي ثم المَعمري القادم معه، وآخرون من بلادنا.
وأخبرتُهُم أني قرأته على شيخي الإمام الحافظ المحقق المجتهد المقدم على مقرئي كتاب الله تعالى أبي الحسن موفق بن علي بن أبي بكر ابن محمد بن شداد المقري الهَمْدَاني، ومولده سنة ٦٩٤، ووفاته في شهر شوال سنة ٧٧١، قال: أنا الشيخُ الإمامُ الحافظ المجتهد أبو العباس شهابُ الدين أحمد بن أبي الخير بن منصور بن أبي الخير الشماخي السعدي، ومولده في سنة ٦٥٧، ووفاته سنة ٧٢٩ قال: أنا والدي الإمام الحافظ المجتهد أبو الخير، مولده في سنة ٦١١، ووفاته في ٦٧٣، قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن علي بن عبد العزيز الفَشَلي، قال: أنا الإمام برهان الدين أبو الفرج نصر بن علي الحصري البغدادي عرف بالبرهان بروايته عن أبي الفتح عبد الباقي بن أحمد الحنفي عرف بابن البطيّ بروايته عن الحميدي.
стр. 27
وأرويه عن والدي الإمام الحافظ أبي اسحاق برهان الدين إبراهيم بن عمر العلوي الحنفي إجازة منه لي في سنة ٧٥٢ قال: أنا الإمام أحمد بن أبي الخير بسنده قال والدي ﵀. وأخبرنا الإمام الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المِزي، والشيخ الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي وغيرهما، قالا: أخبرنا الشيخُ المسندُ علي بن أحمد البخاري، عن الإمام أبي محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم بروايته عن الإمام الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي بروايته عن المصنف الحميدي.
وأرويه عن والدي، عن الذهبي قال: قرأته على أبي الفهم بن أحمد السلمي قال: أنا أبو محمد بن قُدَامَة (ح) قال الذهبي: وقرأت على أبي سعيد الحلبي، عن عبد اللطيف بن يوسف قالا: أنا أبو الفتح محمد ابن عبد الباقي عن الحميدي. وأجزته وصاحبَه جميعَ رواية صحيح الإمام الحافظ، المجتهد المقلِّد، المتبع لكتاب الله وسنة رسول الله ﵌ بالجامع الصحيح المسند من أمور سيدنا رسول الله ﷺ وأيامه ومغازيه أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجُعْفي رحمه الله تعالى، وأخبرته أني قرأته جميعاً على الشيخ الصالح العابد الناسك شرف الدين أبي عمران موسى بن مُرّ بن رماح الغزولي الحنفي الدمشقي الزُبَيْدي منسوب إلى القبيلة المعروفة ﵀، وقد قَدِمَ علينا ديارنا إلى تعز المحروس من البلاد اليمنية في خامس ربيع الأول سنة ٧٩٥ وتم ذلك في ثلاثة وعشرين مجلساً آخرُها يوم الخميس ثاني وعشرين شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، ومولده في سنة ٧٤١ وتوفي عندنا في تعز المحروس في المدرسة المجاهدية في ليلة الأحد من شهر جمادى الأولى سنة ٧٩٥ وكأنه لم يصل إلينا إلا لنأخذ طريقَ
стр. 28
الحجاز عنه محققة فلله الحمد. ووالدي ﵀ وآخرون قالوا: أخبرنا بالجامع الصحيح المذكور الذي هو أصح الكُتُبِ بعدَ القرآن العزيز عند جماهير العلماء الشيخ الصالحُ الكبيرُ ملحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد بعد أن استدعي به إلى مدينة دمشق المحروسة أبو العباس أحمد ابن أبي طالب نعمة بن أبي النِعَم بن علي بن حسن بن بيان عُرف بابن الشِّحِنة الحجار وهو المُعَمّرُ الذي أجمع علماءُ مصر والشام على الأخذ عنه لقرب سنده، وعلوِّ مشايخه، ومولده سنة ٦٢٤، وفاته في خامس وعشرين صفر من سنة ٧٣٠ وبلغ عمره ١٠٦ رحمه الله تعالى، قال: أنا الشيخ الصالح الحسين بن المبارك بن عمران بن المُسلم الزَبيدي بفتح الزاي، ومات في صفر سنة ٦٣١، ومولده في سنة ٥٤٥، قال: أنا الشيخ الصالح أبو الوقت عبد الأول بن علي بن شعيب الصوفي الهروي السِّجزي ولد في سابع ذي القعدة في سنة ٤٥٨ وماتت في ذي القعدة سنة ٥٥٣ قال: أنا الشيخ الفقيه أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداوودي الشافعي، ولد في شهر ربيع الآخر سنة ٣٦٤. ومات في شوال سنة ٤٦٩ قال: أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه الحموي السرخَسِي، ومولده في سنة ٢٩٣ ومات في ذي القعدة (١) لليلتين بقيتا منه سنة ٣٨١ قال: أنا الشيخ الصالح محمد بن يوسف بن مطر الفربري بفَربرْ، وولد في سنة ٢٣١ ومات سنة ٣٢٠ قال: أنا الشيخ الإمامُ الحافظُ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجُعفي مولاهم، ومولده بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة ١٩٤، وتوفي
стр. 29
في ليلة السبت هي ليلة الفطر بعدَ صلاة العشاء وذلك سنة ٢٥٦.
