← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الطويل على ذلك؟ هل تريدُ أنه متعسِّرٌ على الخصم الذي كتبتَ إليه، وأوردتَ الأدلةَ عليه؟ فَلسْتُ أُنكرُ عليك هذا، فربما رأيتَ من قصورِ هِمَّتي، وعدم صلاحيتي؛ ما يقضي بذلك، فتكلمت بِما علمت، ولا لوْمَ عليك في ذلك، ولا حَرَجَ، ولكن ما هذا ممّا يحتمل إنشاءَ الرسائلِ، ولا يليقُ في مثله طَلبُ البرهان والدلائل، وإن كنت تريد أن ذلك عسيرٌ على الناسِ كلهم -كما هو ظاهرُ كلامِك، ومفهومُ خطابك- فذلك لا ينبغي صدُوره منْ مِثلِكَ، ولا يَليقُ بفهمك وفضلِك، فإنَّكَ قد عرفتَ أحوالَ الناسِ وتفاوتَها إلى غير حدٍّ، وتباينها إلى غيرِ مقدار، واعْتبِر أحوال الناسِ في قديمِ الزمان وحديثهِ، وبعيدهِ وقريبه. هذا أميرُ المؤمنين ﵇ اخْتُصَّ مِنْ بَيْنِ الصحابة والقرابة بالعلم الذي لم يُمَاثَلْ فيه، ولم يُشارك ولم يُشابَه فيه، ولم يُقارَبْ، بحيث إنه لم يُعْلَمْ -بعدَ الأنبياء ﵈ نَظيرٌ لهُ في عِلْمِهِ؛ الذي حَيَّرَ العقول، وأسكت الواصفين، فما كأنََّه نشأ في جزيرة العرب العرباء، ولا كأنَّهُ إلا مَلَكٌ نَزَل من السماء، على من درس علوم الأذكياء، وتَلْمَذ في مغاصات الفطناء؟! إنما هي مِنحٌ ربانية، ومواهبُ لَدُنِّيَّة. ولكثرة علمه ﵇ اتُّهِم أن رسولَ الله ﷺ أخبره مِن الشريعة بما أَخفاه عن الناس، فسأله رجلٌ: ما الذي أسرَّ إليك رسولُ الله ﷺ ؟ فغَضِبَ وقال: واللهِ ما أسرَّ إليَّ رسولُ الله ﷺ شيئاً كَتَمَهُ عنِ الناسِ، وإنما عندنا كتابُ الله، وشيء من السُّنَّة ذكره ﵇، أو فهم أُوتيهِ رَجُلٌ (١).

стр. 212

وهذا مع صحة إسناده؛ صحيح المعنى، فإنه ليس يجوزُ على النبي ﷺ أن يُسِرَّ شيئاً من أمرِ الشريعة، فإنه بُعِثَ مبيناً للناس، وإنما كان يسرُّ إليه شيئاً من الملاحم والفِتن، ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلالِ والحرامِ، وشرائع الإسلام، فقد أوضحَ أميرُ المؤمنين ﵇ في كلامه هذا: أن فَضْلَهُ في ذلك على القرابة والصحابة ومَنْ عدا الأنبياء والمرسلين من الناس أجمعين، إنما كان بالفهمِ الذي آتاه الله. وأما القرآن الذي كان معه ﵇ والأخبارُ النبوية، فإنه يُمْكِنُ غيْرُهُ معرفةَ ذلك، ولكن ما

стр. 213

يُمْكِنُ غيرُهُ أن يفهمَ مِن ذلك مثلَ فهمه، ولا يستنبط منه مثلَ استنباطه (١)، وكذلك سائرُ الصحابة كانوا في ذاتِ بينهم متفاضلين، فلم يكن أبو هريرة في الفقه مثلَ معاذ، ولا كان معاذ في الرواية نظيرَ أبي هريرة، وكان زيدٌ أَفْرضهم، وأُبيٌّ أقرأهم، ومعاذ أفَقهَهُم (٢)، وكذلك أَحوالُ الخلق منْ بعدهم من السَّلفِ والخَلَفِ. وكم عاصرَ أئمة العترة ﵈ من طلاب للعلم، مجتهد في تحصيله فلم يبلغ مَبْلَغهُم، ولا قارب شأوَهم. وكذلك عاصرَ أئِمةَ الحديث والفقهِ والعربيةِ، وسائرِ العلوم: من لا يأتي عليه العدُّ، فلم يبلغ المقصود، ويتميز عن (٣) الأقران إلا أفراد من الخلق، وخَواص مَنحهم اللهُ -تعالى- الفهمَ والفِطْنَة، وآتاهم الفقهَ والحِكْمَةَ، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقد فاضلَ اللهُ -تعالى- بينَ الأنبياء ﵈: قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال

стр. 214

تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] فهذا تفضيلٌ في الفهم بَيْنَ سليمان وداود ﵉، مع الاشتراكِ في النبوة، والتفاوت ما بيْنَ الأُبوة والبنوة. وكذلك قد فَاضَلَ اللهُ بينَهم فيما دُونَ هذه المرتبة، وهي مرتبةُ البيان، ووضوحِ العبارة، مثلَ ما نصَّ عليه من إيتاءِ داود فصلَ الخطاب، ومثل قول موسى في أخيه ﵉ ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القص ص: ٣٤]. وعمودُ التفاوتِ الذي يدورُ عليه، وميزانُهُ الذي يُعتبر به في أغلب الأحوال هو: التفاوت في صِحَّة الفَهْمِ، وصفاء الذِّهن، واعتدالِ المِزَاج، وسلامةِ الذوق، ورُجحانِ العقل، واستعمالِ الِإنصاف. فهذه الأشياء هي مبادىء المعارف، ومباني الفضائل ولأجلها يكون الرجلُ جواداً من غير إسراف، وشجاعاً من غير تَهوُّر، وغنياً من غير مال، وعزيزاً من غير عشيرة، إلى غير ذلكَ من الصفات الحميدة، وعكسها مِن الرذائل الخسيسة. ومِنْ ها هنا حَصَلَ التفاوتُ الزائد، حتى عُدَّ ألفُ بواحد، وقد أنشد الزَّمخشريُّ (١) ﵀ في ذلك:

стр. 215

ولم أرَ أمْثَالَ الرِّجَالِ تفاوتاً ... لَدَى المجْدِ حَتَّى عُدَّ ألفٌ بِوَاحِدِ وقال ابنُ دُريْدٍ (١) في المعنى: والنَّاسُ ألفٌ منْهُمُ كواحِدٍ ... وَوَاجدٌ كالألْفِ إنْ أمْرٌ عَنى وأنشدوا في هذا المعنى: يا بني البُعْد في الطِّبَا ... عِ مَعَ القُرْب في الصُّوَر وفي الآثار: " النَّاسُ كإبل مئة لا تَجدُ فيها راحِلَة " (٢) وقالت العربُ

стр. 216

في أمثالها: المَرْءُ بأصْغَرَيْه: قَلْبِهِ ولسَانِهِ. وفي الحديث عن النبيِّ ﷺ : " رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غيرُ فقيهٍ، ورُبَّ حَاملِ فِقهٍ إلى مَنْ هُوَ أفقهُ مِنْهُ " (١).

стр. 217

وليس كُلُّ مَن قَرأ النحو والأدب، صنَّف مثلَ " الكشاف "، ولا كُلُّ مَنْ قَرأ الأُصولَ والجدلَ، ركب بحر الدقائق الرَّجَّاف. ومَا كُلُّ دَارٍ أقْفَرتْ دَارُ عَزَّةٍ ... وَلا كُلُّ بَيْضَاءِ التَّرائِب زَيْنَبُ فإذا تقرر أن المواهب الربانيّة لا تنتهي إلى حد، والعطايا اللَّدُنيَّة لا تَقِفُ على مقدار، لم يَحْسُنْ من العاقل أن يقطع على الخلق بتعسيرِ ما اللهُ قادِرٌ على تيسيره، بل لم يلِقْ منه أن يِقطعَ بتعسير ما لم يَزَلِ الله -سبحانه- يُيسره لِكثير من خلقه، فيُقَنِّطُ لكلامه طامعاً، ويتحجَّرُ من فضل الله واسعاً، ويُفتَّرُ بتخذيله همةً ناشِطة، ويَفُلُّ بتقنيطه عزيمةً قاطعة، بل يخلِّي بينَ الناسِ وهمَمِهم وطمعِهم في فضل الله عليهم، حتى يَصِلَ كلُّ أحدٍ إلى ما قسَمَهُ الله له من الحظِّ في الفهم والعلم، وسائر أفعال الخير. وهذا مما لا يحتاج إلى حِجاج، ولا يفتقِرُ إلى لَجاج. التنبيه الثالثُ: التعرضُ لمقادير المَشَاقِّ التي في أنواعِ التكاليف والعبادات من الصلاة والزكاة والتلاوة والصيام والحج والجهادِ والعلم والفُتيا، وسائِرِ الأعمال الصالحة، ومتاجر الخير الرابحة، مما لم تجرِ عادة الأنبياءِ ﵈، ولا الأئِمَةِ، ولا العلماءِ، ولا الوعاظِ، ولا سائرِ الدعاة إلى الله تعالى -بالحكمة والموعظة الحسنة- أن يُهوِّلوها، ويُعظِّموا التعرضَ لفعلها، وُيعسِّروا الإحاطة بشرائطها؛ من الإخلاص، وعدم العُجْب، والتحرز من الإحباط؛ فإن في الجهاد التعرضَ لفواتِ

