← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وقد تستعمل الإرادة في موضع المحبة والعكس، وقد يصح ذلك مجازاً فيحتاج إلى القرينة، أو حقيقة عرفية فلا يحتاج إلى القرينة، وقد لا يصح ذلك بحسب المتعلقات وسياق الكلام، بل قد تُعَلق المحبة والكراهة بالشيء الواحد فيكون محبوباً مكروهاً باعتبار الجهتين، كما أجمع الكل عليه في اليمين الغموس الكاذبة حين تَجِبُ على المنكر شرعاً، فيحسُنُ من صاحب الحق والقاضي إرادتها من حيث أنها حق للمدعي على المنكر، ويجب على المدعي من حيث يعلم أنها زور كراهتها من حيث هي معصية مع إرادته لها من حيث هي واجبة. وسيأتي ذلك مع نظائره. وفي هذا المقام الدقيق تختلف عبارات أهل السنة وربما لزم من ظاهر بعضها ما لم يقصده قائله (١)، كما يكون ذلك في كلام كل فرقة. فقد رأينا العلماء والبُلغاء متى أرادوا تحقيق أمرٍ واحد (٢) وتمييزه عن غيره قَلَّ من يُصيب المقصود من ذلك على ما ينبغي، وكثُرتِ الإشكالات على مَنِ ادَّعى تجويد الحدِّ، وتحقيق التمييز. هذا مع استشعارهم للحذر مِنَ (٣) الغلط في ذلك، وبذل الجهد في ترك فَضَلاتِ الكلام، والتجوُّز في العبارات، لأن ذلك كله معيبٌ في الحدود. ولقد اشتد خلاف الأذكياء في حدِّ العلم. فقال بعضهم: لا يُحَدُّ لجلائه (٤). وقال بعضهم. لا يُحَدُّ لعسره. وقالت طائفة: لا بد من تحديده. ثم اختلفوا في حدِّه أشد الاختلاف، فهذا مع أن العلم هو الذي تُعْرَفُ به الدقائق والجليات، وهو مُدْرَكٌ بالفطرة،

стр. 2102

إذ هو من الأمور الوجدانيات كالألم والجوع والغضب والرضا، فكيف بالتعبير في محارات العقول في (١) مسألتي المشيئة والأقدار متى وقع ممَّن لم (٢) يتدرب في الحدود والجَدَل، ولا أشعر نفسه الحزم من النقاد والحَذَرَ مما لا يكاد يُصيب شاكلة الرمي ويطبقُ مَفْصِلَ الإجادة إلاَّ من (٣) مَلَّكَه الله أزمة الإصابة والسعادة. و حاصل مذهب أهل السنة على التقريب ، وإن أخطأته عبارة بعضهم هو ما ذكرته من تعميم نفوذ (٤) مشيئة الله تعالى بما تعلقت به تعظيماً لقدرته ﷻ من القصور عن كل مقصود (٥) ومقدور مع اختصاص محبته بالطاعات، وكراهته بالمعاصي المُقَبِّحات. وفي مقام التعبير عن الكتاب والسنة والآثار تَزِلُّ الأقدام، وتفاوت الأفهام، ويتصعَّب المرام، وقلَّ من ينجو بسلام، والذي أحبُّه وأرتضيه للسني ترك العبارات المولدة والتكلُّفات (٦) الحادثة، وإن نطق بها بعض أهل السنة ظنّاً منه بأنه يترجم (٧) بها عن القرآن والحديث، ولو تَفَطَّن لم يُجاوِزْ عبارات القرآن والحديث، فإنها أفصحُ الكلام، وأصحُّه وأبينه، وأوضحه ولم يرد إلاَّ بما يقتضي كمال قدرة الله تعالى، وهو التمدح بنفوذ (٨) مشيئة الله في كل شيءٍ. وهذا وصفٌ جليل جميل يختصُّ به الرب سبحانه، ويليق بجلاله، ويعجز عنه كل قادرٍ سواه بخلاف مجرد إرادة القبيح الذي ظن بعض أهل السنة أنها مرادفة لذلك الوصف الجليل الجميل، وكيف يُرادِفُه وهو من خصائص ربِّ العزة ﷻ ؟ وإرادة القبيح مجرّدةً عن ذلك صفةٌ عريَّةٌ عن الثناء بالمرة يقع من

стр. 2103

الضعيف، والعاجز، والخبيث، والأحمق، وسائر الشياطين وأعداء ربِّ العالمين. ومتى تعلَّقتْ بالقبيح لأجل الوجه الذي قُبِّحَ منه، وجب تنزيه الربِّ سبحانه منها بالمرة كما يتنزَّه عن كل عيب وذم، كما قال تعالى: ﴿وما اللهُ يُريدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١]، وفي آيةٍ ﴿للعالمين﴾ [آل عمران: ١٠٨] كما سيأتي بيانه واختصت بشرار خلقه، ﴿ولله الأسماءُ الحُسنى فادعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وما أحسن عبارة موسى كليم الله سبحانه، حيث قال: " اللهم إنك ربٌّ عظيم لو شئت أن تُطاع لأُطِعْتَ، ولو شئت أن لا تُعصى ما عُصيتَ، وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تُعصى فكيف هذا يا رب ". وسيأتي تحقيق الفرق بين العبارات الربانية والنبوية، وبين العبارت المحدثة المبتدعة في الدعوى الثانية وقبلها، ثم في الجواب عن أدلة المعتزلة. وقد شَغَبَ أهل الكلام على أهل الأثر في تجويز المحبة والغضب على الله بأمورٍ سهلة تقدم بيانها في الصفات. الفرقة الثانية: المعتزلة وغالب مذهبهم مشهورٌ لم يغلط عليهم فيه، وسيأتي ذكر أدلتهم والجواب عنها في الفرقة الثالثة. وفيهم طائفة يَنفُون إرادة الله تعالى، ولا يُثبتون معنىً زائداً على كونه عالماً، ويتأولون كونه مُريداً بكونه فاعلاً، وهو عالم غير ساهٍ ولا مُكْرَهٍ، ومعنى إرادته لأفعال غيره عندهم أمره بها، حكاه الزمخشري (١) في تفسير: ﴿ماذَا أرادَ اللهُ بهذا مثلاً﴾ [البقرة: ٢٦] وأهل المقالات يروُون ذلك عن البغدادية منهم. الفرقة الثالثة: الأشعرية، ولم تُحَرِّر المعتزلة نقل مذهبهما على الصواب،

стр. 2104

فرأيت نقله من كُتُبِهم محققاً، ويدخل في ضمن كلامهم تحقيق مذهب المعتزلة. قال الشهرستاني في كتابه " نهاية الأقدار ": قالت المعتزلة: كلُّ آمر بالشيء، فهو مريدٌ له، والباري آمرٌ عباده بالطاعة، فهو مريدٌ لها، إذ من المستحيل أن يأمُرَ عباده بها، ثم لا يريدها، والجمع بين اقتضاء الطاعة وطلبها بالأمر بها، وبين كراهة وقوعها جمعٌ بين (١) نقيضين، وذلك بمثابة الأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة، إذ لا فرق بين قول القائل: آمرُك (٢) بكذا وكرهُ منك فعله، وبين قوله: آمرُك بكذا، وأنْهاك عن فعله، وإذا كان الآمرُ بالشيء مريداً له، كان الناهي عنه كارهاً له. والذي يحقِّقُ ذلك أن الأمر يقتضي من المأمور حصول الفعل، والإرادة تقتضي تخصيص المأمور به بالوجود، ومن المُحال اقتضاء الحصول لشيء، (٣) واقتضاء ضد ذلك منه. ويخرج على هذه القاعدة أستر وأحكم إلى العلم، فإنه يجوز أن يأمر بخلاف المعلوم، لأن العلم ليس فيه اقتضاء وطلب، وإنما يتعلق بالمعلوم على ما هو به بخلاف الإرادة، فإنها مقتضية، فيرد الأمر على خلاف العلم، ولا يَرِدُ على خلاف الإرادة. قالت الأشعرية: لسنا نُسَلِّم أن كُلَّ آمر بالشيء مريدٌ لحصوله، بل نقول: كل آمر بالشيء عالمٌ بحصوله، أو مجوِّز، فهو مريدٌ له حصولاً، وكل آمر بشيء يعلم حصول ضده لا يكون مريداً لحصوله، فإن الإرادة على خلاف العلم تعطيل لحكم الإرادة، وتغيير لأخصِّ وصفها، وقد بينا أن أخص وصفها التخصيص، وحكمُها أنها إنما تتعلق بالمتجدد من المقدورات أو من المتخصص منها.

