← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وحقيقة، ذلك أنها مرادةٌ لا سوى، فكما أن هذا يمتنع لفقد قرينة التجوُّز وهي النهي، وفقد ملزوم هذه الألفاظ وهو الذم والعقاب، فكذلك العكس. وأوضح من هذا أنه يصح عند الأشعرية تسمية المؤمن محبوباً مجازاً يرجع في الحقيقة عندهم إلى الإرادة، ولا يصح أن يسمى مسخوطاً مجازاً، وعكسه الكافر يسمى مسخوطاً مجازاً، ولا يسمى محبوباً مجازاً مع أن هذه الألفاط كلها راجعة إلى الإرادة، ولكن تختلف أسماؤها لاختلاف معانيها ومتعلقاتها. ولو صح تسمية الكفر محبوباً لله مرضيّاً مجازاً، لصحَّ تسمية الكفار أولياء الله وأحباءه مجازاً، لأنه أراد وجودهم لحكمة كما أراد وجود أسباب معاصيهم لحكمة. وقد صح بالنصوص النبوية الصحيحة الشهيرة أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، وأنه أشدُّ فرحاً بها من العبد إذا وجد راحلته عليها متاعهُ وسِقاؤه بعد أن أضلَّها في أرض فلاةٍ، وأيس من وجدانها، وألقى نفسه ليموت، فبينا هو كذلك إذا أقبلت راحلته عليها متاعه وسقاؤه، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلك براحلته (١). وبالإجماع يمتنع التجوز بمثل هذا في فرحه بمعصيته، وفرح الرب هذا لا يدل على تقدم عجزٍ عن هداية العبد كما ظنته المعتزلة، ولا بد للمعتزلة من تأويله كما يتأولون الغضب والمحبة، وأهل السنة يثبتونه كما ورد من غير تشبيه، والعبد العاجز يفرح بحسنته، ولا يلزم من فرحه تقدم عجزه، فكيف يلزم ذلك من فرح القادر على كل شيء .

стр. 2137

وكما أن هذا يُفْحِمُ من ذهب إليه من الأشعرية، فإنه أيضاً يفحم المبتدعة من المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى تلازم الإرادة والمحبة، وإرادة الله تعالى متعلقة بالكفار وجوداً دون محبته، مع أن محبته عند المعتزلة ترجع إلى الإرادة أيضاً، ولكن مُتعلَّقها لا يصح إتحاده عندهم كما هو الصحيح عند الأشعرية. فإيَّاك أيها السُّني والاغترار بكلام الجويني هذا، فإنه خلاف الكتاب والسنة والفطرة، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ من عصمه الله من الأنبياء والمرسلين. على أن الإمام الجويني من أقرب الأشعرية إلى المعتزلة حتى عَدُّوه من الغُلاة في أثر قدرة العبد، فإنه جوَّز تأثيرها في إيجادِ الذوات، وزاد في ذلك على المعتزلة كما يأتي بيانه. وما أحسن قول معاذ في سياق أثر عنه طويل: واتقِ زيغة الحكيم، قال الراوي: فقلت له: يرحمك الله وما زيغةُ الحكيم (١)؟ قال: هي التي يقال ما هذه ما هذه. خرجه أبو داود في آواخر كتاب السنن (٢).؟ فإن قلت: هلا جوزت تسمية القبيح المقدر محبوباً من الوجه الذي قُدِّرَ لأجله، فإنه قدر لمصلحة راجحة ولم يكن تقديره عبثاً ولا سُدى، ولا يمنع من ذلك كونه مكروهاً لوجه قبحه لاختلاف الجهتين كما ذكرته في الوقوع، فلم منعته في الواقع ولو مجازاً مع ظهور العلاقة، وهي تقدير الحكيم له.

стр. 2138

قلت: لأن كلامنا إنما هو في تسميته محبوباً من فِعْلِ العبد وكسبه، وليس له من هذه الجهة وجهٌ يُرضى ويُحبُّ، لأنه قُدِّرَ مكروهاً. وأما وجه حسن تقديره، فهو راجع إلى فعل الله، وفعله سبحانه محبوب مرضي حقيقة عند أهل السنة، ويستحيل تعلُّق الغضب به من حيث هو فعله. وهذا هو الجواب على من قال: كيف قبحُ الذنب من المعاصي مع حسن تقديره من الله لحكمةٍ راجحة؟ ومن هذا الوجه يجب الرضا بالقضاء بالشرور، والقبائح مع كراهتها كما قاله الغزالي وغيره، وذلك مثل الرضا بقضاء رسول الله ﷺ دون المقضي به، حيث قال: " إن أحدكُم يكون ألحن بحجته فأقضي له، فمن قضيتُ له بمال أخيه، فإنما أقطع له قطعةً من النار " (١) أو كما ورد، وهو متفق على صحته. والتمثيل به تقريبٌ لفهم البليد، وإلا فالبَوْنَ بين القضاءين بعيدٌ، فإن أراد ذلك الإمام الجويني فصحيح، ولا ينبغي أن يختلف فيه أهل الحق، لكن يختلفون في جواز إطلاقه لأنه يُوهم الخطأ، وهو كون المعاصي مرضية من جهة كسب العبد. فافهم ذلك. فإن قلت: قد صدَّرت الجواب على المعتزلة بأن ما (٢) ألزموه أهل السنة من كون المعاصي محبوبةً غير لازم على جميع أقوالهم، ثم حكيت عنهم الاختلاف في ذلك، ونسبته إلى إمامهم الجويني، وهذا تناقض! قلت: لم يختلفوا في أنها محبوبة قطعاً، إنما اختلفوا في صحة إطلاق هذه العبارة مجازاً، وذلك يقتضي منع حقيقتها، فتأمل ذلك. وقد أوضحت المنع من إطلاق ذلك مجازاً عند أهل السنة وجماهير أهل الكلام، ولله الحمد.

стр. 2139

قالت المعتزلة: إرادة القبيح قبيحة على كل وجهٍ، والله تعالى عندكم مريد للقبيح. قلت: الدعوتان ممنوعتان معاً. أما الدعوى الأولى: وهو أن إرادة القبيح قبيحة على كل وجهٍ فممنوعة. بيانه: أنها ليست بقبيحة لذاتها، ولا لذات القبيح عند المعتزلة، لأنها لو قبحت لذاتها (١)، قبحت كل إرادة، وقبحت إرادة الحسن، ولو قبحت لذات القبيح، كان القبيح قبيحاً لذاته، ولو كان قبيحاً لذاته، قبح الحسنُ أيضاً، لأن ذات القبيح والحسن واحدة، وهي الحركة والسكون، بل المرجعُ بهما عند المعتزلة والأشعرية إلى مُجَرَّد لبث الجسم في الجهة، كما هو مقرَّرٌ في الكلام، وقد مر في ذمِّ الكلام. فثبت أن قبح إرادة القبيح عند الخصوم أمرٌ عارض يجوز خلوها عنه، ويبدلها بعارض آخر يحسن معه. ونظيره إرادة الحسن، فإنها حسنة لتعلُّقها بوجه حُسنه، ومتى عَرَضَ لها عارض يقتضي القبح، قبحت. ولذلك أمثلة كثيرة، منها متفق عليه، ومنها مختلفٌ فيه، ومن أحسنها إرادة اليمين الواجبة شرعاً، وكراهتُها تجب من الوجه الذي قبحت منه عقلاً وشرعاً. ولا يقال: إن هذه الصورة غير ما نحن فيه، لأن اليمين في هذه الصورة قد ورد الأمرُ بها، والمحبة بخلاف المعاصي، لأنا نقول: إذا جاز تعلق الأمر والنهي والمحبة والكراهة بأمرٍ واحد لاختلاف وجوهه وعوارضه ولوازمه، جاز تعلق الإرادة والكراهة بذلك وبأمثاله أولى وأحرى. وكذلك الأمرُ باللعان.

