وذكرني مَن ثوى ثم من ... أناس لهم في فؤادي ثوي
مهماتُ قلبي ادِّكارهم ... يؤلفها البارقُ الأسنوي
أحن إليهم حنينَ النياق ... وأثغوا غراماً ثُغاء الشوي
ولا سيما عزِّ دينِ الهدى ... وقطبِ رحا الشرفِ الهادوي
محمد المرتدي بالكمال ... وسالك كل صراط سوي
وإنسان عين بني المرتضى ... ودُرَّة عقدهم اللؤلؤي
وبحر المعارف ذاك الذي ... غدا البحر في جنبه كالطوي
ورافع أعلام علم الحديث ... وناصب عرش الهدى المنهوي
وناشر سنة خيرِ الأنام ... وقد كان منثسورها منطوي
ومُحييها وبإحيائها ... جلا ذهب المذهب اليحيوي
تجرد في بعث مقبورها ... وإنقاذ ما كان فيها ثوي
وما زال يفتي بها في أزال ... ويخدمها خدمةَ المقتوي
ويسفك في نصر أعلامها ... بصُمِّ اليراع دِمَاء الدوي
فروضتُها الآن مخضرَّةٌ ... تَرِفُّ من الرِّيِّ بعد الذُّوي
ومرتعها قد غدا مُعْشِبَاً ... ومن بعد صفرته قد حوي
فلِلهِ دَرُّكَ من سَيِّدٍ ... على كُلِّ مكرمة محتوي
ودَرُّ جحا حجةٍ أشبهُوك ... مِن هادويٍ وَمِن مهدوي
هُمُ مثلُ أحرفِ بيت القصيد ... وأنتَ لهم مثلُ حرف الروي
إليكم أحِنُّ حنيناً إذا ... ظما كَادَ ضلعي به يَشْتَوِي
وأذكركم فيكادُ الفؤاد ... يذوبُ مِن الشَّوقِ أو ينشوِي
فقلبي كليمُ بموسى الفِراق ... وحُبِّي برؤيتكم موسوي
أحبُّكم يا بني أحمدٍ ... وَحُبُّكم أسُّ ديني القوي
أًحِبُّكم مثل حُبِّ المسيـ ... ـح دان به الراهب العيسوي
стр. 72
أوفيكم حَقَّ حبي ولا ... أُدنِّسُه بغُلُو الغَوِي
وأهوى على البُعدِ لُقياكم ... ولُقياكم خَيْرُ شيء هوي
وأعلم أنكم كالوُكور ... ونحنُ طيورٌ إليها أوي
عَطِشْتُ إلى لَثْمِ أقدامِكُم ... فيا ليتَ شعري متى أرتوي
فلا زلتُم يا بني أحمد ... كهوفاً إليها اللحاق الضوي
مؤلفاته
اشتغل بالتأليف منذ سِن مبكرة، فهو قد صنف " العواصم والقواصم " ولما يَبْلُغ الثلاثينَ سنة، ولم ينقطع عن التأليف حتى قرب وفاته:
١ - إيثار الحق على الخلق في معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته على مناهج الرسل والسلف. صنفه سنة ٨٣٧ هـ وهو آخر مؤلفائه.
٢ - البرهان القاطع في معرفة الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع فرغ من تأليفه في رجب سنة ٨٠١ هـ وقد طبع، وقال يحيى بن الحسين: وله كتاب البرهان في أصول الأديان قرر فيه الاستدلال بالظنيات في الأصول وهو خلافُ الجمهور ولعلَّه هو البرهان القاطع.
٣ - التأديب الملكوتي وهو مختصر، وفيه عجائب وغرائب، قال صلاح ابن أحمد بن عبد الله الوزير: لم أجد هذا الكتاب في الخزانة، وإنما وجدتُ منه وريقاتٍ يسيرة من مُسَوَّدَتِهِ زادت الأسف عليه.
٤ - تحرير الكلام في مسألة الرؤية وما دار بَيْنَ المعتزلة والأشعرية.
٥ - التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية لأخيه الهادي بن إبراهيم الوزير.
стр. 73
٦ - ترجيحُ أساليب القرآن على أساليب اليونان في أصول الأديان وقد طبع.
٧ - تنقيح الأنظار في علوم الآثار وهو كتاب جليلُ القدر، جمع فيه علومَ الحديث وزاد فيه ما يحتاج إليه طالبُ الحديث مِن علم أصول الفقه، وأفاد فيه التعريف لمذهب الزيدية، وهو يُغني عن كتاب العلوم للحاكم، صنفه سنة ٨١٣ هـ وشرحه البدر محمد بن إسماعيل الأمير، وسماه " توضيح الأفكار على تنقيح الأنظار " في مجلدين وقد طبع.
٨ - الحسام المشهور في الذب عن دولة الإمام المنصور.
٩ - حصر آيات الأحكام، وقال يحيى بن الحسين في " طبقاته ": وكتاب في آيات الأحكام قدر مائتين وست وثلاثين آية.
١٠ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم في أربع مجلدات، وهو الذي تقوم مؤسسة الرسالة بنشره وقد اختصره في مجلد وسماه " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " وقد فرغ من تأليف المختصر يوم الأربعاء الثالث من شهر شعبان سنة ٨١٧ هـ. وقد طبع مرتين.
١١ - قبولُ البشرى في تيسير اليُسرى، مجلد لطيف ضمنه ما يجوزُ من الرخص وما لا يجوز، وما يكره وما يستحب، وأقوالُ أهل العلم في ذلك.
١٢ - كتاب في التفسير من الكلام النبوي ذكره في " إيثار الحق على الخلق " وقال: جمع فيه ما في جامع الأصول، ومجمع الزوائد، والمستدرك للحاكم. وقال صلاح ابن أحمد بن عبد الله الوزير: ولم يُوجد هذا الكتاب.
стр. 74
١٣ - نصر الأعيان على شر العميان كتبه رداً على أبي العلاء المعري وقال فيه ما لفظه: وقد ولع بعض أهل الجهل والغرة بإنشاد الأبيات المنسوبة إلى ضرير المعرة، وهي أحقر من أن تسطَّر، وأهون من أن تُذكر، ولم يشعر هذا المسكينُ أن قائلها أراد بها القدحَ في الإسلام من الرأس، وهدم الفروع بهدم الرأس، وليس فيها أثارَةٌ من علم، فيستفاد بيانُها، ولا إشارة إلى شبهة فيوضح بطلانها، وإنما سلك قائلها مسلك سفهاء الفاسقين والزنادقة المارقين وما لا يَعْجِزُ عن مثله إلا الأراذلُ مِن ذم الأفاضل بتقبيح ما لهم من الحسنات، وتسميتها بالأسماء المستقبحات، تارة ببعض الشبهات، وتارة بمجرد التهويل في العبارات، كما فعل صاحب الأبيات. وصدَّر الكتابَ المذكور بهذه الأبيات:
مَا شَأْنُ مَنْ لمْ يدْرِ بالإسْلامِ ... والخَوْضِ في مُتشابِه الأحْكامِ
لَوْ كُنْتَ تدْرِي مَا دروْا مَا فَاهَ بِالْـ ... ـعَوْرَاءِ فُوكَ، ولا صَمَمْت صَمَام
لَكِنْ جَمَعْتَ إلى عَمَاكَ تَعَامِياً ... وَعُمُومَةً فَجمعْتَ كُلَّ ظَلامِ
فَاخْسَأ فَمَالك بالعُلوم دِرَايَةً ... القَوْلُ فِيهَا ما تقُول حَذَام
ما أذْكَرَ العُمْيَانَ للأعْيَانِ بَلْ ... ما أذْكر الأنعَامَ للأعلامِ
وإذَا سَخِرْتَ بِهمْ فلَيْسَ بِضَائِرٍ ... إنْ هَرَّ كَلْبٌ في بُدُورِ تَمَامِ
مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلأنبياءِ مُعَظماً ... لَمْ يَدْرِ قَدْرَ أَئِمَّةِ الإسْلامِ
لَمْ تَدْرِ تَغْلِبُ وَائل أَهجَوْتَهَا؟ ... أمْ بُلْتَ تحْت المَوْجِ وهي طَوامِي
وقال محمد بن عبد الله بن الهادي: وقد أحببتُ ذكر هذه الأبيات لما فيها مِن الذب عن أئمة الاسلام.
١٤ - كتاب الأمر بالعزلة في آخر الزمان.
стр. 75
١٥ - مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق وقال فيه بيتين:
ولي فيك دِيوان سَقَيْتُ فنونَه ... دُموعي فأضحى رَوْضُه مُتفنّنا
وكنتُ امرءاً أهوى البَرَاهِينَ في الثَّنا ... فرصعتُه فِيها فَجَاء مُبرْهَنَا
١٦ - مختصر في علم المعاني والبيان.
١٧ - رسالة في عدم اشتراط الإمام الأعظم في صلاة الجمعة.
١٨ - كتاب في علم المعاملة.
١٩ - ديوان شعره.
٢٠ - رياض الأبصار في ذكر الأئمة الأقمار والعلماء الأبرار (١).
وأما المسائل والردود على أصحاب الأفكار المُبَدَّعة، فلا يأتي عليها العد ولا يُستطاع على ما تضمنه الرد.