стр. 218

الروح، مع ما يصحَبُ المجاهد من حُبِّ الثناء. وفي الورع مِن الشُّبهات، ومحاسبة النفس في كل وقت، وذمها عن الشَّهوات، إلى غير ذلك من التكاليف المحبوبة (١) والمفروضة -مشاق كثيرة- قلَّ مَنْ يَصْبِرُ عليها. وللسيِّد -أيَّدهُ الله- قدوةٌ في الأنبياء والأئِمّة والعلماء: أما الأنبياء، فَدَعُوا الناس إلى محابِّ الأعمال، ومعالي الأمور، ورَغَّبُوا في الفضائل، وهَوَّنوا ما فيها من المشاق؛ بذكر الثواب في فعلها، والعقاب الحاصِل في ترك الواجب منها، ولم يعلم منهم أنَّهم خَذَّلوا طالباً لشيءٍ من الأعمال المحبوبات، ولا قصروا أحداً عن التطلع إلى رفيع الدرجات. وأما الأئمة والعلماء، فصنفوا العلمَ، وبيَّنُوا الواجبات، وذكروا شروطها؛ فذكروا شروط الصلاة، وما يجب من الطهارة وسائر الفروض والشروط، ولم يلحقوا بهذه -فصلاً- مُنَفِّراً عن العزم على أداء الصلوات في أوقاتها بخشوعها، وجميع شروطها، وسننها وهيئاتها، وحضورِ القلب فيها، وَحِل ثياب المصلي، وعدم دخول الحرام والشبهة في أثمانها، وعدم مطالبته بحقٍّ من حُقوق المخلوقين في حال تأديتها. ولا علمنا أنهم قالوا: فعل الصلاة على أفضل الوجوه وأكمل الأحوال متعسرٌ أو متعذر، فلا ينبغي من أحد أن يهتمَّ بذلك. وكذلك في الحَج والجهاد، لم يزيدوا على ذكر الشروط، فمن أحبَّ تأديةَ ذلك الفعلِ الشَّاقِّ بتلك الشروط الشاقة، فالله -تعالى- يُعينه ويَلْطُفُ به مِن دُونِ أن تُوضع رسالة إلى منْ حَدَّثَ نفسَه بالحَجِّ، يُذكر له فيها مشاق الحجَ، ويُنَفَّر عن الحجّ. وأخصُّ من هذه الأمثلة البعيدة ذكر مسألتنا بعينها، وذلك أن العلماءَ ما زالوا يذكرون شروط

стр. 219

الاجتهاد في مصنفاتهم وتآليفهم مجردةً عن التَّعسير له، والتَّنفير عنه، واستبعادِ إدراكه، والحثِّ على العكوف على التقليد، والإضراب عن الاجتهاد بالمرَّة، وهذه تصانيفُ العلماء -أرنَا أيُّها السَّيِّد أيَّدَك الله- مَنْ سَبقك إلى التنفير من الاجتهاد، والحث على التقليد؟!. وذلك لأن العُسْرَ واليسر أمرُهُما إلى الله تعالى، واللهُ -سبحانه- إنما أخذ على العلماء أن يُبَيِّنُوا ولا يَكتُمُوا، ولم يَأخُذْ عليهم أن يُعسِّرُوا ولا يُسَهِّلُوا، فلو أن السَّيِّد -أيَّدهُ الله- ذكرَ شروط الاجتهاد، وأودعها مُصَنفاً، أو أوقفني على ذكرها مُبيَّنةً بأدِلتِها، وحثَّ عليها، أو سكت مَن الحثِّ على الخير والتنفيرِ عنه، لكان له فيهم أُسْوَةٌ حسنة، ولكان ذلك أشبة بطرائق المتهادين للنَّصائح، وأقربَ إلى فعل السَّلَف الصَّالح. التنبيهُ الرَّابعُ: كان اللائقُ بالسَّيِّد -أيَّده الله تعالى- أن يذكر الشرط الذي خالفتُ فيه العلماءَ، فيقول: أنت قلت: إن علم العربية ليس بشرط، أو معرفةَ الأصول، أو معرفةَ الحديث، أو غيرَ ذلك، أن كان عَلِم بخلافٍ لي في ذلك، حتى يُبين لي أني قد خالفت الإجماعَ، وخرجتُ إلى حَدٍّ أسْتحِقُّ بِه الإنكار. أما إذا قلت: إن تحصيل شرائطِه المعروفة متيسرة على أهل الذَّكاء والهِمَمِ، فما وجهُ التَّرسُّلِ في هذا، والتطويل والتكثير فيه، والتهويل، وطلب البراهين القاطعات والتعرض للمعارضات والمناقضات؟! الأمرُ أهونُ مِن أنْ تلتقيَ الشفتانِ بذكره، وتجريَ الأقْلَامُ بِسطْرهِ. والذي يليق من الحليم تهوينُ العظائم، لا تعظيمُ العظائم؛ على تسليم أنَّ ذلك شرط عظيم، وعوائد الحكماء جارية بهذا، وكتبهم ناطقة به، ولهذا قيل: إذا ضيَّقْتَ أمراً زاد ضِيقاً ... وإنْ هوَّنتَ ما قَد عَزَّ هانا

стр. 220

والسيِّد -أيَّده الله- قد رقيَ إلى مرتبة الدعاء إلى الله -تعالى- بالحكمة والموعظةِ الحسنة، فلهذا عِبْتُ عليه ما خالفَ طرائق الفضلاء، وباينَ عادات العلماء، وإلا فلي مُدَّةٌ طويلة صابر (١) على الأذى والفُحْش، الذي يتَنَزَّه -أيَّده الله- عن سماعه، دع عنك النُّطْقَ به. فلم أتكلم إلى أولئكَ، ولم أجاوبْهم بشيء؛ علماً بما في الإعراض عن الجاهلين مِن خير الدنيا والآخرة، مع التمكن مِن المجازاة في الأقوال، والمجازاة في الأفعال، لكني آثرتُ الحِلْمَ، وصبرت على الظُّلْم، وجعلت الصبرَ والكَظْمَ مكانَ النثر والنظم. فأما السيِّد -أيَّده الله- فلم أعُدَّه من الجاهلين فَأعرِضَ عنه، بل عَدَدْتُهُ من أهل الذكر، فرغِبْتُ في الجواب عليه، وبسطت إلى التصدير بما عينتُهُ إليه. التنبيه الخامس: فرعٌ مِن فروعِ الشَّجرة النبوية، وغُصْنٌ مِن أفنان الدَّوحةِ العَلَوِيَّةِ، وَنَشءٌ مِن أهل البيت ﵈ ومِن أولاد العِترة (٢) الكِرام، ومِن أهل الذكر وبيوت العلم، تشَوَّفَ إلى الاجتهاد في العلم، وتشوَّقَ إلى مراتب الفضل، فلمَّا شِمتم بارقة جهدِهِ صَيِّبة، وَشَمِمْتُم رائحةَ سعيه طَيِّبَة، وتوسمتُم فيه للفائدة سِماتٍ، وحسِبْتُم أنَّهُ قارَب وهيهات؛ تواترت عليه الرسائل، وتواردت عليه الدلائِلُ، تُفتِّرُهُ عن عمله، وتقنِّطُه مِنْ أمَلِهِ: مَن قد سَبَقكم إلى هذا -من الأئمة الهادين-، أو العلماء الراشدين؟! وإنما بَلَغَنا أنَّ أهل العلم يفرحون بِمَن عَلَتْ هِمَّتُهُ، وَظَهرت فِطْنَتُهُ، وُيرَغِّبُونَهم بأنواع الترغيب، ويجعلون التصويبَ لهم مكانَ التثريب. وانظر أيَّدَكَ اللهُ في سِيرة الإمام " المنصور بالله " ﵇

