← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

انطماسِ معالم العلم، وتعفي رسوم الهُدى إلا تقليد الموتى، للزِم من ذلك أن تبطل الطريق إلى جواز تقليد الموتى، لأن التقليد لهم لا يجوز إلا بدليل يستند إلى معرفة الكتاب والسنة، و الاستدلالُ بالإجماع على تقليد الموتى لا يصح بوجهين: أحدُهما: أنه قد ادُّعي الإجماعُ على تحريمه. رواه المؤيَّد بالله ﵇ في " الإفادة " في باب كيفية إزالة المنكر -ولفظُه-: وكثير من العلماء قالوا: إنه لا يجوز تقليدُ الميِّت، وادَّعوا الإجماعَ في ذلك. انتهي بحروفه. فالرجوع إلى الإجماع يُوجِبُ المنع منه. الثاني: سلَّمنا أنه لم يَصِحَّ الإجماعُ على تحريمه، فلا شك أن قولَ الجماهيرِ من المعتزلة والزيدية تحريمُه، فأمَّا إجماعُ العامَّة عليه في الأعصار المتأخرة، فلا يُعتبر، إذ لا عِبرة في الإجماع بالعامة منفردين بالاتفاق، وانعقادُ الإجماع بعد الخلاف الكثير الشائع متعذِّر عادة، ولو سلمنا هذا الإجماع، فهو إجماع ظنيٌّ لا تثبت صحتُه إلا اجتهاداً بالاتِّفاق، وذلك لا يصح إلا معَ صحة الرجوعِ إلى الكتاب والسُّنَّةِ والقياس، والاستدلالُ بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ [النحل: ٤٣] يحتاج إلى معرفة أنها غيرُ منسوخةٍ ولا مخصَّصة ولا معارَضة، ويحتاج إلى معرفة معناها، فهذان أمرانِ: أحدهما: معرفة أنها غيرُ منسوخةٍ ولا مخصَّصَةٍ ولا معارَضة ، والمعرفة لهذا تنبني على أن هنا سنة معروفة، وإلى معرفة ما فيها طريق مسلوكة بها يعرف أن فيها ناسخاً ومخصصاً ومعارضاً، أو وأنه ليس فيها شيءٌ من ذلك. والاستدلال بالأخبار يحتاج أيضاً إلى بقاء طريق الأخبار. وثانيهما: معرفةُ معناها، ولا بُدَّ فيه من النظر، إذ ليسَ معلوماً

стр. 317

بالضرورة، فاحتاج الناظرُ فيه إلى أن يكون من أهل الاجتهاد. فإن قلت: إن دلالتَها على التقليد جليةٌ لا تحتاج إلى اجتهاد. قلتُ: ليس كذلك، فإن في معناها غموضاً واختلافاً. والذي يدلُّ على ذلك: أنَّ السؤال من الأفعال التي تتعدَّى إلى مفعولين، تارةً بواسطة حرف جر مثل: سألت العالم عن الدَّليل، وتارة بغير واسطة مثل: سألت الأمير مالاً، وسألت العالمَ دليلاً. إذا عرفت هذا، فاعلم أنه لا بُدَّ من مسؤول ومسؤول عنه، فالمسؤول في الآية مذكورٌ وهم أهلُ الذكر، والمسؤول عنه محذوف، فالقولُ بأن المسؤولَ عنه هو أقوالُ المجتهدين مِن هذه الأمة دعوى مجردة عن الأدلة مما لا يدل عليه دليل. وهذا المحذوف يحتمل أن يكون هو الأدلة، ويحتمل أن يكونَ هو المذاهبَ من غير أدلة. وقد قال بعضُ العلماءِ وهو السُّؤال عمَّا أنزل الله لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] فلما أُمرنا بسُؤالِ أهلِ الذِّكر، وكان الظاهرُ أنه أُمرنا بسؤالهم عما أُمرنا باتباعه مما أنزله علينا من الشرائع، وهذه الأقوال كُلُّها ضعيفة فيما يَظْهَرُ على اعتبارِ قواعد العربية، والمختار: أن المرادَ السؤالُ عن الرُّسُلِ: هل كانوا بشراً أم لا؟ لأن ذلك هو المذكورُ في أوَّل الآية، والعرفُ العربي يقضي بأنَّ ذلك هو المرادُ، والقرائن تسُوقُ الفهم إليه. فإنه تعالى لما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (١) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر﴾ [النحل: ٤٣] كان السابقَ إلى الأفهام: فاسألوهم عن كوننا ما أرسلنا إلا رجالاً، كما لو قال القائل: واجهتُ اليومَ الخليفةَ

стр. 318

وسأل وزراءَه، كان المفهوم: وسألهم عن كوني واجهته، وهذا الذي ذكرت أنه المحذوفُ هو الذي اختاره العلامةُ الزمخشري (١) ﵀ لم يَذْكُرْ سواه، ولكن لم يذكرِ الوجهَ في ذلك لجلائه. وأيضاً فقوله: ﴿إن كنتُم لا تَعْلمونَ﴾ يفهم منه: أن الحكمة في سؤالهم الخروجُ مِن الجهل إلى العلم، أو يحتملُ ذلك، وهذا مانع مِن الاستدلال بها في التقليد. والذي يَدُلُّ على ذلك أن مَنْ قال: اشرب إن كنتَ ظامئاً، فُهِمَ منه أن المرادَ شربُ ما يُزيلُ الظمأ، فلو أن المأمورَ شَرِبَ سمناً أو عسلاً، وزعم أنه أراد امتثالَ ما أمر به، لعُدَّ أعجميَّ اللسان، أو بهيميَّ الجنان، وكذلك قولُه تعالى، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فإنَّه يُفِيدُ سؤالاً يُخْرِجُ من الجهل إلى العلم، ولا شَكَّ أن التقليدَ لا يُفيدُ العلمَ بالإجماع، ولهذا لم يَحِلَّ التقليدُ في المسائل التي يجبُ العلمُ بها، ويمكن أن يقال: إنما فهم ذلك في قوله: اشرب إن كنت ظامئاً بالقرينة، ولذا يفهم عكسُه بالقرينة في قوله: سَلِ الأغنياءَ إن كنتَ فقيراً، فلا يفهم سؤالاً يُغني ويُخرج من الفقر. وقد يتجرد الشرط عن القرائن في الجنبتين، فلا يُفيد شيئاً، كقوله: صَلِّ إن شئت، ولكن في الآية مجرد احتمال، وهو مما يمنع القطعَ في الاستدلال. فإن قيل: إنها مما ورد على سببٍ، ولا يُقصر عليه. قلنا: ليسَ كذلك، لأن شَرطَ ذلك عمومُ لفظه ومعناه، ولفظ هذه الآية فيه حذف، فهو غيرُ ظاهرٍ، ومعناها خاصٌّ غيرُ عام، والعجب أن الأصوليين استدلوا بهذه الآية على جواز التقليد، من غير بيان لوجه

стр. 319

الدَّلالة، ولا ذكر لهذا الإشكال مع جلائه. وأما الاستدلال بالإجماع على جواز التقليد، فإنه يحتاجُ أيضاً إلى معرفةِ الكتابِ والسنةِ، لأنهما هما اللذان دلاّ على أن الإجماعَ حُجَّة، والأدلة من الكتاب على أن الإجماع حجَّة هيَ من الظواهر، ولا بدَّ من معرفة عدم النسخ والمعارض والمخصص. وأيضاًً قد منع السَّيِّد من معرفة اللغة، وقطعَ القولَ وجزمه بتعذُّرِ معرفتها، ومعاني الكتاب والسنةِ المستنبطِ منها جوازُ التقليد، وكونُ الإجماع حجَّةً مما يفتقِرُ إلى معرفة اللغة فإذا بَطَلَ معرفة تفسير القرآن، وبطلت طريق معرفة الأخبار، بطل أيضاًً ما هو فرعُ معرفة ذلك مِن جواز التقليد، فيلزم بطلانُ التكليف تقليداً واجتهاداً. فإن قلتَ: هلا جوَّزتَ أن تُقَلِّد في كون التقليد جائزاً. قلت: هذا لا يجوزُ على القول بأن أصل التقليد القبحُ إلا ما خصَّه الدليلُ، وهو قولُ المعتزلة والزيدية، وأكثرِ المتكلمين، ولا أعلم أحداً من أهل المذهب نصَّ على جوازه. ودليلُهم على أنه لا يجوز: أن العموماتِ قد دَلَّت على تحريمه، والتقليد إنَّما جاز في المسائل التي أفتى فيها الصحابةُ، ولم يذكروا الدليلَ كما قرَّره السَّيِّدُ الإمامُ أبو طالب ﵇، والصحابة إنما أفْتَوْا بمسائل الفروعِ دونَ مسائل أصولِ الفقه، وهذا الحكم مما نَظُنُّ أن السَّيِّد لا يُنازِعُ فيه، فلا حاجة إلى التطويل فيه. فثبت بهذا أنه لا بُدُّ مِن صحة الرجوعِ إلى القرآن العظيم، والسنة الشريفة، وأن الطريقَ إلى معرفتهما متى تعذَّرت، تعذَّرَ الاجتهادُ والتقليدُ.