وفاته
توفي ﵀ يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من المحرم غرة سنة (٨٤٠)(٢) وقد بلغ من العمر أربعة وستين سنة ونصف السنة بمرض الطاعون الذي انتشر في اليمن في سنة (٨٣٩) وسنة (٨٤٠ هـ) وقد دفن في الرويات (مسجد الروية) المعروف اليوم بمسجد فروة بن مسيك قبلي مصلى العيد
стр. 76
بجوار جدار المسجد. ولشمس الحور بنت أخيه الهادي بن إبراهيم الوزير فيه قولها من أبياتِ:
رَحِمَ اللهُ أعظماً دفنُوها ... بالرّويات عن يمين المُصَلَّى
وقال يحيى بن الحسين في طبقاته: وروي أن الوزير حسن باشا (الوالي العثماني في اليمن من غرة ذي الحِجة سنة ٩٨٨ - ١٠١٣) لما عمر المسجد الذي بفروة وجدده، وعمر قبة أكيدة البناء الباقي إلى الآن، وجد قبر السيد جنب المواثر على حاله فأبقاه مكانه (١).
خلاصة القول
يتضح مما سبق أن الإمام محمد بن إبراهيم الوزير قد التزم بالعمل بنصوصِ الكتاب، وصحيح السنة في كل أمرٍ من أمور الدين، ودافع عن السُّنة وأهلها دفاعاً مشهوداً، وأبلى في ذلك بلاء حسناً، وله أقوالٌ كثيرة في ذلك منها قولُه من قصيدة دالية سبق ذكرها:
يا حَبَّذا يَوْمُ القيَامَةِ شُهْرَتي ... بَينَ الخلائقِ في المَقام الأحمدِ
لِمحبتي سُنَنَ الرَّسولِ وأنَّني ... فيها عَصَيْتُ مُعَنِفِّي ومُفَنِّدي
وتركتُ فِيهَا جيرتي وعَشيرتَي ... وَمَحل أتْرَابي وَمَوْضِعَ مَولدِي
إلى أن يقول:
إني أُحِبُّ محمداً فَوْقَ الوَرى ... وبه كما فَعَلَ الأوائِلُ أقتدي
فقد انقضت خيرُ القرون ولم يكن ... فيهم بِغيرِ محمد مَن يهتدي
стр. 77
إلا أنه هناك بعضَ قضايا أصولية تردد في تحديدِ موقفه منها؛ وكان يجنح أحياناً في بداية أمره إلى معتقدات الزيدية، كما جاء في قوله من القصيدة السابقة إذا لم تكن مقحمة على صاحبها:
هذي الفروع وفي الأصول عقيدتي ... ما لا يُخالف فيه كُلُّ مُوحِّدِ
ديني كأهل البيت دِيناً قيماً ... متنزهاً عن كل معتقدٍ ردي
لكنني أرضي العتيقَ وأحتمي ... من كل قولٍ حادث متجدِّدِ
والعتيق أقوال أهلِ البيت المتقدمة على ما تضمنه " الجامع الكافي " كما جاء في ترجمته في طبقات الزيدية ليحيى بن الحسين بن القاسم، ويقول في أهل البيت:
وأُحِبُّ آل محمد نفسي الفِدا ... لَهُمُ فما أحدٌ كآل محمدِ
هُمْ بَابُ حِطَّة والسفينة والهدى ... فِيهم، وهُمْ للظالمين بمَرْصَدِ
وهُمُ النجومُ لِخير متعبِّد ... وهُمُ الرجومُ لِكل من لم يعبد
وهُم الأمانُ لِكل من تحت السما ... وجزاءُ أحمد ودُّهم فتودَّدِ
والقوم والقرآن فاعرف فضلَهم ... ثقلانِ للثقلين نَصُّ محمدِ
ولهم فضائلُ لستُ أُحصي عدَّها ... من رام عدَّ الشهب لم تتعدد
وكفي لهم شرفاً ومجداً باذخا ... شرعُ الصلاة لهم بكل تَشَهُّدِ
وذكر في مقدمة " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " (١) ما لفظه: "وأصلي وأسلم صلاة دائمة النما، تملأ، ما بين الأرض والسما وما بينهما عليه وعلى آله الكرما الثقل المذكور مع القرآن (٢) أئمة الإسلام،
стр. 78
وأركان الإيمان المتوجين بتاج: ﴿قُلْ لا أَسْاَلُكُم عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ المَودَّةَ في القُرْبَى﴾ (١) الشاهد بمناقبهم كتاب " ذخائر العقبى " (٢).
فهو هنا قد التزم بمقولات الزيدية، وسلك في ذلك مسلك علمائها، وقصد بأهلِ البيت ما يقصِدونه من أنهم علي بن أبي طالب ﵁ وأولاده في اليمن (٣) ناسياً أن كثيراً من أولاده قد سكنوا في غير اليمن مِن ديار المسلمين، وتمذهبوا بمذاهب تلك الديار، ففيهم الحنبلي والحنفي والمالكي، والشافعي، كما أن منهم أيضاً من اعتنق مذهب الإمامية الاثني عشرية، وكذلك فإن الإسماعيلية بفرقتيها المستعلية والنزارية تَدَّعي أنها تسير على منهج أهلِ البيت وإن مؤسسيها هُم من أعيان أهل البيت، وهؤلاء جميعاً يختلفون كثيراً في عقائدهم عن عقائد الزيدية.
كذلك فإن الإمام الوزير التزم ببعض شعائر الزيدية كالقول بـ: حي على خير العمل في الآذان، وقد تفرد بهذه الرواية أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير حينما رد على جمال الدين علي بن محمد بن أبي القاسم لإنكاره على أخيه بأنه خالف الزيدية، وأنكر صحة القول بـ: حي على خير العمل.
стр. 79
وأنا في شك مما نسب إليه من تمسكه بعقائد الزيدية أصولاً وفروعاً إذ لو كان الأمر كذلك لما كان هناك مسوغ لمحاربته حرباً لا هوادة فيها في زمانه وبعد زمانه من بعض علماء المذهب الزيدي. حتى من أقرب الناس إليه. وإذا كان قد ورد شيء يدل على انتمائه إلى الزيدية في كلامه على فرض صحة ثبوته فإنما كان ذلك في بداية أمره.
ومهما يكن مما نسب إليه، فإنه كان ملتزماً بالسنة أصولاً وفروعاً كما هو معروف عنه في مؤلفاته كلها، فهو يقول في مقدمة الروض الباسم (١):
" ولم يكن بدعاً أن تنسمت من أعطارها روائح، وتبصرت من أنوارها لوائح، أشربت قلبي محبةَ الحديث النبوي، والعلم المصطفوي، فكنت ممن يرى الحظ الأسنى في خدمة علومه، وتمهيد ما تعفَّى من رسومه، ورأيتُ أولى ما اشتغلت به ما تعين فرض كفايته بعد الارتفاع وتضيق وقت القيام به بعد الاتساع من الذب عنه، والمحاماة عليه، والحث على إتباعه والدعاء إليه، فإنه علم الصدر الأول، والذى عليه بعدَ القرآن المُعَوَّل، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة ﴿لتبين للناس﴾.
وهو الذي قال الله فيه تصريحاً ﴿إن هُو الا وحي يوحى﴾، وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين؛ حيث قال في التوبيخ لكل مترف إمَّعة: " إني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه " (٢). وهو العلم الذي لم يشارك القرآن سواه في الإجماع على كفر جاحدِ المعلوم من لفظه ومعناه، وهو العلم الذي إذا تجاثت الخصوم للركب، وتفاوتت العلوم في الرتب أصمت مرنان نوافله كل مناضل، وأصمت برهان معارفه كُل فاضل، وهو العلم الذي
стр. 80
ورثه المصطفي المختار والصحابة الأبرار، والتابعون الأخيار، وهو العلم الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام، الباقية حسناته في أمة الرسول ﵇، وهو العلم الذي صانه الله عن عبارة الفلاسفة، وتقيدت عن سلوك مناهجه، فهي راسفة في الأغلال آسفة، وهو العلم الذي جلّى الإسلام به في ميدان الحجة وصلّى، وتجمل بديباج ملابسه من صام لله وصلى، وهو العلم الفاصل حين تلجلَجُ الألسنةُ بالخطاب، الشاهد له بالفضل رجوع عمر بن الخطاب، وهو العلم الذي تفجرت منه بحارُ العلوم الفقهية، والأحكام الشرعية، وتزينت بجواهره التفاسيرُ القرآنية، والشواهدُ النحوية، والدقائق الوعظية. وهو العلم الذي يُميز اللهُ به الخبيثَ من الطيب، ولا يرغم إلا المبتدع المتريب، وهو العلم الذي يسلك بصاحبه نهج السلامة، ويوصله إلى دار الكرامة، والسارب في رياض حدائقه، الشارب من حِياض حقائقه، عالم بالسنة، ولابس من كل صوف جُنَّة، وسالك منهاج الحق إلى الجَنة، وهو العلم الذي يرجع إليه الأصولي وإن برز في علمه، والفقيه وإن برز في ذكائه وفهمه، والنحوي وإن برز في تجويد لفظه، واللغوي وإن اتسع في حفظه، والواعظ المبصر، والصوفي والمفسر، كلهم إليه راجعون ولرياضه منتجعون" (١).
وإذا تأملنا هذا الكلام، وأمعنا فيه فإننا نراه قد نقض ما سبقه، بل نسفه نسفاً.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
стр. 81
التعريف بالعواصم والقواصم
هذا هو الكتاب العظيم الذي تقوم دار البشير بنشره، ويتولى تحقيقه وتخريج نصوصه والتعليق عليه الأخ الأستاذ العلامة شعيب الأرنؤوط، قد اعتمدت في التعريف به، وبما اشتمل عليه من أبحاث على ما كتبه محمد ابن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم الوزير في ترجمته له، وقد أوجز ما اشتمل عليه من أبحاث فيما يلي:
ذكر في المجلد الأول الخطبة، وفيها الإشارة إلى سنة الله في إقامة الحجج، ومقام الرفق، ومقام الشدة في ذلك، وفيها شيء من مناقب النبي ﵌، ثم مناقب أهل بيته، ثم مناقب أصحابه ﵃، ثم مناقب أمته، ثم ترجيح عدم التكفير لأهل التأويل منهم، وذكر كثير مما جاء في ذلك كتاباً وسنة.
