← Акыда

Акыда · id 29677

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

ابن الوزير

Полный текст (3 702 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قلتُ: لم يذهبْ إلى ذلكَ، ولكنَّ القومَ كان أكثرُ هِمَمِهِم (١) عاكفة على العملِ، وكان التشاغلُ بشيءٍ من العلم لا يُعمَلُ به تكلفاً (٢) عندهم، لأنَّ الآية مسوقةٌ في الامتنان على الإنسان بمطعمِهِ، واستدعاءِ شكره، وقد عُلِمَ مِن فحوى الآية أن " الأبَّ " بعضُ ما أنبتَه الله للإنسانِ متاعاً له ولأنعامه، فعليكَ بما هُوَ أهَمُّ مِن النهوضِ بالشُّكرِ لله تعالى على ما يتبين لك، ولم يُشْكِلْ مما عدَّدَ مِنْ نِعَمِه، ولا تتشاغَلْ عنه بطلبِ معنى " الأبِّ " ومعرفةِ النبات الخاص الذي هو اسمٌ له، وَاكْتَفِ بالمعرفة بجملته إلى أن يتبيَّنَ لكَ في غير هذا الوقت، ثم وصَّى الناسَ بأن يُجْرُوا على هذا السَّنَنِ في ما اشتبه ذلِكَ مِن مشكلاتِ القرآن. انتهي كلام العلامة ﵀. وفيه شهادة لما ذكرتُ مِن مفارقتهم لما عليه الناسُ في هذا الزمانِ من رسوم القُرَّاءِ، وَعَوَائِدِ العلماء، وعدمِ الحِرْصِ على حفظ كثيرٍ من العلم قَبْلَ مسيسِ الحاجةِ إلى معرفته، والاكتفاء بالقليل فيما يُحتاجُ إليه، وهذا معاذُ بنُ جبل اجتهد في أوَّلِ الإِسلامِ قبل أن يشتهِرَ عنه أنَّه تعرَّض لجمعِ أحاديثِ الأحكام، ومن المعلوم أن معاذاً لم يكن يَحْفَظُ في تلك المُدَّةِ من أحاديث الأحكام مثلَ ما في كتابٍ من هذه الكُتُبِ التي يَشْتَمِلُ الواحدُ منها على أزيدَ من عشرة آلاف حديثٍ، فقد عاش معاذُ بعدَ أن أَذِنَ له رسولُ الله ﷺ في الاجتهاد والقضاء زماناً في حياة رسولِ الله ﷺ ، وبعدَ وفاتِه وهو في خلال ذلك يَحْكُمُ ويُفتي ويروي، فقد كان أفقهَ الصحابة بالنصِّ النبوي (٣)، ومع ذلك فلم تزد مروياتُه على مئة وسبعة وخمسين حديثاًً (٤).

стр. 457

ولم يَكنِ اجتهادُهم في ذلِكَ العصرِ إِلا بملازمة النبيِّ ﷺ فقط، مع سماعِ جُمْلَةٍ من حديثِه ومعاينةِ كثيرٍ من أفعالِهِ، وإن لم تَطُلْ تلك الملازمة طُولاً كثيراً، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وهذا النفيرُ الذي نَدَب اللهُ إليه في هذه الآيةِ هو النفيرُ للجهاد (١)، فجعلَ المجاهدينَ فقهاءَ في الدِّين، وسمَّى الجهادَ تفقهاً لِمَا يَصْحَبُهُ مِن رؤيةِ النبيِّ ﷺ كيف يُصلي، وبما يأمُرُ المجاهدين مِنْ أحكامِ الجهاد، ففي مدة إقامتهم معه في الغزوات سمَّاهم متفقهين، وأباحَ لهم أن يُفتوا قومَهم بما رأوا من أفعالِه ﵇، وبما سَمِعُوا من أقواله، ولكِنَّهم لا يكونون مُجتهدين فيما لم يَرَوْا ولم يَسْمَعُوا، وهذا اجتهادٌ خاص، وهو أحدُ الأدلة على تجزُّؤ الاجتهاد (٢). فإن قلت: لم يكونوا يُفتون قومَهم إذا رجعوا إليهم، إنما كانوا يَرْوونَ لهم.

стр. 458

قلتُ: وهذا أكثرُ ترخيصاً، لأنَّ فيه جوازَ الاجتهادِ لقومهم، مع أنهم أقلُّ عِلماً منهم، وذلك لأن العملَ بالحديث المسموع مِن الراوي عن النبي ﵇ هو شأنُ المجتهد. فإن قلتَ: إن سببَ سهولةِ الاجتهاد في عصر الصحابة أنهم كانوا يفهمونَ كلامَ النبيِّ ﷺ ، ونحن لا نعرِفُ معناه إِلَّا بقراءة العربية، وفي مجموعها صعوبةٌ كلية. قلت: هذا يندفِعُ بوجهين: أحدهما: أنا لم نقل: إن الاجتهاد في زماننا في السُّهولة مثلُ ما كان في زمانهم، بل نحن نُسَلِّمُ أنَّه كان أسهلَ عليهم، لكن لما احتججتَ على تعسُّره بهم، بَيَّنَّا لك أنَّه لم يكن عسيراً عليهم حتى يَصْلحَ عُسْرُه عليهم حُجَّةً على تعسُّره علينا، وبيَّنا أنَّه كان سهلاً عليهم، ولا يخفي عليك أن سهولتَه عليهم لا تصلُح حجةً على عُسره علينا، ولا على المساواة في السُّهولة بيننا وبينَهم مِن غير فَرْقٍ. وثانيهما: أنا نبَيِّنُ أن افتراقَنا في معرفة العربية ليس يقتضي تعسيرَ الاجتهاد على الإِطلاق لوجهين: أحدُهما: أن أكثر آيات الأحكام، وأحاديثه لا تحتاج إلى قراءة العربية في فهم معناها، والدليل على ذلك حُجتانِ: الحجة الأولى: أنها لو احتاجت إلى ذلك، لوجب أن تكونَ العلة أن كلامَ الله وكلامَ رسوله عربيان، لكن معنى العربي هو ما ليس فيه لَحْنٌ ولا تصحيفٌ. إذا تقرر هذا فتصانيفُ علماء العربية والفقه والحديث والتفسير، وكتب الفضائل، وكتب السِّير وسائر الفنون عربية، لأن العلماءَ المصنفين لها