стр. 320

وأما قول السَّيِّد: إنه يجوز التقليدُ في القطعيَّات والعمليَّاتِ لمن وافق الأدِلَّة القطعيَّة عملاً لا اعتقاداً دون من خالفَهَا، فهذا يحتاج إلى تمييز المقلد بين القطعيَّات والظنيّاتِ وحصرها، وهو يؤدي إلى إيجابِ الاجتهادِ عليه. وقد فَهِمَ هذا السَّيِّدُ، فأجاب بأنه مكلَّفٌ بالسؤال والبحث عن القطعيات حتى يتواتَرَ ذلك، وبعد تواترِ القطعياتَ، لا يَحِلُّ له تَقليدُ منْ خالَفَهَا، ذكره في آخر جوابه على ابن عثمان. والجواب: أن هذه غفلة عظيمة، فإن شرط المعلوم بالتواتر أن يستند في الطَّرَفِ الأول إلى الضرورة المحسوسة وهذا إجماع، ولولا ذلك لتواتر للعامة أن الله ربُّهم، واسْتغْنوْا بذلك عن غيره، فاعلم ذلك على أن في القطعيات ما يختلِفُ العلماءُ: هل هو قطعي كالقياسِ الجليِّ والتأثيم به والتفسيق والتكفير، على أن ابن الحاجب وغيرَه من المحققين منعوا مِن وجودِ القطعيِّ الشرعي غيرِ الضروري، وحكموا بأنَّه لا واسطةَ بين الظَّنِّ والضرورة في فهم المعاني، كما أنَّه لا واسِطَة بينهما في تواتر الألفاظ بالاتقاق، والحجة على إثبات هذا القطعي المتوسط بينهما غير واضحة، وإثباته مِن غير حجة ممنوعٌ، والأصلُ عَدَمُ القطعيِّ غير الضروري، والمدِّعي له مثبت، وعليه الدِّلالةُ، والله سبحانه أعلم. فإن أراد أن يتواتر الإجماعُ القاطعُ للعوام، لم يُغنهم حتى يعلموا أنَّه حُجَّةٌ، وقد تِقدَّم ما في ذلك، ثم حصولُهُ بعدَ انتشار الإسلام لمثلهم خصوصاً متعذِّر. الجواب الحادي عشر: أنه لو تعذَّرَ الاجتهادُ في جميع المسائلِ لأجل تعسُّرِ شروطه، لتعذَّرَ التقليد في جميعِ المسائل لمثل ذلك، فإن معرفةَ جميعِ نصوصِ المقلِّدِ بإسنادٍ صحيح إليه مثلُ معرفة جميعِ ما يتعلَّق

стр. 321

بالأحكام مِن الحديث، بل هِيَ أكثرُ مِن الحديث في هذا المعنى، والنسخُ يُوجد فيها نظيرُهُ، وهو الرجوعُ عن القولِ القديمِ، والتعارضُ موجودٌ في القولين إذا لم يُؤرخا، والتخصيصُ موجودٌ في كلام العلماء وكلامُهُم عربيٌّ غيرُ ملحون يحتاج إلى العربيّة، وجوازُ تقليدهم ينبني على معرفةِ اللهِ، وصدقِ الرسول، وزيادة معرفة أدلة جوازِ التقليد من نصٍّ أو إجماعٍ، ومعرفةُ ذلك الدليل توقفُ على أمورٍ قد مرَّت الإشارةُ إليها. فإن قلتَ: التقليدُ يتجزأ دونَ الاجتهاد. قلنا: كلامُنا في أنَّكَ حكمتَ بتعذُّرِ الاجتهادِ العام، ولم تحكم بتعذُّر التقليدِ العام، فإن أكثرَ أهلِ الفتوى والقضاء يدَّعيه، على أن تجزي الاجتهاد هو الصحيحُ عند الجمهورِ. الجواب الثاني عشر: أن بطلانَ الاجتهادِ لا يجوزُ أن يثبت بالضَّرورة العقلية ولا الشرعية ولا بالدِّلالة العقلية ، وهذا مما لا يحتاج إلى ذكر البرهان لجلائه، وبقي أن يثبت بالدلالة الشرعيَّة وهي التي زعم السَّيِّد أنها قد بطلت، فبقي أن السَّيِّد ادَّعى بطلانَ الاجتهاد لدلالة مجرَّدِ الاستبعاد وهذا لا يصلُح مستنداً -والله أعلم-. وفي هذا القدرِ كفايةٌ في الجواب على قوله المتقدم في التنفير عن الاجتهاد، والتوعير لمسالك العلم، والتشكيك في دخوله في حيِّزِ الإمكان والتشويش على من أراده مِن أهل الإسلام. قال: الثاني: أن أولئك المعدّلين معلولون بمثل هذا، أو مجهولةٌ براءتُهُم منه. أقول: قد تعرض السَّيِّدُ -أيَّده الله- تعالى في هذا الكلام للتشكيك

стр. 322

في أحوال المعدِّلين لِحملة العلم النبويِّ -على صاحبه أفضلُ الصلاة والسلام- فلا يخلو إما أن يُريدَ أن جميعُ المتكلمين في الجرح والتعديل من أئمة العلم وأعلام الهدى مشكوك في إسلامهم، أو يريد أن الأئمة الذين أسلف ذكرهم كذلك دونَ من عداهم من أئمة هذا الشأن، ثم أيضاً إما أن يُريد أن حالهم في ذلك مجهولة له (١) -أيَّده الله- فقط، أو مجهولةٌ لجميع أهلِ العلم، فهذه أربعُ مسائل: المسألة الأولى: أن يكونَ حالُ أولئك الذين ذكرهم مجهولةً فقط دون سائرِ أهلِ العلم ، ودونَ سائر أئمة هذا الشَّأْنِ. الثانية: أن يكون حالُهُم مجهولةً له، ولجميع أهلِ العلم. الثالثة: أن يكونَ جميعُ أئمة علم الرجال مجهولين له دونَ سائرِ أهلِ العلم. الرابعة: أن يكونوا مجهولين له، ولأهل العلم. فأما المسألتان الثالثة والرابعة، فلم يتعرض لذكرهما حتى يلزمَ الجوابُ عليه، وإنما نذكر ما تعرَّض له فقط خوفاً للتطويل، ولئلا نلزمه أمرأ قبيحاً مِن غير موجبٍ لذلك من قوله. فلنتكلَّم على المسألتين الأولَيَيْنِ، فنقول: إما إن يدَّعيَ " السَّيِّد " الجهلَ بأحوال أولئك على جميع أهل العلم أو لا؛ إن ادَّعى ذلك، فهي دعوى باطلة، لأنَّه لا طريق إليها إلا أحد وجهين وكل واحدٍ من الوجهين باطل، وما لا طريقَ إليه إلا الباطل، فهو باطل، وكل هذه المقدِّمات

стр. 323

واضحة إلا انحصارَ الطريق إلى تجهيل جميع أهل العلم في وجهين، فيجب بيانها، والدليل على أنه لا طريق للسَّيِّد إلى تجهيل جميعِ العلماء بأحوال أولئك الحفاظ المشاهير: أن معرفةَ العلماء بأحوالهم وجهلهم لها مِن مكنونات الضمائر، وخفياتِ السَّرائر، وذلك مما لا طريقَ إليه إلا بالخبر، أو القياس، ولا طريقَ سِوى هذين إلى ذلك إلا علم الغيب الذي استأثر اللهُ تعالى به، وكُلُّ واحدٍ منها لا يَصِحُّ. أمّا القياسُ، فلا يصح هنا، لأنك إما أن تقيسَ على نفسك، أو على غيرك، وكلاهما لا يجوز، لأنَّه قياس على مجرد الوجود، وهو ممنوع. وأما الخبر، فلا يصح، لأنَّه لم يُوجد خبرٌ صادِقٌ عن الله، ولا عَنْ رسولِ الله يقضي بجهالَةِ العلماء لأحوال الرُّواة، فضلاً عن أحوالِ معدِّليهم، وكذلكَ أهلُ العلم لم يُخبروا عن أنفسهم بالجهل بذلك، فثبت أنه لا طريق للسَّيِّد -أيَّدَه الله- إلى القطعِ على أن جميعَ العلماء لا يعرفُونَ أحوال أولئك الَّذِينَ ذكر من معدِّلي الرّواة. وبقي القسم الثاني، وهو أن يدَّعي السَّيِّد -أيده الله- أنه يجهل أحوالَهم، فهذه دعوى صحيحة مقبولة بإجماع الأمة، لأنَّ إقرارَ المسلم على نفسه بما يدخل عليه النقضَ، ولا يكون له فيه حظ، ولا على غيره منه مضرَّةٌ إقرارٌ صحيحٌ مقبول، ولكن ليس يَحْصُلُ منه منعُ جميع طلبة العلم مِن تعرُّفِ أحوال معدِّلي الرُّواة، فربّما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فقد قيل: من طلب شيئاً وجدَّ، وجَدَ، ومن دَق باباً وَلَجَّ، وَلَجَ. ثم إنا لو سلمنا للسَّيِّد -أيَّدَهُ اللهُ- جهلَ جميعِ أهل العلم بأولئك الذين ذكرهم، فإن ذلك لا يَسُدُّ بابَ الرِّوايةِ، فإنَّ اللهَ لو لم يخلق أولئك

