стр. 2276
← Акыда следующие страницы →
Акыда · id 29677
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
ابن الوزير
Полный текст (3 702 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2277
ويعضُدُ هذه الأحاديث قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال يوسف ﵇ -مع عصمة النبوة- ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] وأمثالها.
فثبت أن ابتداء التكليف في الأشقياء هو حال الفطرة، ثُمَّ التخلية بينه وبين نفسه بعد التمكين وإقامة الحجة ببلوغ الدعوة النبوية، وظهور المعجز مع الفطرة التي خُلِقَ عليها، وهذا القَدْرُ وحده هو الذي سمَّاه الله هُدىً في قوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وهو الذي سماه الله حجة في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
ولكن دلَّ ما قدمنا الآن على أن الله إذا وَكَلَ العبد إلى نفسه حينئذٍ لم يكن منه إلاَّ اختيار الضلال ما لم يتفضل الرب بما لا يجب في حكمة الله المساواة فيه بين جميع خلقه من الألطاف الزائدة على التمكين، وعلى الفطرة، وإقامة الحجة، وسبق الإرادة عند أهل السنة غير مانع من الاختيار، مثل سبق العلم عند الجميع، بل مثل سبق العلم والإرادة معاً عند الجميع في أفعال الله تعالى.
стр. 2278
فإن قيل: فلِمَ خصَّ الله تعالى بعض عباده في أول أحوال التكليف بالتخلية مع التمكين مع علمه أن ذلك وسيلة إلى الهلاك دون من لطف به؟
قلنا: لا يجب العلم بتفصيل (١) حكمة الله في ذلك على جميع المذاهب.
وقد جوَّز أبو هاشم وجمهور المعتزلة الزيادة في الامتحان للمُكَلَّفين، مثل الزيادة في شهوات المكلف بحيث يُوقِعُهُ في المحظور، ومثلُ خلق الشيطان مع العلم بأنه يُغْوي به من ثم يكن يَغْوِي لو لم يُخْلقْ، واحتجوا بنحو قوله: ﴿فأخْرَجَهُما مِمَّا كانا فيه﴾ [البقرة: ٣٦] وظواهر كثيرة نحوها، ولم يخالف منهم في ذلك إلاَّ أبو علي، وألزموه أن لا يُكلِّف الله من عَلِمَ أنه يعصي لأنهما سواء.
فقول أبي هاشم والجمهور منهم، كقولِ أهل السنة في تجويز الإضلال لحكمةٍ سواء، لم يختلفوا إلاَّ في العبارة عند التحقيق.
ومن العجب أن السيد المجاب عليه اختار ذلك وصحَّحه، ونسبه إلى الجمهور، وختم بذلك تفسيره " تجريد الكشاف المزيد فيه النكت اللطاف " فهي آخرُ مسألةٍ فيه.
وأما قول المعتزلة بخلق العُصاة على بِنيةٍ لا تقبل اللطف في قدرة الله وعلمه لحكمة لا نعلمها فغُلُوٌّ في الإضلال، وتجويزه على حدٍّ لا يُجَوِّزُ عليه أحد من أهل السنة مع تشنيعهم على من جوَّز عقوبة العصاة بالإضلال الواردِ سمعاً الجائز عقلاً، فالله المستعان.
ثم يطلبون في تفسير الإضلال التأويلاتِ البعيدة كالإضلال عن طريق الجنة في الآخرة، وتأويله بهذا الذي ذهبوا إليه أوضحُ فافْهَمْ ذلك، ولكن عند المعتزلة خلق الشياطين، وزيادة الشهوات، والدواعي الموقعة في العذاب الدائم من قبيل الإحسان بالتعريض للأجر من الله تعالى لمن عَلِمَ أنَّ ذلك
стр. 2279
يكونُ سبب هلاكه من قبيل إرادة هلاكهم عقوبةً لهم على عُتُوهِّم وإصرارهم. وقد تلخص أن هذا موضع الخلاف فانظر بإنصاف، ولو كان ذلك من الزيادة في الإحسان بالتعريض للأجر، لوجب أن يرغب كل عاقل إلى الله أن يجعله من أهله، فلمَّا علمنا ضرورةً من جميع العقلاء أنهم يستعيذون بالله من ذلك، علمنا أنه من قبيل العقوبة المستحقة بعظيم الذنوب، نعوذ بالله منها.
وقد تقدم هذا المعنى مبسوطاً غير أنه يختص ها هنا أنه سبب الخلاف، ولا شكَّ أن صيانة المكلَّف منه لينجو من العذاب إحسانٌ يوجب الشكر، وأن قصد الإحسان به مع العلم كالعمل بغير العلم، بل هو على خلاف المعقول بغير شكٍّ.
وقد انتهت المعتزلة هنا إلى أن الله خصَّ بعض المكلفين بأن خلقه على بِنيةٍ تقبل اللطف، ولم يزِدْ في شهوتِه زيادةً توقعه في المحظور، وهذا هو التيسيرُ لليُسرى، أو هو منه، وبعضهم بأن خلقه على بِنيةٍ لا تقبله، وبعضهم بأن خلق له شهوةً زائدة تُوقعه في المحظور زيادةً في الابتلاء، وهو التيسير للعسرى في كتاب الله، أو هو منه، وكل ذلك لحكمةٍ جلية أو خفيةٍ استأثر الله بعلمها. ذكر بعض ذلك السيد في آخر تفسيره المذكور، وبعضه ابن الملاحمي في " الفائق " كما تقدم.
فرجعوا بعد السفر الطويل، والتعسُّف الكثير في التأويل إلى ما بدأ به أهلُ السنة من تقرير النصوص على أن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وهو الحكيم العليم، بل إلى أبعد (١) من قول أهل السنة عن مقاصد أهل السنة، فإنهم قصدوا في الابتداء المبالغة في تمكين العبد، وإزاحة أعذاره، ثم رجعوا إلى أن الله تعالى قد بنى العصاة على بِنيةٍ قاسية يمتنع قبولهم منها لجميع ألطاف الله تعالى مع أنه اللطيف لما يشاء.
стр. 2280
ولا شك أن هذا عذرٌ للعبد، وأن بِنيته عليه تنافي قولهم بوجوب إزاحة الأعذار، وتُنافي قولهم: إنهم خُلِقُوا على الفطرة.
وأما أهل السنة، فإن الله بناهم على بِنيةٍ تقبل اللطف، بل بناهم على الفِطرة، ولكنه ترك هداية من أراد لما له في الابتلاء بذلك من الحكمة. وقد بَسَطْتُ القول (١) في هذا الوجه في مرتبة الدواعي، وهي المرتبة الثالثة في الوجه الثالث من الجواب، فانظره هناك.
فهذا ما حضرني في هذا الوجه الخامس من أدلة الجميع على الإنصاف، فمن وضح له فيه بُرهان صحيح، فذاك، ومن لم يتَّضِحْ له فيه البرهان، وكل العلم فيه إلى الله سبحانه مع القطع، وعدم الشك في القواعد الثلاث:
أحدها: القطع بعموم قدرة الله تعالى.
وثانيها: القطعُ بنفوذ مشيئة الله سبحانه.
وثالثها: القطع بتمام حجة الله على عباده بالتمكين، ونفي الجَبْرِ، والله سبحانه أعلم.