قلت: فبيني وبين البخاري سبعة رجال وللمجاز له ثمانية رجال، وهذا غايةُ العلو في وقتنا، قال مشايخنا: ليس على وجه الأرض أعلى من هذا السند، وإنما كان كذلك، لأن كلاً من المشايخ عُمر مائة أو قريباً منها أو زيادة عليها.
قلتُ (١): هو كما قال النفيسُ العلوي فإني قد وقفت على إجازه الفقيه العالم المحدث شهاب الدين أحمد بن سليمان الأوزري الصَعدي للإمام الأعظم أمير المؤمنين الناصر لدين الله محمد بن علي بن محمد بن علي ابن منصور بن يحيى بن منصور بن المفضَّل كتب الحديث فوجدتُ هذه الإجازة أعلى إسناداً وأقدم ميلاداً، فإن بينَ الفقيه الأوزري وبين البخاري أحدَ عشرَ رجلاً، وللمجاز له اثنى عشر رجلاً، وطريق الفقيه أحمد الأوزري -نفع الله به- طريق الفقهاء بني مُطَيْر، وقد حققتُ ذلك، فوجدته كذلك، وكذلك وقفت على إجازة الأوزري ﵀ لحي السيد العلامة جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم الهادوي رحمه الله تعالى، فوجدتُ بينَ الفقيه الأوزري وبين البخاري أحد عشر رجلاً، وبين المجاز له وبين البخاري اثني عشر رجلاً وهذا سندٌ صحيح منه إلى البخاري والله أعلم.
قال: ولي في الحجاز مشايخ كثيرون.
وأجزته أيضاً رواية صحيح مسلم بن الحجّاج بن مسلم بن الورد ابن شاهنشاه القشيري، ورواية سنن الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السِّجستاني، ورواية جامع الإمام أبي عيسى بن محمد بن عيسى بن سورة
стр. 30
ابن سلمة من الضحاك الترمذي، وكتابه الشمائل، ورواية سنن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي، وصحيح أبي حاتِم بن حبان، وابن خُزيمة، ومسند الشافعي، وأبي حنيفة، وغير ذلك. وسمع من لفظي " الأربعين " للإمام الحافظ القطب أبي زكريا يحيى بن شرف النووي في مجلس واحد وأجزته بحق سماعه لذلك من لفظه هو وصاحبه صالح المذكور بروايتي لها قراءة على شيخي الإمام موفق الدين علي بن أبي بكر بن محمد بن شداد بروايته عن جبريل عن الحريري عن المؤلف، وأجزت الشريف المذكور رواية جميع ما أرويه من سائر العلوم الدينية، فليروِ ذلك عني موفقاً مسدداً بتاريخ يوم الثلاثاء ثامن شهر ذي القعدة سنة ٨٠٦ وكان ذلك في منزلي من مدينة تعز المحروس حرسها الله تعالى.
وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى سليمان بن إبراهيم بن عمر بن علي العلوي الحنفي خادم السنة النبوية، لطف الله به وغفر له وتاب عليه وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وحسبُنا اللهُ ونعم الوكيلُ.
رحلته إلى مكة المشرفة
كما رحل إلى مكة المكرمة مرتين، إحداهما سنة ٨٠٧ هـ، فأخذ فيها على قاضي القضاة محمد بن عبد الله بن ظهيرة الشافعي، فلما رأى مكانته العلمية وجلال قدره، وعِظَمَ محله، قال له: ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي، فأجاب عليه: وقال: سبحان الله أيها القاضي إنه لو كان يجوز لي التقليد، لم أعدل عن تقليد الإمام القاسم بن إبراهيم أو حفيده الهادي.
