← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

المائدة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]. وقد ذكرت في الأقدار في الحكمة في الشرور أنَّ هذه الآية من أبين الدِّلالات على أن كثيراً مما نحسبه خيراً شر عظيم، ألا ترى أن كل أحد يجتهد في وضوح معرفة الآيات الدالة على الله، ويَوَدُّ أن يكاشف بالخوارق ليطمئن قلبه كما سأل ذلك الخليل الذي علم الله سبحانه أنه يستحقه وينتفع به ولا يتضرر كما قال فيه ﴿وكُنَّا به عالمينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وأحدنا لو أُعطيَ ذلك مع ما علم الله من ركوبه الذنوب بعد ذلك كان وسيلةً إلى التنكيل به لما علم الله في عقوبات عبيد السوء من المصالح والغايات الحميدة. ومنه: حديثُ عُبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يُخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رَجُلان، فقال: " خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلةِ القدر فتلاحى رجلان، فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيراً لكم " رواه البخاري في " الصحيح "، ورواه أحمد من طريق محمد بن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس، عن عُبادة، وهو سندٌ صحيح على شرط الجماعة (١). ومما يعضد ذلك مع ما تقدم حديث جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لما عُرِجَ بإبراهيم ﷺ رأى رجلاً يفجُرُ بامرأة، فدعا عليه، فأُهِلك، ثم رأى رجلاً على معصيةٍ، فدعا عليه، فأوحى الله تعالى إليه: إنه عبدي، وإنَّ قَصْرَهُ مني

стр. 2312

ثلاث: إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن يستغفرني فأغفر له، وإما أن أُخْرِجَ من صلبه من يعبدني، يا إبراهيم أما علمتَ أن من أسمائي أنِّي أنا الصبور" رواه الطبراني (١)، وسيأتي. وقد أذكرني هذا قول يحيى بن معاذ ﵁ في قوله تعالى: ﴿فقُولا له قَوْلاً ليناً﴾ [طه: ٤٤]: هذا لطفك بمن قال: أنا الله، فكيف لطفك بمن قال: أنت الله؟ (٢). وفي " الصحيح " أن الله كتب الإحسان على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحْسِنُوا القِتْلَة " (٣)، وهذا في قتل الكافر المعاقب بالقتل. وخرج أحمد (٤) من حديث عُبادة بن الصامت أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال:

стр. 2313

يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: " الإيمان بالله، وتصديقٌ به، وجهادٌ في سبيله "، قال: أريد أهون من ذلك، قال: " السماحة والصبر " قال: أريدُ أهون من ذلك، قال: " أن لا تَتَّهِم الله ﵎ في شيءٍ قَضَى لك ". وله شاهدٌ وطُرُقٌ في " مجمع الزوائد ". ويأتي في أحاديث الأقدار والرِّضا بها ما يُقوي هذا خصوصاً فيما قضاه الله تعالى للمؤمن، وأنه خيرٌ له، كما شهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَعَسى أنْ تَكرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية. فبمجموع هذه الأمور مع صحة قبح إرادة الشر لكونه شَراً يقتضي قيام الحجة على حكمة الله تعالى في كل ما قدَّره، وأنه تعالى مُنَزَّهٌ عن الظلم، بل عن العَبَثِ واللعب الذي لا يضُرُّ أحداً. فيجب القطع بأنَّ جميع ما تكرَهُ العقول من أفعاله وأقداره غيرُ خالٍ عن الحِكَمِ، والمصالح، والغايات والحميدة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى للملائكة: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تعلَمُون﴾ [البقرة: ٣٠] فلو لم تكن المصالحُ مراعاة في أفعاله ما سألت عن ذلك الملائكة، ولا كان الجواب عليهم بسعة العلم.

стр. 2314

وقصةُ موسى والخضر صريحةً في ذلك كافية لمن كان له أدنى حظ من عقل أو إيمان، ولا يقال: هلاَّ ترك الله خلق الغلام الذي أمر الخَضِر بقتله، لأنه سبحانه لو ترك ذلك وأمثاله لم يكن شيءٌ من الشرور والابتلاء، وإنما كلامنا في أن الحكمة الخفية اقتضت ذلك لما يُعلَمُ ولما لا يُعْلَمُ. ألا ترى أن الله تعالى لو لم يخلُقِ الغلام، ويأمر الخضر بقتله، لم تكن قصة الخضر وموسى، ولا علمنا هذا الدليل القاطع على أن أفعال الله المتشابهة لها تأويلاتٌ حسنة في العقول، فإنا لم نَجِدْ في السمع دليلاً على ذلك أوضح من قصتهما، فقد حصل بوقوع هذا الشر، وظهوره حجةٌ قاطعة على أن الله لا يريد الشر لنفسه، وإلا لما احتاج الخَضِر إلى تأويل ذلك لموسى، ونحو ذلك من الحكم. وأما قولهم: إن طلب الإيمان من المؤمن مع رُجحانه نظيرُ طلب تحصيل الحاصل، وطلبه من الكافر مع مرجوحيته مثل طلب تحصيل الممتنع، فمردود. أما الأول: فلأنَّ الطلب من المؤمن هو الداعي الحامل على الإيمان، فلم يكن طلباً لتحصيل الحاصل، وكيف يقال ذلك ولولا توجُّهُ الطلب إليه لم يُفْعَلْ، ولا كان المطلوب طاعةً، ولا كان مؤمناً أصلاً؟! وأما الثاني: فقد تقدم في الإرادة أنه يستحيل تعلقها بما عَلِمَ المريد أنه لا يكون، فكيف يتوجه حقيقة الطلب الذي تصحبه الإرادة إلى ما عَلِمَ أنه ليس بحاصل؟ وإنما يتوجه إلى الكفار لفظُ الأمر لقيام الحجة، وغير ذلك مما استأثر الله تعالى بعلمه، لا ما توهمه السائل من إرادته سبحانه أن يبطلوا أقداره الماضية ويعارضوا مشيئته النافذة، وعلمه الحق، والمعتزلي يَفِرُّ من سبق الإرادة، ولا فرق بين سبقها وسبق العلم في وجوب الكائنات مع بقاء الاختيار باعتبار الجهتين. ولنختم ذلك بنكتة نفيسة، هي سر هذا الكلام كله ولبابه، وذلك أن التعذيب بمجرد الاستحقاق بمنزلة المباح، وهو حقيقة العبث في حقه تعالى،