стр. 324

المذكورين، ما ضاع الدِّينُ، ولا بَطَلَتْ سُنَّةُ سيدِ المرسلين وأئمة الجرح والتعديل قدرَ ألفي إمامٍ، لو شئتُ لذكرتُهُم بأسمائهم، وفيهم مَنْ هو مِن الشيعة المعتدلين في صحة الاعتقاد وَمِن غيرهم مِن أهل العدلِ والتوحيد. وقد ذكر أهلُ هذا الشأنِ في كتب الرِّجال خلقاً كثيراً من علماء الشيعة والاعتزال، وعدُّوهُمْ مِن عيون علماء الأثر، ونُقَّاد الرجال، ونسبُوا إلى كثير منهم الكلامَ في الجرح والتعديل، وعوَّلوا على كلامهم كُلَّ التعويل، وكتُب علم الرِّجال طافحةٌ بهذا. وقد روى الحاكمُ في " شرح العيون " فصلاً في من روى عنه العدلُ مِن رواة الأخبار، وقال: نذكر منهم من اشتهر بذلك. وذكر المخالفين، فذكر من أهل المدينة اثنين وعشرين رجلاً، ومن أهل مكة عشرة، ومن أهل اليمن أربعة، ومن أهل الشام سبعةَ عَشَرَ، ومن أهل البصرة اثنين وسبعين، ومن أهل الكوفة ثمانية. فهؤلاء مائةُ رجل وثلاثة وثلاثون، ذكرهم الحاكم أو أكثر منهم بيسير. وذكر أنه ذكر ما فيه كفاية، وأن استقصاء ذلك مما يطول به الكتابُ. وكان فيمن ذكر من أهل المدينة: ابنُ أبي ذئب، ومحمدُ بن عجلان، وشريكٌ القاضي، وثورُ بنُ زيد، وابنُ أبي يحيى: هو إبراهيم ابن محمد (١) صاحب الموطأ الكبير وشيخ الشافعي، والوليدُ بنُ كثير،

стр. 325

وصالحُ بنُ كَيْسَان، ومحمَّدُ بنُ إسحاق صاحب السيرة وغيرها، ومحمدُ بنُ عبد الله بن مسلم الزُّهري (١). قال: وكان ممن خرج مع زيد بن علي، وجعفرِ بنِ محمد الصادق، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ﵈. ومن أهل مكة: عمرو بنُ دينار، وعبدُ الله بنُ أبي نُجيح، ومسلمُ ابن خالد الزنجي (٢) شيخ الشافعي، وسفيانُ بنُ عيينة، وعبدُ الله بن طاووس، وعطاءُ بنُ يسار. ومِنْ أهل اليمن: وهبُ بنُ منبِّه، وأخوه همَّام. ومن أهلِ الشام: مكحولٌ، والأوزاعيُّ، وعبدُ الرحمن بن واسع. [ومن أهل البصرة]: إياسُ بن معاوية، والمباركُ بن فَضَالَةَ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبَة، وهشامٌ الدستوائي، ومعاذ بن هشام، وأبان بن يزيد، ويحيى بن أبي كثير، وغندر، وعبد الرحمن بن مهدي، والأشعث ابن سعيد السمَّان، ومعمر، وأبو العوَّام عمران القطّان. ومُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَد، ومحمدُ بن سلام.

стр. 326

ومن أهل الكوفة: الشَّعبِيُّ (١)، وداودُ ابن أبي هِندٍ، وسلاَّم بنُ مطيع، وأبَو شهاب الَحنَّاط (٢)، وعمرو بن مرَّة، ومسْعَرُ بنُ كِدام، ومحمد ابنُ شُجاع، وعلي بنُ المديني. قال: أخذ المذهبٌ عن ابن أبي دُواد (٣) -هكذا ذكره الحاكم- وبهذا نَقَمَّوا عليه في كتب الرِّجال، ومن العجائب أن " السَّيِّد " ذكر خمسةُ معينين بأسمائهم من أئمة الجرح والتعديل فما سلموا له، بل غَلِطَ على أعرفهم بهذا الشأن، وفارِسِهم في هذا الميدانِ، وهو الحافظُ الجليل علي بنُ المديني المسمَّى عند رجال هذا العلم " حَيَّة الوادي " (٤) لتميُّزه عن الحفَّاظ بفرطِ الذَّكاءِ، وشِدَّةِ الحفظ والتَّيقُّظِ للاستدراكات الخفِيَّة، والمعارف اللطيفة، وهو شيخُ البخاري، وشيخُ شيخِ البخاري الذُّهلي (٥)، وشيخُ أبي داود صاحب السنن، وشيخُ البغويِّ (٦). قال أبو حاتِم: كان ابنُ المديني علماً في الناس في معرفة الحديث

стр. 327

والعلل، وما سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل سمَّاه قطُّ، ولكنه كان يُكنيه تَبجيلاً له. وعن ابن عُيينة قال: يلومونني على حُبِّ عليِّ بن المديني، واللهِ لما أتعلَّمُ مِنه أكثرُ مما يتعلَّمُ مني. وقال أحمد بن سِنان: كان سفيانُ بن عُيينة يسمي علي بن المديني " حية الوادِي ". وقال رَوْحُ بنُ عبد المؤمن: سمعتُ عبد الرحمن بنَ مهدي يقول: عليٌّ ابن المدينيِّ أعلمُ الناس بحديثِ رسولِ الله ﷺ ، وخاصة بحديث سفيان بن عُيينة. وقال القواريري (١): سمعتُ يحيى القطَّان يقول: أنا أتعلَّمُ مِن عليٍّ أكثرُ مما يتعلَّم مني. وقال النَّسائي: كأن عليَّ بنَ المديني خُلِقَ لهذا الشأن. وقال إبراهيمُ بن مَعْقِل: سمعت البخاريَّ يقول: ما استصغرتُ نفسي عندَ أحدٍ إلا عند علي بن المديني. وقال أبو داود: ابن المديني أعلم من أحمد بن حنبل باختلاف الحديث. وقال النواوي: لابن المديني نحو من ثمانين مصنفاً، وقال الذهبي: علي بن المديني (٢) حافظُ العصرِ، وقدوةُ أرباب هذا الشأن، وقال فيه: مناقب هذا الإمام جمَّة (٣).

стр. 328

وأقول: إني لو شئتُ، لذكرتُ تراجمَ أئمة الجرح والتعديل مِن أهل العدلِ والتوحيد في أجزاء كثيرة، ولو أورد إلا تراجم هؤلاء الذين اختصرتهُما ممّن ذكر الحاكم لطال الكلامُ، فكيف لو نذكر جميعَ من ذكر الحاكمُ بتراجمهم المطوَّلَة في كتب الرجال، فكيف لو نَضُمُّ إليهم من لم يذْكرْهُ الحاكِمُ ﵀ من علماء التشيُّعِ والاعتزال، ألم يكن يتَّسعُ المجالُ، ويطول المقالُ؟ ولكن ذلك -بحمد الله تعالى- معروفٌ في مواضعه، فلا حاجة إلى نقله. وكان من اللائق أن نذكر ها هنا تراجمَ هؤلاءِ الحفاظِ الخمسة الذين ذكرهم " السِّيِّد " وشكك في إسلامهم، ونذكر جملاً مختصرةً من أخبارهم، ولكنه يطول ولا نُحِبُّ، إذ المقصودُ هو بيانُ إمكانِ معرفة السُّنَّة، وأن ذلك لم يدخل في حيِّزِ اُلمحالات، وقد حصل بيانُ ذلك من غير ذكر حالِ هؤلاء الحفاظ. وأما القدحُ على بعضهم بالتأويل في بعض المسائل، فسوف يأتي الكلامَ عليه في موضعه -إن شاء الله تعالى-. أقصى ما في الباب أن يَصِحَّ ما توهَّمَهُ السَّيِّد من القدحِ في جميع معدِّلي حملةِ العلم النبويِّ، أو تُهمتُهم بذلك، فذلك مما لا يَقْدَحُ على الإطلاق، وإنما يَقْدَحُ على من قال بمسألتين: إحداهما: ردُّ المرسل، والثانية: الجرحُ بالتأويل . لكنَّا قد قدَّمنا أن المرسَل مقبول عند الزيدية والمعتزلة والحنفية

