← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يَفْهَمُهُ من غير فكرة؛ كما يفهم كلُّ أحد نصفَ العشرة، إما لفرط ذكائه، وإما لشدة رياضته في علم الحساب، وكذلك سائرُ المعارف، على ما يأتي تحقيقه (١)، إن شاء الله تعالى. فتأمل هذه النكتة. وان رجعت إلى ما أرشد إليه كتابُ الله تعالى مِن البراهين القاطعة، والأنوارِ الساطعة، وجدْتَهُ مشحوناً من ذلك بأشفاهُ وأكفاهُ وأوفاه. وذلك ما اختارهُ لخليلهِ إبراهيم -صلى الله عليه- حين طلب أن يَطْمَئنَ قلبُهُ، ولكليمه موسى حين أراد أن يُفْحِمَ خصمَه، وهو النَظرُ في المعجزات المعلومة، والتواتر فيها يقومُ مقامَ المشاهدة، والآيةُ في قصةِ إبراهيمَ معروفة. وفي قصة موسى ﵇ قولهُ تعالى، في حكاية موسى لفرعون، لَما اشتدَّ كُفْرُ فرعون وتفاقمَ، ولم يُسَلِّم له ما أشار إليه من الاحتجاج بخلق المخلوقات، فرجع موسى بعد ذلك إلى أفحمِ الحُجَحِ، وأقطعها للشَّغَب، فقال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٠ - ٣٤]. فالنظرُ في المعجزات الواضحات، والخوارق الباهرات، كان إيمان عامةِ أهلِ الأسلام، في زمن الرَّسُول ﵇، وبه كان إيمان السَّحَرة في زمن موسى ﵇، الذين حصل لَهم مِن اليقين في ساعةٍ واحدةٍ، حتى صبَرُوا على مرارةِ القَتْل، وفراق الحياة ما لم يحصل لكثيرٍ من النُّظارِ في الكلام، في عِدَّة أعوام. فمن أحَبَّ برْد اليقين، وثلَج الصُّدور، تدبر ما في كتاب الله تعالى

стр. 177

من ذلك، وَمِن ردود الأنبياء على الكفار، فإِنْ أحَبَّ الزيادَةَ؛ ضمَّ إلى ذلك النظر في المصنفات في ذلك: "كالشفاء" (١) للقاضي عياض، و" أعلام النبوة " من كتاب " البداية والنهاية " لابن كثير وأمثالهما. وكذلك قراءةُ سيرة النبي ﷺ ، ومعرفة أوصافِه، وقرائنِ أحوالِهِ، فإِنَّها تُفيدُ العلم الضروري العادِيَّ وَحْدَها، فإذا انْضمَّت إلى المُعْجِزِ؛ مَحَت الوسواسَ وأطفأته؛ كما يُطفىء الماءُ النارَ. وممنْ ذكر ذلكَ، واقتصر عليه، وما قصَّرَ فيه الرازي في كتابِهِ " الأربعين في أصول الدين ". وقد أخذتُ كلامَهُ وزدتُ عليه أكثر منه، وجعلتُهُ مُصَنفاً مُسْتَقلاً، سميتُهُ: " البرهان القاطع في معرفة الصانع، وجميع ما جاءت به الشرائع " (٢)، وهذه طريقُ المحدثين، بل طريقُ السابقين الأولين، وجميعِ التابعين، وسائرِ عوام المسلمين. ولمَّا كتبَ رسولُ الله ﷺ إلى هرَقْل، جمع من وَجَد من العرب، وكان فيهم أبو سفيان، فسألَهُ عن القرائن التي تَدلُّ على صِدقِ رسول الله ﷺ مما كان عليه جميعُ الأنبياء، من أصالةِ النسب، وصدقِ اللهجة، والوفاء بالعهد، وعدمِ الغَدْرِ، ونحو ذلك. وقطع بنبوته وظهوره، لأجل ذلك. وهو حديث عظيم؛ ينفعُ في التصديق لرسول الله ﷺ . رواه

стр. 178

البخاري (١)، من حديث ابن عباس. وليس فيه ذكرُ المعجزات، ولا سأل عنها قيصر. وقد بسطْتُ الحُجَّة في هذا؛ في غير هذا الموضع. وليت المبطلينَ لهذه الطريقة، والْمُكَفِّرين لِمَنْ تَمسَك بهذه العروةِ الوثيقة؛ أتَوْا بما يجْبُر الكُلومَ، ويُحَيِّرُ الخُصُوم، وإنما أثاروا غُبار اللَّجاج، وشَبُّوا نيرانَ الحِجاج. فأتوا بما يُمْكنُ الخصمُ أن يُعَارِضَهُ بنحوه، أو يُنْكِرَ الحجةَ فيه. فَدَوَّنوا وسواسَ الشيطانِ، وما يُورِثُ الحيرةَ على أهْل الإيمانِ، وراموا الاحتجاجَ على مبادىءِ الأدلةِ القوية الفطرية بما هو أدقُّ منها؛ مِن الأساليب النظرية الخفية. حتى ذهب كثير من المعتزلةِ إلى أن بعد العلم بالله، وأنَّهُ صانع العالم، وأنَّه مُتَّصف بصفات الكمال؛ نحتاج إلى دليل آخر يدلُّ على أنه موجود، وأنا قبل ذلك، نجَوِّزُ أنَهُ -مع إيجاده للعالم وكماله في صفاته وأسمائه- معدوم. ثم لا بد لهم من الانتهاء إلى دعوى الضرورةِ، أو سكون النفس في أمور لا تزيدُ في الوضوح على مبادىء الأدلة؛ التي أشار إليها السمعُ، واكتفى بها السَّلَفُ. وتحصُل بكثرة الإصغاء إلى الشُّبهِ شُكُوكٌ تشْبهُ شُكُوكَ المُوسْوَسين في الطَّهارة. ويمكن فيما انْتَهوْا إليه ما يمكن في مبادىء الأدلة مِن الشَّك، أو دعوى الضرورة. وهذا يقوِّي كلامَ أهل المعارف، وطرائق السلف، كما يأتي مبسوطاً، إنْ شاء الله تعالى. وربما أنكرَ هذا؛ مَنْ شَرَعَ في تعَلُّمِ الكلامِ، ولم يُحقِّقْ، ولم يَعْرف مقاصدَهُم فَيُصَدِّق.

стр. 179

وعلى الجُملَة، إنهم جَعلوا ميزان عِلْمهم الذي يتميزُ به عن الجهل، واعتقاد التقليد، وعن الضروريات التي لا تستحق أن تُطلب بالنظر و (١) التَعَلمِ، هو جوازُ ورود الشكِ، وطُرؤ الشُبْهة عليه في الحال، وفي الاستقبال. وأنتَ إذَا حققت النظر، وجدتَ ما كان على هذه الصِّفةِ، خارجاً عن العلم المتميز عن غيره بالجزم والقطع، لأنَّ كل ما جوزت أن ينكشف بطلانُه في وقت من الأوقات، جوزت أن ينكشف بطلانه (٢) الآن، إذ لا أثر للأوقات في البطلان. وكلما جوزت أن ينكشِفَ بطلانُهُ الآن، لم يكن علماً جازماً، ولا كان بينَه وبينَ الظن الغالب الراجح فَرقٌ ألبتة. إنهم يُسمُّون الوساوِس -في حقِّ المحدثين، ومَنْ لم يعرف الكلام من سَائر علماء المسلمين، وعامةِ المؤمنين-: شَكاً وجهالة، ويجعلونه في حق أنفسهم فارقاً بين الضرورة والدِّلالة (٣). وقد ذكر الشيخُ تقي الدين (٤)، في " شرح العمدة ". أن في الفرق بينهما إشكالاً. ولما يَزد على هذه الإشارة، وقد أوجز وأبلغ. وَقَوْلُهُم: إنْ قدِحَ في أركان الدليل؛ فهو شك يجبُ إزالتُهُ وإلا فهو وسواس مُطَّرح، زخرفةٌ لا تحقيق فيها، فإن الشك في الشيء إنما ينشأُ من