ثم الإشارة إلى أقربِ الطُّرقِ إلى معرفة الله تعالى والاكتفاء بالجُمَل وكيفية التعلم لذلك من كتاب الله تعالى، وذكر أقرب الأشياء إلى قطع الوسواس والشكوك، ثم في ذكر النهي عن التفكير (١) والاختلاف والفرق
стр. 82
بينَ المراء المنهي عنه، والجدال بالتي هي أحسن، والحث على الصلح بين المسلمين والتأليف حسب الإمكان، ثم ذكر الموجب لتأليف هذا الكتاب والعذر في التصدي، ثم في الشروع في الجواب.
والذي اشتمل عليه من المسائل العلمية هذا المجلد مسألتان:
المسألة الأولى: الكلامُ في صعوبة الاجتهاد في العلم أو سهولته وذكر شرائط الاجتهاد عند الفريقين المعسرين والميسرين، والرد على من زعم أنه قد صار متعذراً على الإطلاق، وفي ذلك عشرون تنبيهاً تشتمل على بيان غلط من أوهم تعذره، أو شكك في ذلك، ودعا الناس إلى الإعراض عن طلبه.
ثم الكلام فيما يكفي المجتهدين من معرفة الأخبار النبوبة، ومعرفة طرق التصحيح والجرح والتعديل .. وما يؤدي إليه القول بتعذر الاجتهاد، وخلو دار الإسلام ممن يعرف معنى كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﵌، وصحيح حديثه من عموم الضلالات وأنواع الجهالات، وتعذر معرفة جواز التقليد حينئذ، وارتفاع التكليف بتفاصيل الشريعة المطهرة المحفوظة صانها الله عن ذلك. وفي آخر ذلك تمام الكلام في الجرح والتعديل وفي أئمة الحديث الذين أخذ ذلك عنهم، واتصلت الروايةُ بهم، ثم الكلام في معرفة الصحابة ﵃، وحكم المجهول منهم، ومعرفة ما يكون المسلم به صحابياً.
ثم القول في معرفة ما يحتاج إليه المجتهدُ من التفسير، ثم معرفة الناسخ والمنسوخ، وحصر المنسوخات وذكرها بأعيانها مع تمييز ما أجمع على نسخه مما اختلف فيه بأوجز عبارة، ثم ذكر اجتهاد الصحابة، وعدد منْ عُرِف بالاجتهاد منهم وفيه الذَبّ عن أبي هريرة ﵁ وعن
стр. 83
أمثاله من السلف وبيان صدقهم والردِّ على من اتهمهم بتعمد الكذب. ثم ذكر الحسن البصري، وأبي حنيفة ﵄ مناقبهما، واجتهادهما والرد على من قدح فيه، ثم الرد على من قال: إنه لا مجتهد بعدَ الإمامِ الشافعي ﵁، وما يُؤدي ذلك إليه من تجهيل كبار الأئمة وأحبار الأمة في مقدار ستمائة سنة، وذكر خلائق من المجتهدين في هذه القرون وتسمية كثير منهم.
المسألة الثانية: القول في قبول أهل التأويل في الرواية من أنواع المبتدعة إذا عُرِفَ صدقُهم وحفظهم، وذكر الاختلاف في ذلك، وتقصي الأدلة فيه، وفي ذلك فصلان:
الفصل الأول في ذكر من قال: إن قبولهم باطل قطعاً لا ظناً، وذكر أدلته وإبطالها، وذكر ما يلزمه من دعوى القطع في ذلك من اللوازم الصعبة، والإشكالات الجمّة التي بلغت مئتي إشكال أو أكثر، وفي آخر ذلك ذكر ما يَخُصُّ المرجئة ثم الجبرية من ذلك وما يؤدي إليه القولُ بأن المسألة قطعية.
الفصل الثاني في ذكر الأدلة على قبول المتأولين، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى قبولُ فاسق التأويل، وفيها ذكر الاجماع على قبولهم من اثني عشر طريقاً فمن الأئمة المنصور بالله عبد الله بن حمزة، والإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين، وأخوه يحيى بن الحسين الحسنيين الهارونيين، والإمام المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة، والأمير الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى الهادي إلى الحق، والقاضي زيد بن محمد، والفقيه العلامة عبد الله بن زيد صاحب الإرشاد، والحاكم المعتزلي صاحب العيون والسفينة والتفسير، والشيخ أحمد بن محمد الرصاص،
стр. 84
وجده الشيخ العلامة المتكلم الحسن بن محمد الرصاص، والشيخ الإمام أبو عمر عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب.
ثم ألحق -رحمه الله تعالى- ما يدل على صحة رواية هؤلاء للإجماع، وما اعترضت به هذه الرواية والجواب عنه، ثم شهرة خلاف المتأخرين في ذلك على تقدير التسليم أن إجماع القدماء لم يصح، وذكر نصوص أهل البيت خاصة على قبول فسّاق التأويل، ونقل ذلك من تصانيفهم المشهورة الموجودة المتداولة، ثم ذكر الحجج العقلية في ذلك ومن ذكرها منهم وتأييدها بالأدلة السمعية إلى أن تمت اثنتان وثلاثون حجة.
ثم ذكر خمسة عشر مرجحاً لقبولهم على ردهم وما فيه من الاحتياط والورع.
ثم ذكر المسألة الثانية من هذا الفصل الثاني، وهي قبولُ كفار التأويل عند مَنْ يقول به، ورواية الإجماع فيه من خمس طرق عن المنصور بالله، والمؤيَّد بالله يحيى بن حمزة، والفقيه عبد الله بن زيد، والقاضي زيد بن محمد، والإحالة بأكثر الأدلة إلى الأدلة على المسألة الأولى، وبيان أن هذه المسألة محل نظر واجتهاد.
ثم ذكر -رحمه الله تعالى- فائدة في حكم حديث فسَّاق أهل التأويل إذا عارض رواية أهل العدل وماهية شرط التعارض.
ثم ذكر ﵀ خصيصتين: أولهما في فضل أهل البيت، والثانية في تقديم أهلِ كُلِّ فن في فنهم ومعرفة حَقِّ تجويدهم فيه، وعنايتهم فيه، ثم بيان التنزه عن تقديم فساق التأويل على أئمة الإسلام وأن ذلك لم يكن منه ﵀ قط، وأن الخصم قد وقع فيه من حيث لم يشعر.
стр. 85
ثم بيان القول في العموم والخصوص إذا تعارضا، وطرف من الكلام في مسألة الجهر بالبسملة والإخفات، ثم بيان أن البخاري ومسلماً وأهل السنن الأربع لم يتعرَّضوا لحصر الحديث الصحيح، ولا ادَّعوا ذلك، بل صَرَّحُوا بنقيضه، ثم بيان حكم ما ادعى من الإجماع الظني على صحته من حديث البخاري ومسلم، وما خرج عن دعوى الاجماع الظني من حديثهما ومن لم يقل بهذا الإجماع من جماهير العلماء والمحدثين. ثم ذكر ترجيح الذي ليس بمجتهد لبعض مذاهب العلماء لموافقتهما للأخبار الصحاح، وما يرد على ذلك، والرد على من منعه.
ثم ذكر التزام مذهب معين في التقَليد، وهل يجب ذلك، وما المختار فيه؟.
ثم الكلام في حديث المحاربين لأمير المؤمنين علي ﵇ وإفراد الكلام عليهم من دون أهل التأويل.
ثم ذكر ﵀ أربعة عشر وَهْماً من سبعة وعشرين وهْمَاً:
الأول منها قولُ المحدثين بعصمة الصحابة وأن كبائرهم صغائر.
الثاني: أنهم يُجيزون الكبائر على الأنبياء صلوات الله عليهم.
الثالث: أن مروان بن الحكم ليس هو طريدَ رسول الله ﷺ بل طريدُه الحكم.
الرابع: في حكم مروان.
الخامس: أن الزنا صح من المُغيرة بن شعبة.
السادس: في تعيين جَرْحه بذلك أو جرْح الشهود عليه به.
стр. 86
السابع: أن الشهود الثلاثة إن لم يكونوا قاذفين، وجب جرحُ المغيرة بالزنا الذي أخبروا به.
الثامن: في مناقضته في الثناء على أبي بكر، وذم من قعد عن نصرة علي ﵇، لأنه كان من القاعدين عن نصرته.
ثم إنه ذكر ﵀ كلاماً في الوليد بن عقبة، وفيه الرد على من زعم أنه من رواة الكتب الصحاح.
ثم ذكر كلاماً في عبد الله بن عَمْرو بن العاص وأبي موسى، وجوَّد الكلام على الأحاديث التي فيها ذكر القوم الذين يُؤتى بهم يومَ القيامة إلى رسول الله ﵌، فيذهب بهم إلى النار فيقول رسول الله ﵌: أصحابي فيقال له: إِنك لا تدري ما أحدثوه بعدك.
فهذا ما تضمنه المجلد الأول من العواصم.
وأما المجلد الثاني، ففيه تنزيه إمام السنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل عن القول بالتشبيه والتجسيم، وتنزيه أئمة الحديث مطلقاً، وذكر بعض من روى عنه أئمة أهل البيت، وأئمة الحديث ممن يختلف في قبوله وفي توثيقه، وبيان نزاهة الإمام أحمد عن التشبيه، وبيان مذهبه ومذهب أهل الأثر في ذلك في فصل طويل أودعه ﵀ كتاب الوظائف في ذلك، وزاد عليه زيادة في آخره مفيدة.