стр. 459

كانوا من أهل العربية، وصنفوا على قانون لسانِ العريب، وقد علمنا أن من قرأ في الفقه، عَلِمَ مُرادَ الأئمة في التحليل والتحريم، والصلاة والبيوع وسائر علم الفروع، وإن لم يكن يَعْرِفُ العربيةَ إلاَّ النادر القليل بما يتعلق بالدقيق مِن علم العربية مثل بعضِ مسائل الطلاق، وذكر المصادر، وتعليقِ الشرط على الشرط ونحو ذلك، وهذه النوادرُ مَنْ بَحَثَ عنها، وتعلمها من علماء العربية، وفهَّموه إيَّاها فَهِمَها، وإن لم يعلم بقيَّةَ عِلْمِ العربية، إن كان من أهل الذكاء، وإن لم يكن من أهل الذكاء، فلن ينفعه، وإن قرأ العربية بأسرها. وكذلك الكلامُ فيما يتعلق بالتحليل والتحريم من الكتاب والسنة أكثرُه جليٌّ إلاَّ النادِرَ، ولأجل ذلك النادر اشْتُرِطَ تَعَلُّمُ العربيةِ على المجتهد في العلم على الإطلاق دونَ المجتهد في بعض المسائل، ويؤيد ما ذكرتُه لك أن العامَيَّ إذا استفتى العالمَ، وأفتاه العالمُ بكلام مُعْرَبٍ غيرِ ملحونٍ، جاز لِلعَامِّي أن يعمل بما فهِمَ مِن كلام العالم، وإن لم يعلم العربيةَ، وكذا في مسألتنا. الحجة الثانية: على أنَّه لا يقتضي الافتراقُ في العربية تعسيرَ الاجتهاد على الإطلاق أنا نظرنا إلى الأحاديثِ التي عَمِلَتْ بها الصحابةُ في الأحكام، فعلمنا معنى أكثرهَا مِن غير عربية، ونظرنا إلى ما فَهِمْنَا منها: هل يُخالِفُ ما فهموه؟ فلم نجده يُخالِفُه، ألا ترى أنا نفهم من قول المغيرةِ، ومحمدِ بنِ مسلمة أن الرسول ﵇ فرض للجَدَّةِ السدس (١) مثل ما فَهِمَ أبو بكر من هذا حينَ أخبراه به، وأمثال هذا ما لا يُحصى كثرة. فإذا عرفتَ هذا فنقول: المجتهد إما أن يكونَ مجتهداً على الإطلاق، فهذا يجبُ أن يعرِفَ العربيةَ، وإما أن يكون مجتهداً في مسألة معيَّنة، فتلك

стр. 460

المسألةُ تختلِفُ، فإن كانت تلك المسألة واضحةً جليةً لا تحتاج إلى عربية، جاز له ذلك، وإن كان مما يتعلق بالعربية، لم يجز. فإنْ قلتَ: إنَّه يُمكن أن يخطىءَ مَن فعل ذلك، فيتوهم أن الكلامَ جليٌّ المعنى، وليس كذلك. قلتُ: هذا من أهل التمييز والدِّرية في العلم نادر، والاحتراز من الخطأ النادر لا يجبُ، والتبحُّر في العلم لا يَعْصِمُ منه، وقد خطؤوا الزمخشريَ ﵁ في بعض المسائل النحوية كما تقدَّم في جواب الأصل الرابع، وفي بعضِ المسائل اللغوية مما ذكره في " الكشاف " كما ذكروه في تخطئته قي تفسير (١) قوله: ﴿بَاخعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] مع أنَّه في هذين الفنين ممن لا يشَقُّ له غبارٌ، ولا يُقاس به الأئمة الكبار، ولم يزل علماءُ العربية يُخطِّىءُ بعضُهم بعضاً، بل قد يَغْلَطُ العربي في عربيته، وفي " الكشاف " (٢) وفي سائر الصحاح أن عدي بن حاتم الصحابي، وهو عربيٌّ محض غَلِطَ في معنى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فظن أنَّه على ظاهره (٣). وقد اختلف الصحابةُ في الأخوين هل يسميان إخوة (٤)، وفي غير ذلك

стр. 461

مِن معاني كتاب الله تعالى. فإن قلتَ: فكم القدرُ الواجبُ مِن العربية، وهل هو متعسِّرٌ أو متعذِّر؟. قلتُ: ذلك لا يتقدَّرُ بمقدار، ولا يستمِرُّ الحالُ فيه لاختلاف الفِطَنِ، وتفاوتِ الأفهامِ، وفي الناس مَنْ يكفيه القليلُ، وفيهم مَنْ لا يكفيه الكثيرُ، ولا بُدَّ مِن القراءة في الفنِّ حتى يتمكن من معرفة مسائل الفن جَلِيِّها ودقيقِها غالباً، وإنما قلت: يتمكن لما قدمنا ذكرَه من أنه لا يجبُ حفظُ سائر الفنون غيباً وكذلك حفظُ العربية، وإنما الواجبُ أن يقرأ فيها حتى تكونَ له ملَكةٌ ثابتةٌ يَصْلُحُ معها لمطالعةِ الكُتُبِ البسيطةِ، وفهم عبارات النحاة، والخوض مع المحققين في لطائف المعارف عند الحاجة إلى ذلك، وقد تقدَّم الدليلُ على عدمِ وجوبِ الحفظ على المجتهد، وأن الواجبَ أن يكون متهيئاً للمعرفة، متمكناً منها، لا حاصلاً عليها في الحالِ، ولا حاجةَ إلى إعادةِ ذلك. وإنما قلت: غالباً لما يعرِفُهُ النقادُ من أن التحقيق لا يَعْصِمُ المحقق من التعثُّرِ في بعض الدقائق، والتحيُّرِ في بعض المضايق، وأما سهولةُ ذلك وصعوبتُه، فتختلِفُ على حسب اختلاف الهِمَمِ والأفهام كما ذلك مُجربٌ معلوم.

стр. 462

وقد اجتهد الإمام المنصور بالله ﵇ في مدة قريبة لا يحقق كثيرٌ في مثلها فناً واحداً. فأما مرتبةُ الإمامة في علم العربية والتبريزُ على الأقران، فذلك لا يجب وإن كان من أشرفِ المراتب، وأرفع المناصب، فإن المجتهدين من علماء هذه الأمة من الأئمة ﵈، ومن سائر فقهاء الأئمة الأربعة لم يشتهروا بالإمامة في العربية، ولا نُقلَتْ اختياراتُهم واختلافاتُهم فيها، كما نقِلَتْ أقوالُ النحاة، ولو اشتغلوا بالإقراء فيها، والنظر في حقائقها، والفحص عن دقائقها، لوجب أن يُنقل ذلك عنهم مثل ما نُقِلَ عنهم اشتغالُهم بعلم الفقه والأثر. واعلم أن الاشتغال بالتحقيق الكثير لجميع ما يتعلق بالفن مما يحتاج إليه، ومما لا يُحتاج إليه، والتعرُّضُ لحفظه عن ظهر القلب مما يستغرِقُ العمر، لهذا فإن أئمة العربية مثل الخليل وسيبويه وغيرهما لم ينقل عنهم الكلامُ إلا في فنِّهم غالباً، وكذلك سائرُ المبالغين في سائر الفنون مِن شيوخ الكلام، وحُفَّاظ الأثار، والكلام في هذه النكتة يَحْتَمِلُ البسط، وفي هذا كفاية على قدر هذا الجواب. قال: وأبو هريرة: لم يكن مجتهداً، وإنما كان من الرواة. أقول: الجوابُ على ما ذكره من تجهيل هذا الصاحب الجليل من وجوه: الوجه الأول: أنَّا قد بيَّنا أنه لا طريقة لنا إلى العلم بجهل الصحابي إلاَّ إقراره بذلك، أو أن يختبره مجتهد، فيجده قاصراً، ويُخبر بقصوره، وكُلُّ من هذين الطريقين غيرُ حاصل، ولا مانع في العقل، ولا في السمع من أن يكون