стр. 180

الشك في أحد أركان الدليل. والطمأنية بجميع أركان الدليل تستلزم بالضرورة الطُمأنينة بالنتيجة. وكيف يحصل الشك في أن الدراهم في الصندوق، وهو النتيجة المعتقدة، مع الطمأنينة بركني الدليل ومقدمتيه، وهما القطعُ بكون الدراهم في الصُّرة، وكل صُرَّة في الصُّنْدوق. وهذا خَلْفٌ (١) مِن الكلام، وغلاط (٢) مِن أهلِ الكلام. ولكنَّ هذا شيء لم يُكلف الله المسلمين بإتقانه؛ بإجماع المتكلمينَ والمحدثين وجميع المسلمين، لخروجه عن مقدوراتهم بالضرورة، وكل أحد يجدُ ذلك من نفسه، ولم يسلم منه الأنبياء! صلوات الله عليهم وقد يكون امتحاناً من الله تعالى وقد يكون عقوبةً -والعياذ بالله من ذلك- وقد يكون سببُه من الشيْطَان -نعوذ بالله منه-. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] ولذلك وَردَ في الصحيح من غير طريق -كما يأتي- الأمْرُ عند ذلك بالاستعاذة من الشيطان الرجيم، أعاذنا الله منه. وهذا لا يخرُجُ من الإيمان -كما يأتي تحقيقُهُ- بل ولا يخْرجُ مِن مطلق العلم اللغوي، فإنَّ الظن الراجح المطابق يُسمَّى علماً في كتاب اللهِ، وسنة رسول الله ﷺ . وهو مذهبُ أبي القاسم البلخي الكعبي (٣)،

стр. 181

ومن تابعه على ذلك. رواه عنه: الإمامُ المؤَيد بالله (١)، في آخر كتاب " الزيادات " واختاره ﵇. والمختار عندهم: كفاية الجُمل، وأوائل الأدلة لعامة المسلمين، مع السلامة من الشك والشبهة والحيرة، وذلك وسطٌ بين المذهبين، وخيرُ الأمور أوساطُها، لا تفريطُها، ولا إفراطُها. وسيأتي هذا مبسوطاً بأدلة الفريقين، وإنَّما قدمتُ هذا؛ لأنَّ من الناس منْ يكتفي بالنظر في مقدمة الكتاب. ومن حُجَّة " المؤيد بالله " ومن قال بقوله: إنه قد وَرَدَ في الحديث: زيادة الإيمان ونقصانه، حتى ينتهي إلى أدنى أدنى من مثقال ذَرَّة (٢)، وذلك متواترٌ، ومجمع عليه عند أهل السُّنة. والعلمُ الاصطلاحي، لا يصِحُّ فيه التَّفاوت، وقِسْمتُهم له إلى ضروري واستدلالي، مختَلَفٌ فيه، والصحيح أنه لا يكون حيث يَثبُتُ إلا ضرورياً، وحين تزولُ عنه الضرورَةُ، تزول عنه صِفةُ العلم الاصطلاحي. والوجه في ذلك؛ أنهُ لا بد من انتهائه إلى مقدمتين ضرورتين، ومتى انتهي إلى ذلك، فنتيجةُ كل مُقدمتين ضروريتين، ضرورية مثلُهما. وهذا

стр. 182

يُوجب أنْ تكونَ المقدمات كلها ضرورية، وكونُ المقدمات كذلك، يوجب أنْ تكون النتائج كذلك. والله تعالى له حكمةٌ بالغةٌ في عدم وضوح أمور (١) الآخرة لكل أحد إلى حدِّ الضرورة، على جهة الاستمرار، لِما فيه من بطلان الامتحان؛ الذي أخبر سبحانه أنه له مراد، قال الله تعالى في الساعة: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]، وقال ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [الحج: ٥٢]. وأمثال هذا لا يُحصى، وسيأتي لهذا مزيدُ بَيان، والمُقَدمةُ لا تتسع لأكثرَ من هذا. واليقينُ التام، وانتفاءُ الوسواس؛ هو الغالبُ على أنبياء الله -سبحانه- وأوليائِه، وحصولُه مَوْهِبَةٌ من الله تعالى، تقف على أسباب يُوفَّقُون لعملها، كالثواب المتوقف على العمل سواء. ويَندُرُ خلافُ ذلك منهم، لحكمة الله تعالى، لو لم يكن إلا لتأسي المؤمنين بهم، وعدم انكسارِ نفوسهم، كما ورد في الصحيح: " نحنُ أحقُّ بالشَّكِ مِن إبراهيم " (٢).

стр. 183

ومعنى الشكِّ هنا: هو الوسواسُ الذي لا يدخل دفعه تحت القدرة، وليس معناه الشك المستويَ الطرفين قطعاً. وقد جاء مثل ذلك؛ في موسى الكليم ﵇، في قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٧ - ٦٨]. فيا من جَرحُ وَسْوَاسهِ لا يُؤسى، أما يُعزِّيك: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾؟! ويا مَن يُداوي بالكلام قلبَه الكلِيم، لا تعدِلْ عن المرهم الذي صنعه الحكيم، لخليله إبراهيم، وهو النظرُ في المعجزات، المعلومُ حُدُوثها، وأنَّه لا بُدَّ لها من مُحْدث مختار؛ بالعلوم الضروريات، عند النظر بالفطرة الأولى (١)، والإخبات، والخلوصِ من شوائب العادات. فإن تعَذَّرَ ذلك -

стр. 184

بهذه الطريقة، وما قدمناه من النظر في كتاب الله، وقرائن أحوال أنبياء الله -فليس لليقين- بعدَ ذلك- إلا اللجوءُ (١) والتضرُّعُ إلى الله أن يَهَبَه مِنْ عِنده، ويشرح له صدْرَ عبدِهِ. وإن طال في ذلك الطلبُ، وقُوسيَ النَّصَبُ، فإن مراماً طلبَه الكليمُ والخليلُ، لجديرٌ بالطَّلَب الطويل: مَرامٌ شَطَّ مَرْمَى العَقْلِ فيه ... فَدُونَ مَداهُ بيْدٌ لا تَبِيدُ بل الدعاءُ، والتضرع، والخضوعُ مُقَدَّم: على النظر في المعجزات، وقرائِنِ الأحوالِ والأمارات. وكفي في ذلك إماماً بالخليل ﵇ فإنَّه حين طلب الطمأنينة؛ رجع إلى مولاه وتضرع إليه ودعاه. وقد أفردتُ في ذلك مصنفاً، سميته: " ترجيحُ دلائلِ القرآن على دلائل اليونان " (٢). وكما أن ذلك سببُ اليقين، فسببُ الشَّكِّ والكفر: هو النظرُ في المتشابهات، التي لم يُحِطِ البشرُ بها عِلماً، ولا عرفوا تأويلَها، كما أشار إليه القرآن العظيم، في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. وما أعظم نفْعها للمتأملين، وما يعقِلُها إلا العالمون، هي أثقابُ الدُّر دقاق، وفهْمُك حبل؛ فما يصحُّ النظمُ. ثم إني بعدَ الفراغ من ذلك الاضطراب بمعرفة الصواب، والاهتداء بنور السُنَّة والكتاب نظرتُ في أهمِّ أمور الدين، فإذا هو بذلُ الجهد في نصيحة المسلمين كما جاء في " الصحيح ": " الدِّينُ النَصيحة " (٣) الحديثَ.