стр. 221

وكيف كانت سياستُهُ لِطلَبَةِ العلم، وكذلك سائرُ الأئمة-﵈. وأرنَا -أيدكَ الله- مَنْ صَنَّف منهم رسالةً إلى المتعلمين في زمانه، يُحَذِّرهم مِنَ الاجتهاد، ويُلزمهم العكوفَ على التقليدِ. ولو أنَ العلماء فعلوا كما فعلت -أيدكَ اللهُ تعالى- لتَعفَّتْ رسومُ العلمِ قبلَ هذا الزمان، وتعطَّلَتْ منازلُهُ قبل هذا الأوانِ، لأنَّ الناسَ أتباعٌ لهم، خاصةً إذا دَعَوْهُمْ إلى ما هو أسْهَلُ عليهم. فإن قلتَ: إنك إنَّما نَهيتَني عن طلب الاجتهاد من كُتُبِ أهل الحديث؛ دونَ كُتُب أهلِ البيت. فالجواب مِن وجهين: أحدُهما: أني لم أترُكْ أحاديث أهلِ البيتِ -كما سيأتي بيانُهُ في موضعه- إن شاء الله تعالى. الثاني: لم تأمرْني بالاجتهاد من كتب أهل البيت قطُّ، بل صَرَفت عنه هِمَّتي على كل حال، وَصَدَّرت رسالتَكَ بالاستدلال على تَعْسيره، وتوقفتَ في إمكانه وتجويزه، وقلت تارةً: إنه كالمتعذِّر، فشبَّهت الجائز بالمُحال، وتارة: إنه متعسِّرٌ أو متعذِّرٌ، فَشكَّكْتَ في دخوله في الإمكان -كما سيأتي بيانُ ذلك-. فسَدَدت عليَّ أبوابَ المعارف، وقطعتَ عليَّ طريق الاتصال بجميع الطوائف، وَفَتَّرْت هِمَّتي جُهدَك، وبذلتَ في صَرفي عن العلم وُسْعك. التنبيه السادس: طلبُ الاجتهاد مِن فروض الكفايات، ومن جملة الواجبات، وقد أخبر اللهُ في كتابه المبين، وهو أصدقُ القائلينَ أنه: ما جعل علينا في الدين من حرج، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا

стр. 222

يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال " السَّيِّدُ " في تفسيره لها: وليس معنى الوُسع: بذل المجهودِ، وأقصى الطاقةِ، والمعنى: أنَّ الذي كلَّفناهم سهْلٌ مُتَيَسِّرٌ، فلا عُذرَ لهم في تركه، وأن لا يكتسبوا به أبلغَ ما يكونُ من الخيرات، انتهى بحروفه. وهو في الردِّ عليه كافٍ شافٍ، ولكنْ عند ذوي الإنصافِ. وقال رسول الله ﷺ : " بُعثْتُ بالحنيفية السَّمحة " (١)، " والسَّيِّد " -أيَّدَهُ الله- مُقِرٌّ بأنَّ الله تعالى يريدُ منا اليُسرَ ولا يريد منا العُسْرَ، وَمُقِرٌّ أنه مريدٌ منا الاجتهاد. فقولُهُ: إنه مُتَعسِّرٌ، يُفيد أن الله يريدُ مِنَّا التَّعَسُّرَ، بل لم يقنع -أيَّدهُ الله- بقوله: إنه متعسِّر؛ حتى قال: إنَّهُ مُتعسِّر أو مُتَعَذِّر. فاستلزمَ أن اللهَ -تعالى- يريدُ المتعسِّرَ والمتعذِّرَ. فإن أرَادَ -أيَّدَهُ اللهُ- في ذلك مشقةً، فمجردُ المشقةِ لا تُسَمَّى عُسراً في العُرف العرَبي، فإنَّ المشقةَ مُلازِمَةٌ لأكثرِ الأعمال الدنيويةِ والأُخرويةِ، وقد يَشُقُّ على الإنسان قيامُهُ من مجلسه إلى بيته، وخروجُهُ من بيتِهِ لقضاءِ حاجتِهِ. والعُسْرُ في عُرْف اللِّسان العربي يُستعملُ في الأمورِ العِظام، لا في كل أمر فيه مشقةٌ؛ فإذا قيل: فلانٌ في عُسْر؛ أفادَ أنَّهُ في شِدَّةٍ عظيمةٍ مِن مرَضٍ أو خوفٍ أو فَقرٍ شديدٍ، أو غَيْر ذلك. وقد يُطلَقُ على ما هو دونَ ذلك -مع القرينة- فأما إذا تجرُّد الكلامُ عن القرينة وقيل: إن فلاناً في عُسْرٍ، وأريدَ العُسْرُ المعروفُ السابق إلى الأفْهَام، لم يَسْبِق إلى الفهم أن معنى قولنا: فلانٌ في عسْر؛ أنَّهُ في قراءةٍ دارَّةٍ، ورغبةٍ في العلمِ عظيمةٍ، ومطالعةٍ للكتُب، وتعليقٍ للفوائدِ، ولا أحدَ يسمِّي هذا عُسْراً.

стр. 223

ولو كان هذا عُسراً في العُرف العربي، لكان الجهادُ عُسْراً، والصلاة عُسْراً، والورعُ الشَّحيح عُسْرَيْنِ اثنين، وعبادة اللهِ كأنَّك تراه، والصلاةُ كأنَّها صلاة مُوَدِّعٍ أعْسَرَ وأعْسَر، ولكانت الشريعةُ أو كثير منها تشديداً وتعسيراً وتحريجاً وتغليظاً. وما بهذا نَطَق القرآنُ، ولا به جاء صاحبُ بيعةِ الرضوان، بل نفى اللهُ الحرجَ، ووصفَ رسولُ الله ﷺ شريعته: بالسماحةِ والسهولةِ. وإنما الحرجُ في الصدور، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وانظُرْ في أحوال الناس، تجدْ قاطِع الصلاةِ في غايةِ الاسْتِعسار لها؛ وليسَ كذلك المؤمنُ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين﴾ [البقرة: ٤٥] فنصَّ اللهُ تعالى على هذا المعنى الذي ذَكرتُ لك هو أن الشيءَ المُعيَّنَ يكونُ عسِيرَاً عَلى هذا، سَهْلاً على هذا، فَلَوْ كانَ عَسِيرَاً في نَفْسِهِ، لَكَانَ عَسيراً عليهما، ولكنه يسيرٌ في نفسه، وإنما يتعسَّرُ بحرجِ الصُّدور، والكسَلِ، وقلَّةِ الدَّواعي، وَيَتَسهَّلُ بنقيض ذلك. ولهذا لو وُهِبَ لقاطِعِ الصلاةِ دِرْهمٌ -في عمل أشقَّ من الصلاة- لقامَ إليه سريعاً، ووثبَ إليه نَشيطاً. وكذلك سائرُ التكاليفِ الشرعية؛ إنما العُسرُ فيها من قبيل قِلَّةِ اليقين، وعدم الرياضة، وقساوةِ القلب، وكثرةِ الذنوب، ألا ترى إلى ما في قيامِ الليل مِن المشقة على النفوس متى طلبت لإحيائه بالصلاة والقراءة، وهو يَتَسهَّلُ عليها سَهرُةُ في كثيرٍ من الأحوال من العُرُسَاتِ والأسمار، والسَّرَوات في الأسفار. فإذا عَرَفت هذا فاعلم أن من النَّاس من يحصل له من شِدَّةِ الرغبةِ إلى

стр. 224

أعمال الآخرةِ، ونيل الفضائل ما يُسَهِّلُ عليه عزيزَها، وَيُقرِّب إليه بَعيدَها. فلا معنى للمبالغةِ في تعسير الشيء الشرعي في نفسه، لأنَّ ذلك يخالف كلامَ الله تعالى، وكلامَ رسول الله ﷺ . واعلم أنَّ من العُقوقِ لومَ الخليِّ المَشُوق، وفي هذا يقول أبو الطيب: لا تَعْذُلِ المُشْتاقَ عن أشْواقِهِ ... حتَّى يَكُونَ حشَاكَ في أحْشَائهِ (١) واعلم أن حُبَّ المعالي يُرخِصُ الأمور الغَوالي، ويقوِّي ضعف الصُّدُور على الصبرِ للعوالي، وربما بُذِلَتِ الأرواحُ لما هو أنفسُ منها من الأرباح، قال: بذلتُ لهُ رُوحِي لرَاحَة قُرْبِهِ ... وغيْرُ عَجِيبٍ بذْليَ الغالِ بالغَالِ (٢) وفي كلام العلاَّمة (٣) ﵀: عِزَّةُ النفسِ وبُعْدُ الهِمَّة: الموتُ الأحمر، والخطوبُ المُدْلَهمَّة، ولكن مَنْ عرَفَ منهل الذُّلِّ فعافهُ، استعذبَ نقيعَ العِزِّ وَزُعَافَهُ (٤). وقد أجادَ وأبدعَ منْ قال - في هذا المعنى:

стр. 225

صَحِبَ اللهُ راكِبينَ إلى العزِّ ... طريقاً مِن المَخَافة وَعْرا شَرِبُوا المَوْتَ في الكرِيهَةِ حُلواً ... خوفَ أن يشْرَبُوا من الضيمِ مُرَّا هذا وإنَّ الدواعي تُحرِّك القُوى، وإن القلوب ليست بِسَوا (١). إن الإبلَ إذا كَلَّت قُواها، وَنَفخَتْ في بُراها (٢)، أطربها السائقُ بحُداها، فَنَفَختْ (٣) في سُراها، فعلَّلُوها بحديث حاجِرٍ (٤)، وَلتصنع الفلاةُ ما بدا لها. هذا وهي غليظةُ الطبعِ بهيميةٌ، فكيف بأهلِ القلوبِ الروحانية. فإياك والاستبعادَ لِكل ما غزَّ عليك، والاستنكارَ لما خَرَجَ من يديك، طالبُ المعالى لا يعنو كَمَداً، ولا يهدأ أبداً، وكلما قيل له: قِفْ تسْترِحْ، جُزتَ المَدَا، قال: وهل نِلْتُ المدا؟! التنبيهُ السابع: لو فَرَضنا أن في الواجبات والأعمال الصالحاتِ ما هو متعسّرٌ في نفسه، لم يَحْسُنْ من أحدٍ من العامَّة، فضلاً عن الخاصة أن يتصدَّر لتعسيره، وتخذيلِ الراغب فيهِ عن نهوضه في طلبه وتشميره بذكر ما فيه من الحَرَجِ، وتهويلِ ما في طلبه من النَّصَبِ، بل السُّنةُ النبوية تيسِيرُ الأمورِ على من عَسُرَتْ عليه، وتذكيرُ القلوبِ الغافلةِ، وتنشيطُ النفوس الفاتِرة. ولهذا شُرِعتِ الخطب، وصنَّفَ الوعاظُ كُتُبَ المواعظ، وَدَوَّن

стр. 226

الحفاظُ أحاديثَ الرقائق، لتسهيل ما يصْعُبُ على النفوس، وتقريبِ ما تباعد على أهلِ القُصور. وقد تكاثرتِ الأحاديثُ النبوية في الحثِّ على ذلك، فكان ﵇ إذا بَعَثَ سرِّيةً قال: " يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّروا ولا تُنَفِّروا " (١). وقال ﵇: " قارِبُوا وَسَدِّدُوا وأبْشِرُوا ". هكذا في الصحيح (٢). ولَمَّا أخبروه: أن عمرَو بن العاص صلَّى بهم وهو جنابة، ولم يغتسل من شدَّة بردِ الماء. سأله ﵇ عن ذلك. فقال: إني سمعتُ الله يقول: ﴿لا تَقْتلُوا أنْفسَكُم﴾ [النساء: ٢٩]. فضحك النبيُّ ﷺ (٣). وهذا اجتهادٌ من عمروٍ، وعملٌ بالعموم. فلم يُعَنِّفْهُ ﵇

стр. 227

ويقل له: إنه لا يحِلُّ لكَ العملُ بالعموم، حتى يظنَّ أنه لا مخصِّصَ له. وليس يَحْصُلُ هذا الظنُّ إلا لِمن اجتهد في حفظ النصوص، وأمعنَ النظرَ في العموم والخصوص. وأيضاً لا بُدَّ لكَ من معرفة عدمِ المعارض، وأعسرُ مِن هذا معرفتُك لِعدم الناسخ. وكذلك: لما جاء الأعرابيان وأخبراه أنهما تيمما، ثم وَجدا الماءَ -في الوقت-، فتوضأ أحدُهُما وأعادَ الصَّلاة، واجتزأ أحدُهما بتيممه وصلاتِهِ الأولى. فقال -للذي لم يُعِدْ-: " أصبت السُّنة، واجزأتْكَ صلَاتُك " وقال للذي أعاد: " لكَ الأجرُ مرتين " (١). فهذا اجتهاد منهما،

стр. 228

ولما أخبراه به، لم يُعَنِّفْهُما ويُلزمهما الاحتياطَ حتى يستيقنا. وكذلك لَمَّا أمَرَ ﵇: جماعةً من أصحابه أن لا يُصلوا العصرَ إلا في بني قرَيْظَةَ (١) -وكادت الشمس تَغيبُ- اختلفوا في مراده ﵇ بقوله: " لا تصلوا العصر إلا في بني قُريظة " فمنهم من قال: إنما أراد أن يكونَ وقتُ الصلاة ونحنُ معه، فنُصليها في وقتها معه، فصلى قبلَ الغروب، وقيَّد إطلاقَه ﵇ بالقرينة، ومنهم من بقيَ على الظاهر، وأخرها إلى بعدِ العشاء، وصلاها في بني قُريظة بعدَ خروج وقتها، وَعَلِمَ ﷺ فلم يُعنِّفِ أحداً من الطائفتين. ولمَّا أخبره معاذٌ أنه يحكم في اليمن باجتهاده، قال ﵇: " الحمدُ لله الذي وفَّقَ رسُولَ رسولِ الله " (٢) ولم يُشدِّد عليه، ويعقِدْ له مجلساً للاختبار والمناظرة.

стр. 229

وكذلك أبو موسى الأشعري، بَعَثهُ ﵇ إلى اليمن والياً وقاضياً (١). وسيأتي -لهذه الجملةِ- مزيدُ بيان، إن شاء الله تعالى؛ عند ذكر بعض شروط الاجتهاد، فإن ذلكَ موضعها. وإنما ذكرت ها هنا لبيان تيسيره ﵇ في الأمور -صغيرِها وكبيرِها- مِن غير ترخيصٍ في حرامٍ، ولا تضييعٍ لواجب. ومن ذلك: أنه ﵇ نهي أصحابَهُ عن انتهار الأعرابي الذي بال في طائفةِ المسجد، وقال: " إنَّ منكم مُنَفِّرين " (٢). وتَغيَّظَ ﵇ على معاذٍ واشْتَدَّ تغيُّظه عليه، وقال: " أفَتَّانٌ أنتَ يا معاذ " (٣)؟ لَمَّا طوَّلَ الصلاة بقومهِ حتى شكى عليه رجلٌ منهم.

стр. 230

ولَمَّا وَقعَ الأعرابيُّ على زوجته في رمضانَ، شدَّدَ عليه قومُهُ وعَنَّفُوه، وعَظَّموا الأمر ولاموه، فَقَدِمَ على رسول الله ﷺ ، فلم يزِدْ رسولُ الله ﷺ على أن أخبره بما يجبُ عليه (١)، من غير لومٍ ولا تعنيفٍ ولا شراسةٍ، ولا تعبيس ولا تجريح ولا تشديد، مع أنه قد ارتكب عظيماً. وكذلك الرجلُ الذي قالَ لهُ: يا رسولَ اللهِ، إني وجدتُ أمرأةً ما تركتُ منها شيئاً -مما يفعلُه الرجالُ بالنساء- إلا فعلتُهُ، إلا أني ما جامعتُها (٢). وكذلك المُقِرونَ بالزِّنى؛ الذين حدَّهُمْ رسولُ اللهِ ﷺ مِن رجالٍ ونساءٍ (٣)،

стр. 231

ولم يلْعَنْ أحداً ولا شَتَمَهُ (١) ولا عبس عليه، ولا انتهره، إيناساً للقلوب وتأليفاً، وتنشيطاً للنفوسِ وترغيباً. وما زال ﵇ آمراً بتركِ الغُلُو والتَّشْدِيد. وقالت عائشة: " ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ بين أمريْنِ إلا اختارَ أيْسَرَهما؛ ما لم يَكن فِيهِ إثمٌ أو قَطِيعَةُ رَحِمٍ " (٢). وَلَمَّا جاءَ اليهودُ فقالوا له ﵇: السَّام عليكم -والسَّامُ: هو الموت- قال: " وعليكم ". هكذا -بالواو- في أكثر الروايات. فسمعتهم عائشة، فقالت: السَّام واللَّعْنةُ يا إخوان القردة والخنازير. فلَمَّا خرجوا منْ عنده ﵇ قال لها: لمَ قُلْتِ لهم ما قُلْتِ؟! قالت: أَلم تَسْمَعْ إلى ما قالوا؟ قال: " بلى، وقد قلتُ: وعليكم ". ثم قال لها: " إن الرِّفْقَ مَا دَخَلَ في شيءٍ إلا زَانَهُ " (٣).