стр. 463

مجتهداً، ولا يشتهر اجتهادُه إمَّا لخموله واعتمادِ الناسِ على أشهر منه، وعدمِ حاجتهم إليه، وإما لرغبته في الخمول وكراهته للفتيا. الوجه الثاني: أن الظاهرَ خلاف ما ذكر ، لأن شرائطَ الاجتهاد كانت مجتمعة في أبي هريرة ﵁، وقد كان أحفظَ الصحابة على الإطلاق، وأكثَرَهم حديثاًً (١)، وقد ذكر البخاريُّ وغيره أن الرُّواةَ عن أبي هريرة كانوا ثمان مئةِ رجلٍ، وقد ذكرهم علماء الرجال، وذكر المزي في " تهذيبه " (٢) منهم مَنْ روى عنه في الكتب الستة: الصحيحين، والسنن الأربع، فذكر خلقاً كثيراً، وقد بيَّنا أنَّه لم يكن شرطُ الاجتهاد في زمن الصحابة إلاَّ معرفةَ النصوص، لأن المرجع بالعربية، وأصولِ الفقه إلى لسانهم التي فطروا عليها فما الفرق بينَه وبينَ معاذ، وأبي موسى الأشعري، فقد ولاهُما رسول الله ﷺ القضاءَ في اليمن (٣)، وقد روى مالك في " الموطأ " (٤) عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّه قال لإِنسان: إنَّك في زمان كثيرٍ فقهاؤه قليل قُرَّاؤُه، تُحفَظُ فيه حدودُ القرآن، وتُضيَّعُ حروفُه، قليل مَنْ يسألُ، كثير من يُعطِي، يُطيلُونَ فيه الصلاةَ، ويَقْصُرونَ فيه الخطبة، يُبْدُونَ أعمالَهم قبلَ أهوائهم وسيأتي على الناس زمان قليلٌ فقهاؤه، كثير قراؤه ... وساق نقيضَ ما تقدم. فدل على ما ذكرته لك، بل على أكثر منه، فإن كثرةَ الفقهاء مع قِلَّةِ القُرَّاء تستلزم بالضرورة فِقه مَنْ لم يقرأ مِن أهل ذلك الزمان لتوفُّر حظِّهم مِن الفهم للمعاني، وسلامةِ فِطَرِههم الصحيحة من تعبيرات المبتدعة، ووضع القوانين الفاسدة. فإذا فَقُهَ مَنْ لم يقرأ منهم فما ظنُّك بأبي هُريرة جليس رسول الله ﷺ الملازم له؟! وما

стр. 464

أَمنك أنَّك من قراء آخر الزمان الذين لا فِقْهَ لهم، وأنَّك لِهذه العِلَّةِ نسبت أبا هُريرة الفقيهَ إلى صِفَتِك لِقُصورك أنتَ لا هُوَ. الوجه الثالث: أنه ممن نُقِلَتْ عنه الفتيا من الصحابة ﵃ فيما رواه الحافظ أبو محمد أحمد بن علي الفارسي، والشيخ أحمد بن محمد بن الحسن الرّصاص، وذلك يُفيدُ أنَّه مجتهد، لأن مَنْ أفتى من أهل العدالة، وادَّعى الاجتهادَ، وذلك مُجوّز فيه غيرُ مقطوع ببطلانه، قُبِلَتْ فتواه بلا خلافٍ يُعْلَمُ في ذلك، واختلف العلماءُ في قبول الفتيا ممن لم يُعرف بالعدالة ذكره المنصور بالله ﵇، بل ذكر الذهبي في " طبقات القراء " بسنده أن ابن عباس، وابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وجابراً وَغيرهم كانوا يُفتون في المدينة، وُيحدِّثون منذ توفي عثمانُ إلى أن تفرقوا، وإلى هؤلاء الخمسة صارت الفتوى انتهى. وهذه حجة واضحة على اجتهاده لتقريرِ أهل ذلك العصر له على الفتوى وهم مِن خيرِ القُرون أو خيرُها بالنص ذكره في ترجمة أبي هريرة (١). الوجه الرابع: معارضة الغزالي بقول من هو أرجحُ منه في ذلك ، وهو الحافظُ المؤرخ الذَّهبي، فإنه قال في وصف أبي هريرة: الفقيه المجتهد بهذا اللفظ. فنصَّ على اجتهاده وفقهه ذكره في " النبلاء " (٢).

стр. 465

وذكر في " الميزان " في ترجمة إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي (١) أنهم قَدَحُوا عليه بكونِه قال: إن أبا هريرة ليس بمجتهدٍ (٢)، فَجَعلَ العلماءُ هذا قدحاً وعيباً في مَنْ قاله. وإنما كان أرجحَ لوجوه: منها أنَّه مثبت والغزالي نافٍ. ومنها أنَّه أعرفُ بعلمِ الرِّجال، وأكثرُ تصرفاً في هذه المحال. ومنها أنَّه في ترجيح كلامه حملاً لأبي هريرة ﵁ على السلامة، لأن خلاف ذلك يُؤدِّي إلى القول بأنه أفتى بغير علم، وتأهَّل لما ليسَ مِن أهله، والخطأ في العفو خيرٌ من الخطأ في العقوبة. وقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص ": روى ابنُ أبي شيبة من طريق الأعمش عن المسيَّب بن رافع، عن ابن عباس أنَّه أرسل إلى أبي هُريرة، وعائشةَ وغيرِهما، يعني يستفتيهم في قصة مداواته لعينيه، فلم يُرخِّصُوا له فترك ذلك.

стр. 466

قال ابنُ حجر: وفي هذا إنكارٌ على النواوي في إنكاره على الغزالي ذكر أبي هريرة في هذا. قلتُ: فيه أنَّ أبا هريرة مجتهد عندَ ابن عباس، وذكر هذه القصة ابنُ حجر في موضع آخر، ونسب ذكر أبي هُريرة فيها إلى ابن المنذر. الوجه الخامس: أن كلامَ السَّيِّد إنما هو في تعسيرِ الاجتهاد، فلو صحّ ما لا طريق إليه من تجهيل هذا الصاحبِ ﵁ لم يلزم من ذلك القولُ بتعسير الاجتهاد، فإنَّه يمكن قطعاً أن يكون الاجتهادُ سهلاً، ويكون أبو هريرة غيرَ مجتهد، لأنَّه ليس في العقل، ولا في الشرع رابطةٌ قطعية بينَ سهولةِ الاجتِهاد، وأبي هُريرة ﵁. ويلتحِق بهذا فائدتان: الفائدة الأولى: أن أبا هُريرة ﵁ ثقة مقبول لا مطعنَ في قبول روايته عندَ أهلِ التحقيق، وقد أشار الإمامُ المنصورُ بالله ﵇ إلى ذلك، وقد كان عابداً صوَّاماً قوَّاماً قانتاً لله، خاشعاً متواضعاً، حسنَ الأخلاق، رفيقاً، كان لا ينامُ حتى يُسَبِّحَ ألف تسبيحة، وكان يقوم ثُلُثَ الليل، ثم كان يقوم ثلثيه، ثم كان يقومُ اللَّيْلَ كُلَّه، وكان أميراً في المدينة، وكان في أيام إمارته يحمل الحطب على ظهره، ويمضي في السوق، ويقول: الطريقَ مِن الأمير، الطريقَ من الأمير، وكان ممن يسقط مغشياً عليه مِن خوفِ الله ﷻ ، وكان مِن نبلاء المهاجرين، ومِن الصابرين على الشِّدَّةِ مع سيِّد المرسلين، كان ﵁ يُصْرَعُ بَيْنَ الروضة والمنبرِ من الجوع، وربما يُظن أنه مجنون، فيأتي الرجل، فيجلس على صدره، فيُشيرُ إليه: ليس هو ما تظن إنما هو الجوعُ، ومع ذلك لم يتضجَّرْ من الإسلام، ولا تكلم في أحد من أهل الغِنَى من الصحابة ﵃، كما هو عادةُ كثيرٍ من الفقهاء