стр. 329

والمالكية، وأنه قد ادُّعي إجماعُ التابعين على قبوله، وكذلك سوف يأتي إثبات إجماع الصحابة على قبول المتأولين من عشرِ طرق. قال: الثالثُ أن اتَّصالَ الرواية بكتب الجرح والتعديل متعسِّرةٌ أو متعذِّرة على وجه العدالة الصحيحة. أقول: السَّيِّد -أيَّده الله- متردِّدٌ متحيِّرٌ ما درى، أهذه الأمور مُتعسِّرةٌ أو مُتعذِّرة؟ فلا يزالُ يكرِّرُ الشكُّ في ذلك، والشاكُّ لا ينبغي له أن يعترض على من ادعى إمكان ما هو شاكٌّ في إمكانه، لأنَّ مِن شَرْطِ مَن جَوَّزَ شيئاً وشكَّ فيه أنْ لا يُكذِّبَ من ادَّعاه، فإنْ قَطَعَ السَّيدُ - أيَّده اللهُ- بتعذُّرِ ذلك سقط التكليفُ به، لأن التكليفَ لا يتعلَّق بما لا يُطاق، وإن جوَّز أنه مقدورٌ، فلا معنى لذكر تعسُّرِ المقدور متى كان واجباً أو مندوباً، كما قدَّمنا ذلك في التنبيهات المتقدمة. و الجواب على ما ذكره السَّيِّد من وجوه: الأول: أن كتب الجرحِ والتعديل مثلُ سائرِ المصنَّفات ، فكما إنه يُمْكِنُ سماعُ سائر المصنفات في جميع العلوم، فكذلك يُمكن سماعُ كتب الجرح والتعديل، وليس إضرابُ منْ ليس له رغبة فيها عن سماعها يَدُلُّ على ما توهمه السَّيِّدُ، فإن طلبة علم الحديث في أقطار الإسلام محافظون على سماعها ملازمون لقراءتها، وشيوخُها موجودون في اليمن ومكة ومصر والشام والعراق والغرب، وسائر الأمصار الكبار في المملكة الإسلامية، والناس لا يزالون يخنلفون إلى هذه الأقطار والأمصار لأدنى الأغراض الدنيوية، ومن كان محبّاً للعلم طلبه حيث كان وارتحل في تحصيله إلى أبعد مكان. وقد روى الحاكم في " المستدرك " (١) عن جابر بن عبد الله الصحابي ﵁: أنه سافر

стр. 330

شهراً كاملاً لطلب حديث واحدٍ، وهو حديثُ القِصَاصِ بلغه عن عبدِ الله بن أنيْس فسافر إليه إلى مصر حتَّى سمعَه مِنْهُ. وقد ورد في صحيح مسلم عن النبيِّ ﷺ أنه قال: " ومَنْ سَلكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهَا عِلْماً سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقاً إلى الجنَّة " (١) وقد ذكر العلماء فضل الرحلة، ومن أعظم ما يستدل به على فضلها قصة موسى ﵇ في طلب الخضر (٢) ﵇ فإنه لما قال الله له: إن لنا عبداً هو أعلمُ مِنْكَ، ارتحل في طلبه، وسأل اللهَ لُقياه، وقال لفتاه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]. والحقب: الدهر، وقيل: إنه ثمانون سنةً. هذا مع أنه كليمُ الرحمن، ومعلوم أنه لا يحتاج إلى الَخضِر ﵇ في معرفة شيء من الحلال والحرام. فهذه رحلة في طلب الزائد على الكفاية من العلمِ وفيها دليلٌ للمستكثرينَ مِن طلب المعارف، وقد قال الله تعالى لنبيِّه ﵇: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] مع ما آتاه الله تعالى من العلم العظيم. فإذا كان الأمرُ كذلك، فلا معنى للتَّخذيل من طلبِ فنٍّ من علومِ الدين وإيهام الضعفاءِ أنه مِن جملة

стр. 331

المحالات، فإن طلبة العلم إذا وقَفُوا على مِثْلِ كلام " السَّيِّد " مع جلالة قدره، ومع قُصور هِمَمهِمْ، كان ذلك مُفَتِّراً لعزائمهم، مضعفاً لِهِمَمهِمْ. الثاني: أن معرفة كتبِ الجرح والتعديل غيُر مشترطة في الاجتهاد عند جماهير العِترة و منْ لا يحُصى من العلماءِ كثرة، لأنَّ أهلَ كُتُبِ الحديثِ من أهل البيت والمحدِّثين قد صَحَّحوا ما صنفوا، والعُهْدَةُ عليهم في ذلك، وهو المختارُ متى حصل الاتفاق في شروط التصحيح بين القابلِ له والمقبولِ منه، وإنما يحتاج إلى كُتُبِ الرجال عند الاختلاف في ذلك، أو في معرفة أحاديثِ المسانيد، كمسَند أحمد بن حنبل، ومسند الدَّارمي، ومسند بقي بن مَخْلَدٍ (١) وهو " المسند الكبير "، والمسند الكبير للحافظ الماسَرْجِسِي (٢)، وهمُا من أكبر دواوين الإسلام، فمسند الماسرجسي فرغ في ثلاثة آلاف جُزءٍ مهذَّباً معللاً يأتي في مقدار ثلاث مئة مجلد كبار على أعظم ما يكون من التعليل، ومسند بَقِي قريبٌ منه، وغير هذه من كتب المسانيد ما لا يُحصى كثرة، وكُلُّها تحتاج إلى كُتُبِ الرجال، لأن شرط أهلِ المسانيد أن يرووا الصحيحَ والضعيف،

стр. 332

وُيبيِّنُو رجالَ الإسناد، ويُبدو صفحتَه، وعلى مَنْ أحب أن يعرف حكمه أن يَنْظُرَ في كتب الرجال، وأما أهلُ الصحاح والسنن (١) وكتب الأحكام، فإنهم يُبيِّنُونَ الصحيحَ وشروطَه عندهم، وكذلك الضعيف والحسن والمنكر والغريب والمعل والناسخ والمنسوخ وغير ذلك. وقد بيَّنا نصوصَ العلماء على أن كتاباً مِن هذه الكتب يكفي منْ أرادَ الاجتهادَ (٢)، فما الموجبُ لمعرفة كتب الجرح والتعديل على كل تقدير. ثم إنَّ السَّيِّد -أيَّده الله- نسيَ طريق أهل البيت ﵈ بالمرة. فنقول له: هَبْ أن كُتبَ الجرحِ والتعديل، وجميع تواليف مَنْ ليس بعدلٍ في التأويل قد تعسَّرَتْ وتعذَّرَتْ، وهَبْ أني ممن لا يقبل أهلَ التأويل، فما لك ولتعسير الاجتهاد، والتنفير عن طلب العلم؟! وهلاَّ أمرتني بطلب الاجتهاد من كتب أهل البيت ﵈ وتركْت التخذيل عن طلب الاجتهاد الذي هو أساسُ قواعدِ الإسلام. قال: الرابع: أنَّ تعديلَ هؤلاء الأئمة مَنْ بينَهم وبينَ الرسولِ إنما يَقَعُ على سبيلِ الإجمال غالباً، والتعديلُ الإجمالي إنما يَصِحُّ مِن موافقٍ في المذهب بعد كونِه عارفاً بوجوه الجرح والتعديل، عدلاًً مَرْضِياًّ. وقيل: لا يصح وإن كان المُعدِّلُ كذلك، بل لا بد من التفصيل، وقيل: يَصِحُّ الإجمال مطلقاً وهو ضعيف.

стр. 333

أقولُ: ما أدري ما حمَلَ السَّيِّد -أيده الله- على حكايةِ المذاهب في هذه المسألة من غير ذكر شيء من الأدلة، وهو ممن لا يخفي عليه ما في هذا من الشين عند أهل هذا الشأن، وإنما يجب الإيمانُ بكلام الله تعالى، وكلامِ رسول الله ﷺ ، فلو أنِّي عاملت السَّيِّدَ بمثلِ ما جاء به، لقلتُ: إن الذي ضعفه قويٌّ، وإنَّ ذلك ظاهر جليٌّ، فمجردُ الدعوى لا يَعْجِزُ عنها أحد، ولكن لا بد من الإشارِة إلى الدليل على قوة ما استضعفه -أيده الله- على سبيل الاختصار. فأقول: الجوابُ على ما أورده مِن وجوه: الوجه الأول: أن هذه مسألة خلاف بين الأصوليين والمحدِّثين، فقد حُكِيَ فيها خمسةُ أقوالٍ لأهل العلم: منهم مَنْ قَبِلَ الإطلاقَ في الجرح والتعديل معاً. ومنهم منْ منع ذلك فيهما معاً. ومنهم منْ فصَّلَ. واختلفوا على ثلاثة أقوال: منهم مَنْ قَبِل الإجمال في التعديل دونَ الجرح، وهو اختيارُ الشافعي وجماعة، ومنهم من عكس هذا، وقال بعضهم: إنْ كان الجارحُ أو المعدِّلُ مِن أهلِ العلمِ، قُبِلَ، وإلا لم يُقْبَل، وأفاد السَّيِّد -أيَّده اللهُ- قولاً سادساً: وهو أنه إن كان موافقاً في الاعتقاد، وكان مِن أهل العلم قُبِلَ وإلا لم يُقبل. فإذا ثبتَ هذا الخلافُ الكثيرُ في هذه المسألة، فلا معنى للترسُّل

