قلتَ: هو من الدِّين، فأخبرنا: كيف أمر الله فيما يَصْعُبُ (١) من الدِّين، هل أوصى بالصبر، أو أوصى بالترك، وكيف مدح الله المؤمنين؟ هل مدحهم بالتَّواصي بالصَّبْرِ حيث قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]. أو مدحهم بالترك بإجابة داعي الدَّعةِ، فقال: وتواصوا بالسَّهل وتواصَوْا بالترك، أو قال ما هو في معنى هذا. فكان اللائق أنَّ السَّيِّد يُوصينا بالصبر على هذا (٢) الأمر الشاق، ويقوِّي عزائِمنَا على ذلك بما ورد في القرآن الكريم في نحو قَولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقد ذكر بعضُ العارفين أن الله تعالى ذكر الصبرَ في نيِّفٍ وتسعين موضعاً، فلولا حُسْنُ التعرض للمشاق الدِّينية ووجوبُ ذلك في كثير من المواضع، ما ذكَرَ اللهُ الصبرَ، ولا أثنى على الصَّابرين.
قال: " لأن التفسيرَ إمَّا أن يكونَ مِن الرسول، أو من آحاد المفسِّرين: كابن عبَّاسٍ ومقاتلٍ ومجاهدٍ وقتادة، أو يرجع فيه العالِمُ إلى أئمة اللغَةِ والنحوِ: كأبي عُبيدة، والخليل، والأخفش، والمبرِّد (٣)، فيأخذ معنى اللفظِ منهم ويفسر على (٤) ما يُوافِقُ علومَ الاجتهاد التي قد أحرزها.
أمَّا الأوَّلُ وهو نقلُ التفسير عن الرسول، فهو لا يكاد يُوجَدُ إلا في مواضعَ قليلة لا تفي بما يحتاج إليه مِن آياتِ الأحكام ".
أقول: يَرِدُ على كلام السَّيِّد ها هنا (٥) أسئلة:
стр. 387
السؤال الأول: أنَّه ادَّعى أن حصول التفسير صعبٌ، والمفهوم مِن هذه العبارة أنَّه ممكن، لأنه لم يَجْرِ عرفُ البلغاء ولا غيرُهم أن يَصِفُوا المحالَ بالصُّعوبة. ثم إن السَّيِّد احتج على ذلك بما يُوجب أنَّه متعذِّر محال، وذلك ظاهر في احتجاجه لمن تأمَّلَه، فإنه لم يَتْرُكْ إلى معرفة التفسير المحتاج إليه سبيلاً ألبتة.
السؤال الثاني: أنَّ هذا تشكيك على أهل الإسلامِ في الرجوع إلى كتاب ربِّهم الذي أنزله عليهم نوراً وهدىً، وعصمةً لِلمتمَسِّكِ به من الرَّدى. وقد مرَّ أنَّ مثلَ هذا التشكيكِ لا يصْلُحُ إلا مِن الملاحدة والزنادقة، وسائرِ أعداء الإسلام خَذلَهُمُ اللهُ تعالى. والسَّيِّد -أيده الله- من أعيان العِترة النبوية، وأغصانِ الشجرة العلَوِيَّة، وجدير به التَّنَزُّهُ عن ذلك، والتنكبُ عن هذه المسالك.
السؤال الثالث: قد امتنَّ اللهُ تعالى على هذه الأمة بحفظ كتابها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ولا هدايةَ لنا في حفظ الذكر إذا سدَّ الله علينا طُرُقَ معرفة معانيه.
السؤال الرابع: أنَّ السَّيِّدَ قد شنَّعَ على مَنْ توقَّف في معاني المتشابه، وقال: إنَّ هذا يؤدِّي إلى أن يكون خِطَابُ الله تعالى لنا عبثاً، وكلام السَّيِّد يؤدِّي إلى التوقُّفِ في المُحْكمُ والمُتشابِه معاً، فجاء بأطمِّ مما جاؤوا به، وفي أشعار الحكماء:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)
стр. 388
السؤال الخامس: قول السَّيِّد: إنَّ نقل التفسير عن النبي ﷺ لا يكاد يُوجَدُ إلا في مواضع قليلة تنبني على معرفته بالأخبار، وقد عسَّرها وهوَّلها، أو منعها وأحالها، فلا ينبغي منه أن يدَّعي بعدَ ذلك أنه يعرفها.
السؤال السادس: أنَّه لم يقل أحدٌ من خلق الله أجمعين لا العلماءِ ولا المتعلمين ولا القدماءِ ولا المتأخرين أنَّ شرط التفسير في جميع أقسامه التي أحدُها التأويلُ أن يكونَ منقولاً عن الرسول ﵇، فَقِلَّةُ نقلِ التأويل عنه ﵇ غيرُ ضارٍّ قطعاً إجماعاً ضرورياً من الخَلَفِ والسَّلّفِ، يَعْرِفُ الإجماع على ذلك كُلُّ مَنْ له أدنى شمَّةٍ في العلم، دع عنك السَّيِّد -أيَّده اللهُ- وإن كان بعضُهم يُخالِفُ في التسمية، فيُسمِّي تفسيرَ غير النبي ﷺ تأويلاً، فهو خلافٌ لفظيٌّ.
قال: " وأمَّا الرجوعُ إلى آحاد المفسرين، فهو لا ينبني عليه الاجتهادُ، لأنَّه تقليدٌ لهم ".
أقول: هذا الإطلاقُ غيرُ صحيح، فإنَّه يختلِفُ، فمنه ما قالوه اجتهاداً منهم، فلا ينبني عليه الاجتهادُ، ومنه ما قالوه رواية عن العرب من الصحابة وغيرهم مما يتعلَّق باللغة، فيجب قبولُه منهم كما مرَّ الدليل عليه، وكما يأتي إن شاء الله تعالى. وكذلك ما فَسَّروه مما لا طريقَ إلى العلم به بالرأي والاجتهاد، ولا يُعلم إلا بالسمع. فَمِنَ العلماء منْ ذهب إلى أنَّه في معنى المرفوع إلى النَّبيِّ ﷺ ولِلنَّاظر في هذا نظره، ولا نكارَة على منْ ذهب إلى هذا، فقد أجاز العلماء التخريجَ وهو أضعفُ من هذا، فإذا جاز
стр. 389
العمل بما يظن أنَّ العالِمَ يقولُه وإن سكتَ عنه حملاً له على السَّلامة، وقد نصَّ كثيرٌ من العلماء على ذلك في غير موضع، فلا يَبْعُدُ أن يجوزَ العملُ على ما يظن أن العالِمَ يرفعُه إلى النبي ﷺ وحملاً له على السلامة، وإن لم ينص على الرفع ويصرح به -والله سبحانه أعلم-.
قال: ولأنَّا نحتاجُ إلى معرفة عدالتهم وعلمهم ولأن اتِّصال الرواية بهم على وجه الصِّحة من العدالة صعبٌ أو متعذِّر.
أقول: قد مرَّ الجوابُ على هذا حيث بَيَّنا الطريقَ إلى معرفة الأخبار، فالكلامُ فيهما سواء. ونزيد هنا أن السَّيِّد شَحَنَ تفسيرَه بالرَّواية عنهم، فإما أن تكون صحيحةً أو باطِلةً، إن كانت صحيحةً، فما بالُ الصِّحةِ مقصورةً عليه؟! وإن كانت باطلةً، فهو أجلُّ مِن أنْ يرويَ البَواطِلَ، ويخصَّ بها شهرَ رمضان الكريم، وقد قال ﵇: " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ " (١).
قال: " وأمَّا الثالثُ -وهو الرجوعُ إلى أهل اللغة- فهو أضعفُ من هذا، لأن عدالة كثيرٍ منهم غيرُ ثابتة، ولأن اتِّصال الروايةِ الصحيحةِ بهم متعذِّر، ولأن في ذلك تقليدَهم، والاجتهاد لا يَصِحُّ بناؤه على التقليد، ولأن المفسِّر بهذا الوجه يحتاج إلى علوم الاجتهاد، ومنها معرفة التفسير فيلزم الدَّورُ ".