стр. 467

المتساهلين، وقد اشتد فرَحُهُ بالإِسلام، ولما رأى الوجهَ الكريم النبوي ﵇، عَظُمَت مسرَّتُهُ بذلك، فأعتق عبداً له لم يكن يملِكُ سِواه. وقد روى الذهبيُّ أن رجلين اختلفا في مسألة، فاحتج أحدُهما بحديثِ أبي هُريرة، فقال الآخر ما معناه: إنَّه لا يحتج بحديث أبي هريرة، فخرجت عليه حيَّةٌ عظيمة، فهرب منها، وهي تتبعُه فقالت له الجماعة: اسْتَغْفِر اللهَ وتُب إليه، فاستغفر الله من كلامه في أبي هريرة، فانْصَرَفَتْ عنه. إسنادها أئمة (١)، وهذا معنى لفظِه، ولم يَحْضُرْنِي كتابُه، فأنقلَ لفظه إلى ذلك. قال الذهبي: وقد اعتمدَتِ الصحابةُ على حديث أبي هُريرة في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها (٢). قلتُ: من أراد معرفة هذا الصاحب فلُيطالع سيرته في كتاب " النبلاءِ " (٣) وغيره من كتب الصحابة التي قدمت ذكرَها، وإنما ذكرتُ هذه النكتة، لأنَّه قد ذكر في ذلك خلافٌ لا يلتفت إليه، ولا يُعَوَّلُ عليه. فإن قيل: قد اتُّهِم أبو هريرة بكثرة الرواية حتى قال له عمر: لئن لم تُقْلِلْ مِن الرِّوايةِ عن رسول الله ﷺ لألْحِقَنَّك بجبالِ دوسٍ. قلنا: هذا لا يصح (٤)، ولو صح لم يكن فيه حُجَّةٌ على جرح أبي

стр. 468

هريرة، لأنُّه سوء ظن مستندُه إكثارُ أبي هريرة مِن الرواية، والإكثارُ دليلُ الحفظ لا دليلُ الكذب، وقد قال أبو هريرة: وما ذنبي إن حفظتُ ونَسُوا (١). وقد طوَّل الحاكم في " المستدرك " (٢) في الردِّ على من ضعف حديث أبي هريرة، وجوَّدَ الذهبي في " النبلاء " ترجمته ﵁، وخرج الحاكم في " المستدرك "، ومسلم في " صحيحه " (٣) دعوة النبي ﷺ لأبي هريرة وأمه حين أسلمت أن يُحبِّبَهما الله تعالى إلى المؤمنين، ويحبب المؤمنين إليهما. فما على وجه الأرض مؤمن إلاَّ وهو يُحِبُّ أبا هريرة. ذكره الحاكم في معجزات رسول الله ﷺ وآيات نبوته، ومسلمٌ في الفضائل، فأرجو أن يكونَ حُبِّي له، وللذَّب عنه من ذلك إن شاء الله تعالى. وقد كانت لإكثار أبي هريرة مِن الرواية أسبابٌ واضحة قد أجاب بها على من اعترضه في إكثاره.

стр. 469

أحدها: أنَّه كان فقيراً لا مالَ له، ولا أهلَ، وكان يُلازِم النبي ﷺ على الدوام، ولا يَشْغلُه عنه شاغِلٌ مِن مال ولا أهل ولا تجارة، وربما لازمه لِيأكل معه مما أكل، ولغير ذلك من خدمته ونحوها. وثانيها: أنَّه طال عُمُرُه، فإنه تُوفي سنةَ تسع وخمسين في قول جماعة، وأقلُّ ما قيل: إنَّه تُوفي سنة سبع وخمسين، وقد كانت تَقِلُّ الرواية وتكثر بحسب طُولِ المدة بَعْدَ النبي ﷺ ، ولذلك كانت روايةُ عمر أكثرَ مِن رواية أبي بكر. وثالثُها: أنَّه كان فارغاً لطلب العلم، قريباً لطيفاً، حسن الأخلاق غيرَ مهيب ولا بعيد. ورابعها: أن النبي ﷺ دعا له بالحفظ وأمره أن يبسطَ رداءه فقرأ له فيه، وأمره أن يلفَّه عليه، ففعل، فما نسي شيئاً بَعْدُ (١) رواه البخاري، ومسلم، والترمذي من حديث أبي هريرة. وروى النسائي، والحاكم (٢) نحوه من حديث زيد بن ثابت ذكره صاحبُ كتاب " سلاح المؤمن " (٣) في آداب الدعاء. فلم يبق في صحته شبهة والله أعلم.

стр. 470

وذكر المحققون أنَّ الكذبَ على رسول الله ﷺ لم يَكُنْ في زمنِ الصحابة، ولا في زمنِ التابعين، لا مِن بَرِّهم، ولا مِنْ فاجرهم، وإنما كان ذلك في أيامِ بني العباسِ، وَمَنْ نظر فيما رواه أهلُ المعاصي في هذا الوقتِ القديم، عَرفَ صحةَ قولِ المحققين. فأما أبو هريرة، فإليه المنتهي في مراقبة الله وخوفه، وقد كان ممن يُغْشَى عليه من خوف الله تعالى، ثبت ذلك في صحيح مسلم (١) في حديث رواه في الرياء بالمثناة مِن تحتُ، وله شاهد في ترجمة سمرة. ثم إني وجدتُ في " شرح النهج " (٢) للشيخ العلامة عبدِ الحميد بن أبي الحديد كلاماً في جماعة من السَّلَف لا يليقُ بمنصبه المنيف في العلم، والإنصاف، وحمله على السلامة يُوجبُ تنزيهه عنه، والقول بأن بعضُ أعدائه زاده في كتابه، فإنُّه ينبغي من العاقل العملُ بالقرائنِ القوية في تصحيح الأخبار، وتزييفها، ألا ترى أن فيه نسبة أبي هُريرة إلى بُغْضِ علي وتعمُّدِ

стр. 471

الكذب عليه، ووضع الأحاديث الباطلة عمداً في مثَالِبِه، بل فيه عن علي ﵇ أنَّه قال: ألا إنَّ أَكْذَبَ الناسِ، أو أكذَب الأحياء على رسول الله ﷺ أبو هريرة، فهذا ما يقطعُ العَارِفُ ببطلانه عن علي ﵇، وأرجو ألا تَصِحَّ حِكايتُه وتقريرُه عن ابنِ أبي الحديد. و الجوابُ عما نسب إلى أبي هريرة وأمثاله من أفاضل السلف المتواتر فضلُهم، وعلو مراتبهم مِن وجوه . الوجه الأول: أن تعمُّدَ الكذبِ على رسول الله ﷺ في مثالبِ عليٍّ ﵇ ما لا يَفْعَلُهُ عاقل لا كافِرٌ ولا منافق، ولذلك لم يَصْدُرْ ذلك مِن أعداء علي ﵇، فإنَّ حب النبي ﷺ لعليٍّ وتعظيمَه وتكريمَه، وتشهيرَ مناقبه، والدوامَ على إظهار فضائله كان معلوماً بالضرورة خصوصاًً لأهل ذلك العصر، فالمعارِضُ لذلك لا يريدُ على حمل السامعين على خساسته ونُقصانِ عقله، وسقوطِ منزلته، ولا فرق بينَ أن يقدح في فضلِ علي، وحُبِّ النبي ﷺ له، وبين أن يَقْدحَ في نسب علي، وأنه ليس مِن بني هاشم، وأنه لم يسْبِقْ إلى الإِسلام، وأنه نَصَبَ الحربَ والعداوةَ لرسول الله ﷺ إلى عامِ الفتح، وأسلم قهراً كما أسلم أبو سفيان حين أسلم، وأنه لم يشهد بدراً ولا أُحُداً، ولا أبلى في المشاهد. فهل ترى يَصِحُّ في عقل عاقل، أن أحداً في ذلك العصر يستطيعُ أن يكذب مثلَ هذه الأشياء على أمير المؤمنين ولو كان أكفرَ الكافرين، وأبغضَ البُغضاء، والمنافقين. ومن جَوَّزَ وقوعَ مثل هِذا في ذلك العصر من أعداء علي ﵇، لم يَزِدْ على أن يبين للعقلاء أنه ناقصُ العقلِ، عديمُ المعرفة، بهيمي الفِطنة، حِمَارِيُّ القلب. فإذا تقرَّرَ هذا، فلا فرق بينَ هذه الأشياء، وبينَ رواية مثالب فاحشة في أمير المؤمنين ﵇ في ذلك العصرِ للمهاجرين والأنصار أهلِ العقول الراجحة، والبصائرِ النافذة، والأفهامِ الثاقبة، ولذلك

