وإمام (١) بغداد تَوَدَّدَ أَنَّهُ ... لَم يَعرِفِ التدقِيقَ أيَّ تَوَدُّدِ
وابنُ الخَطِيب (٢) وَحُجَّة الإسلامِ (٣) قَدْ ... خَمَدَا وَنَارُ ذَكاهُمَا لَمْ تَخْمُدِ
تَابَا وَلكنْ بَعدَ أَن سَلاَّ عَلَى الـ ... إسلامِ سيفاً مَا أرَاهُ يُغْمَدِ
وَبِذَا اكْتَفَى آلُ الرسُولِ ومَنْ ثَوَى ... عنْد الحَجونِ وفي بقِيعِ الغَرْقَدِ
وَكذَا الصحَابَةُ والذِينَ يَلُونَهُمْ ... سَلْ كُل تارِيخٍ بذَاكَ وَمُسْنَدِ
وَكذَلِكَ الفقَهَاءُ قالوا وَامتحِنْ ... قَوْلي وسَل كُتُبَ الترَاجِمِ وانْقُدِ
مَا كنْتُ بِدْعاً في الذِي قَدْ قُلتُهُ ... يا لائمي فَدَعِ الغَوَاية تَرْشُدِ
وإذَا أبَيْتَ وكُنتَ لا تَدري فقُمْ ... عنْ مَجْلِسِ العُلَمَا وَقِفْ بِالمِربَدِ
فَلأجْهَرَنَّ بِما عَلِمتُ فإنْ أعِشْ ... أنصَحْ وإن أقضِي فغَيرُ مُخَلَّدِ
هذَا ومَا اختَرْت العتيق لِحيرتي ... في الغَامِضَاتِ، ولا لِفَرْطِ تَبلُّدِ
فأنَا الذِي أفْنَيتُ شرْخَ شَبيبَتِي ... في بَحثِ كُلِّ مُحَقق وَمُجَوِّدِ
والإفتِخَارُ مَذَمَّةٌ منِّي فسَلْ ... عَنِي المَشَايخَ فَالمَشَايِخُ شُهَّدِي
وإذَا أتتْكَ مَذمتِي مِنْ نَاقِصٍ ... فَافهم فَتِلكَ كنَايَةُ عَنْ سُؤدُدي
وإذَا شككتَ بأنَّ تِلك فَضِيلةٌ ... فاسْتَقْرِ -وَيْحَكَ- وَصفَ كُلِّ مُحَسَّدِ
فلِحُسَّدِي مَا في الضَّمَائِر مِنهُمُ ... أبَداً وَلي مَا هُمْ عَلَيهِ حُسَّدِي
وقد انتقده شيخُه علي بن محمد بن أبي القاسم على ما ورد فيها متحاملاً عليه، ومشنِّعاً به، فَرَدَّ عليه الهادي بن إبراهيم الوزير مدافعاً ومحتملاً ومتأولاً لأخيه، ومصححاً لشيخه أوهامه وظنونَه في أخيه، وسمى رده " الجواب الناطق بالحق اليقين الشافي لصدور المتقين " وقال بعدَ الخطبة: وبعد: فإني لما وقفتُ على ما ذكره السيدُ الإمام العلامة جمالُ
стр. 37
الإسلام، رباني العِترة الكرام، وسلالة الأئمة الأعلام عليُّ بن محمد بن أبي القاسم، أبقاه الله غُرَّةً شادِخة في الأنام، وذِروة باذِخَةً على مرور الأيام في جوابه على تلميذه وولدِه الصَّنو محمد بنِ إبراهيم (الوزير) في نقضه لما انتزعه مِن قصيدته التي أشار فيها إلى عقيدته، وجدته -أيده الله- قد نسب إلى محمد في بعض ما ذكره ما لم يَقُلْه، وَفَهِمَ من أبياته ما لم يقصده، وقد أطلق المحققون من الأصوليين أن الفهم شرطُ التكليف، وإليه ذهب بعضُ القائلين بجواز التكليف بالمستحيل، وقد نصَّ على ذلك ابن الحاجب في " منتهى السول " فكيف لا يشترط ذلك في جواز كمال التكليف، ومن حق الجواب أن يكون لِما ورد عليه مطابقاً، ولما سيق من أجله موافقاً، وأن لا يؤاخذ بمفهوم الخطاب، ولا يقطع بوهمٍ يُخالِفُ الصواب، فإن مِن حق الناقض لكلام غيرِه أن يفهمه أولاً، ويعرف ما قصد به ثانياً، ويتحقق معنى مقالته، ويتبين فحوى عبارته، فأما لو جمَعَ لخصمه بَيْنَ عدم الفهم لقصده، والمؤاخذة له بظاهر قوله، كان كمن رمى فأشوى، وخَبَطَ خَبْطَ عشوا. ثم إن نَسَب إليه قولاً لم يعرفه، وحمَّله ذنباً لم يقترِفْه، كان ذلك زيادةً في الإقصا، وخلافاً لِما بِهِ الله تعالى وَصَّى، قال تعالى: ﴿وَإذَا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أمَرَ ربِّي بالقِسْطِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمِنكُم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لاَ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقوى﴾ إلى أمثالها من الآيات.
وكانت قصيدة محمد قد اشتملت على أشياء أجبتها، وكلامات نقضتها بكلام جُمْلي (١) لأن الشعر لا يحتمل أكثر من ذلك. ولما عدل السيد أيده الله إلى نقضها بكلامه، وأفاض عليها سَجْلا من علمه، وكان
стр. 38
في شيء من ذلك ما ذكرته، رأيت أن أذكر ما ذكره السيد العلامة جمال الدين من الأبيات وأعقبها بما نقضها به أيده الله من الإشارات، ثم أذكر من كلام محمد ما يشهد له بالنزاهة عن القول الباطل، وأرسم من الوساطة بالحق ما يميز بين الحالي والعاطل، وأحمل كلام السيد جمال الدين أيَّده الله على السلامة في جميع أحواله وأنظم ما صدر منه في سلك الفوائد المنتزعة من علومه وأقواله غير أن الأوهام قد تقع، وماء اليقين لصداء النفوس ينقع، والله الهادي إلى الصواب، والموفق لإصابة الحق في المبتدأ والجواب.
ومن أمثلة اعتراضات علي بن محمد بن أبي القاسم على الإمام محمد بن إبراهيم الوزير ما رواه الهادي بن إبراهيم بقوله: قال السيد جمال الدين: ثم إنه قال -يعني محمداً- هو على دين أهل البيت، وأهل البيت ينزهون الله تعالى من شُبه المحدثات ومن قبائح العباد ومن إخلاف الوعيد ويرون أن من خالفهم في هذه المسائل ضال مخطىء، ثم اختلفوا في كفره فأكثرهم كَفَّره، ومنهم من توقف في كفره، وقطع بخطئه فإذا كان هذا اعتقادَهم وصاحبُ هذا الشعر يزعم أنه يُوافقهم، فكيف يقدم رواية هؤلاء الذين هم فساقُ تأويل، أو كفار تأويل على رواية أهل التوحيد والعدل (١)، ولم يقل أحد من هذه الأمة بهذا، والمخالف لنا منهم يقول: إنهم أهلُ الحق، ونحن على الباطل فلذلك قدم روايتهم. واعلم أنه لا بد من أحد أمرين: إما أن تُرَد رواية هؤلاء المبتدعين القائلين بالجبر والتشبيه عند معارضة أهل التوحيد والعدل، وإما أن نقول: بأن الحق معهم، والنافي للتشبيه والجبر هو المبتدع.
الجواب: أن هذه الجملة التي أوردها السيد جمال الدين مفتقرة إلى
стр. 39
إقامة البرهان، وإلا كانت دعوى بغير بيان، لأنه نسب إلى محمدٍ جميع أقاويل الجبرية، وعزا إليه القول بمذاهبهم الفرية، وعدد منها ما أعتقد براءة محمد منه جملة وتفصيلاً وتحقيقاًً وتأويلاً، فحال السيد في هذه المقالات التي ذكرها وإلى محمد نسبها، إما أن يكون علمها من محمد علماً يقيناً، أو يكون وهمها فيها ظناً وتخميناً، فإن كان الأول أظهر ما عنده في ذلك حتى يعرف الصحيح من السقيم، ويتضح المعوج من المستقيم.
فأما مجرد البهت الصراح، فلا يليق بذوي الصلاح.
وقول السيد: وصاحب هذا الشعر يزعم أنه يُوافقهم، فكيف يقدم رواية فساق التأويل وكفار التأويل على رواية أهل التوحيد والتعديل؟ قد تقدم الكلام في جواز رواية فاسق التأويل وكافره بما لا فائدة في إعادته، وأما أن محمداً يقدمها على رواية أهل التوحيد والعدل، فليس الأمر كما ذكره السيد جمال الدين، بل ما من مسألة أخذ بها محمد في الفروع إلاَّ ولها قائل من أهل البيت ﵈، وجملتها فيما علمت ست مسائل:
أولها: التوجه بعد التكبير قال به المؤيد في جماعة من أهل البيت، وفيهم يحيى بن حمزة.
وثانيها: تربيع التكبير في أول الأذان قال به طائفة من أئمة العترة، وهم زيد بن علي، والنفس الزكية، والباقر، والصادق في رواية، وأحمد بن عيسى، والناصر الكبير، والمؤيد بالله، ويحيى بن حمزة.
وثالثها: الإسرار ببسم الله الرحمن الرحيم في الجهريات، فعند الناصر والمؤيد بالله أن الجهر والمخافتة هيئة لا تفسد الصلاة، وقال زيد ابن علي وأبو عبد الله الداعي: إن الجهر سنة يوجب تركه سجود السَّهو،
стр. 40
وبه قال المنصور بالله في من ترك الجهر في الصلاة في القراءة المجهور بها قال: أكثر ما يجب عندنا سجود السهو. قال المؤيد بالله: يجب الجهر ببسم الله الرَّحمن الرحيم في الصلاه الجهرية فإن ترك الجهر، لم تبطل صلاته.
ورابعها: التشهد المروي عن النبي ﵌ وهو " التحيات لله والصلوات الطيبات " الخ. وهي رواية المنتخب، وبه قال المؤيد بالله وغيره من أهل البيت ﵈، وقال القاسم والمؤيد بالله: أي تشهد يتشهد به المصلي مما ورد به الأثر، فهو جائز، وهي تشهدات أربعة كلها مأثورة.
وخامسها: القنوت بعد القراءة وقبل الركوع، وبهذا قال زيد بن علي، وأحمد بن عيسى والباقّر وغيرهم وهو اختيار الإمام يحيى بن حمزه.
وسادسها: وضع اليد على اليد قوق السُّرَة، ومذهب الشافعي على الصدر.
فهذه جملة المسائل التي ذكر أن محمداً خالف بها إجماع أهل البيت ﵈، وأنه قدم فيها رواية أهل التشبيه والجبر على رواية أهل التوحيد والعدل، وما من مسألة من هذه المسائل إلاَّ وقد قال بها من ذكرناه من عيون أئمه الزيدية والعترة النبوية.
وأما غيرها من مسائل الاعتقاد فما علمت أن محمداً خالف فيها مذهب الزيدية وأئمة العترة النبوية.