أقول: هذا الوجهُ الثالث الذي تعرض السَّيِّد لإبطاله هي الطريقُ المسلوكة إلى تفسيرِ عامة القرآن. لا يخرج منه إلا النَّادِرُ القليل مما لا
стр. 390
يتعلَّق به حكمٌ، مثل قولهِ تعالى: ﴿كهيعص﴾ أو المجملات التي لم يعرف المجتهد أنها من الألفاظ المشتركة فيسقطُ تكليفُه بالعمل بها، وما يرد في ذلك من التفسير النبويِّ فإنَّما هو زيادةٌ في البيان، ولو لم يَرِدْ، لم يبْطُلْ فَهْمُ معاني الظَّواهِر والنصوص، فإن البيان غيرُ محتاج إليه إلا في المجمل. ومتى طلبه المجتهد ولم يجده، سَقَطَ تكليفُه في ذلك الحكم بالرجوع إلى ذلك المجمل. والدليل على ذلك ما تقدَّم في حديثِ معاذٍ وغيرِه من الأدلة القاضية بأنه لا يجبُ على المجتهد العِلمُ بِكُلِّ حديث، وأنَّه إذا لم يجد الحُكْمَ في الكتاب والسُّنَّة، جاز له أن يجتهِدَ رأيه، وإن كان يجوز أن فيهما نصاً لم يقف عليه. والعجبُ من السَّيِّد -أيَّده الله- أنّه جعل هذا الوجه الثالث أضعفَ مما قبله مع أنه لا طريقَ إلى تفسير القرآن على العموم سواه. فأمَّا الأولان قبلَه، فلا قائلَ باشتراطهما في التفسير، فكيف يكونُ ما لا قائل بخلافه أضعفَ مما لا قائل باشتراطه، وهذا عجب وقد تعرض السَّيِّد لإبطال هذه الطريق بوجوه أربعة:
الوجه الأوَّل: أن عدالة كثير منهم غيرُ ثابتة. وأقول: إنَّ صدور هدا الكلامِ من مثل السَّيِّد من العجائب ومَن عاش أراه الدَّهْرُ عجباً، لأن فساد كثير منهم لا يَمْنَعُ من الرجوع إلى الثقات منهم، كما لا يلزمُ مِن فساد كثيرٍ من الناس فسادُ جميعِ الناس، ومن تحريمِ كثيرٍ من النساء، تحريمُ نكاحِ جميع النساء، ومن نجاسَة كثيرٍ من المياه تحريمُ جميع المياه، ونحو ذلك مما لا يُحصى كثرةُ.
ومن العجب أن السَّيِّد -أيَّده الله- يُقرىء في المنطق، ويَعْرفُ ما يُشترط في الإتتاج من كونِ المقدمتين كليتين، فأين ثمرةُ تلك المعارف، وأين أثَرُ ذلك التحقيق.
стр. 391
الثاني: أنَّ اتِّصال الرواية بهم متعذِّرٌ. هكذا على القطع مِن غير شك.
فأقولُ: قد تقدَّم الجوابُ على هذا حيث بيَّنا فيما سلَفَ إمكانُ رواية الأخبار، وبيان طرقها ونزيد هُنا أشياء:
أحدها: ما السببُ في قطع السَّيِّد بتعذُّرِ الطريق إلى الرواية ها هنا وكان متردداً فيما تقدَّم ، وما أظنُّ السببَ في ذلك إلا توفُّرُ داعيةِ التنفير عن طلب العلم، فإن الغالب على الشارع في التنفير عن الشيءِ لا يزال يزدادُ ولو عابه حتى يتجاوز الحدّ.
وثانيها: أنَّه -أيَّده اللهُ- قد شحن تفسيرَه للقرآن الكريم بذلك، فكيف يقطعُ هنا بأنه متعذِّر، وهذا توهم عليه أنَّه واهِمٌ لا محالة في أحد الموضعين -والله أعلم-.
و ثالثها: أنَّ الأمة أجمعت على أنَّه لا يجب الإسناد في علم اللغة ، فإنهم ما زالو ينقلُون اللغة عن أئمتها مِن غير مطالبة لأئمتها بالإسناد إلى العرب، فإذا جاز قبول المرسَلِ من أئمة العربية في ذلك الزمان، جاز قبولُه عنهم في هذا الزَّمان، لأنَّ الأزمان لا تأثيرَ لها في وجوب الواجبات، وقبحِ المقبحات. وقد أجاز المحقِّقونَ من الأئمة ﵈ قبولَ المرسل في الأحاديث النبوية، فأولى وأحرى في اللغة العربية. وقد قدَّمنا كلام الأئمة في الوِجادة وما يجوزُ منها، وهو عام في جميعِ العلوم النقلية، فيدخل فيها علمُ العربية.
الثالث: قال: ولأن في ذلك تقليدَهم.
أقول: تقدم أنَّه لا سبيلَ إلى معرفة اللغة والأخبار وسائرِ ما لا يُدْرَكُ
стр. 392
بالنَّظر إلا قبولُ الرُّواةِ الثقات، وأن ذلك إجماعُ المسلمين، وأن كلام السَّيِّدِ هذا يُوجبُ على الله تعالى أن يبعثَ الموتى من العربِ للمجتهد حتى يُشافِهوه بلغتهم أو نحو ذلك من المعجزات، أو خوارقِ العادات والسَّيِّد في هذا الموضع جاوز حدَّ العُرف في التَّعنُّت، وخَلَغ عرْوَةَ المُراعاةِ لِطريق أهلِ العلم، وأتى بما لا يُوافِقُه عليه أحدٌ من العلماء والمتعلمين، ولا سبقه إليه سابقٌ مِن السَّلَفِ الصالحين.
الرابع: لُزُومُ الدَّورِ وهو أعجبُ مما تَقَدَّم وأغرب، وذلك لوجهين:
أحدهما: أنَّ الدَّوْرَ محالٌ عند جميع العقلاء وما أدَّى إلى الدور، لم يصح في زمان دونَ زمان، ولا مِن أحد دونَ أحد، فهذا يؤدي إلى أنَّ الرجوعَ إلى اللغة العربية لا يصح بناءُ التفسيرِ عليه، لا مِن المتقدمين، ولا مِن المتأخرين، ولا مِن المدركين للعرب، ولا مِن غير المدركين، ولا مِن الراسخين في العلم، ولا مِن غير الراسخين. ولعل أدنى مَنْ له تمييز يستحي من نسبةِ هذا القولِ إلى أحد من المتعصبين، وهذه هفوةٌ مِن السَّيِّد -أيَّده الله- لا تليقُ بمحلِّه الشريف، ومنصبِه المنيفِ.
الوجه الثاني: أنَّ الدَّورَ غيرُ لازمٍ من ذلك ، لأنَّه يَصِحُّ من المجتهد أن يعرِفَ علومَ الاجتهاد التي يحتاج إليها في معرفة تفسير القُرآن إلا لغة العرب. فإذا احتاج إلى معرفة معنى الآية بحث عن المعنى اللغوي، فمتى وجده فسَّر القُرآن به. ولا دَوْرَ هنا، ولا ما يُشْبِهُ الدَّور، وإنَّما الدورُ يلزمُ حيث لا يَصِحُّ أحدُ الأمرينِ إلا بَعْدَ الآخَر، ويكون كُلُّ واحد منهما مؤثراً في صاحبه. ومن ثم كان دور المعيَّة صحيحاً عند نُقَّاد هذا العلم، فأين التمانع في مسألتنا؟ وهل يقولُ عاقل: إنه لا يَصِحُّ معرفةُ شيءٍ من علوم الاجتهاد حتى يَعْرِفَ اللغة، ولا تصح معرفة اللغة حتى يعرف علومَ
стр. 393
الاجتهاد، وهذا يؤدي إلى أنَّ الاجتهاد محالٌ أبداً في قديم الزمان وحديثه، لأن المحال لا يَصِحُّ في وقت الصحابة، ولا يُمْكِنُ في عصر التابعين، ولا يتيَسَّرُ لأحدٍ من العالمين.
وأمَّا قولُه: إنَّه يحتاج إلى معرفة علوم الاجتهاد ومنها معرفة التفسير، فيلزم الدور، فهذه زخرفة عظيمة، ولا يمضي مثلُها إلا على الأغمار، ولا تَنْفَقُ بضاعتها في سوق النُّظَّار. وبيان أنها مجردُ زخرفة أنا نقول: ما مرادُك بأنَّه يحتاجُ إلى علوم الاجتهادِ -ومنها معرفة التفسير-؟ هل مرادُك يحتاج إليها كُلِّها إلا تفسيرَ القُرآن باللغة فلا دورَ في هذا، لأنَّ الفرض أنه قد عَرَف اللغةَ، واحتاج إلى سائرِ الفنون، فيجبُ أن يتعلَّمَ سائرَ الفنون، فإذا تعلَّمها، وأضاف معرفتَه لها إلى معرفته باللغة فسَّر القرآن، ولا إشكال ولا دَوْرَ؟ أو مرادُك يحتاج إليها كُلِّها حتى التفسيرِ باللغة؟ فلا يصح هذا لوجهين:
أحدهما: أنَّ كلامَنا فيمن عَرفَ اللغة، واحتاج إلى ما عداها، فلا يَصِحُّ أن يُجْعَلَ العارفُ للشيء محتاجاً إلى معرفته غيرَ متمكِّنٍ منها .
الوجه الثاني: إذا سلَّمنا أنَّه محتاج إلى المعرفة باللغة مع سائِر علُومِ الاجتهادِ صحَّ عند كُلِّ عاقل أن يتعرَّف اللغة، ثم يتعرَّف سائرَ علوم الاجتهاد من غير تمانعٍ ولا دور. ولو جاز أن يُقَال في مثل هذا: إنَّه دور، لقلنا بمثل ذلك في معرفة السُّنَّةِ وما يتعلق بها من اللغة، وفي سائر المعارف الاجتهادية. وهذا كلامٌ نازل جداً، واستدلالٌ لا يتماسَكُ ضَعفاً، واحتجاجٌ لا تقبله الأذهانُ، ولا تُصغي إليه الآذانُ.