стр. 472

اعترف أبو سفيان أنَّه لم يتمكَّن من الكَذِبِ على رسولِ الله ﷺ إلى هِرَقل (١)، وعَرَفَ بعقله مع كفره وعداوته أن الكذب لا يمضي له. ولو قدرنا صدورَ مثل هذا من قليل عقل، لوقع منهم من التنكيلِ به، والذَّمِّ له، وضربِ الأمثال بكذبه، والمناداة عليه في المحافِلِ والمجامعِ ما يُوجِبُ تَواتُرَ ذلك عنهم فيه، ولَمَا كفي أمير المؤمنين أن يقول ذلك مرةً ولا ثنتين ولا ثلاثاً حتى يتواتَر. وفي أخبار عمر ﵁ أنَّه قال: كيف وجدتموني؟ قالوا: وجدناك مستقيماً، ولو زُغْتَ، لقوَّمناكَ، فقال: الحمد لله الذي جعلني في قومٍ إذا زُغْت، قوَّموني، وَدَعْ عنك الكثير الطَّيِّبَ مِن أخبارهم في ذلك، فقد قال الله تعالى في مُحْكَمِ كتابه الكريمِ في خِطابهم ووصفهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فكيف يُمكِنُ ظهورُ كذاب على الله ورسوله مستور بينَهم، ثم لا يَهْتِكونَ سَتْرَه،

стр. 473

ويُشهِرُونَ فضائحَهَ حتى يتواترَ ذلك، والعادات جاريةٌ مستمرة بمثل هذا في كل زمان، ولو جوَّزنا أن أحداً يُظْهِرُ في زمانهم مثلَ هذه الأكاذيب على الله، وعلى رسوله ولا يتواتر عنهم مقابلتُه بما يستحقه مِن التنكيل والتكذيب، لجوزنا أنَّه قد كان مِن غير أبي هريرة مثلُ ذلك من المستورين المقبولين، ولم يُقَابلْ ذلك بشيء منهم ألبتة حتى خَفِيَ حالُهم على أهل الإسلام وإنما يُمْكِنُ وضعُ المثالب فيه، وفي أمثاله بعدَ تطاولِ الزمان، وتدريبِ مَنْ لم يعرف مناقبه قطُّ على بُغضه ونسبه، ولذلك حَكَمَ نُقَّادُ علم هذا الشأن أن تعمُّدَ الوضعِ ما ظَهَرَ وَكَثُرَ إلاَّ في أيام بني العباس، وذلك حين كَثُرَ الجَهْلُ، وأمكن الغرورُ، ثم أفادني مولانا الإمامُ المنصور بالله ﵇ فائدةً جليلة، وهو أنَّه ﵇ وقف على معارضةٍ لما نقله الإسكافي (١) -إن صحَّ عنه ما تقدمَ- عن أمير المؤمنين عليّ ﵇ أنَّه أثنى على أبي هُريرة بالصدْقِ في الحديث، ودفعَ عنه أو نحو ذلك، وَقَفَ عليه مولانا ﵇ في بعضِ كُتُبِ الرِّجال والتواريخ، وإليه المنتهى سلامُ الله عليه في سَعَةِ الاطلاع، والورعِ في الرواية، والتثبت في النقل، فالحمد لله رب العالمين. الوجه الثاني: أنَّهُ قد تواتر عن أبي هُريرة أنَّه كان أرفعَ حالاً من هذه المنزله الخسيسةِ التي لا أَسْقَطَ منها، فإِنَّه لو كان لوطيّاً، أو مجمعاً للفساد وأهلِه، لكان خيراً له من مرتبة الزندقة في الإسلام، فإن تلك معصيةٌ لا تتعدى إلى غير صاحبها، والحامِلُ عليها شِدَّةُ الشهوة، والشَّبَقُ، والخِسَّةُ، وهذه

стр. 474

معصيةٌ، الحاملُ عليها بغضُ الله ورسولهِ وأميرِ المؤمنين، ومضرتُها دائمة للإسلام والمسلمين، ولا يمْكِنُ صدورُ مثل هذا من مؤمن ألبتة، ولذلك صح " أن بُغْضَ أميرِ المؤمنين نِفاق " (١). فكما أنَّه لا يُصَدَّق من زعم أن أبا هُريرةَ كان لوطياً مشهوراً في محافلِ الصحابة بذلك، ولم يقتلوه، ولم ينفوه، فكذلك لا يصِحُّ أن يكون معروفاً عندهم بتعمد الكذب على رسول اللهِ ﷺ في مثالب سيدِ المسلمين في عصره، ولا يقتلوه أو ينفوه، ولا يكذبوه ويُنَكِّلوا به، وقد ذهب الجُوينيُّ (٢) وغيره إلى أن تعمُّدَ الكذب على رسول الله ﷺ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢] مع قوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقولهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ولذلك نزه أهلُ البيتِ الخوارِجَ النواصِبَ مِن تعمُّد الكذب، وقَبِلُوا حديثهم وهُمْ كِلاب النَّار (٣). فإن قلت: لم يكن مشهوراً بالكذب وتعمُّدهِ على عصرهم، وإنما بَانَ هذا بَعْدَ مُدَّةٍ.