стр. 334

على مَنْ ذهب إلى أحد هذه الأقوال، فمن قويَ عنده بعضُها، فله العَمَلُ به، إذ ليس فيها ما هو مخالفٌ للإجماع القطعيِّ، ولا للنَّصِّ المتواترِ اللفظ، المعلومِ المعنى، فتعَرُّض السَّيِّد -أيده الله- للتشغيب بالكلام في هذه المسألة من جملة التَّعنتِ المنكر في كتابه، إذ لم يعهد من أهل هذا العلم إنشاءُ الرسائل إلى بعض منْ يخالِفُ في بعض مسائل أصولٍ الفقه مما الخلافُ فيه شائع بينَ الخلفِ والسَّلَفِ، لا سيما وقد أنكر السَّيِّد القولَ المشهور المعمولَ عليه عند الجمهور. الثاني -وهو المعتمد في الجواب-: أن المختارَ الصحيحَ الَّذي قامت عليه الأدلة، ومضى عليه عملُ السَّلَفِ والخلف من هذه الأمة هو الاكتفاءُ في التعديل بالإطلاق، والدليلُ عليه وجوه: أحدُها: أنَّا متى فرضنا أن المعدِّل ثقةٌ مأمون، وأخبرنا خبراً جازماً بتعديل رجلٍ آخر، فإنه يجب قبولُ قوله، لأنَّه خبر ثقة معروف بالعدالة والأمانة، فوجب قبولُ قولِه، كسائر أخبار الثقات. و ثانيها، أنه إمَّا أن يترجَّحَ صدقه على كذبه، أو لا ، إن لم يترجَّحْ، لم يُقبل، لكن هذا التقدير لا يقع إلا مع معارضة غيره، وكلامُنا فيه إذا تجرَّدَ عن المعارض، وإن ترجَّح صدقُه، وجَبَ الحكمُ به، وإلا لزم المساواة بين الراجح والمرجوح، وهو باطل بالضرورة. و ثالثها: أن رَدَّ قَولِه تُهمة له بالكذب والخيانة ، أو بالتقصير والإقدام على ما لم يَعْلَمْ، والفرض أنَّه عَدْلٌ مأمون، وتُهمةُ العدلِ المأمونِ بذلك محرَّمةٌ إلا لموجب، وما لا يَتِمُّ إلا بالمحرَّم لا يكون مشروعاً. و رابعها: أن الله -تعالى- إنما شرط في الشاهد أن يكون ذا عدلٍ ،

стр. 335

وكذلك الراوي لم يُشترط فيه أكثرُ من العدالة، وليس حالُ المعدّل بأعظمَ مِن حال الشاهد والراوي، لأن عدالَة الراوي هي الأصلُ في اشتراط عدالة المُعدِّل، وعدالة المعدَّل هي فرع عليها، فكما أن العَدْل لا يجب عليه التفصيلُ فيما تحمَّله كذلك المعدِّل. فإن قلت: فكيف التفصيلُ في الشهادة؟ قلتُ: إذا شَهِدَ بأن المال لزيدٍ، سُئِلَ عن سبب اعتقاده بكون المال لزيد، فربَّما أسند ذلك إلى ما لا يَدُلُّ على ذلك من خبر ثقةٍ، أو غير ذلك، وهذا يجوزُ على الثقة الذي ليس من أهل الثقة والمعرفة، وكذا الشهادةُ بالزوجية، وأمثال ذلك. يزيدُه وضوحاً أنَّ كُلَّ دليل دلَّ على وجوب قبول العدول بمجرد عدالتهم، فَهُوَ بعمومه يدل على قبولهم في جميع الأحوال، هل (١) أخبروا بِجرحٍ أو تعديل أو بغيرهما. وخامِسُها -وهو الوجهُ المعتمدُ، وإنما هذه الوجوه المتقدمة شواهدُ له ومقوِّيات-: وهو أن اشتراطَ التفصيل في التعديل يؤدِّي إلى ذكر اجتناب المعدَّل لجميع المحرُّمات، وتأديته لجميع الواجبات على حسب مذهب المعدِّل في تفسير العدالة، فإن كان ممَّن يتشدَّدُ ذكر ذلك كُلَّه، وإن كان ممن يترخَّص ذكر اجتنابَه لجميع الكبائر، معدداً لها، ولجميع معاصي الأدنياء الدَّالة على الخِسَّة وقِلة الحياء، وقلة المبالاة بالدين، فيقول المعدِّل مثلاً: إن فلاناً ثقة عندي، لأني شاهدتُه يُقيم الصلواتِ الخمسَ، ويُحافظ عليها، ويصومُ رمضانَ، وُيؤدِّي الزَّكاةَ، ويؤدِّي فريضةَ الحجِّ إن كان ممَّن يلزمُه هاتان الفريضتان، ويذكر أنه يشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن

стр. 336

محمداً رسولُ الله، وأن الله عالم قادر، ويُعدِّدُ سائر الصفات الذاتية والمقتضاة، وأنه يستحقها لذانه لا لمعنىً، ويذكر جميعَ ما يتعلَّقُ باعتقاده مِن مسائل الوعدِ والوعيد والإمامة والولاء والبراء (١) ثم يذكر محافظته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمثال ذلك من الواجبات مما يطولُ تعدادُه، ثم يذكرُ اجتنابَه للمقبِّحاتِ فيقول: إنه لا يقتُلُ النفس المحرَّمة، ولا يستحِلُّه، ولا يزني، ولا يلوطُ، ولا يشربُ كثيرَ الخمر ولا قليلَها، ولا يسرقُ، ولا يقذِفُ، ولا يَشْهَدُ الزُّور، ولا يَغْصِبُ أموالَ الناس، ولا يُربي، ولا يَفِرُّ من الزحف، ولا يأكُلُ الرِّبا، ولا أموالَ اليتامى، ولا يعُقُّ والديه، ولا يكذِبُ على اللهِ، ولا على رسوله، ولا على أحد، ولا يَكتُمُ الشهادَةَ بلا عذرٍ، ولا يُطفِّفُ في المكيال، ولا يبخس الميزانَ، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها لغير عذر، ولا يضرِبُ مسلماً بغير حق، ولا يُبْغِضُ أميرَ المؤمنين ﵇ ولا أحداً مِن العِترة، ولا يَسُبُّ الصحابة، ولا يُبغِضُهم، ولا يأخُذُ الرشْوةَ، ولا يسعى إلى السلطان، ولا يُحرِّق الحيوان، ولا يتَّخِذُهُ غرضاً، ولا يقع في أهلِ العلم، وحَمَلَةِ القرآن، ولا يلعب بالنَّردِ، ولا بالحَمَام، ولا يكشِفُ عورَتَه في الحمَّام، ولا يتساهلُ في أكل الشبهات والحرام، ولا يَسْخَرُ، ولا يسْحَرُ، ولا ينِمُّ، ولا يُخاصِمُ بالباطل، ولا يتكبَّر من قول الحق، ولا يُرائي، ولا يُعْجَبُ بعمله، ولا يضحك في الصلاة، ولا يبولُ ويتغوَّط مستقبلَ القبلة ولا مستدبرَها، ولا يشربُ المثلث، ولا يفعل شيئاً من المختلَفِ فيه وهو يعتقدُ تحريمه، ولا يُباشر الأجنبية بغير جماع، ولا يُجامع زوجته في الحيض والنفاس -وإن كانت امرأة (٢): أنها لا تمتنع من زوجها بغير عذر، ولا تُسافر مِن غير

стр. 337

مَحْرَمٍ- ولا يحتكِرُ، ولا يبيع على بيع أخيه (١)، ولا يسوم على سومته (٢)، ولا يخطُب على خطبته (٣)، ولا يبيعُ لبادٍ وهو حاضر، ولا يتلَّقى الرُّكبان (٤)، ولا يُصَرِّي (٥)، ولا يبيعُ المعيبَ بغير بيان، ولا يدخل في شيءٍ من أنواعِ الغرر، ولا يستعملُ النجاسة في بدنه لغير حاجة، ولا يستعملُ اللهوَ بالغناء والمعازف، ونحو ذلك مما لا يكاد الإنسان يُحصيه مع التأمل الكثير. وما زال المسلمون يعدِّلُون الشهود عند القضاة، ويُعدِّلون حملَة العلم والرواة من أول الإسلام إلى يوم النَّاسِ هذا، ما نَعْلَمُ أن أحداً منهم عَدَلَ عن هذه الصَّفة، ولا ما يُقاربها، ولا ما يُدانيها، ولا نعلمُ أن أحداً طلب من المعدِّلين، ولا مقدارَ نصفه، ولا ثُلثِه ولا رُبُعِه، وعملُ القضاةِ مستمر إلى يومِ النَّاس هذا على الاكتفاء بالتعديل الإجمالي. وسادسها: أن المعدِّل في نفسه ليس يجب أن يكونَ قد اختبر من

стр. 338

عدَّله في جميع هذه الأمور، فربَّما أن الإنسان يَصْحَبُ غيرَه السنين العديدة، ولا يَعْرِضُ له ما يُوجب خبرتَه في بعض هذه الأشياء، فإنه لا يختبره في أنه لا يكشِفُ عورَتَه في الحمام على التعيين، إلا إذا اتَّفق أنهما دخلا معاً الحمام، ورأى محافظته على ذلك، وظهرت قرائنُ أنه فعل ذلك لأجل الوجوب، لا بمجرد الحياء. وكذلك لا يختبرُه أنه يأكل أموالَ الأيتام إلا إذا وَجَدَ مال أيتامٍ، واحتاج إليه، وتركه مع الحاجة إليه وهو يُشاهد ذلك ونحوه مما يكثر تعدادُه، وَكُلُّ ذلك ليس بشرط في الاختبار، وإنما يشترط أن يرى مِن محافظته في أمور الدين ما يغلب على ظنِّه معه إنه ممن يُعَظِّمُ شعائرَ الدِّين وتَسُرُّه حسنتُه، وتسوؤه سيئته، ولا يُصرُّ على القبائح وإهمالِ الفرائض. فإن قلت: أقلُّ من هذا التفصيل يكفي؟ قلنا: إما أن يكفي الإجمال، كفى قوله: إنه ثقة، وإما أن يجبَ التفصيلُ، فلا يجوزُ الاكتفاءُ بالإجمال في كل مكان، وأمَّا أن الإجمال يجوز في موضع ويمتنع في موضع فهذا تحكم. فإن قلتَ: إنَّما اشترطنا التفصيلَ مِن فاسق التأويلِ وكافرِه، لأنه لا يُؤمن أن يعدِّل من يعتقد عدالته وهو غيرُ عدل عند مَن لا يقبلُ المتأولين. قلنا: لا معنى لهذا، لأنَّكم لا تقبلونه، سواء عدل على جهة الإجمال، أو على جهة التفصيل، ومن يقبله، فإنه لا يفرق بينَه وبينَ غيره في التعديل، لأنَّه إنما يخاف منه أن يُعدِّل المتأولين، فيجب ممَّن يقبلهم أن يقبَله، فإذاً إنما الخلاف في قبوله، وسيأتي أن القولَ بقبوله، وهو قولُ جماهيرِ أهلِ البيت، وجماهيرِ العلماء. وأما الجرحُ، فالقولُ باشتراط التعيين فيه ممكن، لأن الجارح إذا