стр. 185

ومِن أهمَ ما ورد: تحذيرُهم من التباغض والاختلاف وأسبابِ ذلك، وأن تُحِبَّ لهم ما تُحِبُّ لنفسك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] وقال تعالى: في آل عِمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣]. وقال تعالى -بعدها بآيةٍ واحدة-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. ونَقَمَ على مَنْ قَبلنا عدم رجوعِهم إلى ما أنْزِلَ إليهم من الكتب، والعلم الذي فيها، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]. ومثلُه قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]. يعْني الكتابَ، ولذلك

стр. 186

وَصَفَهُ بالمجيء. وقال بعدَه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩] إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. وعن جُنْدُب قال: قال رسُولُ الله ﷺ : " اقْرَؤُوا القرآنَ ما ائْتَلَفت عَليْهِ قلُوبُكمْ، فإذا اخْتَلَفْتُمْ فقُوموا عَنْهُ " رواهُ البخاري ومسلم والنسائي (١). وروى البخاري والنسَائي من حديث ابنِ مسعود قالَ: سَمِعْتُ رجلاً قرأ آيةً، وسَمعْتُ النبي ﷺ يقرأ خلافَها، فَجِئْتُ به النبي ﷺ فأخبرتُهُ؛ فعرفت في وجهه الكراهيَة. فقال: " كِلاكُما مُحْسِن، ولا تختلِفوا فإنَّ مَنْ قبلَكم اختلفوا فهلَكُوا ". انفردَ به البخاريُّ دونَ مسلم (٢)، وللجماعةِ معناه

стр. 187

مِن حديث عمرَ بنِ الخطاب في قصته مع هِشام بن حكيم (١). وله طرق عن ثمانيةَ عشر صحابياً (٢). وفيه حجة واضحة على أن الاختلاف في الأفعال مع التصويب ليس هو الاختلافَ المنهيُّ عنه. ألا تراهُ صوَّبهما في اختلافهما في القراءة، وقالَ: " كلاكُما محسن " وإنما حرَّم عليهم المماراة في ذلك، على وجه تقبيح كل واحدٍ منهما لقراءة الآخر؛ لأن ذلك مفضٍ إلى العداوة، وافتراق كلمة الإسلام. وإلى هذا أشار القرآن الكريم، حيث قال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] أي قُوَّتكم. فثبتَ تحريمُ ذلك، وما يؤدي إليه، بالكتاب والسُّنةِ. وما يَعْقلُها إلا العالمون. ويُوَضحُ ذلكَ من كتاب الله، ما حكاهُ اللهُ تعالى: من اختلاف سليمان وداود ﵉ مع الثناء عليهما، حيث قال: ﴿ففهَّمناها

стр. 188

سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]. وكذلك اختلافُ موسى وهارون، وموسى والخضِر (١)، ومخالفةُ علم كُلِّ واحدٍ منهما لِعِلْم الآخر، وموسى وآدم؛ في حديث أبي هريرة (٢). متفق عليه. بل قال الله: ﴿لو كان فِيهما آلِهة إلا اللهُ لَفَسدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وأمثالها؛ مما يَدُلُّ على لزوم الاختلاف. بل جاء اختصامُ الملإِ الأعلى في القرآن، في " ص " (٣)، وتفسيره في الحديث (٤)، ومنه خصومتُهم في الذي قتلَ مئةً، ثم

стр. 189

تابَ (١)، وخصومتهم في الدرجات والكفارات، ورجع الضمير إليهم في قوله: ﴿قُضِيَ بينهم بالحق﴾ [الزمر: ٧٥] على الظاهر (٢) والله أعلم. وَخَرَّجَا معاً من حديث أبي هريرة عنه ﷺ : " إنَّما هلك مَنْ كان قبلكم كثرةُ مسائِلهم، واختلافُهم على أنبيائهم " (٣). وقد نَبَّهَ الله -سبحانه- على ذلك، في كتابه الكريم، حيث ذَمَّهم به في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]. ولم أبذلْ جهدي فيما جمعت في (٤) كتابي هذا طَمعاً فيما لم يحصل بكتب الله المُنزلة على المرسلين من اجتَماع كلمةِ المُنْصِفين والمعاندين على الحق اليقين، وقد قال تعالى في كتابه المبين لسَيِّد ولد آدم أجمعين:

стр. 190

﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١] ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨ - ٦٠]. بل حكى الله -تعالى- أنَّ آيات كتابه المُسَمَّى: شفاءً ونوراً، يزيدُهم عمى ونفوراً، بَلْ حصرَهم في ذلك، وَقَصَرهم عليه حيثُ قالَ، تَذكيراً وتحذيراً: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤١]. فإنْ قيلَ: هل السُّكُوتُ عن المُبتدعة لازم؛ خوفاً من التفرق، والزيادة في أسبابه، لحديث جُنْدُب المقدم " اقْرَؤُوا القُرآنَ ما ائْتلَفَتْ علَيْهِ قلُوبُكُمْ فإذا اخْتَلَفْتمْ فَقُومُوا عَنْه " خرَّجاه كما مضى (١). قلْنا: أمَّا بيانُ بِدَعِهِم، وَكَفُّ شَرِّهم على الوجهِ المَشْروع؛ فواجبٌ، أو مستحبٌ، لِما ثَبتَ مِن النصوصِ الصحيحةِ، في تصويبِ عليٍّ ﵇ في حربِ الخوارج (٢). وأجمعت الأُمةُ على ذلك، مع ظهور التأويلِ منهم، والإجماعِ عليه. وأما المِراء -الذي يظنُّ فيه المفسدة، دون المصلحة- فلا خير فيه، وقد فرَّق القرآن بينَه وبين الجدال، بالتي هي أحسنُ، فقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال ﴿ولَا تكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] والله سبحانه أعلم.

стр. 191

هذا وإني لَمَّا نشأتُ بيْنَ كَراسي العُلماء الأكابر، وتربيتُ بَيْنَ عيون أهل البصائر، وَرَتَبْتُ رُتُوبَ الكَعْب في مجالسةِ فُضلاءِ السادة، وثبتُّ ثبوتَ القُطب في مجالس العلم والإفادة، ولم أزل منذ عرفتُ شِمالي من يميني، مشمراً في طلبِ معرفةِ ديني، أتنقَّل (١) في تربية الشيوخ من قُدوة إلى قُدوة، وأتوقل (٢) في مدارس العلوم من ربْوَةٍ إلى ربْوَة، وَأمُتُّ إِلى الأصول النبوية بعروق مباركة، وآمُلُ في دعواتهم لِذُرِّيَّاتهِم أن تَشمَلَني منها بَرَكة. ولم يَزَل يَرَاعِي بلطائف الفوائد نواطِفَ، وبناني للطف المعارف قَواطف. لم يكن -حتماً- أن يرجِعَ طرف نظري عن المعارف خاسئاً حسِيراً، ولم يجب -قطعاً- أن يعودَ جناحُ طلبي للفوائد مهيضاً كَسِيراً، ولم يكن بِدْعاً أن أتَنسَّم من أعطارها روائح، وأتَبصَّرَ من أنوارها لوائح. وإنَّ جماعةً نَسبوني إلى دعوى كبيرةٍ، وأُمور كثيرةٍ، فاعْتَذَرْتُهم فما عذروا، بل لاموا وعذَلوا، وجاروا وما عَدَلُوا، فصبرْت على الأذى، وعلمتُ أن الناس ما زالوا هكذا. إلا أنَّه لمَّا كَثُرَ الكلامُ وطالَ، واتَّسعَ القيلُ والقال، جاءتني "رسالة " مُحبَّرة، واعتراضاتٌ مُحرَّرة، مشتملة على الزواجر والعظات، والتنبيه بالكلم المُوقظات، وأهلاً بمنْ أهدى النصيحَةَ، فقد جاء الترغيبُ إلى ذلك في الأحاديث الصحيحة (٣)، وليس بضائرٍ -إن شاء الله- ما