كما أجاب على أخيه محمد بقصيدة مماثلة في الوزن والروي يثني عليه، ويحثه على الرجوع إلى المذهب الزيدي والتمسك به وهذا نصها:
عَجِلَتْ عَوَاذِلُه وَلَم تَتَأيِّد ... وَجَنَتْ عَلَيْهِ جِنَايَة المُتَعَمِّدِ
стр. 41
ما سُرْعَةُ العَذْلِ المُعوَّج نَهْجُه ... مِنْ سُنة العدْلِ القَوِيم الموْرِد
شيآن ما أعيا الأنام سواهما ... لوم البري وتهمة المتودد
وأخُو الهُدَى مسْدُودَةٌ أسْماعُهُ ... لا يَرْعوي لمقامِ كلِّ مُسَددِ
سدِّدْ كلامك في إصابةِ رَأيِهِ ... أو لا يقع في مَسْمَع مُتَبَدِّد
يا عاذلي فِي حُبِّ آل مُحَمَّدٍ ... دَعْ ما تَقولُ فأنت غيْرُ مُحمدِ
لو كُنْتَ تعْذلُ في مَحَبَّةِ غَيْرهِمْ ... لَعَلِمْتُ أنكَ بالنصيحَةِ مُرْشِدِي
أأحبهم وأُحِبَّ غَيْرَ طَرِيقهِم ... هذا المُحالُ منَ المقَالِ الأبعد
منْ مال عنْهُم لم يَكن مِنْهُم، وسلْ ... أَهل المعَارف والطريقِ الأرشَد
أَنَا منْهُم في فِعْلِهمْ وَمقالِهِمْ ... يَا شَاهدَ اللهِ المُهيْمِن فَاشْهدِ
حبي لَهُم فَرْضٌ وحُبي جدّهُم ... مَجْد وَصَلْتُ فريضَتي بِتَهجْدِ
لا رَيْبَ في حُبِّ النبي لِمُسْلِمٍ ... إذْ كانَ ذلِك أصْل دين محَمدِ
فاخصص بحبك آله متقربا ... بهم إليه وحبهم فتزود
لم يسأل الرحمن إلا وِدَّهم ... أجراً على الإبلاغ منه لأحمد
ما ذاكَ إلا أن حُبَّ مُحَمَّدِ ... شرْع لَه في الناسكِ المُتعبدِ
جَمَعَ الطوائِفَ حُبه وَتَفرَّقوا ... في حُبِّ عتْرته بِغيْر تَرَددِ
فاجْعَل وِدادَك حُبَّ ما افترقُوا تُصِبْ ... نَهْجاً مُعَبدةً بغيرِ مُعبدِ
ومُحَمَّد وافي إليَّ نظَامَهُ ... كالدْرِ في عُنُق الغَزَال الأغْيَدِ
رتب محاسنه بِرِقَّه شوقِ منْ ... أهداه في طَلَب الحدِيث المُسْندِ
وأفادَ عين كماله وجمالِه ... مَرْهى، ولما تكتحل بالإثمد
ما كانَ أحوج ذا الكمال إلى الذي ... فيه من العيب اتقاء الحُسَّدِ
لما تَنَحَّى عن محجَّة أهلِه ... ومشى على الطُّرقات مشي الأصْيدِ
أأخي وقُوَّة ناظرِي ومُشارِكي ... في أصله ومحله والمَولِد
أَخَوَانِ إلا أنَّ هذا قد عَتَا ... كبراً وهذا في الشباب الأمْلَدِ
стр. 42
ولد صغيرٌ في حَدَاثَةِ سِنِّه ... وأخ كبيرٌ في العلا والسؤْدُدِ
أربَى عليَّ براعةً وبلاغةً ... وأكل مِذودُه المفوَّه مذودي
قد زادني علماً فتلكَ وسِيلَةٌ ... لِلرَّاغبين فإنْ تَجِدهَا فَاْزدد
وأفادني مِنْ علمه وبيانه ... حُسنَ الإفادةِ فاستفدْه وأسنِدِ
أبنيَّ إن ناديتُه لِتلطفٍ ... وأخَيَّ إن ناجيتُه لِتَجَلُّدِ
مالي أراك وأنتَ صفوةُ سادةٍ ... طابت شمائلهم لطيب المحْتدِ
تمتازُ عنهم في مآخذ علمهم ... وهُمُ الذين علومُهم تُروي الصَّدي
اخذُوا مباني علمهم وأصولَه ... عَنْ أهلهم مِن سيدٍ عن سيِّد
سند عن الهادي وعن آبائه ... لا عن كلام مُسَدَّدٍ بنِ مُسَرهد
سند عن الآباء والأجدداد في ... أحكامهم وفنونهم والمفرد
وكذاك في التجريد والتحرير والتـ ... ـعليق والمجموع ثُم المرشدِ
لهم من التصنيف ألفُ مصنّفٍ ... ما ببنَ علم سابق ومجدّد
قد قلتَ في الأبيات قولاً صادقا ... ولقد صدقتَ وكنت غيرَ مُفَندِ
هُمْ باب حطةَ والسفينةُ والهدى ... فيهم وهُمْ للظالمين بمرصدِ
وهم الأمان لكلِّ من تحت السما ... وجزاء أحمد ودُهُم فَتَوَدَّدِ
والقوم والقرآن فاعْرِفْ قدرهُم ... ثقلانِ للثقلين نص محمد
وَكَفَى لَهُم شرفاً ومجداً باذِخاً ... فرضُ الصلاة لهم بكل تَشهدِ
هذا مقالُك في القصيدِ وإنَّه ... محْضُ الصوابِ وعِصمة المسترشِد
فأتِم قولَك بالمصيرِ إليهم ... في كُلِّ قولٍ يا محمد تهتدي
فهُم الأمان كما ذكرت ونهجُهم ... نهحُ البُلوغِ إلى تمام المَقصِدِ
مالي أراك تقولُ فيهم هكذا ... وبغيرِ مذهبهم تدينُ وتقتدي
أو ليس هم حجج الإله على الورى ... والفلك في بحر الضلالِ المزبد
ما كان أحسن حسن فهمك ترتقي ... درجاتِ علمهم إلى المتصعِّد
стр. 43
حتى إذا استوريت زندَ علومِهم ... وأردتَ تزند ما بدا لكَ فازند
بَعْدَ النهاية في العلوم ودرسها ... وإحاطةِ المتوغل المتجرد
ولأنت فرع باسق مِن دوحةٍ ... شَرُفَتْ بحيدرة الوصيِّ وأحمد
متردد بينَ النبوة والهدى ... مِن أهله ناهيك من متردد
فأعِد هداك اللهُ نظرة وامقٍ ... في علمهم تلقَ الرشادَ لمرشد
وتوسَّمِ العلمَ الذي في كتبهم ... تجدِ الدراية والهدايةَ عن يد
وذكرت سنة أحمد وحديثه ... يا حبّذا سننُ النبي محمد
أورد مسائلها ورد في مائها ... يا حبذاك لِوارد ولمُورِد
لسنا نقولُ: بأن سنة أحمدٍ ... متروكةٌ وحديثه لم يُوجَدِ
بلْ سُنَّةُ المختار معمول بها ... وحديثه شف النضار المسجدِ
ومقالُهم في سنة وجماعة ... قول رديء ليس بالمتمخد
سبوا الوصي وأظهروها سنةً ... لبني الدُنا من مغورين ومنجد
وكذاك سموْا حين صالح شَبَّرَ ... ابنَ التي عُرِفَت بأكل الأكبُدِ
عامَ الجماعة واستمروا هكذا ... حتى تملك عصره المستنجد
أعني به عمراً فأنكر بدعةً ... ونظيرُه في عدله لم يُوجَدِ
ونقول في كتب الحديث محاسن ... مِن سنة المختار لما نقصد
لكن نُرَجِّح ما رواه أهلُنا ... سفنُ النجاة وأهلُ ذاك المسجد
ونقول: مذهبهم أصحُّ رواية ... وأمتّ في متن الحديث المسند
فبِهِم على كُل الأكابر نبتدي ... وإليهم أبداً نروح ونغتدي
وَبهديهم في كل سمتٍ نهتدي ... وبقولهم في كل أمرٍ نقتدي
وبفعلهم في كل مجد نحتذي ... وبعلمهم في كُل وقت نجتدي
وإذا تعارض عندنا قولٌ لهم ... ولغيرهم قول وإن هو واحدي
مِلنا إلى القول الذي قالوا به ... لتوثق في حفظهم وتشدد
стр. 44
وتصلّب في دينهم وتنزه ... وتورع في كسبهم وتزهد
ولما روينا فيهم عن أحمد ... حسبي به للمقتدي والمهتدي
فاليوم عِصمتنا بهم وبحبهم ... وهم الأئمة والأدلة في غد
نشروا العلومَ وأيدوا دينَ الهدى ... علماً بهادٍ فيهم ومؤيد
وَمَضوْا على سنن الجهاد وَرسمه ... ما بين مقتول وبين مشرد
ومخلد في حبسه ومطرد ... عن أهله ومصلب ومقيد
من في البرية يا محمد مثلهم ... في فضلهم وجهادهم والسؤدُد
وذكرتَ تصحيح الخلاف وأنهم ... قد خالفوا آباءهم بتعمد
فصدقتَ فيما قلتَه وحكيتَه ... وقع الخلافُ وليس ذاك بمفسِدِ
إنَّ الصحابة ماج فيما بينَهم ... شرعُ الخلاف وهم صحابةُ أحمد
وكذا الأئمة بعدَهم لما تزَلْ ... آراؤهم في العلمِ ذات تبدُّدِ
والحقُّ تصويبُ الخلاف وما ترى الـ ... إجماع إلا في نوادر شرد
وذكرتَ أن الموت يقطع في الهدى ... تقليدَ صاحبه لكل مقلد
وحكيتَ ذلك مذهبَ الجمهور عن ... علمائهم بينت كالمستشهدِ
فخلاف ذلك ظاهرٌ متعارف ... في كتبنا وبكتبهم فاستورد
قد نصَّ بيضاويهم في شرحه ... تجويز تقليد الإمام المُلْحَد
وكذاكَ في المعيار جوزه وقد ... أفتى به حسنٌ سليلُ محمد
قالوا جميعاً للضرورة: إنه ... لم يبق مجتهد فطُفْ وتفقد
قالوا: والا أي فائدة لنا ... في درس علم الشافعي وأحمد
وكذاك درس علومِ آل محمد ... كم دارس لعلومهم متفرد؟
فاذا تبين أن تقليدَ الورى ... حق لمهدي وهادٍ قد هُدِي
وأصبتَ فيما قلت من تصويب أهـ ... ـلِ العلم في فنِّ الخلاف الأمجد
فن الفروع فإنه لا بأس في ... سَعةِ الخلاف به لكل مجرد
стр. 45
وذكرت قولك في الكلام ومالهم ... فيه من القول الغريبِ الموجد
فلقد ذكرت من العلوم أجلَّها ... قدراً وأعظمها لكل مُوَحِّدِ
فن به شَهدَ الكتاب وصحة الـ ... ألباب ليس لِفَضْلِهِ من مَجْحَدِ
راضته أفكار الأفاضلِ واغتدى ... كالدُّرِّ بين زبرجد وزُمرد
ما فيه مِن عيب سوى أن دققوا ... لِدفاع قولِ الفيلسوفِ المُلْحِد
لولا صناعتُهم وحسنُ كلامهم ... نزعت يدُ الحربا لسان الأسود
وصدقت أن محمداً في صحبه ... لم يعرفوا تلك العبادة عن يد
ماذا أرادَ محمد منها وجِبْـ ... ـريلٌ لديه كل حينٍ في الندي؟
حمَّاد عجْرَد لم يكن في وقته ... ابداً، ولا سمعوا هناك بعجرد
وابن الروندي وابن سينا أحدثا ... بعدَ النبوة في الزمان الأقرد
ما كان في وقت النبي مدقق ... منهم فيحتاجُ البيان لملحد
لكن علي قد أبان بنهجه ... هذي الدقائق فاستبنها واقصدِ
هُوَ أوَّل المتكلمين وقولُه ... قبس كنارِ القابس المستوقد
فاتبع مقالتَه فإن شيوخَنَا ... اتباعُه فيها أصبها تُرْشَد
ماذا أردتَ بانتقاصِ مشايِخ ... هم أصلتوا في العلم كل مهند
لولا سيوفُ كلامهم وعلومهم ... لم ينتقض تاج الغواة الجحد
نقضوا به شبه الفلاسفة الأولى ... دانُوا تأفلاك وقول أنكد
فنريهم القمر المنير من الهدى ... ويروننا وجهَ السُّها والفرقد
فهناك أمسينا بأحسن ليلة ... وهناك قد باتوا بليلة أنقد
وأدلة التوحيد ليسَ شعاعُها ... يخفي على مَنْ لم يكن بالأرمد
ولهم مسالك في العبارة بعضها ... يُشفي به قلبُ العليل المعمد
والبعضُ منها ليس بالمرضي في ... قولِ الهُداة من النصاب الأحمد
ولنا مِن الماء السلاسل صفوه ... والآجن المنبوذُ للمستورد
стр. 46
فاشرب مِن الماء الزلال ألذَّه ... ودعِ الكُدورة في شواطي المورد
وشكوتَ من ألم البُغاة ولم تَجِدْ ... ذا سؤدُد الا أصيب بحسد
لا زلتَ باسبطَ الكرام محسَّدا ... فالناقصُ المسكين غير محسد
قال السيد جمال الدين: ومن مخالفة إجماعهم ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " في الفاتحة، ومن مخالفة إجماعهم القولُ بالرؤية، ومن مخالفة إجماعهم تركُ " حي على خير العمل ".