стр. 2140

وكذلك قول موسى ﵇ للسحرة: ﴿ألْقُوا ما أنْتُم مُلْْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠]. وكذلك ما ثبت في " الصحيح " من استحباب سؤال القتل في سبيل الله، وأن من سأل ذلك صادقاً، أُعطي فضل الشهادة (١). وكذلك ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة (٢)، وعُبادة (٣) وأبي هريرة (٤)، وأبي موسى (٥) عنه ﷺ : " مَنْ كَرِهَ لقاء الله كَرِهَ الله لقاءه ". وتفسير ذلك أن الكافر لا يموت حتى يعلم أنه من أهل النار، فيكره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، والمؤمن لا يموت حتى يُبَشَّر بالجنة، فيحب الموت، فيحب الله لقاءه. وفي ذلك أن الله تعالى قد يريد وقوع ما يكره لحكمة مثل لقاء الكافر، والنكتة العقلية في ذلك أن الله لما كان لا يريد الشر، فإن قدره، فلحكمةٍ هي خير، وهي المراد به كما قَدَّر القِصاص للحياة، واليمين الغموس لاستيفاء الحقوق. فكان التحقيق أن المراد هو ذلك الخير، ولذلك لم يأتِ نصٌّ بأن شيئاً من

стр. 2141

الشرور مرادٌ لله، لأن المراد به غيره، ولأنه يوهم أنها إرادة طلب ورضا، وأنه مرادٌ لذاته. ومن أهل السنة من تجاسر على تسميته مُراداً، وإن كان قبيحاً، وإن كان مُراداً لغيره، والأولى تركُ ذلك لإيهامه، ولعدم النصِّ فيه. ومن أمثلته المجمع عليها عند الخصوم، جواز كراهة المعاقب لعقاب نفسه المستحق، لكونه مَضَرَّة لنفسه، لا لكونه حسناً مع إرادة الله له وحسنها وحسنه. ومن أمثلته عند أبي الحسين من المعتزلة: أن المكروه يجوز أن يسمى بذلك، لأن الله يكرهه من جهة نقصه لا من جهة حُسنه. ذكره في " المعتمد ". ويعبر أهل علم المعقولات عن ذلك بإرادة الشر لأجل الخير كالحجامة، فالخيرُ هو المقصود الأول، وهو الذي يُراد لذاته، والشر هو المقصود الثاني، وهو الذي يُرادُ لغيره، كالحجامة ترادُ وسيلة للعافية، ولا يريد الحكيم الشر بمجرد كونه شراً قطعاً. ومن أمثلة ذلك ما جرى من الخَضِرِ ﵇ مما ينكره العقل والشرع في بادىء الرأي قبلَ كشفِ أسرار الأقدار. وكذلك جميع المقدورات المقبَّحة في العقل والشرع، بل من ذلك إرادة موت الأنبياء ﵈ والصالحين، فإنها تحسنُ من الله تعالى عند المعتزلة، لأنها متعلقة بداعي حكمة، مع أنها تقبُحُ من الشياطين وأعداءِ الإسلام حيث يُريدون ذلك لأغراض قبيحة. وكذلك تمكين الكُفار من حرب الأنبياء وقتلهم يحسُنُ عند المعتزلة من الله تعالي، ولا يحسن من غيره لاختلاف الوجوه، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم حيث قال في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].

стр. 2142

وروى الزمخشري (١) في تفسيرها: أنها لم تدلُّ على التحريم، وأنها لما نزلت شَرِبَ الخمر ناسٌ، وتركها آخرون. وروى الحاكم (٢) عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّبٍ أن عمر ﵁ قال: " اللهُمَّ بيِّن لنا في الخمر، فنزلت: ﴿لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وأنْتُم سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فقال: اللهُمَّ بيِّنْ لنا في الخمر، فنزلت: ﴿فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس﴾ فكأنها لم تواقق من عمر الذي أراد، فنزل ﴿إنَّما الخمر والمَيْسِرُ﴾ إلى ﴿فهل أنتم مُنتهُون﴾ [المائدة: ٩٠] ققال عمر: انتهينا يا رب. قال الحاكم: صحيح. قلت: وخرَّجه النسائي (٣) من غير طريق الحاكم إلى أبي إسحاق، عن أبي ميسرةَ، عن عمر بنحوه. ورواه أبو داود، والترمذي (٤) عن عمر، وقال الترمذي: حديث صحيح. وخرج أبو داود (٥) عن ابن عباس أن آية المائدة نسخت ﴿لا تقربُوا الصلاةَ وأنْتُم سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿قُلْ فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناس﴾ [البقرة: ٢١٩].

стр. 2143

ويوضحه أن الخمر لم تحرَّم إلاَّ مرة واحدة، وأن تحريمها كان بآية المائدة، فقد صحَّ معنى ذلك، وفيه أوضح دليلٍ على جواز تعلُّق الإرادة والكراهة بأمر واحد لاختلاف الوجوه والاعتبارات. والتحقيق أنه لما كان قبح القبيح غير ذاتي، وإنما نشأ من تعلُّق إرادة فاعله بإيقاعه على وجهٍ مخصوص، كان الوجه في قبح إرادته هو تعلقها بذلك الوجه المخصوص، لأن قبحها تبعٌ لقبح القبيح، فكان منشأ قبحها من جهة واحدة، وتلك الجهة عند الأشعرية هي مخالفة الأمر، وعند المعتزلة وكثير من أهل السنة هي الوجه المخصوص الذي وقع الفعل عليه، وكان علةً في التحريم الشرعي، وليست الإرادة تؤثر في قُبح القبيح عند المعتزلة كما يأتي في مسألة الأفعال. فثبت أن هذه العوارض التي قُبح الفعل وإرادته لأجلها منفصلة عن إرادة الله تعالى لو قدرنا ما ليس بصحيح من خلق إرادة الله بعين ما هو فعل العبد. بيانه: أن فعل العبد يقعُ منه تارة أمتثالاً لله تعالى، وإرادة لطاعته بداعي الرغبة أو الرهبة أو المحبة، فيوصف بأنه طاعة وعبادة، وتتعلق به حينئذ محبة الله ورضاه، وأمره ووعيده، وثناؤه وثوابه حقيقة، وإرادته ومشيئته مجازاً. وتارة مخالفة للأمر ضعفاً وعجزاً، أو شهوةً أو نفرة، فيوصف بأنه معصية وسيئة. وتارة مخالفة للأمر استهانة وجحداً، فيوصف بأنه كفر. ولا يصح أن يريد الله تعالى وقوعه ممن لم يستحق العقوبة على وجه من هذه الوجوه على جهة الإضلال ابتداء لقوله: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦]. وإنما يجوز عقلاً أن يريد وقوعه ابتداء قبل استحقاق العبد لعقوبته ابتلاء، ولا يُسمى إضلالاً لما لا يُحيط بعلم جميعه إلاَّ هو سبحانه و ﴿لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا﴾ [البقرة: ٣٢] كما قالت الملائكة، ﴿ولا يُحيطونَ بشَيْءٍ من عِلمِه إلاَّ

