← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأثر السابع: أن الأعرابيَّ الكافِرَ كان يأتي النبيَّ ﷺ فَيُسْلِمُ، فيأمرُه ﵇ إلى قومه داعياً لهم إلى الإسلام، ومعلماً لهم ما علمه النبيُّ ﷺ من شرائعه فلولا عدالتُه ما أقرَّه على ذلك، ولا أمره به، ولقال له: إنَّه لا يَحِلُّ لقومك أن يعملوا بشيءٍ مما علمتهم مِن شرائع الإسلام حتى يختبروك بعدَ إسلامك، وهذا كثير في السيرة النبوية، وكتب السُّنة مثل خبرِ الطُّفيل بنِ عمرو (١) وغيره. الأثر الثامن: حديثُ عقبة بن الحارث المتفق على صحته (٢) وفيه أنَّه تزوَّجَ أمَّ يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمةٌ سوداء، فقالت: قد أرْضَعْتُكُما، فَذَكَرْتُ ذلك لِلنبيِّ ﷺ فأعرضَ عَنِّي، قالت: فتنحيتُ، فذكرتُ ذلك له. قال: وكيفَ قد زَعَمَتْ أنْ قَدْ أرْضعَتْكُمَا؟ -هذا لفظُ

стр. 352

البخاري ومسلم (١) - وفيه اعتبارٌ خبرِ هذه الأمَةِ السوداءِ، والفرقُ بَيْنَ زوجين بكلامهما، ولم يأمره بطلاقٍ، ولا أخبره أنَّ ذلك يُكره مَع الجواز. وفي رواية الترمذي (٢): أنه زعم أنها كاذبة، وأن النبيَّ ﷺ نهاه عنها. وهو حديث حسن صحيح. وقال ابنُ عباس: تُقْبَلُ المرأةُ الواحِدة في مِثْلِ ذلك مع يمينها. وبه قال أحمد وإسحاق. قلتُ: إنما اعتبر اليمين من أجل حقِّ المخلوقين، وكذا من خالف من أهل العِلم في هذه المسألة، فأما حقوقُ الله -تعالى- فخبرُ المرأة الواحدة فيه مقبول اتفاقاً. الأثر التاسعُ: ما رواه المِسْوَرُ بن مَخرَمَةَ: أن رسول الله ﷺ قام في المسلمين، فأثنى على الله، ثم قال: " أمَّا بَعْد، فإنَّ إخْوَانَكُم -يعني هَوازِنَ- قد جاؤوا تائِبينَ، وإنِّي قد رأيتُ أن أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُم أن يُطَيِّبَ ذلِكَ، فَلْيفْعَلْ " إلى قوله: فقال الناسُ: قد طيَّبْنَا ذلِكَ فقال: " إنا لا نَدْرِى مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حتَّى يَرْفَعَ عُرَفَاؤُكُم أمرَكُم " الحَدِيثَ. رواه البخاري (٣).

стр. 353

فالظاهر عدمُ معرفةِ حالِ العُرَفَاء في العدالةِ، فهذا من الأثر. ومِنَ النَّظَرِ أن صِدقَهم مظنونٌ، وفي مخالفته مضرَّةٌ مظنونةٌ، والعملُ بالظَّنِّ من غير خوفٍ مضرَّةٍ حسنٌ عقلاً. ومع خوف المضرَّة المظنونة واجبٌ عقلاً، وإنما خصصناهم بذلك، لما علمنا من صدقهم وأمانتهم في غالب الأحوال، والنادِرُ غيرُ معتبر، إذ قد يجوزُ أن يَكْذِبَ الثِّقَةُ، ولكن ذلك تجويزٌ مرجوحٌ نادر الوقوع فلم يعتبر، والذي يدلُّ على صِحَّة ما ذكرنا: أن أخسَّ طبقات أهل الإسلامِ من يتجاسرُ على الإقدامِ على الفواحش من الزنى وغيره من الكبائر لا سيّما فاحشة الزنى، وقد علمنا أن جماعة مِن أهلِ الإسلام في زمان رسولِ الله ﷺ وقعوا في ذلك من رجالٍ ونساءٍ، فَهُمْ فيما يظهرُ لنا أقلُّ الصحابة دِيانةً، وأخفُّهم أمانةً، ولكنهم مع ذلك فعلوا ما لا يكادُ يفعلُه أورعُ المتأخرين، ومن يَحِقُّ له منصِبُ الأمانةِ في زُمرة الأولياء والمتقين، ومَنْ بَذَلَ الروح في مرضاة اللهِ، أو المسارعة بغير إكراهٍ إلى حُكْمِ اللهِ، مثلَ المرأةِ التي زنت، فجاءت إلى رسولِ الله ﷺ تُقِرُّ بذنبِها، وتسألُه أن يُقِيمَ عليها الحَدَّ، فجعل ﵇ يستثبتُ في ذلك، فقالت: يا رسولَ الله إنِّي حُبلى به، فأمرها أن تُمهل حتَّى تَضَعَ، فلمَّا وَضَعَتْ، جاءت بالمولود فقالت: يا رسولَ اللهِ هو هذا قد ولدتُه. فقال: " أرضِعِيه حتى يَتِمَّ رضاعُه ". فأرضعتْهُ حتَّى أتمت مُدَّةَ الرَضاعِ، ثم جاءت به في يده كِسْرَةٌ مِن خُبْزٍ، فقالت: يا رسولَ اللهِ ها

стр. 354

هو هذا يأكُلُ الخُبْز، فأمر بها فَرُجِمَتْ (١). فانظر إلى عزمها هذه المدَّة الطويلة على الموت في طلب رضا الله تعالى. وكذلك الرجلُ الذي سرق، فأتى النبي ﷺ فطلبه أن يُقيم عليه الحدَّ، فأمر ﵇ بقطع يده، فلمَّا قطعوها، قال السارِقُ: الحمدُ لله الذي أبعَدِك عني، أَرَدْتِ أن تُدْخِلِيني النَّارَ (٢). ومثل ما رُوِي في حديثِ الذي وقع بأمرأته في رمضان (٣). وحديثُ الذي أتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله إنِّي أتيْتُ امرأةً، فَلَمْ أتْرُكْ شيئاً مما يفعَلُه الرِّجالُ بالنِّساءِ إلا فعلتُه، إلا أنِّي لم أُجَامِعْها (٤). وغير ذلك مما لا (٥) أعرفه. فأخبرني على الإنصاف: مَنْ (٦) في زماننا من الأبْدَالِ قد سار إلى

стр. 355

الموت نشيطاً كما فعل هؤلاءِ؟ وهل علم أنَّ أحداً في غيرِ تلك الأعصار أتى إلى أهلِ الوِلايةِ ليقتلُوه؟ وهذه الأشياءُ مما تُنبِّه الغافل، وتُقوي بصيرةَ العاقل، وإلا ففي قولِه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] كِفايةٌ مع ما عضَدَها من شهادةِ المصطفي ﵇ بأنهم خيرُ القرونِ (١)، وبأن غيرَهم لو أنْفَقَ مِثْلَ أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَه (٢). وقد ذكر ابنُ عبد البر في ديباجة كتاب " الاستيعاب " جملةً شافيةً مما يدُلُّ على فضل أهلِ ذلك الزمان، وأن ظاهِرَهم العدالةُ كُلّهم إلا مَنْ عُلِمَ جَرْحُهُ بطريق صحيحٍ؛ والجرْحُ جرحانِ: جرحٌ في الدِّيانة، وجرح في الرواية، فأما الجرحُ في الدِّيانة، فيثبتُ بفعل الحرام المقطوعِ بتحريمه سواءً كان فاعلُه متأولاً، أو غيرَ ذلك، مثل حربِ أميرِ المؤمنين ﵇ وغيره مِن الفتن، وقد قبلت الزيديّةُ مَنْ حارب عليّاً وكفَّره من الخوارِج، صانه الله مِن ذكرِ (٣) ذلك -كما سيأتي بيانُه- فكيف يُنْكَرُ على المحدِّثينَ قبُولُ مَنْ حاربه ولم يكفِّره، وعُذْرُ الزيديَّة في قبول الخوارجِ من كونهم متأوِّلين هو بعينه عذرُ أهلِ السنة، ومدركُ العمدِ والخطأ خفيٌّ، بل محجوبٌ لا يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ، ولذلك جاء في الحديث: " إنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أفَتِّشَ عنْ قُلُوبِ النَّاس " (٤) فلذلك رَجَعَ أهلُ السُّنَّة فيه إلى ما ظهر من