الجواب على هذه الثلاث المسائل، أما ترك بسم الله الرحمن الرحيم، فلم يقل محمد بتركها، وأكثر ما سمعته يذكر في البسملة الإسرار بها، قال: وهو يحتاط في ذلك فيجعل الإسرار بها بحيث يسمع من بجنبه، وذلك أقل الجهر، وقد قال زيد بن علي: ما خافت من أسمع أذنيه، فأما الترك رأساً، فليس من القبيل الذي نسبه إلى محمد، إذ لم يقل به محمد. ومثله أبقاه الله لا يعجل بنسبة شيء إلى أحد إلا بعد معرفته وتحقيقه وإلا كان خلافَ الصواب، وهو لا يليقُ بمثله، وإنما يليق بالعالم المتقي التثبت في الرواية، وحسن الرد من بعد الهداية، ومسألة الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم غير مسألة الترك، ولكل واحدة منهما كلام لا يحتمِلُهُ الموضع.
وأما مسألة مخالفة إجماع العترة بالقول بالرؤية، فهذا شيء لم أعرفه، ولم أسمعه من محمد لا في قول ولا في كتاب وأنا أنزهه عن هذه المقالة ومعي خطه بأن إعتقاده في العقائد الكلامية والمسائل الإلهية اعتقاد أهل البيت ﵈ وأنه غيرُ مخالف في واحدة من هذه المسائل، ويدل على ذلك من شعره قوله من جملة أبياته: -
هذي الفروع وفي العقيدة مذهبي ... ما لا يخالِفُ فيه كُلُّ موحد
стр. 47
ديني كأهلِ البيت ديناً قيماً ... متنزهاً عن كل معتقد ردي
وكيف يقول بالرؤية بعد هذه المقالة، أو يضاف إليه ذلك، ومذهبُ أهل البيت واعتقادهم أن الرؤية على الله تعالى غيرُ جائزة معقولة ولا غير معقولة وكيف يصرح محمد ها هنا بأنه يتنزه في عقيدته عن كل معتقد ردي؟، ويُضاف إليه اعتقاد مخالفة العترة بالقول بالرؤية وهذه هي المصادمة بنفسها.
وأما مخالفة إجماعهم بترك حي على خير العمل، فهذا من الطراز الأول، وهو التقول على محمد ما لم يقله، والنسبة إليه ما لم يصدر عنه ولم يكن منه، وقد سمعتُهُ يؤذنُ غير مرة، ويذكر (حي على خير العمل)، وأكثر ما يصنعه في الأذان التربيع في أوله كما هو مذهب طائفة من العترة وساداتهم، وذكر محمد أنه وجد في سنن البيهقي وهي السنن الكبيرة رواية حي على خير العمل أثبتها البيهقي، وصححها، وذكر هذا في معرض التصحيح للأذان بـ (حي على خير العمل) وهو على ذلك قبل أن يقف على سنن البيهقي، فكيفَ نَسب إليه السيد جمال الدين ما لم يصح عنه، وأكثر ما يتمسك به السيد في إضافة هذه الأقاويل رواية أحادية لم تبلغ حد التواتر، فيحصل له طريق موصلة إلى العلم. وقد روى القاضي محمد ابن عبد الله بن أبي النجم في كتاب الفصول ما لفظه: وعن القاسم ﵇ أنه قال الأذان بغير (حي على خير العمل) معناه جائز، وهذه رواية شاذة لم تسمع عن غيره، وهي رواية غريبة، ولو صدر مثل هذه الرواية عن غيره، لأنكرناها ولكن رواية العدل مقبولة.
стр. 48
بين الوزير والمهدي
حينما تُوفِّي الإمام الناصر صلاحُ الدين محمد بن علي بن محمد في ذي القعدة سنة (٧٩٣) سارع ابنُهُ الإمامُ المنصور علي بن صلاح، فدعا إلى نفسه بالإمامة، ودعا في ذات الوقت إلى نفسه الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، فانحاز الإمام محمدُ بنُ إبراهيم الوزير، وأخوه العلامة الهادي بن إبراهيم وغيرهما من علماء صَعْدَة إلى جانب الإمام علي بن صلاح مما أضعف جانبَ الإمام المهدي الذي خسر المعركة في حربه مع علي بن صلاح، وانتهي به الأمر إلى أن اعتُقِلَ وسُجِن في صنعاء، فبقي في نفس المهدي شيء على الإمام محمد بن إبراهيم الوزير لم تْمْحُهُ السِّنون:
وَقَدْ يَنْبُتُ المَرْعى عَلَى دِمن الثَّرى ... وَتَبْقَى حَزازاتُ النُّفُوس كَمَا هيا
وقد انتقل ما في نفس المهدي من كرهٍ للإمام الوزير إلى حفيده الإمام شرف الدين الذي شنع على الإمام الوزير، ونسب إليه أشياء لم يقل بها أحدٌ غيره كما تقدم بيانُ ذلك في بداية هذه الترجمة.
ولما فَرَّ المهدي مِن السجنِ ذهب إلى ثُلاء وأقام هنالك فترةً طويلة، فرحل إليه الإمامُ محمد بن إبراهيم الوزير، ووقف معه مدةَ يُسائله ويُراجعه ويُباحثه كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في (تاريخ آل الوزير) ومن جملة ذلك أنَّه وجه إليه خمسة وعشرين سؤالاً في مسألة الإمامة، وأن المهدي لم يجب عليها، فكتب إليه محمد بن إبراهيم الوزير هذه القصيدة:
أعالِمَنَا هَلْ لِلسُّؤَالِ جوَابُ ... وهَلْ يَرْوِيَ الظمآنَ منك عُبَابُ (١)
стр. 49
وَهَلْ يكشفُ الظلْماء منْكَ بَصَائِرٌ ... يَدُلُّ عليها سُنَّةٌ وكِتَابُ
وَهلْ حَسنٌ مِنِّي إذَا كنْتُ سائِلاً ... أمِ البَحْثُ يَا بَحْرَ العُلُومِ يُعابُ
وَهلْ جَاء في شَرْعِ التنَاصُف أنَّه ... يُكَدِّرُ مِن صافي الوِدادِ شَرابُ
وَهَلْ قَدْ سعَى بَينِي وبَيْنَكَ جَاهِلٌ ... ظَنينٌ يُريكَ الماءَ وهوَ سَرابُ
وَهلْ غَرَّكُمْ في الخُمُولُ فَإنَّمَا ... أنَا السَّيْفُ خُبْراً والخُمُول قِرابُ
وَهَلْ يُزْدَرَى بِالسَّيْف مِنْ أجْل غِمْدِه ... ويُحْقَرُ من وهنِ المَحَلِّ عُقَابُ
وَهَل لِكَثيرِ الشَّوْقِ وَالوجد رَاحِمٌ ... وهَلْ للمساكينِ الضِّعافِ صَحابُ
وَهلْ عَائِدٌ في الدَّهر ودُّكَ عامِراً ... فها هُوَ ذَا يابْنَ الكِرامِ خَرَابُ
وَهلْ مُثمِرٌ حَوْكي مُلاءَ رقَائِقٍ ... تَهُزُّ صِلابَ الصَّخْرِ وَهِيَ صِلاَبُ
وَهلْ عَاطِفٌ لِلودِّ مِنكَ تَلَطُّفٌ ... وَهَلْ قَاطِعٌ للهَجْرِ مِنْكَ عِتابٌ
وهلْ لِمَجَلاَّتي إذَا لَم تُجِلَّهَا ... رُجُوعٌ إلى مَنْ خَطَّها وإيابُ
وَهَلْ لِسَلامِي مِنْكَ رَدٌّ فإنَّه ... يَخُصُّكَ مِني ما اسْتَهَلَّ سَحَابٌ
ولما صنف الإمام محمد بن إبراهيم الوزير كتابه "قبول البشرى في تيسير اليُسرى" ضمنه ما يجوز من الرُّخَص وما لا يجوز، وما يكره وما يستحب، وأقوال أهل العلم في ذلك، فرد عليه الإمامُ المهدي بكتابه " القمر النوار في الرد على المرخصين في الملاهي والمزمار " وكان الإمام المهدي كثير التحامل على الإمام ابن الوزير على غير ذنب سوى أنه كان يأخذ بكتاب الله ورسوله ويعتصم بهما ويفهمها على طريقة السلف الصالح، ولا يعتد بقول من يخالفهما كائناً من كان ذلك القائل حتى قال فيه المهدي من قصيدة:
هذي مقالة من زلَّت به القدم ... عن منهج الحق أو في قلبه مرض
وقال أحمد بن عبد الله الوزير يَصِفُ ما جرى بينَ العالِميْنِ
стр. 50
المذكورين: " ولما ظهر لحي الإمام المهدي من سيدي عز الدين الانعزال، وسرى الأمرُ في المراجعة إلى بعض مسائل الكلام، انجرت بينهما المراسلةُ، ووقعت بينهما المراماةُ والمناضلةُ في المنثور والمنظوم، وكُلُّ ذلك موجودٌ في كتبه، وأشعاره حتى أزِف التّرحالُ، ودنا الانتقالُ، وتحول الحال، فاعتذر كُلُّ من صاحِبه، وقبل أعذاره، وأوضح اعتذارَه، وكان ذلك في سنة ٨٣٩ " أي قبل وفاتهما بسنة واحدة.