стр. 2144

بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] كما قال في أفضل آية في أشرف كتبه الكريمة. وفائدة هذا التجويز العقلي هو الإيمان بما وردت به النصوص من ذلك إن وردت بشيءٍ منه، لأنا ندعي أنها قد وردت بذلك، إنما ورد ما يدلُّ عليه بلفظ آخر، فنؤمن بذلك اللفظ، ولا نبدله بلفظ منا، لأن لفظ الشرع إن كان جليّاً فيما فهمنا، فهو أبركُ وأقطع للنزاع، وإن كان خفياً، لم نأمَنِ الخطأ في تبديله، ولم يُعنَّف من خالفنا في تأويله. والفرق بين هذا وبين قول المعتزلة أنهم يقطعون بنفي قدرة الله على اللطف بالعصاة، ونحن نقطع على قدرته على ذلك. وإنما وقفنا في متعلق إرادته هل هو أفعاله سبحانه التي علم أن (١) أفعال العباد تقع عندها، كما هو قول الأشعرية المحققة، أو هو الواقع، والوقوع من الطاعات دون الواقع من غيرها؟ فهذا موضعٌ مُشكِلٌ دقيق، وحظُّنا فيه ومنتهانا الإيمان بالنصوص على ما أراد الله، وعدم تبديلها بعبارةٍ أُخرى، والراجح عقلاً أن إرادته تعالى لا تُعَلَّق (٢) إلا بأفعاله، والله سبحانه أعلم، فينظر في السمع وما فهَّمناه سبحانه من ذلك في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ محبة (٣) ظهور حلمه وعفوه ونعمه في الدنيا على جميع خلقه من أهل السعادة والشقاوة، وفي الآخرة خالصاً لأهل السعادة، وزيادة الحجة على الأشقياء في الدارين، وذلك بمجموع أدلة: منها: ما روى مسلم في " الصحيح " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " لو لم تُذْنِبُوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم ". وفي رواية: " يُذنبُون كي يغفر لهم " وهو حديث صحيح مشهور.

стр. 2145

خرجه مسلم في كتاب التوبة، وأحمد بن حنبل في " المسند " من حديث جماعة من الصحابة. ورواه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١) من حديث أنس، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي أيوب الأنصاري. وهذه طرق مسلم: حدثني محمد بن رافع (٢)، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جعفر الجزري -هو (٣) ابن برقان- عن يزيد بن الأصمِّ، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون الله فيغفرُ لهم " (٤). قال المزي في " الأطراف " (٥): زاد أبو مسعود (٦) وحده: أن عبد بن حميد تابع محمد بن رافع، عن عبد الرزاق. ورواه أحمد (٧) من حديث زهير بن محمد التميمي (٨)، عن سعدٍ أبي مجاهد الطائي، عن أبي مُدِلَّة مولى عائشة، عن أبي هريرة مرفوعاً به.

стр. 2146

وخَرجه الحاكم في التوبة من " المستدرك " (١) من طريقٍ أُخرى عن الربيع ابن سليمان، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن درَّاجٍ، عن ابن حُجيرة (٢)، عن أبي هريرة، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فهذه ثلاث طرق عن أبي هريرة وحده. قال مسلم (٣): حدثنا قتيبة بن سعيدٍ، حدثنا ليثٌ، عن محمد بن قيس قاصِّ عمر بن عبد العزيز، عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب، أنه قال حين حضرته الوفاة، قال: كنت كتمتُ عنكم شيئاً سمعته عن رسول الله ﷺ ، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: " لولا أنَّكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فَيغْفِرُ لهم ". حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، هو عبد الله، حدثني عياضٌ، وهو ابن عبد الله الفهري، قال: حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، عن محمد بن كعب القُرظي، عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري، عن رسول الله ﷺ ، قال: " لو أنكم لم يكن لكم ذنوبٌ يغفرها الله لجاء الله بقوم لهم ذنوبٌ يغفرها لهم ". وخرجه الترمذي (٤) في الدعوات عن قتيبة بإسناده المتقدم وقال: حسن غريب. قال المِزِّي (٥): رواه عبد الرحمن بن أبي الرِّجال، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، كلاهما عن عمر مولى غُفرة، عن محمد بن كعبٍ، عن أبي أيوب (٦).

стр. 2147

ورواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن محمد بن قيس، عن محمد بن كعب، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب. قال المزي: وهو أشبهُ بالصواب ممن أسقط منه محمد بن كعب. قلت: ولهذا قال الترمذي: إنه حديثٌ حسن غريب، يعني: بإسقاط محمد بن كعب، وإلا فهو حديثٌ صحيح شهير. وحديث أبي أيوب متفقٌ على صحة قواعده بالإسناد الأول، لم يختلف في توثيق رجاله ليس فيهم إلاَّ عِياضٌ، وقد وُثِّق، وهو حسن الحديث، وإبراهيم بن عبيدة: وثَّقه أبو زرعة ولم يُعارض بتضعيفٍ، وهارون بن سعيد: فقيه ثقة لم يختلف فيه، فثبت الحديث في الكتب الستة أربع طرق طريقان على شرط الصحاح المتفق عليها، وطريقان على شرط الحسان مع ما له من الشواهد في سائر المسانيد عن الصحابة الذين ذكرناهم أولاً (١). فقد رُوي من غير وجهٍ عن رسول الله ﷺ . منها: عن أنس، رواه أحمد (٢) وأبو يعلى، وقال الهيثمي (٣): رجالُه ثقات. ومنها: عن ابن عباس (٤) رواه أحمد، والطبراني في المعجمين " الكبير " و " الأوسط "، ورواه البزار وفي إسناده يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري وهو ضعيف وقد وثق، وبقيتهم ثقات. ومنها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٥)، رواه الطبراني في معجمه " الكبير " و" الأوسط "، والبزار، ورجالُه ثقاتٌ، وفي بعضهم خلافٌ.

стр. 2148

ورواه الحاكم في التوبة شاهداً لحديث أبي هريرة المتقدم من طريق أبي بلجٍ يحيى بن سليم، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عمر. ومنها: عن أبي سعيد رواه البزار (١)، وفيه يحيى بن كثير (٢) صاحب البصري ضعيف. وفي هذه الأحاديث الشريفة تنبيهٌ على حكمة واحدة من حِكَمِ الله تعالى في تقدير المعاصي، وهو ظهورُ كثير من آثار أسمائه الحسنى من فضله وعفوه ولطفه وحلمه، ونحو ذلك بسبب تخليته سبحانه بين العبد والذنب. فأيُّ قُبح في محبة الرب ﷻ لظهور آثار أشرف محامده، وهي الإحسان بعد الإساءة، والحلم بعد العلم بالعظائم، بل بعد طلب أهلها لتعجيل العذاب تكذيباً لمن توعدهم به، كما حكى الله سبحانه عنهم في قوله تعالى: ﴿ويَستعْجِلونَك بالعذاب﴾ [الحج: ٤٧]، [العنكبوت: ٥٣]. ولهذا قيل في محامد الرب سبحانه: الحمد لله على حلمه بعد علمه، وعلى إحسانه بعد إساءتنا. ولذلك عدَّ رسول الله ﷺ ذلك أفضل البر، بل جعل الإحسان قبل الإساءة كلا إحسان بالنظر إليه بعدها. ففي " صحيح البخاري " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص " ليس الواصِلُ بالمكافيء، الواصل من إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها ". وخرجه أبو داود والترمذي، ولفظ أبي داود " انقطعت رحمُه " (٣).

стр. 2149

وفي الباب عن أبي هُريرة خرَّجه مسلم (١)، وطرق ذلك في الكتب الستة معروفةٌ وشواهدها كثيرة شهيرة. وعن علي رضوان الله عليه، قال: قال لي النبي ﷺ : " ألا أدُلُّك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة: أن تصل من قطعك، وتُعطي من حرمك، وأن تعفو عمَّن ظلمك ". رواه الطبراني " في " المعجم الأوسط " من طريق الحارث بن عبد الله الهمداني (٢). وعن عقبة بن عامر: لقيت رسول الله ﷺ فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال؟ فقال: " صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرِضْ عمن ظلمك ". وفي رواية: " واعفُ عمَّن ظلمك " رواه أحمد والطبراني، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات (٣). وعن كعب بن غُجرة، قال: قال رسول الله ﷺ . " ألا أدُلُّكُم على خير أخلاق الدنيا والآخرة: من وصل من قطعه، وعفا عمن ظلمه، وأعطى من حرمه " رواه الطبراني مسنداً ومرسلاً. وفي المسند: محمد بن جابر السُّحيمي مقارب الحديث (٤).