стр. 192

يَعْرِضُ في ذلك من الجدال، مهما وُزنَ بميزان الاعتدال. وجِدالُ أهلِ العلْم لَيْسَ بضَائِرٍ ... مَا بَيْنَ غالِبِهِمْ إلى المَغْلُوبِ بَيْد أنَّها لم تضع تاجَ المَرَحِ والاختيال، وتستعمِلُ ميزان العدل في الاستدلال، بل خالطها من سيما المُحْتالين شَوْبٌ، ومالت من التَّعَنُّتِ في الجدَال إلى صوبٍ، فجاءتني تمشي الخطرى (١) وتميس في محافل الخطَرا (٢)، مفضوضة لم تُغتم، مشهورة لم تكتم، متبرجة قد كشفت حجابَها، وَمَزَّقت نِقَابَها، وطافت على الأكابر، وطاشت إلى الأصاغر، وَتَرَقَّت إلى قصير الإمامة، ومحل الزَّعامة، حتى مصَّتْ أيدي الابتذال نضارَتَها، واقتضَّت أفكار الرجالِ بكارتَها، وإن خيرَ النصائح الخفي، وخير النُّصَّاح الحَفِي. ثُم إني تَأملْتُ فُصُولَها، وتَدبَّرْتُ أصولَها، فوجدتُها مشتملة على القدحِ تارةً فيما نقل عني مِن الكلام، وتارة في كثير من قواعد أهلِ البيت ﵈ وغيرهم من علماء الإسلام. فرأيتُ ما يَخصني غيرَ جدير بصرف العناية إِليه، ولا كبير يستحق الإقبال بالجواب عليه، إذ كان ذلك مما يتعلق بالمسائل الفرعية، والمسالك الفقهية. وأما ما يختص بالقواعد الإسلامية -التي أجمعت على صِحَّتها العِتْرةُ الزَّكية، مثل تصحيح الرجوع إلى الآيات القرآنية، والأخبار النبوية، والآثار الصحابية، ونحو ذلك منَ القواعد الأصولية -فرأيتُ القدحَ فيها

стр. 193

ليس أمراً هَيِّناً، والذبِّ عنها لازماً متعيناً، فتعرضتُ لجواب ما اشتملت عليه مِنْ نقضِ تلكَ القواعد الكبار، التي قالَ بها الجِلَّةُ مِنَ الأئمة الأطهار، والعلماءِ الأخيار، مضمناً له النداء الصريح ببراءتي عن مخالفة أهل البيت ﵈ في تلك القواعد العظام، غير متعرضٍ لجواب ما يَخُصُّني في هذه الرسالة المذكورة، إلا أنْ يتخلل شيءٌ مِنْ ذلك؛ -في معْرِضِ الكلام- على هذه القواعد المشهورة. وقد قَصَدْت وجهَ الله تعالى في الذبِّ عن السنن النبوية، والقواعد الدينية، وليس يَضُرُّني وقوفُ أهل المعرفة على ما لي منَ التقصير، ومعرفتهُم أنّ باعيَ في [هذا] الميدان قصير، لاعترافي أني لستُ مِنْ نُقَّاد هذا الشَّان، وإقراري أني لستُ مِنْ فُرْسَان هذا الميدان، لكنِّي لم أجد من الأصحاب مَنْ يتصدَّى لجواب هذه الرسالة، لمَا يَجُرُّ إليه ذلك منَ القالة. فتصدَّيتُ لذلك مِن غيرِ إحسان، ولا إعجاب، ومنْ عدمَ الماء تيمم التراب، عالماًً بأني لو كنت باريَ قوسهَا ونبالها، وعنترة فوارسها ونزالها. فلا يخلو كلامي مِنَ الخطأ عند الانتقاد، ولا يصفو جوابي منَ الغلط عند النُّقاد، فالكلامُ الذي لا يأتيه الباطل مِنْ بين يديه، ولا مِنْ خَلْفِهِ؛ هو كلامُ الله في كتابه العزيز الكريم، وكلامُ مَنْ شهد بعصمته الذِّكرُ الحكيم. وكُلُّ كلام بعد ذلك، فله خطأٌ وصواب، وقِشْرٌ ولُباب. ولو أن العلماء ﵃ تركوا الذَّبَّ عن الحق؛ خوفاً مِنْ كلام الخلق، لكانوا قد أضاعُوا كثيراً، وخافوا حقيراً. ومن قَصدَ وَجهَ الله -تعالى- في عملٍ من أعمال البِرِّ والتُّقى، لم يَحْسُنْ منه أن يترُكه، لِمَا يجوزُ عليه في ذلك مِنَ الخطا، وأقصى ما يخاف أن يَكِلَّ حُسامُهُ في معترك المناظرة، وَينْبُوَ، ويعْثُر جوادُهُ في مجال

стр. 194

المجادلة ويَكبُو، فالأمر في ذلك قريب؛ إنْ أخطأ، فَمَن الذي عُصمَ، وإن خُطىءَ فمَن الذي ما وُصِم. والقاصد لوجه الله لا يخافُ أن يُنقد عليه خَلَلٌ في كلامه، ولا يهاب أن يُدلَّ على بطلان قوله، بل يحب الحق من حيث أتاه، ويقبل الهُدى ممن أهداه، بل المخاشنة بالحق والنصيحة، أحبُّ إليه من المداهنة على الأقوال القبيحة، وصديقك من أصْدَقَكَ لا من صَدَّقَك، وفي نوابغ الكلِمِ، وبدائع الحكَم، عليك بمن يُنذر الإبسالَ والإبلاس، وإياك ومَنْ يقول: لا باسَ ولا تاس. فإن وقف على كلامي ذكي لا يسْتقويه، أو جافٍ يَسْخرُ منه وَيسْتَزْريه، فالأولى بالذكي أن يحفظ لي جنَاحَ الذُّلِّ من الرحمة، ويشكرَ اللهَ على أن فَضَّلهُ عليَّ بالحكمة، وأما الآخر الزَّاري، وزَنْد الجهالةِ الواري؛ فإن العلاج لِترقيق طبعه الجامد، هو الضرب في الحديد البارد، ولذلك أمَرَ اللهُ بالإعراض عن الجاهلين، وَمدَح به عبادَهُ الصالحين. ثم إني ترددتُ في كيفية الجواب منَ الإيجاز والإطناب، إذ كان في كلٍّ منهما محامد، ولكلٍ فيهما مقاصد، ففي الإيجاز تأليفُ النفوس الأوابد، وفي الإطناب توسيعُ دائرة الفوائد. وصَدَّني عن التوسيع والتكثير خشية التنفير والتأخير. أما التنفير، فلأنه يُمِلُّ الكاتبَ والمكتوبَ إليه، والمتطلع إلى رؤية الجواب، والوقوف عليه، مع أنَّ القليل يكفي المنصفَ، والكثير لا يكفي المُتعَسِّف، وضوء البرق المنير يدُلُ على النور الغزير. وأما التأخير: فلأن التوسيع يحتاج إلى تمهيل عرائس الأفكار، حتى يستكمل الزينة، ومطالعة نفائس الأسْفار الحافلة بالأنظار الرصينة، والآثار

стр. 195

المتينة. فهذا البحر -وهو الزَّخّار- يحتاجُ مِنَ السُّحبِ إلى مدَدٍ، والبدرُ -وهو النَّوَّار- يفتقر مِنَ الشمسِ إلى يَد. ومِنْ أين يتأتَّى ذلك، أو يتهيأ لي، وأنا في بَوادٍ خَوالي، وجبالٍ عوالي (١)، فَتَمَصَّصْتُ مِنْ بلل أفكاري بَرَضا، وما أكفي ذلك وأرضى، إذا كان طيباً محضاً. سامحاً بالقَليلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ... رُبَّمَا أقْنَعَ القَلِيلُ وأرْضى ولكن هيهات لذاك، لا محيص لي عن أوفر نصيب من طَف الصَّاع، ولا يد لي منَ الانخداع بداعيةِ الطِّباع. وقد سَلكتُ -في هذا الجواب- مسَالكَ (٢) الجدليِّينَ، فيما يُلْزِمُ الخصم على أصوله، ولم أتَعَرَّض في بعضه لبيان المختار عندي، وذلك لأجل التقية من ذوي الجهل والعصبية، فليتنبه الواقفُ عليه على ذلك، فلا يجْعلْ ما أجَبْتُ به الخصم مذهباً لي، ثم إني قد اختصرتُ هذا الكتاب في كتاب لطيف سَمَيْتهُ: " الروضَ الباسم " (٣). وهو أقلُّ تَقِيَّة مِن هذا، ولن يخلو، فالله تعالى المستعان. " إنَّ هذا الدينَ بَدأ غريباً، وَسيعُودُ غريباً كما بدأ، فطُوبى للغرباء " رواهُ مسلم، من حديث ابن عمر، ومِن حديث أبي هريرة معاً، وصححه الترمذيُّ من حديث ابن مسعود، وَحسَّنه مِنْ حديث عمرو بن عوف بنحوه، ورواه ابنُ ماجة مِنْ حديث أنس، ونحوه مِنْ حديث معاذ (٤).