стр. 2315

لأنه لا يترجَّح إلاَّ بالشهوات والأهواء، ويستحيل وقوعه من الله من غير مرجِّحٍ بالنظر إلى الحكمة، فوجب القول بأن عذاب الكفار المقطوع بوقوعه راجحٌ لحكمةٍ غير الذنوب، وهو قول البغدادية كالمرجِّح لآلام الأطفال والبهائم سواء، لكن الرب أحبَّ أن يضُمَّ إلى تلك الحكمة وقوع العذاب الراجح في نفسه قبل الذنوب بسبب الذنوب على جهة العقوبة عليها، لما في ذلك من صلاح المؤمنين، ومن الغايات الحميدة المجهولة مع ما ذكرته أو علم أن ذلك لا يحسن أو لا يكون أحسن إلاَّ بذلك. ونظير ذلك إخراجُ آدم من الجنة، فإنه راجحٌ من غير ذنب، لأنه خلق في علم الله خليفةً في الأرض كما نصَّ عليه القرآن، ثم جعل الله ذلك الخروج من الجنة مقدَّراً بسبب الذنب، وعقوبةً عليه لمصالح استأثر الله بعلمها، منها (١): المنُّ على آدم بالتوية وجعله أُسوةً لأولاده، وغير ذلك من امتحان الملائكة وسؤالهم وجوابهم وحكايته في الكتاب، وانتفاع أهل الإيمان بذلك. ولهذا جاء الحديث الصحيح بأن الرسل والكتب قطعُ عُذْرٍ لا قطع حجة (٢)، والله سبحانه أعلم. وقد تقدم في الإرادة مجوّداً مبسوطاً فليراجع، وفي الكلام على الأطفال، وإقامة الحجة عليهم ما يُقوِّي ذلك كما سيأتي. فإن قيل: لو كان الخير هو مقصود الرب الأول مع أنه تعالى على كل شيءٍ قدير، وبكل شيءٍ عليم، وجب أن يكون هو الغالب، ويكون الشرُّ هو النادر، وقد قال الله تعالى: ﴿وقليلٌ مِنْ عِباديَ الشكورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وجاء في الحديث: " أن السَّالِمَ يوم القيامة واحدٌ من ألفٍ " (٣).

стр. 2316

فالجواب: أن السائل غفل عن النظر إلى جميع المخلوقات، ولم يذكر الا الجن والإنس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، بل قال تعالى في الحجارة: ﴿وإنَّ مِنْها لما يَهْبِطُ من خَشيةِ الله﴾ [البقرة: ٧٤]، ودخول حرف التأكيد، وتخصيص بعضها ينافي التأويل مع بطلان موجبه كما هو مقرَّرٌ في موضعه. وإنما تأوَّلوا ذلك بأنه مجاز بمعناه (١) الحقيقي أن الله تعالى يُهْبِطُها بقدرته، ويُصَرِّفُها بمشيئته، وذلك يستلزم أنها تهبِطُ من خشية الحَجَّارين، بل من خشية المعاول والفُؤوس مجازاً، وهذا يُبطل ما سِيقَتْ له الآية من كون هذه الحجارة المخصوصة أرقَّ من قلوب أولئك، لأن قلوبهم مثل هذه الحجارة في هذا المعنى المجازي، فإخبار أحكم الحاكمين بما يرجع حاصله إلى مثل هذا المعنى المعلوم قبل الخبر بذلك بعيدٌ. وقد صحَّ حنين الجذع لفقد الذكر، وضمُّ رسول الله ﷺ له حتى سكن، وتعليل رسول الله ﷺ له بالضَّمِّ دليل وَجْده حقيقةً (٢).

стр. 2317

وكذا صح أن رسول الله ﷺ قال في أحد: " إنه جَبَلٌ يُحبُّنا ونُحِبُّه " (١). وقال موسى ﵇: " ثوبي حَجَرُ، ثوبي حجر، ثوبي حجر "، وضرب الحجر حين فرَّ ثوبه (٢).

стр. 2318

وسبَّحت الجبال مع داود بالنص (١). وقال الله تعالى في الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥] وجوَّد الرازي تفسيرها في " مفاتح الغيب " (٢)، ورد على المبتدعة تأويلها. وقد بسطت هذا في " الإجادة " (٣). ومنه: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعينَ﴾ [فصلت: ١١]، وأبعد من ذلك كله عن التأويل ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] وفي " النهج " (٤) تقريرها عن علي ﵇. ففي هذه الآية تفضيل هذه المخلوقات في اختيارها على الإنسانِ، وتأويلُها

стр. 2319

بمجرد التخيل، والجزم بذلك ينافي بلاغة الكتاب العزيز، وجزالته، وبُعده عن الهزل، ورفعته، والذي جرَّأ من تأوَّل هذه الأشياء ظَنُّ العلم ودعواه ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاَّ قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] وقد بسطتُ الكلام في هذه المسألة في غير هذا الموضع، ولله الحمد. وقال تعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، والأحاديثُ طافحة في ذلك، وقصة (١) النملة وكلامها مع سليمان ﵇، وقصةُ الهُدهُد تُغني عن التطويل بذكر الأخبار في ذلك. وقد جاء في كثرة الملائكة من الآثار ما لا يتَّسِعُ له هذا الموضع، ممن ذكره ابن كثير في أول " البداية والنهاية " (٢). قال ابنُ قيم الجوزية في " الجواب الكافي " (٣): ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما من حركات (٤) الأفلاك، والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنباتِ، وحركات الأجنَّة في بُطون أمهاتها، فإنها بواسطة الملائكة المدبِّرات أمراً، والمُقَسِّمات أمراً، كما دلَّ على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضعٍ، والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة (٥)، فإن الله وَكَّلَ بالرحم ملائكةً، وبالقَطْر ملائكةً، وبالنَّبات ملائكة، وبالروح والأفلاك والشمس والقمر والنجوم، ووكَّل بكل عبدٍ أربعةً: كاتِبَيْنِ عن يمينه وشماله، وحافِظَيْنِ من بين يديه ومن خلفه، وملائكةً تَوَلَّى قبض روحه وتجهيزها إلى مُستقرِّها من جنةٍ أو نار، وملائكةً موكَّلةً بمساءلته وامتحانه في قبره وعذابه أو

стр. 2320

نعيمه، ووكَّل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكة، ووكَّل بغرس الجنة ملائكة إلى آخر ما ذكره في ذلك، وأحال به إلى كتابه الذي صنفه في أقسامِ القرآن العظيم (١). وخرَّج الهيثمي (٢) من حديث أبي أُمامة قال رسول الله ﷺ : " وُكِّلَ بالمؤمن تسعون ومئة مَلَكٍ يَذُبُّون عنه ما لم يُقَدَّرْ عليه، [من ذلك: البصر تسعة أملاك] يذُبُّون عنه كما تذُبُّون عن قصعة العسل الذباب في اليوم الصائف، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل جبلٍ وسهلٍ، كلُّهم باسط يديه فاغِرٌ فاه، وما لو وُكِلَ العبد إلى نفسه طَرْفَةَ عينٍ خَطِفَتْهُ الشياطين " انتهى من حديث عُفير بن معدان. وفي الحديث: " أنه يدخل البيت المعمور في السماء من الملائكة كل يوم سبعون ألف ملكٍ لا يعودون إليه أبداً " (٣).

стр. 2321

وفيه: " أنه ليس في السماء موضع أربع أصابع إلاَّ عليه ملكٌ ساجدٌ " رواه الترمذي وأحمد (١). فالسائل غَفل عنهم، وعن سائر المخلوقات الكثيرة المعلومة كالجراد والحِيتان والذَّرِّ وما لا يُحصى والمجهولة المشار إليها بقوله: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. وقد نسب الله تعالى السجود إلى الشمس والقمر والنجوم والشجر والدوابِّ، وهو السجود الحقيقي كما يذهب إليه أهل السنة بدليل عطفه عليه كثيراً من الناس، ولو أراد المجازي لعطف الناس جميعاً.