стр. 2105

فإذا عَلِمَ الآمرُ بأن المأمور به لا يحصلُ قطعاً، ولا يتجدَّدُ ولا يتخصص، فيستحيل أن يُريده، فإنها تُوجد حينئذٍ ولا متعلق بالممكن (١) لها، وتتعلق ولا أثر لتعلقها، وذلك مُحالٌ، ولو كانت الإرادة من خاصيتها أن تتعلق بالممكن فقط كالقدرة، لكان جائزاً أن تتعلق بخلاف المعلوم. ومن العجب أنَّ متعلق القدرة أعمُّ من متعلق الإرادة، فإن الممكن الجائز هو (٢) جائز متعلق بالقدرة، والمتجدد من جملة الممكنات متعلق الإرادة، والمتجددُ أخصُّ من الممكن. قلت: بيان ذلك أن الأصل أن يكون الأمر غير مخالف للعلم ولا للإرادة، لكن قد ورد بخلاف العلم إجماعاً، وهو خلاف الأصل. فإن قيل: فما الوجه في وروده على خلافِ الأصل حيث يكون على خلاف العلم والإرادة؟ قلت: الوجه أن الأمر في الغالب يكون طلباً لحصول المأمور به كأمر من عَلِمَ الله تعالى أنه يمتثل فيجب أن يكون على وَفْقِ العلم والإرادة، وقد يكون الأمرُ (٣) على جهة الابتلاء وإقامةِ الحجة، وهو نوعان: أحدهما: وهو الأقل أمر من علم الله أنه يُطيعُ ليبتلى بالعزم على ذلك لا (٤) ليفعله، مثل أمر الخليل ﵇ بذبح ولده ﵇ على أصحِّ القولين، وهو مقرَّرٌ في الأصول. وقد قيل: إن منه أمر النبي ﷺ ليلة الإسراء (٥) بخمسين صلاة، ونُسخَ ذلك عنه قبل التمكُّن من فعله.

стр. 2106

ومنه أمر من علم موته قبل التمكن من امتثاله، أو نسخُ المأمور به قبل ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] فإنه روي أنها نُسخت قبل أن يعمل بها أحد إلاَّ علياً ﵇ (١). فإن قيل: فلماذا قال في الأمر بذبحِ إسماعيل: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، وفي حديث: فرض خمسين صلاة هي خمس وهي خمسون لا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ (٢) فإنه مشكلٌ على كلا المذهبين؟

стр. 2107

قلت: لا يبعُدُ أنه (١) في مرتبة اختيار الأحسن على الحسن لأن الله تعالى لا يفعلُ المرجوح وإن كان حَسَناً مع وجود الأحسن الراجح (٢)، وذلك أن الأمر يُشبه الخبر بالوجوب، كما قد أتى بلفظ الخبر ﴿ولله على الناسِ حِجُّ البيتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ونحوها، فبَعُدَ بالتأويل عن شبه الخُلف (٣) والبداء كما تنزَّه عن خُلْفِ الوعيد كذلك مع حسنه عقلاً وسمعاً. وثانيهما: وهو الأكثر أمر من علم الله سبحانه أنه لا يُطيع لإقامة الحجة، كما أذكره في الحكمة في الأمر مع القدر في آخر الكلام في الأقدار، وما فيه من الآيات الصريحة بأن العلة في أمره إقامة الحجة عليه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [يونس: ٢٥]، فَعَمَّ بالدعوة حجة على من علم أنه لا يجيبُ، وخص بالهدى منه على من عَلِمَ أنه يُنيبُ. ثم إن الحجة تارة تكون مع إرادة المغفرة كما يأتي في أحاديث " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم "، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٦] ولم يكن الرب مُريداً لسكون آدم وزوجته في الجنة دائماً بدليل قوله قبل عصيانهما: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وبدليل أنه لو أراد ذلك غفر ذنبهما ولم يُخرجهما به من الجنة، أو أخَّر عقوبتهما إلى (٤) الآخرة كما يقتضيه مذهبُ المعتزلة، فإنه لا يجوز عندهم تقديم (٥) العقوبة في دار التكليف، بل ذنوب الأنبياء صغائر عند المعتزلة والجمهور، والصغائرُ مغفورةٌ لا يعاقب الله

стр. 2108

عليها، وظاهرُ أمره بسكناهما الجنة الدوام بدليل قوله في الشيطان: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه﴾ [البقرة: ٣٦] فنسب الإخراج إليه لما كان سبباً فيه، ولم يكن السببُ الظاهر انتهاء مدة الإرادة لإقامتهما في الجنة. وتارةً من غير إرادةٍ للمغفرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. ونحوها ﴿لِئَلاَّ يكونَ للناس على الله حُجَّةٌ بعد الرُّسُل﴾ [النساء: ١٦٥]. وأخصُّ من هذه الآيات، وأنسبُ بمسألتنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] أي أمرناهم أن يطيعوا، كما تقول: أمرته فعصاني، أي: أن يُطيعني، والقرينة في مثله مُغنيةٌ عن تقدير المحذوف من جنس المذكور كما زعم الزمخشري (١)، فالآية بينةٌ في أن الأمر لهم لم يكونوا (٢) ليطيعوا، لأنه كان بعد إرادة عذابهم بما قد علم الله فيه من الحكمة، وإنما كان أمرهم قطعاً لعُذْرِهم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر﴾ [يس: ١١] يعني الإنذار النافع. وأما ما تقدم الأمر من كفرهم، فلا يجوز تعليق الإراده لعذابهم به، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ونحوها ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُون﴾ [النمل: ٨١]، وقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم﴾ [يس: ١٠]. ولذلك قد يخصُّون بالأمر في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] وهو كثير، بل قد يستثنى الكافر من المؤمن المأمور حيث يراد بالأمر وقوع (٣) المأمور به، ونجاة الممتثل له، كقوله

стр. 2109

تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُم﴾ [هود: ٨١]. وقد يريد الله تعالى بالأمر الوجهين معاً بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. فهذه الآيات وأمثالُها مما يكثر إيراده شاهدةٌ على أن أمر من عَلِمَ الآمر أنه يُعصى غير ملازم لإرادة امتثاله (١) مع ما يدركُه العقل من ذلك، وهذان النوعان واردان في الشرع وروداً كثيراً، ولا يمنع العقل من ورودهما، ولكنهما نادران في عاداتِ الناس، إذْ كانت العادات جارية بأن الأمر قرينة تدل على حاجة الآمر إلى مطلوبه، وذلك دليل على إرادتِه ما أمر، ولما قَلَّ في العادة الأمر من غير إرادة غفل عنه المعتزلي وظنه محالاً، وليس بمحال، وإنما المحال ما جوَّزه المعتزلي من إرادة حصول ما جَزَم الآمر، وعلم أنه لا يحصُلُ أبداً، ولذلك جاء على أبلغ صيغ الإنكار في قوله : ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨]. فلم ينكر هذه الإرادة لِقُبح ما تعلَّقت به وهو الهُدى، لأنه حسن قطعاً، وإنما أنكرها لتعلُّقها بما علم أنه لا يقع، ولذلك خصَّ ذوي الألباب بإرادة التذكر في قوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وأمثالها كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ [النحل: ٦٤]. وقوله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 2110

وقوله سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]. ولو كان ذلك الذي زعموه ممكناً، لأمكن من أحدنا أن يريد من الله تعالى أن يفعل له ما يعلم أنه لا يفعله من أن يرفعه إلى السماء، أو يُحيي له من مات من أهله، أو يرُدَّ له أيام الشباب بعد الهرم. فذلك ممكنٌ مقدور لله تعالى، وإنما استحالتْ إرادة ذلك من العقلاء لعلمهم أنه لا يقع، ولأمكنت إرادة القبيح والمضارِّ التي لا داعي إليها، كنكاح الأمهات وقتلها. ولما قَبُحَ عند الخصوم إعلام المُكَلف بأنه من أهل النار، وقد قبَّحوا ذلك، بل قَبَّحوا الإعلام بصغار (١) الذنوب مع بقاء الداعي إلى تركها، وهو استحقاق الثواب عليه، والصارِف (٢) عن فعلها، وهو فواتُ الثواب بسببه. وأما ما نجدُ من شهوةِ ما لا يكون وتمنيه (٣)، فليس من الإرادة في شيء، وقد يُعَبِّرُ عن تلك الشهوة بالإرادة، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [السجدة: ٢٠] وليس من قبيل الإرادة الاختيارية، لأنهم غير قادرين على إرادة البقاء في النار، على أن علمهم حين (٤) أرادوا ذلك بعدم (٥) وقوعه ممنوعٌ بدليل سؤالهم ذلك في قولهم: ﴿ربَّنا أخْرِجْنا مِنْها﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وقولهم: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك﴾ [الزخرف: ٧٧] وذلك واضح. وذكر بعض أهل السنة أشياء في الاستدلال على أن الأمر قد يفارق الإرادة وهذا الذي ذكرته أصحُّ، ولا يخلو ما ذكروه من نظر من ذلك الدعاء في صلاة الاستسقاء حيث لا يُسقَون، وشفاء المرضى حيث لا يُشْفَون، وببقاءِ الأنبياء والأولياء، وطلب طول أعمارهم.