стр. 196

ثم وَجدتُ شيخَ الإسلام الأنصاري (١): قد روى مِنْ طريق أهل البيت عن عليٍّ ﵇ عن النبي ﷺ : " طلبُ الحق غُربة " (٢)

стр. 197

وهذه كلمة حق، وحكمة جاءت من مَعْدِنِها. فنسألُ الله أن يَجْبُرَ غُرْبَتنا فيه بسطوع أنواره، وظهور خوافيه، إنه جَوَاد كريم. وهذا حينَ أشرع في الجواب، والله الهادي إلى الصواب. قال: " أما المسألة الأولى، وهي: سهولةُ تَرقِّي مَرْتبَة الاجتهاد. فأقولُ: الاجتهاد مبني على أصول: منها: معرفةُ صحيح الأخبارِ. ومنها: معرفةُ التفسير المحتاج إليه من الكتاب والسُّنة. ومنها: معرفةُ الناسخ والمنسوخِ. ومنها: رسوخ في علوم الاجتهاد أيُّ رُسُوخٍ، وكُلٌّ منها صعبٌ شديد، مدركُهُ بعيد ". أقول: الكلام في المحاضرات والمراسلات والمناظرات والمحاورات وإن تفاوتت مراتبُهُ، وطالت مساحبُهُ، وتباينت تراكيبُهُ، وتنوَّعت أساليبُهُ، واستنَّت فرسانُهُ في ميادينه الرحيبة، وافتنَّت نُقادُهُ في أساليبهِ العجيبَةِ، فمسالِكُهُ المستجادة: أربعةُ مسالك، ولا يليق التعدي إلى وراء ذلك.

стр. 198

المسلك الأوَّل: الدعاءُ إلى الحق بالحِكمة البُرْهانية، والأدلة القطعية ، وهي أجلُّ المراتب، وأرفعُها، وأقطعُها للتشغيب، وأنفعُها، وعليها المدارُ في القطعي من علم المعقول، وعلم المنقول. المسلك الثاني: الجدلية: وهي عبارة عن أقْيِسَةٍ مؤلَّفةٍ مِنْ مقدمات مشهورة؛ غير يقينية. وهي قضايا يُحْكَم بها لاعتراف الناس لمصلحةٍ عامة، أو رِقَّةٍ، أو حَمِيُّة، أو عادات، أو آداب. ولو خُلِّيَ الإِنسانُ ونفسُهُ -مع قطع النظر عمّا وراء العقل- لم يحكم بها، مثل قول البرَهْمي (١): " كشفُ العورة مذموم ". وقول الفلسفي: " تعذيب العاصي قبيح ". مستندين في ذلك إلى مجرد العادة، والرِّقَّة، وقد تصْدُقُ وتَكْذِبُ، والغرض منَ الجدل إقْنَاعُ القاصر عن درْكِ البُرهان، وإلزام الخَصم، هكذا ذكَرَهُ علماءُ هذا الفنِّ. المَسْلك الثالث: الخطابية . قال المنطقيون: وهي قياساتٌ مؤَلَّفَةٌ مِنْ مقدماتٍ مقبولةٍ مِنْ شخص معتقد، أو مظنونة، وهي قضايا تُؤْخذ ممن يُعْتَقَد فيه مزيد عقل أو دين، كالموجودات من أهل العلم والزهد، أو مظنونات منْ سائر القرائن، مثل: فلان يطوف بالليل فهو سارق. والغرض مِن الخطابية، ترغيبُ السامع فيما ينفعه مِن تهذيب الأخلاق، وأمر الدين. المسلك الرابع: الوعظية، وهي نوعان: التأليف والترغيب، والتخويف والترهيب، ولكلٍّ منهما مكانٌ يليق به، وحال يَصْلُح له، وَمِنْ ثَمَّ اختلَف السمعُ في ذلك؛ ففي موضعٍ يقولُ: ﴿وقُولا لَهُ قَولاً لَيِّناً﴾

стр. 199

[طه: ٤٤]، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ منَ اللهِ ... ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وفي موضع: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨]. ومنْ ثمَّ مدح المؤمنين بالذِّلة في موضع، وبالعزَّةِ في موضع. أما النوعُ الأول: وهو نوعُ التأليف والترغيب، فهو الدعاء إلى الحقِّ بالملاطفة، وَضرْبِ الأمثالِ، وحُسْن الخُلُقِ، ولِين القولِ، وحسنِ التَّصَرُّفِ في جَذب القلوب، وتَمييل النفوس. وهذا النوع أشهرُ مِنْ أن يُبَيَّنَ بِمثَال، وسوف يأتي في التنبيه السابع ذِكْرُ طرَفٍ يسيرٍ منْ أخلاق رسول الله ﷺ المَرْويَّة في هذا المعنى. وأما النوع الثاني: وهو نوع التخويف والترهيب؛ وهو الدعاء إلى الحق بذكر الزواجر، وكشفِ غطاء المداهنة مع المخاطَب. وقد وردَ ذلك وروداً كثيراً، في السُّنةِ النبوية، والآثارِ الصحابية، وأخبار العِتْرةِ الزكية. بل ورَد في كتاب الله تعالى، قال اللهُ -سبحانه- حاكياً عن كليمه موسى ﵇: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨]. ومنْ ذلكَ قولُ يوسف لإخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧] لَمَّا نسَبُوهُ إلى السَّرقة. ومنَ الأحاديث الواردة في ذلك قولُ رسول الله ﷺ لأبي ذَر ﵁: " إنَّك امرءٌ فيكَ جاهلية " (١) رواهُ البخاريُّ. ومنه:

стр. 200

حديثُ سَلَمة بن الأكوع، الثابت في صحيح مسلم أنَّ رجلاً أكَلَ بشِمالِهِ عند رسولِ الله ﷺ فَقَال: " كُلْ بيمينك " فقالَ: لا أستطيعُ. فقالَ: " لا استَطعْتَ " مَا مَنعهُ إلا الكبْرُ، قالَ: فما رَفعَها إلى فِيه (١). وهذا الرجلُ صحابيٌّ منْ أهلِ الإسلام، وهو بُسْر بن راعي العِير الأشجعي. ذكره النووي (٢). ومِنْ ذلكَ الحديث: " مَنْ سمعَ رجلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً في المسجدِ، فليقُلْ: لا رَدَّهَا الله علَيْكَ، فإنَّ المساجدَ لم تُبْنَ لِهَذا ". رواهُ مسلمٌ (٣) عن أبي هريرة. وروى مسلمٌ أيضاًً عن بُريدة: أنَّ رَجلًا نشد في المسجد، فقال له النبيُّ ﷺ : " لَا وَجَدْتَ " (٤). ومنه الحديث: " إذَا رَأيْتُمْ مَنْ يبِيعُ أو يبْتَاعُ في المَسْجِدِ، فَقولُوا: لَا أرْبَحَ الله تجارتك " (٥)

стр. 201

رواهُ الترمذيُّ عن أبي هريرة، وقال: حديث حسن. وهذه الأخبارُ عامةٌ في ناشدٍ الضَّالَّةِ، والبائع، والمبتاع، كائناً مَنْ كان. وقد ذكرَ النواويُّ فصلاً في كتاب " الأذكار " (١)، في أنه يجوز للآمرِ بالمعروفِ والناهي عن المنكرِ، وكُل مُؤَدِّب، أن يقول لمن يُخاطبه في ذلك: ويلك، ويا ضَعِيفَ الحال، ويا قليلَ النظر لنفسه، أو يا ظالِمَ نفسه، وأورد في ذلك أحاديثَ. منها: حديثُ عَديِّ بنِ حاتِم، الثابت في صحيح مسلم (٢): أنَّ رجلاً خطب عند رسول الله ﷺ فقال: مَنْ يُطع اللهَ ورسولَه، فَقد رشد، ومَنْ يَعْصهِما، فَقد غَوى. فقال رسول الله ﷺ : " بِئْسَ الخَطِيبُ أنْت؛ قُلْ: ومَنْ يعْصِ الله ورسوله " (٣). وروى فيه حديثَ جابرِ بنِ عبد الله: أن عبْداً لحاطِبٍ جاء يشكو حَاطِباً، فقال: يا رسُولَ الله ليدخلنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فقال رسول الله ﷺ : " كذبْتَ، لا يدْخُلها فإنَّهُ شهِد بدراً والحُديبية " رواهُ مسلمٌ في الصحيح (٤).