стр. 232

وكذلك كانت اليهُودُ يتعاطَسُونَ عند رَسولِ الله ﷺ ، لعلَّه يقول: يَرْحَمُكمُ اللهُ. فيقول: " يَهْدِيكُمُ الله ويُصْلحُ بَالَكُم " (١). وهذا منه ﵇ حِرْصٌ على رِعايةِ ما آتاهُ اللهُ من الخُلُقِ العظيمِ، لَما حُرِّمَ عليه لفظُ التَّشميت المعتاد، وكان الدعاء للعاطس معتاداً، لم يستحسِنْ ترك الدُّعاء لهم في الموضعِ الذي يُعْتَادُ فيه الدُّعاء. فاحتال ﵇ فَعَدَل إلى دعاء آخر يَجْبُرُ بذلك قلوبَ أشدَّ النَّاس عداوةً له وللمؤمنين، ويُخالِقُ مَنْ يَكتُمُ ما عنده في التوراة من ذكره، ومن يَسْخَرُ منه ويستهزيءُ به. هذا -والله- هو الخُلُقُ العظيم، فنسألُ الله أن يهدينا لاتباعه، والتأسي به في أحواله. فجديرٌ بمَنِ انتصب في مَنْصِب الفُتيا، أو تَرَقَّى إلى مرتبة التدريس، وتَمكَّن في دَسْت التَّعليم، وتهيأ للرد على الجاهلين، والدُّعاء إلى سبيل ربِّ العالمين: أن يكون مقتفياً لِرسول الله ﷺ ، عامِلاً بما قال الله -تعالى- من الدُّعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة. وكان يُمْكِنُ للسَّيِّد -أيَّدهُ الله- أن يجعل عوَضَ التنفير عن الاجتهاد غاية التنفير، والتعسير لمناهجه والتَّوعير: أن يحُثَّ على الصبر على طلب فوائدِه، وتَقْييدِ شواردِهِ. التنبيه الثامن: أن " السَّيِّد " -أيَّده الله- يعلمُ أن الاجتهاد مِن فروض الكفايات، وأن الفَرض لا بُدَّ أن يكون من المقدورات، وأن الصدَّ عن

стр. 233

أدائه مِن أعظم المكروهات المحرمات، وأن الأمرَ بهِ، والترغيب فيه من أعظم الطاعات. فليتَ شِعري، لمَ اختارَ الصَّدَّ عنه والتنفير على الحث عليه والترغيب؟! التنبيه التاسع: أن السَّيِّد -أيَّده الله- بالغ في الاستبعاد لوجود الاجتهاد في هذِهِ الأزمان حتى شكَّ في إمكانه، وقال: إنَّهُ مُتَعذِّر، أو مُتَعَسِّر. وهذا يقتضي أنه يعتقد خُلوَّ الزَّمانِ عن المجتهدين، لأنَّه لو كان في الزمان مجتهد، لزال الشكُّ في التعذر، ووجبَ القطعُ بالإمكان. وكلماتُهُ -أيَّده الله- بائحةٌ بخُلُوِّ الزمان من المجتهدين، وقد غَفَل -أيَّده الله- عما يلزم من هذا، فإنه يلْزمُ مِن هذا: أن يكونَ طلبُ الاجتهاد فرضَ عَينٍ عليه، وعلينا مَعاً، لأن هذا حكمُ فرضِ الكفاية إذا لم يقم به. فكان الواجبُ من السَّيِّد -أيَّده الله تعالى- على مقتضى تعسيره أن يقول: إن الزَّمان خالٍ عن الاجتهاد، وإنه يَتعيَّنُ علينا القيامُ لما يجب مِن فريضته، فنتعاون على ذلك. هذا كلامُ العلماءِ العاملين بمقتضى ما علمهم اللهُ تعالى. وأمَّا أنا نقِرُّ أنَّا لا نعلم مجتهداً، وَنُقِرُّ أنَّه فَرض كفاية، ونتركُ القيامَ بما أوجبَ اللهُ علينا من طلبهِ، بل نَترَسَّل على منِ اتهمنا أنه يَهِمُ بأداءِ ما افترض الله علينا من القيام به. فهذا ما لا أرضاه للسَّيد -أيَّده الله تعالى-. التنبيه العاشر: أفْرطَ السيد -أيَّده الله- في تعسير الاجتهاد؛ حتى قال في غير موضع: إنه مُتعَذِّر أو متعسِّر -على الشك- ولم يمكنْهُ القطعُ بأنَّه متعسِّر!

стр. 234

وقد ثبت أنه من الفروض، فيجب أن لا يكون متعذراً على القطع، لأن المتعذر غيرُ مطاق، والاجتهاد مفروض، فلو أوجبهُ الله -وهو مُتعَذِّر- لكان هذا يستلزِمُ القولَ بجواز تكليف ما لا يطاق، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً. فانظر إلى هذا الغلو العظيم في التَّعسير، والبلوغِ إلى الغايةِ التي لا وراءها. حتى ما رضي -أيَّده الله- أن يقطع بدخوله في جملة المقدورات البشرية، تهويلاً لشأنِهِ، وتبعيداً لِشَأوه، والغلوُّ لا يأتي بخير، وخيرُ الأمور أوساطُها، لا تَفْرِيطُها ولا إفراطُها. التنبيه الحادى عشر: أن السَيِّد -أيَّده الله- كان يقول بإمامة الإمام النَّاصر ﵇، وقد ذكر في رسالته: أن الاجتهادَ شَرْطٌ في صحة الإمامة. فأين هذا التشكيك العظيمُ في استحالة الاجتهاد وَتَعذُّره، فإنما كان ممكناً في زمان الإمام الناصر ﵇، كيف جَوَّزْتَ أن ينقلِبَ مُتَعذِّراً بعد بضعةَ عشر عاماً من تاريخ وفاته -سلام الله عليه-. وقد قال السُّيد -أيَّدهُ الله- بإمامةِ الإمام الناصر وتولَّى منه، وأجرى في ولايته أحكاماً عِظاماً لا تجوزُ إلا بولايةٍ صحيحة. وهو -أيَّده الله تعالى- محمولٌ على السَّلامة في جميعِ ذلك؛ ولكن ما علمنا أنه نَصَح الإمامَ النَّاصر مثل ما نَصَحَنَا. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " الدين النصيحة " (١). قالوا: لمن يا رسولَ الله، قال: " لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئَّمَّةِ المُسْلمين، ولِعامَّتِهم " (٢).

стр. 235

وعانت العنايةُ بنصيحة الإمام ﵇ أحقَّ وأولى، لِما في الإمامة من الأخطار، ولِما كان في ولاية السَّيِّد -أيَّده الله- من ذلك. وأما اجتهادي، فهو في وضع اليمنى على اليسرى، والتأمين. ولم يقل أحدٌ من خلق الله أجمعين: إنَّ ذلك يُوجب العذاب الأُخروي، ويُخافُ منه العقابُ السَّرمدي. وكذلك لم يبْلُغْنَا أن السَّيِّد -أيده الله تعالى- تشدَّد في اختيارِ الإمام النَّاصر مثل ما تشدَّدَ في رسالته، فسأله عن طُرُقِ الجرح والتعديل، وسلك معه مثلَ مسلكِه مع محمد بن إبراهيم (١)؛ من التفصيل والتعليل، وسأل الإمامَ من أينَ حَصَلتْ له عدالةُ الرواة؟ ومَن عَدَّلهم له؟ ومَن عَدَّل المُعَدِّل؟ حتى ينتهي إلى وقته، ولا أوجبَ عليه في الاجتهاد أن يحفظ علومه عن ظهرِ قلبه مثل ما نصَّ على ذلك في رسالة محمد بن إبراهيم. وكذلك لم يحذر الإمام عن القراءة في كتب الحديث النبوي التي صنفها الفقهاء، فإنه ﵇ هو الذي نشر محاسنها، وجمع نفائِسها، وعَرفَ غرائبها، ولم يشتهر الدرسُ فيها والتدريسُ في ديار الزيدية اليمنية مثل ما اشتهر في زمانه ﵇. وأيضاً فاختيارُ الإمام واجب، والإمامة من المسائل القطعيات، واختيار محمد بن إبراهيم غيرُ واجب، فأين رسالة السَّيِّد -أيده الله- إلى الإمام الناصر وما بال اجتهاده كان ميسراً، غير متعذر ولا متعسر. مع كثرة اشتغاله بأُمور العامة، وسَدَّ الثُّغُور، وتجنيد الجنود، وتجهيز الغزوات. ولو لم يكن إلا مواجهة الناس، واستماع كلامهم، وجواب مكاتباتهم.