стр. 356

الشخصِ، ووكلوا باطِنَه إلى اللهِ -تعالى- إلا مَنْ ظَهر نِفاقُه، أو رِدَّتُهُ، أو قامتِ القرائن الضرورية على فجوره، وتعمُّدِه وجُرأتِه. وسيأتي تحقيقُ الكلام في هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الفصل الثاني، وفي الوهم الثالث والثلاثين. وأما الجرحُ في الرواية، فلا يثبت الجرحُ فيه بارتكاب بعضِ الحرام الذي يُمكن تأويلُه مع دعوى التأويلِ، وظهورِ الصدق. وسيأتي تفصيلُ هذه الجملة عند الكلام على المتأولين إن شاء الله، ونبينُ هناك أنَّ الذي ذهبنا إليه في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه جمهورُ العِترة ﵈ وإنَّا لا نقبل منْ لم يقبلوا ممن ظهر منه عدمُ التأويل، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فقد تبيَّن بهذا أنَّ السَّيِّد اعترض المحدِّثين بقبول مجهولِ الصَّحابة أو العاصي منهم على جهة التأويل. فأما المجهول، فقد بينَّا أن قبوله مذهبٌ شائعٌ بينَ العلماء من أهل البيت وأشياعهم، والمعتزلة والفقهاء، وسائر من خاض في العلم من المتقدمين والمتأخرين، وأنَّ كتب الأصوليين مشحونةٌ بذكره، والخلاف فيه. وأما المتأول، فسوف نبيِّن فيه ما يشفي ويكفي -إن شاء الله تعالى- فلا معنى لِقدح السَّيِّد على المحدِّثين بذلك، ولا عَيْبَ على من قرأ كُتُبَ الحديث في ذلك، وهذا مما كنتُ أتوهَّمُ أنَّه لا يقع فيه إنكارٌ، ولا يَمُرُّ القدح به على خاطر. الوجه الرابع: أنّ قوله: إنه يَبْطُلُ بذلك كثير مما في الصحاح، كلامُ مَنْ لم يعرف ما معنى الصحاح: فإنَّ الصَّحاح لم تُصَنَّفْ لمعرفةِ الحديث المجمع عليه لا سوى، بل وُضِعَتْ لذلك، وللقسم الآخر

стр. 357

المختلف فيه، وسيأتي بسطُ ذلك، وبيانُ اختلاف المحدِّثين في التصحيح وشروطه وأنه ظنيٌّ، وأنَّ اختلافهم فيه كاختلاف الفقهاء في الفروع. وتلخيص هذا الجواب: أن يقول ما يعني بأنّه يبطل بذلك كثير، هل عند جميع الأمَّة أو عندك وعند بعض الأمَّة؟ الأول ممنوع، والثاني مُسلَّم (١) كما سيأتي مبسوطاًً مبرهناً. المسألة الثانية التي أنكرها السَّيِّد، وزعم أنَّه يبطل ببطلانها كثير من حديثهم، هي قولهم: إنَّ الصحابي هو من رأى النبي ﷺ مؤمناً به مصدقاً له، وقد تحامل السَّيِّد على المحدِّثين في هذه المسألة فأطلق عليها اسمَ الباطل الَّذي لا يُطلق على أمثالها من المسائل المحتملة، وهذه المسألة مشهورة في الأصول متداولة بين أهل العلم، وقد ذكر ابنُ الحاجب أنها لفظيَّة يعني أنَّ النزاعَ فيها راجعٌ إلى إطلاق لفظيٍّ، وهو مدرك ظنيٌّ لغويٌّ (٢) أو عرفيٌّ. وقد قال السَّيِّد أبو طالب في كتاب " المُجزي ": إنَّ الذي ذكره المحدثون يُسمَّى صحبةً في اللغة، قال ﵇ ما معناه، ولكنَّه لا يسمَّى صحبةً في العُرف السابقِ إلى الأفهامِ. ولا شكَّ أنَّ المقرَّرَ عند المحققِّين تقديمُ الحقيقة العرفيَّة على الحقيقة اللغوية الوضعيَّة. وكلامه ﵇ هذا جيِّد قويٌّ. وقد (٣) خالف الفقيهُ عبدُ الله بن زيد، فقال في " الدُّرَر المنظومة ": إنَّ من رأى النبي ﵌ وأخذ عنه مرةً واحدة يُسمَّى صحابيَّاً في العُرف، ولا يُسمَّى بذلك لغةً وفي الحديث ما يَدُلُّ على صحة

стр. 358

كلام أبي طالب، من ذلك ما خرَّجه البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيُّ من حديث أبي سعيد الخدري أنه كان بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوليد، وعبدِ الرحمن بن عوف شيءٌ، فسبَّهُ خالدٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : " لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فإنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَق مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبَاً ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ " (١) والحجةُ منه في قوله في خِطاب خالد: " فإنَّ أحدَكم " وهذا محمول على أنَّه قبلَ طولِ صحبة خالد. ومن ذلك ما رواه أحمدُ بنُ حنبل في " مسنده " عن معاوية بن قرَّة، عن أبيه قال: مَسَحَ رسول الله ﷺ على رأسي، وفي رواية: سمعتُ أبي وكان قد أدرك النبي ﷺ فمسح رأسَه واستغفر له، وفي رواية: قلنا: أصحبه؟ قال: لا، ولكنَّه كان على عهده قد حلب وصر. قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢) في مناقب قُرَّة المزنيِّ: رواه كُلَّه أحمد بأسانيدَ والبزَّار ببعضه، وأحد أسانيدهما رجالُه رجال الصحيح غَيْرَ معاوية بن قرَّة وهو ثقة. ولا بُد من الكلام في فصلين في هذه المسألة: الفصل الأول: في بيان ظهور ما استغربه السَّيِّد -أيَّدَه الله- من تسمية ذلك الذي ذكره المحدِّثون صحبة في الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 359

ولنُقَدِّمْ قبلَ ذلك مقدِّمةً: وهي أنَّ الصحبة تُطْلَقُ كثيراً في الشيئين إذا كان بينَهُما ملابسة، سواءً كانت كثيرةً أو قليلة، حقيقيةً أو مجازيةً، وهذه المقدمة تُبَيِّن بما (١) ترى من ذلك في كلامِ الله ورسوله، وما أجمع العلماءُ عليه من العبارات في هذا المعنى. أمَّا القرآن، فقال (٢) الله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٤] فقضى بالصحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرى بينهما من ملابسة الخطاب للتقدم (٣)، وقد أجمعت الأمَّة على اعتبار الإسلام في اسم الصحابي، فلا يُسمَّى من لم يُسلم صحابيَّاً إجماعاً، وقد ثبت بالقرآن أنَّ الله سمَّى الكافر صاحباً للمسلم، فيجب أن يكون اسمُ الصحابيِّ عُرفيَّاً، وإذا كان عُرْفياً اصطلاحيّاً كان لكل طائفة إن تصطلح على اسمٍ -كما سيأتي تحقيقُه- قال تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦] وهو المرافق في السَّفَرِ، ولا شك أنَّه يدخل في هذه الآية الملازم وغيره، ولو صَحِبَ الإنسان رجلاً ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفارِ، لدخل في ذلك، لأنَّه يَصْدُق أن يقول: صحبتُ فلاناً في سفري ساعة من النَّهار، ولأن من قال ذلك لم يرد عليه أهل اللغة، ويستهجنوا كلامه. وأمَّا السنَّة، فكثير غيرُ قليل، وَمِنْ أوضحها ما ورد في الحديثِ الصحيحِ مِن قوله ﵇ لِعائشة ﵂: "إنَّكُنَّ

стр. 360

صَواحِبُ يُوسُف" (١) فانظر أيُّها المنصف ما أبعدَ هذا السبب الذي سمَّيت به النَّساء صواحب يوسف، وكيف يستنكر مع هذا أن يُسمّى من آمن برسول الله ووصل إليه وتشرَّف برؤية غُرّته الكريمة صاحباً له، ومن أنكر على من سمَّى (٢) هذا صاحباً لرسول الله ﷺ ، فليُنْكِرْ على رسول الله حين سمَّى النساء كُلَّهُنَّ صواحبَ يوسف. ومن ذلك الحديثُ الذي أُشيرَ فيه على النبيِّ ﷺ أن يقتل عبدَ الله بن أُبيٍّ رأسَ المنافقين فقال ﵇: " إنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُقَال: إنَّ مُحَمَّداً يقْتُلُ أَصْحَابَه " (٣) فسمَّاه صاحباً مع العلم بالنِّفاق للملابسة الظاهرة مع العلم بكُفرِه الذي يقتضي العداوةَ، ويمحو اسم الصحبة (٤) في الحقيقة العرفية. ومما يَدُلُّ على التوسع الكثير في اسم الصحبة إطلاقها بين العقلاء وبين الجمادات كقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ومثل تسمية ابنِ مسعود صاحب السِواد (٥) وصاحب النعلين والوِسادة. وأمَّا الإجماع، فلا خلاف بينَ الناسِ أنَّه كان رسولُ الله ﷺ إذا لاقى المشركين في الحرب فقُتِل من عسكر النبيِّ ﷺ جماعةٌ، ومِن المشركين