стр. 202

وذَكَرَ فيه قولَه ﵇ لِصاحب البَدنةِ: " ويلَك ارْكَبْها " (١). وقوله ﵇ لذي الخُويصرة: " ويلك فَمنْ يَعْدلُ إنْ لَمْ أَعْدِلْ " (٢). ومِنَ الآثار في ذلك: ما روي من قولِ علي ﵇: " قَبَّحَ اللهُ مَصقلة، فعَلَ فِعْلَ السادة، وَفرَّ فِرارَ العبيد. فما أنطقَ مادحه حتى أسكته، وما صدق واصفه حتى بكَّتَهُ ". ذكره في " النَّهْجِ " (٣). وما رُوي من قوله ﵇: لابن عباس ﵄: إنك امرؤ تائِه. -حين راجعه في المُتْعَة-، وكلامُ عليٍّ ﵇: لأصحابه، في " النَّهْج " مشهور، وفيه من هذا القبيلِ شيءٌ كثير. وَمِنَ الأثارِ في ذلك: أَثرُ عبد الرحمن بن أبي بكر. وفيه: أن أباه

стр. 203

ضَيَّف جماعةً، وأجلسهم في منزله، وانصرف إلى رسول الله ﷺ فتأخر رجوعُهُ. فقالَ: أَعَشَّيتُموهم؟ قالوا: لا. فأقبل على ابنه عبد الرحمن، فقال: يا غُنثَرُ، فجدَّع وسبَّ (١). وفي هذا المعنى أخبارٌ كثيرةٌ، وآثارٌ واسعةٌ لا سبيلَ إلى استقصائِها. وهذا النوعُ أقسامٌ: منه ما يقع مع أهل المعاصي، ويتضمَّنُ الذَّمَّ لهم، والدعاء عليهم. وهذا القسم لا يكون في هذا الجواب منه شيءٌ - إن شاء الله تعالى-، لأن هذا الجواب خطاب لأهل العلم والمراتب الشريفة. ومنه ما يكونُ مع أهل العلم والفضل، ولكن على سبيلِ التأديبِ، مثل قوله ﷺ لأبي ذَر: " إنَّك امرؤٌ فيك جَاهِلِيةٌ " (٢). وقول عليٍّ ﵇ لابنِ عباس: إنكَ امرؤٌ تائه (٣). فهذا أيضاً لا يكون -في هذا الجواب- منه شيءٌ؛ لأنَّ المُجيبَ أحقرُ مِنْ أن يؤدِّبَ مَنْ هو أجلُّ مِنهُ وأكبر، بل هو بأن يُؤدَّبَ أحقُّ وأجدرُ. ومنه ما يكونُ على جهة التنبيه -لأهل الفضل والعلم- بقوارعِ الكلام

стр. 204

الموقظة -على سبيل الحِدَّة في المَوْجدَه والموعظة- وهذا قد يدخلُ منه شيءٌ في الجواب، لأنه لا أحد بأحقر من أن يقول لغيره: اتق الله، ولا أحد بأكبر من أن يقال له: اتَّقِ الله. واعلم أن للزجر والتخويف بالألفاظ الغليظة شروطاً أربعة: شرطين في الإباحة، وهما: أن لا يكون المزجور مُحِقَّاً في قوله أو فعله، وأن لا يكون الزاجرُ كاذباً في قولهِ، فلا يقول لِمن ارتكب مكروهاً: يا عاصي، ولا لِمَن ارتكب ذنباً لا يعلم كِبْرَهُ (١): لا فاسق، ولا لصاحب الفسق -مِنَ المسلمين-: يا كافر. ونحو ذلك. وشرطين في النَّدب، وهما: أن يظنَّ المتكلمُ أنَّ الشدَّة أقربُ إلى قبولِ الخَصْمِ للحقِّ، أو إلى وضوحِ الدليلِ عليه، وأن يفعلَ ذلك بنيَّةٍ صحيحةٍ، ولا يفْعَلُهُ لمجردِ داعيةِ الطبيعة. فإن قلتَ: فكيف تكونُ الشِّدةُ أَقربَ إلى القبول؟ قلت: قد يكونُ كذلك -في بعض المواضع- مثل أن يقع مع الصالح الخاشع المتواضع، وذلك قليل. إذا عرفَت هذا، فاعلم أنه لَمَّا كان الكلام في المراسلات لا يكاد يخلو مِنْ هذه المسالك الأربعة، أحببتُ التعريف بها، خوفاً مِمَنْ لا يعرف هذا الشأن، وممَّن لم يتدرَّبْ في هذا الميدان يحْسِبُ أنِّي حين أذكر الطريقة الخطابية، والأمثال الوعظية، قد اكتفيتُ بها عن إيرادِ الأدلةِ

стр. 205

العلمية، والبراهينِ القطعية، واهماً أني لا أسبحُ إلا في شريعة هذا الفرات، ولا أجري إلا في ميادين هذه العبارات، ولا يدري أني قد أصَبتُ مَحَزَّ (١) الإصابة، ووضعتُ الهِناء (٢) مواضِع النُّقْبِ. ولكل مقام مقالٌ، لا يَلِيقُ سواه بمقتضى الحال. وإنما المجيب يقفو آثارَ مَنِ ابتداه، ويتكلَّم على كلامه (٣) بمقتضاه. فحين يتكلم المبتدىءُ في المواضع الخطابية، والمسالك الجدلية، أغزو مغزاه، وأسْتنُ في مجراه، وحين يتكلَمُ في الأدلة القطعية، والبراهين القوية، أقفو على آثاره، وأعشُو (٤) إلى ضوءِ ناره، وهذا هو حكمُ المجيب. فليس بملومٍ على ذلك، ولا معيب. وإذْ قدْ عرفت هذه المقدَمة، فلنشرعْ في الجواب على ما تقدم - من كلام السيِّد -أيَّده الله- في تفسير الاجتهاد، ومنع القول بسهولته. والجواب على ما تقدَّم مِنْ كلامه يَتمُّ بذكر أحدٍ وعشرين تنبيهاً. التنبيه الأول: في عبارة " السيد " -أيده الله- رَمي لي بقولٍ مستغرَب في تسهيل الاجتهاد، ورأي مستطرَف يُجانِبُ مذاهب النقاد، ولم أعلم لي في ذلك مذهباً غريباً، ولا رأْيأ حديثاً، وأنا أَشْترطُ في الاجتهاد ما يَشْتَرطُهُ غيري من أهلِ المذهبِ (٥) وغيرهِم -كما سيأتي بيان ذلك-. ولا

стр. 206

معنى لِمراسَلتي ومناظرتي في ذلك، لأنَّ المراسلةَ فرعُ المخالفةِ، ولمْ يكن الأصل مني -وهو المخالفة- فيكونُ الفرعُ من " السَّيدِ "؛ وهو المراسلةُ والمناظرةُ. وقد أَخلَّ " السيِّدُ " -أَيَّدَهُ الله- بقاعدَةٍ كبيرةٍ؛ هي أساسُ المناظرة، وأصلُ المراسلة، وهي: إيرادُ كلام الخصْم " بلفظه " أوَّلاً، ثم التَّعَرُضُ لِنَقْضِه ثانياً. وهذا شيء لا يَغْفُلُ عنه أحدٌ من أهل الدِّرْيةِ (١) بالعلوم، والخوض في الحقائق، والممارسة للدَّقائق، وإنما تختلِف مذاهبُ النُّقادِ في ذلك، ولهم فيه مذهبان: المذهب الأول: أن يُورِدَ كلامَ الخصْمِ " بنَصِّه "، ويتخلَّص من التُّهمة بتَغْييره وَنقصهِ. وهذا هو المذهبُ المرتضى عند أمراءِ الفنونِ النظريةِ، وأَئِمةِ الأساليبِ الجدَلية. وقد عاب عبد الحميد بن أبي الحديد (٢) على قاضي القضاة (٣)؛ أنه