стр. 2111

ويشبهه من وجه الأمر بقتل كثير من الحيوان الذي أراد الله حياته (١) كالفواسق الخمس والوَزَغ، بل كالكفار، والأمر بقتلها وطلبها (٢) في جميع الأوقات، وذلك عند المعتزلة يستلزم أن الله تعالى مريدٌ لِقتلها، ومريدُ قتلِ الحي لا يريد حياته، وإنما يَصِحُّ ذلك باعتبار الجهات المختلفة عندهم. وكذلك يقول أهل السنة في مسألة الإرادة، وفي متعلقاتها، فيلزمها الموافقة في أحد الموضعين. ومنه إرادة التعجيز كقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]. ومنه ما رُوي عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " مَنْ تحلَّم بحُلمٍ لم يَرَهُ كُلِّفَ أن يعقِدَ بينَ شعيرتين ولن يَفْعَلَ " (٣) خرجه البخاري. وخرج الترمذي (٤) من حديث علي ﵁ نحوَه. وفي أحاديث المُصَوِّرين أنه يُقالُ لهم يوم القيامة: " أحْيُوا ما خَلَقْتُم " (٥) وهي

стр. 2112

شهيرةٌ صِحاحٌ، ويأتي ذكرُها في الكلام على تنزيه أهل السنة من القول بتكليف ما لا يُطاق. قال الشهرستاني: ثم يقولُ مَنْ رأي أن الآمر بالشيء لا يكون مُريداً له من حيث إنه مأمور به فقط، سواء كان المأمور به طاعة وقد عَلِمَ الآمر حصولها، أو كان الأمر بخلاف ذلك، فإن جهة المأمور به هو كسبُ المأمور، وسيأتي أن ذلك أخص أوصاف الفعل، سُمِّي به العبد عابداً، ومُصلياً، وصائماً وأمثال ذلك. والفعل من هذا الوجه لا يُنسبُ إلى الباري تعالى، فلا يكون مُريداً له من هذا الوجه، بل يُنسب إليه من حيثُ التجدد والتخصيص، وما لم يكن الفعلُ فعلاً (١) للمريد لا يكونُ مراداً، فما كان من جهة العبد الذي سمَّيناه كسباً وقع على وفق العلم، والأمر كان مُراداً مرضياً، أعني مراداً بالتجدد والتخصص (٢) الذي هو أثرُ قدرة الله تعالى مرضيّاً بالثناء والثواب والجزاء. وما وقع على وَفْقِ العلم وخلاف الأمر كان مُراداً غير مرضي، أعني مُراداً بالتجدد، وغير مرضي بالذمِّ والعقاب، وهذا هو سر هذه المسألة، ومن اطَّلَع عليه، استهان بتهويلات القدرية، وتمويهاتِ الجبرية. قلت: هذا كلامٌ صحيح المعاني، قويُّ المباني، وإنما يتجلَّى بمعرفة مذهبهم في خلق الأفعال، وتمييز ما هو أثر قدرة الرب عما هو أثر قدرة العبد، فمن أراد تحقيق هذا، جمع إلى النظر فيه أمرين: أحدهما: النظر في مسألة الأفعال كما يأتي في المرتبة الخامسة. وثانيهما: النظر في امتناع تعلق الإرادة بفعل غير المريد، وهو صحيح،

стр. 2113

ولا بمشيئة، لأن المحبة تعلَّق بفعل الغير، ويلتبس الفرق بين المحبة والإرادة على من لم يتأمل، وكثيراً ما يُسَمَّى أحدهما باسم الآخر مجازاً. ومن الدليل على أن الإرادة لا تعلق بفعل الغير أن العزم والنية لا يتعلقان به مع أنهما من أنواع الإرادة، وفي هذا بيان غلطِ من صَحَّح إطلاق محبة الله تعالى ورضاه (١) على المعاصي المراد وقوعها مجازاً واهماً أنه لا فرق بين المحبة والإرادة كما نقله الجُويني (٢) عن بعض مُتكلمي الأشعرية وقوَّاه هو، نقله عنه النواوي وسيأتي إن شاء الله تعالى. ومن الفروق: بين المحبة والإرادة غير (٣) ما مضى أن المحبة غير اختيارية، والإرادة اختيارية، وأن المحبة لا تعلق بالمكروه في الطبيعة كشرب الأدوية الكريهة، وقطع العضو الفاسد، والقَوَدِ في توبة القاتل بخلاف الإرادة، وأن المحبة قد تعلق بما لا يتمكن وما يعلم أنه مُحالٌ كعود أيام الشباب، وإنما ما كان لم يكن بخلاف الإرادة. وبعدُ فإن ذلك مجمعٌ عليه ضروري في الشاهد، وإنما وقع الاختلاف في حقِّ الله تعالى كما تقدم في الصفات، فخُذْه من هناك. قال الشهرستاني: فعلى هذه القاعدة لم يكن الباري تعالى مُريداً للمعاصي والقبائح والشرور من حيث إنها معاصي وقبائح وشرور، ولا مريداً للخيرات والطاعات والمحاسن من حيث إنها كذلك، بل هو مريدٌ لكل ما تجدَّدَ وحدث في العالم من حيث إنها متخصصة بالوجود دون العدم، ومتقدرة بأقدارٍ دون أقدار، ومتوقتة بأوقات دون أوقات، ثم إن ذلك الموجود قد يقع منتسباً إلى استطاعة العبد كسباً على وفق الأمر فيُسمى طاعة مرضية، أي: مقبولة بالثناء

стр. 2114

ناجزاً، والثوابِ آجلا، وقد يقع على خلاف الأمر، فيسمى معصية، غير مرضية، أي مردودة بالذم ناجزاً والعقاب آجلاً. فالأفعال كلها من حيث تخصصها وتجدُّدها مُرادة لله تعالى كلها، وهي متوجهة إلى نظام في الوجود، وصلاح (١) للعالم وذلك هو الخير المحض. قلت: ويحسنُ أن يحتج هؤلاء على مذهبهم هذا بما خرجه مسلم في " الصحيح " من حديث علي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في التوجه في الصلاة: " الخير في يديك، والشرُّ ليس إليك " (٢). فيزول الإشكال عن معنى الحديث. وفي قوله: وهي متوجهةٌ إلى نظام في الوجود، وصلاحٍ للعالم، وذلك هو الخير المحض إشارة إلى مثل كلام الغزالي، وابن تيمية ومن تابعهما في أن الشر لا يراد لنفسه، وإن كان الشهرستاني مُظهراً لموافقة الأشعرية في نفي الحكم، فهذه الإشارة تُنافي ذلك، ولعلَّها معتقده والله أعلم. ويحتمل أن مراده ما سيأتي من أن فعل الله خيرٌ، لكنه لم يفعله لأنه خير، وسيأتي تعليله لذلك والرد.

стр. 2115

قال: وكلُّ ما ورد في القرآن من إرادة الخير المتعلِّق بأفعال العباد، فهو محمولٌ على أحد معنيين: إما ثناءٌ ومدحٌ في الحال، وإما ثوابٌ ونعمة في المآل، وإلا فالإرادة الأزلية لا تتعلَّقُ إلاَّ بما هو متجدِّدٌ من حيثُ هو كذلك، ولا متجدِّد إلاَّ وهو فعلُ الله تعالى من حيث هو كذلك، وذلك لا يُنْسَبُ إلى العبد كما بينا في (١) خلق الأفعال. واختصت الإرادة بأفعال الله تعالى على الحقيقة دون الوجوه التي لا تُنْسَبُ إلى الحق سبحانه، فلم يجب تلازم الأمر والإرادة إلى قوله: وأما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] ونحوها محمولٌ على كلمةٍ ذكرها الصادق جعفر بن محمد ﵁، فقال: إن الله تعالى إذا أراد بنا، وأراد منا، فما أراد بنا، أظهره لنا، وما أراده منا طواه عنا، فما لنا لا نشتغل بما أراده منا عما أراده بنا. ومعنى ذلك أنه أراد بنا ما أمرنا به، وأرادَ منا ما عَلِمَه، فكانت الإرادة واحدة، يختلف حكمها باختلاف وجه تعلقها بالمراد، وهي إذا تعلقت بثوابٍ سُميت رضا ومحبةً، وإدا تعلقت بعقاب سُميت سُخْطاً وغضباً. كذلك إذا تعلقت بالمراد على وجه تعلُّق العلم، قيل: أراد منا ما عَلِمَ، وإذا تعلقت بالمراد على وجهِ تعلق الأمر، قيل: أراد به ما أمر، وإذا تعلقت بالصنع مُطلقاً بتخصيص وتعيين من غير التفات إلى كسب العبد حتى يكون أراد منه، أو أراد به، قيل: أراد الكائنات بأسرها، ولم يقل: أراد منها ولا بها، بل أرادها على ما هي عليه من التخصيص بالوجود دون العدم. فإذاً فأفعال العباد من حيث إنها أفعالهم إما أن يقال: تعلق الإرادة بها على الوجه الذي انتسب إلى العباد، بل على الوجه الذي انتسب إلى الخالق إيجاداً