المرتبة الثالثة: إطلاقهم الوجوب مع بقاء الاختيار بالنظر إلى شرط تأثير القدرة، وهو الداعي، وهو المُسمَّى بالتيسير في كتاب الله، وفي أحاديث رسول الله ﷺ كما يأتي عند أحاديث القدر في المرتبة الرابعة في قوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُه لِلعُسْرَى﴾ [الليل ٧]، وقوله: " كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لهُ " (٢)، وهو المعبر عنه بالهُدى والإضلال في قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهدي مَنْ يشاء﴾ في أكثر آيات كتاب الله تعالى، وليس الإضلال يقتضي نفي أفعال العباد، ولا نفي اختيارهم فيها، كما أنَّ الهُدى لا يقتضي ذلك عند المعتزلة.
стр. 2281
ومن أدلةِ أهل السنة في هذا بعد تواتر نصوص السمع فيه أن من المعلوم لكل عاقل أن مجرد القدرة لا تُؤَثِّر في الفعل من غير أمرٍ ينضم إليها، فإنا قادرون على كثير من المضارِّ (١) العظيمة لأنفسنا وأولادنا من القتل وغيره، وأنواع القبائح التي لا داعي إليها مثل المشي عُراة في المجامع، وسائر أفعال المجانين وما شاكَلَها، ولا نفعل شيئاً من ذلك بمجرد قدرتنا عليه، وما ذلك إلاَّ لعدم الداعي.
ومن المعلوم ضرورة أن أهل الجنة لا يطرحون أنفسهم في النار، ولا يضرون أنفسهم بشيءٍ من المضار، وإن لم يُسلبوا التمكن والاقتدار.
وسيأتي في المرتبة الخامسة في الفرقة الرابعة الكلام على أنه في جُملته دون تفاصيله قرآني بُرهاني، وأن المعتزلة توافِق عليه، وننقلُ هناك إجماع المعتزلة على ذلك في أربع مسائل، وبإحكام النظر في هذه المسألة يتبينُ في العقل ما ورد في السمع من قدرة الله تعالى على هداية من يشاء من جميع عباده اختياراً بالدواعي والصوارف.
وبيان ذلك: أن المرجع في الترجيح الذي هو ضميمة القدرة، وشرط تأثيرها إلى الدواعي والصوارف، ولا شكَّ أن موادَّها من فعلِ الله سبحانه إجماعاً، بل الدواعي والصوارف أنفسها كلها من فعل الله سبحانه على الصحيح كما يظهر لك إن شاء الله تعالى.
والدليلُ على ذلك أن المرجع بها إلى الشهوة والنُّفرة والمحبة والكراهة، والعلم بالمنافع والمضارِّ والظن بها، والخوف والرجاء المتعلقين بها، وإنما ذكرتُ المحبة والكراهة مع الشهوة والنفرة للاختلاف في أنها مُترادفة أو لا كما مرَّ في الكلام على الصفات.
стр. 2282
ولا خفاء في أن كل هذه الأمور ضرورية لا اختيار للعبد فيها إلاَّ ما يخالف فيه بعض المعتزلة في العلوم النظرية، وفي الظنون، فأمَّا العلوم (١) النظرية، فإنها متولِّدة عن العلوم الضرورية بالإجماع، لكن من النُّظار من يقول: إن النظريات عند استحضار مقدماتها ضروريات، وهو الصحيح، لأنه لا يمكن الناظر اختيار الجهل حينئذٍ، فدلَّ على أن اختياره إنما هو في النظر.
والتحقيق أن المخالف إنما يُسمِّيها اختيارية لتوقفها على الاختيار في النظر، ولا مُشاحَّة في العبارة، فالظاهر أن الخلاف لفظي، وأما الظن، فالصحيح أنه ضروريٌّ من فعل الله تعالى، أما الظن القبيح عقلاً وشرعاً الذي ليس براجح، ولا يُسمى ظنّاً إلاَّ مجازاً باشتراك، فإنه من فعل العبد، وفيه يقول الله تعالى (٢): ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثمٌ﴾ وذلك في صورتين.
أحدهما: ما خالف الأدلة القاطعة كظن المشركين ربوبية غير الله.
وثانيهما: ما خالف القرائن الصحيحة، أو كان عن قرينة باطلة، كظنِّ الفُجَّار في الأبرار أنهم مثلهم في الاجتراء في (٣) الفواحش والخبائث.
وأما سائر الظنون الراجحة الصادرة عن القرائن الصحيحة الضرورية، فإنها فعل الله كما هو اختيار شيخ الاعتزال أبي الحسين البصري وأصحابه.
والدليل على ذلك، عدم القدرة على دفعه، وهي الحجة في كل ما تنسِبُه إلى الله تعالى، وخصوصاً حين تكون القرينة ضروريةً كمشاهدة الغَيْمِ الرَّطْبِ الثقيل والبرق فجأةً، وسماع دَوِيِّ الرَّعْدِ والرياح التي يُرْسِلُها الله بُشرى بين يدي رحمته في أوقات المطر.
стр. 2283
وإنما خالف بعض المعتزلة في ذلك، لكونه قد يكون غير مُطابِقٍ، ويلزمهم في المطابقة تجويز أنه من الله، وسيأتي في مسألة الأقدار إنه قد يجوز أن يريد الله تعالى وقوع مثل ذلك لمصلحةٍ غير مستلزمةٍ لقبيح، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤].
ومثلُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [الأنفال: ٤٣].
ومثلُ تخويفه لأوليائه من سخطه وعذابه، وأيضاً فالبلادة والغَباوة والنِّسيان بعد العلم، والجهل والجنون المبتدأ، وضعف الحواس المتولِّد عنها الغلط في الإدراك خصوصاً ضعف البصر والحول، وظنُّ النائم واعتقادُه، كلها فعل الله بالإجماع، والظن الذي لم يطابق أهون من ذلك، بل هو بعض ما يتولد عنها مع ما لا يخُصُّه من الاعتقادات الباطلة المتولدة، وعندهم فاعل السبب والمُسَبِّب واحدٌ غالباً، ولا قُبحَ فيه عقلاً لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان قبيحاً، لقَبُحَ من المكلف، وهو خلاف الإجماع، وكيف يقال: إنه قبيح؟! وهو مراد الله تعالى من كل مكلَّفٍ (١)، والثواب مترتب عليه عند الخصوم.
وثانيهما: أن القبح إن كان في العمل، فليس (٢) بقبيح إجماعاً، وإن كان في عدم مطابقته، فلم يدل على المظنون على جهة القطع، فيقبح بانكشاف المخالفة، بل عدم المطابقة مطابقٌ لِجَنَبَةِ (٣) التجوبز التي هي من لوازم الظن،
стр. 2284
وإنما دلَّت القرينة على أن أحد الجائزين (١) أقرب بالنظر إلى القرينة وحدها ما لم يعارضها ما هو أرجحُ منها، وبالنظر إلى الشخص والوقت، وما لم ينكشف خلاف ما دلَّت عليه، فمتعلّقُه الرجحان المقيَّد بهذه القيود كقول الخصم في ظن المجتهد إذا تغير، ولا بُدَّ من مراعاتها.
بل لقائلٍ أن يقول: وإن سلَّمنا أنه خطأ، فإنه من الخطأ الذي هو نقيض الإصابة، كخطأ المجاهد في الرمي، والمريض في ظنه أن الماء مُرٌّ لنفسه، لا من الخطأ الذي هو نقيض الصواب، ولا يُنسبٌ الخطأ إلى الله اسماً كسائر النقائص المخلوقة، لأنه لم يُنْسَبْ إلى العبد إلاَّ بالنسبة إلى انكشاف خلاف ما ظنه.