стр. 2322

فإذا نظرتَ إلى ذلك عرفت أنَّ الشر الذي هو معصية الله بالنظر إلى طاعته كالقَطْرةِ من البحر، وأن الخير في مملكة الرب تعالى هو المقصودُ بأنه قد وقع كما أراد العزيز القدير الذي إذا أراد شيئاً، فإنما يقول له: كُنْ فيكونُ، هذا مع ما في نجاة الواحدِ من ألفٍ من عظيم المَسَرَّة عنده، والنعمة عليه في ذلك والسرور به معلومة، وكَمْ بين ذلك وبين فرحته بالسلامة، ولا هالك ألبتة، بل لعله لا يجد للسلامة موقعاً خصوصاً. وقد جاء في الحديث المُتَّفق على صحته " أن الهلاك من يأجوجَ ومأجوج، ومن لا حَظَّ له في الإسلام " (١) فلا يُنكر تمام نعيم الأولياء وتكميله بعذابٍ عدد التراب من أعدائهم المستحقِّين للانتقام منهم بما ظلموا المؤمنين، وكفروا بربِّ العالمين. ولا فرق بين نفع ألف ولي بعذاب عدوٍّ لهم ظالم متعدٍّ عليهم مستحقٍّ

стр. 2323

للعذاب، وبين نفع وليٍّ واحد بعذاب ألف ظالم من أعدائه المستحقين عظيمَ الانتقام منهم، بل تظاهُرُ الكثير من المُبطلين على الأقلين من المُحقين أدْعَى إلى التنكيل بهم، وأشفى لقلب المؤمن المتألم منهم، حيث لم يشكروا نعمة القوة والكثرة والتمكين، وبدَّلوا ما يجب من شكرها بنصر المظلوم بِشَرٍّ بَدَلٍ من انتهاك (١) حُرمةِ المستضعفين من أولياء رب العالمين. وقد نصَّ الله تعالى على أنه يُريد بعذابهم في الدنيا بالعذاب الأدنى، وهو الحربُ والقتل نصر المؤمنين وإذهاب غيظهم، وشفاء صدورهم، وربُّ الدارين واحد، وحكمته فيهما واحدة بل قد نصَّ على ذلك حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. وسيأتي ما ورد في كتاب الله تعالى من ذلك حيث ذكرنا الوجه في ترجيح عذاب الكفار على العفو عنهم مع أن العفو أحبُّ إلى الله تعالى في كتبه وشرائعه، وأنه لا يتركُ العفو حيث يكون راجحاً، إلاَّ أن يكون في الانتقام مصلحةٌ راجحة من إنصاف مظلوم، أو سرور محبوب، أو نحو ذلك. قالت البصريةُ من المعتزلة: إرادةُ الإضرار بهم لمصلحة غيرهم ظلمٌ قبيح. قلنا: ممنوعٌ لصدوره من المالك العدل الحكيم، فيجبُ الجزمُ بالحسن، وإن خَفِيَ وجهُه على أنه غيرُ خافٍ. فقد قدمنا إطباق العقلاء على فعله واستحسانه في التلذُّذ بما ليس له ذنب من الحيوان لخساسته بالنظر إلى المنتفع به، فكيف تلذُّذ المؤمن أو كمال لذته بعذابٍ مُستحَقٍّ على عدوِّه مع مصالح في ذلك، وغاياتٍ حميدة لا يعلمها إلا الله تعالى. والمعترض قد أجاز الإضرار بالعذاب الدائم بمجرد إباحته من غير نظرٍ إلى

стр. 2324

مصلحة، فأجاز العبث واللَّعِب، ومَنَعَ الراجح الواجب، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٦]. ففي هذه الآية إشارةٌ إلى أنه لا يجوزُ العفوُ عن جميعهم مع جواز العفو عن بعضهم مع أن ذنبَهُم واحدٌ، وذلك مشعِرٌ بأنه سبحانه علم أن [في] تعذيب بعضهم بذنبه صلاحاً، وفي العفو عن جميعهم فساداً، وهو العليمُ الحكيمُ . ومع معرفة السر في عذاب الكافرين يعُظُم الرجاء للمسلمين حيث لم يكن في عذابهم نصرٌ للأنبياء والمرسلين والصالحين، بل هم شفعاؤهم وأحبَّاؤهم، ولذلك يقول الله تعالى: " شَفَعَتِ الملائكةُ، وشفع النبيُّون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلاَّ أرحم الراحمين، فيخرجُ من النار مَنْ ليس في قلبه خيرٌ قَطٌّ ممن قال: لا إله إلاَّ الله " (١) كما ثبت في " الصحيح ". وكذلك ورد في "صحيح مسلم" " أن الله يُعطي كُلَّ مسلمٍ يهودياً أو نصرانياً، فيقول هذا فداؤُك من النار " (٢)، وهو ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْناهُ

стр. 2325

بِذِبْحٍ عَظيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] في الخروج بذلك من الخُلْفِ في الوعيد مع أن الخلف في الوعيد يسمى عفواً لا خُلْفاً، ويحسُنُ عقلاً وسمعاً كما ورد الأمرُ به في اليمين على ما غيره خيرٌ منه، وأجمعت الأمة على استحباب الحِنْثِ فيه، وإنما ينقُصُ صاحبه متى عجز عن تنفيذ الوعيد. ومع حُسنِه عقلاً لا سمعاً (١)، فإنَّ الله تعالى لا يفعله إلاَّ بتأويلٍ، كما ورد في الفِداء بالكافر، لأنه تعالى يفعلُ من كُلِّ حَسَنٍ أحسنه. وهذا وجهٌ منصوص في الحكمة في خلق الكفار ليكونوا فِداءً لعُصاة المسلمين من النار، وهو حديثٌ صحيح على شرط الجماعة، فإنه خرجه مسلم من طرقٍ عن قتادة أنه قال: إن عوناً -يعني: ابن أبي جحيفة- وسعيد بن أبي بُردَةَ كلاهما حدَّثاه: أنهما شَهِدَا أبا بُردةَ يُحَدِّثُ عمر بن عبد العزيز، عن أبيه أبي موسى، عن النبي ﷺ بذلك. وكل رجاله مُجمعٌ عليهم في كتب الجماعة، وقتادة صرَّح بالسماع، فلا يُخاف من تدليسه. على أن أحمد بن حنبل رواه (٢) في " المسند " من غير هذه (٣) الطريق. قال أحمد: حدثنا أبو المُغيرة النضر بن إسماعيل القاصُّ، حدثنا بُرَيدُ بن عبد الله بن أبي بُردة، عن جدِّه أبي بردة به. وخرجه أحمدُ أيضاً من طريقٍ ثالثةٍ عن محمد بن سابق، عن الربيع النصري، عن مُعاوية بن إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه. وخرجه أيضاً من طريق مسلم لكن: عن المَسْعودي، عن سعيد بن أبي بردة. وخرجه الحاكم في كتاب الإيمان من " المستدرك " بلفظ مُفَسَّرٍ أحسن من