بين الوزير والمؤيَّد
ذكر أحمد بنُ عبد الله الوزير في الفضائل في ترجمة محمد بن إبراهيم الوزير ما لفظه: " ووقف ﵁ في فَللَّة (١) مدة مع حي الإمام علي بن المؤيد على جهة الاختبار، ورافقه إلى بعض بلاد الأهنوم، ولم يكن بينَه وبينَه شيء من المصنفات إلا شيء يسير وقع فيه عتابٌ سهل، وكتب فيه حي سيدي عز الدين أبياتاً حسنة رقيقة من محاسن الشعر وأجودِهِ قافية منصوبةَ الروي وهي:
وَلَوْ شِئْتُ أبكيتُ العُيُونَ مُعاتباً ... وَألْهَبْتُ نِيران القُلُوبِ دَقَائِقَا
وَلَكنني أصْبَحتُ ِللهِ طَالباً ... وأصْبَحْنَ مِنِّي التُّرُّهَاتُ طَوَالِقَا
فإن أنْصفَ الأصْحَابُ لَم أُلْفَ فَارِحاً ... وإنْ أعتَبُوا لَمْ يُصْبِحِ الصَّدْرُ ضَائِقَا
وَمَنْ كَمُلَتْ فِيهِ النُّهي لا يَسُرُّهُ ... سُرُورٌ ولا خَافَ الحُتُوفَ الطَّوَارِقَا
فَصِلْنِي أو اقْطَعْنِي فَعِنْدِي خلِيقَةٌ ... يَضِيعُ رديّاً مِن صَدِيقي وَرَانِقَا (٢)
стр. 51
ولي نَفْسُ حُرٍّ لَيس أكثرُ هَمِّهَا ... مُلاطَفَةً تُرضي عَلَيَّ الخلاَئقَا
وَلولا الرَّجَا أنْ أرضِيَ اللهَ لَم أكُنْ ... عَلى أرْضِ منْ يجْفُو أشيمُ البَوارِقا
ولكِن ذُلِّي في رضَى اللهِ عِزَّةٌ ... وإنْ كُنْتُ فيهِ لِلسْلُوِّ مفَارِقا
وَما لِي إلا الصَّبرُ في الدَّهرِ جُنَّة ... وإن شّيَّبَ الصَّبْرُ الشَّوى والمفَارِقَا
وما نَحْن إلا في مجازٍ فلا ترِدْ ... مَجازاً إذا مَا كُنْت تَبْغِي الحَقَائِقا
وَقائِلةٍ عشْ بالسُّلُوِّ مُمَتَّعَاً ... وَنل بِكتسابِ الأصْدِقاءِ مُرافِقا
فقلْتُ لها: لا عَيْشَ لي في سِوى التُّقى ... ولا صَاحِب في النَّاس إلا مُخَالِفَا
وَأينَ الصَّفا هيهات مِنْ عَيشٍ طالبٍ؟ ... غَدَا لأهاويل المَماتِ مُرَاهِقَا
وللخِزي في يوْم الجَزَا مُتَرقِّباً ... وللصَّبْرِ في دار الفناءِ مُعَانِقَا
فَلُوْمِى رُوَيداً إنني غَيرُ جَازِعٍ ... وعَزْمِي سِواي إنَّنِي لسْتُ مَائِقا
بينه وَبَيْنَ أخيه
لم تنقطع الصلةُ القويَّةُ بَيْنَ الأخوينِ الشقيقين الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، والعلامة الهادي بن إبراهيم الوزير على ما بينَهُمَا مِن خلاف في العقيدة، فالهادي كان عالماً جليلاً مبرزاً في علوم كثيرة لا سيما علم أصول الدين، ملتزماً بالمذهب الزيدي، وكان يريد لأخيه محمد أن يسلك مسلكه، لكنه مشى في طريق آخر، فقد مال إلى علوم السنة، وجرى بينَه وبين علماء عصره المتمذهبين صراعٌ كبير سبق ايضاحُهُ فيما تقدم.
وتفرقت الديارُ بَيْنَ الأخوين إلا أنهُما كانا يتبادلان الرسائلَ، ويتطارحان الشعر، فمن ذلك قصيدةٌ قالها الهادي بن إبراهيم الوزير مهنئاً أخاه بعودته سالماً بعدَ أن حُصِرَ عن الحج للمرة الثالثة سنة ٨١٨ ورجع من (حَلْي ابن يعقوب) بعد أن بلغه وقوعُ خلافٍ بين الأشراف -أشرافِ مكة-
стр. 52
وقيام الأتراك بعزل الحسن بن عجلان، وتولية بعضِ أهله، فكر حاجٌّ اليمن راجعاً إلى بلاده، ولم نعثر من هذه القصيدة إلا على مطلعها وهو قولُه:
إذا فاتَ حَج البَيْتِ في ذلك المجْرَى ... فَقَدْ كتبَ اللهُ المَثُوبةَ وَالأجْرا
فأجاب عليه محمد بن إبراهيم بقصيدة منها:
تبَارَكَ مَنْ أعْطَى مُحَمداً الاسْرَا ... وَاحْصَرَه في عام عُمْرَتهِ قَسْرَا
فسُرَّ بذاكَ المُشْركونَ لِجَهلهمْ ... وعزَّ علَى قَوْمٍ وقَدْ شَهِدُوا بَدْرَا
ومنها:
فَلِلهِ مَنْ أهْدَى إلَيَّ نِظامهُ ... لِيبردَ مِنِّي وَعظُهُ كبِدَاً حَراً
أشَارَ إلى زُهْرِ المَوَاعظِ ناظِماً ... لَها نظْمَ أَفْلاكِ السما الأنْجُمَ الزُّهْرَا
فَلَم أرَ شِعراً في الشعَائِر قَبْلَهُ ... وَلا مِثْلَه شِعْراً يَتِيهُ عَلَى الشِّعْرَى
وَلوْ لم يَكُنْ فِيهَا سِوَى بيتَها الَّذِي ... أرَى مَلَكاً ألْقاهُ في سِرِّهِ سِرَّا
أذاقكمُ فَقراً إلَيْه لِتعْلمُوا .... بأنَّ الغِنَا المَقْصُودَ أنْ تَطْعَمُوا الفَقْرَا
فَمَن لَمْ يَذُقْ هذا الغِنَا في حيَاتِهِ ... فَقَدْ عَاشَ مِسْكِيناً وإن مَلَكَ الأمْرَا
стр. 53
ومنها:
وَمَا امتَحَن اللهُ الكلِيمَ بفِعْلِهِ ... وَخِدْمتِهِ للشَّاءِ في مَدينٍ عَشْرَا
لِيَقضِيَ مِنْ مَهْرِ الزَّوَاجَة حَقَّه ... وَلكِنْ لِيَقْضِي لِلمُكاَلَمَة المهْرَا
وَمَا (١) كان إبْرَاهِيمُ في المَنْجنِيقِ والـ ... ـلظَى عَادِماً لُطْفاً وَلا نَاقِصَاً قَدْرَاً
وَلَا ظَمِئَتْ في الوادِ هَاجرُ وابْنُهَا ... هوَانَاً على منْ يَمْلِك السُّحْبَ والقَطْرَا
وَلَا بِيعَ بالبَخْسِ المُكَرْم يُوسُفُ ... لِيُمْلَكَ لَكِن حُكْمُهُ لِيَلِي مِصْرَا
وفِيمَا رَأَى يَعْقُوبُ مِنْ فَقْدِ يُوسُفٍ ... مَواعِظُ تَشْفِي مِنْ مُلاحِظِهَا الصَّدْرَا
وكتب الإمام محمدُ بنُ إبراهيم الوزير إلى أخيه هذه القصيدة يحثُّه على الابتعاد مِن مجالسة الحكام.
يَا سِبْطَ إبْرَاهِيمَ لا تَنْسَ ما ... كَانَ عَليْهِ بالتَّحَلِّي أبُوكْ
فَإنَّ آباءك لوْ شَاهَدُوا ... بَعْضَ الَّذي تَفْعَلُهُ أنَّبُوكْ
مَا لك لا تَسْلُكُ نَهْجَاً وقَدْ ... سَنَّ لنَا فِيهِ أَبُوكْ السُّلُوكْ
وَأهْلُنَا من قبْلِنَا طالَمَا ... عَاشُوا وهُمْ فِيهِ لِحَرْبٍ سلوكْ
فانْهَضْ إلى أوْطَانهِمْ شاخِصَاً ... وَارْمُكْ بِهَا إمَّا أَردْتَ الرُّمُوكْ (٢)
стр. 54
فَوَقْفَةُ في مَسْجدٍ سَاعَةً ... خَيرٌ لنَا منْ مُلْكِ ملْكِ المُلوكْ
هذَا وإنْ كُنْتَ آمْرءاً عَاشِقَاً ... لِلمُلْكِ لا تَنْفَع لَدَيكَ الصُّكُوكْ
وإنَّمَا تنفعُ مَنْ قَلْبُهُ ... لا يعْتَرِيهِ في المُلُوك الشُّكوكْ
واعْلَم بأن العِزَّ والزُّهدَ ... والفَضْلَ وَأهْلَ المُلُوكِ طُرَّاً هَلُوكْ
وابعَدْ عن المُلْكِ وَأرْبَابهِ ... وإن هُمُ يَوْمَاً لهُ أَهَّلُوكْ
ولا تُطِعْهُمْ يا شقِيقي وَلَوْ ... وليتهم في أمْرِهِمْ أوْ وَلُوكْ
وَلا تُضِعْ يَا سَيِّدِي حُلَّةً ... وحِليَةً قَدْ صَاغهَا أَوَّلُوكْ
لا تنْظُرَنْ يَوماً إلى قَائِمٍ ... وَانْظُرْ إلى مَا قَالَه نَاصِحُوكْ
وعَاصهِمْ إنْ كُنْت ذَا هِمةٍ ... لَهُم وطاوعْهُمْ إذَا نَاصَحُوكْ
وقد أجاب عليه الهادي مؤيداً رأي أخيه الأصغر، وممتثلاً نصيحته مع أنه أكبرُ منه بسبعة عشرَ عاماً.