فثبت أن القدرة والداعي فعل الله ، ولكن حصول الفعل بهما اختياريٌّ بالضرورة، كما قال أبو الحسين وكثيرٌ من الأشعرية: إنا نُفَرِّقُ بالضرورة بين حركة المختار، وحركة المَسْحُوبِ والمَفْلُوج، ونعلم بالضرورتين العقلية والسمعية حسن الأمر والنهي، والمدح والذم فيما يتعلَّق بأفعالنا دون صُوَرِنا وألواننا، وذلك يأتي متكرراً بزيادات لا تخلو من فائدة إن شاء الله تعالى، وخلاف المعتزلة في ذلك لفظيٌّ لما يأتي في المرتبة الخامسة في الفرقة (٢) الرابعة.
فإن قيل: أليس قد نصَّ الله في كتابه على أن له الحجة البالغة، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: " لا أحد أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب " (٣)، وتصديق ذلك في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله تعالى: ﴿أنْ تَقُولوا يومَ القيامة إنَّا
стр. 2285
كُنَّا عَنْ هذا غافلينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، وقوله: ﴿بَلَى قَدْ جاءَتْكَ آياتي فكَذَّبْتَ بها﴾ [الزمر: ٥٩] جواباً على من قال: ﴿لَوْ أنَّ الله هداني﴾ [الزمر: ٥٧] وأمثال ذلك كثير جداً.
ولا شكَّ أن المعلوم من السمع قرآناً وسُنةً أن مراد الله تعالى بهذا وأمثاله قَطْعُ أعذار المُكلَّفين، فإذا كانت الدواعي إلى المعاصي من فعله، والمعاصي عند حصول الدواعي واجبة الوقوع بالنظر إلى الواقع، وإن كانت ممكنة بالنظر إلى القدرة والمقدور، كان ذلك عُذراً للعبد غير مقطوع بشيءٍ، مع أنَّ الشرع ورد بقطع الأعذار التي هي دُون هذا، والجواب من وجوه:
الأول: أن من يقول بإيجاب الداعي، وتوقُّف الفعل عليه يقول: إن الشرع إنما ورد بقطع ما يُمْكِنُ في عقول العباد وعوائدهم قطعه من الأعذار دون ما يستحيل في عقولهم وعوائدهم، وهذا مما يستحيل عندهم لما سيأتي عند الكلام على تحقيق مذاهبهم من استحالة نفس الاختيار بغير ذلك فإنهم قالوا: القادر: هو الذي يتمكن من الفعل أو الترك (١) مع المرجِّح، ويستحيل وجودُ قادر يتمكن من الإتيان بكل واحد منهما بدلاً عن الآخر من غير مرجِّح، ولا يمكن دخول هذه الحقيقة في الوجود عندهم، وهو قول حُذَّاق أهل الكلام من جميع الطوائف كما يأتي تقريره.
وحاصلُ الأمر أن نذكر أمرين: جُملي وتفصيلي.
أما الجملي: فهو أن العقل إنما يوجب قطع أعذار الخلق في إنكار
стр. 2286
الربوبية، وتقديسها عن كل عيبٍ ونقص وظُلم، فمن أنكر أحدها، قامت عليه البراهينُ، ومن اعترف بهما، فقد اعترف بأن الله حكيم نافذ المشيئة، غنيٌّ كريم لا يجوز عليه الظلم ولا العبث، فلا يصح منه أن يُنازع ربه في حكمةٍ خفية لوجهين:
أحدهما: أن علمه الجُملي بحكمته كافٍ.
وثانيهما: أن علمه بكمالِ ربه سبحانه في أسمائه الحسنى ها هنا ونقص العبد في كل معنى، وكثرة جهالاته، وخُبثِ كثيرٍ من طبائعه، وغَلَبَتِها عليه يكفيه وازعاً عن سنة الشيطان -لعنَه الله- حين نازع ربه سبحانه في سجوده لآدم، وهي سنة السفهاء الذين قالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢].
ولو كان العقل والشرع يوجبان إزاحة كُلِّ عذرٍ باطلٍ، لوجب إزاحة كل عذر لهم من قولهم: ﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنَا فارجِعْنا نعملْ صالحاً﴾ [السجدة: ١٢]، واقتراحهم على الرسول أن يكون ملكاً، وأن يفجر الأنهار (١) لهم تفجيراً، وأن يأتيهم بآبائهم بعد موتهم، واعتذارهم بعدم رؤيتهم لربِّهم وغير ذلك.
وإذ قد قامت الحجة على ثبوت الرب وعدله، وحكمته فلا يجب إزاحة شيءٍ بعد ذلك من لَجاجِهم بالأعذار الباطلة، وما أزاحه الله من سائر الأمور فعلى سبيل التفضل كشهادة الجوارح يوم القيامة، ولا تدل على وجوب إزاحة سائرِ الأعذار الباطلة، والله سبحانه أعلم.
وأما التفصيلي: فنقول: إما أن يُريد السائل أن يَسْلُبَ الله المكلفين الدواعي والصوارف كلها، سواءٌ كانت إلى الخير أو إلى الشر، ولا يزيد على تمكينهم بالقدرة، أو يريد أن يخلق دواعي الخير وحدها لجميع الخلق من غير
стр. 2287
معارضةٍ لها بشيءٍ من دواعي الشر.
أما الأول: فظاهر السقوط، لأنه يؤدي إلى ألاَّ يقع منهم فعلٌ ألبتة، لا خير ولا شر، ولأنهم يعتذرون في عدم وقوع الخير بعدم الداعي إليه مع أن القصد بهذا قطع عذرهم هذا خُلْفٌ، ولأن سلب الدواعي يستلزم سلبَ العلوم والظنون، وذلك يستلزم سلب العقول، وحصول الجنون، وذلك أعظم الأعذار، والقصد قطعها، هذا خُلف أيضاً.
وأما الثاني: وهو خلق دواعي الخير محضةً من غير معارضة، فالكلام فيه في وجوه:
أحدها: أنه مقدورٌ لله تعالى، وهذا إجماع المسلمين.
وثانيها: أن المكلفين معه يبقون مختارين مستحقين للثناء، وهذا كذلك.
وثالثها: أنه يحسُنُ إثابتُهم مع ذلك لبقاء الاختيار، كما يحسن الثناء عليهم لذلك، وهذا مذهب أهل السنة خلافاً للمعتزلة، وقد مرَّ تقريره في الإرادة.
ورابعها: -وهو المقصود هنا- أن الله تعالى إنما ترك ذلك لِحِكَمٍ لا يعلم جميعها وتفاصيلها إلاَّ هو، وهو تأويل المتشابه، وسرُّ القدر.
وقد تقدم كلام الزمخشري في ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُم فمِنْكُم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وفي قوله تعالى للملائكة: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وسيأتي أن جهل موسى ﵇ بتأويل فعل الخَضِر يدل على جهل الراسخين بتأويل فعل الله تعالى. وتقدم قول أبي الحسين وأصحابه من المعتزلة: إن الله قادرٌ على خلق الكفار على بِنْيِة المعصومين، وإنما لم يخلقهم كذلك لحكمة استأثر بعلمها، فرجع أهل البدعة إلى ما بدأ به أهل السنة بعد السفر البعيد كما قال شيخُ الاعتزال ابن أبي الحديد:
стр. 2288
فيك يا أُغلوطة الفِكَرِ ... تاه عَقْلي وانْقَضَى عُمُري
سافَرَتْ فيك العُقُولُ فما ... رَبِحْتَ إلاَّ عَنَا السَّفَرِ (١)
وقد أشار الله سبحانه إلى الجمع بين صحة الأوامر والحكمة فيها مع العلم بنفوذ القدر فيما حكاه من قول يعقوب ﵇ لبنيه: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحدٍ﴾ [يوسف: ٦٧] إلى آخر الآية، وسيأتي شرح ذلك في الفائدة الرابعة في وجوب العمل مع القدر، والفائدة فيه في الحكمة.