وأخذ في مكة عن الشيخ نجم الدين محمد بن أبي الخير القُرَشي
стр. 31
الشافعي، والشيخ زين الدين محمد بن أحمد الطبري، والشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم المعروف بأبي اليُمن الشافعي، والشيخ علي بن مسعود ابن علي بن عبد المعطي الأنصاري المالكي، والشيخ المُعمَّر أبي الخير بن الحسين بن الزين بن محمد بن محمد القطب القسطلاني المكي، والشيخ علي بن أحمد بن سلامة السلمي المكي الشافعي، وجار الله بن صالح الشيباني، والشريف أحمد بن علي الحُسَيني الشهير بالفاسي، فهؤلاء الثمانية وعلى رأسها ابن ظهيرة كانوا أشهر علماء مكة في ذلك الوقت، وقد أجازوا للسيد محمد كل ما يجوز لهم روايتُهُ من كتب الفقه والحديث والتفسير والسير واللغة والعربية والمعاني والبيان والأصول الفقهية، وكتب الكلام على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وذلك بشروط الإجازات المعروفة المشهورة (١) وكانت هذه الإجازات في مكة المشرفة في أيام الحج المفضلة سنة ٨٠٧ هـ.
ولما انقطع الإمام محمد بنُ إبراهيم الوزير للكتاب والسنة، واشتغل بعلومهما، وامتلأت جوانِحُه بحُبِّهما أنشأ سنة ٨٠٨ قصيدة دالية طويلة يفخر ويعتز بتمسكه بهما وحدَهما، وبحبه لرسول الله ﷺ فقال:
ظَلت عَواذِلُه تَروح وَتَغْتدي ... وَتعيد تعنِيفَ المُحِبِّ وتَبْتَدِي
واللوْمُ لَا يَثني المحِبَّ عَنِ الهَوَى ... ويَزيدُ تَوليعَ الفُؤَادِ المُعمَدِ
إنَّ المُحِبَّ عن المَلامَةِ في الهوَى ... في شَاغِل لولا اللوائِمُ يَغْتَدي
ألهى المُحِبَّ عن الملام وَصَدِّه ... بينَ الجوَانِحِ لوعَةٌ لم تَبْردِ
وَخُفوقُ قلْبٍ لا يقرُّ قَرَارُه ... وسُفُوحُ دمعٍ صَوْبُه لَمْ يَجْمَدِ
стр. 32
قُلْ للعذُولِ: أفِقْ فلسْت بمُنتَهٍ ... عَنْ حُبِّ أكمَل مَنْ تحلى فابعَدِ
لو لُمتنِي في الغَوْر لَمْ أشتقْ إلى ... شطيهِ أو في نَجْدِهِمْ لَم أُنجِدِ
أوْ كان لَوْمُكَ في التصَابِي مَا صَبا ... قَلبي، ولا غلبَ الغَرَام تجلدِي
أو لمْتَنِي في اللهو لَم أطْرب إلى ... نغمِ الغناءِ مِن الغَرِيضِ ومَعْبدِ
أوْ لُمْتني في المَال لَم يَسْتَهْوني ... نظَرُ اللُّجَيْنِ ؤلاَ نُضَار العسْجَد
أوْ لُمْتنِي فِي غَيْرِ حُبَّ مُحَمدٍ ... لَحَسبْتَ أنكَ بالنصِيحَة مُرْشِدِي
أو لَو أريت مَحَبة مثلاً لَهُ ... لِلمُهتدِي والمُرْتَجي والمُجْتدي
يهْديه أوْ يُجْديه أو يُغنِيه عَنْ ... نُور الرسُولِ الصادعِ المُتوقدِ
هَيهات ما ابْتهج الوُجودُ بِمثلِهِ ... فَدعِ اللجاجَ فَمِثلُه لمْ يُوجَدِ
يَا صَاحبى على الصبابَة في الهَوى ... منْ مِنْكُمَا في حُب أحْمد مُسْعِدِي؟
حَسبِي بأني قدْ شُهِرتُ بحُبِّهِ ... شَرَفاً بِبُرْدَتِه الجَميلة أرتدِي
لِي باسْمِه وَبِحُبهِ وبقُرْبِهِ ... ذِمَمٌ عظَامٌ قَدْ شَدَدْتُ بها يدي
وَمحمد أوْفى الخَلائقِ ذمةً ... فلْتَبْلُغَنَّ بِي الأمانِي في غَدِ
يا قلْبُ لا تَسْتبعِدَنَّ لقَاءَه ... ثِقْ باللقَاءِ وبالْوَفَا فكَأنْ قدِ