قال: "وأمَّا الأصلُ الثالث -وهو معرفة الناسخ والمنسوخ- ففيه صعوبةٌ كلية، لأنَّا نحتاج في ذلك إلى قولِ الرسول: هذا ناسخ وهذا
стр. 394
منسوخ، أو ما في معنى ذلك، أو إلى إجماع أو إلى معرفة التاريخ. وهذه الأمورُ قليلٌ اتفاقها بنقل العدل عن العدل، وأمَّا قولُ الراوي: هذا ناسخ أو منسوخ، فقد ضَعَّفوه، وهو أكثرُ ما يتفق".
أقول: السَّيِّدُ في هذا الأصل لَيَّن من عريكة شِدَّته، وفتَّر من سوْرَةِ حِدَّتِه، فلم يدَّعِ أنَّ معرفةَ المنسوخ متعذِّرة، ولا تشكَّكَ في ذلك، واكتفي بمجرد التعسيرِ، ودعوى الصعوبة.
والجواب عليه: أنَّا نصبر على تلك الصُعوبة، ونتواصى بالصَّبر كما وصف اللهُ المؤمنين، ونسأل السَّيِّد أن يصْبِرَ على كتم ما في نفسه من التألُّم العظيمِ لنا حين تعرضَّنا لذلك، فإنَّ مِثْلَ هذا الكلام لا يُجاب إلا بمثل هذا الجواب، إذ كان الاحتجاجُ بمجرَّد الصعوبة مما أسلفنا القول في بعده عن أساليب العلماء، وخروجِه عن عادات الحكماء، ولا بُدَّ من الإشارة إلى نكتة لطيفة في الجواب، وهي أنَّ عمود الاحتجاج في هذا الفصل هو قولُه: وهذه الأمورُ قليل اتفاقُها.
والجواب: أنَّه يسْهُلُ بهذا الاجتهادِ، لأنَّ طُرُق النسخ بِقلَّتها يَقلُّ النسخُ، وإذا قلَّ، سهُلَ العلم به، لأنَّ معرفة القليل أسهلُ من معرفة الكثير بالضرورة، وإنَّما قلنا: إنَّه يَقلُّ، لأن ما لا طريق إلى معرفته من المنسوخ وسائِر الأحكام لا يقع التكليفُ به. وقد قدَّمنا أنَّ تكليف المجتهد هو الطلبُ حتى لا يجد، وليس تكليفُه العلم بأنَّه لا نصَّ إلا ما أحاط به عِلْمُه، ووعاه قلبُه.
ثم إنَّا نقول قد قدَّم السَّيِّد تعسيرَ النقل عن العدول بكلام عامٍّ يدخل تحته المنسوخ، ولم يكن محتاجاً إلى إعادة الكلام في المنسوخ على انفراده، وكذلك قد قدَّمنا الجوابَ عليه هنالك بما يدخل تحتَه الجوابُ
стр. 395
على هذا، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
ثم إنَّا نقولُ قد بيَّن السَّيِّد المنسوخ مِن القرآن العظيم في تفسيره، فإمَّا أن يكون بنقل العدل عن العدل، فالذي سهَّل ذلك له يُسَهِّلُه لِغيره، أو يكون على غير تلك الصفة، فالسَّيِّدُ أجلُّ من ذلك، ثمَّ إن السَّيِّد ختم كلامَه بقوله: وأمَّا قول الراوي: هذا ناسخ أو منسوخ ونحو ذلك، فقد ضعُّفوه وهو أكثرُ ما يتفق.
والجواب عليه: أنَّ هذه الطريق التي ذكرها مما اختلف أهلُ العلمِ فيه، فمنهم من ذهب إلى النسخ بها كالشيخ أبي عبد الله البصريِّ، وأبي الحسن الكرخيِّ (١)، حكاه عنهما السَّيِّدُ أبو طالب في كتابه " المجزي " وقوَّى ذلك، وأطال في الانتصار له، ومنهم من منع ذلك. فقول السَّيِّد: إنَّهم ضعَّفوه، هكذا من غير احتجاجٍ مع أنَّها مسألةُ خلاف مما لا يرتضيه أهلُ البصر بعلم المناظرة والنظر، لأنَّا نقولُ: هل قال السَّيِّد ذلك، على سبيل التقليدِ لأولئك الذين ضعَّفوه كما هو ظاهر كلامه في خلوِّ الزمان عن المجتهدين، فليس له أن يحتَجَّ بتقليده، ولا هذه المسألة من مسائل التقليد، أو قال ذلك على سبيل الاجتهاد على بعد ذلك من ملاءمة رسالته، فإنها مبنيّة على استبعاد الاجتهاد، فهذا لا ينبغي منه لوجوه:
أحدها: مناقضته الكلامَ القاضيَ بعدمِ المجتهدين .
و ثانيها: أنَّ هذه المسألة من مسائل الخلاف الظَّنِّية ولا معنى للترسُّلِ على من ذهب فيها إلى مذهبٍ قد سبقه إليه غيرُه من أهل العلم.
وثالثها: أنَّ هذا موضع إظهار الأدِلَّة، فلا مخبأ بعدَ بوس، ولا عِطر
стр. 396
بعْدَ عروس (١)، فإذا لم تستهلَّ وجوهُ الأدِلَّة في هذا المكان، فمتى يكون طلوعُ هذا البيان؟!
ثم إنُّا نبيِّنُ حُجَّة من ذهب إلى هذا المذهب الذي استضعفه السَّيِّد -أيَّده الله- ليعرف الناظرُ فيه أنَّه محتمل، غيرُ مقطوع ببطلانه فنقول: لا يَخلو إمَّا أَنْ يُريدَ أنَّ ذلكَ ضَعِيفٌ، لأنَّه لا يُفيدُ العِلمَ، أَوْ لأنَّهُ لا يُفيد الظَّنَّ، الأول ممنوع (٢)، والثاني مُسلَّم، ولا يضرُّ تسليمُه.
بيانُ منع الأول أنَّه يلزم أن لا يُقبل لو أسندَ النسخَ إلى النبيِّ ﷺ ، لأنَّ الطريق إلى النبيِّ ﷺ قال ذلك طريقٌ ظنيّةٌ، فلم يحْصُلِ العلمُ لكن السَّيِّد مُقِرٌّ بصحة هذه الطريق الظنيَّة، فدلَّ على أنَّ العلم غيرُ مشترط إلا في نسخ المتواتر على خلافٍ في ذلك شديد، وسيأتي ذكرُه -إن شاء الله تعالى- وذكرُ أدلةِ الفريقين فيه.
وبيانُ أن تسليم الثاني لا يَضُرُّ أنَّا نقول: إنَّ خبر الثقة المأمون بأنَّ هذا الحكم منسوخ، إمَّا أن لا يُفيد الظَّنَّ بصدقه لكثرة وهمه في ذلك، وحينئذٍ لا يجوز قبولُه، كمن كَثُرَ وهمُه في الحديث المرفوع، وذلك لأنَّ
стр. 397
ذلك يقتضي الشَّكَّ المتساوي الطرفين، فالحكمُ بأحدهما ترجيحٌ لما ليس براجح من غير مرجَّح، وذلك قبيحٌ عقلاً، وإمَّا أن يُفيد الظَّنَّ الراجحَ لِصدقه، وحينئذٍ يكون القولُ بالنسخ راجحاً، والقولُ بعدمه مرجوحاً، فوجب العملُ بالراجح، لأنَّا لو لم نعمل به، لكُنَّا إمَّا أن نتوقَّفَ، أو نعمل على عدمِ النسخ، وفي الأوَّلِ المساواة بين الراجح والمرجوح، وفي الثاني ترجيحُ المرجوحِ على الراجع، وكلاهما قبيحٌ في العقل.
فإن قلتَ: إنَّه يجوز أن ينبني النسخُ على الظَّنِّ والاجتهاد.
فالجواب: ما ذكر أبو طالب في " المجزي " من أنَّ ذلك خلاف الظاهر، فإن ظاهر (١) قوله: هذا منسوخ، الخبرُ، ولهذا فإنَّه لو بيَّن مستندَه في ذلك، لم يجُزِ الرجوعُ إلى قوله: هو منسوخ، لأنَّه حين بيَّن المستندَ قد وكَل الناظرَ إلى النظر فيما أبداه من حجته، وحين أطلق القول بالنسخ ولم يُضف ذلك إلى اختياره وظنه، ولا إلى دليل معيَّن كان ظاهره الخبر.
قال: وكذا إذا قال الصحابيُّ في الشيء: إنَّه حرام، ولم يُضفْ ذلك إلى نظره، ولا استدل عليه، فإنَّ ظاهره الخبرُ في طريقة شيخنا يعني أبي عبد الله البصريِّ.
فإن قلت: إن خبر الثقة بأنَّ هذا منسوخ يجوز أن يبنيه على الوهم، فلا يجوزُ تقليدُه فيه، مثالُ ذلك أنَّ العالم قد يعتقِدُ أنَّ النَّصينِ متعارضان وليسا كذلك، ثم إنَّه يَطَّلعُ على أنَّ أحدهما متأخرٌ، وأحدهما متقدم، فيقضي بنسخ المتقدم لاعتقاده لتعارضهمما، وهذا هو حجة لمن ردَّ ذلك.