стр. 361

جماعة أن يُقال: قُتِلَ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ كذا وكذا، ومن المشركين كذا وكذا، وبذا جرى عَمَلُ المؤرِّخين والإخباريِّين، يقولون في أيَّام صِفِّين: قُتِلَ من أصحاب عليٍّ كذا، ومن أصحاب معاوية كذا، ولا يَعْنُونَ بأصحابِ عليٍّ من لازمه، وأطال صحبتَه، بل من قائل معه شهراً، أو يوماً، أوَ ساعة. وهذا شيء ظاهر لا يستحق مَنْ قال بمثله الإنكار. ومن ذلك أصحابُ الشافعي، وأصحابُ أبي حنيفة، وأصحاب النَّصِّ، وأصحابُ الحديثِ والفقه، وأصحابُ الظاهر، يُقال هذا لمن لم ير الشافعيَّ، ولا يصحبُه قليلاً ولا كثيراً لملابسة ملازمة المذهب، ولو دخل في مذهب الشافعيِّ في وقتٍ، لقيل له في ذلك الوقت: قد صار مِن أصحابه، من غير إطالة ولا ملازمة للقول بمذهبه، وكذا (١) تسميتُه ﵇ صاحبَ الشفاعةِ قبل أن يَشْفَعَ هذه ملابسة بعيدة، وكذا أصحابُ الجنة قبلَ دخولها، وأمثال ذلك. وكذلك سائرُ هذه الأشياء مما أُجْمعَ على صحته. كُلُّ هذا دليل على أنَّ اسمَ الصحبة يُطلق كثيراً مع أدنى ملابسة، والأمرُ في هذا واسع، وهي لفظة لغوية، والاختلاف فيها على أُصولنا أهونُ من الاختلاف في الفروعِ الظنيَّة التي كُلُّ مجتهدٍ فيها مُصيب (٢)، لأنَّ

стр. 362

الفروع الظَّنيَّة مشتملة على التحليل والتحريم، هذه لفظة لغوية ليس تحتها ثمرة. فأمَّا عدالةُ الصحابة وعدمها، فهي مسألة ثانية بدليل منفصلٍ عن التسمية. وأما الاحتجاجُ بقول الصحابيِّ، وجواز تقليد المجتهد، فليس بصحيح عندنا حتى نُفرِّعه على هذه المسألة. وأما ترتيبُ معرفة إجماعهم على هذا، فغلط، وهَّمه عبد الله بن زيد ﵀، لأنَّه لا يكون إجماعاً حتى يُصْفِقَ عليه أهلُ ذلك العصر: من رأى النبي ﷺ ومَنْ لم يره، ومن رآه مرةً أو أكثر، لأن الحجَّة هي إجماعُ المؤمنين، لا إجماعُ مَن صَحِبَ النبيَّ ﷺ منهم، وهذا واضح -والله سبحانه أعلم-. فبان لك أنَّ الأمرَ قريبٌ في هذه التسمية، وأنَّ قول السَّيِّد: إنَّ قول المحدثين باطل قول بديع، وأن المسألة أهونُ من ذلك. وقد قال غيرُ واحدٍ من العلماء بجواز إثبات اللغة بالقياس، واختاره المنصورُ بالله في " الصفوة " ولم يُنْكِرْ ذلك أحدٌ عليهم، وهو أعزبُ من

стр. 363

قول المحدثين، وأكثرُ ما في الباب أن يُضَعَّف دليلُهُم، فما شأنُ الإنكارِ على من اتّهم بدعوى الاجتهاد، والسَّيِّد ذكر ذلك في الاستدلال على الشكِّ في تعذُّرِ الاجتهاد والقطع بتعسُّره، وأين ذلك الذي قصد من اسم من رأى النبي ﷺ في اللغة وما بيْنَ هذين من الملابسة. الفصل الثاني: في بيان المختار. والمختار أنَّ ذلك أمرٌ عرفيٌّ اصطلاحيُّ يختلفُ باختلاف الأزمانِ والبُلدان، وقد يُوضَعُ في بعضِ الأزمان اصطلاح لم يكن قبلَ ذلك الزمان، مثل اسم النَّحو، فإنَّهُ اسمٌ مُوَلَّدٌ غيرُ عربي (١) وقد يصطَلِحُ بعضُ أهلِ الفنون في فَنِّهم ما لم يصطلح عليه غيرُهُم مثلَ الكلام، فإنَّه عند النحاة المفيد، وعند المتكلمين: ما تركَّبَ مِن حرفين فصاعداً، فإذا ثبت ذلك، لم يمتنِعْ أن يصطَلِحَ المحدِّثون على أمرٍ في تسمية الصحابة، ويصطَلِحَ الأصوليُّون على خلافه، ويكونَ المفهوم من اصطلاحِ كل فريق ما اصطَلَحُوا عليه، مثل ما يفهم من النحاة متى أطلقوا اسم الكلام أنَّه المفيد، وأنَّ الكلمة الواحدة لا تُسمَّى كلاماً. ويُفهم من المتكلمين متى أطلقوا ذلك خلافَ ما فهمنا من النحاة، ومثل هذا لا حَجْرَ فيه، ولا تضييق -والحمد لله-. ومدارُ كلام السَّيِّد في هذه الأمور كلها على إنكار مخالفة المحدِّثين لاختياره -أيده الله- في التصحيح وشرائطه، وهذه غفلة عظيمة، لأن تصحيحَ الحديثِ ظنيٌّ اجتهادي، ولذلك اشتدَّ الخلافُ في شرائطه، ألا ترى أنَّ شرط البخاري غيرُ شرطِ مسلم في الرجال والاتصال، وكذلك

стр. 364

الاختلافُ في قبول المتأولين، والفرق بينَ الداعية وغيره، وبين من بلغ الكفرَ، ومن لم يبلغه، ومع ذلك، فالخلافُ في تصحيح الحديث، كالخلاف في فروع الفقه لا يستحق النكيرَ، وقد ذكر ابنُ حجر في مقدمة شرح البخاري (١) مما خُولِفَ البخاريُّ في تصحيحه أكثرَ مِن مئة حديث بأعيانها غيرَ ما خُولِفَ فيه من القواعد، مثل حديث عكرمة (٢) وقبول عنعنة المدلسين (٣) في بعض المواضع. فالمحدثون قصدوا تدوينَ السنن على ما اختاروه في مواضع الخلاف والسَّيِّد ظن أنُّهم ادَّعوا الإجماع أو الضرورة في التصحيح، فبنى على غير أساس- وسيأتي زيادة بيان لهذا. وبقية ما ذكره السَّيِّد -أيَّده الله تعالى- يشتمل على مسألتين: أحدهما: من قاتل علياً ﵇ من البُغاة والخوارج

стр. 365

والموارق، والسَّيِّد ذكر هذه المسألة في هذا الموضع ذكراً مختصراً، وأعادها فيما يأتي بأطول من ذلك، فنؤخرها إلى حيث بسط القولَ فيها. و المسألة الثانية: قبولُ الأعراب ، والسَّيِّد قد أعادها حيثُ بسط القولَ في هذا المعنى، وقد ذكر في هذا الموضع الأعرابي الذي بال في المسجد (١) ووفد بني تميم (٢)، وما نزل فيهم، ووفد عبد القيس (٣) ولم يُعِدْ هذه الأشياء في غيرِ الموضع فنذكرها ها هنا، فهي ثلاثُ حُجج احتج بها السَّيِّد على بُطْلانِ كثير من أخبار الصحاح . الحجة الأولى: خبرُ الأعرابيِّ الذي بال في مسجد رسولِ الله ﷺ . قال السَّيِّد أيَّدَه الله: إنَّهُ يلزم أنَّه عدل. قلنا: الجوابُ من وجوه: الوجه الأول: أن نقول من أين صح للسَّيِّد أنه كان في عصره ﵇ أعرابيٌّ بال في المسجد، فثبوتُ هذا مبنيٌّ على صحة طرق الحديث وقد شكَّ في تعذرها، إن صحَّت طريق هذا، بطل الشَّكُّ، إذ من البعيدِ أن يصح طريقُ هذا دون غيرهِ. الوجه الثاني: أنَّا قد ذكرنا أنَّ كل مسلم ممن عاصر النَّبيَّ ﷺ ممن لا يُعْلَمُ جرحُهُ، فإنَّه عدلٌ عند الجِلَّة من علماء الإسلامِ من الزيدية، والمعتزلة، والفقهاء، والمحدثين، وأن هذه المسألة مما لا ينكر. وهذا الأعرابيُّ مِن جملة من دخلَ تحت هذا العموم فنسأل السَّيِّد: ما الموجب