يا حَبذَا يَوْمُ القيامَة شُهْرتي ... بيْنَ الخلائق في المَقَام الأحْمَدِ
بِمَحَبتي سُنَنَ الرسُولِ وإنَّني ... فيهَا عَصَيْتُ مُعَنِّفِي ومُفَندي
وَتركْت فيهَا جِيرَتِي وَعشيرَتي ... ومَحَل أترَابِي وَموضِع مولدِي
فَلأَشكُوَن علَيه شكوى موجِعٍ ... مُتَظلًمٍ مُتَجرم مسْتنْجِدِ
مما لقيتُ مِنَ المتاعِبِ والأذَى ... في حبه من ظَالِمِي وحُسَّدي
وأقولُ: أنْجدْ صادِقاً في حُبه ... منْ يُنجِدُ المَظلُومَ إن لم يُنجدِ؟
إني أحِب محَمداً فَوْق الورى ... وَبِهِ كَمَا فَعلَ الأوائِلُ أقتَدِي
فقَدْ انْقَضَتْ خَيْرُ القُرونِ وَلمْ يَكنْ ... فِيهِم بغَيْرِ مُحَمد منْ يهْتدي
وأُحِب آلَ مُحَمدٍ نَفسي الفِدى ... لهُم فما أحدٌ كآل مُحمَّدِ
وإمام (١) بغداد تَوَدَّدَ أَنَّهُ ... لَم يَعرِفِ التدقِيقَ أيَّ تَوَدُّدِ
وابنُ الخَطِيب (٢) وَحُجَّة الإسلامِ (٣) قَدْ ... خَمَدَا وَنَارُ ذَكاهُمَا لَمْ تَخْمُدِ
تَابَا وَلكنْ بَعدَ أَن سَلاَّ عَلَى الـ ... إسلامِ سيفاً مَا أرَاهُ يُغْمَدِ
وَبِذَا اكْتَفَى آلُ الرسُولِ ومَنْ ثَوَى ... عنْد الحَجونِ وفي بقِيعِ الغَرْقَدِ
وَكذَا الصحَابَةُ والذِينَ يَلُونَهُمْ ... سَلْ كُل تارِيخٍ بذَاكَ وَمُسْنَدِ
وَكذَلِكَ الفقَهَاءُ قالوا وَامتحِنْ ... قَوْلي وسَل كُتُبَ الترَاجِمِ وانْقُدِ
مَا كنْتُ بِدْعاً في الذِي قَدْ قُلتُهُ ... يا لائمي فَدَعِ الغَوَاية تَرْشُدِ
وإذَا أبَيْتَ وكُنتَ لا تَدري فقُمْ ... عنْ مَجْلِسِ العُلَمَا وَقِفْ بِالمِربَدِ
فَلأجْهَرَنَّ بِما عَلِمتُ فإنْ أعِشْ ... أنصَحْ وإن أقضِي فغَيرُ مُخَلَّدِ
هذَا ومَا اختَرْت العتيق لِحيرتي ... في الغَامِضَاتِ، ولا لِفَرْطِ تَبلُّدِ
فأنَا الذِي أفْنَيتُ شرْخَ شَبيبَتِي ... في بَحثِ كُلِّ مُحَقق وَمُجَوِّدِ
والإفتِخَارُ مَذَمَّةٌ منِّي فسَلْ ... عَنِي المَشَايخَ فَالمَشَايِخُ شُهَّدِي
وإذَا أتتْكَ مَذمتِي مِنْ نَاقِصٍ ... فَافهم فَتِلكَ كنَايَةُ عَنْ سُؤدُدي
وإذَا شككتَ بأنَّ تِلك فَضِيلةٌ ... فاسْتَقْرِ -وَيْحَكَ- وَصفَ كُلِّ مُحَسَّدِ
فلِحُسَّدِي مَا في الضَّمَائِر مِنهُمُ ... أبَداً وَلي مَا هُمْ عَلَيهِ حُسَّدِي
وقد انتقده شيخُه علي بن محمد بن أبي القاسم على ما ورد فيها متحاملاً عليه، ومشنِّعاً به، فَرَدَّ عليه الهادي بن إبراهيم الوزير مدافعاً ومحتملاً ومتأولاً لأخيه، ومصححاً لشيخه أوهامه وظنونَه في أخيه، وسمى رده " الجواب الناطق بالحق اليقين الشافي لصدور المتقين " وقال بعدَ الخطبة: وبعد: فإني لما وقفتُ على ما ذكره السيدُ الإمام العلامة جمالُ
стр. 37