стр. 207

ينْقُضُ كلامَ السيِّدِ المرتضى (١) في مراسلات دارت بينهما، ولا يُورِدُ لفظَهُ ولا يَنُصُّ. واعلم: أن تركَ كلام الخَصْمِ ظلٌم لَه ظاهرٌ وحَيْفٌ عليهِ واضح، لأنَّهُ إنَّما تكلَّم، ليكونَ كلامُه موازناً لكلام خصْمِهِ في كفَّةِ المِيزان الذهني، وموازياً له في جولة الميدان الجَدَلي، لأنَّ المُنْفَرِدَ يرجحُ في الميزانِ، وإن كان خفيفاً، ويسبِقُ في الميدان، وإن كان ضعيفاً. وهذا كُلُّهُ إذا كان للخصمِ كلامٌ يُحْفَظُ، واختيارٌ يصِحُّ أنْ يُنقَض، فمِنَ العدلِ بيانُ قوله، وحكايةُ لفظهِ، وأما إذا لم يكن له مذهبٌ ألبَتَّة، وإنما وُهِمَ عليه في مَذْهبهِ، ورُميَ بما لم يَقُلْ به، فهذا ظُلم على ظُلْمٍ، وظلماتٌ بعْضُها فوق بعض. المذهب الثاني: من مذاهب النُّقاد في نقضِ كلامِ الخُصُوم: أن يحكوا مذاهبَهم بالمعنى، وفي هذا المذهب شَوبٌ مِن الظلم، لأن الخصمَ قد اختار له لفظاً، وحرَّرَ لدَليلهِ عبارةً ارتضاها لبيان مقصدِهِ، وانتقاها لكيفيةِ استدلاله، وتراكيبُ الكلامِ متفاوتة، ومراتبُ الصِّيغ متباينة، والألفاظُ معاني المعاني، والتراكيبُ مراكيبُ المتناظرين، وما يرْضى المبارزُ لِلطِّرادِ بغير جواده، ولا يرضى الرافعُ للبناء بغيرِ أساسه، مع أن قطعَ الأعذارِ من أعظمِ مقاصدِ النُّظَار. وهذه الأمور لم تكن مظالم شرعيَّة، وحقائق حِسِّيَّة، فهي آدابُ بينَ المتناظرين رائقة، ولطائفُ بين المتأدبينَ لائِقة، ومراقٍ إلى العدل

стр. 208

والتناصف، وَدَواعٍ إلى الرفقِ والتعاطف. وكل ما خالَفَها من الأساليبِ فارقَ حظَّهُ من هذه الآدابِ الحسان، وكلُّ منْ جانبها من المتناظرين علقته رائحة من قول حسَّان: .................... إنَّ الخَلَائقَ فَاعْلَمْ شرُّهَا البِدَعُ (١) استدراك: ما كان من أقوال الخصومِ معلوماً بالضرورة، لا تفاوت العبارات في إعطاءِ معناه؛ كبعض مذاهب المعتزلة والأشاعرة، وسائر الطوائف، فإنها معلومةٌ بالتواترِ، مأمون من منازعةِ أربابها فيها، فلا شين على الخصمِ إذا ذهبَ هذا المذهب في حكايتِها -بالمعنى- إذ لم يكن في معناها غُموضٌ تفاوتُ -في الكشف عنه- العبارات. والعجبُ أن السيِّد -أَيَّدَه الله- مع ما لَه من جلالةِ القدر والخطر، ومع قطعِ عُمُرهِ في علومِ الجَدَلِ والنظر، أَهْملَ هذا المهمَّ الجليل، وغَفَلَ عن هذا الأصلِ العظيم، فظلمني حظي، ولم يأت بلفظي؛ حتى أُحاميَ عنه، وأُبيِّنَ فسادَ ما أَخَذهُ منه. وإنما تُقَرَّرُ الأُمور على مبانيها، وتُفَرَّعُ العلوم على مباديها، والفرعُ من غير أصل كالبناء من غير أساس، والجواب من غير مبتدأٍ كالطُّنْبِ (٢) من غيرِ عمود. أيها السَّيِّد: كم جمعتَ عليَّ في هذه الدعوى مظالم، وادعيت عليَّ وأنا (٣) غائب، ولم تأت ببينة، وحكمت لنفسك، ولم تَنْصِبْ لي وكيلاً،

стр. 209

ولم تجعل بيني وبينكَ حكماً. فضربت خَيمةَ الدَّعوى على غير عمودٍ ولا طُنُبٍ، ورفعتَ سقفَ الحكومة على غيرِ أساسٍ ولا خُشُب. التنبيه الثاني: المراجعةُ في أنَّ الاجتهادَ مُتَعَسَرٌ أو مُتيَسِّر من غرائب الأساليب المُتَعَسِّفَة، لأن مقاديرَ التَّسَهُّلِ والتَّعَسُّر غيرُ مُنْضَبِطَةٍ بحَدٍّ، ولا واقفةٌ على مِقْدار، ولا جاريةٌ على قِياس، ولا يصحُّ في معرفة مقاديرها برهانُ العقل ولا نصُّ الشرع، ولا يعرف مقاديرُها بكيلٍ ولا وزن، ولا مساحةٍ ولا خَرْصٍ، فإن من قال: إن حفظ القرآنِ علَيَّ متعسِّرٌ أو متيسِّرٌ، أو حفظَ الفقه، أو طلبَ الحديث، أو الحجَّ، أو الجهاد، أو غيرَ ذلك، كلُّ من ادعى سهولةَ شيءٍ منها -عليه- أو مشقته، لم يعقد له مجلسُ المناظرة، ويُطالب بالبراهين المنطقية، لأن الذي ادَّعاه أمرٌ ممكن، وهو يختلِفُ باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون متسهِّلاً على بعض الناس، متعسِّراً على غيره. فطلبُ العلم متسهلٌ على ذَكيِّ القلبِ، صادقِ الرَّغبةِ، خَليِّ البالِ عن الشواغلِ، الواجدِ للكتب المفيدة، والشيوخ المُبَرِّزِين، والكفايةِ فيما يحتاج إليه، ونحو ذلك من كثرة الدواعي، وَقِلَّةِ الصوارف. وطلبُ العلمِ متعسِّرٌ على مَنْ فقد هذهِ الأشياءَ كلَّها، وابتُلِيَ بأضدادها، وبينهما في التَّيسُّرِ والتَّعسُّر درجاتٌ غيرُ منحصِرَةٍ، ومراتبُ غيرُ منضبطةٍ، وبينَ النَّاس من التفاوت ما لا يُمْكنُ ضَبْطُهُ ولا يَتَهَيَّأ، وأين الثَّرى من الثُّريَّا!. وجامدُ الطبع، بليد الذِّهْنِ؛ إذا سَمِعَ من يدَّعي سهولَة ارتجال القصائد والخُطَب، وتحبير الرسائلِ والكتُب، توهم أنه بمنزلةِ من يدعي