стр. 2326

لفظ مسلم -وفي بعض إسنادٍ آخر يُقوي إسناد (١) مسلم (ح) -: وأخبرني أبو بكرٍ الفقية، هو ابن إسحاق، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا عُبيد (٢) الله بن عمر القواريري، حدثنا حَرَمي (٣) بن عمارة، حدثنا شدَّاد بنُ سعيد أبو طلحة. فقال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عثمان (٤) الآدمي، حدثنا أبو قلابة، حدثنا حَجَّاج بن نصير، حدثنا شدَّاد (٥) بن سعيد أبو طلحة الراسبي (٦) عن غَيْلان بن جَريرٍ، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، قال: قال (٧) رسول الله ﷺ : " تُحْشَرُ هذه الأمة على ثلاثة أصناف: صنفٍ يدخُلُون الجنة بغير حسابٍ، وصنفٍ يُحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة، وصنف يجيئون على ظهورهم أمثال الجبال الراسيات (٨) ذُنوباً، [فيسأل الله عنهم -وهو أعلم بهم- فيقول: ما هؤلاء؟ فيقولون: هؤلاء عبيد من عبادك] فيقول الله: [حطوها عنهم و] (٩) اجعلوها على اليهود والنصارى، وأدخلوهم برحمتي ".

стр. 2327

قال الحاكم: صحيحٌ من حديث حرمي (١) على شرطهما (٢)، فأمَّا حجَّاج، فإني قَرَنْتُه إلى حرمي (٣) لأني عَلَوْتُ فيه (٤). انتهى. وشواهده في تقسيم أهل الجنة إلى ثلاثة أقسام كثيرةٌ في القرآن والتفسير والحديث، وهذا موضع ذكرها، فصحَّ الحديث صِحَّةً لا ريب فيها. ويدل على صحة هذا الاعتبار ما ذكره الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] قال: أي لا يُؤْخَذُ منها فِديةٌ، لأنها معادلة للمفدى، ومنه الحديث: " لا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ " (٥) أي: توبة ولا فِدية. انتهى كلامه. والمقصود منه الحجة على أن الفدية في اللغة تقومُ مقام المَفْدي، وقد قدمنا إطباق العقلاء عليه بالفطرة، وهذه الآية عند أهل السنة في الكفار بالأدلة الواضحة، والنصوص البيِّنة، ولله الحمد والمنة. ومن ذلك ما ورد من أن الله تعالى لا يُبالي بالكافرين في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، وكذا جاء في الحديث " ذكر حُثالة لا يَعْبَأُ الله بهم " (٦)، وكذا قوله: " إلى النارِ ولا أُبالي " كما سيأتي بطرقه

стр. 2328

ومعناه في أحاديث الأقدار. وقد ذكر ابن تيمية وأصحابه أن الانتصار للمؤمنين بعذاب الكافرين لا ينافي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وستأتي الإشارة إلى كلامهم في ذكر الحكمة في تقدير الشرور. والذي نراه التسليم لقوله : ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] مع الطمأنينة والجزم بحكمته في جميع أفعاله، ورجحان جميع ما فعله، ووجوب الحمد والثناء على كل ما فعله، والجزم بأنه لا يصح منه تعالى وقوع العبث، ولا اللعب، ولا المباح، لأنه منه بمنزلة العبث منا، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. الوجه الثاني: من الجواب على أصل السؤال: أن الداعي إما أن يكون غيرَ موجب، كما يقوله بعض المعتزلة فلم (١) يرد السؤال، وإن كان موجباً على معنى وجوب الاستمرار مع بقاء الاختيار، فإمَّا أن يدلُّ الدليل على أن ذلك مسقط للتحسين والتقبيح كان أولى من كان حجة له هو سبحانه الذي لا يُسألُ عما يفعل وهم يُسألون، والذي لا تطرَّق إليه التُّهم بفعل القبيح لغناه عنه، وعلمه الذاتي بكلِّ شيءٍ، فإنه سبحانه هو الذي لا تهتدي العقول إلى التحسين في حقه لعلمه ما لا نعلم من وجوه (٢) الحكمة. فإذا دلَّ العقل على سقوط التقبيح والتحسين في حقِّنا لأجل أمرٍ هو بعينه قائمٌ في حقه تعالى، كان على سقوط ذلك في حقه أدل، وذلك لأنه

стр. 2329

سبحانه لا يفعل إلاَّ بالداعي الراجح قطعاً كما يأتي في مسألة الأطفال. وإن كان الداعي الموجب غير مُسقطٍ للتحسين والتقبيح واللوم، لم يَرِدِ السؤال، وهذه قسمةٌ دائرة معلومة الصحة، وهو جوابٌ صحيح. الثاني: وعوَّل الفخر الرازي في وجوب أفعال الله سبحانه مع بقاء الاختيار، ذكره في مسألة الإرادة، وجعل وجوبها بالإرادة لا بالدواعي، لأنه لا يقول بها في حق الله تعالى، ولا محيص له عنها. الوجه الثالث: أن السمع قد دلَّ دلالةً قاطعة، بل ضرورية على أن الله تعالى أقام الحجة على خلقه، ورجَّح لهم الطاعة على العصيان، وأيُّ ترجيحٍ أبلغ مما وعد به على طاعته من عظيم ثوابه، وتوعَّد به على عصيانه من أليم عقابه، والعلم بصحة السمع لا يتوقَّف على كون الداعي مُسقطاً للذَّمِّ والعقاب، مُبطلاً للتحسين والتقبيح، فيصح الاحتجاج بالسمع على أنه غير مبطلٍ لذلك، والعلم الضروري بورود السمع بذلك حاصلٌ جُملةً وتفصيلاً. أما الجملة: فوروده بالذم والمدح، والأمر بالنهي، وكفى في هذا المقام بقوله : ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]. وأما التفصيلُ، فدلالتُه على أنه كُلِّف باليسير، وأُمِرَ بالتيسير، والعلم الضروري حاصلٌ بذلك أيضاً، ولكن نتبركُ بذكر شيءٍ من النصوص على ذلك. قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وفي آية ﴿إلاَّ ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧].