стр. 2116

أو (١) تخصيصاً. وإما أن يقال: تعلقت الإرادة بها على الوجهين المذكورين بأنه أراد بنا أو أراد منا، أراد بنا ما أمرنا به ديناً وشرعاً واعتقاداً ومذهباً، وأراد منا ما علم سابقة، وعاقبة وفاتحة وخاتمة. انتهى. فصل: وأقول: إن السابق إلى الأفهام غير ما ذكره، وهو أن يكون قوله: " أراد منه " يطلق على ما وافق الأمر من الإرادة. وقولُنا: " أراد به " لما وافق العلم، ويدل عليه أن الإرادة قسمان: قسم بمعنى الطلب من الغير، وقسم ليس بمعنى الطلب. والقسم الأول نوعان: الأول: معنوية حقيقية، وهي التي يكون معها الرضا والطلب، وهي إرادةُ الطاعة ممن علم الله تعالى امتثاله للأمر (٢)، وهذه تُسمى إرادةً في الحقائق الثلاث: اللغوية والعرفية والشرعية. قال الزمخشري في أوائل " الكشاف " (٣) في الإرادة اللغوية: هي مصدر أردتُ الشيء إذا طلبته نفسك، ومال إليه قلبك، وفي حدود المتكلمين معنى يوجب (٤) للحي حالاً لأجلها وقع منه الفعل على وجهٍ دون وجه. والنوع الثاني: الإرادة اللفظية، وهي إرادة ما يطلبه الله بالأمر ويرضاه ويحبه ممن علم أنه لا يمتثل الأمر (٥) فهذه يطلق عليها اسم الإرادة لفظاً، وليست إرادة في الحقيقية، لكن محبة المطلوب والحكمة فيه الحاملة على الطلب تسمى إرادة ومشيئة.

стр. 2117

وهذه التسمية إما حقيقةٌ عُرفية أو مجاز شائع كثير سبق بأدنى قرينةٍ إلى الفهم، وأول كل حقيقة عرفية (١) مجاز كذلك، وهو كثير، ومنه قول الشاعر، وهو قيسُ بن الخطيم الأوسي، والبيت في الحماسة في أبيات له: يريدُ المرءُ أن يُعْطَى مُناه ... ويَأْبَى الله إلاَّ ما يشاء (٢) فالإرادة في هذا البيت بمعنى المحبة من غير شكٍّ، لأنها تعلَّقت بما ليس من فعله، ولا يقدر عليه، ولأنها لم تُعَلَّقْ بتخصيص الحادث المتجدد بوقتٍ دون وقتٍ، ولا قدرٍ دون قدر، ولا وجهٍ دون وجه، وذلك لازمٌ للإرادة الحقيقية في اللغة. وهذان القسمان من الإرادة مُلازمان للطلب والمحبة، وقد يعبر عنهما معاً، وعن المحبة وحدها بالإرادة حقيقةً عُرفية أو مجازاً. فمن هنا كانت الإرادة والمحبة تُعديان هنا بحرف " من " دون " الباء " وذلك لأن الطلب يعدى بمن التي لابتداء الغاية، تقول: طلبتُ من الله تعالى، كما تقولُ: سألت منه، وأردتُ منه، قال الله تعالى: ﴿ما أُريدُ منهم مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٧] فعداها بمن لأنها بمعنى ما أطلب منهم. والعجب ممن يقول: إن الله تعالى يريد المعاصي من العصاة، ثم يقول:

стр. 2118

إن معاصي العصاة من الله، ويعترفُ ببطلان الجبر مع ذلك، وهذه مناقضات واضحة، وخطأ في العبارة ممن ينفي الجبر. وإنما يقال: إن المعاصي من العبد صادرة باختياره مع تقديرٍ من الله سابقٍ، وتمكينٍ للعبد لاحقٍ كما سيأتي بيانه في آخر مسألة الأفعال، ونقلُ نصوص الكتاب والسنة والصحابة والسلف على ذلك. القسم الثاني: ما لم يكن يعني (١) الطلب من الغير، ولا يحسُنُ تقدير الطلب في هذا القسم مع الإرادة، ولا يعبر بأحدهما عن الآخر حقيقة ولا مجازاً، وذلك حيث يكون أحد مفعولي الإرادة كالعلة في مفعولها الآخر تتعدى (٢) بالباء وباللام على حسب المواقع اللائقة بذلك في اللغة. كقوله تعالى: ﴿ماذا أرادَ الله بهذا مثلاً﴾ [البقرة: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿وإذا أرادَ الله بقومٍ سُوءاً فلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١]، وقول رسول الله ﷺ : " مَنْ يُرِدِ الله به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين " (٣). حديث صحيح شهير من غير طريق. وروى الطبراني من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: " إنَّ هذه الأخلاق من الله، فمن أراد الله به خيراً مَنَحَه خُلُقاً حَسَناً، ومن أراد الله به سوءاً منحَه خُلُقاً سيئاً ". أخرجه الهيثمي في باب حسن الخلق من " مجمع الزوائد " (٤) وفي سنده مسلمة بن علي.

стр. 2119

فمفعولُ الإرادة الأوَّل في الآية هو " ماذا " على أنها اسمٌ واحدٌ، ومفعولها الثاني المشار إليه بلفظ " هذا " في الآية، وتفسير " ماذا " هو العلة والحكمة في إنزاله، وذلك هو ما بينه الله تعالى جواباً عليهم بقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين﴾ [البقرة: ٢٦]، ومفعولها الأول في الحديث هو الخيرُ المسبَّب عن التفقيه، ومفعولُها الثاني هو الفقهُ في الدين. وتلخيصُ ذلك أن الإرادة تُعَدَّى إلى مفعولٍ واحد بنفسها من غير حرف، وهو المتجددُ المتخصص الذي يجبُ أن يكون (١) فعلاً للمريد، وقد يُعَدَّى إلى مفعولٍ ثانٍ، فلا يجب أن يكون فعلاً للمريد، وإن جاز أن يكون فعلاً له في بعض الصور. وهذا القسم ينقسم: فحين يكون المفعول الأول مطلوباً بالأمر من الثاني تعدى الإرادة إلى الثاني بمن كما يتعدى الطلب بها كما مرَّ مثاله. وحين يكون المفعول الثاني هو العلة في إرادة المفعول الأول يكون الثاني كالمفعول لأجله، وتعدَّى الإرادة إليه (٢) تارة بالباء الموحدة، كقول رسول الله ﷺ : " من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين ". ومرةً باللام كقولك: أردت الخير لزيدٍ، ولذلك قال أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈: لا يقال شاء للعباد، فيكون شبه اختيار، ولكن يُقال (٣) شاء أن يَعْصوه. وقد تقدَّم سنده عنه ﵇. فعلى هذا لا تُعَلَّق إرادة الله بفعل العبد حَسَناً كان أو قبيحاً حيث يقول: أراد به أو له (٤) ثواباً أو عقاباً، لأن مفعولها الأول هو الثواب أو العقاب على جهة الجزاء، وهو فعل الله تعالى ومفعولها الثاني هو العبد المستحق لذلك، والعلة في ذلك هي الحكمة، إما الاستحقاق وحده أو مع غيره.

стр. 2120

وعلى هذا التفصيل يجوز أن يُحمل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] على المعنى الذي تُعدَّى فيه الإرادة بحرف " من " لأنه لا يتعلَّقُ بأفعال العباد من أقسامها غيره. وهو حيث يكون بمعنى الطلب بالأمر فيكون المعنى لإرادة أن يعبدوني، لأن الإرادة هنا بمعنى المحبة والرضا المصاحبين للأمر، ويكون تسمية المحبة إرادةً حقيقة عرفية أو لغوية كما تقرَّر ذلك من تفسير الزمخشري لها، ودلالة بيت قيس بن الخَطِيم عليه، وهو عربي حُجَّة. وقد تقدم، أو مجازاً كثيراً قريباً يحسن مع أدنى قرينة. وقد بيَّنَّا أن المحبة عند أهل السنة تلازم الأمر، وتسمى إرادةً، ولا يجب أن تقع من متعلقها ما لم يُرِدِ الله وقوعه لبعض الحِكَمِ التي يستأثر الله بعلمها، ويأتي بيان بعضها. فجاز على أصول أهل السنة، وصحَّ أن يكون التقدير ما خلقتهم إلاَّ لإرادة أن يعبدوني، أي: محبته لهم، لأنه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحبه مطلقاً كما تقدم، ولا يُريده لهم ديناً وشرعاً يتقرَّبون به إليه . والعجب من المعتزلة أنهم يُنكرون على أهل السنة تأويلهم هذه الآية على إرادةِ الأمر، ولا يُنكرون على نُفاة الإرادة منهم تأويلها بالأمر، بل كل إرادة من الله تعالى تُعَلَّقُ (١) بأفعال العباد عند البغدادية منهم، فإن معناها الأمر من غيرِ إرادةٍ ألبتة لا للآمرِ، ولا للمأمور به. وأما من لا يُجيز المحبة على الله من الأشعرية، فإنَّه يتأوَّل الإرادة في هذه الآية بالأمر مثل ما تأولها بذلك بعض المعتزلة مطلقاً، فيكون المعنى عندهم: ما خلقت الجن والإنس إلاَّ لطلب أن يعبُدوني، لأنَّ " لام كي " تُستعمل للطلب كما تستعمل للغرض.