فَارِقْ بني الدُّنيا وإنْ أكْرَمُوك ... وارفُضْ بني المُلْكِ وَإنْ قَرَّبُوكْ
يوماً إذَا ما أنْتَ أرْضَيْتهُمْ ... مَلُّوك أو أسْخَطتَهُمْ عَاتبُوكْ
ومِثْلُ خَطَّ فوْقَ ماءٍ إذَا ... عَاتبْتَهُمْ، والويْلُ إن عاتَبُوكْ
وإنْ هُمُ أعْلَوْكَ في رُتْبةٍ ... فَإنَّما في هوَّةٍ كَبْكبوكْ
إنْ قَطَعُوا عَنْك عطَايَاهُمْ ... أوْ قَطَعُوا أملاكَهُمْ عَذَّبُوكْ
لَهُم علَيْكَ الحَقُّ فِيهَا سَوا ... أعْتبْتهُمْ في الأمرِ أوْ أعْتَبُوكْ
وَلَا يغُرَّنْكَ أنْ ثَوَّبوكْ ... وإنما فيما أرى ثَيبوكْ
فابعَدْ عَنِ القَوْم فَلوْ جِئْتَهُمْ ... طِفْلاً وَخَالطتهم شَيَّبُوكْ
ولا تَحَملْ لهُم رَايةً ... في الحَرْب لوْ أنَّهُمْ حَاربُوكْ
فإنمَا تحْمِلُ في مثلِ ما ... أمَّ بها المختارُ غزوةْ تَبُوكْ
وَاقْنَعْ من الدُّنْيا بِمَرْقُوعَةٍ ... لَوْ أنهَا مَوْضُوعَةٌ في مُسُوكْ
فارْغَبْ عَنِ المُلْكِ وأرْبَابِهِ ... وَإنْ هُم في شَأنهِ رَغَّبُوكْ
стр. 55
وَكلْ حَلالاً خَشِنَاً وَاتَّدِمْ ... شُكراً، وَكُنْ لِلدهر مِمن يَلُوك
وَجَالِسِ الزُّهَّاد وَانْهدْ إلى الـ ... ـعبادِ واقْصِدْهُمْ وإن جَانَبُوكْ
فَإنَّ بَعْضَ الفُضلا كَان في ... جَزيرَةٍ يَعْبدُ رَبَّ المُلُوكْ
وَكَانَ لا يأكُلُ في عُمرهِ الـ ... ـمَحمُود إلاَّ مِن لُحُوم السَّموكْ
وَلَيستِ الدُّنيا بمحمودَةٍ ... هيهَاتَ مَا فيها لَنا منْ سُلُوكْ
والزُّهْدُ منها ثوْبُ عزٍ لمَن ... يلْبسُهُ جوَّده مَنْ يَحُوكْ
لكَِّنه عزُّ فتىً لابسٍ ... في ذلِكَ الثوب الشَّريف المحُوكْ
وقَدْ أتَى يَا وَلدِي منْك لي ... نظْمٌ هُوَ الدُّرُّ الَّذي في السُّلُوكْ
كَأنَّهُ الشَّمْسُ ولكِنَّهَا ... طَالِعةٌ ما إنْ لها مِن دُلُوكْ
هُوَ اليقينُ الحقُّ مَا خالطتْ ... قلْبِي فِيما قُلْت فيه الشْكُوك
ما أوْضحَ النَّهْجَ الذي جئتَه ... وأوْضَح المَسْلَك لا فُضَّ فُوكْ
واعْلمْ بأنِِّي يابْن أمِّي عَلى النـ ... ـهجِ الَّذِي نَوَّرَهُ سَابقُوكْ
وكلُّ حَالٍ غير هذَا وإن ... قِيلَ بِه لا يَرْتضيهِ أخُوكْ
وَلَسْتُ بالراضي بهَا حَاجَةٌ ... أحسن فيها رفضها والتُّروكْ
تِلْكَ التي من وصف أصحابِها ... حماقةُ الروم وكِبرُ التُروكْ
ولما مَرِضَ الإمام محمد بن إبراهيم الوزير في الأقهوم من جبل عيال يزيد، طلب منه الهادي بن إبرإهيم أن يكتُبَ له بخطِّ يده ما يُطمئنه على تماثله للشقاء فكتب إليه:
طَلَبتَ تقرِير خطِّي كي تَقَرَّ بهِ ... قلْباً وَعَيْنَاً وأحشاءاً وَأشْجَانا
وفي الأنامِل ضَعْفُ غيرُ مكتبة ... وَرَعْشَةٌ لمْ تَدَعْ لِلخَطِّ تبيانَا
أضْحَتْ عَوَامِلُ خَطَّي بَعْدَ قُوَّتِهَا ... وهُنَّ أضْعَفُ خَلْقِ اللهِ أرْكَانا
وَقدْ كَتَبْتُ عَلَى عجْزٍ وَتعْتَعةٍ ... هذي القَوافيَ لِلمطلُوبِ عُنوانا
стр. 56
وَلَوْ غَدَا ابنُ هلالٍ والعميدُ وَمَنْ ... زان الجزيرة تجويداً وإتقانا
مترجمين لما في القَلْبِ مَا وَجَدُوا ... إلى بَيَانِ الَّذِي في القلب إمكانا
وَقَدْ وَقَفْتُ على الأبياتِ جامعَةً ... وَداً ولُطْفَاً وإعجازاً وإحسانا
وَلَيسَ في قُدرتي وَصفٌ لِمَوْقعِهَا ... وَلَو تَحَوَّلْتُ في الإحْسَانِ حَسَّانا
وقد أجابه الهادي بن إبراهيم الوزير مهنئاً له بشفائه فقال: -
بُشرى بعافية العُلُوم كلامِها ... وحديثِهَا وحلالِها وحرامِها
وأصولهَا وفروعِها وبيانِها ... وبديعهَا وغريبها ونظامِها
لمحمدٍ شفيت وزالَ سقامُها ... وبهِ شفاء الداء من أسقامها
لما ألمَّ بجسمه ألمٌ سَرَى ... مِنْه إلى الأرواحِ في أجسامِها
وشفاه مِن آلامه ربُّ السما ... فشفى عُلُومَ الدِّينِ مِن آلامها
حمداً لمن أولاك بَرْدَ سَلاَمة ... وَحَباكَ مِن تُحَفِ الهُدَى بسلامِها
اللهَ أحْمَدُ قَدْ شَفَى لِي مُهْجَةً ... هَامَتْ وَحُقَّ لَهَا عظيمُ هُيَامِهَا
لِمحمد عِزِّ الهُدى وهو الَّذي ... قَدْ حَلَّ في العَلْيَاءِ فَوْقَ سَنامِهَا
هذا الَّذِي أحيا العُلُومَ وَذَا الذِي ... أحيا التِّلاوَة فَهوَ بدرُ ظَلامِهَا
الله قلَّدني بذلك نِعْمَة ... عُظْمَى ينوءُ الشُّكرُ تَحْتَ مَصَامها
لا يهتدي الدُّعْموص طرقَ رمالِهَا ... أبداً ولا التِّسماحُ في قمقامِهَا
لو أن عدناناً حبتني كُلُّها ... بِبيَانِ منطقها وحسْنِ كلامِهَا
ما كُنْتُ أبلُغُ شكرَهَا مِن نِعْمَةٍ ... لوْ كانَتِ الأشجارُ مِن أقلامِهَا
فاللهُ يُوزِعُنا جَمِيعاً شُكرَها ... ويزيدُنا حَمدَاً على إتمامهَا
إني أقولُ مقالَةً قَدْ قالَهَا ... عُمَرٌ بِبَطْحا مَكَّةٍ وَإكَامِهَا
مَعَ حُسْنِ خَاتِمَةٍ أفُضُّ خِتَامَهَا ... وَرِضَاه عَنِّي يا لَطِيبِ خِتَامِها
стр. 57
بينه وبين المقري
ولما اطلع الإمامُ العلامة شرفُ الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري الشافعي على " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " مختصر " العواصم والقواصم " كتب إلى مؤلفه ﵀ ما يلي: ولقد وقف المملوكُ على " الروض الباسم " فما هو إلا الحسامُ القاصم، لقد وقع من القلوب موقع الماءِ من الصادي والنَّجح من الغادي، والراحة من المعمور، والصلة من المجهور (١) ولقد نصرتَ الحديثَ على الكلام، والحلالَ على الحرام، وأوضحت الصراطَ المستقيم، وأشرت إلى النَّهْجِ السليم (٢)، ولم تترك شبهة إلا فضحتها، ولا حُجَّةً إلا أوضحتها، ولا زائِغاً إلا قومته، ولا جاهلاً إلا علمته، ولا ركناً للباطِل إلا خفضته، ولا عقداً لمبتدع إلا نقضته، ولقد صدقت الله في النية (٣) في الرغبة إليه، ووهبت نفسك لله، وتوكلتَ عليه، فالحمد للهِ الذي أقر عين السنة بمكانه، وأدالها على البدع وأهلها ببرهانه (٤)، فلقد أظهر مِن الحق ما ودَّ كثير من الناس أن يكتمه، وأيد دين الأمة الأمية (٥) بما علمه الله وألهمه فعض على الجذل، وسيجعل الله لك بعد عسر يسراً، وإنا لا ندري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً، وإذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، وفتح لمن أراد له الدخول بابه.
إذا الله سَنَّى حَلَّ عَقْدٍ تَيَسَّرا.
стр. 58
ومن وقف على ما أفحمتَ به ذلك المعتدي (١) من الحق الذي استحلفت فيه بالإعجاز والتحدي علم أن بينه وبينَ النفثات النبوية أسباباً (٢) شريفة لا تُحل عقودها، ولا تُضاع حقوقها، ورحماً بلها ببلالها، وبادر إلى صلتها ووصالها، لقد أبقى نوراً في وجه الزمان، وسروراً في قلوب أهل الإيمان، وقلدت جيدَ السنة منة وأي منة، أصبح شخصُك ملموحاً بأعين البصائر، وحديثُك (٣) ملتقطاً بأسماع الضمائر والمنة. في ذلك المصنف على عامة أهل الملة وخاصة أعيان هذه النحلة، فحق على الكل أن يعرفوا حقه إن كانت لهم أفهام تقدره حق قدره، وأن يستضيئوا بنوره إن كانت لهم أبصار تثبت للنور فجره، وأرى لهم أن يكتبوا (٤) أنفاسه إن كانت الأنفاس مما يكتب سمع الدعاء (٥) إلى الفلاح فوثب، وقلب الله قلبه إلى الحق فانقلب من غير ترهيب استفزه، ولا ترغيب هزه، ولا محاسدة اعترته ولا مناظرة غيرته بل توفيق مِن الله (٦) إلهي، وإلهام سماوي سهل عليه مفارقةَ العادة وما نشأ عليه بدءاً وإعادة، وإن أمراً هذا أوله، فعواقبه عن النجاح مسفرة، وقصداً هذا مبتلؤه، فمغارسُه مثمرة.