стр. 2150

وعن مُعاذ بن أنس عنه ﷺ : " أفضل الفضائل أن تَصِلَ من قطعك، وتُعطي من حرمك، وتصفح عمَّن شتَمك " رواه الطبراني، وإسناده حسن (١). وعن عبادة بن الصامت مرفوعاً نحو ذلك (٢). وعن أُبي بن كعب مرفوعاً نحو ذلك (٣). ويشهدُ لمعناه من كتاب الله مثل قوله: ﴿ويَدْرَؤونَ بالحسنةِ السيئةَ﴾ [الرعد: ٢٢]. ﴿وما يُلقَّاها إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. وفي " جامع الأصول " (٤)، و" البخاري " في تفسير قوله تعالى في حم السجدة: ﴿ادفَعْ بالتي هِيَ أحسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] عن ابن عباس قال: الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فَعَلُوه عصمهم الله، وخضع لهم عدوهم. ذكره البخاري بغير إسناد (٥)، ولم يُسنده ابن حجر، لكنه بصيغة

стр. 2151

الجزم. ويشهدُ له: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. فإذا تقرَّر هذا، فإن الرب يحب من كل خير، وفضل، وبِرٍّ، ومعروف، وإحسان، وعفو، وتكرُّم أعظمه، وأكمله، وأتمه، وأفضله، وأحسنه، وأجمله، قال الله تعالى في نحو ذلك بعد ذكر من لا يُهدى أبداً: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨] فسمى الله تأخير العذاب مغفرة ورحمة، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ [الجاثية: ١٤]، وقال تعالى: ﴿فاعفُوا واصفحوا﴾ [البقرة: ١٠٩]. وفي هذه الآيات والآثار دلالةٌ على أن المغفرة في الدنيا بعد الذنوب مما أراده الله سبحانه، وتمدَّح به، وأمر به المؤمنين، وندبهم إليه، ثم إذا لم يلتطِفْ عبد السوء بالرحمة والعطف، ولم ينتفع بالرفق واللطف، أذاقه الله تعالى من العذاب الأدنى تارة على جهة التكفير، كما جاء فيم حدود المسلمين وآلامهم، وتارة على جهة التذكير، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١] ثم بعد ذلك يعاودُ الإمهال، وإقامة الحجة بكثرة النعم، ثم بعد ذلك ينتقم منهم للمؤمنين، ويجعلهم موعظة للمتقين كما وردت به النصوص إلى غير ذلك من الحكم والغايات الحميدة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الأنعام: ٤٣ - ٤٥].

стр. 2152

فأشار بقوله: ﴿والحمدُ للهِ ربِّ العالمين﴾ إلى استحقاقه الحمد على ذلك، لما يصحبهُ من الحجة الدامغة، والحكمة البالغة في نصر المؤمنين، والانتصاف للمظلومين، وغير ذلك، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الزمر: ٧٥]. بيان ذلك أنه لما كان موجب كمال صفات الله تعالى وملكه الحق يقتضي أن يكون ملكاً عزيزاً مخوفاً مَهيباً يُخاف ويُهاب، ويُخشى ويُتَّقى مثلما يُسترحمُ ويُستعطف، ويُسأل ويُرتجى كما سيأتي في آخر مسألة الأفعال في ذكر اسمه الضار النافع، وبيان أن ضره عدلٌ ونفعٌ وحكمة، كان من موجب كماله في الملك والربوبية، وموجب صفاته التي يستحيل تعطيله عنها، ويستحيل تخلُّف آثارها عنها، وسلبُ أحكامها منه، أن عبد السوء متى أصرَّ على عصيانه، وتعدى حدوده وتجبَّر على أوليائه، ولم يشكر النعمة في إمهاله، وإقاله عثرته، ولا قبل ما عَرضَه له من غُفرانه، وعلم الله سبحانه إصراره على مثل ذلك لو عاد له بالإمهال، جاز أن يُبَدِّلَ تلك الرحمة بالسخط والرفق بالعُنف، والنعمة بالعقوبة، والتيسير لليسرى بالتيسير للعسرى لما يأتي من وجوه الحكمة في تقدير الشرور والعقوبات، وله في ذلك الحكمة البالغة، والحجة النيرة. قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [البقرة: ٢١١]. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَة﴾ [آل عمران: ١٧٦]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].

стр. 2153

وقال : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوه﴾ [التوبة: ٧٧] الآية. وحكى الله تعالى عن كليمه ﵇ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم﴾ [يونس: ٨٨]. وحكى عن خير ابني آدم أنه قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَك﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِك﴾ [المائدة: ٢٨ - ٢٩]. وتقدم في آيات المشيئة من هذا طرف وهو قرآنيٌّ معلوم، وتأويله ممنوعٌ، لمثل ما تقدم من المنع من تأويل آيات المشيئة، حتى جاء في كتاب الله تعالى استنكارُ خلافه في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [آل عمران: ٦٨ - ٨٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فقوله: ﴿على عِلمٍ﴾ إشارة إلى ما علم الله من استحقاقه الإضلال عقوبة

стр. 2154

والله أعلم. ثم أن العقوباتِ لا تخلو من الحكم والغايات المرجِّحة الحميدة، المرجحة لها على العفو كالانتقام لأولياء الله تعالى مرةً، والموعظة لهم أخرى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]، وآخرها مثل قوله: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٦ - ٢٧]. وهذا تخصيصٌ لعموم مفهوم ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِم﴾ كما خصه الله في آخرها بقوله: ﴿إلاَّ الَّذين تابُوا﴾، وفي قوله: ﴿والله عليمٌ حكيم﴾ تعليل التخصيص بالحكمة والعلم لا بمجرد الاتفاق كما ذلك يعلل به في آخر آية المُرْجَين لأمر الله في سورة التوبة [١٠٦]. وقال: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِين﴾ [البقرة: ٦٦] وهذا يعمُّ عقوباتهم كلها سواء كانت بالحرب في الدنيا، أو بالأمراض، أو بعذاب الآخرة، أو بالإضلال المُؤدي إلى ذلك، وهو مشهورٌ في كلام علماء الإسلام حتى في كلام أئمه الزيدية، ففي كلام المنصور بالله ﵇ مع شدته في الرد على الجبرية ما لفظه في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، والعقوبة يجوز إنزالها بالمستحقين ويجوز تقديم شيءٍ منها في الدنيا كما فعل بالمستهزئين (١). وكذلك قوله (٢) تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] قال: فالمراد بذلك تنزيهُها (٣)