стр. 2121

وكذلك تقدير الطلب والمحبة والرضا يُمكنُ مع كُلِّ ما تُقدِّرُ المعتزلة فيه الإرادة، أو تستدلُّ به عليها مثل " لعل " في قوله تعالى في حق فرعون: ﴿لَعَلَّه يتذكَّر أو يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وغير ذلك. فهذا من أنْفَسِ ما يعرفه السنيُّ مع أنه يُمْكِنُ أن يكون قد حصل لفرعون ما يُطلق عليه اسم التذكُّر أو الخشية، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] فإنه جعل حدوث الذكر من غير تقوى مقصوداً مستقلاً. وقيل: إنّ " لعلَّ " هنا للتقريب أيضاً، وإنه أحدُ معانيها اللغوية، ويجوز أن تكون الآية الشريفة - وهي قوله تعالى. ﴿إلاَّ لِيَعْبُدونِ﴾ محمولةً على الإرادة الحقيقية العُرفية على مذاهب أهل السنة على أحد وجوه. الوجه الأول: أن يكون خلق الجميع ليعبده العابدون منهم، وليس في هذا إلا تخصيصُ الضمير الذي في " يعبدون " والموجب لتخصيصه أنواع: منها: ما يأتي من آيات المشيئة نحو: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أنْ يَستقيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، ﴿وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠]. ومنها: ﴿لِيَبْلُوَكُم أيُّكُم أحسَنُ عملاً﴾ [الملك: ٢]. ومنها: ﴿وما أرسلنا من رسولٍ إلاَّ لِيُطاعَ بإذن الله﴾ [النساء: ٦٤]. ومنها: المفعول لامتناع إرادة وقوع ما عَلِمَ المريد أنه لا يقع، وسيأتي تقرير ذلك كله على التفصيل إن شاء الله تعالى. ولا بد من تخصيص الضمير على مذهب المعتزلة خصوصاً في الأعيان والأزمان. أما الأعيان: فلخروج الصِّبيان والمجانين.

стр. 2122

وأما الأزمان: فلخروج أكثرها وهو ما بعد الموت. وهذا الوجه أيضاً هو قول البغدادية منهم، وتلخيصه: أن الله تعالى خلق الكافر لما عَلِمَ في خلقه من حصول عبادة المؤمن، واللُّطفِ له، لأنهم لو عَلِمُوا أنه لا يخلق إلاَّ أهل الجنة، كان مفسدةً بينةً كما يأتي بيانه مُفصَّلاً في الدواعي. فكأنه قال: ما خلقت الجميع إلاَّ لما في خلقِهم من حصول عبادتي من أهلها على أحسنِ الوجوه التي من أعظمها وأحبِّها إلى الله تعالى الجهاد، لأنه أحبُّ الأعمال إلى الله تعالى. ولذلك خلق الأضداد: كالقلوب والنفوس، والعقول والشهوات، والملائكة والشياطين، والمسلمين والكافرين. وأيضاً فإنه سبحانه في الجهاد يَمِيزُ الخبيث من الطيب كما صرح بذلك، ويُمَحِّصُ المؤمنين، ويتخذ منهم شهداء، وقد أنكر خلاف هذا على من طَمِعَ فيه، حيث قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] وأشار إليه في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] على ما يأتي تقريره في مسألة الدواعي من أن المقصود ظهور الأحسن لا الأقبح، وإن وقع الأقبح، فليس هو المقصود الأول المعبَّر عنه بالمراد لذاته ولنفسه، وإنما هو المراد لغيره، وذلك الغير هو الأحسن كما أشارت إليه الآية الكريمة، ويأتي في ذلك حديث كُرْزِ بن علقمة (١) في منتهى الإسلام، وأن

стр. 2123

مُنتهاه الفتن تقع كأنها الظُّلَل مع محبة الله تعالى لأولئك المفتونين، وإرادته لهم الخير. الوجه الثاني: أن يكون المراد وجود نوعٍ من العبادة إذ لم يقُم أحدٌ من المسلمين، ولا من الصالحين بجميع حقوقها على ما يجبُ وينبغي على الدوام، وقد ثبت أن قول: لا إله إلاَّ الله أفضلُ العملِ كما في " الصحيح " (١).

стр. 2124

وقد ثبت أن الجميع قالوها يوم أخرجهم الرب تعالى على صور الذَّرِّ من صلب آدمَ في النشأة الأولى، كما ذكره ابن عبد البر في تفسير قوله تعالى: ﴿ولَهُ أسلَمَ مَنْ في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً﴾ [آل عمران: ٨٣] كما يأتي ذكره في مسألة الأطفال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ (١) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وستأتي طرق ذلك في مسألة الأطفال، وجوابُ ما يَرِدُ عليه من الأسئلة، وهذا الوجه مأثورٌ كما يأتي، ويتقوَّى على مذهب ابن تيمية خصوصاً، ومن له من سلف وخلف كما هو مقرَّرٌ في موضعه. الوجه الثالث: ما رُوي عن ابن عباس أن معنى الآية: ما خلقتُ الجن والإنسَ إلاَّ لِيَعْرِفُوني (٢)، ويعضُده قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣].

стр. 2125

وقال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِين﴾ [النحل: ٣٩]. ولا شك أن هذا المقصود حاصلٌ للجميع ولو في الآخرة، وليس في هذا إلا تسمية المعرفة عبادة وهو قريب، ولو مجازاً، لأن العبادة مشتقةٌ من التعبيد الذي هو التذليل. ذكره في " الضياء "، يقال: عبَّدَه، أي: ذلَّلَه، وطريق معبَّد، أي: مذلَّل. وقال الجوهري (١): التعبيد: التذليل، وأصل العبودية الخضوع والذل. وقال البغوي (٢): العبادة: الطاعة مع التذلل والخضوع. ولا شك أن المعرفة لله تعالى سبب للذل له، ولذلك قال: ﴿إنما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِه العُلماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وفي حديث المعراج: " لمَّا انتهينا إلى السماء، رأيتُ جبريل ﵇ كالحِلْسِ البالي، فعرفت فضلَ علمِه بالله على علمي " أو كما وَرَدَ (٣).

стр. 2126

ولأن السمع ورد بتعليل الأعمال بالإيمان، كما قال بعد آية الظِّهار: ﴿ذلك لِتُؤمِنُوا بالله ورسوله﴾ [المجادلة: ٤]، وقال بعد ذكر الحجِّ أو بعض مناسكه نحو ذلك. قالت المعتزلة: لا فرق بين الرضا والمحبة، والإرادة والمشيئة في حق الله تعالى، فيلزم من تجويز إرادته تعالى لوقوع المعاصي تجويزُ محبته لها، ورضاه بها، والنصوص تأباه وتمنعه، والعقل كذلك، وهذا أكثر ما حمل المعتزلة على تأويل آيات المشيئة. والجواب: أن هذا غير لازمٍ على جميع المذاهب. أما الأشعرية: فقد تقدم أنهم قد منعوا من تعلُّق إرادته تعالى بأفعال العباد خيرها وشرِّها، وقالوا: إنَّ محبته ورضاه لا تُعَلَّقُ إلاَّ بالطاعات، وإن معناهما هو الإرادة لا سوى، ومتعلقها فعله سبحانه الذي هو الثناء والثوابُ والأمر والوعد، وكراهته وغضبه وسخطه لا تعلق إلاَّ بالمعاصي، وهي ترجع إلى الإرادة أيضاً، ومتعلقها فعله سبحانه الذي هو الذم والعقاب والنهي والوعيد كما مر تقريره. وقد يجيب من يجهل هذا التحقيق بأجوبة أخر، كما يأتي في كلام الجُويني (١)، والتعرض لذكرها يُطيلُ اللجاج، ويُوَسِّعُ دائرة الحجاج، وهذا أنفعُ الأجوبة وأقطعها، وأوجعها للخصوم وأنجعُها. وقد مرَّت الحجة على امتناع تعلق الإراده بفعل الغير، وأن التي تُعَلَّقُ بذلك هي المحبة لا الإرادةُ. والحجة على ذلك عقليةٌ جليةٌ، وليس في السمع ما يُعارضُها لأن مفعول المشيئة في الآيات محذوف، وتقديره. غير متعين، مثاله: قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] فيمكن

стр. 2127

أن مفعولَ مشيئة الله تعالى هو ما فعل الله تعالى بالإجماع من أسباب مشيئتهم للاستقامة التي أقامها مقام مشيئة الاستقامة. وتلك الأسباب هي المعبر عنها في العقليات بالدواعي الراجحة، وفي السمعيات تارةً بالقدر والقضاء والكتابة، ومرة بالتيسير وشرح الصدر والهداية، ومرة بالمشيئة والقصد والإرادة على تقدير حذف المضاف، وهو سبب مشيئة العباد. فإن قيل: ولِمَ تعلَّقَتْ إرادة الله تعالى بأسباب المعاصي، وقد عَلِمَ أن المعاصي تقع عندها. فالجواب: من وجهين: أحدهما: أن هذا مشترك الإلزام (١)، لأن إرادة أسبابها كلمة إجماع من المسلمين، ولا يجب عند المحققين من جميع فرق المسلمين معرفة العباد لذلك على التفصيل، ويكفينا التصديق بأنه سبحانه حكيم عَدْلٌ، وكل ما يفعله أو يتركه على العموم، والإيمان في هذه المسألة خصوصاً بنحو قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْم﴾ [الجاثية: ٢٣] أي: باستحقاقه للإضلال. وقد اختار الزمخشري (٢) هذا الجواب على غُلُوِّه في الاعتزال في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. الوجه الثاني: من الجواب أنه يصح ويحسن في العقل والسمع أن يكون للشيء جهتان يحب بالنظر إلى أحدهما، ويُكرَهُ بالنظر إلى الآخر (٣)، كما ذكرناه في اليمين الغموس.