وأما التفصيل، فلا سبيل إليه، ولا مُوجب لمعرفته، ولكن في كتاب الله إشارة إلى بعض حكم الله تعالى في ذلك، وهو فيما ذكر الله من محبته الابتلاء، وتمحيص المؤمنين، وتمييز الخبيث من الطيب حيث ورد على أعظم صيغ المبالغة، والإقناط من الطمع في خلافه، حيث قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢].
وخرج الحاكم في كتاب الإيمان من " المستدرك " (٢) حديث كُرْز بن علقمة أن رسول الله ﷺ سُئِل: هل للإسلام من منتهى؟ فقال: " نعم، أيُّما أهل بيت من العرب والعجم أراد الله بهم خيراً أدخل عليهم الإسلام، ثم تقع بهم الفتن كأنها الظُّلَلُ ". وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، وهو كما
стр. 2289
قال، فإنه رواه جماعة قالوا -واللفظ للحميدي-: حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، حدثني عروة بن الزبير، قال: سمعت: كرز بن علقمة. وتابع سفيان معمر بن راشد (١)، ويونس بن يزيد عن الزهري، وساق حديث معمر بمتنه وحروفه سواء، ثم قال: صحيح، وليس له علةٌ، ولم يخرجاه لتفرُّد عروة بالرواية عن كُرْز، وهو صحابي خُرِّجَ حديثه في مسانيد الأئمة.
قال الحاكم: سمعتُ الحافظ علي بن عمر -يعني الدارقطني- يقول: ما يُلْزِمُ البخاريَّ ومسلماً إخراج حديث كرز " هل للاسلام من منتهى " فقد رواه عروة بن الزبير، ورواه الزهري وعبد الواحد بن قيس كلاهما عنه (٢). قال الحاكم: والدليل الواضح على ما ذكره أبو الحسن أنهما جميعاً اتفقا على حديث عتْبان بن مالك، وليس له راوٍ غيرُ محمود بن الربيع.
قلت: ومن أحسن الشواهد لمعناه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] فالفتنة في هذه الآية خاصة بأهل الاستقامة، وهي لهم خيرٌ، لقوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].
ومن أحسن الأدلة على إرادة الابتلاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]، والحجة بيِّنةٌ في قوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
وقال ابن الأثير في " نهايته " (٣): " ذكر فتناً كأنها الظُّلَلُ ": هي السحابُ أو الجبال. قلت: السحاب أنسبُ لتطبيقها.
стр. 2290
وفي " الصحيح في ذكر مواقع الفتن كأنها مواقع القَطْرِ " (١).
وفي حرف الفاء من " النهاية " (٢): المؤمن خُلق مُفَتَّناً (٣)، أي: مُمْتَحناً بالذنب. وفي " المسانيد " لهذا المعنى شواهدُ كثيرة.
ولا شك أن الله تعالى لو لم يخلق دواعي الشر، بَطَلَ الابتلاء المعلوم أنه مقصود.
وفي " نوابغ الزمخشري " (٤): العزيز يبتلى من الخطوب بالأعز حتى كأن العُزَّى أخت الأعزِّ، ألا ترى كيف يبتلي الله أحبَّ خلقه إليه بأعظم البلاء، كما ابتلى خليله بالأمر بذبح ولده ﵉، وقال سبحانه: ﴿إنَّ هذا لهو البلاءُ المُبينُ﴾ [الصافات: ١٠٦].
وقد قيل في وجه ذلك: إنه أراد ظهور ما عَلِمَ في الغيب من صحة محبة إبراهيم لربه واستحقاقه مرتبة الخُلَّة حيثُ آثر رضاه في هذا المقام العزيز.
ولذلك ثبت في " صحيح مسلم " و" الترمذي " عن ابن مسعود عنه ﷺ أنه قال: " لو كنتُ مُتَّخذاً خليلاً لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، لكنَّ صاحبكم خليل الله ". وزاد
стр. 2291
بعضُهم في أوله: " ألا إنِّي أبرأ إلى كُلِّ خليلٍ من خُلَّتِه " (١).
وروي عن جندب بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس: " ألا إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ " الحديث (٢).
وهو دليل عزة مقام القرب والحب عن الشرك فيه بخلاف مقام العفو كما يأتي في شرح العزيز الغفور.
والصوفية في هذا المقام أربابُ الذوق والأحوال الرفيعة، لهم فيه كل معنى مليح، من ذلك ما أنشده الشيخ أبو بكر بن محمد (٣) الشهير بداية في كتاب " المنارات ":
ولما ادَّعيتُ الحبَّ قالت كَذَبْتَني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواسِيا
فما الحُبُّ حتى يَلْصَقَ البطنُ بالحَشَا ... وتذبُلَ حتى لا تُجيب المناديا
وتنحُلَ حتى ليس (٤) يُبقي لك الهوى ... سِوى مُقْلَةٍ تبكي بها وتُناجيا
ومنه دُوبَيْت (٥)
стр. 2292
قدْ مِلْتُ إليهم (١) ومِنِّي مالُوا ... قلبي نهبوا ومِنْ حياتي نالوا
إذ قلت بما أعيشُ قولوا قالوا ... بالحبِّ فعِشْ وحُبُّهُم قتالُ
ومن أحسن ما قيل في هذا قصيدة المرتضى الشهرزوري ذكرها ابن خَلِّكان بطولها في ترجمته من " تاريخه " (٢) لحسنها، ومن أولها:
لَمَعَتْ نارُهم وقد عَسْعَسَ اللَّيـ ... ـلُ وملَّ الحادي وحار الدليلُ
فتأملتُها وقلبي (٣) من البَيْـ ... ـن عليلٌ ولَحْظُ عيني كليلُ
وفؤادي ذاك الفؤاد المُعَنَّى ... وغرامي ذاك الغرامُ الدخيلُ
ومن آخرها:
نارُنا هذه تُضيء لِمَن يَسْرِ ... ي بليلٍ لكنها لا تُنيلُ
مُنتهى الحظِّ ما تزوَّدَ مِنها اللحـ ... ـظُ والمدركونَ ذاك قليلُ
جاءها من عرفت يبغي اقتباساً ... وله البَسْطُ والمُنى والسُّولُ
فتعالت عن المنال وعزَّتْ ... عن دُنُوٍّ إليه وهو رسولُ
فبقينا كما عَهِدْتَ حَيارَى ... كُلُّ حدٍّ من دونها مغلولُ (٤)
نقطع (٥) الوقت بالرَّجاء وناهيـ ... ـك بقلبٍ غِذاؤُه التعليلُ
كلما ذَاقَ كَأسَ يأسٍ مَريرٍ ... جاء كأسٌ من الرجا مَعسُولُ
هذه حالُنا وما بلغ (٦) العِلْـ ... ـمُ إليه وكلُّ حالٍ يحولُ
стр. 2293
وإلى هذا المعنى أشار الله حيث قال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقال : ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
ومما يُلوِّحون به إلى هذا المعنى:
وبَدا له من بَعْدِ ما اندمل الهوى ... برقٌ تألَّق مَوْهِناً لَمَعَانُهُ
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذَّرَى مُتمنِّعٌ أركانهُ
فمضى لينظر كيف لاح فلم يُطِقْ ... نظراً إليه وصده سجَّانهُ
فالنارُ ما اشتملت عليه ضُلُوعُه ... والماءُ ما سَمَحَتْ به أجفانُهُ (١)
وأنشد في " العوارف " (٢) كانياً عن النفس والشيطان:
أيا جَبلي نَعْمَان بالله خلِّيا ... رياح الصَّبا يَسْرِي إلي نسيمها
أجد بردها أو تشفِ مني حرارةً ... على كَبِدٍ لم يبق إلاَّ صميمها
فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسَّمَتْ ... على نفس محزونٍ تجلَّت همومُها
ورقائق ابن الفارض في هذا المعنى في السماء علوّاً، ولو أوردتها لطالت، ولا حاجة إلى التكثير بذكرها، لأنها معروفةٌ في ديوانه.