وإني لأرجو الله حَتَّى كأَنَّنِي ... أَرى بجميلِ الظَّنِّ ما اللهُ صانِعُ
ومن جواب محمد بن إبراهيم الوزير عليه: -
ومِنْ عَجَبٍ لم أقضِه مِنه أنَّه ... توهَّمني في العلم سامي المراتب
стр. 59
أغرك أنَّي قد ذُكرتُ وإنَّما ... ذكرتُ لأني مِن جبال المغارب
وقد عَدِمَت فيها البصائرُ والنهي ... فطيَّب ذِكري (١) موْتُ كُلِّ الأطايِبِ
ولَو عدمت وُرْقُ الحَمَائِم لم يَكُنْ ... بمستبعَدٍ تشبيبنا (٢) بالنَّواعِبِ
وألبست تأليفي العَواصِمَ بالثنا ... جمالاً أطاب الشكر مِن آل طالِب
وما فيه منْ حُسن سوى أنه شجا ... روافِض صحبِ المصطفي والنواصِب
وما كان تأليفي له عن تضلُّع ... مِن العلم يشفي الصدرَ من كُلِّ طالب
ولكنني والحمدُ لله منصف ... أذُبُّ بجهدي عن صحاح مذاهبي
فلا تَتَوهَّمني بِعِلْمٍ مُحققاً ... فإنَّك ما جربت كُلَّ التَّجارِب
توهمت ناراً بالتخيُّل حينما (٣) ... دجا الليلُ وامتدت ذيولُ الغياهِب
رويداً خليلي لا يَغُرَّك إنَّما ... رأيت التي تُدعى بنار الحُباحِبِ
وما كُلُّ نار نارُ موسى لِمهتدٍ ... ولا كُلُّ بَرقٍ في الثقال الهَوَاضِبِ
نصحتُك لا أني تواضعْتُ فَانْتَفعْ ... بِنُصْحي فما أرضى خِداعاً لِصاحب
ولا زِلْتَ يا خيْر الأفاضِل باقياً ... رضيع لبان للعُلا والمَناقِب
مرحلة التدريس
ولما تَصَدَّرَ للتدريسِ، أقبل عليه طلبةُ العلمِ مِن كل مكانٍ، لينهلوا مِن علومه الواسعة، ومعارفه المتنوعة، وقد سأله بعضُ إخوانه القراءَة عليه في بعض كتبَ المنطق فأجاب عليه بقوله كما في " تاريخ الوجيه العطاب ":
يا طَالِبَ العِلْم والتَّحْقِيقِ في الدِّين ... والبَحْثِ عنْ كُلِّ مكْنُونٍ ومخْزونِ
стр. 60
أهلاً وَسَهْلاً عَسَى مَنْ رَامَ تبْصِرةً ... منِّي وهدياً إلى الخَيراتِ تهديني
لكِنْ أطعْنِي وأنْصِفْ في الدَّلِيلِ مَعِي ... فَمنْ يُقلِّدُ فيهِ لا يُوَاتيني
أمرتَ أن تطلُبَ الدِّين الحَنيفَ وَلوْ ... بالصِّين أو بالأقاصي مِن فِلِسْطينِ
والعِلْمُ عَقلٌ وَنقْلٌ ليسَ غَيرهما ... والعقلُ فيكَ وَليسَ العَقْلُ في الصِّينِ
أُمرت أن أطلبَ العِلمَ الشريفَ وَلَو ... بالصِّين إن كان عِلمُ الدِّين في الصِّينِ
إلى أن يقول ناصحاً له أن ينصرف عنه إلى ما هو أنفع وأجدى:
إن البَصَائِرَ كالأبصارِ لَيسَ تَرَى الـ ... ـخَفِيَّ جدّاً سِوى رجْمٍ وَتَظْنينِ
لِذا تَخالف أهْلُ العَقْلِ واضَّطربُوا ... فيهِ كَعَادَتِهِمْ في كل مظنونِ
قَليتُ في العلم مِن بعد الرُّسوخ به ... واعتضْتُ بالذِّكرِ منه غيرَ مغْبُونِ
مَا فِيهِ إلا عِباراتٌ مُزخْرفةٌ ... أتى بِهِنَّ ابنُ حَزْمٍ بالتَّبايينِ
كمْ منْ فتىً منطقي الذِّهن ما خطَرتْ ... بالبالِ منه اصْطلاحاتُ القَوانينِ
وَكمْ فَتىً منطِقي كافِر نَجِس ... كالكلْبِ بلْ هُوَ شَرُّ منه في الهُونِ
يرى وَساوِسَ أهلِ الكفْرِ منقبةً ... فهماً ويسْخرُ من طه وياسِينِ
كذلِكَ الرُّسلُ لم يُعْنَوا بذاك إلى الـ ... ـمحمد مِن سليلِ الماء والطِّينِ
بَلِ اكتفوا بالذي في العقْلِ مَعْ نظرٍ ... سَهْلٍ بغيرِ شيوخ كالأسَاطينِ
معَ اعتراضِ شَياطينِ الخُصُومِ لَهُم ... وَشُهرة الطِّين في كُلِّ الأحايينِ
وَرُبَّمَا كانَ في التدقيق مَفْسَدَةٌ ... لِلقلب أو لافتراق الناسِ في الدِّينِ
مثل الغلو بأفعالِ الخوارجِ كالـ ... ـوِصَالِ والاختصا خوفاً من العَيْنِ
стр. 61
واللهُ أعلمُ والرسلُ الأكارم من ... شيوخ جبة (١) قطعاً غير تخمين (٢)
ولا شك أنَّه قد حصر اهتمامه في المقام الأول بنشر علوم الكتاب والسنة، وتدريسها لطلبة العلم، ولكنه لما ظهر أمره، وبَعُدَ صيتُهُ واشتهر علمُه بين الناس، خاف على نفسه من فتنة الشهرة، وحُبِّ الدنيا، فعزف عن المضي في هذا الطريق، ورجع لمحاسبة نفسه على ما أسلف:
ولما عُوتِبَ على انقطاعه من مجالس التدريس أجاب عليهم بقوله:
لامني الأهلُ والأحِبَّةُ طُرّاً ... في اعتزالي مَجَالِس التَّدريسِ
قُلْتُ لا تَعذُِلُوا فَمَا ذَاكَ مِنِّي ... رغبةً عَنْ علُومِ تِلك الدُّرُوسِ
غَيْرَ أنَّ الرِّيَاضَ تأوي الأفاعي ... وجِوَارُ الحَيَّاتِ غيرُ أنيسِ
غَيْرَ أني خَبَرْتُ كُلَّ جليسٍ ... فَوَجدْتُ الكتَابَ خَيْرَ جَلِيسِ
هي رِيَاضُ الجِنَانِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ... وَسَنَاهَا يُزْرِي بنُورِ الشُّمُوسِ
حَبَّذَا العِلْمُ لَوْ أمِنْتَ وَصَاحَبـ ... ـتَ إماماً في العِلْمِ كالقَامُوسِ
فَدَعُوني فَقَد رَضِيتُ كِتَابِي ... عِوَضاً لي عَنْ أنْس كُلِّ أنيسِ (٣)
وقد وصف محمد بن عبد الله بن الهادي الوزير حاله قائلاً: ثم إنه بعد ذلك انتصب لنشر هذه العلوم، وتصدر برهةً من الزمان، وهُرِع إليه الطلبة من كل مكان، فاستناروا بمعارفه، واقتبسوا من فوائده، فظهر أمره، وَبعُد صيته. فلما رأى أن في هذا طرفاً من الدنيا والرئاسة قدع نفسَه وقمعها، ومنعها مما تشوَّفت إليه وردعها، ثم أقبلَ على الله بكليته، فلزم العبادَة والأذكار،
стр. 62
وقيامَ الليل وصيام النهار، وتأديب النفس وإذلالَها للملك الجبار، فألجمها بلجامِ الزُهد، وجرها بعِنان التقوى، وأخزاها (١) في ميدان الورع، وساقها بسوط الصبر، وأدخلها اصطبل الخلوة، وربطها إلى جدار التوكل، وعلفها الجوعَ، وسقاها الدموعَ، وألبسها سرابيلَ الذل والخضوع، وتوّجها بتاج التبتل والخشوع، ولم يبق نوع من أنواع الرياضة، ولا طريق من طرق السلوك إلاّ سلك بها مسلكه، وشرع بها في جناحه، وكلفها تحمل أعبائه.
ولقد كان يخصِفُ نَعلَه، ويكتسِبُ لأهله، وربما تظاهر بأنواع التصرفات والحرف كحرف الفدادين والجفاة، ويلبَسُ الصُّوفَ الخشن، ويُفطِرُ على قرص الشعير بلا إدام، ويقصِدُ بذلك رياضة نفسه وتحقيرها وتصغيرها، وردعها، وتعريفها بمنزلتها عنده، ثم يقول: ومِن رقائق أشعاره في بُعْده من الناس وانقطاعه أبيات كان كتب بها إلى المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى في عقب دعوته: -
أعَاذِل دَعْني أُرِي مُهْجَتِي ... أزُوفَ الرَّحيل ولُبْسَ الكَفَنْ
وأدْفِنُ نَفْسِي قَبْلَ المَماتِ ... في البَيْتِ أو في كُهُوفِ القِنَنْ
فإنْ كُنْتَ مقتدياً بالحُسَيْنِ ... فَلِي قُدْوةٌ بأخيهِ الحَسَنْ
فَقدْ حَمِدَ المصطَفي فِعْلَهُ ... لإطْفَائِهِ لِنيَارِ المِحنْ
وَلَوْ كانَ في فِعْلِه مُخْطِئاً ... لَمَا كانَ لِلمَدْحِ مَعْنىً حَسَنْ
وأقبل ما في حَدِيث الرَّسُولِ ... من ذِكْرِ مَوْجِ بِحَارِ الفِتَنْ
فإنَّ السَّلامَةَ في الاعتِزَالِ ... جَاءت بِذَا، مُسْنَداتُ السُّنَنْ
стр. 63
وفي دَرْسِ آي الكِتَابِ العَزِيزِ ... وَتَرجيعِهَا لِيهِيجَ الحَزَنْ
وَدَرْسِ الصَّحيح من المُسْنَدَات ... إلى المُرْسَلِ العَاقِبِ المُؤْتَمَنْ
ومحو الذُّنوبِ بِدَمْع يَصُوب ... على مَا مضَى في قَدِيم الزَّمَنْ
وأمسِ الرسوم مَحتْها الغيُومُ ... وأنسى الحبيبَ وأنسى الوَطَنْ
وَأنْسَى الدِّيارَ وسُكَّانَهَا ... ومَا كَانَ لي فيهمُ مِنْ شَجَنْ
وأبكي بِشَجْوٍ عَلَى مُهْجَتِي ... بُكاءَ الحَمَائِم فَوْقَ الفَننْ
فإنِّي رَأيْتُ الوَرَى ظَاعِنيـ ... ـنَ نَحْوَ البِلَى ما لَهُمْ مِنْ سَكنْ
فأيْقَنْتُ أني بِلا مِرْيَةٍ ... غداً ظَاعِنٌ مِثْل مَنْ قَدْ ظَعَنْ
سَأجْعل ذِكْر البِلَى في القُنُوت ... مَكانَ ادِّكار اللِّوا والدِّمَنْ
وأورد من كلامه في الزهد قوله:
أيّها السائر إلى ديار الموتى قد سارتِ الدُّنيا وما تدري والراكب لسفينة البقاء، أما علمت أنَّها إلى الفناء تجري؟ أنتَ المغتر بمدة العُمُر وهي قصيرة، والمُفتن في أنواع الهوى بغير بصيرة، عجباً من اختلاف أحوالك وأطوارك، وتقلباتك وأسفارك، أما أسفار دنياك، فتشفق فيها من عبدٍ عاجز أن يَنْهَب طِمرك، وأما سفرك إلى أُخراك، فتأمن فيه مِن ربِّ قادرٍ أن يقصِفَ عمرك، ما أخوفك في موضع السلامة، وآمنك في موضع المخافة، أما خوفك، فحيث ينجو الغني بفلوسه، والفقير ببؤسه، والمترفِّق برفقائه، والقوي بقوته، وأما أمنُك، فحيث ارتعدت فرائصُ الملوك القواهر، ولم يدفع عنهم الحصون ولا العساكر ضَلَّةً لرأيك، فأستيقظ، وضيعةً لعمرك فاستحفظ.
يَا مُولَعاً بوِصَالِ عَيْشٍ نَاعِمِ ... سَتُصَدُّ عَنْهُ رَاضِياً أوْ كارِهَا
إن المَنِيَّة تُزْعِجُ الأحْرَارَ عَنْ ... أوْطَانِهمْ والطَّيْرَ عنْ أوْكَارِهَا
стр. 64
فقطع حبائل الأمل ورجاه. واعلم أنك إن لم تمت فجأة مرضت فجأة، فاستعن على ترقيق قلبك وخشوعه، واحتسب (١) طرفَكَ ودموعه بتصور حال خروج الروح من الجسد، والمفارقة للأهل والولد، والسَّفَر الذي ليس بعدَهُ إياب إلى المنزل الذي وساده الحجرُ، وفراشُهُ التراب حيث لا أهل ولا أصحاب، ولا أنس ولا أتراب، هيهاتَ ما في الترابِ من تِرب، ولا في الشراب من شَرب. إن آخر قضاء الإخوان لحقوقكَ، وأول قطيعتهم لك وعقوقك هيلُهُم للتراب على قبرك عند الدفن، وإدرارهم من الدمع ما سحَّ به الجفن، ثم كلما رَمَّ جسمُكَ في لحدك، وأكل الترابُ من جلدك، رمَّت عندهم حبائلُ ودِّك، وامّحت رسومُ عهدك. وإلى هذا أشار من يقول في بعض الفصول: صدق المثل: (لا صَدِيقَ لميت لو كان يصدق مات حين يموتُ) فما اشتغالُكَ بما لا ينفعك في معاشك، ولا معادك، ولا يُبصرك (٢) في اقترابك ولا ابتعادك، اصْحَبْ صاحباً لا تحتاج معه إلى سواه، وهُمّ عملاً واحداً لا تكلف نفسك إلا اياه، لعل قلبَكَ بذلك الصاحب يأنس، ونفسَكَ من غير ذلك العمل تيأس، إنَّكَ إن جلوت بالخلوة فؤادك، وقصرت على الخير مرادَكَ، وكحلت عينيك سُهَادَكَ، واتخذت الله في كل أمر عمادَك، وشفعت بالدموع لمردود وجهك الذي لا حياء في ديباجته، ورفعت إلى الله يديك مرتعشاً من هيبته وجلالته، وشفعت ذلك بإطالة السجود والناس هُجود، وبالإلحاحِ في طلب القبول والناس غفول، رَجَعتْ لك رعاية تأخذ بضبُعَيْك عند السقطات، وتُنقذك من ورطتك عند الورطات، لعلهم إن عَلِمُوا بحبه، يرعون حق ودِّهِ لقلبه، ويسمحون طول بُعده منهم بحسن وصله وقربه، فييأس الحساد من حنينه، ويستريحُ من عظيم كربه بإراحة
стр. 65
القلب وسلوانه، إن لم يُفِدْ مودة من ربه. ومن كلام له ﵁: إخواني قَطِّعُوا مراثر الآمال، فإن الأمر قريب، واستكثروا من صالح الأعمال، فإن السفر بعيد، وسرحوا أبصاركم في مواطن الأهوال، فإن الأمر جليل، وقلِّبوا أفكاركم في عواقب الأحوال، فإن اللُّبث قليل، واهتدوا بنور القرآن في ظلمة الحيرات، وانتفعوا بقول الرحمن (فاستبقوا الخيرات) ألا أدلكم على طبيب هذه النفوس ومطلقكلم من هذه الحبوس، عليكم بالقرآن، فإنه الطبيب الآسي، عليكم بالقرآن فإنه الكريم المواسي، ارتعوا في رياض حواميمه، انتفعوا ببيان طواسيمه، اقتدوا بأعلام مصابيحه، استقوا بغمام مجاديحه إلى قوله:
"انظروا إلى معجز لا ينالُهُ طاقاتُ العباد، وجديدٍ لا يَخْلَقُ على الترداد، وأسلوبٍ يتعالى عن الإِقواء والسِّناد، وغريبٍ لا يُمَاثلُهُ ما في الأنجاد، وعربي جاء به أفصح من نطق بالضاد، تحدّى به مَهَرَةَ الكلام فأسكتهم، وأردى به فرسانَ البيان، فكبتهم أظهر به عجزهم، وأبطل به عُزَّاهُم وعِزَّهُم، وتلاه في مجامع محافلهم المشهودة بمسالفهم، وأوحاه في مسامع جحافلهم المرفودة بمصاقعهم، فقالوا مرة: ساحر كذاب، وتارة شاعر مرتاب، تَاللهِ لهم أكذب وأشعر، وأعرفُ بأساليب الكلام وأسحر، راضوا فنون البلاغة وملكوها، وارتضعوا أضاريب البلاغة ولاكوها، وخاضوا أودية الشعر وغماره، ومارسوا أعمارهم كهولة وأغماره فما بالهم وهذه الفرية على من لا يُحسن إقامة بيت من أوزانه، ولا يدري بأفنانهم في ميدان عروضه وميزانه، وأعجب من هذه رميهم له بالخيانة وهو في ألسنتهم يُدعى الأمين وبهتهم له بالخيانة وهو في بيوتهم مُصاصة المُصاصة في النسب العربي المبين، معروف البشارة في باديتهم ومَكَّتِهم،
стр. 66
مشهور العدالة في بطحائهم وبَكَّتهم .. إلى كلام طويل حذفناه اختصاراً (١).