стр. 2128

وكما قاله العلماءُ في الصلاة في الدار المغصوبة، وهي من دقائق المسائل، وقد طَوَّلها الأصوليون وحقَّقُوها في كُتُبهم، فلا حاجة إلى التطويل بذكرها. على أنا نجدُ الجزم بمحبة قتل كثير من كُبراء المشركين، وإن كان قاتلُه قَتَله سُمعةً ورياءً، وإن كُنَّا نكرهُ الرياء والسمعة. ولا يختلف العلماء في صحة ذلك في المحبة والكراهةِ لعدم اتحاد متعلقهما، وإن اختلفوا في الصلاه في الدار المغصوبة، فإنما هو لاتحاد محلِّها ومحل المعصية عند من يقولُ بفسادها. ألا ترى أن من يقول بذلك يُجيز محبة العاصي لخَصْلةِ خير مع حُسن كراهته عندهم، وعلى ذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] وذلك لعارض، وإلا فإنه تعالى يحب الانبعاث مع رسوله ﷺ ، ولذلك أمر به، ولكن على غير الوجه الذى اقترن به بانبعاث المنافقين. وكذلك ما حكاه الله عن كليمه ﵇ من قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم﴾ [يونس: ٨٨] مع أنه ﵇ كان شديد الحرص على إيمانهم حتى استحَقُّوا عظيم العقوبة، فكره وقوع الإيمان منهم لما يستحقونه من العقوبة، لا لكون الإيمان حَسَناً في نفسه، مطلوباً لله تعالى. ومن ذلك قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٨] مع أن هذا الخروج كان من أقبحِ الذنوب المسخوطة، لأنه كان لأجل محاربة موسى وأصحابه، وبنيَّة قتلهم واستئصالهم، لكنه لما كان الله تعالى قدَّره في سابق علمه لإغراق فرعون وقومه نَسَبَه إلى نفسه الكريمة من هذه الجهة كما ينْسِبُ الأفعال المحبوبة إليه مع أنه منسوبٌ

стр. 2129

إلى فرعون وقومه من جهة نيتهم فيه واختيارهم له بذلك (١) السبب نسبة القبائح، كما قال تعالى: ﴿فأتْبَعُوهُم مُشْرِقينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]. ومنْ ذلك حديث الذي أخبر رسول الله ﷺ أنه من أهلِ النار، وكان قد أبلى في الجهاد بلاءً حسناً فيما يرون، فارتاب بعض المسلمين، فقتل الرجلُ نفسه جزعاً من جراحٍ اشتدَّ به، فاشتدَّ بعض الصحابة، فبُشِّرَ النبي ﷺ ، فكبَّر النبي ﷺ ، وقال: " أشهد أني رسول الله " (٢) أو كما ورد. وللحديث طرقٌ كثيرة وألفاظه مختلفة، وسيأتي في أحاديث القدر، فقد سُرَّ المسلمون ورسول الله ﷺ بقتله نفسه لما تضمنه من صدق رسول الله ﷺ مع كراهتهم لذلك لكونه معصيةً. فإن قلت: وما تلك الوجوه التي يجوز في العقل أن (٣) يريدها الله تعالى بوقوع المعاصي؟ قلت: هذه العبارة في السؤال قبيحةٌ وغيرُ صحيحة كما مر تقريره، وسيأتي

стр. 2130

بيانُ كثيرٍ من حكم الله في التخلية وعدم العصمة في المرتبة الثالثة في الدواعي مع ما استأثر الله تعالى بعلمه من التأويل الذي لا يعلمه إلاَّ هو ولا يحيطون بشيءٍ من علمه إلا بما شاء. فإذا تقرَّر ذلك فينبغي أن يعلم عذر من جوَّز هذه العبارة، وتأمَّل ما عوَّلوا عليه من الفرق بين المعاصي أنفسها، وبين وقوعها على بعض الوجوه. فأمَّا المعاصي فإن الله تعالى يكرهها بالنصِّ القرآني، ولا تُعَلَّقُ بها محبته ولا رضاه بوجهٍ من الوجوه كما لا يتعلق بها أمره ولا ثوابه، وسيأتي ذلك مبيناً. وأما وقوعها على بعض الوجوه فيجوز أن تُعَلَّقَ بها كراهة الله تعالى وإرادته معاً باعتبار الجهتين، كما مر تقريره في اليمين الواجبة شرعاً على المُنكرِ لما هو حق عليه في معلوم الله تعالى، ويمينه على جحده قبيحة كبيرة، ومع ذلك يحسُنُ إرادتها لغير الوجه الذي قبحت لأجله وهي من أوضح أمثلة ذلك كما تقدم، وكما يأتي. أما كراهته لذلك، فلقُبحه، وذلك واضح. وأما إرادته، فلوجهٍ حسنٍ مثل ما تقدم في اليمين، ومثل عقوبة من اشتد غضبُ الله عليه، كما تقدم عن موسى ﵇، ومن أوضح الأمثلةِ في ذلك (١) يعرفها المُحَدِّث، ومن لا يُمارس الكلام أمران: أحدهما: الفرق بين الحكاية والمحكي مثل قول النصارى: ﴿إنَّ الله ثالثُ ثَلاثةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ونحو ذلك، فإن المحكي كفر (٢) صريح بخلاف الحكاية، ولو كانت كفراً مثل المحكي لكَفَرَ كلُّ حاكٍ لذلك وأمثاله. وثانيهما: التلاوة والمَتْلُو، فإنَّ تلاوة الجُنب للقرآن قبيحة والقرآنُ غير قبيح، فمن هنا فرَّق البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين بين التلاوة والمتلوِّ في

стр. 2131

الخَلْقِ والحدوث، وصنَّف البخاري في ذلك كتاب " أفعال العباد ". وذكر البيهقي أن المخالف لهم في ذلك محمول على أنه لم يفهم مرادهم، لأن صحة مقصدهم بعد فهمه ضرورية والله أعلم. ومنه قضاء رسول الله ﷺ ، وأئمة العدل بالظاهر وإن خالفَ حكم الله الباطن لقوله ﷺ : " فمن قضيتُ له بمال أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار " متفق على صحته. وهو يدلُّ على التفرقة بين القضاء الذي يجب الرضا به، والمقضى به الذي لا يحل بالقضاء. وأما كراهة انبعاث المنافقين، فيحتمل أنه لأجل المفسدة ويحتمل أنه لأجل العقوبة، وقد يريد الله تعالى وقوع الذنب ليغفره كما صرَّحت به النصوص النبوية الصحيحة الشهيرة، وستأتي مبسوطة، وقد يريد الله لما يستأثر بعلمه من وجوه الحكمة. فإذا تقرَّر هذا جاز أن الله تعالى أراد وقوع أسباب المعاصي لا أنه (١) تعالى أراد وقوع المعاصي لوجوهٍ حسنة، وليس في هذه أنه لا يكره وقوعَ المعاصي لوجوه قبيحة، بل هي مكروهة من كل وجه. وأما وقوعها، فمكروه وجوباً من وجهٍ لا بُدَّ من كراهته من أجله، ويجوز من غير وجوب إرادته لوجه حسن، أو وجوه حسنة، فحيث طَبَّقَ أهل السنة إرادته من أجل ذلك ظن خصومُهم أن الوقوع غير مكروه من غير وجه، وأنه محبوبٌ من كل وجه، بل ظنوا أنه يلزمهم محبةً الواقع نفسه، والله لا يحبُّ الفساد، ولا يريد لماً للعباد كما قال . واعلم أن هذا التحقيق لا يقف على أن الوجود هو الموجود، لأن المحبة