стр. 236

وقد رأينا طالب العلم يتكدر بأدنى مُكدِّر، فكيف يَسْهُلُ الاجتهادُ عليه، ثُمَّ يَعْسُرُ على الناسِ أجمعين. وكذلك قد بالغ السَّيِّد -أيده الله- في التسميع بمحمد بن إبراهيم، وأنه قد خالف جماهيرَ العِترة، وأن هذا عملُ مَنْ ليس بمعظمٍ لهم. قال -أَيَّده الله تعالى-: لأن المعظِّمَ لهم لا يُخالِف قولَ جماهيرِهم. فنقول له: ما أنكرت على الإمام الناصِر المِزْمارَ ولا لباسَ المجاهدين للحرير في غيرِ وقت الحرب، وهذان يُخالفان مذاهبَ جماهيرِ العِترة، فلم يُعاتبه السيد -أَيده الله- ويستخرج له أنه غيرُ معظم للعِترة ﵇ كما استخرج ذلك في حق محمد بن إبراهيم. والإمام الناصر ﵇ محمولٌ على السلامة في جميعِ ذلك، وإنما الكلامُ في اختصاص محمد بن إبراهيم بالإنكار والتعنت، والتعسير والتَّعسف في أمرٍ هَيِّن لم يقع مِن السَّيِّد -أيده الله- العنايةُ بأهمَّ منه، ولا بما هو أخصُّ منه، وليس تُعابُ هذه الأمورُ إلا على مَنْ مِثْل السَّيِّد -أيده الله- لأنه من عيون السادة، وعلماء العِترة، فينبغي منه حِراسةُ نفسه مما لا يَليق بمنصبه الشريف، ومحلِّه المنيف. وقد نُسِبَ إلى كثير من الأئمة ﵈ مخالفةُ جماهيرهم فيما انفردُوا به، ولم يُستنبط لهم من ذلك كراهةُ مَن خالفوه، بل قد ذكر السيد في تجريده للكشاف المزيد فيه النكت اللطاف أقوالاً مخالفةً لإجماع العِترة، أو لجماهيرهم، مقرراً لها، غيرَ منكرٍ على قائلها؛ مع أنها متضمنة للقدح، وفي أدلة أهلِ البيت، وذلك أنه قال في تفسير قوله: ﴿قل لا أسئلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلا المَودَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]:

стр. 237

" اختُلِفَ في معنى الآية على أقوال (١): أحدها: أن المراد أن تَوَدُّوني لقرابتي منكم، قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم. قال ابنُ عباس: لم يكن بطنٌ مِن بطون قريش إلا ولرسول الله ﷺ فيهم قرابة (٢). الثاني: إلا أن تودوا قرابتي، قاله علي بن الحسين، وسعيد بن جُبير، والسُّدي، وغيرهم. ثم بالمراد بقرابته ﷺ قولان: أحدهما: أنهم عليٌّ وفاطمةٌ والحسنُ والحسينُ، وقد رويَ مرفوعاً (٣) إلى النبي ﷺ .

стр. 238

وثانيها: أنهم الذين تحرم عليهم الصَّدقة. والثالث: أن المعنى: إلا أن توددوا إلى الله فيما يُقرِّبُكم إليه من العمل الصالح، قاله الحسن وقتادة. الرابع: إلا أن تودوا قرابتكم، وتَصِلُوا أرحامكم. حكاه الماوردي. ثم حكى عن ابن عباس: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم﴾ [سبأ: ٤٧]، وعن الثعلبي والواحدي: أن القول بالنسخ غلط مبني على أن الاستثناء متصل، وهو منقطع (١) ". انتهى ما حكاه وفي آخره اختصار. فالعجبُ كيف لم يَنْصُرْ لفظَ العِتره بلفظةٍ واحدة في مثل هذا الأصل

стр. 239

الكبير، ولا بدأ به (١)، مع احتجاجهم بالآية على الناس في دعواتِهم ومراسلاتِهم ومخاطباتهم. وقد بالغ في رسالته في توعيرِ التفسير وتعسيره، وتعظيم خطره، وفي تحريمِ مخالفة أهل البيت، فكيف حَسُنَ منه مخالفةُ ما أَمَرَ به في هذين الأمرين. ووجد لنفسه محملاً حسناً ولم يجد لغيره محملاً حسناً فيما هو دونَ ذلك!! وليس القصدُ إساءةَ الظَّنِّ به مِني، إنما القصدُ حُسْنُ الظنِ بي منه، لكني توصلتُ إلى ذلك بما يُوقظه من الغفلة. جعلنا الله جميعاً ممن تنفعُه الذَكرى، وجمع كلمتَنا على ما يُحمد في الأخرى. التنبيه الثاني عشر: أن في زماننا جماعةً من أهل البيت قد ادَّعوا الاجتهادَ، وطلبوا المناظرةَ لمن أراد الانتقاد، وكلُّ منهم قد ادَّعى الإمامة الكبرى، ودعى إلى الاختيار جهراً، ولم يُعْلَمْ أن السَّيِّدَ -أيده الله- تَرسَّلَ على أحد منهم، ومَحَضَه النُّصْحَ، وقال له مِثْلَ ما قال لمحمد بن إبراهيم: إن الاجتهاد متعذِّر أو متعسِّر، وأورد عليه تلك الفصولَ، وبَعَّدَ عليه البلوغَ إلى تلك المرتبة والوصول. وهم كانُوا أحقَّ بالنُّصحِ مني وأولى، لِما تعرَّضوا له مِن سفكِ الدِّماء، وأخذِ الأموال، وسائرِ ما يتعلَّق بالإمامة من الأعمال. فينبغي أن السَّيِّد -أيَّده الله- يُساوي بيننا في نصيحته، وَيَعُمُّنا بشفقته، ويترسَّلُ على هؤلاء السادة كما ترسَّلَ على محمد بن إبراهيم. فهداية جماعة أفضلُ من هداية واحدٍ، كما لا يخفي على السَّيِّد -أيده الله-. التنبيه الثالث عشر: أني ادعيتُ الاجتهاد في مسائلَ يسيرة فروعية،

стр. 240

عملية، ظنية من مسائل الصلاة. فأنكرتُم هذا وأنتم مدَّعون لأكبر منه. فإنَّكم متصدِّرُونَ للتدريس في العلوم عَقْلِيها وَسَمْعِيِّها، وكثيرٌ منها لا يَصِحُّ التدريس فيه على جهة التقليدِ كالعربية، والأصولَيْن (١)، والمَنْطقِ، والمعاني، والبيان. فدرسُكم في هذه الفنون فرعٌ على دعوى المعرفة لها، فما علمنا أن أحداً أنكرَ عليكم دعوى العلم بالعربية، وهي تشتمل على معرفة أُلوف من المسائل. وكذلك ما علمنا أنكم أنكرتم على أحدٍ دعوى يدَّعيها في المعرفة بمسألة نحوية، أو معنوية (٢)، أو أُصولية، أو منطقية، بل ما أنكرتُم على من ادعى معرفة فنٍّ مِن هذه الفنون اشتمل على أُلوفٍ من المسائل، ولا مَن ادعى معرفة فَنين، ولا أكثر، حتى جاء محمد ابن إبراهيم فادعى أنه عرف دليلَ وضعِ اليُمنى على اليُسرى (٣)، فتقحَّمْتم

стр. 241

في الإنكار عليه الطريقة العُسرى، كأنما اغتصبَ أموالَكم قَسْراً، أو ادعى نظير معجزة الإسرا. التنبيه الرابع عشر: أنكم أوجبتم على كلِّ مكلف -من حر وعبد وذكر وأُنثى، وبليد وفطين، وقاريءٍ وأُمي- أن يَعْرِف الله، وصفاتِه، وسائرَ مسائل الاعتقادِ المعروفة بالدليل الصحيح المحرَّر معناه في علم الكلام مِن غير تقليد للمتكلمين في ذلك الدليل، وإن لم يَعْرفْ عبارتهم بعد أن عرف معناها. ولسنا نُنْكِرُ إيجابَ المعرفة لله -تعالى- فنحن نقول به، ولكن نكرر عليك أنك اعتقدت أن معرفة تلك الأدلة مُتَسَهِّلة على العامَّةِ، والنساء والإماء والعبيد، والفلاحين، وجميع أهل البَلادَة والغباوة، وَقطَعْت أن ذلك غيرُ متعذِّر عليهم. وأما معرفة محمد بن إبراهيم لمسائل يسيرة فروعية؛ فلم يُمكنك القطعُ بأنها متعسرة، بل شَكَكْت أنها متعذرة أو متعسِّرة، مع أن تلك المسائل التي لم يُرخَّصْ لأحدٍ التقليدُ فيها، هي (١) محارَاتُ الأذكياء، ومواقفُ الفُطنَاء، ومداحِضُ الأقدام، ومهاوي الأفهام، وفيها مسائلُ الوعدِ والوعيد، والولاءِ والبَراء والأسماء والإمامات، وهذه هي سمعيات محضة، ولا يسْلَمُ الخائضُ فيها من التقليد ما لم يعرف ما يتعلَّق بها من العربية، وعدم المُعارض والمُخَصِّصِ، وفي الولاء والبراء والإمامات. ولا بُدَّ مع ذلك مِن معرفة عدم النسخ، وذلك لا يَصِحُّ إلا بَعْدَ البحث الكثير. فما بالُ هذا أمكنَ جميع المكلفين، ولم يتعذَّرْ عليهم، وأما محمد بن إبراهيم، فتعذَّرَ عليه ما هو أهونُ مِن هذا مع اشتغاله بالعلم منذ عَرَف يمينَهُ من شمالِهِ.