ثم إنه ﵀ ألحقه بما يُناسبه من مقالات أهل الجُمَل من أهل البيت، ثم بيان كيفية الاحتجاج على التوحيد والنبوات وسائر ما يحتاج إليه من أصول الدين، وأخذ ذلك من كتاب الله ، وكلام علماء
стр. 87
الإسلام من جميع الفرق، وكيفية التعلم لذلك من كتاب الله تعالى وأخذه منه.
ثم ذكر ﵀ مباحث في دليل الأكوان، وأورد عليهم فيه معارضات ومناقضات لم يسبق إلى مثلها وذكر أبياتاً له صادية (١) وشرح شيئاً منها.
ثم الرد على من نسب الإمام مالكاً ﵀ وأمثالَه من أئمة الفقه والحديث إلى البَلَه والجمود لعدم محارستهم علم الكلام والمعقولات، وجَوَّد الرد على من زعم ذلك في نحو أربعة عشر وجهاً، وبين ما يرجع إليه التارك لعلم الكلام في مقامين: أحدُهما: مقام النظر في معرفة الله لتحصل قوة اليقين بذلك، وثانيهما: مقام الرد على الفلاسفة والمبتدعة عند الحاجة إلى ذلك.
ثم ذكر رحمه الله تعالى مذهب الفرقة الثانية من أهل الأثر وهم الجامعون بين الآثر والنظر وعلوم المعقولات والمنقولات، وأورد مختصراً لابن تَيمية في ذلك وذكر أدلة الفِرَق في التكفير وعدمه لأهل التأويل، وضمنه أيضاً كلام الإمام المنصور بالله في تعذر معرفة إجماع أهل البيت بعد تفرقهم في البلاد الشاسعة، وذكر جماعة لا يعرفون، ولا تُعرف مذاهبهم من خلفاء ودعاة وغيرهم ممن في بلاد الغرب الأقصى وبلاد اليمامة وغيرهما.
ثم أورد بعد هذا ترجمة الإمام أحمد بن حنبل مستوفاة من كتاب النبلاء للذهبي الشافعي.
стр. 88
ثم الكلام على مسألة القرآن وتجويدها، والدلالة على عدم تكفير المختلفين فيها، وذكر قول من قال من قدماء أهل البيت: إن القرآن ليس بمخلوق، كقول جمهور أهلِ الحديث، وما ذكره محمد بن منصور الكوفي الزيدي في ذلك، وفي الجُمَل وترك التكفير، ونقله لذلك من جملة أهل البيت وقدماء المعتزلة.
ثم تكلَّم ﵀ في مسألة الرؤية وفي عرض ذلك الذب عن الإمام الشافعي، والرد على من قدح في اعتقاده، وضمن مسألة الرؤية قواعد كباراً كلامية، وبسط القول في معنى الجسم والكلام على تضعيف أدلة المتكلمين في تماثل الأجسام، وتضعيف القول بأن المعدوم شيء وما يلزم من قال بذلك.
ثم تكلم ﵀ بعد هذه المقدمات في فصلين في الرؤية أحدهما في إمكانها وإحالتها، وثانيهما فيما ورد من السَمع في أنها تقع في الآخرة عند أهل السنة، وذكر أدلة الفريقين مستوفاة بألفاظهم، ثم الذب عن البخاري محمد بن إسماعيل صاحب الصحيح، والرد على من ألزمه الجَبر ببعض ما في كتابه الصحيح.
ثم ذكر ستة أوهام تتعلق بمن اعتقد الإيمانَ، ولم ينطِقْ به، وهل التلفظُ بالشهادتين بعدَ الاعتقاد شرط في صحة إلإسلام أو واجب مستقل متأخر مثل الصوم والصلاة والحج؟ ثم الرد على من زعم أن المخالفين كفار تصريح، ثم بيان القدر الضروري في وجوب شكر المنعم، وطرف من الكلام في التحسين والتقبيح بالعقل، وذكر حجة من لا يقول به على أن الله تعالى واجب الصدق محال عليه أن يتصف بصفة النقص عند جميع أهل الإسلام.
стр. 89
ثم ذكر ﵀ في المجلد الثالث من هذا الكتاب الرد على من زعم أن أئمة السنة الأثبات ينكرون أن لنا أفعالاً وتصرفات، واستخرج من ذلك أنهم كفارُ تصريح لإنكارهم في زعمهم العلومَ الضروريات، وأن هذا مجرد دعوى عليهم من غير بينة، وأنهم مجمعون على إثبات الاختيار ونفي الإجبار، وأن بيان ذلك يظهر من طريقين: أحدهما: النقل لذلك عن المعتزلة والشيعة، فإنه يوجد في كلامهم عند حاجتهم إليه في إلزام الأشعرية لبعض المناقضات، والطريق الثانية: النقل عن أئمة أهل السنة ومتكلميهم، وذكر نصوصهم المتواترة الصريحة من كتبهم الشهيرة. وذكر الفرق بين المحبة والإرادة والرضى والمشيئة، وإن الفرق بينهما في اللغة واضح، فالمحبة والرضى نقيض الكراهة، والإرادة والمشيئة معناهما واحد، وهو ما يقع الفعل به على وجه دون وجه على تفصيل قد ذكره واستدل عليه، وأطِال الحجة فيه وأدلة الفريقين من المعتزلة والأشعرية مستوفاة العقلية والسمعية.
ثم أورد تأويل المعتزلة لآيات المشيئة، وهو قولهم: إن الله لو شاء أن يكره العصاة على الطاعة لفعل، لأنه لو كان يعلم لهم لطفاً إذا فعله لهم أطاعوه، لوجب عليه فعل ذلك، لأنه تعالى لا يخل بالواجب، وقد ألزمهم علماءُ الإسلام تعجيز الرب سبحانه عن هداية عاصٍ واحد على وجه الاختيار وهم يلتزمونه في المعنى، لأنه صريح مذهبهم إلا أنهم يقولون: إنه لا يستلزم اسم العجز، لأن اللطف بهم محال، والمحال ليس بشيء، والقادر لا يوصف بالقدرة على لا شيء.
وأجاب ﵁ عن هذا السؤال بأن الإحالة ممنوعة، ومع تقدير تسليمها، فيلزمهم قبحُ التكليف لأن إزاحة أعذار المكلفين عندهم
стр. 90
واجبة، ولذلك أوجبوا اللطف على الله تعالى، وخالفهم في ذلك قدماء أهلِ البيت ﵈، كما نقله في أوائل هذا الجزء عنهم، وعن غيرهم، وجلة من المتأخرين منهم السيد العلامة الإمام أبو عبد الله مصنف " الجامع الكافي " والإمام يحيى بن حمزة وغيرهم.
ثم ذكر الكلام على القضاء والقدر، وما ورد من النهي في الخوض فيه، وبيان مرتبة ذلك من الصحة، وبيان معناه، وأن الوارد في ذلك عموم وخصوص، فالعموم مثل قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ وغير هذه الآية، والخصوص عشرة أحاديث عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأبي الدرداء، وعن ثوبان أيضاًً، وعن ابن مسعود، وأنس، وأبي هريرة، وعن ابن عباس أيضاً، وأبي رجاء العطاردي (١)، وليس فيها شيء متفق على صحته، ولا خرَّج البخاري ومسلم منهما شيئاً، لكن خرَّج أحمد بن حنبل منها حديثاً من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي طريق مختلف فيها اختلافاً كبيراً، وهي تصلح مع الشواهد، وخرَّج الترمذي منها حديثاً عن أبي هريرة وقال: غريب لكن خرَّج البزار له إسنادين آخرين. قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح غيرَ رجل واحد، وخرج الطبراني في المعجمين الأوسط والكبير حديثَ ابن عباس في ذلك، وقال الحاكم: صحيح على شرطيهما، وهذا عارض، والعود أحمد.
ثم ذكر ﵀ ما قاله العلماء وأهل اللغة في تفسير القضاء والقدر على اختلاف مذاهبهم وأدلتهم وأفهامهم، وغلط من زعم أن معنى القدر
стр. 91
والقضاء معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه، وليس كذلك وذكر أن كثيراً من أهل السنة فسروا القضاء والقدر بعلم الغيب السابق، منهم القاضي عياض في شرحه لمسلم، والنووي في شرحه له، وابن بطال في شرح البخاري وغيرهم.
ثم ذكر -رحمه الله تعالى- أن الأحاديثَ التي وردت في وجوب الإيمان به أكثر من سبعين حديثاً، وأنها قد كثرت كثرة توجبُ التواتر، وذكر أيضاًً بعدها نحو مائة وخمسين حديثاً، في صحة ذلك فيما ليس فيه ذكرُ وجوب الإيمان به، وكل رواتها رجال الصحيح، وتكلم على حديث " القدرية مجوس هذه الأمة " وأنه ضعيف عند المؤيَّد بالله من أئمة الزيدية وعند المحدثين. قال ﵀: وأما قول الحاكم أبي عبد الله: إنه صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم عن ابن عمر فشره منه بالتصحيح، فإنه لم يصح ذلك، وتصحيح كل ضعيف على شروط معدومة غير ممكن، فإن فسر القدر بالعلم، فالمذموم منْ نفاه، وإن فسر بالجبر والإكراه، فالمذموم من أثبته، ثم ذكر فائدة العمل مع القدر جواباً على من قدح في أحاديث الأقدار من المبتدعة، وأن الفائدة في العمل مع القدر مثل الفائدة في العمل مع سبق العلم، إذ كل منهما غيرُ مزيل للقدرة، ولا مؤثر فيها، ولو كان شيء من ذلك يؤثر فيها، لما تعلق جميع ذلك بأفعال الله، وجوَّد الكلام في ذلك، وشنَّع الكلام على من وعر إليه المسالك.