فإن قيل: هذا صحيح، ولكن الابتلاء في نفسه من المتشابه، فهل أشارَ
стр. 2294
الله في كتابه إلى شيء من الحكم المطوية في ذلك؟
قلنا: نعم، أشار إلى ذلك بإشاراتٍ متنوعة، وأعطى كل أحدٍ من الفهم في ذلك ما شاء، ولا يحيطون بشيء من علمه إلاَّ بما شاء، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ونحوها في هود [٧] وفي الكهف [٧] فإن البلاء مضمَّنٌ معنى العلم، وهو يتعدى إلى مفعولين كما ذكره الزمخشري (١) في تفسيرها، والله لم يذكر مفعول الابتلاء الثاني في كثير من آيات الابتلاء، وذكره في هذه الآية الكريمة، فكان زيادة بيانٍ يقضي على الآيات التي لم يبين ذلك فيها. وفي معنى هذه الآيات ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وأمثالها كثير.
وذلك يدل على أن المقصود بالابتلاء وجودُ أحسنِ العمل وأفضله، وأحسن الجزاء وأكمله، وإن وُجِد القبيح بسبب الابتلاء وتوابعه، فهو غيرُ مقصود لنفسه قصد الغايات، وإنما هو مقصودٌ لغيره قصد الوسائل والمقدمات، وذلك لما ثبت من القطع على أن الحكيم لا يريد الشر لنفسه، وهو من القواعد الفطرية القطعية. ألا ترى أن أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الإيمان بالله تعالى هو الجهاد، كما ثبت في " الصحيح " (٢) ولذلك خلق الله الأضداد، والملائكة،
стр. 2295
والشياطين، والمسلمين، والكافرين، والعقول، والأهواء، والقلوب، والنفوس ليقوم سوق الجهاد، وإليه الإشارة بقوله: ﴿والذين جَاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وروي في الحديث " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " (١) وهو معنى صحيح، والمراد من الجهاد ما يحصل به من تمحيص المؤمنين وخلوصهم، واتخاذ الشهداء منهم، ونصرهم، وشفاء صدورهم، وتمييزهم ممن يدعي مرتبتهم الشريفة ممن ليس منهم، وكل هذا منصوص، فلا نُطَوِّلُ بذكر الآيات فيه. وإنما الذي وهب الله سبحانه لي من الفهم هنا أمران:
أحدهما: أن مقام القرب والحبِّ والخُلَّة محفوفٌ بأعظم ما حُفَّت به الجنة
стр. 2296
من المكاره، لأن وصف العزة يستحيلُ أن تتخلفَ عنه آثاره، وفيه أن مقام الحب غير مبتذلٍ ولا رخيص، وقد تقدم ما وقع لأهله، مثل عزم الخليل على ذبح ولده، وبراءة محمد ﷺ إلى كل خليل من خُلَّتِه. وفي البخاري من حديث أبي هريرة: " ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُهُ، كنت سمعه الذي يسمع به، ويصره الذي يبصر به " الحديث (١).
وقد آنس الله وحشة القاصرين حيثُ قَرَنَ العزيز بالغفور، والغفار بالرحيم، والوهاب في آيات كثيرة، وهذه نكتة نفيسة جداً.
وثانيهما: أن المقصود الأول من تمييز الخبيث من الطيب في تمحيص المؤمنين هو الخيرُ الحاصل للطيب لا الشر الحاصل للخبيث لقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُم أيُّكُمْ أحسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢] ولم يقل: أيكم أقبح (٢) عملاً.
ومن أحسن ما يحتج به على هذا بعد ما ذكرناه من كتاب الله تعالى قولُه في سورة النحل: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] إلى آخر الآيات في الوعد والوعيد والمشيئة.
وأصرح من ذلك كلِّه قصة الخَضِر وموسى لتأويل الشرِّ فيها بأنه المقصود به الخير نصاً صريحاً، وبيان أن ذلك هو تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلاَّ الله.
ومن أحسن ما يُستدلُّ (٣) به على ذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣].
стр. 2297
قال الزمخشري (١): ولا يأتونك بمثالٍ (٢) عجيبٍ من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثلٌ في البطلان إلاَّ أتيناك نحن (٣) بالجواب الحق الذي لا محيد عنه، وبما هو أحسن معنىً ومُؤَدَّى من سؤالاتهم (٤).
ويُوضِّح ذلك ما اتفقوا على صحته من حديث " سبقت رحمتي غضبي "، وأن الله تعالى كتب هذا في كتابٍ ووضعه على العرش (٥).
ويعضده ما انفرد به مسلم، وهو على شرط الجماعة كلهم من حديثِ علي ﵇، عن رسول الله ﷺ في حديث التوجُّه في الصلاه المعروف، وفيه " الخيرُ في يديك، والشر ليس إليك " (٦).
ذكر النواوي في شرح " مسلم " (٧) أن معناه ليس بشر بالنظر إلى حكمتك فيه، وهذا هو الذي أُريده، ولله الحمدُ والمنة.
وإنما قلت: إنه على شرط الجماعة لأنه من حديث عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي، عن علي ﵇، ولم يتخلف أحدٌ من أهل دواوين الإسلام عن تخريج حديثهما، ولا ذكر أحدٌ فيهما شيئاً مما يقع فيه كثيرٌ من الثقات من غلطٍ ولا تدليس، فلعلهم ما تركوا تخريجه إلا لظنِّهم أن هذه اللفظة تخالف القواعد، وليس كذلك، فلله الحمد.
وقد خرَّج الحاكم في تفسير سورة بني إسرائيل من " المستدرك " من حديث
стр. 2298
صِلَةَ بن زُفَرَ، عن حذيفة بن اليمان أنه سمع النبي ﷺ يقول: " يُجمع الناس في صعيدٍ واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حُفاةً عُراةً كما خُلقوا سكوتاً، لا تكلم نفس إلاَّ بإذنه، فيُنادى: محمد، فيقول: لبَّيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك " (١) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (٢).
قلت: وفيه شهادةٌ على صحة ما خرجه مسلم في " الصحيح "، وفي اختيار رسول الله ﷺ لذلك في خطاب الرب في الصلاة في المقام المحمود ما يدل على أنه من أنفس المحامد الربانية، والحمد لله الذي هدانا لمعناه وما كنا لِنَهْتدي لولا أن هدانا الله.