стр. 2132

والكراهة يجوز خلقهما (١) بالأوصاف الإضافية غير الحقيقية، فإن الجميع من المتكلمين لم يقل أحدٌ منهم: إن وجوه الحسن والقبح التي هي متعلقاتُ هذه الأشياء صفاتٌ حقيقيةٌ، ولذلك تُعَلَّق المحبة والإرادة بعدم المضار، وبالتروك، وبنية الصوم وبنحو ذلك مما في بعضه خلاف دون بعض. وهذا الجواب إنما هو على أصول أهل السنة، وأمَّا غلاة الأشعرية، فإنهم يُجيبون بجوابهم المعروف في نفي الحكم عن أفعال الله تعالى مُطلقاً، ونفي التحسين فيها عقلاً. واعلم أن المعتزلة تُشَنِّع على أهل السنة بمخالفة السمع من نحو قوله تعالى: ﴿والله لا يُحِبُّ الفساد﴾ [البقرة: ٢٠٥] ومن العجب أنه لا يقرر هذه الآية وأمثالها على الظاهر من غير تأويل إلاَّ أهل السنة، ولا بُدَّ للمعتزلة وغيرهم من المبتدعة من تأويلها على بعض الوجوه. بيانه أنا قدمنا أن أهل السنة يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه من محبة الطاعات وأهلها دون سائر الفرق لما مر تقريره في الصفات. فقوله تعالى: إنه لا يحب الفساد، لا يلائم مذهب المعتزلة إن مفهومه أن صفة المحبة جائزةٌ على الله تعالى، وإنَّما لم يُعَلَّق بالفساد لقبحه، ومفهومه أنه تعالى يُحب الصلاح والصالحين كما صرح به القرآن، لكن المعتزلة لا تجيز صفة المحبة على الله تعالى، ويقولون: إنها صفة نقصٍ، وإنه يجب تأويلها بالإرادة. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا يَرْضَى لِعبادِه الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] متى كان الرضا بمعنى المحبة. وأما قوله: ﴿كُلُّ ذلك كان سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مكروهاً﴾ [الإسراء: ٣٨] فإن المعتزلة وافقت أهل السنة على تقرير الكراهة على ظاهرها، وهذا يُلزمهم

стр. 2133

الموافقة على تقرير المحبة من غير تأويل. وهم ظنوا أن المحبة تستلزم الشهوة، وأن الكراهة لا تستلزم النفرة، وهذا كلُّه تحكم، فإنهم إن رجعوا إلى قياس الخالق على المخلوقين، لَزِمَهم منعُ الكراهة لأنها في المخلوقين تستلزم النفرة بل منع الإرادة قول البغدادي منهم، لأنها في المخلوقين (١) تستلزم الحاجة وتلازمها، إذ لا يريد الملخوق شيئاً إلا لحاجته إليه في العاجل أو الآجل، بل منع صفات الكمال كلها من كونه تعالى عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً، لأنه لا يكون كذلك في الشاهد إلاَّ من كان جسماً مركباً من البنية المخصوصة، لا سيما صفة الحي عند المعتزلة، فإن شرط صحتها عندهم في الشاهد البنية المخصوصة. وإن تركنا هذا القياس الفاسد على الشاهد، والخيال الناشىء عن العوائد، ورجعنا إلى ما نطق به الكتاب، ودلت عليه الألباب من مزية ربِّ الأرباب عن مشابهة من خلقه من التراب، وأقذار نُطَفِ الأرحام والأصلاب، سلَّمنا (٢) لعلام الغيوب جل وعز ما وصف به نفسه الكريمة، وذاته القديمة، وعلمنا أنَّ محبته وإرادته وكراهته وسائر صفاته المنصوصة في أشرف كتبه وعلى ألسنة رسله عليهم الكلام ليست مثل صفاتنا، مثل ما أن ذاته تقدست أسماؤه ليست مثل ذواتنا، وقد تقدم تقريرُ ذلك في الصفات فلا نُطوِّل بإعادة الأدلة عليه. وأما ما نقله النواوي في الوريقات التي سمَّاها كتاب " القواعد " عن الجويني (٣) فإنه مع كونه خلافاً لفظياً كما سيأتي مخالف لمذهب أهل السنة قاطبة، ولمذهب المحققين من الأشعرية، وذلك أنه قال ما لفظه: مذهب أهل الحق الإيمان بالقدر وإثباته، وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله وقدره وهو مريدٌ لها، ويكرَهُ المعاصي مع أنه مريدٌ لها لحكمةٍ يعلمها .

стр. 2134

وهل يقال: يرضى المعاصي ويُحبها؟ فيه مذهبان لأصحابنا المتكلمين حكاهما إمامُ الحرمين وغيره. قال إمام الحرمين في " الإرشاد " (١) مما اختلف أهل الحق في إطلاقه المحبة والرضا، وقال بعض أئمتنا: لا يطلق القول بأنَّ الله تعالى يحب المعاصي ويرضاها لقوله تعالى: ﴿ولا يَرْضى لعباده الكفر﴾ [الزمر: ٧]. قال: ومن حقَّق ما قال أئمتنا لم يلتفت إلى تهويل المعتزلة بل الله تعالى يريد الكفر ويُحبه ويرضاه، والإرادة والمحبة والرضا بمعنى واحد، وقوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ المراد العباد الموفقون للإيمان وأُضيفوا إلى الله تشريفاً لهم، كقوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْربُ بها عبادُ الله﴾ [الإنسان: ٦] أي خواصهم لا كلهم. انتهى بحروفه. وهو كلامٌ نازل جداً، بل باطلٌ قطعاً، وإنَّما وقع فيه الإمام الجويني مع جلالته في العلم لأمرين: أحدهما: ما ذكره من أن معنى المحبة والإرادة والرضا عنده واحدٌ، وتعلقه إنما هو بأفعال الله تعالى كما مر تحقيقه، وأفعاله تعالى مرضية محبوبة مجازاً عنده، لأنه لا يُجيزهما على الله تعالى حقيقة. وثانيهما: ما تقدم من تجويز تعلُّق محبة الله تعالى ورضاه بالوقوع دون الواقع، والوجود دون الموجود حقيقة عند أهل السنة ومجازاً عند الإمام الجويني كوجود الكافر، فإنه تعالى يحب وجوده وليس ذلك يستلزم أنه يحب وجود الذنب منه، ولا يستلزم ذلك محبة الذنب نفسه، ولا أنهما سواء. وهذا بناء على تلازم الإرادة والمحبة، وهو بحثٌ نظري لم يرد به نص شرعي (٢)، فينبغي من السني الأثري ترك هذه العبارات الكلامية، وعدمُ

стр. 2135

اعتقادها، وإنما هي من محارات الأشعرية للمعتزلة. والغرض بذكرها وأمثالها هنا بيان الوجه في ترك تكفير الخائضين في ذلك، وقبول الرواية من ثقاتهم، وإنما قطعنا ببطلان كلام الجويني، لأن الكفر هو متعلِّق الكراهة والسخط والغضب، فلا يصح أن يكون هو متعلق الرضا والمحبة، لأن هذه الألفاظ إما أن تكون حقيقةً أو مجازية، إن كانت حقيقية كما هو مذهب أهل الحديث والأثر، استحال اتحادُ متعلقها ضرورة، وإن كانت مجازية (١) استحال اتحادُ لوازمها وعلائقها. أما لوازمها فإن الذم والعقاب يلازم الكراهة والسخط والغضب، والثناء والثواب يلازم المحبة والرضا كما حققه الشهرستاني أولاً، بل كما يشهد به المنقول والمعقول، ويستحيل تخلُّف الملزوم عن لازمه فيؤدى إلى اجتماع الذم والثناء، والثواب والعقاب من كل وجه. وأما علائقها فإن علماء اللسان أجمعوا أنه لا يصح المجاز إلاَّ بعلاقة ظاهرة، فلا يصح تسمية الجبان أسداً بغير علاقة، ولا تسمية الأبخر أسداً بالعلاقة الخفية، لأن كل شيئين مشتركين في أمرٍ، وفي الشيئية لا يجوز أن يُسَمَّى أحدهما باسم الآخر لمثل هذا إجماعاًً. فتسمية الطاعة المرادة مرضية محبوبة إنما صحَّ مجازاً، لأنها اشبهت الأمورَ المرضية المحبوبة في الثناء والثواب، وهذا الشبهُ الذي صح معه التجوز هنا لم يحصُل في المعصية، وإن قدرنا أنها مرادة فلا تسمى مرضية محبوبة. وأما اشتراكهُما في أن كل واحد منهما يُسمى إرادة فلا يكفي في استعارة اسم كل منهما للأخرى، كما لا يكفي اشتراكُ العلم والإرادة في أنهما عرضان، يوضح ذلك أن اشتراكهما في اسم الإرادة لو كان يُصحح التجوز بكل منهما عن الآخر، لوجب أن يصح تسمية الطاعة مكروهة مسخوطة مجازاً