ثم ذكر أفعال العباد، وأنه لا خلاف بينَ المسلمين أن للعباد أفعالاً مضافة إليهم يسمون بها مطيعين وعصاة، ويثابون على حسنها، ويستحقون العقاب على قُبحها، وأن الله تعالى قد أقام الحجة عليهم، وأن له سبحانه الحجة البالغة لا عليه، وأن عقابَه لمن عاقبه منهم عدل منه
стр. 92
لا جور فيه ولا ظلم، وأن ذلك معلوم ضرورة من الدين، وأن الإجماع منعقد على أن أفعال العباد اختيارية لا اضطرارية، وأن الفرق بين حركة المختار وحركة المفلوج والمسحوب ضروري إلا من لا يُعتد به في الإجماع من سقط المتاع (١) الذين لم يرجعوا إلى تحقيق في النظر، ولا إلى حسن في الاتباع، ولا لهم في ذلك سلف ماض ولا خلف باق، وهم الجبرية الخالصة الذين لا يثبتون للعبد قدرة أصلاً.
ثم ذكر أن فِرَق المعتزلة عشرون، وفرق الأشعرية أربع فرق، وأن الفرقة الثالثة من الأشعرية أهل الكسب وهم الجمهورُ منهم. قال ﵀: وقد طال اللجاجُ بينهم وبينَ المعتزلة وبعض الأشعرية أيضاً: هل الكسبُ معقول أو غيرُ معقول؟، وذكر أن المشنعين على أهل الكسب من الأشعرية هم إمام الحرمين وأصحابه، ومن المعتزلة أبو هاشم وأصحابه. قال: والإنصاف يقتضي أنه معقول كما عقله الشيخُ مختار المعتزلي في كتابه "المجتبى" وغيره، فإن معنى قول المشنعين: إنه غيرُ معقول أنه مستحيل تصورُهُ في الذهن وتفهمه، فإذا استحال ذلك استحالَ الحكْم عليه بالبُطلان أو الصحة. قال: وهذا غلو في العصبية وليس كذلك، ولا في معناه شيء من الغموض والدقة، فإن الكسب هو فِعلُ العبد بعينه الذي هو فعلُ الطاعات والمعاصي والمباحات وسائر التصرفات، وإنما اختاروا تسميةَ فعل العبد بالكسب دونَ الفعل، ومعناهما واحد عندهم، لأن الكسب يختصُّ بفعل العبد دونَ فعل الرب سبحانه ولا يجوزُ أن يُسمَّى الربُّ تعالى كاسباً بخلاف الفعل، فإنه مشترك إلى آخر كلامه. وهو كلامٌ طويل مفيد.
ثم الرد على من نسب إلى أهل السنة إنهم يقولون بتكليف ما لا
стр. 93
يُطاق، وإنه لم يذهب إلى هذا المذهب إلا الأقل من أهل الكلام منهم كالرازى والسُبكي صاحب " جمع الجوامع " دون حملة العلم الشريف النبوى الذي كلامه ﵀ فيهم وذبُّه عنهم، ثم الرد على من زعم أنهم يخالفون في القدر الضروري من القول بجواز التعذيب بغير ذنب أو الإيلام لغير حكمة، وأن المحققين منهم لا يجوزون ذلك، وتكلم في ذلك عموماً وخصوصاً، فأما الخصوص، ففي مسألتين: الأولى: مسألة الأطفال، وأن المعتزلة والشيعة ينسبون إليهم القول بأن أطفال المشركين في النار بذنوب آبائهم، ويجزمون بذلك هكذا من غير استثناء قال: وهذا تقصيرٌ كبير في معرفة مذاهبهم، ولهم في ذلك أقوالٌ ذكرها في هذا المجلد.
المسألة الثانية: مما يتوهم مخالفتهم فيه تعذيبُ الميت ببكاء أهله عليه، وأن البخارى في الصحيح والخطابي فيما رواه عنه ابن الأثير والنووي تأوَّلوا ذلك على أن الميت أوصى بالبكاء عليه كما كانت عادة العرب في ذلك، وذكر تأويلين آخرين حذفتهما اختصاراً.
وأما العموم، فقال ﵀: إنها كلمة إجماع من أهل السنة ونقله عن نص الإمام الشافعي والزنجاني والذهبي، فهذا ما تضمنه المجلد الثالث من العواصم وهو ميدان الصراع بين الفريقين فمن أراد معرفة المذهبين معرفة تامةً وهو من أهل النظر والفهم والإنصاف فليقف عليه، وإنما طولت في ذلك -وإن كان كالخارج عن المقصود- رجاء أن يقف على هذه الترجمة من لا يشتفي بها، فيدعوه النشاط والرغبة إلى الوقوف على الكتاب، ولم آت على ترتيب ما اشتمل عليه هذا المجلد ما أتيت على ما اشتمل عليه أخواه فليعرف ذلك الواقف عليه.
وأما المجلدُ الرابع من الكتاب، فجملة ما فيه سبعةُ أوهام بعدَ ثلاثين
стр. 94
وهماً فيما قبلَه. ثم بعد السبعة الأوهام القدح على المحدثين برواية ما يُوهم التجسيمَ، وما يُوهم الجبر، وما يُوهم الإرجاء، وما يُوهم نسبة ما لا يجوز إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم الجواب عن المحدثين.
فأما الوهم الأول فتقدم، والثاني فيه تحقيق الخلاف في التحسين والتقبيح العقليين، وفيه تفصيل غريب جيد، والوهم الثالث والثلاثون في الكلام على إمامة الجائر مطولاً مجرداً، وفيه فصول:
الفصل الأول في بيان أن الباغي هو الخارج على أئمة العدل دون الخارج على أئمة الجور، في مذهب الفقهاء وسائر علماء الإسلام، وذكر في الوجه الرابع منه الإجماع على أن المقاتلين لأمير المؤمنين ﵇ في صِفِّين والجمل بُغاة عليه ظالمون له، ونص أهل الحديث على ذلك وسائر فقهاء الإسلام، وفيه حكم قاتل علي ﵇، ونقل البيهقي أن قتل قاتله كان لكفره عند الشافعية، وما ورد في قاتله من حديث، وكلام أهل السنة وكذا ما ورد عنهم في أمثاله، وحكم الفاسق الصدوق، ثم القول في حكم قاتل الحسين، ثم ذكر يزيد الشقي وما ورد في ذمه من الحديث ومن كلام السلف، ودعوى الإجماع على الإنكار عليه، والإغلاظ في ذمه والإجماع على التصويب لمن حاربه.
ثم ذكر -رحمه الله تعالى- فصلاً ثانياً في بيان أن من جوَّز إمامة الجائر للضرورة كأكل الميتة، فإنه استثنى من ذلك من فَحُشَ جورُه كالحجاج بن يوسف، ويزيدَ بن معاوية، ثم عاد إلى ذكر قتل الحسين ﵇ والإجماع على تحريمه وتعظيمه، وذكر ما روي عن الغزالي من تحريم لعن كل كافر أو فاسق معين. والجواب على ذلك مستقصى في ذكر كلام الشيعة، وأهل الحديث في ذلك مطولاً مجوداً، وفيه فوائد ونكت وأحاديث في قدر ثلاث
стр. 95
كراريس، ثم عاد إلى الموضع الثالث وذكر موضع الخلاف بيننا وبين الفقهاء في شروط الإمامة وأنهم لم يُخالفونا إلا في النسب، فمذهبهم فيه كمذهب المعتزلة، وإنما خالفوا في مسألة ثانية تعلق بالنظر في المصالح كما بسطه من موضعه من هذا الجزء الرابع، ثم ذكر -رحمه الله تعالى- ثمرة الخلاف وما تنتجه الضرورات، ثم ما ورد من طاعة أولي الأمر وإن جاروا، وأخذ الولاية عن بعضهم، وذكر من عقد له ثم جار، وبين من تغلب من غير عقد وكان جائراً.
ثم ذكر محمد بن شهاب الزهري: وإن بعض الأصحاب من أهل المذهب ادعى أنه ما روى أحد من أهل البيت حديثه وهو غلط، وقد روى عنه الإمام أحمد بن سليمان وغيره من أئمة أهل البيت كما قد ذكروه في موضعه، وعقبه بذكر من خالط الملوك من أهل العلم وما حُكم الموالاة؟ وما هي الموالاة المجمع عليها؟ وما يجوز من المخالطة لهم وما شرط الجواز. وفي ضمن ذلك بيان القدر المحرم من ذكر الدنيا وما يستثنى من ذلك وما يدخل منه في المستحب، ثم القول في إعانة الظلمة والعصاة، وما يسمى إعانة قطعاً أو ظناً وما لا يسمى إعانة. ثم ذكر ترجمة الزهري مستوعبة، وما قدح به عليه، وعدد جميعَ ما روي من الحديث وما الذي تفرَّد بروايته، ثم قصة يحيى بن عبد الله بن الحسن ﵈، ومن شَهِدَ عليه بالرق، وأنه ليس فيهم أحد من الثقات، ولا ثبت أنهم شهدوا بذلك مختارين من غير إكراه. ثم ذكر أبا البختري وهب بن وهب، وأنه مجمع على جرحه، ثم إبطال قياس أهل التأويل على الخطابية، ثم الجواب على من قدح على المحدثين برواية ما يُوهِمُ التجسيم والجبر والإرجاء ونسبة ما لا يجوز على الأنبياء، وفيه المنعُ من العلم بكذب ما رواه أهل الصحاح، وبيان المرجحات للمنع من ذلك، ثم بيان شواهد ما
стр. 96
فيها من القرآن الكريم، ثم بيان مراتب التأويل وعالم المثال، وتأثير السحر في الرؤية، والجواب الجُملي في ذلك.