стр. 2155

من خوف العذاب وغمِّ الآلام لمجاهدتهم له بالمعاصي، وذلك جائزٌ واللاَّئمة عليهم دونه تعالى. ذكر ذلك في " الأجوبة الشافية عن الأسئلة (١) الشافية " في " المجموع المنصوري ". وقال فيه في " رسالة الإيضاح لمعجمة الإفصاح ": الكلام على ذلك أن الله تعالى إذا أراد خذلان عبده وكَلَه إلى نفسه، وسلبه توفيقه عقوبة له على فعله. وقال في الجزء الثالث في جواب كتاب من القاضي علي بن نشوان (٢) وقد ذكر سبهم له: وهذا خذلانٌ نعوذُ بالله منه، لأن الله تعالى إذا أراد خذلان عبده وكله إلى نفسه، وسلبه توفيقه ... إلى قوله: ولكن هذه سنة الله في مُعَارِضِ الحق عمداً أن يسلُبَه الله التوفيق والصواب فيما هو فيه. انتهى بحروفه. وتقدم عن قدماء أهل البيت ﵈ النصُّ على مثل قول أهل السنة في المشيئة والقدر، والتصريح به كما ذكره في " الجامع الكافي "، وفي الرسالة المنسوبة إلى الحسن البصري تصريح بمثل كلام المنصور بالله ﵇، واحتجاج بقوله: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] وأمثالها. فتلخص أن كراهة الله تعالى تُعَلَّقُ (٣) بالوجوه التي قَبُحت القبائح لأجل قُبحها (٤) مجرداً عن النظر إلى تلك الوجوه، وإرادته تُعَلَّق بما هو فعله سبحانه، وليس من أفعال العباد، ولكنه يلابس أفعال العباد ملابسة لا تُمَيَّزُ لكثير من

стр. 2156

الناس، إما ذواتها على قول أو أسبابها ومقاديرها على قول (١). وإن كان متعلق الإرادة والكراهة لفظاً إضافيّاًَ عدمياً، فإنه يَصِحُّ إرادة ذلك، كما يصحُّ إرادة التروك ونية الصوم، وإرادة عدم المضارِّ. ويُشبه هذا تعلق كراهته تعالى وعداوته بالكفار مع تعلق (٢) إرادته ومشيئته بهم، لكن المتعلق مختلف، فإن متعلق كراهته صفات أفعالهم التي قبحت لأجلها، ومتعلق بُغضه، وغضبه وسخطه وعداوته عند المتكلمين ذمهم وعقابهم، ومتعلق إرادته ومشيئته وجودهم وبقاؤهم، وقد توصف الذوات بالحسن والقُبح عُرفاً، وتتعلق بها الإرادة والكراهة في ظاهر اللفظ توسُّعاً شائعاً (٣) حتى صار حقيقة عرفية مفهومة من غير قرينة ولا مشاحة في العبارات مع إرشاد القرائن إلى المقصود، فكيف مع نصوص أهل السنة على مقاصدهم؟ فوضح منع الدعوى الأولى، وهي (٤) قبحُ (٥) إرادة القبيح على جميع الوجوه مُطلقاً من غير تقييد. وأما الدعوى الثانية: وهي أن أهل السنة يعتقدون أنه تعالى مريدٌ لقبائح أفعال العباد لأجل قبحها ووقوعها على الوجوه التي قَبُحت لأجلها، فدعوى باطلةٌ ممنوعة أيضاً، لأنا قد بَيَّنَّا أنهم ما عَنَوْا أنه يحبها ولا يرضاها ولا يريدها منهم إرادة الطلب التي تلازم الأمر، ويعدى بحرف " من " كما مضى مقرراً في تفسير كلام جعفر الصادق ﵇ الذي رواه عنه الشهرستاني، وكلام أحمد بن عيسى بن زيد الذي رواه صاحب " الجامع الكافي ". وبيَّنَّا هناك أن الإرادة تختلف معانيها بحسب تعديها بنفسها (٦) إلى مفعولها الأول، وتعديها بحرف جرٍ إلى مفعولها الثاني، وأن ذلك الحرف إن كان " من " دلَّ على ملازمة الإرادة للطلب والأمر كقوله تعالى: ﴿ما أُريدُ منهم من رزقٍ﴾ [الذاريات:

стр. 2157

٥٧]. وعلى هذا لا يجوزُ أن يقال: إن الله تعالى أراد المعاصي من العباد، لأنه يستلزِمُ أنه طلبها منهم، وعليه يُحملُ قوله تعالى: ﴿ما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنس إلا لِيَعْبُدون﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: لطلب ذلك منهم، وأمرهم به، ومحبة شرع ذلك لهم ديناً يتقربون به، وقد يُسمى هذا الطلب والمحبة إرادة كما مضى. وإن كان الحرف (١) هو الباء الموحدة أو اللام كانت الإرادة ملازمة للعلم، وكان المفعول الثاني (٢) كالعلة في الأول غالباً، ودلَّ تخلُّفه على عدم قُدرةِ من أراده. وعلى هذا قال أهل السنة: إن الله تعالى ما أراد بالكفار الطاعة والجنة، ولا أراد ذلك لهم، لأنه لو أراد ذلك بهم ولهم، كان كما أراد، ولو لم يكن كما أراد استلزم عقلاً وسمعاً ما لا يجوزُ على الله تعالى من العجز، لأن معنى أرادها بهم ولهم: أراد أن يَهديَهم لها، ولذلك قالت المعتزلة: إنه لا يَقْدِرُ على هدايتهم عن ذكر ذلك، وجمع ذلك، فإن الله تعالى يكره المعاصي ولا يحبها، ولا تناقض بين ذلك لاختلاف الجهات التي تعلقت بها إرادته وكراهته. وسيأتي جواز تعلق المحبة والكراهة بالشيء الواحد باعتبار جهتين، وقد مرَّ أيضاً وما أحسب فيه خلافاً. وهذا التفصيل والتلخيص قلَّ من يعرفه، بل ما تلخصَ لي إلاَّ بلُطفِ الله بعد تكرار النظر مدة طويلة، فالحمد لله. وقد يخالفهُ عبارة بعض أهل السنة، فيقولون: إن الله تعالى أراد المعاصي من العباد، ولا يعنُون إرادة الطلب قطعاً، بل يعنون: أرادها لهم وبهم لما يأتي من وجوه الحكمة، لا لأجل قبحها، فإنه يجب القطعُ بأنه لا يريدها من حيث قبحت كما قال: ﴿وما الله يُريدُ ظُلْماً للعبادِ﴾ [غافر: ٣١]، وفي آيةٍ

стр. 2158

﴿للعالمين﴾ كما سيأتي بيانه في رد أدلة المعتزلة، وبيان مقاصد أهل السنة. وإنما أخطؤوا في العبارة وحَسِبُوها تدل على عدم الطلب كما صرح الشهرستاني بذلك كما مضى تقريره في كلام جعفر الصادق، والأولى تجنبُ هذه العبارة، لأنها توهم أنه يأمُرُ بالمعاصي ويُحبها من حيث هي معاصٍ، وليس كذلك قطعاً كما يأتي. بل الذي أُحبُّه وأرتضيه للسني أن لا يتجاوز ألفاظ القرآن والسنة، فإنها لم تَرِدْ إلاَّ بما يقتضي به كمال قدرة الله تعالى من التمدح بنفوذ المشيئة في كل شيء، وهذا وصف عظيم يختص به الرب، ويعجز عنه كل قادر سواه بخلاف مجرد إرادة القبيح، فإنه قد يَقَعُ من الضعيف والعاجز، ومتى تعلقت إرادة القبيح بالوجه الذي قبح لأجله تنزه الرب تعالى عنها بالمرَّة كما يتنزه عن كل عيب وذمٍّ كما قال تعالى: ﴿وَمَا الله يُريدُ ظُلماً للعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، وإن كان سياقها يقتضي أن المراد: وما الله يريد أن يظلِمَ العباد كما سيأتي، فإن العلة قبح إرادة القبيح بغير شك، واختصت بشرار خلقه، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها. وما أحسن عبارة موسى كليم الله ﵇ حيث قال: اللهم إنك رب عظيم لو شِئْتَ أن تطاعَ، لأُطِعْتَ، ولو شئتَ أن لا تُعصى، ما عُصيت، وأنت تُحبُّ أن تطاع، وأنت في ذلك تُعصى فكيف هذا يا رب؟ وسيأتي إسناده (١). وفيه إشارةٌ إلى ما استنكرته المعتزلة من تعلُّق محبته بالطاعات، وعدم إرادته لوقوعها باعتبار الجهتين (٢)، ولولا ذلك ما قال موسى ﵇: فكيف هذا يا رب؟ فكذلك فلتكن عبارة السُّنِّي، فإن احتاج إلى ذكر إراده الله تعالى للمعاصي في تعليمٍ أو جدال بالتي هي أحسنُ توسُّعاً في العبارة وتمسُّكاً بالإباحة حيث