стр. 2330

وقال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم: ٤٦] وكرَّرها في غير سورةٍ بالتأكيد لهذا المعنى. بل صرَّح القرآن الكريم بأنه سبحانه سمح من الممكنات ما يشُقُّ كقوله: ﴿ما جَعَلَ عليكُم في الدِّين مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿يُريدُ الله بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُريدُ بكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿الله لَطيفٌ بعبادِه﴾ [الشورى: ١٩]. وقد ذكرت جملةً شافيةً مما ورد في هذا المعنى من السنة النبوية والآثارِ الصحابية في تأليفٍ مفردٍ، ولله الحمد. وسمع تلك الأخبار والآثار جميعُ العقلاء والنُّظَّار من المسلمين والكفار في خير الأعصار، فلم يعترضوها، ولا اعترضوا ما وافقها من السنن المستفيضة، مثل حديث أبي هريرة الصحيح المرفوع في خلق الخلق على الفطرة حُنفاء، " وأنَّ كل مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، وإنما أبواه يُهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه " (١). بل القرآن الكريم ناطقٌ بذلك، قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ الله الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ [الروم: ٣٠]. وسمع العقلاء هذه الآية الكريمة فما أنكرتها عقولهم، ولا ادَّعوا فيها أنها من المتشابه. ثمَّ ما جاء من وصف هذه الشريعة بأنها الحنيفية السهلة السمحة (٢)، ومطابقة هذه النصوص لِفِطَر العقول كلها غير من مَرِضَ قلبه بداء الكلام، وخاض فيما يستحيل دَرْكُه بالأفهام، وعارض الفِطَرَ العقلية والنصوص الشرعية الجليَّة الضرورية بمجرد الافتراء على المعقول أنه يجزم (٣) حيث تساوي

стр. 2331

الدواعي على استحالة ترجيح القادر لأحد مقدوريه بالاختيار، وهذه الدقيقة هي التي أعيت أذكياء النُّظار، كما يأتي في كلام الفرقة الرابعة من أهل المرتبة الخامسة. وما أحسن قول الرازي في وصيته (١) في مثل ذلك: وأما ما انتهى الأمر فيه (٢) إلى الدقة والغموض، فعلى ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق عليها، إلى آخر ما ذكره. وذكر ابن عبد السلام في " قواعده ": إن البصيرة مثل البصر وإن ما خَفِيَ فيها لم يَزِدِ النظرُ فيه إلاَّ حيرةً، كما أن ما خَفِيَ على البصر لم يزد التحديقُ إليه إلا كلالاً، على أن أدنى تأمُّل يَهْجُمُ باليقين في ذلك على المنصف، فإن الداعي إلى طاعة الله أرجح في العقل الذي إليه الترجيح عند التعارض من الدواعي إلى العصيان، وكذلك الصوارف. فلا أعظم داعياً إلى الطاعة من طيب العَيْشِ في الدَّارَيْن، وقرة العين بالرضا بالقضاء، والخلود في الجنة، وحلول رضوان الله، والإيمانِ من سخط الله ومن جميع المكاره، وقد رأينا حرص الحيوان على هذه الحياة العاجلة المكدرة كما قيل: فما رَضِيَتْ بالموتِ كُدُرٌ مَسِيرُها ... إلى الماء خمسٌ ثم يَشْرَبْنَ مِنْ أجْنِ (٣)

стр. 2332

فكيفَ بالنعيمِ المُقيم في جوار الرحمن الرحيم، العليِّ العظيم، الجواد الكريم، مع النبيين والشهداء والصالحين وحسُنَ أولئك رفيقاً. ولا أعظم صارفاً من المعصية من غضب الله وعذابه، وخوف حلول جميع أنواع البلاء عاجلاً وآجلاً إلى ما لا يمكن تقصِّي القول فيه. فمن أراد التنبيه على شيءٍ من ذلك فعليه بتأمُّل كتاب الله، وصحيح سنة رسول الله ﷺ . ومن أحسن مَنْ جَمَعَ في ذلك ابن قيم الجوزية تلميذُ شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنه استمدَّ، وذلك في كتاب له سماه " الجواب الكافي " فرحمه الله، لقد جوّد في الزجر عن المعاصي، وأجاد وأبدع، وأفاد وأمتع، وجاء بما لم يُسبق إلى مثله. وبالجملة، فلا خلاف بين العُقلاء من المسلمين وغيرهم في هوان قدر الدنيا وشهواتها، وعظم مقدار الآخرة عند المسلمين، وهذا مما لا نِزاع فيه بالنسبة إلى الحقيقة والأمر الخارج. وأما خطورُ هذه الأشياء بالبال، واستحضارها في الخاطر، وما يترتب على ذلك من آثارها على اختيار العبد خصوصاً في أول أحوال التكليف، ولا يلزم من هذا أن لا يسبق ذلك المشيئة والقَدَرُ عند أهل السنة كما لا يلزم أن يسبق ذلك العلم عند الجميع. وكذلك لا يلزم من سبق هذه الأمور نفي الاختيار في أفعال العباد عند أهل السنة، كما لا يلزم من سبقها نفي اختيار الرب تعالى مع تعلق العلم والإرادة والقدر بأفعال الله تعالى إجماعاً، والاختيار وسبق القدر مثل البناء والأساس،

стр. 2333

لا بد من إثباتهما معاً كما قال الخطابي، وكما يأتي واضحاً في مسألة الأقدار قريباً إن شاء تعالى. فإن فكر العبد، وتذكر، واستعان بربه سبحانه، واختار طاعته، اهتدى وزاده هدى، كما قال تعالى: ﴿والذين اهتَدَوْا زَادَهُم هُدىً وآتاهُمْ تَقْوَاهُم﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿والذين جاهَدُوا فِينا لَنَهدِينَّهمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وهذه الآيات الكريمة تفرق بين الهُدى الاختياري وهو الأول، وبين الهدى الاضطراري وهو الثاني الذي وقع جزاءً على الأول. وإن ترك العبد الفكر والنظر في ترجيح دواعي الطاعة واستحضارها، وترك الاستعانة بربه سبحانه لم يُعَجِّل عليه في أول ذنب بالعُقوبة إن شاء الله تعالى حتى يظهر فيه آثار أسمائه الحسنى، لما ورد في القرآن والسنن الصحاح المستفيضة من إرادته السابقة سُبحانه في المذنبين أن يغفر لهم، ويُقيم حجته عليهم كما مر تقريره في مسألة الإرادة. فإن شكر العبدُ نعمة ربه في عفوه عنه بإمهاله بعد ذنبه حتى مكَّنه من التوبة، وذكَّره ذلك، قَبِلَه ربه ، وإن تمادى في عصيانه ولم يشكر نعمة ربه في إمهاله وغفرانه، فإن (١) وَكَلَه إلى نفسه وعامله بعدله، وعاقبه على سوء اختياره، خَذَلَه، وسَلَبَه ألطافه كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال: ﴿وما يُضِلُّ به إلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] وأمثالها. وإن أراد أن يمُنَّ عليه ويرحمه، عطف عليه باللطف والهدى من بعد كما بدأه بذلك من قبل، وكما في حديث " لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون، فيغفرُ لهم " (٢)، واختص من شاء بعطفه كما اختص بالخلق من يشاء،

стр. 2334

وبالتكليف من يشاء، وبالملك من يشاء، وبالعلم من يشاء، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، قال الله تعالى في عطفه بعد أعظم العصيان، وأفحش الكفران: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥١ - ٥٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٢٦ - ٢٧]، وقال: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤]، وقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦]، وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. ثم إن الله تعالى بعد ترجيح العاصي للعصيان باختياره الموافق لعلم الله وقدره ومشيئته لا يزال سبحانه يفعل من مُرَجِّحات الطاعة والموقظات عن الغفلة ما يُؤكِّد الحجة البالغة، ويُجَدِّدها تفضُّلاً منه سبحانه تارةً بما يفعله من الأمراض كما قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦]، وتارة بما يُريهم من مصارع آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وجيرانهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]. وتارة بما يقرع أسماعهم من مواعظ الله وحججه على ألسنة أنبيائه وأوليائه، فلا يزال يقابل الدواعي إلى معصيته بالدواعي إلى طاعته، والعاصي لا يزداد إلاَّ تمادياً على سوء اختياره، وطول غفلته كما شكاه نوحٌ ﵇ من قوله، ولذلك عظَّم الله شأن التذكر والموجب (١) للترجيح، وقال في