وقد ابتعد الإمام الوزير عن الناس حتى عن أهله؛ ومال إلى الزهد والورع، واشتغل بالذكر والعبادة كما ذكر أحمد بن عبد الله الوزير في كتابه " الفضائل " وملازمة الخلوات والأماكن الخالية، كمسجد وهب (٢)، ومسجد نُقُم، ومسجد الروية، ومسجد الأخضر، وفي المنازل العالية على سطح الجامع ينقطِعُ في بعض هذه الأماكن ثلاثة أشهر: رجب وشعبان ورمضان، ويعتذِرُ عن موافقة أهله وأرحامه، ويسألهم إسقاط الحق من الزيارة وعن غيره.
كما كان يذهب إلى المفاوز، وشِعاف الجبال، وبطون الأودية،
وأقام بعضَ الوقت في رأس قُلة بني مسلم (٣) (جبل سَحَمَّر) ووصف حاله بقوله:
فَحِيناً بِطَوْدٍ تُمْطِرُ السُّحْبُ دُونهُ ... أشمَّ منيفٍ بالغَمامِ مُؤَزَّرُ
وَحِيناً بشعْبِ بَطْنِ وَادٍ كأنَّهُ ... حَشَا قلم تُمْسِي به الطَّيْرُ تصفرُ
أُجَاورُ في أرَجائِهِ البُومَ وَالقَطَا ... فَجِيراتُها لِلمَرْء أولى وأجْدَرُ
هُنَالِكَ يصْفُو لي مِن العيشِ وِرْدُهُ ... وإلا فَوِرْدُ العَيْشِ رَنْقُ مُكَدَّرُ
فإن يَبِسَتْ ثَمَّ المراعي وأجْدَبَتْ ... فروضُ العُلاَ والعلم والدين أخْضَرُ
ولا عَار أن ينجو كريمٌ بنفسه ... ولَكِنَّ عاراً عجزُهُ حين يُنصر
فَقَدْ هَاجَرَ المختارُ قبلي وَصحْبُهُ ... وفرَّ إلى أرض النجاشيّ جَعفَرُ
стр. 67
شعره
له شعر كثير في أغراض شتى وأكثره في مدح علم الحديث ومدح أهله، وقد تقدم شيء من ذلك ومن شعره قوله:
إن كان حبي حديثَ المصطفي زللاً ... مني فما الذنبُ إلا من مصنفه
وإن يَكُنْ حبه ديناً لِمعترف ... فذاك هَمِّي وديني في تعرفه
ومذهبي مذهبُ الحَقِّ اليَقين فمَا ... يُحَوِّل الحال إلا من تشوفه
وذاك مذهبُ أهلِ البيت إنَّهم ... نَصُّوا بتصويبِ كُلٍّ في تَصَرُّفِهِ
نَصُّوا بتصويبِ كُلٍّ في الفروعِ فما ... لَوْمُ الذي لام إلا مِن تعَسُّفهِ
فما قفوتُ سوى أعلام منهجه ... ولا تلوتُ سوى آياتِ مصحفه
أما الأصولُ فقولي فيه قولُهم ... لا يبتغي القلب حيفاً عن تحنفه
ففي المَجَازاتِ أمضي نحو معلمه ... وفي المجازَات أبقى وسطَ موقفه
فإن سعيتُ فسعيي حَوْلَ كعبتِه ... وإن وقفتُ ففي وَادِي مُعرّفه
وحقِّ حبي له أنِّي به كَلِفٌ ... يُغنيني الطبعُ فيه عن تكلُّفه
هذا الذىِ كَثُرَ العُذُّالُ فيه فما ... تّعَجَّبَ القَلْبُ إلا مِن معنفه
ما الذنب إلاَّ وقوفي بين أظهرهم ... كالماء ما الأجن إلاَّ من تفوقه
والمندلُ الرطب في أوطانِه حَطَبٌ ... واستقر صرفَ الليالي في تصرفه
يستأهِلُ القَلْبُ ما يلقاه ما بَقِيَتْ ... لَهُ عَلاقَةُ توليعٍ بمألفِهِ (١)
وله أيضا:
إذَا فُتِّحَتْ أبوابُ رحمةِ رَبِّنا ... صَغُرْن لديها موبقات الجرائِمِ
وإنْ هي لم تُفْتَحْ ولم يَسْمَحِ الخطا ... فَعدّ مِن الهُلاَّك أهل العزائم
стр. 68
وما الربحُ والخُسران إلا لِحكمة ... بها جَفَّت الأقلامُ قبلَ الخواتم
كما حجب الأبصارَ عن كُنْهِ ذاته ... لِذَا حَجَب الأسرارَ عن كل عَالِم
فَقُلْ لِجميع الخائضينَ رُويدَكم ... فليسَ بسرِّ الرَّبِّ فيكم بِعالمِ
فهذا مرامٌ شَطَّ مَرْمَى العُقُولِ في ... مداه فما في سُبْلِهِ غيرُ نادِم
بعض ما مدح به الإمام ابن الوزير من نثر وشعر:
أثنى بعض العلماء على الإمام ابن الوزير فقد وصفه الأديب البارع وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي بكر العطاب في تاريخه بقوله: الإمام الحافظ أبو عبد الله شيخ العلوم وإمامها ومن في يديه زمامها قُلِّد فيها وما قلَّد، وألفي جيد الزمان عاطلاً فطوقه بالمحاسن وقلد، صَنَّف في سائر فنونها وألف كتباً تقدم فيها وما تخلف، وله في حديث النبي ﷺ الباع المديد والشأو البعيد الذي ما عليه مزيد، وله شعر تحسده زهر النجوم، وتود لو أنها في سلكه المنظوم.
وقال القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرحال في كتابه (مطلع البدور) في وصفه: المحيط بالعلوم من خلفها وأمامها والحري بأن يُدعى إمامها وابن إمامها كان سبَّاق غايات وصاحب آيات وعنايات بلغ من العلوم الأقاصي، واقتداها بالنواصي فما أجد على قصوري عبارة عن طوله ولا أجد في قولي سعة لذكر فعله وقوله " وقد تقدم ما أثنى به عليه أحمد بن عبد الله الوزير في تاريخ آل الوزير والإمام الشوكاني في البدر الطالع.