ثم بين معارضات بذكر تأويلات بعيدة قبلها الأصحاب، ولم يقطعوا بكذب ما أولت به مع ركتها وانحطاطها عن رتبة الصواب عند النظار من العلماء، ثم ذكر الأحاديث التي عينها المعترض، وقطع بكذبها، والجواب عنها بورود مثلها أو نحوها في القرآن ومثل تأويلها في تأويل المعتزلة للقرآن، وجملتها ستة أحاديث الأول: الحديث الذي فيه ذكر مجىء الله تعالى يوم القيامة، والثاني: فيه ذكر الكشف عن الساق ووضع القدم والضحك وتأويل ذلك، الثالث: حديث جرير في الرؤية، الرابع: محاجة آدم وموسى، الخامس: قصة موسى مع ملك الموت، السادس: خروج الموحدين من النار. والجواب عن ذلك مطولاً مجرداً، وذكر فيه فوائد أصولية وقرآنية وحديثية قدر نصف المجلد المذكور، وذكر ﵀ أن أحاديث الرجاء بلغت قدر أربع مائة حديث وثمانين حديثاًً وذكر كثيراً من آيات الوعد والوعيد، وختم ذلك بقدر ثلاثين حديثاً في الوعيد بعد ذكر نيف وعشرين آية من القرآن الكريم. أعاد اللهُ علينا مِن بركته وفضله العميم ثم إنه رحمه الله تعالى ختم كتابه بهذه الأبيات:
جمعتُ كتابي رَاجياً لِقَبُولهِ ... مِنَ اللهِ فالمرجوُّ منه قريبُ
رجوتُ بِنَصْرِ المصطفي وحَدِيثِه ... تُكَفِّرُ لي يومَ الحِسَابِ ذُنوبُ
ومَنْ يتشَفَّعْ بالحبيبِ مُحَمَّدٍ ... إلى اللهِ في أمر فَلَيْسَ يخِيبُ
فيا حافظي علم الحَديثِ ليَ اشْفعُوا ... إلى اللهِ فالرَّبُ الكَرِيمُ يُجيبُ
لَعَلَّ كِتابي أنْ يكونَ مُذَكِّراً ... لَكُمْ بالدُّعا لِلعَبْد حِين يَغِيبُ
ولا سَيَّما بعدَ المماتِ عَسَى به ... يُبَلُّ غَلِيلٌ أوْ يُكَفِّرُ حوبُ
стр. 97
ولا تُغْفِلُوني إن بَلِيتُ بودِّكم ... وإن بَلِيت مني العظام تشيب
ومهما رأيتُم من كتابي قُصُوَرَه ... فستراً وغفراً فالقُصُورُ مَعِيبُ
وَلكِنَّ عُذْرِي واضِحٌ وهو أنَّنِي ... مِن الخلْقِ أُخْطِي تَارَةً وأُصِيبُ
وقد ينْثنِي الصَمْصَامُ وهُو مُجرَّدٌ ... وينكسِرُ المُرَّان وهو صَليبُ
وَلكِنَّنِي أْرْجُو إذا حََّل دارَكُم ... حَلَى منه وِرْدٌ بالأجاجِ مَشُوبُ
يكون أُجَاجاً دُونَكُم فإذَا انتهَى ... إلَيكُم تلَقَّى طيبَكُم فيَطِيبُ
ولما أكمل الإمام محمد بن إبراهيم الوزير كتابه " العواصم والقواصم " ختمه بقصيدته اللامية المشهورة والتي ختم بها أيضاًً " الروض الباسم ".
عليكَ بأصحابِ الحَديثِ الأفاضِلِ ... تجِدْ عِنْدَهُم كُلَّ الهُدَى والفَضائِلِ
أَحِنُّ إليهِمْ كُلَّمَا هَبَّتِ الصَّبَا ... وأَدعُو إلَيْهِمْ في الضُّحى والأصائِلِ
ولما وقف أخوه العلامة الهادي بن إبراهيم الوزير ﵀ على هذا الكتاب وعلى هذه الأبيات تلقى ذلك بالقبول، وقال مجيباً لأخيه، فما أحسن ما يقول:
وقفتُ على سِمْطٍ من الدُّرٍ فَاضِل ... تَرقُّ له شوقاً قلوبُ الأفاضِلِ
لِمُتَّبعٍ منهاجَ أحمدَ جَدَّه ... وحامي حِمَى أقوالِهِ غير ناكل
بديعِ المعاني في بديع نظامِهِ ... وثِيقِ المَبَانِي في فُنُونِ المَسائِلِ
إذا لَزِمَتْ يُمناه نَصْلَ يَراعِهِ ... سَجَدْنَ لهُ طَوعاً جباه المناصلِ
وإن خَاضَ في بَحْرِ الكَلام تَزَيَّنتْ ... بِجَوْهَرِهِ عنق الرِّقابِ العَوَاطِلِ
تَبَارَى وقوم في الجدال فأصبحوا ... وإن لجَّجوا من علمهم في جداول
أسمتُ عيونَ الفكرِ في رَوْضِ قَوْلهِ ... فأنشدتُ بيتَ الأبطحي المُواصِل
أعوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طاعِنِ ... عَلَينَا بِشَكٍّ أوْ مُلِحٍ بِبَاطِلِ
وتَابَعَهُ الفارُوقُ فَاشْتَدَّ رُكْنُهُ ... وسَار بِهِم في الحقِّ سِيرَة عَادِلِ
وتمَّم ذو النُّورَينِ سَعْياً مُبَارَكاَ ... وَعَمَّ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ بِنَائِلِ
وَقامَ بِأعْبَاءِ الخلافَةِ بَعدَهُم ... عَلِيٌّ فأمسَى الدِّينُ رَاسِي الكَلاكلِ
عَلَيكَ بهَدْي القَوم تنْجُ مِنَ الرَّدَى ... وتَعلُو بِهِم في الفَوزِ أعلى المنَازِلِ
وختم الهادي بن إبراهيم الوزير ﵀ هذه القصيدة العظيمة بما يلي: كتب هذه الأسطر الفقيرُ إلى رحمة الله ورضوانه الهادي بن إبراهيم ابن علي بن المرتضى أرضاه الله بعفوه حامداً له، ومصلياً على نبيه ومسلماً ومُرَضياً على آله وصحبه " ربنا اغفر لنا ولإخواننا الَّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعلْ في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ".
صنعاء في ١٩ رجب سنة ١٤٠٤
الموافق ١٩ نيسان سنة ١٩٨٤
إسماعيل بن علي الأكوع
غفر الله له ولوالديه
стр. 100
ترجمة المؤلف بقلم الأستاذ إبراهيم الوزير
المجدّد الإسلامي، المصلح المجتهد المطلق، الحجّة الإمام
محمد بن إبراهيم الوزير
(٧٧٥ - ٨٤٠ هـ)
" تبَحَّرَ في جميع العلوم، وفاق الأقرانَ، واشتهر صيتُه، وبَعُدَ ذِكْرُه، وطار عِلْمُه في الأقطار.
لو قُلْتُ: إنَّ اليمنَ لم تُنْجبْ مثله لا أبعد عن الصواب وفي هذا الوصف ما لا يحتاج معه إلى غيره ... "
الإمام: محمد بن علي الشوكاني.
نسبه:
هو الإمامُ المجتهد المطلَق، المفَسِّرُ الحافِظُ، المُحَدِّثُ العلامة المُتْقِنُ الأصوليُّ الفقيه المُتَكَلِّمُ الحُجَّةُ، " محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتَضى، بن المفضَّل، بن منصور، بن محمد العفيف، بن المفضَّل، ابن الحجاج، بن علي بن يحيى، بن القاسم، بن يوسف، بن يحيى المنصور، بن أحمد الناصر، بن يحيى، بن الحُسين بن القاسم، بن إبراهيم، بن إسماعيل، بن إبراهيم، بن الحسن، بن الحسن السِّبْط، ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " اشتهر بابن الوزير " اليمني " الصنعاني.
стр. 101
مولده .. ووفاته:
وُلِدَ في شهر رجب عام ٧٧٥ هـ " بهجر الظهراوين من شظب " وتوفي في ٢٧ محرم عام ٨٤٠ هـ عن ٦٥ عاماً.
أساتذته:
في اللغة العربية: الهادي بنُ إبراهيم الوزير، ومحمدُ بنُ حمزة بن مظفر.
في علم الكلام: عليُّ بنُ عبد الله بن أبي الخير اليمني.
في علم أصولِ الفقه: عليُّ بن محمد بن أبي القاسم.
في علم التفسيرِ: عليُّ بنُ محمد بن أبي القاسم.
في علم الفروع: عبدُ اللهِ بن حسن الدواري وغيره من مشايخ صعدة.
في علم الحديث: عليُّ بنُ عبد الله بن ظهيرة بمكة المكرمة وفي غيرها نفيس الدين العلوي، ومن شيوخه: الناصرُ بنُ الإمام المطهر الحسني، ودرس على جماعة عدة.
تلامذته:
وقد تلمذ له الكثيرون مِن العلماء، وتسابقوا على ورود مَشْرَعِهِ الصافي، والمَوْرِدُ العذبُ كثيرُ الزِّحام، ونذكر من مشهوري تلاميذه:
محمدُ بن عبد الله بن الهادي الوزير، والإمام الناصر صلاح الدين محمد بن علي بن محمد، وعبدَ الله بن محمد بن المُطَهّر، وعبدَ الله بن محمد بن سليمان الحمزي.