стр. 366

لتخصيصه بالذكر؟ فإن الخصم ملتزم لعدالته، ومطالب بإبداء المانع منها، فإن قال السَّيِّد: إنَّ بولَه في المسجد يمنع من العدالَة، لأنَّه محرَّم. فالجواب عليه: أن الجرحَ بذلك غيرُ صحيح، لأنَّه لا دليلَ على أنَّه فعله وهو يعلمُ بالتحريم، ويقوِّي هذا أنَّ النبي ﷺ منع مِن قَطْعِ درَّتِهِ، ونهي من نهاه، وقال: " إنَّ منْكمْ مُنَفِّرينَ " (١) ولو كان في فعله متعمداً لارتكاب ما حرَّمه اللهُ -تعالى- مجترئاً معانداً لم يستحق هذا الرفق العظيم، ولكان الأشبه أن يُزجر عن الجرأة، وهذا مقوٍّ فقط. والمعتمد أنَّ الأصل جهله بالتحريم، لكنِّا تقوينا بأنه ﵇ رَفَقَ به، ولان له لجهله بذلك -والله أعلم-. فإن قال السَّيِّد -أيده الله-: إنَّ ذلك يقدح في العدالة من أجل دِلالته على الخِسَّة وقلة الحياءِ والمروءة، إذ البولُ في حضرة الناس يَدُلُّ على ذلك، كما يقدح بأمثال ذلك من المباحات، كالأكل في الأسواق. قلنا: الجواب أنَّ هذا مما يختلِفُ بحسب العُرف، وقد كانت الأعرابُ في ذلك الزمان وفي غيره لا تستنكِرُ مثلَ ذلك في باديتها، فكل ما كان يعتادُهُ أهلُ الصيانة من المباحات في بلدٍ أو زمانٍ لم يقدح في عدالة أحدٍ من أهل ذلك الزمان، ولا مِن أهل ذلك المكان. وقد كان رسولُ الله ﷺ يمشي في المدينة بغير ردَاءٍ، ولا نعلٍ، ولا قَلنْسُوَةٍ يعود المرضى كذلك في أقصى المدينة. ومثل هذا في غير ذلك الزمان، وفي بعضِ البُلدان مما يتكلم بعضُ أهلِ الفقه في قبولِ فاعله لعرف يختصُّ بتلك البلدة، وبذلك الزمان، ولم يكن هذا مستنكراً في زمانه ﵇

стр. 367

فقد كانوا أقربَ إلى عرف أهل البادية. وكذلك فقد ورد عنه ﵇ أنه أخذ قِطْعَةً من لحم، وجعل يلُوكُها في فيه وهو يمشي في الناس، ذكر معناه أبو داود (١). وقد أردت ﵇ أمرأةً خلفه في بعض الغزوات وهي أجنبية على بعيره (٢) وربَّما كان هذا مما يتجنَّبُه أهلُ الحياء في بعض الأزمان وبعض الأمكنة، وقد ثبت أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يتجنَّبه، وقد ثبت أنَّه ﵇ كان أشدَّ حَيَاءً مِن العذْرَاءِ في خِدْرِهَا (٣) وأنَّه كان لا يُثْبِتُ بصرَه في أحدٍ حياءً منه. فلولا اختلاف العرف لم يفعل ﵇ ما يُستَحيي منه في غير زمانه ﵇. وقد غَلِطَ من جرح الصُّوفيَّة بما يرتاضون عليه من هذه المباحات، مغتراً بعموم تمثيلِ الفقهاءِ، والوجهُ في الغلط في ذلك أنَّه ليس بجرح في

стр. 368

نفسه بالاتفاق، لأنَّه مباح لا إثم فيه، وإنَّما عد جرحاً لمن هو في حقَّه دلالة على الاستهانة بالدِّين، وعدمِ المبالاة والخَلاعة، وقِلَّةِ الحياء، فحين صدر على وجهٍ يُعرف معه أنَّه لا يدل على ذلك، بل ربَّما عرف معه أنَّ صاحبه على العكس من ذلك، فأين دلالته على الجرح؟. الوجه الثالث: لو قدرنا أنَّ هذا مما يجرح به، لكان مما يحتمل النظر والاختلاف ، ولا يُعاب على من جرح به ولا على من لم يجرح به. الوجه الرابع: سلَّمنا أنه مجروح، فيجبُ من السَّيِّد -أيَّدَه اللهُ- أن يُبيِّن كم روى هذا الأعرابيُّ مِن الحديث في كتب الصحاح، ومن أين له أنَّ أهلَ الصحاح رَوَوْا عنه؟. الوجه الخامسُ: سلَّمنا أنَّهم رَووْا عنه، وأنه مجروح، فما وجهُ الاحتجاج على الشَّكِّ بتعذُّرِ (١) الاجتهاد بهذا، وليس يمنع هذا من إمكان الاجتهاد، بل كُلَّما كَثُرَ المجروحون، سَهُلَ الاجتهادُ، لأنه يَسْقُطُ التكليفُ بحديثهم، فَيقِلُّ التكليفُ بحفظه وبالعملِ به. والكلامُ مِن أصله إنّما هو في الاجتهاد، وأنّه متعسِّر أو متعذِّر. الحجة الثانية: وفدُ بني تميم. قال السَّيِّد -أيَّده الله-: إنَّه يلزم قبول حديثهم، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾ [الحجرات: ٤]. والجوابُ من وجوه:

стр. 369

الأول: من أينَ صَحَّ (١) أنَّها نزلت في بني تميم، وأنَّها نزلت في المسلين، والطريق إلى صِحة ذلك عندك مشكوك في إمكانها وتعذرها كما في سائرِ الأخبار. الثاني: أنَّ نِدَاءهم له ﵇ مِن وراء الحُجُرَاتِ كان قبل إسلامِهم، وإنَّما قال الله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون﴾، لأجل ندائهم، هذا هو السابقُ إلى الأفهام كما إذا قلت: إنَّ الذين يكفرون بالله لهم عذاب أليم. فإنَّ العذابَ الأليمَ مستحقٌّ بسبب الكفر، وهو تنبيه ظاهر على العلة، وقد ذكره أهلُ الأصول. قالوا: لو قال ﵇ من أحدث فليتَوضَّأ، كان ذلك تنبيهاً على أنَّ الحدث هو الموجبُ للوضوء، فإذا ثبت ذلك، لم يتوجَّه عليهم بَعْدَ الإسلام الذمُّ الذي صدر على فعلهم قَبْلَه، وإنّما أنزَلَهُ اللهُ بعد إسلامهم تأديباً لهم ولغيرهم أن لا يعودوا لمثله، كما أنزل بعدَ توبةِ آدم ﵇: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] تأديباً لِغيره من الأنبياء-﵈ ولِحكمة يستأثِرُ اللهُ تعالى بعلمها، وكما قال في طائفة من الصحابة يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا﴾ مع وقوله: ﴿وَلقَدْ عَفَى عَنْكمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢].

стр. 370

الوجه الثالث: أنَّ قوله: ﴿لا يعقِلون﴾ ليس على ظاهره لِوجهين: أحدهُما: أنهم مكلفون، وشرط التكليف العقلُ . الثاني: أنَّه -سبحانه- أجلُّ من أن يَذُمَّ ما لا يَعْقِلُ ، كما لا يَصِحُّ نزولُ آيةٍ في ذَمِّ الأنعامِ بعدم العقل، إذ من لا عقلَ له، فلا ذنب له في عدم العقل. إذا ثبت ذلك، فالمراد ذمُّهم بالجفاوة، وعدم التمييز للعوائد الحميدة، وآداب أهل الحياءِ والمروءة وهذا ليس من الجرح في شيء، فإنَّ لطفَ الأخلاق، والكيْسَ في الأمور، ليس مِن شرط الراوي. ومبنى الرِّواية على ظنِّ الصِّدق كما قَدّمناه، وأولئك الأعرابُ -لا سيَّما ذلك الزمان- كانوا من أبعدِ النَّاسِ عن الكذب، والظنُّ لصدقهم قويٌّ، لا سيَّما في الحديث عن رسول الله ﷺ ، ولا بُدَّ -إِن شاء الله- من الإشارة إلى أنه لا داعي للمسلم إلى الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ في غالب الأحوال، وقد قدمنا الأدلة على أنهم عدول بدخولهم في الإسلام ما لم يَدُلَّ دليل على الجرح. الوجه الرابع: أنَّ صدور مثلِ هذه القوارع، على جهة التأديب للجاهلين والإيقاظ للغافلين من الله تعالى، أو من رسوله ﵇ لا تدُلُّ على جرح منْ نزلت فيه، أو بسببه ما لم يكن فيها ما يَدُلُّ على فسقه وخروجه من ولاية الله، فقد ينزل شيءٌ من القرآن العظيم، وفيه تقريع لبعض الأنبياء ﵈ وتأديبٌ لبعض الرسل الكرام، وقد قدَّمنا كلاماً في العدالة، ودللنا عليه، وقد قال الله تعالى لخيار المهاجرين والأنصار: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] وأنزل اللهُ أولَ سورة الممتحنة في شأن حَاطِبِ بنِ أبي

стр. 371

بَلْتَعَه، وَشَدَّدَ على مَنْ والى أعداءَ اللهِ ولم يكن ذلك جرحاً في حاطب، فقد عَذرَهُ رسولُ الله ﷺ ونهي عمر عنه، وقال له: " إنَّك لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على أهلِ بَدْرٍ، فقَالَ لَهُمْ: اعْملُوا ما شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " (١). وقد ثبت في صحيح مسلم (٢) عن رسول الله ﷺ : أنَّ حاطباً يَدْخُلُ الجنة ﵁. وقد نزل الوعيدُ في رفع الأصواتِ عند رسولِ الله، فأشفق (٣) بعضُ الصحابة (٤) من ذلك وكان جهوريَّ الصوتِ (٥). ولم يكن ذلك جرحاً في أولئك.