الإسلام، رباني العِترة الكرام، وسلالة الأئمة الأعلام عليُّ بن محمد بن أبي القاسم، أبقاه الله غُرَّةً شادِخة في الأنام، وذِروة باذِخَةً على مرور الأيام في جوابه على تلميذه وولدِه الصَّنو محمد بنِ إبراهيم (الوزير) في نقضه لما انتزعه مِن قصيدته التي أشار فيها إلى عقيدته، وجدته -أيده الله- قد نسب إلى محمد في بعض ما ذكره ما لم يَقُلْه، وَفَهِمَ من أبياته ما لم يقصده، وقد أطلق المحققون من الأصوليين أن الفهم شرطُ التكليف، وإليه ذهب بعضُ القائلين بجواز التكليف بالمستحيل، وقد نصَّ على ذلك ابن الحاجب في " منتهى السول " فكيف لا يشترط ذلك في جواز كمال التكليف، ومن حق الجواب أن يكون لِما ورد عليه مطابقاً، ولما سيق من أجله موافقاً، وأن لا يؤاخذ بمفهوم الخطاب، ولا يقطع بوهمٍ يُخالِفُ الصواب، فإن مِن حق الناقض لكلام غيرِه أن يفهمه أولاً، ويعرف ما قصد به ثانياً، ويتحقق معنى مقالته، ويتبين فحوى عبارته، فأما لو جمَعَ لخصمه بَيْنَ عدم الفهم لقصده، والمؤاخذة له بظاهر قوله، كان كمن رمى فأشوى، وخَبَطَ خَبْطَ عشوا. ثم إن نَسَب إليه قولاً لم يعرفه، وحمَّله ذنباً لم يقترِفْه، كان ذلك زيادةً في الإقصا، وخلافاً لِما بِهِ الله تعالى وَصَّى، قال تعالى: ﴿وَإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أمَرَ ربِّي بالقِسْطِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمِنكُم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لاَ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقوى﴾ إلى أمثالها من الآيات.
وكانت قصيدة محمد قد اشتملت على أشياء أجبتها، وكلامات نقضتها بكلام جُمْلي (١) لأن الشعر لا يحتمل أكثر من ذلك. ولما عدل السيد أيده الله إلى نقضها بكلامه، وأفاض عليها سَجْلا من علمه، وكان
стр. 38
في شيء من ذلك ما ذكرته، رأيت أن أذكر ما ذكره السيد العلامة جمال الدين من الأبيات وأعقبها بما نقضها به أيده الله من الإشارات، ثم أذكر من كلام محمد ما يشهد له بالنزاهة عن القول الباطل، وأرسم من الوساطة بالحق ما يميز بين الحالي والعاطل، وأحمل كلام السيد جمال الدين أيَّده الله على السلامة في جميع أحواله وأنظم ما صدر منه في سلك الفوائد المنتزعة من علومه وأقواله غير أن الأوهام قد تقع، وماء اليقين لصداء النفوس ينقع، والله الهادي إلى الصواب، والموفق لإصابة الحق في المبتدأ والجواب.
ومن أمثلة اعتراضات علي بن محمد بن أبي القاسم على الإمام محمد بن إبراهيم الوزير ما رواه الهادي بن إبراهيم بقوله: قال السيد جمال الدين: ثم إنه قال -يعني محمداً- هو على دين أهل البيت، وأهل البيت ينزهون الله تعالى من شُبه المحدثات ومن قبائح العباد ومن إخلاف الوعيد ويرون أن من خالفهم في هذه المسائل ضال مخطىء، ثم اختلفوا في كفره فأكثرهم كَفَّره، ومنهم من توقف في كفره، وقطع بخطئه فإذا كان هذا اعتقادَهم وصاحبُ هذا الشعر يزعم أنه يُوافقهم، فكيف يقدم رواية هؤلاء الذين هم فساقُ تأويل، أو كفار تأويل على رواية أهل التوحيد والعدل (١)، ولم يقل أحد من هذه الأمة بهذا، والمخالف لنا منهم يقول: إنهم أهلُ الحق، ونحن على الباطل فلذلك قدم روايتهم. واعلم أنه لا بد من أحد أمرين: إما أن تُرَد رواية هؤلاء المبتدعين القائلين بالجبر والتشبيه عند معارضة أهل التوحيد والعدل، وإما أن نقول: بأن الحق معهم، والنافي للتشبيه والجبر هو المبتدع.