стр. 339

قال: فلانٌ ليس بثقة، لأنَّه يتشربُ الخمر، أو يتعمد الكذبَ، كفى ذلك، ولم يلزم تعديدُ جميع المعاصي فظهر الفرق -والله سبحانه أعلم-. قال: الخامسُ: أنَّ هؤلاء الأئمةِ في الحديث يَرَوْنَ عدالةَ الصحابة جميعاًً، ويرى أكثرهُم أن الصحابيَّ مَنْ رأى النبيَّ ﷺ مؤمناً به وإن لم تطُلْ ولا يُلازم. وهذان المذهبان باطلان، وببطلانهما يَبْطُلُ كثيرٌ من الأخبار المخرجة في الصحاح. أمّا المذهب الأول، فلأن مَنْ حارب علياً مجروحٌ، ومَنْ قَعَدَ عن نصرته كذلك، لأن النبي ﷺ قد قال: " اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ مَنْ خذَلَهُ " (١).

стр. 340

وقال: " لا يُبْغِضُكَ يا عَلِيٌّ إلا مُنَافِقٌ " (١) وأقلُّ أحوالِ هذا أن لا تُقْبَلَ روايتُه. وأمَّا الثاني، فيلزمُهم أن يكونَ الأعرابيُّ الَّذي بالَ في مسجدِ رسول الله ﷺ (٢) عدلاًً بتعديل الله، ولا يحتاجُ إلى تعديل أحد، وكذلك كثيرٌ من رواتهم الذين هم أعرابٌ، أو يَفِدُون عليه مرةً واحدةً، كما جاء في حديث وفد تميم (٣)، وأُنْزِلَ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ

стр. 341

الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾ [الحجرات: ٤] وكحديث وفد عبد القيس (١). أقولُ: قد اشتملَ كلامُه -أيَّده الله- على مسائل: الأُولى: القدحُ على المحدِّثين بقَبولِ المجهول حالُه مِن الصحابة، وقولهم: إن المجهول حالُه مقبولٌ لا يحتاجُ إلى تعديلِ مُعدِّل، وهذا لا يقتضي القدحَ في صحة كُتُبِ الحديث لوجوه: الوجه الأوَّلُ: أن القارىء فيها أن كان ممن يرى رأيَهم ، جاز له أن يعمل بذلك، لأنَّها مسألة ظنية، وللمجتهد أن يَعْمَلَ فيها برأيه، وإنما قلنا: إنها ظنية، لأن أدلتها مِن العمومات، وأخبارِ الآحاد والقياسِ ظنيَّةً، وللمجتهد أن يعمل فيها برأيه وليس فيها دليلٌ قاطِعٌ من براهين العقل، ومن ادَّعى شيئاً غيرَ ذلك، فليَدُلَّ عليه. الوجهُ الثاني: أن هذا المذهب لا يختصُّ به المحدِّثونُ، فيرميهم به، بل هو مذهب منشور مشهور، منسوب إلى أكثر طوائف الإسلام، وقد نُسب إلى الزيدية والشافعية والحنفية والمعتزلة وغيرهم من أكابر العلماء. أمَّا الزيديةُ، فنسبه إليهم علاَّمتُهُم بغير منازعةٍ الفقيهُ عبدُ اللهِ بنُ زيد في كتاب " الدُّرر ".

стр. 342

وأمَّا الشافعيةُ، فنسبه إليهم المنصورُ بالله ﵇ في كتاب " الصَّفوَة " وغيره. وأمَّا الحنفية، فمشهور عنهم. وأما المعتزلة، فذكره الحاكم، وأبو الحسين، وابنُ الحاجب. وسيأتي بيان هذه الجملة وقد مضى طرفٌ منها أيضاًً. قال الفقيه عبد الله بن زيد في كتاب " الدُّرَرِ المنظومة في أصول الفقه ": إنَّ مذهبنا قبولُ المجهول. قلتُ: هكذا على الإطلاق، سواءً كان صحابياً أو غيرَ صحابي، وهذا أكثرُ تسامحاً مِن قول المحدِّثين. قال الفقيه عبد الله بن زيد في " الدُّرر" في بيان معنى المجهول: إنه قد يُذكر، ويُراد به مجهولَ العدالةِ، وقد يُراد به مجهولَ الضبط، وقد يُراد به مَنْ لَا يُعْرَفُ بمخالطة العلماء، والأخذِ عنهم، ومجالسةِ المحدِّثين، وقد يُراد به مَنْ لا يُعرف نسبُه ولا اسمُه. قال: ومذهبنا أنه يُقْبَلُ خبرُ من هذه حالُه إلا مجهولَ الضَّبطِ، فسيأتي الكلامُ عليه، واحتج بقبول النبيِّ ﷺ للأعرابيين في رؤية الهلال (١)

стр. 343

وبغير ذلك. فأما مجهولُ الضَّبطِ، فذكر أنه إن عُرِفَ أن ضبطَه أكثرُ قبِلَ بالاتفاق، أو أقلُّ ردَّ بالاتفاق، وإن استويا، فحكى الخلافَ، وقال: مذهبُنا قبولُه إذا لم يعلم من حاله شيء من ذلك، كذا نصَّ عليه، فدلَّ على أنه مقبولُ أيضاًً، وإنما استثنيناه، لأنَّ الكلامَ عليه سيأتي منفرداً في موضع يشتمِلُ على حكاية الخلافِ، وذكر الدليل، ولأنه جهالة صفة معتبرة في الرَّاوي، فلا فرق بينَها وبينَ سائِر الصِّفات، واحتجاجُه بقبول الأعرابيين يدلُّ على ذلك -والله أعلم-. وقال: ويقبل مَن ظاهره العدالة من غير اختبار لعدالته. ومعنى كونه عدلاً: أن يكونَ مؤدياً للواجبات، مجتنباً للكبائر مِن المستقبحات. وقد ذكر المنصورُ باللهِ في أحدِ قوليه -ما لفظه-: ولسنا نعتبِرُ العدالة إلا في أربعةٍ: في الحاكم، والشَّاهِدِ، والإمامِ الأعظم، وإمامِ الصلاة. أو قال في الرابع: المفتي -الشك من قِبلي- ذكره في " هداية المسترشدين " من فتاويه ﵇ في الاحتجاج على وِلاية الفَسَقَةِ ومَنْ ليس بمأمون. وهذا يقتضي مثلَ كلامِ عبدِ الله بن زيد، وقد ذكرتُ فيما تقدم أن ذلك أحدُ احتمالي أبي طالب في " المجزي "، وأرجحُ احتماليه في " جوامع الأدلة "، ولم أعْرِفْ للهادي والقاسم ﵉ نصاً في هذه المسألة، ولا ثبت أنهم نصُّوا على خِلاف كلام المنصورِ بالله، وأبي طالب والمحدِّثين، لأن كلامَهم في فاسق التأويل معروف، وليس لهم نصٌّ في مجهول الصحابة ولا مجهول غيرهم، ولا إجماعَ يقتضي وجوب النكير على مَنْ خالفه، ولم يزل الأصوليون يذكرون الخِلَاف في هذه المسألة من

стр. 344

غير نكير، ولا قدح على من اختار ذلك، فما خصَّ المحدِّثين بالنكير؟ وقد صرَّح الشيخُ أبو الحسين في " المعتمد" (١) باختيار مذهب المحدِّثين، فقال -ما لفظه-: واعلم أنه إذا ثبت اعتبارُ العدالة وغيرِها مِن الشروط التي ذكرناها، وجب إن كان لها ظاهرٌ أن نعتمِدَ عليه، وإلا لَزِمَ اختبارُها. ولا شُبهة أن في بعض الأزمان كَزَمَنِ النبي ﷺ قد كانت العدالةُ منوطة بالإسلام، وكان الظاهرُ من المسلم كونَه عدلاً. ولهذا اقتصر النبيُّ ﷺ في قبولِ خبرِ الأعرابيِّ عن رؤيةِ الهِلال على ظاهر إسلامه، واقتصرت الصحابةُ على إسلامِ مَنْ كان يروي الأخبار من الأعراب. فأمَّا الأزمانُ التي كثرت فيها الخياناتُ ممن يعتقد الإسلام، فليس الظاهرُ من إسلامِ الإنسان كونه عدلاً، فلا بد من اختباره. وقد ذكر الفقهاء هذا التفصيل. انتهى كلامُ الشيخ. وفيه فائدتان: أحدهُما: أنه روى مذهب المحدِّثين عن الصحابة وأنهم كانوا يقبلون أحاديثَ الأعراب، بل هذا أوسع من مذهب المحدِّثين لأنهم اقتصروا على من رأى النبي مِن الأعراب. و ثانيهما: روايته أن الفقهاء ذهبوا إلى ما ذهب إليه المحدثون ، بل إلى قبول جميع المسلمين في وقته ﵇ وإن لم يكونوا أصحابه. وقال الحاكم في " شرح العيون، -ما لفظه-: واحتجُّوا بأن النبيَّ ﷺ قبل خبر الأعرابيِّ لما أظهر الشهادتين ولم يعتبِرْ شيئاً آخر. والجواب: وَلِمَ قلتَ: إنَّه لم يعْرِفْ مِن أحواله ما اقتضى العدالة.