ومدحه الشاعر شهاب الدين أحمد بن قاسم الشامي بقوله:
ألمَّ بمحمودِ السجايا محمد ... يُعنك وإن ضاقت عليكَ المسالِكُ
فتقتبس الأنوارُ مِن روض علمه ... وتُلتمَسُ الأزهارُ وهي ضواحك
стр. 69
هو البحرُ علماً بل هو البدرُ طلعةً ... هو القطرُ جوداً وهو للمجد مالك
كفاه كتابُ اللهِ والسنة التي ... أتانا بها مَنْ صدقته الملائكُ
ففاضت له مِن حضرة القدس نُكتة ... من العلم سراً فيضُها متدَاركُ
فأشرق منها طورُ سنين بهجةً ... ونوراً تعاطته النجومُ السوامِكُ
فما شاطىء الوادي المقدسِ مِن طُوى ... ولا نوره إلا عليه يباركُ
ولم يَتَّبِعْ نعمانَهم وابنَ حنبل ... ولا ما يقولُ الشافعي ومالكُ
وأعلامَ أهلِ البيتِ ردَّ علومَهم ... وما زالَ يحكي ضعفَها وهو ضاحِكُ
وما ذاك إنكار لِمشهورِ فُضلهم ... ولكنَّه في منهجِ الحَقِّ سَالِكُ
وأما رجَالُ الاعتزالِ فإنَّه ... لِما صنفوه في الأصولين تَارِكُ
إذا كانَ ذاك العلمُ منهم فعقلُه ... لتلك العقول العالمات مشارِكُ
هنيئاً لقوم قلَّدوه لأنَّه ... أنار المعالي وهي سُودٌ حوالِكُ
كأني بهم في جّنَّةِ الخُلد حولَه ... لهم سُرُرٌ مرفوعةٌ وأرائِكُ
فهذا الذي أحيا شَرِيعةَ جَدِّه ... وأحيا به من في الضَّلالَةِ هالِكُ
فَلَوْ قَلَّدُوه الأمر كَانَ خليفةً ... وقلتَ له الدنيا وتلك الممالِكُ
وقصَّر كسرى عن مداه وقيصرٌ ... وهرموزهم، والنردَسَين (١) وبابكُ
وسار وتاجُ المُلك مِن فوق رأسه ... كذا سارَ عيسى وهو لله ناسِكُ
وحوليه مِن آل النبيِّ عِصابةٌ ... ترق للقياها الجبالُُ البوارِك
يدورُ عليها من جديد سحائب ... بوارِقُها تلك السيوفُ البوائِكُ
فيا لك مِن أقمار ليلٍ تقلنسَت ... كواكِب إلا أنَّهن برائِكُ
يشُقُّون قَلْبَ الجيشِ والموتُ شاهد ... فيمضون قسراً والقنا متشابِكُ
غُيوث ولكِنْ حين لا يسمَحُ الحيا ... ليوث ولكِن حينَ تحمى المعارِكُ
стр. 70
أولئك أهلُ البيت أثنى بمدحهم ... وتطهيرهم مَن للسَّمواتِ سامِك
فيابن رسولِ الله لستُ ببالغ ... ثناءَكَ إلاَّ أنَّني متبارِكُ
فَخُذْها بعفوٍ منك واسْتُرْ عيوبَها ... ولا يهتِكنْ تلك الستارة هاتِكُ (١)
وهذه أبيات كتبها العلامة العارف البارع يحيى بن رويك الطويلي، وكان مقيماً في تعز، يمدح الإمام محمد بن إبراهيم الوزير:
أَراك تَلُوم ولا أَرْعَوي ... فَخَلِّ الهديرَ وخَلِّ الدوي
كلامُك في الحق لم تعدُه (٢) ... فيدخل في سَمْعِ صّبٍّ جَوِي
وأنتَ الحكيمُ وأنتَ الرشيد ... فدَعْ عنك لَومَ السفيهِ الغوي
تملَّك قلبي حُبُّ الحبيب ... وصارَ على عرشه مستوي
وما زالَ ينشرُ فيَّ السَّقَام ... غرامٌ عليه فؤادي طوي
وما ضَحِكَ البرقُ إلا بكَيتُ ... بُكاً ما شَفَى لي قَلباً دوِي
يلوحُ فيمطر مِن أعيني ... دموعاً كَوَبْل السحابِ الروي
وأتبعه مِن حنيني ومن ... زفيري رعداً شديدَ الدوي
وُيوقد في الغيم ناراً بها ... يذوبُ فؤاديَ أو ينشَوِي
لَهَا لهباتٌ يبيت الظلام ... يجفَل عنهن أو ينزَوي
وقد طَارَ عَنْ وكر جفني الكَرَا ... فَلَيسَ إليه لَه مِن أوي
وساهرني البرق حتّى الصباح ... كما ساهَر الخِلِّ خِلٌّ نوي
ويظهر لي كلما شمته ... تَضَرُّب من جُنَّ أو من حَوِي
كأن الذي بي من لوعة ... به فهو يقلق أو يلتوي
تَصَوَّب مِن صَوبِ صنعاء لي ... فَشَبَّ الهوى مِن فؤادي الهوي
стр. 71
وذكرني مَن ثوى ثم من ... أناس لهم في فؤادي ثوي
مهماتُ قلبي ادِّكارهم ... يؤلفها البارقُ الأسنوي
أحن إليهم حنينَ النياق ... وأثغوا غراماً ثُغاء الشوي
ولا سيما عزِّ دينِ الهدى ... وقطبِ رحا الشرفِ الهادوي
محمد المرتدي بالكمال ... وسالك كل صراط سوي
وإنسان عين بني المرتضى ... ودُرَّة عقدهم اللؤلؤي
وبحر المعارف ذاك الذي ... غدا البحر في جنبه كالطوي
ورافع أعلام علم الحديث ... وناصب عرش الهدى المنهوي
وناشر سنة خيرِ الأنام ... وقد كان منثسورها منطوي
ومُحييها وبإحيائها ... جلا ذهب المذهب اليحيوي
تجرد في بعث مقبورها ... وإنقاذ ما كان فيها ثوي
وما زال يفتي بها في أزال ... ويخدمها خدمةَ المقتوي
ويسفك في نصر أعلامها ... بصُمِّ اليراع دِمَاء الدوي
فروضتُها الآن مخضرَّةٌ ... تَرِفُّ من الرِّيِّ بعد الذُّوي
ومرتعها قد غدا مُعْشِبَاً ... ومن بعد صفرته قد حوي
فلِلهِ دَرُّكَ من سَيِّدٍ ... على كُلِّ مكرمة محتوي
ودَرُّ جحا حجةٍ أشبهُوك ... مِن هادويٍ وَمِن مهدوي
هُمُ مثلُ أحرفِ بيت القصيد ... وأنتَ لهم مثلُ حرف الروي
إليكم أحِنُّ حنيناً إذا ... ظما كَادَ ضلعي به يَشْتَوِي
وأذكركم فيكادُ الفؤاد ... يذوبُ مِن الشَّوقِ أو ينشوِي
فقلبي كليمُ بموسى الفِراق ... وحُبِّي برؤيتكم موسوي
أحبُّكم يا بني أحمدٍ ... وَحُبُّكم أسُّ ديني القوي
أًحِبُّكم مثل حُبِّ المسيـ ... ـح دان به الراهب العيسوي
стр. 72
أوفيكم حَقَّ حبي ولا ... أُدنِّسُه بغُلُو الغَوِي
وأهوى على البُعدِ لُقياكم ... ولُقياكم خَيْرُ شيء هوي
وأعلم أنكم كالوُكور ... ونحنُ طيورٌ إليها أوي
عَطِشْتُ إلى لَثْمِ أقدامِكُم ... فيا ليتَ شعري متى أرتوي
فلا زلتُم يا بني أحمد ... كهوفاً إليها اللحاق الضوي
مؤلفاته
اشتغل بالتأليف منذ سِن مبكرة، فهو قد صنف " العواصم والقواصم " ولما يَبْلُغ الثلاثينَ سنة، ولم ينقطع عن التأليف حتى قرب وفاته:
١ - إيثار الحق على الخلق في معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته على مناهج الرسل والسلف. صنفه سنة ٨٣٧ هـ وهو آخر مؤلفائه.
٢ - البرهان القاطع في معرفة الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع فرغ من تأليفه في رجب سنة ٨٠١ هـ وقد طبع، وقال يحيى بن الحسين: وله كتاب البرهان في أصول الأديان قرر فيه الاستدلال بالظنيات في الأصول وهو خلافُ الجمهور ولعلَّه هو البرهان القاطع.
٣ - التأديب الملكوتي وهو مختصر، وفيه عجائب وغرائب، قال صلاح ابن أحمد بن عبد الله الوزير: لم أجد هذا الكتاب في الخزانة، وإنما وجدتُ منه وريقاتٍ يسيرة من مُسَوَّدَتِهِ زادت الأسف عليه.
٤ - تحرير الكلام في مسألة الرؤية وما دار بَيْنَ المعتزلة والأشعرية.
٥ - التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية لأخيه الهادي بن إبراهيم الوزير.
стр. 73
٦ - ترجيحُ أساليب القرآن على أساليب اليونان في أصول الأديان وقد طبع.
٧ - تنقيح الأنظار في علوم الآثار وهو كتاب جليلُ القدر، جمع فيه علومَ الحديث وزاد فيه ما يحتاج إليه طالبُ الحديث مِن علم أصول الفقه، وأفاد فيه التعريف لمذهب الزيدية، وهو يُغني عن كتاب العلوم للحاكم، صنفه سنة ٨١٣ هـ وشرحه البدر محمد بن إسماعيل الأمير، وسماه " توضيح الأفكار على تنقيح الأنظار " في مجلدين وقد طبع.
٨ - الحسام المشهور في الذب عن دولة الإمام المنصور.
٩ - حصر آيات الأحكام، وقال يحيى بن الحسين في " طبقاته ": وكتاب في آيات الأحكام قدر مائتين وست وثلاثين آية.
١٠ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم في أربع مجلدات، وهو الذي تقوم مؤسسة الرسالة بنشره وقد اختصره في مجلد وسماه " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " وقد فرغ من تأليف المختصر يوم الأربعاء الثالث من شهر شعبان سنة ٨١٧ هـ. وقد طبع مرتين.
١١ - قبولُ البشرى في تيسير اليُسرى، مجلد لطيف ضمنه ما يجوزُ من الرخص وما لا يجوز، وما يكره وما يستحب، وأقوالُ أهل العلم في ذلك.
١٢ - كتاب في التفسير من الكلام النبوي ذكره في " إيثار الحق على الخلق " وقال: جمع فيه ما في جامع الأصول، ومجمع الزوائد، والمستدرك للحاكم. وقال صلاح ابن أحمد بن عبد الله الوزير: ولم يُوجد هذا الكتاب.
стр. 74
١٣ - نصر الأعيان على شر العميان كتبه رداً على أبي العلاء المعري وقال فيه ما لفظه: وقد ولع بعض أهل الجهل والغرة بإنشاد الأبيات المنسوبة إلى ضرير المعرة، وهي أحقر من أن تسطَّر، وأهون من أن تُذكر، ولم يشعر هذا المسكينُ أن قائلها أراد بها القدحَ في الإسلام من الرأس، وهدم الفروع بهدم الرأس، وليس فيها أثارَةٌ من علم، فيستفاد بيانُها، ولا إشارة إلى شبهة فيوضح بطلانها، وإنما سلك قائلها مسلك سفهاء الفاسقين والزنادقة المارقين وما لا يَعْجِزُ عن مثله إلا الأراذلُ مِن ذم الأفاضل بتقبيح ما لهم من الحسنات، وتسميتها بالأسماء المستقبحات، تارة ببعض الشبهات، وتارة بمجرد التهويل في العبارات، كما فعل صاحب الأبيات. وصدَّر الكتابَ المذكور بهذه الأبيات:
مَا شَأْنُ مَنْ لمْ يدْرِ بالإسْلامِ ... والخَوْضِ في مُتشابِه الأحْكامِ
لَوْ كُنْتَ تدْرِي مَا دروْا مَا فَاهَ بِالْـ ... ـعَوْرَاءِ فُوكَ، ولا صَمَمْت صَمَام
لَكِنْ جَمَعْتَ إلى عَمَاكَ تَعَامِياً ... وَعُمُومَةً فَجمعْتَ كُلَّ ظَلامِ
فَاخْسَأ فَمَالك بالعُلوم دِرَايَةً ... القَوْلُ فِيهَا ما تقُول حَذَام
ما أذْكَرَ العُمْيَانَ للأعْيَانِ بَلْ ... ما أذْكر الأنعَامَ للأعلامِ
وإذَا سَخِرْتَ بِهمْ فلَيْسَ بِضَائِرٍ ... إنْ هَرَّ كَلْبٌ في بُدُورِ تَمَامِ
مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلأنبياءِ مُعَظماً ... لَمْ يَدْرِ قَدْرَ أَئِمَّةِ الإسْلامِ
لَمْ تَدْرِ تَغْلِبُ وَائل أَهجَوْتَهَا؟ ... أمْ بُلْتَ تحْت المَوْجِ وهي طَوامِي
وقال محمد بن عبد الله بن الهادي: وقد أحببتُ ذكر هذه الأبيات لما فيها مِن الذب عن أئمة الاسلام.
١٤ - كتاب الأمر بالعزلة في آخر الزمان.
стр. 75
١٥ - مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق وقال فيه بيتين:
ولي فيك دِيوان سَقَيْتُ فنونَه ... دُموعي فأضحى رَوْضُه مُتفنّنا
وكنتُ امرءاً أهوى البَرَاهِينَ في الثَّنا ... فرصعتُه فِيها فَجَاء مُبرْهَنَا
١٦ - مختصر في علم المعاني والبيان.
١٧ - رسالة في عدم اشتراط الإمام الأعظم في صلاة الجمعة.
١٨ - كتاب في علم المعاملة.
١٩ - ديوان شعره.
٢٠ - رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار (١).
وأما المسائل والردود على أصحاب الأفكار المُبَدَّعة، فلا يأتي عليها العد ولا يُستطاع على ما تضمنه الرد.
وفاته
توفي ﵀ يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من المحرم غرة سنة (٨٤٠)(٢) وقد بلغ من العمر أربعة وستين سنة ونصف السنة بمرض الطاعون الذي انتشر في اليمن في سنة (٨٣٩) وسنة (٨٤٠ هـ) وقد دفن في الرويات (مسجد الروية) المعروف اليوم بمسجد فروة بن مسيك قبلي مصلى العيد