стр. 2335

غير آية: ﴿لَعَلَّهُم يذَّكَّرون﴾ أي: لمحبته ذلك لهم، وطلبه منهم عند أهل السنة كما مضى. وقال في الغافلين: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وتأمَّل قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أضَلُّ﴾ فإنه يدلُّ على أن الله تعالى مكَّنهم من اختيار الصواب بخلاف الأنعام. وسيأتي ذكر إجماع أهل السنة على أن الله سبحانه ... (١) إلى العبد رحمةً من الله وعدلاً، وحكمةً بالغة لا عجزاً عن هداية من ضل كما يُلْزِمُ أكثر المبتدعة، ومع ذلك، فإن اختيار العبد لا يقع إلاَّ مُوافقاً لعلم الله وقدره ومشيئته، كما أن اختيار الرب لا يقع إلاَّ كذلك ولم يقتضِ ذلك نفي اختياره . وكما أن سبق العلم عند المعتزلة وسائر العُقلاء لا يستلزم نفي الاختيار، فكذلك سبق المشيئة والقضاء والقدر عند أهل السنة، وقد مضى في مسألة الإرادة بيان ما تحتمله العقول من معرفة وجوه الحكمة في ذلك، وما الصحيح فيه أنه من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلاَّ الله تعالى. ويأتي في الكلام على الحكم في تقدير الشر، وطرفٍ صالح من ذلك في مسألة الأقدار إن شاء الله تعالى. المرتبة الرابعة: وجوب الأفعال مع بقاء الاختيار بالنظر إلى تقدُّم القضاء والقدر والعلم والكتابة والقول ونحو ذلك، والمقصود بهذه المرتبة يَتِمُّ إن شاء الله تعالى بذكر خمس فوائد. الفائدة الأولى: فيما وَرَدَ من النهي عن الخوض في القَدَرِ وبيان مرتبة ذلك من الصحة في بيان معناه. والوارد في ذلك عموم وخصوص، أمَّا العموم، فكل

стр. 2336

ما يمنع من الخوض فيما لا يُعلم من نحو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ويأتي الكلام على حكمة الله تعالى في تقدير الشرور، وفيه ذكر حكمته في ذلك، وأما الخوض فجملة ما عرفته في ذلك عشرة أحاديث. الحديث الأول: ما خرجه الترمذي (١) من حديث أبي هريرة أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتنازع في القدر، فقال: " أبهذا أُمِرْتُم أم بهذا أُرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه ". قال الترمذي: هذا حديثٌ غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه من حديث صالح المُرِّيِّ، وله غرائب ينفرد بها، ولا يُتابَعُ عليها، وفي الباب عن عمر (٢) وعائشة (٣) وأنسٍ (٤).

стр. 2337

الحديث الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يومٍ والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تَفَقَّأ في وجهه حبُّ الرمان من الغضب، فقال لهم: " ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم ". خرَّجه أحمد بن حنبل في " المسند " من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١). وفي هذا الطريق خلافٌ بين الحُفَّاظ كثيرٌ شهيرٌ. الحديث الثالث: عن ثوبان مرفوعاً (٢). رواه الطبراني، وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي، قال ابن عَدِي: لا بأس به، ولكن قال الهيثمي والنسائي: إنه متروكٌ (٣).

стр. 2338

الحديث الرابع: عن أبي الدرداء مرفوعاً (١)، رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن يزيد بن آدم، قال أحمد: أحاديثُه موضوعة (٢). الحديث الخامس: عن ثوبان أيضاً (٣). خرَّجه الطبراني بإسنادِ حديثِ ثوبان السابق، وجعلهما حديثين، وفي هذا زيادة الأمر بالإمساك عند ذكر الصحابة. الحديث السادس: عن ابن مسعود مرفوعاً " إذا ذُكِرَ أصحابي فأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا ". رواه الطبراني (٤)، وفيه مُسْهِرُ بن عبد الملك، وثَّقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف، وبقيتهم رجال الصحيح! قاله الهيثمي (٥). الحديث السابع: عن أنس مرفوعاً (٦)، رواه أبو يعلى، وفيه يوسفُ بن

стр. 2339

عطيَّة، وهو متروك. الحديث الثامن: عن أبي هريرة مرفوعاً، " أُخِّرَ الكلامُ في القدر لشرار هذه الأمة ". رواه البزار (١)، والطبراني في " الأوسط " وقال: " أشرارُ أمتي في آخر الزمان ". قال الهيثمي: ورجالُ البزار في أحد الإسنادين رجال الصحيح غير عمر بن أبي خليفة، وهو ثقة. الحديث التاسع: عن ابن عباس مرفوعاً، " اتقوا القدر فإنه شُعبة من النصرانية " (٢)، رواه الطبراني، وفيه نزار بن حيَّان، وهو ضعيف، وهو يفيد النهي عن القدر نفسه لا عن الكلام فيه. الحديث العاشر: عن أبي رجاء العُطاردي قال: سمعت ابن عباس يقول وهو على المنبر: قال رسول الله ﷺ : " لا يزال أمر هذه الأمة قِوَاماً أو مقارباً ما لم يتكلموا في الوِلْدانِ والقدر " (٣). رواه البزار والطبراني في " الأوسط " و" الكبير "، وقال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح، أخرجه الذهبي في " تذكرته " (٤) في ترجمة محمد بن حبان صاحب " الصحيح " عنه، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، أخبرنا يزيدُ بن صالح اليشكري ومحمد بن أبان الواسطي قالا: أخبرنا جريرُ بن حازم، قال: سمعت أبا رجاء العطاردي، وساق الحديث.

стр. 2340

قال الذَّهبي: هذا حديث صالح الإسناد غريب لم أجده في الكتب الستة. قلتُ: رواه الحاكم في " المُستدرك " من طريق سليمان بن حرب، وشيبان بن أبي شيبة، ويزيد بن صالح، ومحمد بن أبان أربعتهم عن جرير بن حازم، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، وقال: على شرطهما، ولا نَعْلَمُ له علةً. وقد رواه السبكي موقوفاً على ابن عباس (١)، ولم يذكر رفعه، فإذا سَلِمَ من الإعلال برُجحان الوقف كان أصلحها إسناداً. ومعنى هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى: التحذيرُ من مجاراة المبتدعة في القَدَرِ، والجدل بغير علم، وبغير حقٍّ المؤدي إلى الباطل، وإثارة الشر كما هو الظاهرُ من حديث أبي هريرة، وهو قوله ﷺ : " أُخِّرَ الكلام في القدر لشرارِ أُمتي في آخر الزمان " فهذا الذي أُخر هو الخوض فيه على أحد هذه الوجوه (٢) الفاسدة. فأمَّا الخوض فيه على جهة التعرف والتعلم لما جاءت به الشريعة، ثم الإيمان به على الوجه المشروع، فإنه لم يؤخر هذا لشرار الأمة، بل قد تواتر أن أصحاب رسول الله ﷺ سألوا عنه النبي ﷺ ، وخاضوا في معرفته، وفي وجوب الإيمان به كما يأتي ذلك في الفائدة الثالثة، فلم يزجُرْهم رسول الله ﷺ عن ذلك القَدْرِ من الخوض فيه لما كان وسيلةً إلى الإيمان به، ولم يكن فيه شيءٌ من شعار المبتدعة، وكذلك لم يترك الجواب (٣) عليهم بالقدر الواجب بيانُه في ذلك. وقد احتجَّ الإمام العلامة أبو عمر بن عبد البر على ذلك في كتابه " التمهيد " بحديث محاجَّة موسى وآدم في القدر، وهو من أصح الأحاديث كما يأتي بيانه.