стр. 475

قلتُ: هذا مِنْ خيالاتِ قليلي العُقول، فإنَّ تعمدَ كذبِ الكاذبين إنما يظْهَرُ في أعصارهم لما يَصْحَبُهُ مِنْ معرفة مَنْ جاورهم وخالطهم وسامرَهم مِن قرائنِ أحوالهم، ومخايل كذبهم وتلوّنهم وحكاياتِهم، ومناقضاتِهم، ونسيانهم لما قالوه، كما قالت العرب: وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِىءٍ مِنْ خلِيْقَةٍ ... وإن خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ (١) بل كما قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وكما شاهدنا هذا في معرفتنا لِلكاذبين المعاصرين لنا، فأما لو استتر حالُه حتى مات، ومات المعاصرون له، فإنها تنسَدُّ أبوابُ المعرفة لحاله على المستأخرين عن مُعاصريه إِلاَّ بِعلمِ الغيب، فمن أين جاء ذلك للإسكافي لو صحَّ عنه، وحاشاه منه بَعْدَ تفاني القُرون، وأبو هريرة محتجٌّ بحديثه بينَ الصحابة والتابعين، وفُقهاءِ الإسلام، وأهلِ العلم التام بتواريخِ الرجال، وأخبارِ الناس، وَمَنْ قَبِلَ مثلَ هذا في أبي هريرة ممن لا يُعْرَفُ مع ثبوتِ إيمان أبي هُريرة، وعدالتِه على عصر النبي ﷺ ، فلا يُؤْمَنُ عليه، ولا يُسْتَبْعَد منه أن يُصدق من ذوي المثالب في علي ﵇ أو في مَنْ هو دُونَه بيسيرٍ من أهل الفضلِ الشهيرِ، والمحلِّ الكبير. وقد ذكرتُ فيما تقدم أن أهل ذلك العصرِ كانوا خيرَ أهلِ الأعصار، وأن أشرارهم أصدقُ الأشرار حتى إنَّه ثبت عن اليهودي ابنِ صياد اللَّعين المُدَّعي للنبوة في عصره ﵇ لما سألَه النبي ﷺ وهو خصمُه ما يأتيه قال: يأتيني صادِقٌ وكاذب (٢)، فاعترف بكذب بعضِ ما يأتيه بُعداً من

стр. 476

الكذب فيما يدعيه، ووثق رسولُ الله ﷺ بدليله (١) يومَ هاجر، وكان كافراً، وبذمَةِ سُراقة (٢) حين دعا له مع كفره، وشِدَّةِ عداوته، وكذا أَمِنَ كفارَ قريشٍ في عُمرة القضاءِ، ووضع جل السلاح. الوجه الثالث: أنَّه لا خلافَ أن طريقة أبي هُريرة على عهدِ رسول الله ﷺ كانت مستقيمةً، وأنَّه كان يختصُّ برسولِ اللهِ ﷺ وُيلازِمُه ويأخُذُ عنه، ولم يكن منه في عهدِ رسول الله ﷺ كبيرةٌ، ولا حُدَّ في معصية، ولا اتُّهِمَ بنفاق، ولا كانَ مِن أهل الإفك، وكان مِن العُدول في ذلك العصر على كلِّ مذهبٍ، ومن الصحابة المثنى عليهم على كُلِّ قولٍ، وعند كُلِّ طائفةٍ. فالعجبُ ممن يقبل جرحه ممن لا يُعْرَفُ ولا يُدْرَى مَنْ هُوَ بغير إسناد ولا نظرٍ في رجال الحديث، بل يقبلُه مقطوعاً ممن لا يُدرى مَنْ هو، ولا يُساوي أدنى أدنى أدنى مرتبةٍ من مراتب أصحابِ أبي هريرة من التابعين الرُّواة عنه، المُوثِّقين له، الذين زادُوا على ثماني مئة، ولو صَحَّ طرحُ مِثْلِ هذه الفواحش والخبائث على مثل أبي هريرة من أئمة الإسلام، وأعلامِ الهُدى، لأمكن الزنادِقَةَ لَطْخُ أكثرِ العِترة والفقهاء بمثل ذلك. وليتَ شعري أيُّ فرقٍ يجده المميزُ الحازم بينَ أبي هريرة، وأبي الدرداءِ، ومُعَاذٍ، وكثيرٍ من المهاجرين، والأنصار، ثم يعلم المميز أنَّه لو كذب مثلَ ذلك على الصَّادِقِ والباقر ومالك والشافعي أو منْ دونهم من فُضلاء عصره، وأعيانِ أهل زمانه، لكان الحملُ لهم على السلامة أرجحَ، والتغليب لِنزاهتهم عما قيل

стр. 477

فيهم أوضح، فكذلك هُنالك. الوجه الرابع: أن قواعدَ العلم المتفق عليها تقتضي أن لا يُقبل المتعارضان معاً، ولا يَصِحُّ ذلك، وقد تعارض الثناء على أبي هريرة والذَّمُّ له، أما الثناءُ عليه، فإنه قد دخل في الثناء مِنَ الله على الصحابة، وأثنى عليه غيرُ واحد مِن السَّلَف والخلف كما تبين في ترجمته من كتب الرِّجال بالأسانيد المعروفة حتى أثنى عليه أئمةُ علمِ الرجال في الحديث مِن الشيعة كالحاكِمِ والنسائي، وابنِ عُقدة وغيرهم، وصححوا أحاديثَهم ودوَّنوها في كتبهم، وكذلك مَنِ احتجَّ بحديثِه مِن أهل البيتِ ﵈ والفقهاء كما يَعْرِفُ ذلك مَنْ طالع فِقْهَهُمْ، وأدِلَّتهم فيها، ويأتي قريباً التنبيهُ على ذلك بذكر طرفٍ منه يسير. وأما المعارضُ لهذا، فجاء مقطوعاً كولدِ الزِّنى الذي لا يُعْرَفُ له أب مِن طريق غيرِ وافية بشروط الصحة عن الإسكافي، وكان بغداديّاً لا يقولُ بأخبار الثقات دَعْ عنك غيرَها، ومَقْصِدُه في كلامه القدحُ في الأخبار بالجملة، وسدُّ باب الرواية لو صح ذلك عنه، فلا بُدَّ على الإنصافِ مِنْ معرفة رواة جرح أبي هريرة والموازنة بين كل واحد منهم وبين أبي هريرة، فإن كان فيهم واحد دون أبي هريرة في فضله ونُبله لم يُصَدَّقْ على مَنْ هو خيرٌ منه، وإلا لَزِمَ فيه ترجيحُ المرجوحِ على الراجح، وهو على خلاف المعقولِ والمنقول. فقِسِ القَدْحَ في الأكابرِ على هذا، وقد أشرتُ إلى هذه النُكتة في علوم الحديث، وأوضحتها فخذها من هنالك (١). وقد قَدَح الإمامُ المؤيَّدُ باللهِ ﵇ بعدمِ الإسنادِ في كتاب "إثبات

стр. 478

النبوات"، وَبَيَّنَ أنَّه نَقَل كِتابَه عن السلفِ رحمهم الله تعالى، فدلَّ على اعتبار مثل ذلك حيث يُحتاج إليه، وتَقعُ التهمةُ بالإِجماعِ، ذكره حيثُ ذكر ما رُوي مِن أشعار الجن في الكلام على أنَّه لا يجوزُ أن يكونَ القرآن مِنْ كلامِ الجن. الوجه الخامس: أن أبا هريرة قد روى مناقِبَ علي ﵇ في الصحاح، ومِنْ أشهرهَا روايته لحديث خيبر وقول النبي ﷺ لِعلي ﵇: " إنَّه يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَه، ويُحِبُّه الله وَرَسُولُهُ " (١) فثبت ذلك عنه في صحيح مسلم، فكيف لم ينفعْهُ ذلك مع صِحته عنه، وَيضُرّه ما رُويَ عنه من غير طريق صحيحة مِن نقيضِ ذلك. الوجه السادس: أن جميعَ الأكاذيب المروَيَّة أسندها الكذَّابُونَ إلى الصحابة ، والمُحَدِّثُون عَرَفُوا الكَذَّابين، وحملُوا أكاذيبهم عليهم، والحَمْقَى (٢) من أهل الكلام نَزَّهُوا أولئك الذين جَهلُوا أحوالَهم، وحملُوا أكاذيبهم على المعروفين بالإيمان والإسلام، والصُّحبة، والعدالةِ، والنبالة، وعكسوا ما يجبُ، ألا ترى أن صاحبَ هذا الكلام الذي في " شرح النهج " قَدَحَ في أبي هريرة بروايته لخطبة علي ﵇ بنتَ أبي جهْل وطوَّل في ذلك، ثم نقل عن السيد المرتضى أن الراوي لذلك عن أبي هريرة هو الكرابيسي، وأن الحمل في ذلك عليه. ثم إنَّه تأوَّل ذلك على تقديرِ صحته بتأويل حسنٍ لا يبقى معه قَدْحٌ في رواته، ومع ذلك لم يَذُبَّ عن أبي هُريرة، وتركه مقدوحاً فيه بذلك، وجهل أيضاًً أن ذلك غير مروي عن أبي هريرة في الصَّحاح، ولا أشار إليه الترمذي كعادته،