والجواب على ذلك: أنَّه لا يلزم ذلك إلا في من كَثُرَ وَهْمُهُ حتَّى كان
стр. 398
وَهمُهُ وصدقُه متساويين في الرُّجحان، أو كان وهمُه راجحاً على صِدقه، وهذا مردودٌ بلا شكٍّ، سواءً كان رافعاً للنسخ إلى النبي ﷺ ، أو كان واقفاً له دونَ النبيِّ ﷺ وإنما الكلامُ في مَنْ قوِيَ في الظن، ورجح في العقل أنه صادق في قوله.
فإن قلت: فرقٌ بينَ ما رفعه إلى النبي ﷺ ، وبين ما وقفه على نفسه، أو على غيره، وذلك لأن ما رفعه إلى النبي ﷺ لا يحتمل أنَّه بناه على الوهم، وإنَّما يحتمل أنَّه كَذَبَ على النبي ﷺ أو صدق فيه، لكن احتمال الكذب بعيدٌ عن الثقات، أمَّا الوهم فكثير.
قلت: ليس الأمرُ كما توهمتَ، بل قد نصَّ العلماء على جواز الوهم على الراوي في تأديته للفظ الحديث النبوي، والدليل على ذلك وجهان:
أحدُهما: قوله ﵇ في الأحاديث الصحيحة: " مَنْ كذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّداً فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار " (١) فقوله " متعمِّداً " يَدُلُّ على أنَّه يجوز على الراوي أن يُخطِىء في النقل، لكِنَّه تجويزٌ بعيدٌ مرجوح، فلم يُعتبر، فلذلك قالت عائشة لمّا سَمِعَت ابنَ عمر يروي حديث: " إنَّ الميِّتَ ليعذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ علَيْهِ " (٢): ما كذب ولكنَّه وَهم (٣).
стр. 399
الوجه الثاني: أنَّ الجماهير من العلماء قد أجازوا الرواية بالمعنى ، فمن الجائز أن يعتقدَ هذا الراوي في الحديث النَّبويِّ معنىً، فيعبرَ عنه قاطعاً على أنَّ المعنى واحد، وليس كذلك مثل ما جاز عليه ذلك في قوله: هذا منسوخ، أن يعتقد تعارُضَ النصوصِ فيقضي بنسخ المتقدِّم قاطعاً على تعارضها. ومِنْ ها هنا رجَّحُوا روايةَ من لا يستجيزُ الرِّواية بالمعنى على رواية مَن يروي بالمعنى، فلو كان الراوي بالمعنى لا يغْلَطُ قطعاً، لم تكن رواية من يُوجِبُ نقلَ اللفظ النبويِّ أرجحَ منه.
فإن قلتَ: إنَّه يجوز أنَّ القائل بأنَّ هذا منسوخ قال ذلك اجتهاداً، واحتمالُ الاجتهاد يقدَح بخلاف احتمال الوهم.
قلتُ: هذا خلافُ الظاهر، لأنَّ الاجتهادُ الصادِرَ عن القياس، والأمارات الضعيفة، ليس مِن طُرُقِ النسخ، فحملُ الراوي عليه بمنزلةِ حمل الراوي للحديث المرفوع على أنَّه بَنَى الروايةَ للحديث على اجتهاده في أنَّ ذلك هو معنى الحديث النبويِّ، فكما أن ذلك مردودٌ غيرُ مسموع مِن قائله لِبعده، فكذلك هذا.
فإذا عرفت هذا، فكيف ينبغي مِن السَّيِّد إطلاقُ القولِ بضعف هذه المسألة المحتملة مِن غير استدلال، ولا توقُّفٍ، ولا نَظَرٍ، ولا تأمُّل. ولو ذهب ذاهب إلى هذا المذهب، لم يكن خارقاً لإجماع الأُمة، ولا مستحقاً للنَّكِير عند الأئمة.
ثم نقول للسَّيِّد -أيَّده الله-: ما زال أهلُ العلم يتعرَّضُونَ لمعرفة المنسوخ، ويذكرون المجمعَ عليه من ذلك، والمختلفَ فيه، وقد صنَّف غيرُ واحد في معرفة المنسوخ من الأئمة وغيرهم، وحَصَرُوا ما صَحَّ نَسْخُه، وبيَّنوا الدَّلِيلَ على صحة النسخ، والدليلَ على بُطلانِ النسخ في بعض ما
стр. 400
وقع الوَهْمُ في دعوى نسخه، وانحصرَ ذلك في شيءٍ يسيرٍ، لا سيما ما يتعلَّق بالأحكام، ولعلَّ الجميعَ من المنسوخ في ذلك لا يأتي في أربع ورقاتٍ مجرداً عن الاستدلال على صحة النسخ وعدمه. فما هذا التهويلُ العظيمُ، والتعسيرُ الشديد؟!! وقد ذكر أهل العلم أنَّ النسخ في الشريعة قليلٌ جداً. وجُلُّ ما صح نسخه بالإجماع نَيِّف وعشرون حُكماً، وادُّعِي النسخ في أكثر من ذلك.
وهذا جملة ما صحَّ وما ادُّعي فيه النسخ:
أجمعوا على نسخ استقبالِ بيت المقدس، والكلام في الصلاة (١)، وحكم المسبوق (٢)، وتركِ الصلاة في الخوف، والجمعة قبل الخطبة (٣)، والصلاة على المنافقين، وتحريمِ زيارة القبور، وجواز الاستغفار للكفار بعد موتهم، ووجوب عاشوراء، وقيام الليل على الأمة، (٤) والسحور بعدَ
стр. 401
طُلوعِ الفجر إلى شروقِ الشمس على خلاف في تفسير الفجر (١)، ورجعة المطلقة أبداً، واعتدادِ المتوفَّى عنها حولاً، وجوازِ شرب خمر العنب، وتحريمِ الأكلِ والنكاحِ ليلاً في رمضان، والتخييرِ في صومه، أو الكفارة من غير حَبَلٍ ولا كبَرٍ، ولا رَضَاعٍ، وتحريمِ الجهاد بالسيف ولو لآمِّ البيت، والعشرِ الرضعات، وتحريم كتابةِ غير القرآن، ووجوبِ الوصيَّة للأقربين، وفرضِ الصلاة ركعتين ركعتين على القول بأن الزيادة نسخ، وتركِ الحجابِ، والتوارثِ بغيرِ القرابة، وحبسِ الزانيينِ حتَّى يموتا، وقتالِ الواحدٍ لِعشرة ولم يذكر إجماع، ولا خلاف في نسخ الأمر بالفَرَعِ (٢)، وقتلِ الشَّارِبِ (٣) في الرابعة، وتحريمِ الكنز بعدَ الزكاة،
стр. 402
ووجوبِ التنفيل قبل القسْمِ، ولبسِ خواتيم الذهب (١)، والأمر بقتلِ الكلاب إلا الأسودَ، والمُثْلَة، والأمرِ بأذى الزَّاني.
وشذَّ المخالفُ في نسخ تحريم القتال في الأشهرِ الحرم، ونسخِ الماء من الماء (٢)، والوضوء مما مسَّتِ النَّارُ، وجوازِ لحوم الحمر الأهلية، وضرب النِّساءِ (٣)، والتطبيقِ في الركوع، وموقفِ الإمامِ بين اثنين، وتحريمِ القتال في مكَّة، وقصرِ تحريم الربا على النسيئة، ووجوبِ الصدقات بالزكاة، والأمرِ بالعتيرة (٤)، ومُتْعَةِ النكاح (٥)، وتحريم الضحيَّة
стр. 403
بعدَ ثلاث، وجوازِ الحرير للرجال، والرَّضاع بعدَ الحولين، وعدمِ وجوب الشياه في زكاة البقر على تفصيل فيه.
واختلفوا في مُتْعَةِ الحج (١)، وتحرِيم استقبالِ القِبلة بالبوْل والغائِط، وفي تركِ الوضوء من مسَّ الذكر، وفي طهارةِ جلودِ الميتة بالدبغ، وابتداء الكفار بالقتال في الحرم، وفي التيمّم إلى المناكبِ، والصحيح النسخ، وفي مسحِ القدمين، وفي المسحِ على الخُفَّيْنِ، والالتفاتِ في الصلاة، وفي جواز إقامة غير المؤذن، وفي قطعِ المار للصلاة، وفي الصلاة إلى التصاوير، ووضعِ اليديْن قَبْل الركبتين، والجهرِ بالتسمية، والقنوتِ والقراءةِ خلفَ الإمام، وأفضليةِ الإسفارِ بالصبح، وصلاةِ المأموم جالساً إذا صلَّى الإمامُ جالساً (٢)، وسجودِ السَّهوِ بعدَ السَّلام، والقيام للجنائزِ، وتكبير الجِنازة أربعاً، والنَّهي عن الجلوسِ حتى تُوضَعَ الجِنازَةُ، وفسادِ
стр. 404
صومِ المصبح جنباً (١)، والحجامةِ للصائم، وإباحة الفطر في السفر بالوجوب، والانتباذ في الآنية المسرعة بالتخمير كالدُّباء والمطليِّ، والنَّهْيِ عن الرُّقى، وعن القِرانِ في التَّمر، وعن قول: ما شاء الله وشاءَ فلان، والاشتراط في الحج، وتحريم لحومِ الخيل، والمزارعة، والإذن للمتوفّى عنها في النُّقلة أيامَ عِدتها، وقتل المسلم بالذِّميِّ، والتحريقِ بالنَّار في غيرِ الحرب، واستيفاءِ القِصاص قبل اندمالِ الجرح، وجلدِ المُحْصَنِ قبلَ الرَّجْمِ، وحُكمِ الزاني بأمة أمرأته، والهجرةِ، والدعوةِ قبل القتال، وقتلِ النساء والوِلدان، والنَّهي عن الاستعانة بالمشركين، وأخذ السَّلب بغيرِ بيِّنة، والحَلفِ بغير الله، وقبولِ هدايا الكفار، والنَّهيِ عن البول قائماً، ووجوب الغسل يومَ الجمعة، وشهادةِ الكِتابيِّ للضرورة (٢).