стр. 102
مؤلفاته:
١ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، وهو أعظم كتبه، وأفضلها، تقوم بنشره دار البشير لأول مرة.
٢ - البرهان القاطع في إثبات الصانع وجميع ما جاءت به الشرائع .. مطبوع
٣ - التأديب الملكوتي .. مخطوط
٤ - التحفة الصفية في شرح الأبيات الصوفية .. مخطوط
٥ - الأمر بالعزلة في آخر الزمان .. مخطوط
٦ - إيثار الحق على الخلق .. مطبوع
٧ - ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان .. مطبوع
٨ - تنقيح الأنظار في علوم الآثار .. مطبوع
٩ - الحسام المشهور .. مخطوط
١٠ - واضحة المناهج وفاضحة الفوالج .. مخطوط
١١ - حصر آيات الأحكام الشرعية .. مخطوط
١٢ - الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم .. مطبوع
١٣ - قبول البُشرى بالتيسير لليُسرى .. مخطوط
١٤ - القواعد .. مخطوط
١٥ - مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق .. طبع مختارات منه
١٦ - نصر الأعيان .. طبع مختارات منه
١٧ - التفسير النبوي .. مخطوط
ثناء العلماء عليه:
ترجم له الإمام الشوكاني، والسخاوي، والحافظ ابن حجر
стр. 103
العسقلاني، وصاحب مطالع البدور، والوجيه العطاب اليمني، والشريف الفاسي المالكي في كتابه " العقد الثمين ".
يقول عنه الشوكاني: " هو الإمامُ الكبيرُ، المجتهد المطلق، المعروف بابن الوزير .. قرأ على أكابرِ مشايخ "صنعاء"، "وصعدة"، وسائر المدن اليمنية و"مكة"، وتبحر في جميع العلوم، وفاق الأقرانَ، واشتهر صيتُه، وبَعُدَ ذكرُه، وطار علمُه في الأقطار " ..
ويصل الشوكاني إلى تلخيص رأيه فيه، فيقول:
" والحاصل أنه رجل عرفه الأكابرُ، وَجَهِلَه الأصاغرُ، وليس ذلك مختصاً بعصره، بل هو كايْن فيما بعدَه مِن العصور إلى عصرنا هذا، ولو قلتُ: إن اليمن لم تُنجِبْ مثلَه، لم أُبْعِدْ عن الصواب، وفي هذا الوصف ما لا يحتاح معه إلى غيره ".
وقال صاحب " مطالع البدور": " ترجم له الطوائفُ، وأقر له الموالف والمخالف ".
مكانته العلمية:
يقول عنه الشوكاني: " إن صاحب الترجمة لما ارتحل إلى " مكة "، وقرأ علمَ الحديث على شيخه " ابن ظهيرة " قال له: أي ابن ظهيرة:
" ما أحسن يا مولانا لو انتسبت إلى الإمام الشافعي، أو أبي حنيفة.
فَغضِبَ " ابنُ الوزير " وقال: " لو احتجتُ إلى هذه النسب، أو التقليدات ما اخترتُ غيرَ الإمام القاسم بن إبراهيم، أو حفيده الهادي ".
ثم قال الشوكاني: "إنه ممن يَقْصُرُ القلمُ عن التعريف بحاله وكيف
стр. 104
يُمْكِنُ شرحُ حال من يُزاحم أئمة المذاهب الأربعة فمن بعدهم من الأئمة المجتهدين في اجتهاداتهم .. ويُضايق أئمة الأشعرية والمعتزلة في مقالاتهم، ويتكلَّم في الحديث بكلام أئمته المعتبرين مع إحاطته بحفظ غالب المتون، ومعرفة رجال الأسانيد شخصاً وحالاً، وزماناً ومكاناً .. وتبحره في جميع العلوم العقلية والنقلية على حد يَقْصُرُ عنه الوصفُ. ومن رام أن يَعْرِفَ حاله ومقدارَ علمه، فعليه بمطالعة مصنفاتِه، فإنها شاهد عدلٍ على علو طبقته، فإنه يسْرُدُ في المسألة الواحدةِ من الوجوه ما يبهر لُبِّ مطالِعه، وُيعَرِّفه بقصر باعه بالنسبة إلى علم هذا " الإمام " كما يفعله " في العواصم والقواصم "، فإنه يورد كلامَ شيخه السيد العلامة علي بن محمد بن أبي القاسم في رسالته التي اعترض بها عليه، ثم ينسفه نسفاً بإيراد ما يُزيفه به من الحجج الكثيرة التي لا يجد العالمُ الكبيرُ في قوته استخراج البعض منها، وهو في أربعة مجلدات يشتمِلُ على فوائد في أنواعٍ من العلوم لا توجد في شيء من الكتب. ولو خرج هذا الكتاب إلى غير الديار اليمنية لكان من مفاخر اليمن وأهله ولكن أبى ذلك لهم ما جبلوا عليه من غمط محاسن بعضهم لبعض ودفن مناقب أفاضلهم" ..
وقال عن مكانته العلمية أيضاًً: " إنه إذا تكلَّم في مسألة لا يحتاج بعدَه الناظر إلى النظر في غيره من أي علم كان " ..
نثره وشعره:
يقول الإمام الشوكاني عنه: " كلامه لا يُشبه كلامَ أهلِ عصره ولا كلام مَنْ بعده، بل هو من نمط كلامِ ابن حزم، وابن تيمية، وقد يأتي في كثير من المباحث بفوائدَ لم يأت بها غيرُه كائناً مَنْ كان ".
стр. 105
وديوان شعره مجلد، وشعره غالبه في التوسلات والرقائق، وتقييد الشوارد العلمية والمجاوبة لمن امتحن به من أهل عصره، فإن له معهم قلاقلَ وزلازلَ، وكانوا يثورون عليه ثورةً بعدَ ثورة، وينظمون في الاعتراض عليه القصائدَ، وأفضى ذلك إلى أن اعترض عليه شيخُه المتقدم ذكرُه برسالة مستقلَّةٍ فأجابه بما تقدم، " فكان يُجاوبهم ويصاولُهم، ويُحاولهم فيقهرهم بالحجة، ولم يكن في زمنه مَنْ يقوم له لِكونه في طبقة ليس فيها أحدُ من شيوخه فضلاً عن معارضيه .. والذي يغلب على الظن أن شيوخَه لو جُمِعُوا جميعاً في ذاتٍ واحدة لم يبلغ علمهم إلى مقدار علمه، وناهيك بهذا " ..
صور من نثره:
قال يصف الرسولَ والرسالة في مقدمة كتابه " الروض الباسم ":
" أما بعد، فإن الله لما اختار محمداً ﵌ رسولاً أميناً، ومعلماً مبيناً، واختار له ديناً قويماً، وهداه صراطاً مستقيماً ارتضاه لجميع البشر إماماً، وجعله للشرائع النبوية ختاماً، وأقسم في كتابه الكريم تبجيلاً له وتعظيماً، فقال عز قائلاً كريماً: ﴿فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حرَجَاً مِمَّا قَضَيْت وَيسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .. ثم إنَّه أثار أشواقَ العارفين إلى الاقتداء برسوله بكثرة الثناءِ عليهم في تنزيله مثل قوله في التعظيم لهم والتبجيل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يجِدُونَه مكتُوباً عِنْدَهُم في التَّورَاةِ والإنْجِيلِ﴾ .. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة .. الشاهدة لمتبعيه بالطريقةِ القويمة. فلما وعت هذه الآياتُ آذان العارفين وتأملتها قلوبُ الصادقين، حَرَصُوا على الاقتداء به في أفعاله، والاستماع منه في أقواله،
стр. 106
فكانوا له أتبعَ من الظَّل، وأطوعَ من النعل، فعلمهم أركانَ الإسلام وشرائعَه وفرائضَه ونوافله، وكان بهم رؤوفاً رحيماً، وعلى تعليمهم حريصاً أميناً. كلما وصفه ربُّ العالمين حيث قال في كتابه المبين: ﴿لَقَدْ جَاءكم رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم عَزِيزٌ عَليِهِ ما عَنتُّم حَرِيصٌ عَليْكُم بِالمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فلم يزل ﵊ يُرشدهم إلى أفضل الأعمال، ويهديهم إلى أحسنِ الأخلاق، ويلزمهم ما في النجاةَ والفوزَ في الآخرة، والسلامة والغبطة في الدنيا من لزوم الواجب والمسنون، ومجانبة المكروه وترك الفضول، فلم يترك خيراً قَطُّ إلا أمرهم به ففعلوه، ودعاهم إليه فأجابوه، حتى لم يكن في زمأنه شيء مِن أعمال البر متروكاً، ولا منهج من مناهج الخير إلا مسلوكاً .. فلما تَمَّ ما أراد اللهُ تعالى برسوله من هداية أهلِ الإسلام، وبلغ إلى الأنام جميعاً ما عنده من الأحكام من العقائد والآداب والحلال والحرام، أنزل الله في ذلك تنصيصاً وتبييناً: ﴿اليوْمَ أَكمَلْتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمْتُ عَلَيْكُم نِعْمَتِي وَرضِيتُ لَكُمُ الإسلامَ دِينا﴾ .. فكمل الدينُ في ذلك الزمان، ووضحت الحجةُ والبرهان، ودحضت وساوس المشتبهين، وانحسمت قوادِمُ المبطلين، إذ لا حجة على الله بعدَ الرسل لأحدٍ من العالمين بنصِّ كتابه المبين.
وقال يَصِفُ أحاديثَ الرسول ﵌:
" فإنَّه علمُ الصدرِ الأوّل، والذي عليه بعد القرآن المعوَّل، وهو لعلوم الإسلام أصل وأساس، وهو المفسر للقرآن بشهادة لتبين للناس.