стр. 479

ولا رواه عنه أحمد في " مسنده " مع جمعه لحديثه، بل روي في الصحاح مِن غير طريق أبي هريرة، وأنهم إنما رَوَوْه من طريق علي بن الحسين سَيِّدِ العابدين عن المسْورِ بن مَخْرَمَة، عن النبي ﷺ (١) فما أبعدَ ابنَ أبي الحديد عن مثل هذا، دل قد روى حديث الخِطبة على فاطمةَ ﵍ الحاكمُ في " المستدرك " (٢) على تشيعه، وصحح مجيئَه مِنْ طُرُقٍ عن النبي ﷺ ، وحكم بصحتها، منها عن سُويد بن غَفَلَةَ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السِّياقة (٣). ومنها عن عبد الله بن الزبير وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه الترمذي (٤) أيضاًً. ومنها عن أبي حنظلةَ رجلٍ من أهل مكة. وإنما ذكر هذه الطرق لتصحيح هذه الفضيلة لفاطمة ﵍، ولذلك ذكر ذلك في مناقبها مع أنَّه لا شيء في ذلك على أمير المؤمنين ﵇ كما ذكره في حديث سُوَيْدِ بنِ غفَلَةَ، فإنه ذكر فيه أن عليّاً استشار النبيَّ ﷺ في ذلك، فقال له: " أعَنْ حَسَبِهَا تسألُني؟ " قال: قد أعلمُ حسبَها، ولكن أتأمُرُني بها، فقال: " لا، فاطمةُ بَضْعةٌ مني، ولا أَحْسِبُ إلَّا أنَّهَا تَحْزَنُ أَو تَجْزَعُ " فقال علي: لا آتي شيئاً تَكْرَهُهُ. فأيُّ مقالٍ عليه في أن سأل، ثم فعَلَ ما يُحبُّهُ رسولُ الله ﷺ ، وقد سأل رسولُ الله ﷺ ربَّه أن يَأْذَنَ له في الاستغفارِ لأمِّهِ، فلم يَأذَنْ له (٥) فأطاعه، فهذا مثلُ ذلك.

стр. 480

ويدل على بُطلانِ ذلك الكلام على ابنِ أبي الحديد أن صاحبَه روى عن أبي حنيفةَ جَرْح جَمَاعةٍ مِن الصحابة كأبي هريرة، ونحن نرى أبا حنيفة يحتجُّ بأحاديثهم (١) كما هو معروف في " مسنده " وكُتُبِ فقهه، وفِقه أصحابه. ؤكذلك حديثُ أبي هُريرة متلقى بالقبولِ بينَ فِرَقِ الأمَّةِ. أما الفقهاء وأهلُ الحديث، فمعلومٌ ذلك عنهم ضرورةً، وكذلك التابعون، فإنَّ الرواةَ عنه منهم بلغوا ثماني مئة، ولم تُنْكَرْ عليهم الرِّوايةُ عنه مع هذه الشُّهْرَةِ العظيمةِ. وأما المعتزلة، فهم راجعون إلى الفقهاء، فإنهم شافعية وحنفية، والمنقولُ عنهم عدالة الصَّحابة إِلَّا مَنْ حاربَ عليّاً ﵇، ومن حارب متأولاً، قَبِلُوه، وإن فسَّقوه أيضاًً، أو أكثرهم كما مضى، وكما يأتي في مسألة المتأولين مِن دعوى كثير منهم الإجماعَ على ذلك، وأبو هريرة لم يكن مِن محاربي علي ﵇ بالإجماع. وأما الشيعة فهؤلاءِ مُحدِّثوهم يَرْوونَ حديثَ أبي هُريرة كالحاكم في " المستدرك "، والنسائي في " السنن "، وكُلّ مَنْ روى الحديثَ منهم حتى محمد ابن منصور المرادي (٢) في كتابه " علوم آل محمد" خرَّج حديثَه، واحتج به فيه،

стр. 481

بل روى محمدُ بنُ عبد الله بن الحسن (١)، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ ﷺ حديثَ " إذا سَجَدَ أحَدكمْ، فَلا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الجَمَلُ " (٢) واحتج به، وذهب إلى مقتضاه، وتابعه على ذلك كثيرٌ من أهل البيت وشيعتهم، وخرَّجه عنه أهل الحديث في كتبهم، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه أحد مِن أهل بيته مع تَقَدُّم عصره، ولا مَنْ بَعْدَه مِن أهله وشيعته، ولا اعتذروا له عن ذلك، ولا لغيرهِ مِمَّنْ روى عنه على أنَّه لا يعلم أنَّه تفرَّد بشيءٍ منكر، وصحَّ عنه، وقد ادَّعى الإجماعَ على عمل الأمة بروايته لِحديث النَّهي عن الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها، والمرأةِ وخالتها، وأنَّ الأمَّة ما اعتمدت إلاَّ عليه مع أنَّه تخصيصٌ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ [النساء: ٢٤] وذكر الحُفَّاظُ العارفون أنه لم يَصِحَّ شيءٌ مِن الأحاديث المرويةِ في ذلك عَنْ عليٍّ ﵇، وابن عباسٍ وغيرِهما، ممن ذكر ذلك البيهقي، وحكاه عن الشافعي حتى اعترضُوا ما خرَّجَهْ البُخاري (٣) في ذلك عن عاصمٍ الأحولِ، عنِ الشَّعبِيِّ، عن جابر

стр. 482

وقالوا: إِنَّ ذلك وَهْمٌ مِن عاصم، لأن ابنَ عونٍ، وداودَ بنَ أبي هِنْدٍ رويا هذا الحديثَ عن الشَّعبِيِّ، عن أبي هُريرة وحدَه. وعلى الجملة، فروايةُ التابعين لِحديثه، واحتجاجُهم به مِنْ غيرِ نكيرٍ معلومٌ لأهلِ العلمِ بالأخبار بالضرورة، والتَّابِعُونَ مِنْ خيرِ القرونِ بالنُّصوص النبوية، والأخبارِ بصلاحِهم المتواترة الضرورية، واللهُ يُوفِّقنا للصواب، ويُزيل عنا الشَّكَّ والارتياب. وكذلك تجدُ المعتزلة حنفيةً وشافعيةً، وأبو حنيفة والشافعي يحتجَّان