стр. 210

إحياءَ الموتى، وإبراءَ الأكمه والأبْرَص، وكذلك الضَّعيفُ الزَّمِن إذا سمعَ من يدَّعي سهولةَ حملِ الأشياءِ الثَّقيلة، وعمل الأعمالِ الشاقَّة. وكذلك الجَبان الفشل (١)؛ إذا سمع من يدعي سهولَة مقارعةِ الأقران، ومنازلة الشُّجْعان. ولم نعْلَمْ أنَّ أحداً سَنَّ المناظرةَ في دعوى سهولة شيءٍ أو تَعسُّره؛ وسواء كان ذلك الشيء من قِبل العلمِ أو العمل، أو الفضائل أو (٢) الصناعات، مهما كان ذلك الشيء المدعى من جِنْسِ المقدورات. وليت شعري! كيف يكون تركيب المقدمات على أن غيبَ القرآن، أو قراءَة الحديث، أو نحو ذلك: مُتَسَهِّلٌ أو مُتَعسِّرٌ؟! فإن قيل: لم يَزلِ العلماءُ يختبرون الأئمة في الاجتهاد، ويُناظرونهم؟ قُلنا: وأين هذا مما نحن فيه، إنما كلامنا فيمن ادعى أن طلب الاجتهاد سهلٌ على من أراده، ولم يَدَّعِ أنَّه مجتهد. وكذا مَن ادَّعى: أن غيب القرآن سهلٌ، ولم يَدَّعِ أنه مُتَغيِّب. فإنا ما علمنا أن أَحداً ترسَّل على من ادعى شيئاً من ذلك حتى يكشِف ما ادعاه من الجهالة، ويهديه إلى الحقِ، ويصدَّهُ عن الضَّلالة، ويطوِّفَ في الرد عليه في المحافل، وُيسيِّر الجواب عليه إلى المدارس. ومثل هذا لا يحتاج إلى تطويل العبارة، بل ولا يحتاجُ إلى الإيماءِ والإشارة، لكن أحْوَج إليه كثرةُ التَّعسُّف. وإذا عرفتَ هذا، فنقولُ للسيِّد -أيَّده الله-: ما مرادُك بتعسُّرِ الاجتهادِ، أو تعَذُّرِه، وتصدير الرسالة بالإنكار لسهولته، والاحتجاج

стр. 211

الطويل على ذلك؟ هل تريدُ أنه متعسِّرٌ على الخصم الذي كتبتَ إليه، وأوردتَ الأدلةَ عليه؟ فَلسْتُ أُنكرُ عليك هذا، فربما رأيتَ من قصورِ هِمَّتي، وعدم صلاحيتي؛ ما يقضي بذلك، فتكلمت بِما علمت، ولا لوْمَ عليك في ذلك، ولا حَرَجَ، ولكن ما هذا ممّا يحتمل إنشاءَ الرسائلِ، ولا يليقُ في مثله طَلبُ البرهان والدلائل، وإن كنت تريد أن ذلك عسيرٌ على الناسِ كلهم -كما هو ظاهرُ كلامِك، ومفهومُ خطابك- فذلك لا ينبغي صدُوره منْ مِثلِكَ، ولا يَليقُ بفهمك وفضلِك، فإنَّكَ قد عرفتَ أحوالَ الناسِ وتفاوتَها إلى غير حدٍّ، وتباينها إلى غيرِ مقدار، واعْتبِر أحوال الناسِ في قديمِ الزمان وحديثهِ، وبعيدهِ وقريبه. هذا أميرُ المؤمنين ﵇ اخْتُصَّ مِنْ بَيْنِ الصحابة والقرابة بالعلم الذي لم يُمَاثَلْ فيه، ولم يُشارك ولم يُشابَه فيه، ولم يُقارَبْ، بحيث إنه لم يُعْلَمْ -بعدَ الأنبياء ﵈ نَظيرٌ لهُ في عِلْمِهِ؛ الذي حَيَّرَ العقول، وأسكت الواصفين، فما كأنََّه نشأ في جزيرة العرب العرباء، ولا كأنَّهُ إلا مَلَكٌ نَزَل من السماء، على من درس علوم الأذكياء، وتَلْمَذ في مغاصات الفطناء؟! إنما هي مِنحٌ ربانية، ومواهبُ لَدُنِّيَّة. ولكثرة علمه ﵇ اتُّهِم أن رسولَ الله ﷺ أخبره مِن الشريعة بما أَخفاه عن الناس، فسأله رجلٌ: ما الذي أسرَّ إليك رسولُ الله ﷺ ؟ فغَضِبَ وقال: واللهِ ما أسرَّ إليَّ رسولُ الله ﷺ شيئاً كَتَمَهُ عنِ الناسِ، وإنما عندنا كتابُ الله، وشيء من السُّنَّة ذكره ﵇، أو فهم أُوتيهِ رَجُلٌ (١).

стр. 212

وهذا مع صحة إسناده؛ صحيح المعنى، فإنه ليس يجوزُ على النبي ﷺ أن يُسِرَّ شيئاً من أمرِ الشريعة، فإنه بُعِثَ مبيناً للناس، وإنما كان يسرُّ إليه شيئاً من الملاحم والفِتن، ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلالِ والحرامِ، وشرائع الإسلام، فقد أوضحَ أميرُ المؤمنين ﵇ في كلامه هذا: أن فَضْلَهُ في ذلك على القرابة والصحابة ومَنْ عدا الأنبياء والمرسلين من الناس أجمعين، إنما كان بالفهمِ الذي آتاه الله. وأما القرآن الذي كان معه ﵇ والأخبارُ النبوية، فإنه يُمْكِنُ غيْرُهُ معرفةَ ذلك، ولكن ما

стр. 213

يُمْكِنُ غيرُهُ أن يفهمَ مِن ذلك مثلَ فهمه، ولا يستنبط منه مثلَ استنباطه (١)، وكذلك سائرُ الصحابة كانوا في ذاتِ بينهم متفاضلين، فلم يكن أبو هريرة في الفقه مثلَ معاذ، ولا كان معاذ في الرواية نظيرَ أبي هريرة، وكان زيدٌ أَفْرضهم، وأُبيٌّ أقرأهم، ومعاذ أفَقهَهُم (٢)، وكذلك أَحوالُ الخلق منْ بعدهم من السَّلفِ والخَلَفِ. وكم عاصرَ أئمة العترة ﵈ من طلاب للعلم، مجتهد في تحصيله فلم يبلغ مَبْلَغهُم، ولا قارب شأوَهم. وكذلك عاصرَ أئِمةَ الحديث والفقهِ والعربيةِ، وسائرِ العلوم: من لا يأتي عليه العدُّ، فلم يبلغ المقصود، ويتميز عن (٣) الأقران إلا أفراد من الخلق، وخَواص مَنحهم اللهُ -تعالى- الفهمَ والفِطْنَة، وآتاهم الفقهَ والحِكْمَةَ، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقد فاضلَ اللهُ -تعالى- بينَ الأنبياء ﵈: قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال

стр. 214

تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فهذا تفضيلٌ في الفهم بَيْنَ سليمان وداود ﵉، مع الاشتراكِ في النبوة، والتفاوت ما بيْنَ الأُبوة والبنوة. وكذلك قد فَاضَلَ اللهُ بينَهم فيما دُونَ هذه المرتبة، وهي مرتبةُ البيان، ووضوحِ العبارة، مثلَ ما نصَّ عليه من إيتاءِ داود فصلَ الخطاب، ومثل قول موسى في أخيه ﵉ ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القص ص: ٣٤]. وعمودُ التفاوتِ الذي يدورُ عليه، وميزانُهُ الذي يُعتبر به في أغلب الأحوال هو: التفاوت في صِحَّة الفَهْمِ، وصفاء الذِّهن، واعتدالِ المِزَاج، وسلامةِ الذوق، ورُجحانِ العقل، واستعمالِ الِإنصاف. فهذه الأشياء هي مبادىء المعارف، ومباني الفضائل ولأجلها يكون الرجلُ جواداً من غير إسراف، وشجاعاً من غير تَهوُّر، وغنياً من غير مال، وعزيزاً من غير عشيرة، إلى غير ذلكَ من الصفات الحميدة، وعكسها مِن الرذائل الخسيسة. ومِنْ ها هنا حَصَلَ التفاوتُ الزائد، حتى عُدَّ ألفُ بواحد، وقد أنشد الزَّمخشريُّ (١) ﵀ في ذلك:

стр. 215

ولم أرَ أمْثَالَ الرِّجَالِ تفاوتاً ... لَدَى المجْدِ حَتَّى عُدَّ ألفٌ بِوَاحِدِ وقال ابنُ دُريْدٍ (١) في المعنى: والنَّاسُ ألفٌ منْهُمُ كواحِدٍ ... وَوَاجدٌ كالألْفِ إنْ أمْرٌ عَنى وأنشدوا في هذا المعنى: يا بني البُعْد في الطِّبَا ... عِ مَعَ القُرْب في الصُّوَر وفي الآثار: " النَّاسُ كإبل مئة لا تَجدُ فيها راحِلَة " (٢) وقالت العربُ
следующие страницы →