ولا شك أن اسمه العزيز أحد الأسماء الحسنى يقتضي في أحد معنييه عن مرتبة القرب من الله تعالى والحبِّ له والأنس به يختص بذلك من يشاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وفي الإجادة في هذا المعنى:
وبعض معاني العِزِّ تقضي بذاك إنْ ... تُساعِدْ عليه واسِعَاتُ المراحم
ففي عزة الخيرات رفعٌ لِقَدْرِها ... فعَزَّ مقامُ العِزِّ عن كُلِّ لائمِ
стр. 2299
لذلك ما نال الوسيلة والثَّنا ... بخير مقامٍ غير سَبْطِ (١) البراجمِ
كذلك عزَّ القُطْبُ فينا ودون عِز ... زه عِزَّة الأبدال ثم الأكارمِ
وفي الشُّعرا (٢) تكريرُ خير إشارة ... بذلك في وَصفَيْ عزيزٍ وراحمِ
كذلك في صادٍ (٣) تمدَّح ربُّنا ... بِعِزَّةِ وهَّابٍ وسيع المَراحمِ
عزيزٌ على الأعدا رحيمٌ بغيرهم ... كما جاء وصفُ المؤمنين الأكارمِ (٤)
وعلى معنى قوله تعالى في تبارك [٢]: ﴿لِيَبْلُوَكُم أيُّكُم أحسَنُ عَمَلاً﴾ وفي الكهف [٧]: ﴿لِنَبْلُوهُم أيُّهم أحسَنُ عَمَلاً﴾ وفي الأنفال [١٧]: ﴿ولِيُبْلِيَ المؤمنين منه بلاءً حسناً﴾.
يدل ظاهر لفظه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] على ما قدمته على أحد الوجوه الذي تحتملها الآية على قول أهل السنة، وذلك أنه يحتمل أن المعنى أنه سبحانه خلق الجميع من الكُفار والمسلمين لحصول عبادة العابدين، ووقوعها على أكمل الوجوه وأتمِّها وأفضلها وأحبها إلى الله تعالى وأجملها، وأن الكفار لو لم يخلقوا وعلم العابدون أن الله تعالى لم (٥) يخلُقْ من يبغضه (٦) ويعذبه، بطل الخوف والرجاء اللذان هما جناحا عملِ العاملين، وخير ما شَرُفَتْ به قلوبُ المخلصين.
وقد سبق في حكمة الله تعالى أن وقوع الأعمال على هذه الصفة وهذه
стр. 2300
الأسباب أولى، وإن كان قادراً على هداية الخلق بغير سبب من هذه الأسباب، ومن غير خلق هذه الشرور.
ويوضِّح ذلك أن الشرور مقتضياتٌ لخيرات، مثل حديث الحسن بن علي ﵉ المشهور في القُنوت، وفيه: " وقِني شر ما قضيت " (١)، فإنه يدل على أن القضاء ليس هو الشر بنفسه، وأنَّ الشر هو المقضي، وأنه يصح القضاء بالشر مع وقاية الشر.
ويعضده حديث " إنَّ الدُّعاء يرُدُّ القضاء، وإنهما يتعالجان إلى يوم القيامة " (٢)، أي: يرد المقضي كما يُرَدُّ السهم بالترس، وأما القضاء نفسه، فإنه
стр. 2301
قديم سابق للدعاء.
وقد ذكرت في " الإجادة " وفي هذا الكتاب طرفاً صالحاً في الحكمة في خلق الشرور وتقديرها على قَدْرِ ما تحتمله عقول البشر من ذلك (١)، بل على قدر ما يحتمله عقلي وحدي، وأنا من أجهل البشر.
من ذلك: أن المحاسن لا تُعرف إلاَّ بأضدادها، فلا يعرف قدر العافية إلا بالألم، ولا قدر الراحة إلاَّ بالنصب، ولا قدر الغنى إلاَّ بالفقر، ولا قدرُ الآخرة إلاَّ بما تقدمها من الدنيا والبرزخ والموقف، ولا قدر نعمة الهداية إلاَّ بوجود أهل الضلالة، حتى قال بعض المعتزلة: إن حقيقة اللذة هي الخروج من مؤلمٍ،
стр. 2302
ولذلك استحالت اللذة على الرب سبحانه، وإلى ذلك الإشارة بنحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
ومن هنا كان الرب غياث المستغيثين، وقد ورد نحو هذا المعنى في الحديث حيث ورد أن الله تعالى لما أخرج ذريه آدم على صورة الذر وأراهم آدم رأى فيهم المُعافى والمبتلى، فقال: يا ربِّ لو سَوَّيْتَ (١) بين ذريتي، فقال تعالى: إني أردت أن تُشكَرَ (٢) نعمتي (٣).
стр. 2303
وقالوا في هذا المعنى:
ولولا البُعْدُ ما حُمِدَ التَّلاقي ... ولولا الهَجْرُ ما طَابَ الوِصَالُ
وقد رأينا جميع العُقلاء في الدنيا يسعون في تكميل الملاذِّ في الدنيا وتمامها بشرورٍ عظيمة على غيرهم بغير ذنبٍ من ذبح الحيوانات في الأفراح وركوبها، واستعمالها (١) في حرثِ الأرض، وحرب العدو، ونزع الماء من الآبار، وحمل الأثقال، ومنعها من شهواتها المُخِلَّة بمنافعهم مثل منع ذكور الخيل من غشيان الإناث مع الشَّبق الشديد، بل منعِ الإماء من ذلك والعبيد، وشغلهم عِوَضاً عن ذلك بالاستخدام والكدِّ.
وقد ذكر ابن عبد السلام في " قواعده " (٢) الردَّ على من استقبح ذلك عقلاً من البراهمة، بأنهم غَفَلُوا عن أن بعض الحيوانات أشرف من بعض، وأن العقل يقضي بحسن انتفاع الأشرف بهلاك الأدنى أو كما قال.
ويشهد لما ذكره أن أهل الفِطَر السليمة من العرب حكموا بأن أنصف بيتٍ
стр. 2304
قالته العرب قول حسان (١):
أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لهُ بكُفْءٍ ... فشَرُّكُما لٍخَيْرِكُما الفِداءُ
ومن ذلك فداء الذبيح ﵇ بالكبش، وفداء عبد الله بن عبد المطلب بمئةٍ من الإبل، واستحسانُ أهل الفطر السليمة لذلك غير مستند إلى ورود الشرائع وإجماع العقلاء على استحسان ذلك قبل نُبوغ البراهمة وبعض المعتزلة.
ويلزمهم قبح التداوي لإخراجِ دود البطن لما فيه من دفع ضررٍ خفيف بقتل أُلوفٍ من الحيوانات التي لم يصدر من أحد منها قبيح ألبتة، فموتُ المتداوي المذنب على قولهم أهون من قتل واحدٍ من الدود.
ويلزمهم أن يقبُحُ سقي الزرع والحرث ونحو ذلك إذا أدى إلى موت ذرةٍ بسبب الماء والحرث.
ويلزمهم قبح شرب الماء من المناهل إذا كان يؤدي إلى فراغه، وفراغه يؤدي إلى موت كثيرٍ من حيواناته.
стр. 2305
وكذلك يلزمهم قبح إخراج الذِّبَّانِ من المنازل ونحو ذلك مما لو فعله أحد عُدَّ من المجانين بإجماع العقلاء.
وشبهة المُقبِّحين لذلك النظرُ إلى مَضَرَّة الحيوان فقط، من غير موازنةٍ بينها وبين ما يحصل بترك ذلك من مضارِّ أشرف الحيوان وتضررهم بفوات لذاتهم، بل قد اشتهر بين أهل المكارم ذمُّ من أشفق على ما يملكه من الأنعام ولم يُهِنْها في نيل محامد الكرام، كقول القائل في الحث على السفر لطلب الفضائل:
أثِرْها تطلُبِ القُصْوى ودَعْها ... سُدىً يَرْمي الغروبُ بها الشُّروقا
فلم يُشفِقْ على حَسَبٍ غلامٌ ... يكونُ على ركائبه شفيقا
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقول بعض الصحابة: جاء الشرع بالكُره والرضا، فوجدنا خير الخير في الكُره أو كما قال، وسيأتي من ذلك طرفٌ صالح في مرتبة القضاء والقدر.