стр. 345

وأيضاًً، فإن أحوال المسلمين كانت أيامَ رسول اللهِ ﷺ معلومةً، وكانت مستقيمة مستغنية عن اعتبارها، فلم يحتجْ إلى استئناف نظرٍ، وحديثُ الأعرابيِّ الذي احتجَّ به الشيخ أبو الحسين والحاكم معروف عند أهل الحديث. قال ابن حجر في كتاب الصيام من " تلخيصه ": رواه أصحابُ السُّنن الأربعة، وابن خزيمة وابن حبَّان، والدارقُطني، والبيهقي، والحاكم من حديث سماك عن عكرمة، عن ابن عباس، وروي مرسلاً عن عكرمة من غير ذكر ابن عباس، ورجحه النسائي (١). وذكر ابن الحاجب في " المنتهي " عن المعتزلة مثل قول المحدِّثين، إلا في من حارب علياً، ولفظه: وقالت المعتزلة: عدولٌ إلا من حارب علياً. وهذا هو الذي أنكره السَّيِّد على المحدثين، فأمَّا حربُ علي ﵇ فهو فسقٌ بغيرِ شَكٍّ، ولكن ليس يجرح به في الرواية متى وقع على وجه التأويل كما يأتي بيانُه. وعن معمر البَصري عن أبي العوَّام البصريِّ قال: كتب عُمَرُ إلى أبي موسى، وساق كتابَه الطويل في القضاء، وفيه من كلام عمر: والمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُم عَلى بَعْضٍ في الشَّهَادَاتِ إلاَّ مَجْلُوداً في حَدٍّ، أو مُجرَّباً عَلَيْهِ شَهَادَةُ الزُّور، أو ظَنِيناً في وَلاء أوْ نَسَبٍ، فإنَّ الله تَوَلَّى مِن العِبَادِ السَّرَائِرَ، وَسَترَ عليهم الحُدُودَ إلا بالبينات والأيمانِ، وساق بقيةَ كتابه. رواه البيهقي (٢) هكذا، ثم قال: وهو

стр. 346

كتابٌ معروف مشهور لا بُدَّ للقضاة مِن معرفته والعملِ به. انتهي كلام البيهقي. وفيه ما يَدُلُّ على مثلِ مذهب المحدِّثين من عدالة المجاهيل في ذلك العصر، وأنَّ مذهَبَهم هذا مشهور في السَّلَف والخَلَفِ غير محدث، ولا مستبعد، ولا مستنكر. وعن شقيقِ بنِ سَلَمَةَ قال: أتانا كتابُ عمر: أن الأهِلَّة بعضُها أكبرُ من بعض فإذا رأيتُم الهلالَ نهاراً، فلا تُفْطِرُوا حتى يشهدَ رجلانِ مسلمانِ أنهما أهلاه بالأمس، وفي رواية: يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمسِ، رواه الدارقطني والبيهقي (١) باللفظين المذكورين قال: وهو أثر صحيح ذكره ابنُ النحويِّ في " خلاصة البدرِ المنير ". الوجه الثالثُ: أن الأدلةَ قد دلَّت على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، أمَّا الكتابُ، فذلك كثيرٌ في غيرِ آيةٍ مثل قَولهِ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وأما السُّنة، ففي ذلك آثارٌ كثيرة نذكر منها نُبذةً يسيرة: الأثر الأول: ما روى ابنُ عمر عن عُمَرَ أنَّ النبي ﷺ قام فيهم فقال: " أُوصِيكُمْ بِأصْحَابِي ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُوا الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ ولا يُسْتحْلَفُ، ويَشْهَدُ الشَّاهِدُ ولا يُسْتشْهَدُ " الحديث (٢) رواه أحمد والترمذي، وقد رواه عن شعبةَ أبو داود الطيالسيُّ

стр. 347

عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن عمر، وله طرق أخرى وهو حديث مشهور جيِّد، قال ذلك الحافظُ ابنُ كثير في " إرشاده ". وذكر أبو عمر بنُ عبد البرِّ في أول كتاب " الاستيعاب " له شواهدَ كثيرة بلفظ: " خَيْرُكُم القرْنُ الَّذين بُعِثْتُ فِيهِم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُوَنهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " (١) عن ابن مسعود، وعِمران بن حُصين، والنُّعمان بنِ بشير، وبُريدة الأسلميِّ، وجعدة بنِ هبيرة. وذكر المنصور بالله في " المجموع المنصوري " أنه لا يُسأل عن عدالةِ ثلاثة قُرون وأن ذلك معلوم، أو معروف لأهل الفقه. قلتُ: وفيه ما يدلُّ على أنَّ المراد بأصحابه أهلُ زمانه، بدليل قولِه: ثُمَّ الذينَ يلونهم. الأثرُ الثاني: عن ابنِ عباس ﵄ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إني رأيتُ الهِلَال -يعني رمضانَ- فقال: أتشْهَدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأنَّ محمداً رَسُولُ اللهِ؟ قال: نعم. فقال: يا بلالُ أذِّنْ في الناسِ أن يصُومُوا غداً (٢). رواه أهلُ السُّنَنِ، وابنُ حِبَّان صاحب الصحيح (٣)، والحاكم أبو عبد الله الشِّيعيُّ العلامة، وقال: هو حديثٌ

стр. 348

صحيح، وذكره الحاكم أبو سعد في " شرح العيون "، واحتجَّ به أبو الحسين في " المعتمد "، واحتج به الفقيه عبدُ الله بن زيد. الأثرُ الثالثُ: حديثُ أبي محذورةَ، فإنَّ رسول الله ﷺ علَّمه الأذانَ عقيبَ إسلامه واتَّخذه مؤذِّناً (١)، وذلك يدلُّ على عدالته مِن قِبَلِ الخِبرة، لأنَّ العدالةَ معتبرة في المؤذِّن، إذ هو مخبرٌ بدخول وقت الصلاة، معتمد عليه في تأدية الفرائض وفي إجزائها. الأثرُ الرابعُ: وهو أثرٌ صحيح ثابت في جميع دواوين الإسلام، بل متواترُ النقلِ، معلومٌ بالضرورة، وهو عندىِ حُجَّة قويةٌ صالحةٌ للاعتماد عليها، وذلك أنَّ رسول الله ﷺ أرسل عليّاً ﵇ ومعاذاً ﵁ قاضيين أو مفتيين ومعلمين (٢)، ولا شكَّ أن القضاءَ متركب على

стр. 349

الشهادة، والشهادة مبنيَّة على العدالة، وهما لا يعرفانِ أهلَ اليمن، ولا يخبُرانِ عدالَتَهم، وهم بغيرِ شكٍّ لا يَجِدُونَ شهوداً على ما يجري بينَهم من الخصوماتِ إلا منهم، فلولا أنَّ الظاهِرَ العدالةُ في أهلِ الإسلام ذلك الزَّمان، وإلا ما كان إلى حكمهما بَيْنَ أهلِ اليمن على الإطلاق سبيل. الأثر الخامسُ: ما ثبت عن عليٍّ ﵇ أنه كان يستحلِف بعضَ الرُّواة، فإن حلف صدَّقه (١). وقد قدَّمنا أنه رواه المنصورُ بالله محتجاً به، وكذلك الإمامُ أبو طالب. وقال الحافظ ابنُ الذهبي: وهو حديثٌ حسنٌ. والتحليفُ ليس يكون للمخبورين المأمونين، وإنما يكون لمن يُجْهَلُ حالُه، ويجب قبولُه فيقوى ﵇ بيمينه طيبةً لنفسه، وزيادةً في قوة ظنه. ولو كان المستحلَفُ ممن يَحْرُمُ قبولُهُ، لم يحلَّ قبولُه بعدَ يمينه. وفي هذا أعظمُ دليل على أنه ﵇ إنما اعتبر الظَّنَّ في الأخبار. الأثرُ السادسُ: حديثُ الجارية السَّوداءِ راعيةِ الغنم التي أراد ﵇ أن يتعرَّفَ إيمانَها، ويختبِرَ إسلامها، فقال لها: منْ رَبُّكِ؟ فأشارت، أي: ربها الله، وسألها: من أنا؟ فقالت: رسولُ الله، فقال ﵇: " هي مؤمنة ". والمؤمن مقبول. وقد وصف الله رسول الله ﷺ بتصديقه للمؤمنين في قوله تعالى في صفته: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] فهذه الجارية حكم ﵇ بإسلامها مِن غير اختبار، بل لم يَكنْ يَعْرِفُ أنَّها مسلمة إلا حينئذٍ، وحديثُها هذا حديثُ

стр. 350

ثابتٌ خرَّجه مسلم في الصحيح (١)، ورواه الشافعي عن مالك. ذكره ابنُ النَّحويِّ في " البدر المنير" وله طُرُق جَمَّةٌ ذكرها ابنُ حجرٍ في " تلخيصه " (٢) ويأتي ذكرُها في مسألة الوعيد.