стр. 2341

تواتر عن أبي هُريرة رفعه إلى رسول الله ﷺ (١)، ورواه مع أبي هُريرة غيرُ واحد (٢)، فلله الحمدُ والمنة. وكذلك ورد في " الصحيحين " من حديث ابنِ عباس مراجعةُ عمر بن الخطاب، وأبي عُبيدة بن الجراح ﵄ في أمر القَدَرِ في أمر الطاعون حين عَزَمَ عمر على الرجوع بالمسلمين خوفاً عليهم منه، فقال أبو عبيدة: أفِراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، وكان يكره خلافه، نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كانت لك إبلٌ، فهبطتَ بها وادياً له عُدْوَتَانِ إحداهما مُجدِبَةٌ، والأخرى: مُخْصِبَة، لكنت إن رعيتها في المُخصِبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها في المُجْدِبة رعيتها بقدر الله (٣)، ثم جاء عبد الرحمن بنُ عوف، فروى لهم الحديث في ذلك، فلم يَعِبْ هذه المراجعة عليهما أحدٌ من المسلمين، وكانوا في أعظمِ جمعٍ من جموعهم.

стр. 2342

فدل على أن المحرَّم بالنصوص ما يدلُّ العقل على المنع منه، وهو الخوضُ فيما لا يعلم من سِرِّ الله تعالى فيه، وعلى وجه المِراء وطرائق المبتدعة في تحكيم الرأي، وتقديمه على الآثار، وعلى كل وجهٍ يُؤدي إلى المفسدة. وذلك مثل ما (١) خرَّجه أحمد في " المسند " عن عُقبة بن عامر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " هلاك أُمَّتي في الكتاب " قالوا: يا رسولَ الله، ما الكتابُ؟ قال: " يتعلمون القرآن فيتأوَّلُونه على غير ما أنزله الله " (٢). وفي إسناد أحمد عبدُ الله بن لهيعة، عن أبي قبيل عن عُقبة، وهو ضعيف عند الأكثر، وقد أثنى عليه أحمد وغيره (٣)، ولكن الحاكم قد خرَّج الحديث من

стр. 2343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2345

طريقٍ صحيحة غير طريق ابن لهيعة، وهو يشهدُ لصدق ابنِ لهيعة وحفظه في هذا، خرَّجها الحاكم (١) في تفسير سورة مريم من حديث ابن وهب عن (٢) مالك بن خير (٣) الزَّبَادي، عن أبي قَبيل، عن عُقبة ... الحديث. وقال: صحيحٌ على شرط مسلم. وما ينزِلُ عن مرتبة هذه الأحاديث المقدمة في القدر، ومتنُ حديثه يصلُحُ مثالاً. فالهلاكُ بالقدر كالهلاك بالكتاب يجبُ تأويله في كل منهما على الهلاك بسببِ التكذيب بهما، إذ التأويلُ الباطلُ لهما أو تكلُّف علم ما لا طريق إليه فيهما كما ذلك كلُّه شعار المبتدعة، وقرينة التجوز واضحة، وهي أن الإيمان بهما واجبٌ، والهلاك المعلق بالواجب لا يكون إلاَّ من بعض الوجوه قطعاً. وقد تواترت الأحاديث في وجوب الإيمان بالقدر، ونص كتاب الله على صحته كما يأتي ذلك كله. ثم إن الله تعالى قد ذكر القدر في غير آيةٍ، وقد أمر الله تعالى بتدبُّر كتابه بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِه﴾ [ص: ٢٩]، فوجب بذل الجهد في تدبر كل ما في كتاب الله من الألفاط المفردة، والمعاني المتركبة منها إلاَّ ما لم نستطع معرفته مما لم يُرِدِ الله سبحانه خطابنا به من المتشابه، وإنما أنزله علينا لنؤمن بمعناه جملة، ونتبرك بتلاوته (٤)، وربما خصَّ بمعناه بعض أنبيائه وملائكته.

стр. 2346

فهذا ما حضرني في هذه الفائدة، ولا خفاء على العاقل أن الخوض في هذه اللُّجَّة التي هابها فضلاءُ العقلاء لا يكون إلاَّ مصحوباً بحُسْنِ النية وشدة الرغبة إلى الله في الهداية، والتوقُّف على القول بغير درايةٍ، والفكرِ الطويل، وتحرِّي الإنصاف، والجمع بين أطراف الكلام التي يظهر تنافيها، وتطلُّبِ المحامل الحسنة، وعدم المؤاخذة بظاهر العبارة متى دلَّت القرينة على صحة المراد فيها، فإنها مسألة صعبة تقصُرُ فيها العبارات الطويلة، فكيف بالإشارات الخفيَّة. وقد روى ابن الأثير في " جامع الأصول " (١) عن مالكٍ الإمام أنه قيل لإياس: ما رأيك في القدر؟ قال: رأيُ ابنتي، يريد لا يعلم سِرَّهُ إلاَّ الله تعالى، وبه كان يُضْرَبُ المثل في الفهم. وقد حُكي أن يحيى بن آدم ذكر أثر عبد الله بن عباس المقدم الموقوف لعبد الله بن المبارك، فقال ابن المبارك: فيسكت الإنسان على الجهل وهو إشارةٌ من ابن المبارك إلى ما ورد من الحثِّ على العلم، وما فيه من الخير، والتحذير من الجهل، وما فيه من الشرِّ، وأن هذه القاعدة المعلومة لا تُترك إلا بتحريمٍ متَّفَقٍ على صحته. وأقول: إن الإنسان بالضرورة يسكت على الجهل حيث لا طريقَ إلى العلم، وأقصى مَرامِ الخائضين في القدر أمور: أحدها: العلمُ بالعجز عن درك السرِّ فيه، وفائدة العلم بذلك سكون النفس عن المطالبة بالمعرفة والذوق لا بمجرد التقليد. وثانيها: معرفة ما يمكنُ معرفته من الوارد في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، والجُمَلِ العقلية، وحكم أئمة الإسلام والأولياء.