وهو الذي قال الله فيه تصريحاً: ﴿إنْ هُو إلا وَحْيٌ يُوحى﴾ وهو الذي وصفه الصادق الأمين بمماثلة القرآن المبين حيث قال في التوبيخ لِكُلِّ مترف إمَّعه: " إنِّي أوتيتُ القُرآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ " وهو العلم الذي لم يشارك القرآن
стр. 107
سواه في الإجماع على كفر جاحد المعلوم من لفظه ومعناه، وهو العلمُ الذي إذا تجاثت الخصومُ للركب، وتفاوتت العلومُ في الرتب، أصْمَتْ مرنانُ نوافله كُلِّ مناضل، وأصمت برهانُ معارفة كُلِّ فاضل وهو العلم الذي ورثه المصطفي المختار، والصحابة الأبرار، والتابعون الأخيار. وهو العلمُ الفائضة بركاته على جميع أقاليم الإسلام، الباقية حسناتُه في أمة الرسولِ ﵇، وهو العلم الذي صانه اللهُ عن عبارات الفلاسفة، وتقيدت عن سلوك مناهجه، فهي راسفة في الفلا آسفة، وهو العلم الذي جلّى الإسلامُ به في ميدانِ الحجة، وصلَّى، وتجمل بديباج ملابسه من صام لله وصَلى، وهو العلمُ الفاصل حين تلجلج الألسنةُ بالخطاب، الشاهد له بالفضل رجوعَ عمر بن الخطاب، وهو العلمُ الذي تفجَّرت منه بحارُ العلوم الفقهية، والأحكام الشرعية، وتزينت بجواهره التفاسيرُ القرآنية، والشواهد النحوية، والدقائقُ الوعظية، وهو العلم الذي يميزُ اللهُ به الخبيثَ من الطيب، ولا يرغم إلا المبتدع المتريِّب، وهو العلمُ الذي يسلك بصاحبه نهج السلامة ويوصله إلى دار الكرامة. والسارب في رياض حدائقه، الشارب من حياض حقائقه، عالم بالسنة ولابس من كل صوف جُنة، وسالك منهاح الحق إلى الجَنة، وهو العلم الذي يَرْجِعُ إليه الأصولي، وإن برز في علمه، والفقيه وإن برز في ذكائه وفهمه، والنحوي وإن برز في تجويد لفظه. واللغوي وإن اتسع في حفظه، والواعظ المبصر، والصوفي والمفسر كلهم إليه راجعون، ولرياضه منتجعون " ..
إن أسلوب محمد بن إبراهيم الوزير في الكتابة وإن كان يهتم بأناقة الجملة إلا أنها غنية بالمعاني، فسجعه غيرُ متكلف يسيرُ في سُهولة ويُسر، ممتلئاً بالمعاني العظيمة، معبراً عما يُريد دون حشو أو تكلف ..
стр. 108
إن أسلوب الكتابة في القرن الثامن الهجري كان يرزح تحتَ المحسنات البديعية، والحلى اللفظية حى إن أغلب الإنتاج الفكري كان حينذاك خِلْواً من المعاني، متكلفاً لا يدل إلا على خواء الأفكارِ ..
ولقد أدرك الإمام الشوكاني في القرن الثالث عشر الهجري بحاسته المرهفة مدى تَرَدِّي الأسلوب الكتابي في المحسنات اللفظية، وما تَجُرُّه على المضمون والمحتوى من فراغ معنوي متكلِّف حين قال عبارته الناقدة البصيرة ببلاغة التعبير عن التكلف في الشعر ولا نرى التكلف في النثر إلا موثراً على روعة الأسلوب الكتابي تماماً كما هو الحال في الشعر: " وإنَّ من لا يَعْرفُ محاسنَ الشعر إلا بالنكات البديعية المتكلفة خلاف ما ذكرنا، فهو غيرُ مصيب، فإن غالب أشعارِ المتأخرين إنما صارت بمكان من السماجة لتكلُّفِهِم ذلك ". كما أنه أدرك عمق أسلوب محمد بن إبراهيم الوزير: فعلى الركم من اعتماده السجع إلا أنه غَيرُ متكلف، ويتميَّزُ بوضوح المعنى، وموافقة المضمون للشكل في سهولة ويسر، ولذلك رأينا الإمام الشوكاني يقول في ترجمته عن أسلوب محمد بن إبراهيم الكلامي بأن " كلامه لا يُشبه كلام أهلِ عصره، ولا كلام مَن بعده ".
صورة من شعره:
قال:
العِلمُ ميراثُ النَّبيِّ كذا أََتَى ... في النَّصِّ والعلماءُ هُمْ وُرَّاثُهُ
فإذَا أَرَدْتَ حقيقَةً تَدْري لِمن ... وراثه فكرتَ ما مِيرَاثُهُ
ما وَرَّثَ المُخْتَارُ غَيْرَ حَديثِهِ ... فِينَا وَذاكَ متاعُه وأثَاثُه
فَلَنا الحَديثُ وِرَاثَةً نَبَوِيَّة ... وَلِكُلِّ مُحدِث بدعة إحداثُه
стр. 109
وقال:
فحيناً بِطَوْدٍ تُمْطِرُ السُّحْبُ دُونَه ... أَشَمَّ مُنيفٍ بالغَمامِ مُؤَزَّرُ
وَحيناً بِشِعْب بَطْنِ وَادٍ كَأَنَّهُ ... حَشَا قَلَمٍ تُمْسِي به الطَّيرُ تَصْفِرُ
إذا التفَتَ السَّارِي به نَحْوَ قُلَّةٍ ... تَوَهَّمَهَا مِنْ طُولِهَا تَتَأخَّرُ
أجَاوِرُ في أَرْجَائِه البُومَ وَالقطا ... فَجِيرتها للمرء أَوْلَى وَأَجْدَرُ
هُنَالِكَ يَصْفُو لِي مِن العَيْش وِرْدَهُ ... وإلا فَوِرْدُ العيشِ رَنْقٌ مُكدَّرُ
فإنْ يَبسَت ثَمَّ المَرَاعِي وَأَجْدَبَتْ ... فَرَوْضُ العُلا والعِلم والدِّين أَخْضَرُ
ولا عَارَ أن يَنْجُو كرِيمٌ بنَفْسِه ... وَلكِنَّ عَاراً عجزُه حِينَ يُبْصِرُ
فَقَدْ هَاجَرَ المُخْتَارُ قَبْلِي وَصَحْبُه ... وَفرَّ إلى أرض النجاشيِّ جَعْفَرُ
معالم شخصيته وتفكيره:
إنَّ محمدَ بن إبراهيم الوزير يُمَثِّلُ الشخصيةَ المسلمة التي تلقت معالِمَ تفكيرها عن القرآن والسنة النبوية، فهو تَلميذ لكتاب الله وسنة رسوله لا لشيء سواهما ..
لقد اتجه مباشرة إلى النبيع الصافي ليستضيء بالنور الإلهي، ويضيء للأمة الطريق.
لقد وجد محمدُ بنُ إبراهيم الوزير الأمة الإسلامية دولاً ممزقة، وفرقاً متناحرة، وشيعاً ومذاهب، يُكفِّرُ بعضُها بعضاً، فاتجه أولَّ ما اتجه إلى تفكير الأمة ليرى هل يحمِلُ وحدة أم فرقة .. ؟
وفي بحثه الواسع رأى أن في قمة التفكير الذي أدى إلى الفرقة والانقسام يأتي دورُ التفكير الفلسفي الذي صاغته أهواءُ البشر بعيداً عن الاهتداء لفظاً ومعنى بالنور الإلهي الذي لا يّضِلُّ من اهتدى به ولا يشقى ..
стр. 110
لقد رأى محمد بنُ إبراهيم في "علم الكلام" الذي نشأ كأثرٍ مباشر وقوي للفكر اليوناني بحوثاً لا طائِلَ تحتَهَا وخروجاً بالأداة العقلية عن قدراتها.
إن علم الكلام هو مضيعة للوقت، وليست أساليبُه ومناهجُهُ بالطريق الموصلة إلى الأدلة الحاسمة في الشعاب الفكرية المتعددة التي سلكها علمُ الكلام .. لقد كان أحدَ الأسباب لتمزُّق الأمَّة الواحدة وتناحرها، وتكفير بعضها بعضا .. !
إن التيه الفلسفيَّ الذي سلكه من قبل فلاسفةُ اليونان قد أوضح بصفة حاسمة عدم استطاعته الإفضاء إلى أدلةٍ حاسمة لا سبيل إلى الشك فيها، وليس في قدراته بما لا يشك فيه ذو تفكير سليم الإحاطة بما هو أكبرُ منه، وأجلُ وأعظمُ.
بل إنه زاد السر غموضاً، وأتى له الانطلاق إلى ما وراء قدراته المحدودة إِلا ما شاء الله .. ﴿وما أُوتِيتُم من العِلْمِ إلا قَلِيلاً﴾ ..
ولكن أساليب القرآن أساليبُ رسل الله وأنبيائه قد أخذت بيدِ الإنسان إلى الإيمانِ، وأخرجته من ظلمات الشك، ولم تدعه يمضي إلى ما هو خارج عن حدوده، فيضيع نفسه ووقته عبثاً، وقد يترتب على أشياء لم يهضم فهمها تَماماً أحكام متناقضة تُمَزِّقُ وحدته إلى فرق وأحزاب وشيع .. بل على العكس من ذلك أخذت بيده ليتجه إلى فهم سنن الله، والاستفادة منها.
إن المهم هو معرفة واجب الوجود ذو الكمال المطلق عن طريق معرفة آثار قدرته اللامتناهية في عالم الغيب والشهادة، ومعرفة سننه التي تسير وفق