الجملة ستَّة وتسعون حكماً، منها ستة وعشرون مجمعٌ عليها،
стр. 405
وثمانية لم يُذكر فيها إجماع ولا خلاف، وستةَ عَشرَ شذَّ فيها الخلافُ، والبقيةُ ستة وأربعون، وقد يختلِفُ الاجتهاد فيما هو شاذٌّ أو غير شاذّ -والله أعلم-.
وقد يُوجد غيرُ هذه مما ادُّعي نَسْخُهُ بغيرِ حُجَّةٍ، وفي نسخ كَثِيرٍ من هذه ضعف، فليُرَاجَعْ لها مبسوطاتُها، ومِن أحسنها كتابُ الحازِميِّ (١).
وبالجملة فجميعُ المنسوخ مِن الكتاب والسُّنة المجمعِ عليه والمختَلف فيه إذا جُمِعَ كُلُّهُ على الاستقصاء لا يكونُ في كثرة الأحاديثِ مثل " الشِّهاب " (٢) للقُضَاعيِّ ولا يُقارِبُه وإذا أحببتَ معرفة ذلك، فلا تَلْتفِتْ إلى كلامي، ولا إلى كلام السَّيِّد -أيَّده الله- وانظُرْ إلى كتب العلماء المُصَنَّفة في معرفة ذلك، وكم في المُصَنَّف منها عدة أحاديث منسوخة، أو آيات
стр. 406
منسوخة، وكم بين معرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة معاني كُتُب العربية من مقدِّمتي ابنِ الحاجب الإعرابية والتصريفية (١) ومعرفة معاني تذكرة ابن مَتَّويْهِ، ومعرفة معاني مختصر منتهي السُّولِ (٢) وما تَضمَّنُ من المنطق والجدل وكلام المنطقيين في عكس النقيض، وكلامِ ابن الحاجب في الاستدلال وغيرِ ذلك من العلوم العويصةِ، والعباراتِ الدقيقة التي السَّيِّد مُدَّعٍ لمعرفتها، والتبريزِ فيها، إمَّا بلسان المقال، وإمَّا بلسان الحال، فإن التَّصدر للتدريس فيها قاضٍ بدعوى معرفنها، ومنادٍ بذلك نداءٌ صريحاً.
فما بال السَّيِّد يدَّعي معرفةَ الغوامضِ المتعسِّرة، وَيمْنَعُ غيرَه مِن معرفة الجليَّاتِ المتسهلة!
فإن قلتَ: قد طوَّل بعضُ العلماء في التصنيف في ذلك، ووسَّع
стр. 407
مثل الإمام محمد بن المطهر في كتابه " عقود العِقيان ".
قُلتُ: ذلك التطويلُ إنَّما هو فيما لا يتعلق بعلمِ الناسخ والمنسوخ، فالتوسيعُ بذكرِ ما لا يُشترط معرفته، وبالخروج إلى غير المقصود، فنٌّ آخر، وقد صنَّف الرَّازي تفسيرَ الفاتحة في مجلَّدٍ، وصنَّف الطبريُّ كتاب الطهارة في ثلاثة آلاف ورقة (١) وأمثال ذلك كثيرة.
قال: وأمَّا الأصلُ الرابعُ وهو أن يكون ماهراً في علوم الاجتهاد، حافظاً لأقوال اللهِ، وأقوالِ رسوله، ومسائلِ الإجماع، ففيه صعوبةٌ شديدة.
أقول: قد اشتمل كلامُه هذا على اشتراط أمرين، أحدهما: أن يكون ماهراً فقط.
стр. 408
وثانيهما: أن يكون حافظاً لثلاثة أشياء: وهي أقوالُ اللهِ، وأقوالُ رسوله، ومسائلُ الإجماع.
فأقولُ: أمَّا الأمرُ الأولُ وهو كونُ المجتهد ماهراً - فهذا شرطٌ غريبُ ما سمعتُ به، ولا عرفتُ ما مرادُ السَّيِّد به، وهذا يحتمل أن يكون لِغرابته في نفس الأمر، ويحتمِلُ أن يكونَ لغرابته بالنظر إليَّ فقط، فأُحِبُّ من السَّيِّد بيانَ المرادِ به، والدليلَ على اشتراطه، فهذا السؤالُ مما يُقْبَلُ مِثْلُه وهو الاستفسارُ عند علماءِ الجدل.
فإن قلتَ: هذا السؤالُ لا يُقبَلُ حتَّى تُبيَنَ أنَّ في اللفظ غرابةً، أو احتمالاً، أو إجمالاً، أو اشتراكاً فبيِّن لنا ما في لفظ المهارةِ من ذلك، فإنه ليس بغريبٍ حَوْشِيٍّ، لا يُعْرَفُ معناه في اللغة، ولا هو لفظٌ مشترك.
قلتُ: فيه احتمال، لأن المهارة في أصل الوضعِ اللغويِّ هي الحِذْقُ. قال في " الضياء " (١) يُقال: مَهَرَ بالشيء مَهَارَةً، فهو ماهِرٌ: إذا كان حاذِقاً. وقد يكونُ في حفظ اللفظ، وشِدَّة الضبط، ومنه الحديثُ:
" المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ الكِرَامِ البرَرَةِ " (٢) وقد يكون في فهمِ المعاني، والغوصِ على الدقائق. وعلى كلِّ تقدير، فما الدَّليلُ على اشتراط المهارةِ في الاجتهادِ، وهَلِ المهارةُ مقدورة للبشر مكتسبة، أم مخلوقةٌ لله تعالى لا يَقْدِرُ عليها سِواه؟ فإن كانت غيرَ مقدورة للبشر، لم يَحْسُنْ ذِكْرُها في
стр. 409
مَعْرِضِ التفسير للاجتهاد، لأنَّ مَن خلقها اللهُ له، ومنحه إيَّاها، فقد حصلت له بسهولة، ومن لم يخلُقْها له، فقد أراحه باليأس مِن نيلها وسقوطِ التكليف بالاجتهاد المنوطِ بحصولها، وإن كانت مقدورةً للعباد، فلا معنى للصَّدِّ عن التعرُّض للمقدوراتِ من الأعمال الصالحات، وقد قدَّمنا تقريرَه، ولا وجهَ لِذلك، بل هُوَ من جملة المحرَّمات أو المكروهات.
وأمَّا الأمر الثاني -وهو حفظُ أقوالِ الله وحفظُ أقوالِ رسول الله، وحفظُ مسائل الإجماع- فالجواب عليه يتم بفصلين:
الفصلُ الأوَّل: في أنَّه لا يجب الإحاطة بجميع ذلك على سبيلِ القطع، وأنّ المعتبر في ذلك هو الطلبُ حتى لا يَجِدَ، ولا يَظُنَّ وجودَ النصِّ والظاهرِ، ثم يجوز الحكم بالرأي والاجتهاد بعدَ ذلك. وقد مرَّ الدليل على ذلك فيما تقدَّم، وبيان القدر الواجب منه، وبيان نصوص العلماء في ذلك والدليل عليه.
الفصل الثاني: في أنَّه لا يجب حفظُ ما تجبُ معرفته من ذلك عن ظهر القلب، وفيه فائدتان:
إحداهما: في ذكر مَنْ نصَّ من العلماء على أنَّ ذلك لا يجب ، وأنّا ما علمنا أنَّ أحداً من العلماء سبق السَّيِّد إلى النَّصِّ على وجوب ذلك من السَّلَف ولا الخلف، ولا أنكر على من نصَّ على عدم وجوبه.
أمَّا مَنْ نصَّ على ذلك، فغيرُ واحد مثل الإمام يحيى بن حمزة من أئمة العترة ﵈ ذكره في " المعيار "، وممَّن ذكر أنَّ ذلك لا يجب: القاضي العلامةُ فخرُ الدِّين عبد الله بن حسن الدّواري -قدَّسَ الله روحه- ذكر هذه المسألة في كتبه وتعاليقه الكلاميّة والأصوليّة والفقهية وكان
стр. 410
يذكُرُ ذلك في إملائه على التلامذة، ويُصرِّح بأنَّه لا يجب على المجتهد حفظُ العلوم غيباً والغزاليُّ مِن علماء الفقهاء، والفقيهُ عليُّ بنُ يحيى الوشليُّ، والفقيهُ عليُّ بن عبد الله بن أبي الخير ممن ذلك ذلك (١).