стр. 242

فإنه قلت: لأن تلكَ مسائل علمية عليها أدلة قطعية. قلت: وليس كُلُّ علمٍ تحصيلُه أسهلُ من تحصيل الظَّنِّ، فإن كلامَنا في السُّهولة والصعوبة؛ ولعله لا يَخفي عليك أن تحصيل أدلة التأْمين، ووضع اليمنى على اليُسرى أسهل من معرفة أدلة العلم الكلامي على الوجهِ الصحيح من غيرِ تقليد ألبتة، ولو كان الظن أعسَر مِن العلم مطلقاً؛ كان ظنُّ إصابة جهةِ القبلة أعسرَ مِن العلم بدليل الأكوان، بل أعسرَ مِن علم المنطق والكلام، وهذا ما لا يليق التطويلُ فيه. التنبيه الخامس عشر: القول بسهولة الاجتهاد قد قال به كثير من المتقدمين والمتأخرين من أهل المذهب، وغيرهم من أهل العصر، ومن تَقَدَّمهم. حدثني حي الفقيه العلامة علي بن عبد الله بن أبي الخير (١) أن الشيخ أبا الحسين لم يكن يشترط في الاجتهاد إلا أُصولَ الفقه -يعني بعدَ معرفةِ الكتاب والسُّنة-، قال: ولم يُرِدْ إن العربيةَ ليست بشرطٍ، وإنما أراد أن المحتاج إليه منها قد صار في أُصول الفقه، وبقيتُها إنما يتعلَّق بإعراب الألفاظ. وهذا القولُ لستُ أقولُ به، ولا أرتضيه، وإنما القصدُ الحكايةُ عن العارف الثقة. وقد تكلَّم الفقيهُ عبد الله بن زيد (٢) في الاجتهاد، ورخَّص فيه،

стр. 243

وكذلك القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدَّواري (١) ﵀ كان يُقَرِّبُهُ كثيراً. وكذلك حي الفقيه العلامة علي بن عبد الله ﵀ قال لي: إن الاجتهاد عنده أسهلُ مِن معرفة الفروعِ. والسَّيِّد -أيده الله- قد حكى ذلك عن الغزالي (٢) وغيره. قال السَّيِّد -أيده الله-، في رسالته: إن الغزالي وغيرَه ذكروا أنه يكفي المجتهدَ أن يَعْرِفَ في كلِّ فَنٍّ مختصراً، ولا يلزمُه حِفظُه عن ظهر قلبه، بل يكفيه معرفتُه نظراً. هذا لفظ السَّيِّد -أيده الله-، لكنه تأوَّل كلامَ الغزالي وغيرِه بما لا يُوجبُ التأويل، كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-. وكذلك تاجُ الدِّين السُّبكي قد وسَّطَ الأمرَ فيه ونصَّ: على أنه لا يجبُ عليه حفظُ المتون، ذكره في كتابه " جمع الجوامع " (٣). ولم يذكر فيه خلافاً مع توسُّعِهِ في النقل. وأنا -بحمد الله- لم أَقلْ كما قالوا، وأعوذ بالله من أن أعتقِدَ أنه يكفي في كل فَنٍّ مختصرُه -هكذا على الإطلاق-، هذا قولٌ نازلٌ جدًّا وسيأتي الكلامُ على فساده لا على تأويله -إن شاء الله تعالى-، وإنما القصدُ بيانُ أن تسهيلَ الاجتهاد قولُ لم يزل في الناس مَنْ يقولُه في قديم الزمان وحديثه، ولم يُعلم أن أَحداً ترسَّلَ على أحد في ذلك. وقد أشار

стр. 244

إلى سهولته غيرُ واحدٍ؛ كالإمام يحيي بن حمزة (١)، والفقيه علي بن يحيى الوشلي (٢) ﵀، وغيرهم. وسيأتي لهذا مزيدُ بيان - إن شاء الله تعالى. التنبيه السادس عشر: أنَّ السَّيِّد -أيَّده الله- يُملي على تلاميذه الخلاف في الفروع، ويروي عن كثير ممن لا يعلم أنه مجتهد بنقل ثقة معلوم العدالة بتعديل ثقة، وذلك الثقة الذي عدَّلَه مُعدِّل، وَهَلُمَّ جراً حتى ينتهي إلى زمانه. ولا السَّيِّد -أيَّده الله- يعلمُ نزاهتهم عن معاصي التَّأويل بمثل هذه الطريقة التي ألزمنيها، فهو على شك في اجتهادهم، وفي عدالتهم. أما الاجتهاد، فلأنه قد نَسَبَ مالكَ بن أنس إلى البَلَهِ، وحكى أن أبا حنيفة لا يَعْرِفُ العربية ولا الحديث. أما الاعتقاد، فلأنه قد قَطَعَ بكُفْرِ أحمد بنِ حنبل، وشكَّكَ في إسلامِ الشافعي، ومالك، أمَّا الشافعي، فقال: قد رُويت عنه الرُّؤية، وهذا يحتمل أن يكون بِكَيفٍ وهذا تجسيم، وأما مالك؛ فإنه توقف في تفسير الاستواء، وهذا يحتمل أنه تجويز للتجسيم. فإذا كان هذا في الأئمةِ الأربعة الذين طُرِّزَت بأقاويلهم كُتُبُ

стр. 245

الزيدية، ورسَخَتْ بمذاهبهم تصانيفُ العِترةِ الزكيةِ، وعُطِّرَتْ بذكرهم حِلَقُ الذِّكر بُكرةً وعشية؛ فما ظنُّك بالليثِ بنِ سعد المصري، وأشهب، والمُزَنِي، والإصطَخْرِي، وأبي ثورٍ، وداودَ، والقفالِ، والشَّاشِي، والمروزي، والقاشاني، وبعض أصحاب الشافعي، هكذا على الإجمال من غير تعيين. فروايةُ الخلافِ فرعٌ على معرفة الإسلام أولاًً، ثم معرفةِ العدالة التامة من جهة التصريح إجماعاً، ومن جهةِ التأويل على قولك -أيَّدك اللهُ- في ذلك بطريق صحيحةٍ، متسلسلة بالعُدولِ المعروفين منهم إلى " السَّيِّد ". مثل ما ألزمني في معرفة عدالتهم، وقال: لا تَحِلُّ الرواية عنهم إلا بعدَ معرفة العدالة في التصريح والتأويل، ومعرفةُ العدالة متَعسِّرةٌ أو متعذِّرة. فكذلك أنتَ لا يَحِلُّ لك رواية خلافهم إلا بعد ذلك. فمِن أين حصل لك، وتيسَّر، وتَسَهَّل أنهم عدولُ، بل أنهم مجتهدون في العلم مع العدالة؟! وأما أنا، فما تيسَّر لي معرفةُ العدالة وحدَها مِن دون معرفة الاجتهاد، مع أن التحري في النقل عنهم مما يلزمُكَ ويخُصُّك، وليس اجتهادي مما عليك فيه تكليفٌ. فتركت التَّحري فيما يخُصُّك، وتفرغت لتسيير الرسائلِ إليَّ مِن غير مُوجب مني لِذلك. التنبيه السابع عشر: الظاهر من أحوال السَّيِّد -أيده الله- أنه لا يقطعُ بتضليل الأئمة المتأخرين مِن بعد الإمام أحمد بن الحسين ﵇، كالإمام المنصور الحسن بن محمد (١)، والإمام إبراهيم بن تاج الدين، والإمام المطهر بن يحيى (٢)، وولده محمد بن المطهر (٣)،

стр. 246

وحفيده الواثق (١)، والإمام يحيي بن حمزة (٢)، والإمام علي بن محمد (٣)، والإمام علي بن صلاح بن تاج الدين، والإمام أحمد بن علي بن أبي الفتح ﵈ وحي والدك السَّيِّد العلامة محمد بن أبي القاسم ﵀، وهؤلاء الأئمة قد ادَّعَوا الاجتهادَ، وطريقهم في تصحيح الأخبار لم تُرفع ولم تعذر، لأنه ليس بيننَا وبينَهم قرونٌ عديدة، ولا أعصارٌ بعيدة. فإن كان السَّيِّد يجوِّزُ أنهم اجتهدوا، فَخَلِّ الناس يطلبون ما طلبوا، ولعلَّ الذي فَتَحَ على أُولئك يفْتَحُ على غيرهم، فإنه -سبحانه- باقٍ، وقدرتُ باقية، ولا معنى للتخذيل من طَلَب المقدورات. وليس المرادُ أني مثلُهم، ولا مِثل الإمام النَّاصر (٤)، لأن كلامي ليس هو في نفسي، إنما هو في الاجتهاد، فإنَّ السَّيِّد بَعَّدَه وعَسَّره، وشَكَّ في دخوله في جملة المقدورات، ولم يُفرق في ذلك بيني وبينَ غيري. والقصد الكلام أن الاجتهاد إذا كان ممكناً في زمان هؤلاء الأئمة، وإليه طريق معروفة، فالعهد قريب. والظاهر أن تلك الطريق ما تَعَفَّت في هذه المدة اليسيرة. والله أعلم. التنبيه الثامن عشر: أنَّ السَّيِّد -أيده الله- ذكر أن الاجتهاد ينبني على معرفةِ تفسير المحتاج إليه من القرآن، وذكر أن ذلك صعبٌ شديدٌ، مَدركُه بعيد. ثم إنّا رأينا السَّيِّد -أيده الله- صَنَّف تفسيراً للقرآن الكريم، محكمِه ومتشابِهه من أوَّلِه إلى آخره، وذكر جميع ما فيه من دقيق وجليل،