стр. 2159

لم يرِدْ نصٌّ بتحريم ذلك، لم يوردها موهمةً لقبيح، وبَيَّن أن الله تعالى يكره المعاصي، ولا يريدها إرادة الأمير والطلب والمحبة، وإنما يُريدُ تقديرها لحكمةٍ بالغة استأثر بها، فهو يريدُها من ذلك الوجه الحسن فقط، ويكرهها من الوجه الآخر الذي قَبُحت منه، كما يُريدُ اليمين الواجبة شرعاً وإن كان الحالف فاجراً فيها مع قُبحها، بل مع كونها من أكبر الكبائر، لكن إرادتها من الوجه الذي وَجَبَتْ وشُرعت له، لا من الوجه الذي قَبُحت له، وكذلك كل قبيح مقدر كما مر تقريره. والسر في ذلك أن المرادات كلها قسمان: خيرٌ وشر، فالخير مُرادٌ لنفسه، والشر مُرادٌ لغيره، والخير المراد لنفسه هو الأصل في المرادات كلها، ولذلك لم يصح أن يكون الشر مراداً حتى ترجع إرادته إلى إرادة الخير، فكان الشر غير مرادٍ كألم الحجامة يُراُد من أجل العافية. ولذلك كان الخير والطاعات هي الغالبة، وكانت الشرورُ والمعاصي هي النادرة، وذلك أنا ننظر إلى جميع المخلوقات من الملائكة، والروح، وجميع أجناس الحيوانات والناميات، ويخلق ما لا تعلمون، ولا عبرة بكثرة العصاة في الجن والإنس لأنهم أقل المخلوقات كما بينتُه في " الإجادة " وغيرها. وإذا تقرَّر ذلك لم يحسن أن تُطلق العبارة بأن الله سبحانه أرادَ المعاصي، لأنه يوهم أنه تعالى أرادها لكونها معاصي إرادة محبةٍ ورضا وأمر، وإنما يقول: لو شاء لم تكن المعاصي لما له في تقديرها من الحكمة، وما أحسن البيت: فالخيرُ بالذات مَقْصُودٌ وشرهُمُ ... قضى ولكن لا مِنْ غيرهم شَرٌّ (١) بل قد مرَّ تصريح أئمة الأشعرية بأن إرادة الله تعالى لأفعال العباد حيث يطلق مجازٌ ، وأن ظاهرها خطأ، وتأويلها إرادة أفعاله تعالى التي تعلق بأفعال

стр. 2160

العباد من الثواب والعقاب والأمر والنهي ونحو ذلك. ولا يقال: إنه لا معنى لهذا الحديث (١) لعدم تنصيص الأئمة عليه، لأن أئمة الكلام نصوا عليه أو على نحوه كما مرَّ، وأئمة الحديث لم ينصوا على خلافه، بل نصوا (٢) على صحة قواعده، فإنهم كرهوا الرواية بالمعنى في الحديث المتعلق بالعمليات، وحرَّمه كثير منهم، وهو الأولى إلاَّ لضرورة العمل في نحو ترجمة الشريعة للعَجَم، ولولا هذه الضرورة ما جوَّزه أحد فيما أحسِبُ لما يؤدي إليه من المفسدة، فإن من جوَّزه شرط أن يكون من عبَّر بالمعنى عالماً بما يُحيل المعاني، وكل أحدٍ حَسَنُ الظن بنفسه، وكم من قاطعٍ بصحة أمر ينكشف خلافه، وهذا في العمليات الظنيات. وأما الصفات الربانيات فالخطر فيها عظيم، وقد بالغ صاحب " الوظائف " (٣) على مذهب السلف وأهل السنة، ومنع من أن يقال: إن الله تعالى مُستو على العرش أو يستوى عليه، قال: وإنَّما يقال: ثم استوى كما قال، وقد مر ذلك في الصفات. ولا شكَّ أن متكلمي أهل السنة، والأشعرية، والشيعة، والمعتزلة، جميع أهل العقليات قد أجمعوا على أن قولنا: أراد الله المعاصي متأولة، وأنها على غير ظاهرها، ومع ذلك لم يرد بها نصٌّ سمعي، فيجب تجنبها حيث توهم الخطأ، وينبغي التبدل بها حيث لا توهم بألفاظ كتاب الله تعالى ورسله المعصومين ﵈. وكذلك كل كلمةٍ تقترن بها مفسدة، فقد قال الله تعالى في نحو ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وعُدَّ من حُسنِ

стр. 2161

أدب خليل الله ﵇، وحُسنِ خطابه قوله: ﴿وإذا مَرِضْتُ فهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه مع أن الكل من الله. ومنع العلماء من أن يقال: يا رب الكلاب والخنازير، وإن كان هو ربَّها، فإنه (١) إنما يُخصُّ بالمعظمات كربِّ العرش العظيم، وإلا وجب التعميم كرب كل شيء، ومن أحسن ما يدل على ذلك ما تكرر بمدح الرب به من أنه تعالى بيده الخير، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير، ولم يرد في كتاب الله تعالى التصريحُ بعكس ذلك، وهو مدحُهُ بأن بيده الشر وهو على كل شيء قدير، كراهة لإضافة الشر خصوصاً (٢) إليه إلاَّ داخلاً في عموم كل شيء، لأنه حينئذ يفيد صفة الربوبية لكلِّ شيء. والوجه في ذلك أن كل شر واقع من الله تعالى فإنه وسيلة إلى الخير، وليس بشرٍّ بالنظر إلى حكمته، كما ذكره النواوي في أحد الوجوه في تفسير قوله ﷺ (٣): " والشر ليس إليك " ذكره في شرح مسلم (٤) وغيره. وما زال أهل القرب والرسوخ في العلم على مذهب أهل السنة في نفوذ إرادة الله ومشيئته، وعدم التعرض لما في ذلك من خَفِيِّ (٥) حكمته، ولم تختلف في ذلك النبوَّات والكتب السماويات. وقد قال الإمام البيهقي ﵀ في " الأسماء والصفات " (٦): أخبرنا أبو

стр. 2162

عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا أبو مسلم، حدثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا مُصْعَبُ بن سوَّار، عن أبي يحيى القتات، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس لما بعث الله موسى وكلَّمه، قال: " اللهم أنت ربٌّ عظيم ولو شئت أن تُطَاعَ لأُطِعْتَ، ولو شِئْتَ أن لا تُعصى ما عُصٍيتَ، وأنت تحب أن تُطاع وأنت تُعصى، فكيف هذا يا رب؟! " فأوحى الله تعالى إليه: " إني لا أُسألُ عما أفعل وهم يُسألون، فانتهى موسى ". رواه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (١) وعزاه إلى الطبراني، وزاد فيه: " فلما بعث الله تعالى عُزَيراً، وأنزل عليه التوراة بعد ما كان رفعها على بني إسرائيل، حتى قال: من قال: إنه ابن الله، قال: إنك ربٌّ عظيم " وساق مثل كلام موسى، ومثل جواب الرب عليه ثلاث مرار، فقال الله تعالى له: " أتستطيعُ أن تصُرَّ صُرَّةً من الشمس؟ قال: لا، قال: أفتستطيع أن تأتي بمكيالٍ من الريح؟ قال: لا، قال: أفتستطيعُ أن تجيء بمثقال أو قيراطٍ من نورٍ؟ قال: لا، [قال:] فهكذا لا تقدر على ما سألت عنه، أما إني لا أجعل (٢) عقوبتك إلا أن أمحو اسمك من الأنبياء فلا تُذْكَر فيهم، فمَحى اسمه من الأنبياء، فليس يُذكر فيهم وهو نبي، فلما بعث الله عيسى ورأي منزلته من ربه، وعَلَّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، سأل مثل سؤال موسى، فأجيب مثل جوابه، وقال الله تعالى له: لئن لم تنته لأفعَلَنَّ بك كما فعلت بصاحبك بين يديك، فجمع عيسى من معه فقال: القدر سرُّ الله فلا تَكَلَّفُوه ". رواه الطبراني (٣) من حديث أبي يحيى القتَّات، واسمه زاذان فيما قال ابن