ومنهم العلامةُ أبو نصر تاج الدين السبكي ذكره في كتاب " جمع الجوامع " (٢) ولم يذكر فيه خلافاً مع تعرُّضِه لاستيعاب الخلاف، وذكر الشواذ، هؤلاء اتَّفقَ لي الوقوفُ على كلاماتهم والظاهر من بقية العلماء المتكلمين في شروط الاجتهاد أنَّهم لا يرون وجوبَ ما ذكره السَّيِّد. والَّذي يدل على أنّ ذلك الذي قاله غيرُهم هو ظاهرُ مذهبهم، أنَّهم تعرضوا لذكر شرائط الاجتهاد، وحصر جميع ما يجب على المجتهد، ولم يذكروا ما ذكر السَّيِّد من وجوب غيب العلوم، فدلَّ على أنَّ ذلك ليس بشرطٍ عندهم، لأنه لو كان شرطاً، لكانوا غيرَ صادقين في قولهم: إن ذلك الذي ذكروه هو مجموع شرائط (٣) الاجتهاد وهم أبرُّ وأصدَقُ. وبهذا الوجه يجوز أن يُنسب إليهم القوله بأن ذلك لا يجب، ونجعله مذهباً لهم تخريجاً، لأنَّ الأخذ من العموم المطلق أقوى طرق التخريج. وما زال العلماء من الأئمة ﵈ وسائر الأصوليين وغيرهم يذكرون ما يجب على المجتهد، ما نعلمُ أحداً سبق السَّيِّد إِلى التنصيص على وجوب غيب العلوم، وإنّما نصَّ بعضُهم على عكس ذلك، ودلَّ كلام بقيتهم أيضاً على عكسه كما قدَّمنا. ومن أحب معرفة صدق كلامي، فليطالع مصنفاتِ العلماء في الأصول وغيره -والله سبحانه أعلم-.
стр. 411
الفائدة الثانية: وهي الدليل على عدم وجوب ذلك، فالدليل عليه إحدى عشرة حجة:
الحجة الأولى: أنَّ الرجوع إلى الكتاب يُفيد ما يفيده الحفظ مِن ظن صحة الدليل المعوَّل عليه في الاجتهاديّات.
فإن قلتَ: إنَّ الحِفظَ يُفيدُ العلمَ، فيأمنُ الحافظ بحفظه مِن الخطأ، والرجوعُ إلى الكتاب يُفيد الظن.
قلت: هذا ممنوع لوجهين:
أحدهما: أن الحافظ لأدلة الاجتهاد، وإن علم أنَّه حافظ لها، فثبوتُها عن النبيِّ ﷺ مظنونٌ، وثبوت معاني الظواهر من القرآن وسائر المتواترات مظنون. أمَّا ما كان لفظُهُ معلوماً ومعناه معلوماً، فليس من الاجتهاد في شيء، ذاك بابٌ آخر لم يتكلم فيه، فإذا كان الأصلُ مظنوناً، فلا معنى لاشتراط العلم في صفة نقله، فإنَّ وجوب حفظه فرعٌ على كونه من كلام النبي ﵇ ولم يجب العلم في الأصل، فإيجابه في الفرع يُؤدي إلى أن يكون الفرعُ أقوى من أصله، وهذا ظاهر السقوط.
وثانيهما: أن نقول: ما مُرادُك بأنَّ الحافظ يأمنُ الخطأ بحفظه؟ هل مُرَادك أن أمانه للخطأ دائم أو أكثري؟ الأول ممنوع، والثاني مسلَّم ولا يضر تسليمُهُ، إنّما كان الأول ممنوعاً، لأنَّا نعلم بالضرورة التجريبية أنَّ الحافظ قد يَغْلَطُ في حفظه، وقد صَحَّ أنَّ رسول الله ﷺ سمع رجلاً يتلو آية فقال- ﵇: " رَحِمَكَ اللهُ لَقَدْ أذكَرْتَنِي آيةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا " (١).
стр. 412
فهذا رسولُ الله ﷺ فكيف بغيرِهِ؟!.
وصح عنه ﵇ أنَّه نهي أن يقول الرجل: نَسِيتُ آيةَ كَذَا وَلْيَقُلْ: أُنْسِيتُ (١) وروي عن عليٍّ ﵇ أنَّه شكى على رسول الله ﷺ تَفَلُّت القرآن عليه، فَعَلَّمه أنْ يَدْعُو بدُعَاءٍ. ذكره الترمذي (٢).
وروى أبو العباس الحسنيُّ ﵇ في كتاب " التلفيق ": أنّ القاسم ﵇ أفتى رجلاً في مسألة، فلمَّا ذهب قال: عليَّ بالرجل، فلما أقبل، قال له: سبحانَ مَنْ لا يَسهو، إنِّي سهوتُ، وإن الصوابَ كذا وكذا.
وروى المؤيَّد بالله في " الزيادات ": أنَّ أبا يوسف أفتى في مسألة، ثم تبيَّن له خلافُ ما أفتى، فبذل مالاً كثيراً في استدراك السائل.
стр. 413
ولمَّا قال المؤَيَّد باللهِ: إنَّ الواجبَ على مَن معه عشرةُ أثواب فيها ثوبٌ نجس ملتبس أن يُصّلِّي عشرَ صلواتٍ في كُلِّ ثوب صلاة، حملوه على السهو، وأنَّهُ توهَّم أنَّ فيها ثوباً طاهراً والباقي نجس.
ولمَّا قال الزمخشريُّ (١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]: إنَّ الجملة وصفيّة، وإن الواو دخلت فيها، لشبهها بالحال، أنكر ذلك السَّكَاكيُّ (٢) وقال: وأمّا نحوُ قولِهِ عزَّ اسمُه: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ فالوجه فيه عندي: هو أنَّ " ولها كتاب معلوم " حالٌ لقرية، لكونها في حكم الموصوفة نازلة منزلة: وما أهلكنا من قرية من القرى، لا وصفٌ، وحملهُ على الوصف سهو لا خطأ. ولا عيب في السَّهو للإنسان، والسَّهْوُ ما يتنبه صاحبُهُ بأدنى تنبيه، والخطأُ ما لا يتنبَّه صاحبُهُ أو يتنبه، ولكن بعدَ إتعاب. انتهى.
ولا يحتاح إلى توجيه السَّكَاكيِّ أنَّ " قرية " في حكم الموصوفة، لأنَّ ابنَ مالك ذكر من المواضع التي يكثر فيها تنكيرُ صاحب الحال مقدّماً أن يكونَ الحالُ جملةً مقرونة بالواو، ومثَّل ذلك أبو حيّان بهذه الآية، وبقول الشاعر:
مَضَى زَمَنٌ والنَّاسُ يسْتَشْفِعُونَ بِي ... فَهَلْ لِي إلَى لَيْلَى الغَدَاةَ شفِيعُ (٣)
стр. 414
وأمَّا أن تسليم الثاني لا يضرُّ، فلأنَّ الأمان الأكثريَّ حاصل بالرجوع إلى الكتاب.
الحجة الثانية: أنَّ الرجوعَ إلى الكتاب أقوى من الحفظ، فوجب أن يكون معتبراً كافياً، وإنَّما قلنا: إنَّه اقوى من الحفظ لوجهين:
أحدهما: أنَّه يجوزُ أن يكون الكتابُ أصل الحفظ، فإن الحافظ يجوزُ له أن يحفظَ مِن الكتاب وهذا هو الأكثرُ، وقَل مَنْ يَحْفظ القرآنَ والسُّنَّة وغيرهما من العلوم مِن أفواه الرجال، على أنَّ الحفظ من أفواه الرجال، ليس يُفيدُ العِلْمَ، فكان الحفظُ مِن الكتاب مساوياً للحفظ من أفواه الرِّجال في إفادة الظن: فإذا ثبت أنَّ الكِتَابَ أصلُ الحفظ في كثير من الأحوال، وأنه يجوز أن يكون أصلُه في جميع الأحوال، ثبت أنّه أقوى منه، لأن الأصل أقوى مِن الفرع، ولأن غاية الحافِظ أن يحفظ كما قرأ في الكتاب.
وثانيهما: أنّا رأينا الحُفّاظ يرْجِعُونَ فيما يحفظونه إلى الكتب عند الاشتباه.
الحجة الثالثة: أنَّه قد ثبت أنّ أميرَ المؤمنين عليًّا ﵇ أعلمُ هذه الأمة بعدَ رسول الله ﷺ (١) وثبت أنَّه كان معه صحيفة معلّقة في
стр. 415
سيفه كتبها عن رسول الله ﷺ فيها أسنانُ الإبلِ وأنصبتها ومقَادِيرُ الدِّيات؛ رواها سفيانُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ التيّميِّ، عن أبيه، عن عليّ ﵇ (١) -.