стр. 351

الأثر السابع: أن الأعرابيَّ الكافِرَ كان يأتي النبيَّ ﷺ فَيُسْلِمُ، فيأمرُه ﵇ إلى قومه داعياً لهم إلى الإسلام، ومعلماً لهم ما علمه النبيُّ ﷺ من شرائعه فلولا عدالتُه ما أقرَّه على ذلك، ولا أمره به، ولقال له: إنَّه لا يَحِلُّ لقومك أن يعملوا بشيءٍ مما علمتهم مِن شرائع الإسلام حتى يختبروك بعدَ إسلامك، وهذا كثير في السيرة النبوية، وكتب السُّنة مثل خبرِ الطُّفيل بنِ عمرو (١) وغيره. الأثر الثامن: حديثُ عقبة بن الحارث المتفق على صحته (٢) وفيه أنَّه تزوَّجَ أمَّ يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمةٌ سوداء، فقالت: قد أرْضَعْتُكُما، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنبيِّ ﷺ فأعرضَ عَنِّي، قالت: فتنحيتُ، فذكرتُ ذلك له. قال: وكيفَ قد زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضعَتْكُمَا؟ -هذا لفظُ

стр. 352

البخاري ومسلم (١) - وفيه اعتبارٌ خبرِ هذه الأمَةِ السوداءِ، والفرقُ بَيْنَ زوجين بكلامهما، ولم يأمره بطلاقٍ، ولا أخبره أنَّ ذلك يُكره مَع الجواز. وفي رواية الترمذي (٢): أنه زعم أنها كاذبة، وأن النبيَّ ﷺ نهاه عنها. وهو حديث حسن صحيح. وقال ابنُ عباس: تُقْبَلُ المرأةُ الواحِدة في مِثْلِ ذلك مع يمينها. وبه قال أحمد وإسحاق. قلتُ: إنما اعتبر اليمين من أجل حقِّ المخلوقين، وكذا من خالف من أهل العِلم في هذه المسألة، فأما حقوقُ الله -تعالى- فخبرُ المرأة الواحدة فيه مقبول اتفاقاً. الأثر التاسعُ: ما رواه المِسْوَرُ بن مَخرَمَةَ: أن رسول الله ﷺ قام في المسلمين، فأثنى على الله، ثم قال: " أمَّا بَعْد، فإنَّ إخْوَانَكُم -يعني هَوازِنَ- قد جاؤوا تائِبينَ، وإنِّي قد رأيتُ أن أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُم أن يُطَيِّبَ ذلِكَ، فَلْيفْعَلْ " إلى قوله: فقال الناسُ: قد طيَّبْنَا ذلِكَ فقال: " إنا لا نَدْرِى مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حتَّى يَرْفَعَ عُرَفَاؤُكُم أمرَكُم " الحَدِيثَ. رواه البخاري (٣).

стр. 353

فالظاهر عدمُ معرفةِ حالِ العُرَفَاء في العدالةِ، فهذا من الأثر. ومِنَ النَّظَرِ أن صِدقَهم مظنونٌ، وفي مخالفته مضرَّةٌ مظنونةٌ، والعملُ بالظَّنِّ من غير خوفٍ مضرَّةٍ حسنٌ عقلاً. ومع خوف المضرَّة المظنونة واجبٌ عقلاً، وإنما خصصناهم بذلك، لما علمنا من صدقهم وأمانتهم في غالب الأحوال، والنادِرُ غيرُ معتبر، إذ قد يجوزُ أن يَكْذِبَ الثِّقَةُ، ولكن ذلك تجويزٌ مرجوحٌ نادر الوقوع فلم يعتبر، والذي يدلُّ على صِحَّة ما ذكرنا: أن أخسَّ طبقات أهل الإسلامِ من يتجاسرُ على الإقدامِ على الفواحش من الزنى وغيره من الكبائر لا سيّما فاحشة الزنى، وقد علمنا أن جماعة مِن أهلِ الإسلام في زمان رسولِ الله ﷺ وقعوا في ذلك من رجالٍ ونساءٍ، فَهُمْ فيما يظهرُ لنا أقلُّ الصحابة دِيانةً، وأخفُّهم أمانةً، ولكنهم مع ذلك فعلوا ما لا يكادُ يفعلُه أورعُ المتأخرين، ومن يَحِقُّ له منصِبُ الأمانةِ في زُمرة الأولياء والمتقين، ومَنْ بَذَلَ الروح في مرضاة اللهِ، أو المسارعة بغير إكراهٍ إلى حُكْمِ اللهِ، مثلَ المرأةِ التي زنت، فجاءت إلى رسولِ الله ﷺ تُقِرُّ بذنبِها، وتسألُه أن يُقِيمَ عليها الحَدَّ، فجعل ﵇ يستثبتُ في ذلك، فقالت: يا رسولَ الله إنِّي حُبلى به، فأمرها أن تُمهل حتَّى تَضَعَ، فلمَّا وَضَعَتْ، جاءت بالمولود فقالت: يا رسولَ اللهِ هو هذا قد ولدتُه. فقال: " أرضِعِيه حتى يَتِمَّ رضاعُه ". فأرضعتْهُ حتَّى أتمت مُدَّةَ الرَضاعِ، ثم جاءت به في يده كِسْرَةٌ مِن خُبْزٍ، فقالت: يا رسولَ اللهِ ها

стр. 354

هو هذا يأكُلُ الخُبْز، فأمر بها فَرُجِمَتْ (١). فانظر إلى عزمها هذه المدَّة الطويلة على الموت في طلب رضا الله تعالى. وكذلك الرجلُ الذي سرق، فأتى النبي ﷺ فطلبه أن يُقيم عليه الحدَّ، فأمر ﵇ بقطع يده، فلمَّا قطعوها، قال السارِقُ: الحمدُ لله الذي أبعَدِك عني، أَرَدْتِ أن تُدْخِلِيني النَّارَ (٢). ومثل ما رُوِي في حديثِ الذي وقع بأمرأته في رمضان (٣). وحديثُ الذي أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله إنِّي أتيْتُ امرأةً، فَلَمْ أتْرُكْ شيئاً مما يفعَلُه الرِّجالُ بالنِّساءِ إلا فعلتُه، إلا أنِّي لم أُجَامِعْها (٤). وغير ذلك مما لا (٥) أعرفه. فأخبرني على الإنصاف: مَنْ (٦) في زماننا من الأبْدَالِ قد سار إلى

стр. 355

الموت نشيطاً كما فعل هؤلاءِ؟ وهل علم أنَّ أحداً في غيرِ تلك الأعصار أتى إلى أهلِ الوِلايةِ ليقتلُوه؟ وهذه الأشياءُ مما تُنبِّه الغافل، وتُقوي بصيرةَ العاقل، وإلا ففي قولِه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] كِفايةٌ مع ما عضَدَها من شهادةِ المصطفي ﵇ بأنهم خيرُ القرونِ (١)، وبأن غيرَهم لو أنْفَقَ مِثْلَ أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه (٢). وقد ذكر ابنُ عبد البر في ديباجة كتاب " الاستيعاب " جملةً شافيةً مما يدُلُّ على فضل أهلِ ذلك الزمان، وأن ظاهِرَهم العدالةُ كُلّهم إلا مَنْ عُلِمَ جَرْحُهُ بطريق صحيحٍ؛ والجرْحُ جرحانِ: جرحٌ في الدِّيانة، وجرح في الرواية، فأما الجرحُ في الدِّيانة، فيثبتُ بفعل الحرام المقطوعِ بتحريمه سواءً كان فاعلُه متأولاً، أو غيرَ ذلك، مثل حربِ أميرِ المؤمنين ﵇ وغيره مِن الفتن، وقد قبلت الزيديّةُ مَنْ حارب عليّاً وكفَّره من الخوارِج، صانه الله مِن ذكرِ (٣) ذلك -كما سيأتي بيانُه- فكيف يُنْكَرُ على المحدِّثينَ قبُولُ مَنْ حاربه ولم يكفِّره، وعُذْرُ الزيديَّة في قبول الخوارجِ من كونهم متأوِّلين هو بعينه عذرُ أهلِ السنة، ومدركُ العمدِ والخطأ خفيٌّ، بل محجوبٌ لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ، ولذلك جاء في الحديث: " إنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أفَتِّشَ عنْ قُلُوبِ النَّاس " (٤) فلذلك رَجَعَ أهلُ السُّنَّة فيه إلى ما ظهر من
следующие страницы →