стр. 247

فعسَّر علينا معرفة تفسير المحتاج إليه، وهو شيءٌ يسير، وتعرض لذلك الذي عَسَّره بعينه، ولِأكثرَ منه بأضعافٍ مضاعَفةٍ. فإن كان ذلك تيسر للسَّيِّد -أيده الله- فلعل الله يُيسرهُ لغيره، وإن كان لم يتيسر له فهو أجلُّ من أن يقولَ على الله في كتابه بما لا يعلم، وقد روي في التفسير وعيدٌ شديدٌ. وسيأتي -إن شاء الله- لهذا مزيدُ بيان. ومن العجب أنه أكثر في تفسيره " تجريد الكشاف " مع زيادة " النُّكت اللِّطاف " من الرواية لتفسير كتاب الله -تعالى- من طريق الرازي، وابن الجوزي -من مشاهير المخالفين- الذين (١) يأتي تصريح السيد أنهم عنده كفَّارُ عمدٍ وتصريحٍ لا خطأ وتأويل. وكيف جاز له مثلُ ذلك؛ مع قَدحه على المحدثين بالرواية عن مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري، فكيف تجاسر -مع المنع عن الرواية عن مثل هؤلاء- على رواية فضائل السُّور الموضوعة باتفاق العارفين بعلوم الأثر مع معرفته لدلك في كتاب ابن الصلاح في " علوم الحديث ". وهلاَّ تورَّعَ من ذلك للخروج من الاختلاف، وكيف تجاسرَ على ذلك مع منعه من رواية الحديث المتفق على صحته بين علماء الأثر، فالله المستعان. التنبيه التاسعَ عشَرَ: أن السَّيد -أيده الله- ألزمنا معرفةَ معنى الآيات المتشابهة على التفصيل؛ سواء كُنّا مجتهدين أو مقلدين. ولم يُرَخص لنا في التوقف في التأويل، وجعل معرفة المتشابه مما يمكن كلَّ مكلف مِن عالم وعامِّي، وقارىء وأمِّي على مقتضى كلامه -كما سيأتي- إن شاء الله تعالى. ثم عَسرَ علينا معرفةَ الآياتِ المحكمةِ النازلةِ في تحريم الرِّبا،

стр. 248

والزِّني، وإفطار رمضان، وإتيانِ الحائض، وفي مواريث الأولاد مثل قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، ومثلُ قوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأمثال ذلك من الآيات الكريمةِ في تحريم الفواحش، وإقامة الحدود، وجواز البيع، وتعليم النَّاس معالم الخير، وإرشادهم إلى أعمال البِرِّ من الخشوع في الصلوات، والمسابقة إلى الخيرات، وإخبات القُلُوب، والوَجَل من الذنوب. فما أصعبَ ما سَهَّلَ السَّيِّد -أيده الله- من معرفة المتشابه جميعِه، وما أقربَ ما عسَّرَه من معرفة بعضِ آيات الأحكام. فإن قلت: إنما عسرت آيات الأحكام لتوقُّف العمل بها على فقد النَّسْخ، والمعارضة، والتخصيص. قلت: ذلك أمرٌ آخر أفردتُ الكلامَ فيه كما سيأتي كلامُك، وجوابُهُ: بل عَسَّرْتَ مجرَّدَ التعسيرِ (١) المتعلِّق بالنحو واللغة، وفي تفسير معرفة معنى المحكم، وتسهيلُ معرفة معنى المتشابه تَعَسُّفٌ كثير، فالله المستعان. التنبيه العشرون: أنَّهُ -أيده الله- إما أن يكون يعتقِدُ في نفسه أنه مجتهد، أو لا، أن كان يعتقِدُ ذلك في نفسه، فقد زالَ تعذُّرُ الاجتهاد،

стр. 249

ونُفِيَ تعسُّره، ولعلَّ الذي يَسَّره له، أو صَبَّرَهُ على طلبه حتى ناله يَهَبُ لِغيره ما وَهَبَ ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]. وإن لم يكن مجتهداً فهو لا يَعْرِفُ الاجتهادَ، فلا يَصِحُّ منه الحكمُ عليه بتعذرٍ ولا تعسُّر، ولا سُهولةٍ ولا تيسُّر، ولا نفيٍ ولا إثبات. وفي هذا مباحثُ طويلة، قد جمعتُها في رسالةٍ مفردَةٍ، وبعضُها أو كلُّها لا يخفي على الذكِيِّ مع التَّأمُّلِ. التنبيه الحادي والعِشرين: أنَّ السَّيِّد -أيَّده الله- عَظَّمَ الكلام في معرفة الجرح والتعديل، وعَوَّل عليه في التَّعسير كُلَّ التعويل، وهو عمودُ تعسيره الدي يدور عليه، وأصلُه الذي يعود عليه، ولم يُنبِّهِ السَّيِّد -أيده الله- على أن فيه خلافاً ألبتة، كأنه لا يَعْرِفُ فيه لأحدٍ قولاً، والقولُ بتركِ البحث عنه، وبأنَّه غيرُ واجب، هو القولُ المشهور المستفيض بينَ علماء الزَّيدية والمعتزلة، وهو قولُ المالكية، والحنفية. وادعى ابن جرير الطَّبري. أنه إجماعُ التابعين، وهو قول الشافعي في بعض المراسيل، وهو الذي عليه عَمَلُ النَّاسِ في بلاد الزَّيدية، وليس يُوجد في خزائنِ الأئمة كتاب في الجرح والتعديل بخلاف سائر العلوم. فليت شعري ما سببُ الإضراب عن ذكرِ هذا؟! ومن أين للسَّيِّد -أيده الله- أني أشترط معرفة الجرح والتعديل؟ وما أمِنَهُ أني أقبلُ المرسل من الثقة، فإن كان يُنْكِرُ على مَنْ لم يشترط ذلك، فليُنْكِرْ على غيري من جماهير العلماء، وما خَصَّني بالنكير، وإن كان لا يُنكرُ ذلك؛ فما باله عَسَّر وشدد، وهَوَّلَ وحَرَّجَ في أمرٍ الخلافُ فيه أظهرُ من الشمس عند مَنْ لَهُ أدنى معرفة بالأصول، وَهَلاَّ وقف التَّعسير على القول بإيجابِ معرفة ذلك، ولكنَّ كتابه -أيَّده الله- مبنيٌّ على الميلِ إلى التغليظ في الأمور والتحريج،

стр. 250

وترك ما لا يَخفي -على مثله- من التسهيل، بحيث إنه لا يترك شيئاً من الأمور المعسرة، ولا يخفي عليه وإن دقَّ، ولا يلتفت إلى شيءٍ مما فيه شهولة ويُسر، وان جلَّ وتجلى وما هذا عملَ الإنصاف. وقد اقتصرتُ على هذه التنبيهات الإحدى والعشرين وإن كان يُمكن الزيادة فيها، لكن مما أخاف أن ذِكْرَه يُوحِش السَّيِّد -أيَّده الله-. قال " أما معرفةُ صحيح الأخبار، فمبنيٌّ على معرفةِ عدالة الرواة، ومعرفةُ عدالَتهم في هذا الزمان مع كثرة الوسائط كالمتعذر. ذكرَ هذا كثيرٌ مِن العلماء، ومنهم الغزالي والرَّازي. فإذا كان ذلك في زمانهم؛ فهو في زماننا أصْعبُ، وعلى طالبهِ أتعبُ، لازدياد الوسائط كثرةً، والعلوم دروساً وفَتْرَة ". أقول: قد تقدَّم الكلام على تعسير الاجتهاد على الإطلاق. وقد شرع السَّيِّد يتكلم على تعسيرِ (١) كلِّ شرط من شروط الاجتهاد. فبدأ بمعرفة صحيح الأخبار فتكلم على تعسيرها، والجوابُ عليه مِن وجوه: الوجه الأولُ: أنَّ ظاهر كلامِهِ يقتضي إيجابَ الإحاطةِ بمعرفة الصحيح مِن الأخبار، وهذا الشرطُ لم أعلم أحداً اشترطَهُ، ولا دليلَ على اشتراطه، وإنَّما اختلفوا في الأخبار الآحادية الصِّحاح، هل يجبُ العلمُ بشيء منها؟ بل هل يجوزُ العملُ بشيء منها؟، فالجمهور على الوجوب. وقال السَّيِّد أبو طالب ﵇ ما لفظه: وذهب كثيرٌ من شيوخ
следующие страницы →