الجواب: أن هذه الجملة التي أوردها السيد جمال الدين مفتقرة إلى
стр. 39
إقامة البرهان، وإلا كانت دعوى بغير بيان، لأنه نسب إلى محمدٍ جميع أقاويل الجبرية، وعزا إليه القول بمذاهبهم الفرية، وعدد منها ما أعتقد براءة محمد منه جملة وتفصيلاً وتحقيقاًً وتأويلاً، فحال السيد في هذه المقالات التي ذكرها وإلى محمد نسبها، إما أن يكون علمها من محمد علماً يقيناً، أو يكون وهمها فيها ظناً وتخميناً، فإن كان الأول أظهر ما عنده في ذلك حتى يعرف الصحيح من السقيم، ويتضح المعوج من المستقيم.
فأما مجرد البهت الصراح، فلا يليق بذوي الصلاح.
وقول السيد: وصاحب هذا الشعر يزعم أنه يُوافقهم، فكيف يقدم رواية فساق التأويل وكفار التأويل على رواية أهل التوحيد والتعديل؟ قد تقدم الكلام في جواز رواية فاسق التأويل وكافره بما لا فائدة في إعادته، وأما أن محمداً يقدمها على رواية أهل التوحيد والعدل، فليس الأمر كما ذكره السيد جمال الدين، بل ما من مسألة أخذ بها محمد في الفروع إلاَّ ولها قائل من أهل البيت ﵈، وجملتها فيما علمت ست مسائل:
أولها: التوجه بعد التكبير قال به المؤيد في جماعة من أهل البيت، وفيهم يحيى بن حمزة.
وثانيها: تربيع التكبير في أول الأذان قال به طائفة من أئمة العترة، وهم زيد بن علي، والنفس الزكية، والباقر، والصادق في رواية، وأحمد بن عيسى، والناصر الكبير، والمؤيد بالله، ويحيى بن حمزة.
وثالثها: الإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم في الجهريات، فعند الناصر والمؤيد بالله أن الجهر والمخافتة هيئة لا تفسد الصلاة، وقال زيد ابن علي وأبو عبد الله الداعي: إن الجهر سنة يوجب تركه سجود السَّهو،
стр. 40
وبه قال المنصور بالله في من ترك الجهر في الصلاة في القراءة المجهور بها قال: أكثر ما يجب عندنا سجود السهو. قال المؤيد بالله: يجب الجهر ببسم الله الرَّحمن الرحيم في الصلاه الجهرية فإن ترك الجهر، لم تبطل صلاته.
ورابعها: التشهد المروي عن النبي ﵌ وهو " التحيات لله والصلوات الطيبات " الخ. وهي رواية المنتخب، وبه قال المؤيد بالله وغيره من أهل البيت ﵈، وقال القاسم والمؤيد بالله: أي تشهد يتشهد به المصلي مما ورد به الأثر، فهو جائز، وهي تشهدات أربعة كلها مأثورة.
وخامسها: القنوت بعد القراءة وقبل الركوع، وبهذا قال زيد بن علي، وأحمد بن عيسى والباقّر وغيرهم وهو اختيار الإمام يحيى بن حمزه.
وسادسها: وضع اليد على اليد قوق السُّرَة، ومذهب الشافعي على الصدر.
فهذه جملة المسائل التي ذكر أن محمداً خالف بها إجماع أهل البيت ﵈، وأنه قدم فيها رواية أهل التشبيه والجبر على رواية أهل التوحيد والعدل، وما من مسألة من هذه المسائل إلاَّ وقد قال بها من ذكرناه من عيون أئمه الزيدية والعترة النبوية.
وأما غيرها من مسائل الاعتقاد فما علمت أن محمداً خالف فيها مذهب الزيدية وأئمة العترة النبوية.
كما أجاب على أخيه محمد بقصيدة مماثلة في الوزن والروي يثني عليه، ويحثه على الرجوع إلى المذهب الزيدي والتمسك به وهذا نصها:
عَجِلَتْ عَوَاذِلُه وَلَم تَتَأيِّد ... وَجَنَتْ عَلَيْهِ جِنَايَة المُتَعَمِّدِ