قال أبو حيَّان (١):
عُداتي لهم فضلٌ عليّ ومِنَّةٌ ... فلا أذهَبَ الرحمنُ عَنِّي الأعاديا
هُمُ بحثوا عن زَلَّتي فاجتَنَبتُها ... وهُمْ نافَسوني فاجتَنيتُ (٢) المعاليا
وفي هذا ظهور اشتمال الشر على الخيرات، وشُهِرَ ذلك بين العقلاء، وأجمع العقلاء من المسلمين والفلاسفة أن الموجود في الدنيا، إما خيرٌ مَحْضٌ كالملائكة والأفلاك، أو الخير فيه غالبٌ كالنار فيها خير كثير، والمقتضى بالذات خير، والشر واقع بالتَّبَع، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شرٌّ كثير،
стр. 2306
وجاءت النصوص بأن الآخرة هي دار الحمد والخلود، فكيف يُظنُّ في أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين أنه يريد الشرور فيها لأنفسها بمجرد صدورها عنه، وتقديره لها؟ أو كيف يُظن أن هذه عقيدة سوء في الكريمِ الرحيم، وفي فضله العظيم العميم؟!
ألا ترى أن الله تعالى إنما ذم من كذَّب بيوم القيامة، وما يكونُ فيه من الفضل، والعدل، والانتصاف، والانتقام، وذلك ما لا يحصى.
وكذلك ذمَّ مُنْكِرَ مطلق عذاب الكفار الواقع قطعاً، لأنه يستلزم إنكار يوم الدين، كقوله حكايةً عن الكفار: ﴿وما نَحْنُ بمعذَّبين﴾ [الشعراء: ١٣٨] وإن لم يكن نصاً صريحاً في ذلك، لجواز تعلق قبحه بالتكذيب وعدم التقييد لذلك بمشيئة الله تعالى، أو كذَّب بالحسنى لقوله تعالى: ﴿وأمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بالحُسنى﴾ [الليل: ٨ - ١٠] وأظهر تأويلاتها أنها المثوبة بالحسنى من الله تعالى، وهي الجنة والرحمة الدائمة في الدار الآخرة كقوله: ﴿لِلَّذين أحْسَنُوا الحُسْنى وزيادةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله: ﴿وكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] مع القرينة الدالة على ذلك، وهي ما ظَهَرَ نزاعهم فيه من الحياة بعد الموت، وتكرَّر الردُّ عليهم فيه.
ولذلك كان وصف الرب تعالى بنقيض أسمائه الحسنى كفراً بالإجماع، وإليه الإشارة بقول بعضهم في أنها المحكمة التي لا تأويل لها.
لِمَ لا يكونُ الجودُ والعَفْوُ مُحكماً ... ونعتُ الكَمال مستحيلٌ بَدِيلُه
وقد قطع الغزالي وابنُ تيمية وأصحابهما من أهل السنة بهذا، وهو قول البغدادية من المعتزلة، وإنما يُنسب إليهم البدعة بنفي قدرة الله تعالى على غير هذا، ويُخالفون ابن تيمية (١) وأصحابه في القطع بدوام النار والعذاب الذي لم
стр. 2307
يَرِدْ نَصٌّ يكفر مُنكِرَ دوامِه كما وردت النصوص بكفر منكر القيامة والجنة.
وأما مسألة دوام العذاب -نعوذ بالله ورحمته السابقة الواسعة الغالبة منه- فليس مما أجمع عليه أهلُ الإسلام، ولا عُلِمَ بالضرورة من الدين لما يأتي من اختلاف المسلمين فيه لورود الاستثناء من الخلود في غير آيةٍ من كتاب الله تعالى، ولما في ذلك من الآثار عن جماعه جِلَّةٍ من الصحابة ومُفَسِّري كتاب الله تعالى من أئمة الأثر وحُفَّاظ السنن.
ومما يدلُّ على أن المراد الأول هو الخير، وأن جميع ما يوجد من الشرور غير مقصودة لكونها شُروراً، وجوهٌ غير ما تقدم.
منها: الأحاديثُ الصحيحة الشهيرة التي فيها " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون الله فيُغفرُ لهم " لفظ حديث أبي هريرة.
ولفظ حديث أبي أيوب الأنصاري " لو أنكم لم يكن لكم ذنوبٌ يغفرُها الله، لجاء بقومٍ لهم ذنوب يَغْفِرُها لهم " خرَّجهما مسلمٌ وغيره. ولهما طرقٌ وشواهد تقدم ذكرها مجوّداً في الإرادة (١).
ومنها: ما ورد في كتاب الله تعالى من ترك أمور نافعة لكونها مفاسدَ مثل بسط الرزق، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لعبادِه لَبَغَوْا في الأرض﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ الآية [الزخرف: ٣٣].
وعكس ذلك نص القرآن الكريم على الأمرِ بأمور ضارة لكونها منافع، مثل
стр. 2308
أمر الخَضِرِ بقتل الغلام لمصلحة أبويه، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠].
ومن الأول -وهو منع بعض الخيرات لكونها مفاسد- قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].
قال الزمخشري (١): المراد بالآيات التي اقترحتها قريش [من قلب الصفا ذهباً، ومن إحياء الموتى وغير ذلك] (٢) وعادةُ الله في الأمم (٣) أنَّ من اقترح منهم آية، فأُجيب ثم لم يؤمن أن يُعَاجَلَ بعذاب الاستئصال. والمعنى أنها لو أُرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك. واستوجبوا العذاب المستأصل، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة. انتهى بحروفه.
وهو تفسيرٌ صحيح مأثور، خرج الهيثمي في معناه ثلاثة أحاديث:
أحدها: عن جابر في تفسير سورة هود (٤).
стр. 2309
стр. 2310
وينبغي أن نذكر أحدها، وهو حديثُ ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، ويُنَحِّيَ الجبال عنهم، فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا، أُهلِكُوا كما أهلكتُ مَنْ قبلهم، قال: " بل أستاني بهم "، فأنزل الله هذه الآية.
وفي رواية: فدعا فأتاه جبريل، فقال: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر بعد ذلك عذَّبته عذاباً لا أُعذِّبه أحداً من العالمين، وإن شئت، فتحتُ لهم باب التوبة والرحمة، قال: " بل (١) باب (٢) التوبة والرحمة ". قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
قلت: ويشهدُ لصحة معناه أنه تعالى قال للحواريين لما اقترحوا نزولَ
стр. 2311
المائدة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].
وقد ذكرت في الأقدار في الحكمة في الشرور أنَّ هذه الآية من أبين الدِّلالات على أن كثيراً مما نحسبه خيراً شر عظيم، ألا ترى أن كل أحد يجتهد في وضوح معرفة الآيات الدالة على الله، ويَوَدُّ أن يكاشف بالخوارق ليطمئن قلبه كما سأل ذلك الخليل الذي علم الله سبحانه أنه يستحقه وينتفع به ولا يتضرر كما قال فيه ﴿وكُنَّا به عالمينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وأحدنا لو أُعطيَ ذلك مع ما علم الله من ركوبه الذنوب بعد ذلك كان وسيلةً إلى التنكيل به لما علم الله في عقوبات عبيد السوء من المصالح والغايات الحميدة.
ومنه: حديثُ عُبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يُخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رَجُلان، فقال: " خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلةِ القدر فتلاحى رجلان، فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيراً لكم " رواه البخاري في " الصحيح "، ورواه أحمد من طريق محمد بن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس، عن عُبادة، وهو سندٌ صحيح على شرط الجماعة (١).