стр. 372

وقد أنزل اللهُ فيه ﵇ سورة عَبَسَ، ونزل في آدم: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]. وقال ﵇ لأبي ذر -وهو الذي ما أظلَّتِ (١) السَّمَاءُ أصدَقَ منه-: " إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهلِيَّة " رواه البخاري (٢) قاله ﵇ وقد سبَّ امرأة، وقال لمن زَكَّى بعضَ الأمواتِ: " وما يُدْرِيكَ لَعَلهُ تَكَلَّمَ بِمَا لا يَعْنِيهِ أوْ بَخِلَ بِمَا لا يُغْنِيهِ " (٣)، كما سيأتي في آخر الكتاب في أحاديث التخويف. وعن عليٍّ ﵇ لابن عباس لمّا راجعه في المتعة: إنَّكَ امْرُؤٌ تَائِه (٤). الوجه الخامسُ: سلَّمنا أنه جرح فيهم، فنحن نترُكُ حديثَهُم، فأين تعذُّرُ الاجتهادِ وتعسُّره إذا تركنا حديثَ بني تميم ؟. الوجهُ السادِسُ: أنَّ هذا يُودِّي إلى جرح بني تميم كُلِّهم ، وهذا

стр. 373

بعيد لم يُعْهَدْ مِثْلُه، إنَّما يُجرح رجل معيَّنٌ بشيء معيَّن، وأمَّا جرح قبيلة من المسلمين فلم يُعهد مثل هذا، ولا نُقِلَ عن أحدٍ من أهل العلم. الحجة الثالثة: وفدُ عبدِ القيس، ولم أعلم ما وجهُ تخصيصِهم بالذكر، فإنَّهم من جملة الأعراب إلاَّ أنَّه ارتدَّ منهم من ارتدَّ بعد الإسلام. والجواب على ما ذكره من وجوه: الأول: أنّ إسلامهم يقتضي قبولَ حديثهم ما داموا مسلمين ، وردَّتُهم تقتضي ردَّ حديثهم من بعد أن ارتدوا، ولا مانع مِن ورود التعبُّد بهذا في العقل، ولا في الشرع المنقول بالتواتر المعلومِ معناه، بل قد بيَّنا فيما تقدم قبولَ رسول الله ﷺ لمن أسلم عقيبَ إسلامه، والدليلُ عامٌ لوفد عبدِ القيس ولغيرهم. الثاني: إمَّا أن يكون السَّيِّد أنكر قبولَهم، لأن من أسلم لا يُقْبَلُ حتى يُختبر، أو لأنهم ارتدُّوا بعد الإسلام ، إن كان الأوّل، فقد بيَّنا أنَّ قبولهم مشهور منسوب إلى طوائف الإسلام من الزيدية والمعتزلة والشافعية والحنفية، وسائر الفرق، وبينا الأدلةَ على ذلك وبيَّنا أنَّ أقصى ما في الباب أن لا يترجَّح للعالم موافقة الجماهير على هذا، لكن لا يَحِلُّ له الإنكارُ عليهم وإن كان السَّيِّد يُوافق أنَّ قبولَ المسلمين في ذلك الزمان قبل الاختبار غيرُ منكر، وإنّما أنكر قبول المسلم الذي يريد أن يرتدَّ بعد إسلامه، فهذا لا يصح لأمرين: أحدهما: أنَّ العلم بأنَّه يُريد أن يرتدَّ من قِبَل علم الغيب الذي استأثر الله به، وقد حكم أميرُ المؤمنين ﵇ بشهادة شاهدين، ثم انكشف أنهما شهدا من غير علم فلم يلزمه من ذلك محذور.

стр. 374

وثانيهما: أنَّ العدل المخبور إذا فَسَقَ بعد العدالة، لم يقدح ذلك في شهادته وروايته قبلَ الفسق، ولا أعلم في ذلك خلافاً. وقد ثبت أنَّ المسلمين كانوا عدولاً في زمانه ﵇ عقيب إسلامهم، فإذا كفروا بعدَ العدالة، لم يقدح كفرُهُم فيهم قبل أن يكفروا، ولا قال أحد: إنَّ الكفر يقدح في الراوي قبل أن يكفر. الثالث: سلمنا أنَّ وفد عبدِ القيس مجاهيل ومجاريح فما للاجتهادِ، والتعذُّر أو التَعَسُّرِ ، ولا نعلم لوفد عبد القيس حديثاًً إلا حديثاًً واحداً في دعوة نبويَّة وذلك ما رواه الإمام أحمد (١) عن وفد عبد القيس أنَّهم سَمِعُوا رسولَ الله ﷺ يقول: " اللهمَّ اجعلنا من عِبادك المنتجبين (٢) الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الوفدِ المتقبّلين ". قالوا: يا رسولَ الله: وما الوفدُ المتقبلون؟ قال: " وفد يَقْدَمُونَ من هذه الأمة مع نبيهم إلى ربهم ﵎ " أخرجه الهيثمي " في مجمع الزوائد " (٣) وقال: فيه من لم أعرفهم. وأحاديثُ الصحابةِ الكبار هي المتداولة في كتب الحديث والفقه والتفسير، وأحاديثُ الأعراب الجُفاة غيرُ معروفة، ورجال السُّنَّة قد صنَّفوا كتباً كباراً في معرفة الصحابة، فبينوا فيها من هو معروفُ العدالة من الأصحاب، ومن لا يُعرف إلا بظاهر إسلامه من الأعراب، ومن له رواية عنه ﵇ ومَنْ ليس له رواية، ومن أطال الصحبة، ومن لم يُطِلْها، والناظر

стр. 375

في كتب الحديث متمكن من تمييز أحاديث الصحابة المعدلين وأحاديثِ الأعراب المجهولين على ندورِها وقلتها، وإنَّما يلزم الجهل لو كان أهلُ الحديث يُرسِلُون الأحاديثَ، فأين تعذُّر الاجتهاد؟ وما معنى التشويش في جميع الحديث بأنَّ بعض وفدِ عبد القيس ارتدُّوا وإذا ارتدّ وفدُ عبدِ القيس فمَهْ (١) أتبطُلُ السُّنَّة، ويضيعُ العلمُ، ويلزم أن لا يَصِحَّ حديثُ الثقات من أصحاب رسول الله ﷺ هذا الكلامُ المعتلُّ؟! والاستدلال المختل؟! وهذا ذكر جُلةِ الرواة من الصحابة رأيتُ أن أذكر أسماءهم لِيُعْرَفَ أنَّ حديثهم هو الذي يدور عليه الفقه، وينبني عليه العلم، وأنَّ حديث جُفاة الأعرابِ المجاهيل شيءٌ يسيرٌ نادرٌ على تقدير وقوعه، ويُعْلَمَ أنَّه لم يُبْنَ على حديث جفُاة الأعراب حكمٌ شرعيٌّ، فإن اتفق ذلك على سبيل الشذوذ، ففي نادر الأحوال ممن يستجيزُ ذلك من العلماء من غير ضرورة إلى ذلك، فإنه لو لم يستجز الرواية عنهم، كان له في القرآن وما صحَّ من السُّنَّة غُنيةٌ وكفاية. وإذا أردتَ أن تعرِفَ صدق هذا الكلام، فَأرِنَا مسألة احتج عليها المُحَدِّثون والفقهاءُ بأحاديثِ الأعراب الجُفاة، وأخبرنا بمسألة واحدة تمسَّكوا فيها بأحاديث أولئك الأعراب. وكذلك حديثُ معاوية بن أبي سفيان، فإني ما أعلم أنه قد مرَّ لي في فقه الفُقهاء، ولا مذاهب المحدثين في التحليلِ والتحريم مسألةً ليس لهم فيها حُجَّةٌ إلا حديثَ معاوية وروايتَه، وفي عدمِ ذلك، أو نُدرته ما يدّلُّكَ على ما ذكرنا من أن جلَّة الرواة هُمْ عيونُ الصحابةِ المشاهير لا جُفاةُ الأعراب المجاهيل، فدع عنك هذه الشبَه