стр. 2163

عدي (١)، وقال العقيلي (٢): اسمه عبد الرحمن بن دينار، وقيل غير ذلك، وهو لا يُعرف إلاَّ بكنيته وهو من رجال أبي داود، والترمذي، وابن ماجة مختلف فيه لكن وثَّقه ابن معين (٣)، ولحديثه شواهد. قال البيهقي (٤): أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي (٥)، حدثنا أحمد بن سلمان، حدثنا جعفر بن محمد الخُراساني، حدثنا قتيبة، حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عِمران الجَوْني، عن نوف (٦)، قال: قال عزيز فيما يُناجي ربه " يا ربِّ تخلق خلقاً فتُضِلُّ من تشاء، وتهدي من تشاء " قيل له: " يا عزير أعْرِضْ عن هذا " فعاد، فقيل (٧) له: " يا عزير أعرض عن هذا وكان الإنسان أكثر شيءٍ جدلاً " قال: فعاد، فقال: " يا عزير لتُعْرِضَنَّ عن هذا أو لأمحونك من النبوة، إني لا أُسأل عما أفعل وهم يُسألون " (٨). هذا شاهد لما قبله، وليس على شرط الصحيح.

стр. 2164

ويشهد لذلك ما حكاه الله تعالى في كتابه الكريم عن الملائكة ﵈ حيث قالوا: ﴿أتَجعَلُ فيها من يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ الدماء ونحنُ نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك قال إنِّي أعلَمُ ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]. ووجهُ المشابهة بينهما أن الكل سؤال عن وجه الحكمة، وفيما تحيَّرت فيه العقول من ذلك، وأن الله أجاب على من سأل عن تعيين الحكمة فيه (١) بردِّه إلى علمه، وهذا شأن المتشابه كلِّه الذي أخبر الله تعالى أنه لا يعلم تأويله إلاَّ هو. فالعجب ممن يدعي معرفة الراسخين له، وهم فيه أكثر الناس وقفاً وحَيْرةً كما روى الطبراني عن وهبٍ، عن ابن عباس أنه سُئِلَ عن القدر؟ فقال: وجدت أصول الناس فيه حديثاً أجهلهم (٢) به، وأضعفهم فيه حديثاً أعلمهم به، ووجدت الناظر فيه كالناظر في شُعاعٍ، كلما ازداد فيه نظراً ازداد فيه تحيُّراً. انتهى. فلو عَلِمَه الراسخون، لعلَّمُوه المسلمين، إذ لا يصحُّ أن يستحيل على المسلمين تعلُّم ما عند الراسخين. تم بعونه تعالى الجزء الخامس من العواصم والقواصم ويليه الجزء السادس وأوله قالت المعتزلة: القول بأن أهل النار ........

стр. 2165

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم تصنيف الإمام العلامة النظار المجتهد محمد بن إبراهيم الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط الجزء السادس مؤسسة الرسالة

стр. 2166

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ٦

стр. 2167

جميع الحقوق محفوظَة لمؤسسَة الرسَالة ولا يحق لأية جهة أن تطبع أو تعطي حق الطبع لأحد. سَواء كان مؤسسَة رسميّة أو أفراداً. الطبعة الثالثة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤسسة الرسالة بَيْروت - شارع سُوريا - بناية صَمَدي وَصالحة هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - ص. ب: ٧٤٦٠ برقياً، بيوشران

стр. 2168

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2169

قالت المعتزلة: القول بأن أهل النار خُلِقُوا لها يستلزم أن لا يجب عليهم شكر نعمة الله وحمده عليها سيما إذا لم يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] وتأويل الآية صعبٌ لأنها من النصوص المصادمة للتأويل، وهو مشترك الإلزام في الشكر على العقوبة، أما الحمدُ، فلازم على كل حال كما ورد به الأثر، وكما يقتضيه النظر، ولكل طائفة جواب من جهة الشكر خصوصاً، ومن جهة الحمد عموماً. وجواب أهل الحقِّ في ذلك من وجهين: أحدهما: ما تقدم في مسألة المشيئة في آخر الدليل الثالث مبسوطاً، وتحقيقه المنع من كون الله ما خلق الكفار إلا للعذاب، بل خلقهم سبحانه لحكم كثيرة غير لا منحصرة وردت النصوص بذكر كثيرٍ منها مما يشهدُ له سبحانه بالنعم السابغة، والحكم البالغة، والبراهين الدامغة. منها: الإحسان إليهم قبل كفرهم، واستحقاقهم العقوبة بما يوجب عليهم

стр. 2170

شكره، ثم العفو عن تعجيل العقوبة بعد استحقاقها كما مرَّ في حديث " لو لم تُذنبوا " (١)، وذلك قبل الإملاء لهم، لِيزدادو إثماً، وقد ذكرت من ذلك سبعة أمور، أولها هذا. وثانيها: خلقهم لعبادته بالنظر إلى أمره (٢) ومحبته. وثالثها: الابتلاءُ بالنظر إلى عدله وحجته. ورابعها: ظهورُ عدله في تعذيبهم على كفر نعمه، وجحد حجته بالنظر إلى خبره وعلمه وقدره وكتابته. وخامسها: الحكمةُ الأولةُ المرجِّحة لذلك على عفوه عنهم، التي هي تأويل المتشابه بالنظر إلى حكمته وإرادته ومشيئته، وعلى هذا مدارها. وسادسها: ما لا يُحيط بجميعه إلاَّ هو بالنظر إلى سعة علمه ورحمته. وسابعها: ما للمؤمنين في خلقهم من اللطف والنفع في دنياهم ودينهم وأُخراهم، وهو (٣) يستحق من الجميع على حكمته، كما يستحق الشكر من أهل النعم على نعمته، كما تقدم مبسوطاً في موضعه. الوجه الثاني: القطع بأن مراد الله بالشر خير، لأن الحكيم لا يريدُ الشر لنفسه، وإنما يريده لغيره، لحديث " سبقت رحمتي غضبي " (٤)، وحديث " والشر ليس إليك " (٥) كما تقدم تقريرُه، وكما أوضحه الغزالي في " المقصد الأسنى " (٦) في شرح " الرحمن الرحيم ". فكل شر أراده الله، فهو لحكمة هي خيرٌ محضٌ، وإن لم يحط بها أحد،