стр. 2347

وثالثها: التحذيرُ من طرائق المبتدعة، وتقديمهم الرأي على الآثار في هذه القاعدة العظمى. الفائدة الثانية: في ذكر ما قاله العلماء وأهل اللغة في تفسير القدر والقضاء على اختلاف مذاهبهم وأدلتهم وأفهامهم. قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " (١) ما لفظه: لم يَتَّفِقْ لي وجدان البيان للقدر (٢) على التحقيق، فتكلفتُه حتى دفع الله تعالى بفضله عني كُلفتَه، وحقيقته وجودٌ في وقتٍ واحد، وعلى حالٍ يُوافق العلم والإرادة والقول عن القدرة، فصارت القاف والدال والراء تدل بوضعها على القُدرة والمقدور الكائن بالعلم، ويتضمَّن الإرادة عقلاً والقول نقلاً. قلت: وكلامه هذا لا يخلو من تساهُلٍ في العبارة، فإنه جعل القدر مشروطاً بموافقة مجموع العلم والإرادة والقول، ولم يدل على ذلك دليلٌ، وموافقةُ أحدها يكفي في تسمية الموجود المتأخر مقدَّراً مقدوراً، وتسمية السابق لها قدراً أيضاً، فإنه لا معنى لكون الحادث مقدَّراً بقَدَرٍ سابقٍ إلاَّ مطابقته في الوجود، وصفاته سابقةٌ له متعلقة (٣) به تعلُّقاً صحيحاً يستلزم فرض بطلانه المحال. وسواءٌ كان ذلك السابق علم الله وحده، أو قوله أو كتابته، أو إرادته أو غير ذلك، لأنه ترك ذكره للكتابة والتيسير، وقد ورد ما يقتضي تسميتها قَدَراً، كالقولِ -كما يأتي- في أحاديث الأقدار، بل في القرآن الكريم. وأيضاً فإنه جعل الوجود هو القدر، وهو المُقَدَّر، وإنما القدر السابق هو

стр. 2348

التعليقُ، ثم جعل دِلالة القدر على الإرادة، والقول دلالة تضمُّنٍ دون العلم والقدرة والمقدور، وجعل دلالته على هذه الثلاثة مطابقةً، وفيه نَظَرٌ، لأن دلالة المطابقة هي الوضعية اللغوية كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق دلالة التضمُّن، كدلالة الإنسان على النطق وحده، ودلالة الالتزام (١) على ما يستلزمه، مثل حاجته إلى الأكل والشرب. وأقول والله الموفق: إن القدر تعلُّق أمر متقدم من صفات الله تعالى كعلمه، أو من فعلِه ككتابته بأمرٍ متأخِّرٍ صادر عن فاعله بسبب اختياره وتمكينه، وصدور اختيار أسبابه عن الحكيم القادر المُقَدِّر. وسواءٌ كانت تلك الأسباب أسباب القدر المؤثرة فيه كالقدرة أو غير المؤثرة كالدواعي تعلُّقاً يَرْبِطُ الممكن بالواجب ربطاً يستلزم فرض بُطلانه المحال مع بقاء إمكانه باعتبار الجهتين. وهذا على جهة التقريب الرسمي دون التحديد الحقيقي كما يعرف ذلك أهل هذا الشأن، ولذلك لم ألتزم فيه شروطهم. وقولنا: " من صفات الله كعلمه أو من فعله كالكتابة والتيسير "، وإنما قيل: " من فاعله " ليدخل الرب تعالى، وإنما قيل: " بسبب صدور أسبابه عن القادر الحكيم المقدِّر سبحانه " ليخرج على المخلوقين، فإنه واجب المطابقة، ولا يسمى قدراً في اللغة لعدم خلقهم لأسباب المقدر، وإلا لزم أن يكون علمهم بالفقه قدراً. وإنما قيل: " الحكيمُ " احترازاً من قول من يقول: بنفي الحكمة في سبق الأقدار، فإنها لم تكن سدىً، بل لا بُدَّ أن تكون مشتملةً على الغايات الحميدة.

стр. 2349

وإنما قيل: " يستلزم فرض بطلانه المحال " لأنه الدليل على وجوب وقوع المقدَّر بالعلم، أو القول، أو الكتابة، أو الإرادة ووقوع المُيَسَّر بالدواعي كما يأتي بيانه. ألا ترى أن فرض وقوع المرجوح من الله عند المعتزلة يؤدي إلى المحال، وليس فيه إلاَّ مخالفة الدواعي الراجحة مع صفة الله تعالى بالقدرة والاختيار. وقوله: " باعتبار الجهتين " إشارة إلى أن القدر لا يُحيل الذوات عن صفاتها، ولذلك كان الله تعالى مختاراً عند الجميع مع تعلُّق القدر بأفعاله سبحانه ﴿كانَ على رَبِّك حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم: ٧١]. وقيل: تعلُّق أمرٍ بأمرٍ ليَعُمَّ الشيء الحقيقي والإضافي. وقال الخَطَّابي: قد يَحسِبُ كثير من الناس أن معنى القَدَر من الله، والقضاء معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدَّره وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن قدرٍ منه خيرها وشرها. والقدر: اسمٌ لما صدر مقدَّراً على فعل القادر، كالهدم، والنشر، والقبض، اسم لما يصدر عن فعل الهادم، والناشر، والقابض، يقال: قَدَرتُ الشيء، وقدَّرت، خفيفةً وثقيلة، والقضاء في هذا معناه: الخلق كقوله تعالى: ﴿فقضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]. فإذا كان كذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصدٍ وتعمُّدٍ وتقدير إرادة اختيار، والحجة إنما تلزمهم بها، واللائمة تلزمهم عليها. وجماعُ القول في هذا أنهما (١) أمران لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر، لأن

стр. 2350

أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هَدْمَ البناء ونقضه. انتهى كلامه. وتلخيصه: أن العلم سبق باختيار العباد لأفعالهم، وقدَّر الله وقضى أن يكونوا مختارين، وأراد بذلك ويَسَّرَه لهم، فلو أبطلنا اختيارهم، أبطلنا العلم والقدر والقضاء، وجعلناها غير مطابقة، وهي الأساس، ولو أبطلناها أبطلنا صفات الربوبية الواجبة، فيلزم إثبات الأمرين. والله أعلم. وفي " الصحيحين "، و" موطأ مالك "، و" سنن أبي داود "، و" سنن النسائي " من حديث ابن عباس، وذكر الطاعون أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتي إذا كان بسَرْغَ (١) لقيَهُ أُمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام .. ، وساق الحديث إلى قوله: فنادى عمرُ في الناس: إني مُصبحٌ (٢) على ظَهْرٍ (٣)، فأصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفِراراً من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة -وكان يكرهُ خلافه- نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيت لو كانت لك إبلٌ فهبطت بها وادياً له عُدوتان، إحداهما خَصِبَةٌ (٤)، والأخرى جَدِبَةٌ، أليس إن رعيت الخَصِبَة (٥) رعيتها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبة رعيتها بقدر الله. انتهى (٦). وفيه إجماعهم على صحة القدر، وعلى أنه لا يستلزم الجبر، لأنه لم ينكر ذلك مُنكرٌ، وهم في أكثر ما كانوا جمعاً. وقال ابن الأثير في " النهاية " (٧): هو عبارة عما قضاه الله وحكم به من
следующие страницы →