وهذا دليلٌ على جواز الرجوعِ إلى الكتُبِ والصحائفِ، وسواءٌ
стр. 416
قلنا: إنَّه كان حافظاً لذلك عن ظهر قلبه أو لا، أمّا إن لم يكن حافظاً لذلك، فظاهر، وأمّا إن كان حافظاً له، فلأنَّه إنَّما كتبها، وعلَّقها مع سيفِه ليرجِعَ إليها عند الالتباس، لأن ذِكْر أسنانِ الإبل، ونصابَ زكاتها، ومقادِيرَ الدِّيات لا يصْلُحُ أن يكون تعلَّقه تميمة، ولا اتخذه عُوذةً، فلا وجه لإيجاب الحفظِ.
الحجة الرابعة: ما قَدَّمنا ذكرَه مِن دعوى المنصور بالله ، والحافِظِ يعقوب بن سفيان، والحافظ ابن كثير للإجماع على رجوعِ الصحابة إلى كتاب عمرو بن حزم، ورجوع عمر إليه في دية الأصابع، وكذلك كتابُ النبيِّ ﷺ الذي كتبه في الصدقات لأبي بكر وكذلك سائرُ الكتب النبوية التي كتبها ﵇ للمسلمين إلى سائر آفاق الإسلام، لم يُنْقَلْ أنّه ﵇ أمر أحداً ممَّن كتبت له بحفظها عن ظهر قلبه، وأوجب ذلك على من أراد العملَ بها وهو ﵇ المُبَيِّن للأمة، الناصح للخلق، الأمينُ على الوحي، فلا هُدَى أوضحُ من هداه، ولا اقتداء بأحدٍ أفضلُ مِمَّن اختاره اللهُ واصطفاه.
الحجة الخامسة: أن الصحابة أجمعت أنَّه لا يجب حفظُ النَّصِّ على المجتهد ، وإنَّما يجب عليه البحثُ عند حدوث الحادثة، وذلِكَ ظاهر، فإن أبا بكر حين سألته الجَدَّةُ نصيبَها قال لها: ما لَكِ في كتابِ اللهِ من شيءٍ وما علمتُ لَكِ في سُنَّة رسولِ الله من شيء، ثم سأل الناسَ، فأخبره المغيرةُ، ومحمدُ بن مسلمة أنَّ رسول الله ﷺ فرض لها السُّدُسَ فأمضاه لها (١). فلم يكن حافظاً للنص قبلَ حدوث هذه
стр. 417
المسألة. وكذلك قِصَّةُ عُمَرَ في حُكْم المجوسِ (١) وسؤاله للناس عند احتياجه إلى ذلك، وكذلك قصَّتُهُ في حديثٍ الطَّاعونِ (٢).
وكذلك أميرُ المؤمنين ﵇ قد صحَّ عنه أنَّه كان يغتسِلُ من المذي، ولا يدري ما حُكمُهُ، وأنَّهُ استحى مِنْ رسولِ الله ﷺ عن ذلك لمكان ابنته منه، وما زال يغتسِلُ منه حتَّى تشَقَّقَ ظهرُهُ، ثم أمر المِقْدَادِ بنَ الأسود يسأل له النبيَّ ﷺ عن ذلك (٣). والظاهر أنَّ علياً ﵇ كان مجتهداً في العلم حين لم يكن يحْفَظُ ذلك الحكمَ، فلو وجبَ في حق المجتهد حفظُ النصوص على الحوادث، لدَلَّ ذلك على أنَّه في تلك الحال يُسمَّى عامِّياً غيرَ مجتهد.
وأيضاًً فإنَّه قد ثبت عنه ﵇ أنَّه احتاج إلى حديث غيره، وكان يستحلفُ بعضَ الرُّواة ويُصدِّق منْ حلف له، كما رواه المنصور بالله، وأبو طالب ﵇ ولو كان حافظاً للنُّصُوص عن ظهر قلبه لم يَحْتَج إلى ذلك. ففي هذا أنَّهم لم يتعرَّضوا لجمع النصوص
стр. 418
وحفظها، بل كانوا لا يبحثون عن المسألة حتى تُعْرضَ، فإن عَرضت وهم يحفظون فيها شيئاً، حكموا به، وإن لم يكونوا يحفظون فيها شيئاً، سألوا عنه.
وتلخيص هذه الحجة أنْ نقول: إنّا نعلم بالضرورة من أحوال الصحابة ﵃ أنّهم ما كانوا يعتنونَ بجمعِ الحديث النبويِّ وحفظه ودرسه عن ظُهورِ قلوبهم، فإذا لم يجب حفطُهُ ودرسُه قبلَ تقييده بالكتابة، فكيف يجبُ بَعْدَ تقييده في الكتب، والأمان من ضيَاعه، والثقة بوجوده، وإنَّما كانوا يحفظون بعضَ القرآن، ويَدْرسونَه، والقليلُ منهم يحفظه كُلَّه.
فإن قلتَ: إنَّهم كانوا إذا سَمِعُوا من رسول الله ﷺ شيئاً حفظوه بالمعنى.
فالجوابُ عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنَّ محفوظ الواحد منهم كان لا يكفيه في الاجتهاد بحيثِ لا يجبُ عليه طلبُ غيره، وهذا القدرُ محفوظ لِكل مجتهد بعدَهم، وإنما كلامُنا في حفظ كتابٍ حافلٍ في أحاديثِ الأحكامِ يَغْلِبُ على ظنِّ الحافظ له أنَّه لا يُوجَدُ نصٌّ صحيح إلا وقد أحاطَ به، بحيث إذا وَرَدَتْ عليه الحادثة لم يجبْ عليه أن يَطْلُبَ مِن غيره المعارضَ ولا الناسخَ ولا المخصِّصَ، وإنَّمَا قلنا: إنّ الواحد منهم كان لا يحفظُ ما يكفيه، لأنّ ذلك هو الظاهرُ مِن أحوالهم، فإنَّهم كانوا يفزعونَ إلى السُّؤال عند حدوثِ الحوادِثِ مثل ما قَدَّمنا مِن قِصَّة أبي بكر مع الجَدَّةِ، وقصة عمر مع المجوس وأمثال ذلك، فإذا كان هذا أمير المؤمنين ﵇ احتاجَ إلى حديثِ غيره، بل احتاج إلى حديث المتَّهَمِينَ الذين
стр. 419
لا يُصدقهم إلا بعدَ الاستحلاف، فما حالُ غيره؟ وأمَّا معاذ، فإنَّما لم يلزمه سؤالُ غيرِهِ حيث لم يَجِد النُّصوصَ لبُعْده عنهم، وغيبتهم عنه، كما لم يلزمه الرجوع إلى النبيِّ ﷺ لذلك، فلا شك أنّ الحكم بالرأي في بلدِ النبيِّ ﷺ مِن غير سؤال لا يجوزُ، لأنَّ الحاكم به واجد للنصِّ كالمتيمِّم، والماءُ معه في البلد لا يجزيه، لأن الماءَ معه.
وثانيهما: أنَّهم كانوا يسمعون من النبي ﷺ الشيءَ ثم ينسونه، وذلك ظاهر لوجهين:
أحدهما: أنَّ مثل ذلك معلوم من أحوال البشر ، فإنَّ منْ سَمِعَ الشيءَ، ولم يُلَاحِظْهُ بالدرس والمعاهدة يَعْرِضُ له النسيانُ، وتَطَرَّق إليه الشَّكُّ.
و ثانيهما: أنَّه قد ثبت عنهم ذلك ، فعن طلحة أنَّه سُئل عن السبب في قِلة روايته، فقال ما معناه: إنّي قد جالستُ رسولَ الله ﷺ كما جالسوه، وسمعتُ منه كما سمعوا منه، ولكنِّي سمعتُهُ يقول: " منْ كَذبَ عَلَيَّ مُتعَمِّداً فَلْيتَبوَّأ مقْعَدَهُ منَ النَّارِ " (١).
وعن أبي عمرو الشَّيباني، قال: كنتُ أجلِسُ إلى ابن مسعود حولاً لا يقولُ: قال رسول الله ﷺ فإذا قال: قال رسول الله ﷺ استقلَّته الرِّعدةُ، وقال: هكذا، أو نحو ذا، أو قريب من ذا، أو قلت. يعني
стр. 420
يتحرَّجُ مِن أجل حفظ اللفظ مع طُول العهدِ، فإذا روى بعبارة تُوهِمُ أنَّه حكى لفظ النبيِّ ﷺ استقلَّته الرِّعدة، وإنَّما كان عامّة روايته بلفظٍ يفهم منه السامعُ أنّه روى بالمعنى، ولهذا قال أبو هريرة: ما غلبني أحدٌ إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولم أكتب (١).
وأعجبُ مِنْ هذا كله نسيانُ عُمَرَ لِحَدِيثِ التَّيَمُّمِ الذي رواه عمَّارٌ مع أنَّه من الوقائع التي لا يُنسى مثلُها في العادة، فإنّ عَمّاراً روى أنّه أصابته وعُمَرَ جنابَةٌ. قال: فأمَّا أنا فتمرَّغتُ في التراب كما تمرَّغُ الدَّابَّةُ، وأما عُمَرُ، فترك الصَّلاة، فلما أتينا النبي ﷺ سألناه فقال: " إنَّما كانَ يَكْفيك ... " وساق الحدِيثَ في صِفَةِ التيمُّمِ. فلما سمع عُمرُ هذا مِن عمَّار، أنكره وقال: اتَّقِ الله يا عمَّار، فقال عمَّار: إن أحببتَ، لم أذكره فقال عمر: بل قد وليناك ما توليت (٢). أو كما قالا.