ومما يعضد ذلك مع ما تقدم حديث جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لما عُرِجَ بإبراهيم ﷺ رأى رجلاً يفجُرُ بامرأة، فدعا عليه، فأُهِلك، ثم رأى رجلاً على معصيةٍ، فدعا عليه، فأوحى الله تعالى إليه: إنه عبدي، وإنَّ قَصْرَهُ مني
стр. 2312
ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن يستغفرني فأغفر له، وإما أن أُخْرِجَ من صلبه من يعبدني، يا إبراهيم أما علمتَ أن من أسمائي أنِّي أنا الصبور" رواه الطبراني (١)، وسيأتي.
وقد أذكرني هذا قول يحيى بن معاذ ﵁ في قوله تعالى: ﴿فقُولا له قَوْلاً ليناً﴾ [طه: ٤٤]: هذا لطفك بمن قال: أنا الله، فكيف لطفك بمن قال: أنت الله؟ (٢).
وفي " الصحيح " أن الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحْسِنُوا القِتْلَة " (٣)، وهذا في قتل الكافر المعاقب بالقتل.
وخرج أحمد (٤) من حديث عُبادة بن الصامت أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال:
стр. 2313
يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: " الإيمان بالله، وتصديقٌ به، وجهادٌ في سبيله "، قال: أريد أهون من ذلك، قال: " السماحة والصبر " قال: أريدُ أهون من ذلك، قال: " أن لا تَتَّهِم الله ﵎ في شيءٍ قَضَى لك ". وله شاهدٌ وطُرُقٌ في " مجمع الزوائد ".
ويأتي في أحاديث الأقدار والرِّضا بها ما يُقوي هذا خصوصاً فيما قضاه الله تعالى للمؤمن، وأنه خيرٌ له، كما شهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَعَسى أنْ تَكرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية.
فبمجموع هذه الأمور مع صحة قبح إرادة الشر لكونه شَراً يقتضي قيام الحجة على حكمة الله تعالى في كل ما قدَّره، وأنه تعالى مُنَزَّهٌ عن الظلم، بل عن العَبَثِ واللعب الذي لا يضُرُّ أحداً.
فيجب القطع بأنَّ جميع ما تكرَهُ العقول من أفعاله وأقداره غيرُ خالٍ عن الحِكَمِ، والمصالح، والغايات والحميدة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى للملائكة: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تعلَمُون﴾ [البقرة: ٣٠] فلو لم تكن المصالحُ مراعاة في أفعاله ما سألت عن ذلك الملائكة، ولا كان الجواب عليهم بسعة العلم.
стр. 2314
وقصةُ موسى والخضر صريحةً في ذلك كافية لمن كان له أدنى حظ من عقل أو إيمان، ولا يقال: هلاَّ ترك الله خلق الغلام الذي أمر الخَضِر بقتله، لأنه سبحانه لو ترك ذلك وأمثاله لم يكن شيءٌ من الشرور والابتلاء، وإنما كلامنا في أن الحكمة الخفية اقتضت ذلك لما يُعلَمُ ولما لا يُعْلَمُ.
ألا ترى أن الله تعالى لو لم يخلُقِ الغلام، ويأمر الخضر بقتله، لم تكن قصة الخضر وموسى، ولا علمنا هذا الدليل القاطع على أن أفعال الله المتشابهة لها تأويلاتٌ حسنة في العقول، فإنا لم نَجِدْ في السمع دليلاً على ذلك أوضح من قصتهما، فقد حصل بوقوع هذا الشر، وظهوره حجةٌ قاطعة على أن الله لا يريد الشر لنفسه، وإلا لما احتاج الخَضِر إلى تأويل ذلك لموسى، ونحو ذلك من الحكم.
وأما قولهم: إن طلب الإيمان من المؤمن مع رُجحانه نظيرُ طلب تحصيل الحاصل، وطلبه من الكافر مع مرجوحيته مثل طلب تحصيل الممتنع، فمردود.
أما الأول: فلأنَّ الطلب من المؤمن هو الداعي الحامل على الإيمان، فلم يكن طلباً لتحصيل الحاصل، وكيف يقال ذلك ولولا توجُّهُ الطلب إليه لم يُفْعَلْ، ولا كان المطلوب طاعةً، ولا كان مؤمناً أصلاً؟!
وأما الثاني: فقد تقدم في الإرادة أنه يستحيل تعلقها بما عَلِمَ المريد أنه لا يكون، فكيف يتوجه حقيقة الطلب الذي تصحبه الإرادة إلى ما عَلِمَ أنه ليس بحاصل؟ وإنما يتوجه إلى الكفار لفظُ الأمر لقيام الحجة، وغير ذلك مما استأثر الله تعالى بعلمه، لا ما توهمه السائل من إرادته سبحانه أن يبطلوا أقداره الماضية ويعارضوا مشيئته النافذة، وعلمه الحق، والمعتزلي يَفِرُّ من سبق الإرادة، ولا فرق بين سبقها وسبق العلم في وجوب الكائنات مع بقاء الاختيار باعتبار الجهتين.
ولنختم ذلك بنكتة نفيسة، هي سر هذا الكلام كله ولبابه، وذلك أن التعذيب بمجرد الاستحقاق بمنزلة المباح، وهو حقيقة العبث في حقه تعالى،
стр. 2315
لأنه لا يترجَّح إلاَّ بالشهوات والأهواء، ويستحيل وقوعه من الله من غير مرجِّحٍ بالنظر إلى الحكمة، فوجب القول بأن عذاب الكفار المقطوع بوقوعه راجحٌ لحكمةٍ غير الذنوب، وهو قول البغدادية كالمرجِّح لآلام الأطفال والبهائم سواء، لكن الرب أحبَّ أن يضُمَّ إلى تلك الحكمة وقوع العذاب الراجح في نفسه قبل الذنوب بسبب الذنوب على جهة العقوبة عليها، لما في ذلك من صلاح المؤمنين، ومن الغايات الحميدة المجهولة مع ما ذكرته أو علم أن ذلك لا يحسن أو لا يكون أحسن إلاَّ بذلك.
ونظير ذلك إخراجُ آدم من الجنة، فإنه راجحٌ من غير ذنب، لأنه خلق في علم الله خليفةً في الأرض كما نصَّ عليه القرآن، ثم جعل الله ذلك الخروج من الجنة مقدَّراً بسبب الذنب، وعقوبةً عليه لمصالح استأثر الله بعلمها، منها (١): المنُّ على آدم بالتوية وجعله أُسوةً لأولاده، وغير ذلك من امتحان الملائكة وسؤالهم وجوابهم وحكايته في الكتاب، وانتفاع أهل الإيمان بذلك.
ولهذا جاء الحديث الصحيح بأن الرسل والكتب قطعُ عُذْرٍ لا قطع حجة (٢)، والله سبحانه أعلم.
وقد تقدم في الإرادة مجوّداً مبسوطاً فليراجع، وفي الكلام على الأطفال، وإقامة الحجة عليهم ما يُقوِّي ذلك كما سيأتي.
فإن قيل: لو كان الخير هو مقصود الرب الأول مع أنه تعالى على كل شيءٍ قدير، وبكل شيءٍ عليم، وجب أن يكون هو الغالب، ويكون الشرُّ هو النادر، وقد قال الله تعالى: ﴿وقليلٌ مِنْ عِباديَ الشكورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وجاء في الحديث: " أن السَّالِمَ يوم القيامة واحدٌ من ألفٍ " (٣).