стр. 2136

وحقيقة، ذلك أنها مرادةٌ لا سوى، فكما أن هذا يمتنع لفقد قرينة التجوُّز وهي النهي، وفقد ملزوم هذه الألفاظ وهو الذم والعقاب، فكذلك العكس. وأوضح من هذا أنه يصح عند الأشعرية تسمية المؤمن محبوباً مجازاً يرجع في الحقيقة عندهم إلى الإرادة، ولا يصح أن يسمى مسخوطاً مجازاً، وعكسه الكافر يسمى مسخوطاً مجازاً، ولا يسمى محبوباً مجازاً مع أن هذه الألفاط كلها راجعة إلى الإرادة، ولكن تختلف أسماؤها لاختلاف معانيها ومتعلقاتها. ولو صح تسمية الكفر محبوباً لله مرضيّاً مجازاً، لصحَّ تسمية الكفار أولياء الله وأحباءه مجازاً، لأنه أراد وجودهم لحكمة كما أراد وجود أسباب معاصيهم لحكمة. وقد صح بالنصوص النبوية الصحيحة الشهيرة أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده، وأنه أشدُّ فرحاً بها من العبد إذا وجد راحلته عليها متاعهُ وسِقاؤه بعد أن أضلَّها في أرض فلاةٍ، وأيس من وجدانها، وألقى نفسه ليموت، فبينا هو كذلك إذا أقبلت راحلته عليها متاعه وسقاؤه، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلك براحلته (١). وبالإجماع يمتنع التجوز بمثل هذا في فرحه بمعصيته، وفرح الرب هذا لا يدل على تقدم عجزٍ عن هداية العبد كما ظنته المعتزلة، ولا بد للمعتزلة من تأويله كما يتأولون الغضب والمحبة، وأهل السنة يثبتونه كما ورد من غير تشبيه، والعبد العاجز يفرح بحسنته، ولا يلزم من فرحه تقدم عجزه، فكيف يلزم ذلك من فرح القادر على كل شيء .

стр. 2137

وكما أن هذا يُفْحِمُ من ذهب إليه من الأشعرية، فإنه أيضاً يفحم المبتدعة من المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى تلازم الإرادة والمحبة، وإرادة الله تعالى متعلقة بالكفار وجوداً دون محبته، مع أن محبته عند المعتزلة ترجع إلى الإرادة أيضاً، ولكن مُتعلَّقها لا يصح إتحاده عندهم كما هو الصحيح عند الأشعرية. فإيَّاك أيها السُّني والاغترار بكلام الجويني هذا، فإنه خلاف الكتاب والسنة والفطرة، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ من عصمه الله من الأنبياء والمرسلين. على أن الإمام الجويني من أقرب الأشعرية إلى المعتزلة حتى عَدُّوه من الغُلاة في أثر قدرة العبد، فإنه جوَّز تأثيرها في إيجادِ الذوات، وزاد في ذلك على المعتزلة كما يأتي بيانه. وما أحسن قول معاذ في سياق أثر عنه طويل: واتقِ زيغة الحكيم، قال الراوي: فقلت له: يرحمك الله وما زيغةُ الحكيم (١)؟ قال: هي التي يقال ما هذه ما هذه. خرجه أبو داود في آواخر كتاب السنن (٢).؟ فإن قلت: هلا جوزت تسمية القبيح المقدر محبوباً من الوجه الذي قُدِّرَ لأجله، فإنه قدر لمصلحة راجحة ولم يكن تقديره عبثاً ولا سُدى، ولا يمنع من ذلك كونه مكروهاً لوجه قبحه لاختلاف الجهتين كما ذكرته في الوقوع، فلم منعته في الواقع ولو مجازاً مع ظهور العلاقة، وهي تقدير الحكيم له.

стр. 2138

قلت: لأن كلامنا إنما هو في تسميته محبوباً من فِعْلِ العبد وكسبه، وليس له من هذه الجهة وجهٌ يُرضى ويُحبُّ، لأنه قُدِّرَ مكروهاً. وأما وجه حسن تقديره، فهو راجع إلى فعل الله، وفعله سبحانه محبوب مرضي حقيقة عند أهل السنة، ويستحيل تعلُّق الغضب به من حيث هو فعله. وهذا هو الجواب على من قال: كيف قبحُ الذنب من المعاصي مع حسن تقديره من الله لحكمةٍ راجحة؟ ومن هذا الوجه يجب الرضا بالقضاء بالشرور، والقبائح مع كراهتها كما قاله الغزالي وغيره، وذلك مثل الرضا بقضاء رسول الله ﷺ دون المقضي به، حيث قال: " إن أحدكُم يكون ألحن بحجته فأقضي له، فمن قضيتُ له بمال أخيه، فإنما أقطع له قطعةً من النار " (١) أو كما ورد، وهو متفق على صحته. والتمثيل به تقريبٌ لفهم البليد، وإلا فالبَوْنَ بين القضاءين بعيدٌ، فإن أراد ذلك الإمام الجويني فصحيح، ولا ينبغي أن يختلف فيه أهل الحق، لكن يختلفون في جواز إطلاقه لأنه يُوهم الخطأ، وهو كون المعاصي مرضية من جهة كسب العبد. فافهم ذلك. فإن قلت: قد صدَّرت الجواب على المعتزلة بأن ما (٢) ألزموه أهل السنة من كون المعاصي محبوبةً غير لازم على جميع أقوالهم، ثم حكيت عنهم الاختلاف في ذلك، ونسبته إلى إمامهم الجويني، وهذا تناقض! قلت: لم يختلفوا في أنها محبوبة قطعاً، إنما اختلفوا في صحة إطلاق هذه العبارة مجازاً، وذلك يقتضي منع حقيقتها، فتأمل ذلك. وقد أوضحت المنع من إطلاق ذلك مجازاً عند أهل السنة وجماهير أهل الكلام، ولله الحمد.

стр. 2139

قالت المعتزلة: إرادة القبيح قبيحة على كل وجهٍ، والله تعالى عندكم مريد للقبيح. قلت: الدعوتان ممنوعتان معاً. أما الدعوى الأولى: وهو أن إرادة القبيح قبيحة على كل وجهٍ فممنوعة. بيانه: أنها ليست بقبيحة لذاتها، ولا لذات القبيح عند المعتزلة، لأنها لو قبحت لذاتها (١)، قبحت كل إرادة، وقبحت إرادة الحسن، ولو قبحت لذات القبيح، كان القبيح قبيحاً لذاته، ولو كان قبيحاً لذاته، قبح الحسنُ أيضاً، لأن ذات القبيح والحسن واحدة، وهي الحركة والسكون، بل المرجعُ بهما عند المعتزلة والأشعرية إلى مُجَرَّد لبث الجسم في الجهة، كما هو مقرَّرٌ في الكلام، وقد مر في ذمِّ الكلام. فثبت أن قبح إرادة القبيح عند الخصوم أمرٌ عارض يجوز خلوها عنه، ويبدلها بعارض آخر يحسن معه. ونظيره إرادة الحسن، فإنها حسنة لتعلُّقها بوجه حُسنه، ومتى عَرَضَ لها عارض يقتضي القبح، قبحت. ولذلك أمثلة كثيرة، منها متفق عليه، ومنها مختلفٌ فيه، ومن أحسنها إرادة اليمين الواجبة شرعاً، وكراهتُها تجب من الوجه الذي قبحت منه عقلاً وشرعاً. ولا يقال: إن هذه الصورة غير ما نحن فيه، لأن اليمين في هذه الصورة قد ورد الأمرُ بها، والمحبة بخلاف المعاصي، لأنا نقول: إذا جاز تعلق الأمر والنهي والمحبة والكراهة بأمرٍ واحد لاختلاف وجوهه وعوارضه ولوازمه، جاز تعلق الإرادة والكراهة بذلك وبأمثاله أولى وأحرى. وكذلك الأمرُ باللعان.

стр. 2140

وكذلك قول موسى ﵇ للسحرة: ﴿ألْقُوا ما أنْتُم مُلْْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠]. وكذلك ما ثبت في " الصحيح " من استحباب سؤال القتل في سبيل الله، وأن من سأل ذلك صادقاً، أُعطي فضل الشهادة (١). وكذلك ثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة (٢)، وعُبادة (٣) وأبي هريرة (٤)، وأبي موسى (٥) عنه ﷺ : " مَنْ كَرِهَ لقاء الله كَرِهَ الله لقاءه ". وتفسير ذلك أن الكافر لا يموت حتى يعلم أنه من أهل النار، فيكره لقاء الله، فيكره الله لقاءه، والمؤمن لا يموت حتى يُبَشَّر بالجنة، فيحب الموت، فيحب الله لقاءه. وفي ذلك أن الله تعالى قد يريد وقوع ما يكره لحكمة مثل لقاء الكافر، والنكتة العقلية في ذلك أن الله لما كان لا يريد الشر، فإن قدره، فلحكمةٍ هي خير، وهي المراد به كما قَدَّر القِصاص للحياة، واليمين الغموس لاستيفاء الحقوق. فكان التحقيق أن المراد هو ذلك الخير، ولذلك لم يأتِ نصٌّ بأن شيئاً من
следующие страницы →