وأمثالُ هذا كثيرة.
فإذا لم يَجِبْ على الصحابة التعرُّضُ لمعرفة ما في الحوادث المقدرة من النصوص، وذلك قبلَ حفظِ السُّنن وتدوينها، فأولى وأحرى أن لا يَجِبَ ذلك بعدَ حفظها وتدوينها، والأمانِ من ضَيَاعها، والمعرفةِ بموضعها عند الحاجة إلى البحث عنها، وهي حُجَّةٌ قَوِيَّة إجماعية.
الحجة السادسة: أنها قد اشتهرت الفُتيا في عصر الصحابة عمَّن
стр. 421
ليس بحافظٍ لأقوال الله، دَعْ عنك أقوالَ رسول الله ﷺ ، ولم يُنْكِرْ ذلك أحدٌ من أصحابِ رسول الله ﷺ على المفتي ولا على المستفتي، فقد نقلت الفتيا عن خلقٍ كثير من الصَّحابة عدتهم مئة واثنان وأربعون رجلاً وعشرون امرأة وهم معروفون بأسمائهم لولا خشيةُ التطويل، لذكرتُهُم بأسمائهم (١)، ولم يكن يحفظُ القُرآن منهم إلاَّ أربعةُ رجال فيما قاله بعضُ الصَّحابة (٢)، أو قريبٌ من ذلك.
وقد أفتى أبو بكرٍ وعُمَرُ؛ ولم يكن منهما منْ يَحْفَظُ أقوال اللهِ عن ظهر قلبه كما ذكره السَّيِّد، ولم يُنْكِرْ عليهم أخذ من الصَّحابة، ولا أنكر على من استفتاهم، ولا علم أنَّ أحداً منهم جمع آيات الأحكام مفردةً، كما فعله بعضُ المتأخرين وحفظها، ولا توقَّفُوا في العمل باجتهاد الخليفة، والقاضي، والمفتي على البحث عن ذلك واختياره فيه، فدلَّ على أنَّه لا يجب.
الحجة السابعة: أنَّ الله تعالى قال في الدِّين والشهادة عليه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالله -سبحانه
стр. 422
وتعالى- في هذه الآية رفع الإشكال، وبيَّن أنّ الكتابة هي الغايةُ القصوى في الاحتراز من الشَّكِّ والبعد من الرَّيْب، ونصَّ على أنَّها أقسطُ وأقومُ، وجاء بأفعلِ التفضيل، وحذف المفضَّل عليه تعميماً لتفضيل الكتابة على سائر الوجوه المبعدة من الريب، المقربة من اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وفي قول المصلي.
وهذا في الشَّهادة المبنيَّة على العلم، فكيف في الاجتهاد المبنيِّ على الظنِّ، وهذا في حقوق المخلوقين المبنيَّةِ على المبالغة في الاحتراز بحيث إنَّه لا يُقبل فيها قولُ العدلِ الواحد، ولا قولُ جماعةِ العدولِ فيما يدَّعونَهُ لنفوسهم ونحو ذلك من الخصائص، فكيف في حقوق الله التي لم يُشترط فيها شيءٌ مِن ذلك. وهذه الآية حجة لمن يُجِيز الشهادة على الخطِّ المعروفِ، وهي على أصله أظهرُ في المقصود هنا، وإن كانت حُجَّة على كلا المذهبين، لأن مَنْ لا يُجِيزُ الشهادة على الخطِّ يتأوَّلُها بأنَّ الخط مذكِّرٌ لمن نسي تذكيراً يعودُ معه العلمُ الضروريُّ، فثبت أنَّ الشاهدَ لا يجب أن يكونَ حافظاً حتَّى يشهدَ، ويجوزُ أن ينسى، ثم يتذكرَ، فالمجتهدُ أولى بذلك.
الحجة الثامنة: أنَّ الجماهير قد أجازوا روايةَ لفظ النبي ﷺ بالمعنى ، ولم يُوجِبُوا حفظَه بلفظه، واحتجُّوا على ذلك بحجج أقواها رواية الحديث للعجم بلسان العجم، ومنها إجماعُ الصَّحابة على جوازِه حيثُ يروون الحديثَ الواحِد في الواقعة الواحدة بألفاظ مختلفة من غير مناكرة بينهم. فإذا تقرر هذا الذي ذهب إليه الجمهورُ، والذي قامت عليه الأدِلَّةُ أنَّه لا يجبُ حِفْظُ لفظِ حديث رسولِ الله ﷺ على من سمعه منه ﵇ بغير واسطة، فكيف يجب على من بلغه حديث
стр. 423
بوسائط كثيرة أن يحفظ ألفاظَهم التي لا يدري: أهي لفظُ النبي ﷺ أم (١) معنى لفظه؟
الحجة التاسعة: أجمعت جماهيرُ العِترة الطاهرة ﵈ على اختيار الإمام في الاجتهاد ولم يزل الأعيان من سادات أهلِ البيتِ والعلماء من شيعتهم يختبرون كُلَّ مَنْ دعا إلى الإمامة منذ عصورٍ كثيرة، وقرونٍ عديدة، فلم نعلم أنَّ أحداً منهم اختبر أحداً من الأئمة في حِفْظِ أقوالِ اللهِ وأقوالِ رسوله ومسائلِ الإجماع عن ظهر قلبه مع تعرُّضهم لامتحان الأئمة في جميع شرائط الاجتهاد ومع تعنُّتِ كثيرٍ منهم في الاختبار. وكذلك الأئمةُ لم يختبروا القضاةَ في ذلك، وكذلك من اعتقد اجتهاد عالم من المتقدِّمين، وأراد تقليده، وكان ممن يستجيز ذلك، فإنه لم ينقل عن أحد أنَّه يلزمه أن يبحثَ حتَّى يظن أنَّه كان يحفظ أقوال اللهِ، وأقوالَ رسوله، ومسائلَ الإجماع عن ظهر قلبه، وهذا يُفيد ظهور الإجماع على عدم وجوب ذلك.
الحجة العاشرة: ثبت عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ، فلا تُضَيِّعُوهَا، وَحدَّ حُدُوداً فَلا تعْتَدُوهَا، وَسكَتَ عنْ أشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فلا تَتَعرَّضُوا لَهَا" رواه النَّواوي في " الأربعين " (٢) المسمّاة بـ " مباني الإسلام " وقال: هو حديث حسن،
стр. 424
ويشهد له ما ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: " ما نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ومَا أمَرْتُكُم بِهِ فأتُوا مِنْه ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّما أهْلَكَ: مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهمْ واختلافُهُم على أنْبِيَائِهِمْ " (١).
وهذا مِن جملةِ ما سَكَتَ الله عنه ورسولُه، ولم يَحْصُلْ فيه قياسٌ صحيحٌ يقْوَى على تخصيصِ هذه العموماتِ، وَقَدْ أذِنَ رسولُ الله ﷺ لجماعةٍ منْ أصْحَابِهِ بالقضاءِ والفُتيا، وَسَكَتَ عن هذَا ولم يُبَيِّن لهم أنَّه شرطٌ في ذلك.
وقد ثبت بالإجماع أنَّ علينا أن نَقْضِيَ بكتاب اللهِ، ثم بِسُنَّة رسولِ الله ﷺ ، وهذه سنةُ رسولِ اللهِ ﷺ دلَّت على أن الله سَكَتَ عن إيجابِ حفظِ أقوالِهِ وأقوالِ رسولِهِ رحمةٌ لنا مِنْ غيرِ نسْيَانِ، فَقَبِلْنَا رحمَة اللهِ تعالى لنا، وَشَكَرْنَا نعمته سبحانَه علينا، ولم نَتعَرَّضْ لِمَا لم نُؤْمرْ به في كتابِ ربِّنا ولا في سُنَّةِ نَبِيِّنا، ولم نَكُنْ مِن الَّذِينَ قَال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٢) [النساء: ٦٦].
стр. 425
الحُجَّة الحادية عشرة: قالَ صاحبُ كتابِ " الإجماع " في آخره: أجْمَعوا على أنَّ حِفْظ شيء مِن القرآن واجبٌ، وعلى أنَّ من حَفِظَ الفاتحَةَ مع البسملَةِ قَبْلَهَا، وسورةً أخرى معها، فقد أدَّى فرضَ الحفظ، وأنَّه لا يلزمُهُ حِفظٌ أكثرُ من ذلك (٢). انتهي من كتاب الرَّيمِيِّ (٣) الجامِعِ لكتب ابن حزم وابن المنذر (١) وابنِ هُبيْرَةَ (٢) في الإجماعِ.
وفي هذه الحُجَجِ كفايةٌ إن شاء اللهُ تعالى، ثُمَّ بعدَها نذكر حُجَجَ