стр. 2171

وهي تأويلُ المتشابه، كما دلَّت عليه قصة الخَضِر مع موسى ﵉، وكما دلَّ عليه قوله: ﴿وما يَعْلَمُ تأوِيلَه إلاَّ الله﴾ [آل عمران: ٧]، فلو أُريد الشر لكونه شراً لم يُحتج إلى تأويل: لا يعلمه إلاَّ الله، وقد أشار الله إلى هذا في جوابه على الملائكة حيث قال: ﴿إنِّي أعلَمُ ما لا تَعْلَمونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. ففي كل عقوبةٍ ظاهرة نعمة باطنة، ولذلك اختصَّ الله بوجوب شكره على ما ساء وسر، ونفع وضر، وقد صح النصُّ بذلك في الحدود، فإنها كفارةٌ مع كونها عقاباً ونَكالاً، ولا إشكال في شيءٍ من ذلك الشر إلاَّ (١) دوام العقاب، وسيأتي الاختلاف فيه، والمختار من ذلك. وهذه القاعده توجب على أهل النار أن يحمدوا ربَّهم عليها لما لهم فيها من العدل والحكمة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الزمر: ٧٥]، وإلى ذلك أشار رسول الله ﷺ بقوله: " الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار " رواه ابن ماجه (٢)، وفيه إشارةٌ إلى استحقاقه الحمد لله على المعذَّبين بالنار،

стр. 2172

ولكن السنة سؤال العافية. ومما قلت في هذا المعنى من جملة أبيات: أنت الحكيم بكل ما قدَّرْتَهُ ... وعلى العَبيد بكُلِّه كل الثنا ونعوذ بالله الرؤوف وفضله ... من حال أهل النار خلداً أو فَنا ضعفاً وعجزاً لا اعتراضاً للقضا ... مِنَّا ولا سُخطاً لحكمة ربنا فكيف لا يجب عليهم الشكر لما لا يُحصى من نعمه المتقدمة، وقد مرَّ طرفٌ من هذا في الدعوى الأولى عند الكلام على حديث " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون كي يَغْفِرَ لَهُم ". قالت المعتزلة إلاَّ القليل منهم: يجب تأويل آيات المشيئة على أنه لو شاء أن يُكرِهَ العُصاة على الطاعة لفعل، لأنه لو كان يعلم لهم لُطفاً إذا فعله لهم أطاعوه، لزم (١) عليه فعلُ ذلك، وهو سبحانه لا يُخِلُّ بواجبٍ. وخالفهم في هذا جميع فرق أهلِ السنة، وجميعُ متقدمي أهل البيت كما تقدم من طريق أهل البيت وغيرهم. وخالفهم جماعةٌ جِلَّةٌ من متأخري أهل البيت ﵈، مثل السيد الإمام أبي عبد الله مصنف " الجامع الكافي "، والإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة، والإمام الناصر، والإمام المنصور.

стр. 2173

وخالف المعتزلة في ذلك من شيوخهم بِشْرُ بن المعتمر، وجعفر بن حرب على تفصيلٍ له في ذلك، حكاه عنهما الإمام يحيى بن حمزة في كتابه " النهاية " (١). وحُكي عن أبي الحسين أنه حكى رجوع ابن المعتمر كذا بصيغة الجزم. قال الإمام: وقال -يعني قاضي القضاة-: ومنهم من فصل -يعني جعفر بن حرب- فقال: إن كان ما يفعله المكلف من أسباب عدم اللطف أشق وأعظم ثواباً لم يجب اللطف، وإلا وَجَبَ. قال: وحُكِيَ عنه الرجوع عن هذا، كذا قال. " حُكي " بصيغة ما لم يُسَم فاعله، وهي المعروفة بصيغة التمريض. وفي كتاب " الملل والنحل " (٢) عن بِشر بن المعتمر أن في مقدور الله لُطفاً لو أتى به، لآمن من في الأرض إيماناً يستحقون عليه الثواب استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده وأكثر منه، وليس على الله أن يفعل ذلك لعباده ولا يجب عليه رعايةُ الأصلح، لأنه لا غاية لما يقدر عليه من الصلاح، فما من أصلح (٣) إلا وفوقه أصلح. انتهى. وهي حجةٌ حسنةٌ في نفي وجوب الأصلح، وجمهور المعتزلة على إيجاب اللطف، وقد ألزمهم علماء الإسلام تعجيز الرب سبحانه عن هداية عاصٍ واحدٍ على سبيل الاختيار، وهم يلتزمونه في المعنى، فإنه صريح مذهبهم إلاَّ أنهم يقولون: إنه لا يستلزم العجز، لأن اللطف بهم مُحالٌ، والمحالُ ليس بشيء، والقادر لا يُوصف بالقدرة على لا شيء. قلنا: الإحالة ممنوعةٌ، وعلى تقدير تسليمها، فيلزم المعتزلة قبح التكليف، لأن إزاحة أعذار المكلفين عندهم واجبةٌ، ولذلك أوجبوا اللطف على الله

стр. 2174

تعالى، لأن ترك اللطف يُناقِضُ ما أراده الله تعالى على زعمِهم مِنْ دخول الكفار الجنة على أبلغ الوجوه. فنقول: لو كان واجباً مُعَلَّلاً بما ذكرتم لَقَبُحَ على أصولكم تكليف من علم الله سبحانه أنه لا لطف له ألبتة، وأنه لا يدخل الجنة قطعاً، بل من علم أن تكليفه يكون سبباً لخلوده في النار، لأن ذلك أعظم مناقضةً لمراد الله سبحانه لو كان مراده هو ما ذكرتم من دخول الكفار الجنة (١) على أبلغ الوجوه. فإن قيل: إلزامُكم لهم (٢) تعجيزه سبحانه، وتعالى عن ذلك عُلُوّاً كبيراً، ومنعكم لما اعتذروا به من الإحالة مبنيٌّ على أن الله تعالى يعلم لهم لُطفاً، لكن المعتزلة منعت أن يكون في معلوم الله تعالى للعُصاة لطفٌ، وإذا لم يكن في معلوم الله لطفٌ بهم (٣)، لم يكن في مقدوره، إذ يستحيل أن يقدر على ما لا يعلم، والجواب من وجوه. الوجه الأول: أنهم أرادوا الاعتذار عن التعجيز بنفي العلم، فزادوا تجهيل الرب تعالى مع تعجيزه تعالى عن ذلك لأنهم فرُّوا من قولهم: إن ذلك عجز، إلى قولهم: ليس بمعلوم، فليس بمقدورٍ فزادوا على نفي القدرة الاستدلال على صحة نفيها بنفي العلم فراراً من لفظ التعجيز إلى نفي القدرة والعلم. فلا وجه لعدول من عدل منهم عن أن يقول بالتعجيز إلاَّ التستر (٤)، وإلا فالمعنى واحد، لأن أهل الإسلام يجزمون بتضليل من جحد قدرة الله تعالى على هداية عاصٍ واحد من خلقه، كما يجزمون على تضليل من عجَّزَهُ عن ذلك، ولا يفرقون بين العبارتين قبل هذا العرف المبتدع، فاحتالوا على تحسين

стр. 2175

هذه الشناعة بذلك التوجيه، فأضافوا إلى تلك الشناعة مثلها، وهي قولهم: إن الرب اللطيف لما يشاء لا يعلم لُطفاً لمن شاء هدايته من جميع العصاة، وكلا هاتين الشناعتين مما يأباه من بقي على الفطرة من جميع المسلمين. ولا يحتاج من يُقرُّ بالنبوات إلى مناظرة في ذلك، فإن المعلوم ضرورة من النبوات يدفَعُه، وقواعدهم تصحح هذا الإلزام (١) الشنيع، وهم لا يبعدون من التزامه في المعنى، ولذلك صرَّح من أجمعوا على تعظيمه بنفي قدرة الله على القبيح كالنظام (٢) والأسْوَاري (٣) وجعلوا هذه المسألة من مسائل الخلاف بين شيوخهم، وهي (٤) صريح التعجيز بإثباتهم (٥) معها حكم العقل بالحسن
следующие страницы →