стр. 376

الضعيفة والمسالِكَ الوعرة. وإما أن يكون من أهل العلم المجدِّدين لما دَرَسَ من آثاره، المجتهدين في الرَّد على من أراد خفضَ ما رفع الله مِن مناره، وإلا فباللهِ أرحنا من تعفيتك لِرسومه، وتغييرك لوجهه، فحديثُ رسولِ الله ﷺ ركنُ الشريعة المطهرة المحروسة إلى يوم القيامة وليس يَضُرُّ أهلَ الإسلام جهالةُ بعضِ الأعراب، فلنا عن حديثهم غُنيةٌ بما رواه عليٌّ بن أبي طالب، وأبو بكر، وعثمان، وعَمَرُ، وطلحة، والزبيرُ، وسعدُ بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بنُ الجراح، وعبدُ الرحمن بنُ عوف، وسعيدُ بنُ زيد، هؤلاء العشرةُ المشهود لهم بالجنة ﵃ وبعدَهم من لا يُحصى كثرةً من نبلاء المهاجرين والأنصار، والذين اتَّبَعوهم بإحْسَانٍ مثل الإماميْن الكبيريْنِ سيِّدَيْ شبابِ أهلِ الجنة الحسنِ والحسينِ ﵉ وأمَّهما سيدةِ نساء العالمين ﵂، وعمّارُ بنُ ياسر، وسلمانُ الفارسي، وخزيمةُ بنُ ثابت ذو الشهادتين، وأنسُ بن مالك خادمُ رسول الله ﷺ ، وعائشةُ أُمُّ المؤمنين ﵂، وحَبْرُ الأمَّةِ عبد اللهِ بن العباس، ووالدُه العباس عمُّ رسول الله ﷺ ، وأخوه الفضلُ ﵃، وجابرُ بنُ عبد الله، وأبو سعيد الخدريُّ، وصاحبُ السِّواد (١) عبدُ الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، والبراءُ بن عازب، وأمُّ سلمة أمُّ المؤمنين، وأبو ذر الغِفاريُّ الذي نصّ ﵇ أنّه لم تُظِلَّ السَّماءُ أصْدَقَ لهجةً منه، وعبدُ الله بن عمرو الذي أَذِنَ له ﵇ في كتابة حديثه الشريف، فكتب ما لم يكتبْه غيرُه (٢)

стр. 377

فاستكثر من طَيِّب، وأبو أمامة الباهليُّ، وحُذَيَفْةُ بنُ اليمان، والحافظُ الكبير أبو هريرة الدَّوسيُّ الذي قرأ له رسولُ الله ﷺ في نمِرتِه (١)، ثمَّ أمره، فلفَّها فلم ينسَ شيئاً مما سَمِعَه (٢)، وأبو أيوب الأنصاريُّ، وجابرُ بن سَمُرةَ الأنصاري، وأبو بَكْرَةَ مولى النبيِّ ﷺ وأسامةُ بنُ زيد مولاه ﵇، وسمرةُ بن جُنْدُبٍ، وأبو مسعود (٣) الأنصاريُّ البدري، وعبدُ الله ابن أبي أوفى، وزيدُ بن ثابت، وزيدُ بن خالد، وأسماءُ بنتُ يزيد بنِ السكن، وكعبُ بنُ مالك، ورافعُ بن خدِيج، وسلمةُ بنُ الأكوع، وميمونةُ أمُّ المؤمنين، وزيدُ بنُ أرقم، وأبو رافع مولى النبي ﷺ ، وعوفُ بن مالك، وعديُّ بنُ حاتِم، وأمُّ حبيبة أمُّ المؤمنين، وحفصةُ أمُّ المؤمنين، وأسماءُ بنتُ عميس، وجُبيرُ بن مطعم، وأسماءُ بنتُ أبي بكر الصِّديق ذاتُ النِّطاقين، وواثِلَةُ بنُ الأسقع، وعقبةُ بن عامر الجُهني، وشَدَّادُ بنُ أوس

стр. 378

الأنصاريُّ، وعبدُ الله بنُ زيد، والمِقدامُ أبو كريمة، وكعبُ بن عُجْرَة، وأمُّ هانىءٍ بنتُ أبي طالب، وأبو بَرْزة، وأبو جُحيفة، وبلالٌ المؤذن، وجُنْدُبُ بنُ عبد الله بن سفيان، وعبدُ الله بن مُغَفَّل، والمِقدادُ، ومعاويةُ بن حَيْدَةَ، وسهلُ بن حُنيف، وحكيم بنُ حِزام، وأبو ثعلبة الخُشَني، وأمُّ عطيَّة، وَمَعْقِلُ بنُ يسار، وفاطمةُ بنتُ قَيْسٍ، وخَبَّابُ بنُ الأرت، ومعاذُ بنُ أنس، وصُهَيبٌ، وأمُّ الفضلِ بنتُ الحارث، وعثمانُ بنُ أبي العاصي الثقفي، ويعلى بن أُميَّة، وعُتبة بن عبدٍ، وأبو أُسَيْدٍ السَّاعِديُّ، ومالكُ بنُ عبد الله بن بُحينةَ، وأبو مالك الأشعريُّ، وأبو حُميدٍ السَّاعديُّ، ويعلى ابنُ مُرّة، وعبدُ الله بن جعفر، وأبو طلحة الأنصاريُّ، وعبدُ الله بن سلَام، وسهلُ بن أبي حَثْمَة، وأبو المَليح الهُذَلِيُّ، وأبو واقدٍ الليثيُّ، ورِفاعةُ بن رافع، وعبدُ لله بن أُنيس، وأوسُ بنُ أوسٍ، وأمُّ قيس بنت مِحْصَنٍ، وعامرُ بنُ ربيعة، وقُرَّةُ (١)، والسّائبُ (٢)، وسعدُ بنُ عُبَادَةَ، والرُّبَيِّعُ بنت مُعَوِّذٍ، وأبو بُردة (٣)، وأبو شريح (٤)، والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة، وصفوانُ

стр. 379

ابن عسَّال، وسُراقة بن مالك، وتميمٌ الدَّاريُّ، وعمرو بنُ حُريث بن خولة الأزديُّ، وأسيدُ بنُ الحُضير، والنَّواسُ بنُ سمعان الكِلابيُّ، وعبدُ الله بن سَرْجِس، وعبدُ الله بن الحارث بن جَزْءٍ، والصَّعْبُ بن جثَّامة، وقيس بنُ سعد بن عبادة، ومحمد بن مَسْلَمة، ومالك بنُ الحويرث الليثيُّ، وأبو لُبابة بنُ عبد المنذر، وسليمانُ بنُ صُرَدٍ، وخَوْلَةُ بنتُ حكيم، وعبد الرَّحمن بن شِبْل، وثابتُ بن الضحاك، وطلقُ بن عليٍّ، وعبدُ الرحمن بن سَمُرة، والحكمُ بن عمير، وسفينة مولى رسول الله ﷺ ، وكعبُ بن مرَّةَ، وأبو محذورة، وعروة بن مُضرِّس، ومجمّع بن جارية، ووابصة بنُ معبد الأسديّ، وأبو اليَسَرِ، وأبو ليلى الأنصاريُّ، ومعاوية بنُ الحكم، وحُذيفةُ ابن أسيد الغِفاري، وسلمانُ بن عامر، وعُروَةُ البَارِقي، وأبو بَصْرَة الغِفاريُّ، وعبدُ الرحمن بن أبزى، وعُمَرُ بنُ أبي سلمة، وسُبَيْعَةُ الأسلميَّة، وزينبُ بنتُ جحش أمُّ المؤمنين، وضُباعَةُ بنتُ الزبير بن عبد المطلب، وبُسْرَةُ بنتُ صفوان، وصفيَّةُ أمُّ المؤمنين، وأمُّ هاشم بنتُ حارثة الأنصارية، وأمُّ كلثوم، وأمُّ كُرْزٍ، وأم سُلَيْمٍ بنتُ ملحان، وأمُّ معقل الأسدِية. وضِعفُ هؤلاء، بل أكثرُ من ضعفهم ممَّن لو ذكرناهم على الاستقصاء لطال ذِكْرُهُمْ، وطاب، فطالعهم إن شئت في كتاب " الاستيعاب " (١) وغيرِه من كتب معرفة الأصحاب، فمعرفتُهم أحدٌ أنواعِ

стр. 380

علوم (١) الحديث كما ذكره المصنِّفون في علم الحديث كابن الصَّلاح، وزين الدِّين، وغير واحد. وقد ألفوا في معرفة الصحابة كتباً كثيرةٌ منها " الصحابة " لابن حِبَّان (٢) مختصر في مجلد، و" معرفة الصحابة " لابن منده (٣) كتابُ جليل، ولأبي موسى المَدِيني (٤) عليه ذيل كبير، ومنها " الصحابة " لأبي نُعيم الأصبَهاني (٥) جليلُ القدر، ومنها " معرفة الصحابة " للعسكريِّ (٦)،

стр. 381

ومنها كتابُ أبي الحسن عَلِيِّ بنِ محمد بنِ الأثيرِ الجَزَرِيِّ (١) المسمّى بـ " أُسْدِ الغابة في معرفة الصّحابة " وهو أجمعُ كتابٍ في هذا المعنى جمع فيه بَيْنَ كتاب ابن مَندَه، وذيْلَ أبي موسى عليه، وكتاب أبي نُعيم و" الاستيعاب " وزاد مِن غيرها أسماءٌ (٢). واختصره جماعة، منهم الحافظُ أبو عبد الله الذَّهبيُّ في مختصر لطيف (٣)، وذيَّل عليه زينُ الدِّين بعدَّةِ أسماءٍ لم تقع له ومنهم الكاشغري (٤). وقد ذكروهم أيضاً في تواريخ الإسلام، وكتب رجالِ

стр. 382

الكُتب الستة، مثل كتاب عزِّ الدين بن الأثير (١)، وكتب الحافظ أبي عبد الله الذهبي (٢)، وكتب الحافظ المِزِّيِّ وغيرها من المصنفات الحافلة في هذا المعنى (٣). فانظر فيها يتميَّز لك الصحابيُّ من الأعرابيِّ، والفاضل من المفضول، والمخبور من المجهول. فقد بيَّنَ علماءُ الحديث في علوم الحديث في كتب معرفة الصحابة أن الصحابة ينقسِمون إلى اثنتي عشرة طبقة: الأولى: قُدَمَاءُ السابقين الذين أسلموا بمكة، كالخلفاءِ الأربعة. والثانية: أصحابُ دارِ النَّدوة. والثالثة: مهاجِرَةُ الحبشة. والرابعة: أصحاب العقبة الأولى. والخامسة: أصحابُ العقبة الثانية، وأكثرُهم من الأنصار.

стр. 383

والسادسة: أوَّلُ المهاجرين الذين وصلوا إليه إلى قباء قبل أن يدخلَ المدينة. والسابعة: أهل بدر. والثامنة: الَّذِينَ هاجروا بينَ بدرٍ والحُدَيْبِبَة. والتاسعة: أهلُ بيعةِ الرضوان. والعاشرة: من هاجر بَيْنَ الحديبية وفتح مكة. والحادية عشرة: مُسْلِمَةُ الفتح. والثانية عشرة: صبيانُ وأطفال رَأَوْا رَسُولَ الله ﷺ يومَ الفتح، وفي حجة الوداع وغيرهما (١). قال ابن الصّلاح (٢): ومنهم من زاد على ذلك، وأمَّا ابنُ سعد، فجعلهم خَمْسَ طبقاتٍ فقط (٣). فخذ من حديث هؤلاء الأعلامِ ما صفى وطاب، وأجمعَ على الاعتماد عليه ذوو الألباب، ودَعْ عنك التَّشكيك في السنن والارتياب، وخلطَ نبلاءِ الصحابة بجُفَاةِ الأعراب، والتحيُّر في ثبوت الآثار والاضطراب، وليأمن خوفُك من ضَياع السنّة والكتاب، فلتَطِبْ نفسك بحفظ ما ضَمِنَ بحفظه ربُّ الأرباب.

стр. 384

قال: وأما الأصلُ الثاني -وهو معرفةُ تفسيرِ ما يحتاج إليه- فصعبٌ جداً حصولُه على الوجه المعتبر. أقول: قد صنَّف السَّيِّد أيَّده الله تفسيراً للقرآن وتوسَّع في النقل حتى روى عن المخالفين عموماً، وعن الرَّازي (١) خصوصاًً، واعتمد تفسيره " مفاتيح الغيب " مع نصه على أنه معانِد غيرُ متأول، وعلى أنه غيرُ مُوَفَّقٍ ولا

стр. 385

محقق. فالله المستعان. فإمَّا أن يكونَ على الوجه المعتبر أو لا، إن كان على الوجه المعتبر، فما الفرقُ بَيْنَ السَّيِّد وغيرِه مِن طلبة العلم؟ فإنَّهم يطلبُون ما طَلَب، ويفهمون ما فهم، وإن كان تفسيرُه على غير الوجه المعتبر، فهو أجلُّ مِن ذلك. فإن قال: إنه لم يُفسِّر، إنّما روى تفسيرَ العلماء. قلنا: الجوابُ من وجوه: الأول: أنه لا معنى للتقليد في التفسير على أصل السَّيِّد ، لأن التفسير، إمَّا أن يكون ممَّا تُعبَّدنا فيه بالعمل، فليس لأحد أن يَعْمَل به، ولا يعتقده إلا المجتهد، وإن كان التفسيرُ مما تُعُبِّدْنا فيه بالاعتقاد دونَ العمل، فذلك أبعدُ على أصول أهل المذهب، لأن المقرر عندهم أنّه لا يجوزُ أن يتعبدنا اللهُ بالظَّنِّ في باب الاعتقادات ولم يبق إلا تفسيرُ ما هو معلومُ المعنى لكل مكلفٍ مثل تفسيرِ لا إله إلا الله، ونحْوُ ذلكَ مستغنٍ عن التفسير. الثاني: أنّه قد قال: إن اتِّصال الرواية لهم على وجه الصِّحةِ صعبٌ أو متعذِّر ، فشك في تعذُّرها، فدلَّ على أنَّه لم يحصل له روايةٌ صحيحة عنهم، لأنها لو حَصَلَتْ له، لوجب القطعُ، وزال الشَّكُّ في التعذُّرِ. الثالث: إمّا أن تكون الرِّواية تفيد التفسير أوْ لا؟ إن لم تكن مفيدة، فالتصنيف عبثٌ، والقراءةُ فيه عبث، والاستماعُ له كذلك. وإن كانت تُفيد، لزم السؤال. ثم إن السَّيِّد في هذا الكلام لم يَزِدْ على أنَّه صعَّب، ولم يقطع بأنَّه محال، فأخبرنا إذا كان العلمُ بمعاني كتاب الله صعباً هل هو من الدِّين أم لا؟ إن قلتَ: ليس من الدِّين، خالفتَ الإجماع، وإن

стр. 386

قلتَ: هو من الدِّين، فأخبرنا: كيف أمر الله فيما يَصْعُبُ (١) من الدِّين، هل أوصى بالصبر، أو أوصى بالترك، وكيف مدح الله المؤمنين؟ هل مدحهم بالتَّواصي بالصَّبْرِ حيث قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]. أو مدحهم بالترك بإجابة داعي الدَّعةِ، فقال: وتواصوا بالسَّهل وتواصَوْا بالترك، أو قال ما هو في معنى هذا. فكان اللائق أنَّ السَّيِّد يُوصينا بالصبر على هذا (٢) الأمر الشاق، ويقوِّي عزائِمنَا على ذلك بما ورد في القرآن الكريم في نحو قَولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقد ذكر بعضُ العارفين أن الله تعالى ذكر الصبرَ في نيِّفٍ وتسعين موضعاً، فلولا حُسْنُ التعرض للمشاق الدِّينية ووجوبُ ذلك في كثير من المواضع، ما ذكَرَ اللهُ الصبرَ، ولا أثنى على الصَّابرين. قال: " لأن التفسيرَ إمَّا أن يكونَ مِن الرسول، أو من آحاد المفسِّرين: كابن عبَّاسٍ ومقاتلٍ ومجاهدٍ وقتادة، أو يرجع فيه العالِمُ إلى أئمة اللغَةِ والنحوِ: كأبي عُبيدة، والخليل، والأخفش، والمبرِّد (٣)، فيأخذ معنى اللفظِ منهم ويفسر على (٤) ما يُوافِقُ علومَ الاجتهاد التي قد أحرزها. أمَّا الأوَّلُ وهو نقلُ التفسير عن الرسول، فهو لا يكاد يُوجَدُ إلا في مواضعَ قليلة لا تفي بما يحتاج إليه مِن آياتِ الأحكام ". أقول: يَرِدُ على كلام السَّيِّد ها هنا (٥) أسئلة:

стр. 387

السؤال الأول: أنَّه ادَّعى أن حصول التفسير صعبٌ، والمفهوم مِن هذه العبارة أنَّه ممكن، لأنه لم يَجْرِ عرفُ البلغاء ولا غيرُهم أن يَصِفُوا المحالَ بالصُّعوبة. ثم إن السَّيِّد احتج على ذلك بما يُوجب أنَّه متعذِّر محال، وذلك ظاهر في احتجاجه لمن تأمَّلَه، فإنه لم يَتْرُكْ إلى معرفة التفسير المحتاج إليه سبيلاً ألبتة. السؤال الثاني: أنَّ هذا تشكيك على أهل الإسلامِ في الرجوع إلى كتاب ربِّهم الذي أنزله عليهم نوراً وهدىً، وعصمةً لِلمتمَسِّكِ به من الرَّدى. وقد مرَّ أنَّ مثلَ هذا التشكيكِ لا يصْلُحُ إلا مِن الملاحدة والزنادقة، وسائرِ أعداء الإسلام خَذلَهُمُ اللهُ تعالى. والسَّيِّد -أيده الله- من أعيان العِترة النبوية، وأغصانِ الشجرة العلَوِيَّة، وجدير به التَّنَزُّهُ عن ذلك، والتنكبُ عن هذه المسالك. السؤال الثالث: قد امتنَّ اللهُ تعالى على هذه الأمة بحفظ كتابها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ولا هدايةَ لنا في حفظ الذكر إذا سدَّ الله علينا طُرُقَ معرفة معانيه. السؤال الرابع: أنَّ السَّيِّدَ قد شنَّعَ على مَنْ توقَّف في معاني المتشابه، وقال: إنَّ هذا يؤدِّي إلى أن يكون خِطَابُ الله تعالى لنا عبثاً، وكلام السَّيِّد يؤدِّي إلى التوقُّفِ في المُحْكمُ والمُتشابِه معاً، فجاء بأطمِّ مما جاؤوا به، وفي أشعار الحكماء: لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)

стр. 388

السؤال الخامس: قول السَّيِّد: إنَّ نقل التفسير عن النبي ﷺ لا يكاد يُوجَدُ إلا في مواضع قليلة تنبني على معرفته بالأخبار، وقد عسَّرها وهوَّلها، أو منعها وأحالها، فلا ينبغي منه أن يدَّعي بعدَ ذلك أنه يعرفها. السؤال السادس: أنَّه لم يقل أحدٌ من خلق الله أجمعين لا العلماءِ ولا المتعلمين ولا القدماءِ ولا المتأخرين أنَّ شرط التفسير في جميع أقسامه التي أحدُها التأويلُ أن يكونَ منقولاً عن الرسول ﵇، فَقِلَّةُ نقلِ التأويل عنه ﵇ غيرُ ضارٍّ قطعاً إجماعاً ضرورياً من الخَلَفِ والسَّلّفِ، يَعْرِفُ الإجماع على ذلك كُلُّ مَنْ له أدنى شمَّةٍ في العلم، دع عنك السَّيِّد -أيَّده اللهُ- وإن كان بعضُهم يُخالِفُ في التسمية، فيُسمِّي تفسيرَ غير النبي ﷺ تأويلاً، فهو خلافٌ لفظيٌّ. قال: " وأمَّا الرجوعُ إلى آحاد المفسرين، فهو لا ينبني عليه الاجتهادُ، لأنَّه تقليدٌ لهم ". أقول: هذا الإطلاقُ غيرُ صحيح، فإنَّه يختلِفُ، فمنه ما قالوه اجتهاداً منهم، فلا ينبني عليه الاجتهادُ، ومنه ما قالوه رواية عن العرب من الصحابة وغيرهم مما يتعلَّق باللغة، فيجب قبولُه منهم كما مرَّ الدليل عليه، وكما يأتي إن شاء الله تعالى. وكذلك ما فَسَّروه مما لا طريقَ إلى العلم به بالرأي والاجتهاد، ولا يُعلم إلا بالسمع. فَمِنَ العلماء منْ ذهب إلى أنَّه في معنى المرفوع إلى النَّبيِّ ﷺ ولِلنَّاظر في هذا نظره، ولا نكارَة على منْ ذهب إلى هذا، فقد أجاز العلماء التخريجَ وهو أضعفُ من هذا، فإذا جاز

стр. 389

العمل بما يظن أنَّ العالِمَ يقولُه وإن سكتَ عنه حملاً له على السَّلامة، وقد نصَّ كثيرٌ من العلماء على ذلك في غير موضع، فلا يَبْعُدُ أن يجوزَ العملُ على ما يظن أن العالِمَ يرفعُه إلى النبي ﷺ وحملاً له على السلامة، وإن لم ينص على الرفع ويصرح به -والله سبحانه أعلم-. قال: ولأنَّا نحتاجُ إلى معرفة عدالتهم وعلمهم ولأن اتِّصال الرواية بهم على وجه الصِّحة من العدالة صعبٌ أو متعذِّر. أقول: قد مرَّ الجوابُ على هذا حيث بَيَّنا الطريقَ إلى معرفة الأخبار، فالكلامُ فيهما سواء. ونزيد هنا أن السَّيِّد شَحَنَ تفسيرَه بالرَّواية عنهم، فإما أن تكون صحيحةً أو باطِلةً، إن كانت صحيحةً، فما بالُ الصِّحةِ مقصورةً عليه؟! وإن كانت باطلةً، فهو أجلُّ مِن أنْ يرويَ البَواطِلَ، ويخصَّ بها شهرَ رمضان الكريم، وقد قال ﵇: " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ " (١). قال: " وأمَّا الثالثُ -وهو الرجوعُ إلى أهل اللغة- فهو أضعفُ من هذا، لأن عدالة كثيرٍ منهم غيرُ ثابتة، ولأن اتِّصال الروايةِ الصحيحةِ بهم متعذِّر، ولأن في ذلك تقليدَهم، والاجتهاد لا يَصِحُّ بناؤه على التقليد، ولأن المفسِّر بهذا الوجه يحتاج إلى علوم الاجتهاد، ومنها معرفة التفسير فيلزم الدَّورُ ". أقول: هذا الوجهُ الثالث الذي تعرض السَّيِّد لإبطاله هي الطريقُ المسلوكة إلى تفسيرِ عامة القرآن. لا يخرج منه إلا النَّادِرُ القليل مما لا

стр. 390

يتعلَّق به حكمٌ، مثل قولهِ تعالى: ﴿كهيعص﴾ أو المجملات التي لم يعرف المجتهد أنها من الألفاظ المشتركة فيسقطُ تكليفُه بالعمل بها، وما يرد في ذلك من التفسير النبويِّ فإنَّما هو زيادةٌ في البيان، ولو لم يَرِدْ، لم يبْطُلْ فَهْمُ معاني الظَّواهِر والنصوص، فإن البيان غيرُ محتاج إليه إلا في المجمل. ومتى طلبه المجتهد ولم يجده، سَقَطَ تكليفُه في ذلك الحكم بالرجوع إلى ذلك المجمل. والدليل على ذلك ما تقدَّم في حديثِ معاذٍ وغيرِه من الأدلة القاضية بأنه لا يجبُ على المجتهد العِلمُ بِكُلِّ حديث، وأنَّه إذا لم يجد الحُكْمَ في الكتاب والسُّنَّة، جاز له أن يجتهِدَ رأيه، وإن كان يجوز أن فيهما نصاً لم يقف عليه. والعجبُ من السَّيِّد -أيَّده الله- أنّه جعل هذا الوجه الثالث أضعفَ مما قبله مع أنه لا طريقَ إلى تفسير القرآن على العموم سواه. فأمَّا الأولان قبلَه، فلا قائلَ باشتراطهما في التفسير، فكيف يكونُ ما لا قائل بخلافه أضعفَ مما لا قائل باشتراطه، وهذا عجب وقد تعرض السَّيِّد لإبطال هذه الطريق بوجوه أربعة: الوجه الأوَّل: أن عدالة كثير منهم غيرُ ثابتة. وأقول: إنَّ صدور هدا الكلامِ من مثل السَّيِّد من العجائب ومَن عاش أراه الدَّهْرُ عجباً، لأن فساد كثير منهم لا يَمْنَعُ من الرجوع إلى الثقات منهم، كما لا يلزمُ مِن فساد كثيرٍ من الناس فسادُ جميعِ الناس، ومن تحريمِ كثيرٍ من النساء، تحريمُ نكاحِ جميع النساء، ومن نجاسَة كثيرٍ من المياه تحريمُ جميع المياه، ونحو ذلك مما لا يُحصى كثرةُ. ومن العجب أن السَّيِّد -أيَّده الله- يُقرىء في المنطق، ويَعْرفُ ما يُشترط في الإتتاج من كونِ المقدمتين كليتين، فأين ثمرةُ تلك المعارف، وأين أثَرُ ذلك التحقيق.
следующие страницы →