стр. 483

بأولئك المقدوحِ فيهم مع أبي هريرة، فكيف يَنْتَسِبُون إليهما، وَيَنْتَقِصُونَ مَنْ هو حُجَّةٌ لهما، وَقُدْوَةٌ عندهما. ثم مِنْ عَدَمِ إنصاف صاحبِ ذلك الكلام المسند إلى الإسكافي، ولعله منه بريء أيضاً، فما يصلحُ إِلَّا لبعضِ أعداءِ الإسلام، فإنه ذكر القدحَ في أبي هُريرة، وغيرِه من خِيرة السَّلَفِ الصالح، وأفردَ القدحَ فيهم، ولو كان هذا من المسلمين، لأورد ما وَرد فيهم مِن جرح وتوثيق، وسمَّى مَنْ جَرحَهُمْ وَمَنْ وَثَّقهم حتى يتمكَّنَ الناظِرُ من الترجيح عند التعارض، كما هو شأنُ أهلِ كتب هذا الشأنِ من علماء الإِسلام. وأما الزنادقةُ، فتراهم -إذا ذكروا أحداً مِن أئمة الإسلام الذين تملأ محاسِنَهم الدواوينُ، وتملّ حسناتِهم الكاتبون- لم يذكورا له إلاَّ ما لم يَصِحَّ مِن المساوىء والمثالبِ والفواحشِ المفتراة والمعايبِ، وليس العجبُ ممن يقدح في الأكابرِ مِن هؤُلاءِ الأسافلِ، ولله القائل: وإذَا أتتْك مَذَمَّتِي مِنْ ناقِصٍ ... فَهي الشَّهَادَةُ لي بِأنِّي فَاضِلُ (١) وإنَّما العَجَبُ مِن بلادةِ مَنْ يَسْبِقُ إلى عقله صِدْقُ أخسِّ الناسِ وَمَنْ خيرُ أحواله أن يكون مجهولاً في ذَمِّ خيرِ الناس بنصِّ كتاب الله تعالى، وشهادةِ رسول الله ﷺ ، وَمَنْ أَدْنَى أحوالِه أن يكونَ على من جَرَحَهُ مِن الأراذِلِ مقدماً مقبولاً. واعلم أنا قد جرَّبْنَا في أنفسنا، وَمَنْ عاصَرَنَا مِن الأئمة والفُضلاءِ كَذِبَ الكذَّابينَ عليهم، وَحسَدَ الحاسدينَ لهم، وهذه عادة مستمرة للأنجاس في

стр. 484

حسدِ خِيارِ الناس، ولذلك قيل: إنَّ العَرَانِينَ تَلَقَاهَا مُحَسَّدَة ... وَلَنْ تَرَى لِِلِئامِ النَّاسِ حُسَّادَا (١) والحاسدُ يفتري على المحسودِ، فلو قُبِلَ كُلُّ قَدْحٍ مِنْ غيرِ تثبُّتٍ، لبلغ الشيطانُ وجنودُه أغراضَهم في أهلِ المراتب الرفيعةِ مِن العلماءِ، والصَّالحين، وحَمَلَةِ العلم، وَنَقَلَةِ الآثار. فكيف يجوز أن يُصَدَّق على ابنِ أبي الحديد والإِسكافي أن يُجَرِّحُوا عُيُونَ السَّلَفِ الصالح برواياتٍ لم يُصحِّحُوا منها واحدة، ولا أوضحوا لها طريقاً يعلم براءتها مِن دسيسِ الملاحدة؟!. وقد ذكر شيخُ الإِسلام ابنُ تيمية (٢) أنَّ الذي وضع هذه الأشياءَ يهوديٌّ أظهرَ الإسلامَ وافتراها، بل صَحَّ عن ابنِ مسعود: أنَّ الشَّيطانَ يتصوَّرُ في صورة الآدَمِيِّ فيحدّثُ بالأكاذيب. رواه مسلم (٣). وله شاهد أو شواهد مرفوعة

стр. 485

في " مجمع الزوائد " للهيثمي (١) ومن ها هنا أوجَبَ أهلُ الحديثِ الإِسنادَ، لأن في العدول مَنْ يَقْبلُ المجاهيلَ، فيقبلُ الكذَّابَ، أو الشيطانَ لِظنه أنه مجهول، والمجهولُ عنده مقبول، فصار قبول المرسل يُؤدِّي إلى مِثْلِ هذا مِن حيث لا يَشْعُرُ مَنْ قَبِلَهُ، لأنَّه يقبل مراسيلَ الثقاتِ، وفي الثقات من يَقْبَل المجاهيلَ كالحنفيةِ فَتُقْبَلُ مراسيلُهم، وهم يقبلُون المجاهيلَ، وجميعَ المجاريحِ، والشياطينُ قد يكونون مِن جملة المجاهيل بالنسبة إلى بعض الأشخاصِ والأحوالِ، فاللهُ المستعانُ. وينبغي مِن كُلِّ مسلمٍ صحيحِ الإِسلام أن يعتبر عن سماع هذه الأكاذيبِ بأمورٍ. أحدها: أن يَنْظُرَ: هل هو يجترىء على تَعَمُّدِ الكذبِ على اللهِ ورسوله، ثم يظن فيمن غاب عنه مثل ما يجد من نفسه. وثانيها: أن يَنْظُرَ لو يُفترى عليه مثل ذلك، وهو منه بريء كيف يكونُ ذلك العدوانُ عنده، فيحذر مِن مثلِه. وثالثها: ينظر كيفَ قال تعالى في شأن أهل الإِفك (٢) حين قالوا، وفي مُصدقيهم حين صدَّقوه مع أنَّهم قالوا ذلك، وهم يظنُّون صِدقَهم، وحذقَهم، وَفطَانَتَهم فيما اختصُّوا بفهمه دونَ البلداء، والرميُ بالزنى أهونُ

стр. 486

من الرمي بتعمدِ الكذب على اللهِ ورسوله كما مضى تقريرُه، نسأل اللهَ العافيةَ والسلامة. ثم إن صاحبَ ذلك الكلام تمسَّكَ في رمي جماعةٍ مِنْ خيرِ السَّلَفِ إلى بغضِ علي ﵇ بأشياءَ كان يلْزَمُهُ لو طَرَّدها أن يَنْسِبَ بُغْضَ علي المستلزم لِلنِّفاق إلى طلحَة، والزبير، وعائشة لما كان منهم يومَ الجَمَلِ، بل إلى أبي بكر، وعُمَرَ، وعثمان، وجميع مَنْ قال بإمامتهم من التابعين والفقهاء والمعتزلة، لأنهم رأوا مرتبته مستأخرة عن مرتبة مَنْ تقدمه، وصنَّفوا في ذلك التصانيفَ، وجادلُوا عليه، ونقضوا أدِلَّة من خالفهم فيه، وبلغوا الغايةَ القصوى في ذلك. ومتى التزمَ ذلِكَ، وَحَكَم بنفاق جميعِ منْ ذكرنا، ونفاقٍ جميع مَنْ أحبهم، أو ذب عنهم، ولم يبرأْ منهم، وحرم الروايةَ عنهم، والتصديق لهم، سدَّ أبوابَ الروايةِ، ورفع ما تفرَّع عنها مِن علوم الإسلام تحريماً وتحليلاً وتجميلاً وتفصيلاً، لا سيما المراسيل، فإن المُرْسِلِينَ يُرْسِلُون عن بعض هؤلاء لثقتهم عندهم حتَّى يتطرق الشكُّ إلى كثيرٍ من مناقب علي ﵇ ومناقب العِترة الكرام، لأن كثيراً منها لا يَسْلَمُ مِن الاستناد إلى هؤلاء، وكان يلزم تُهْمَةُ كثير من العِترة بالتحامل على أمير المؤمنين ﵇ حيث بالغوا في الثناء على مَنْ تقدَّمه، وأظهروا موالاتهم، والترضيةَ عنهم، والترحُّمَ عليهم، وَمِنْ أقربِ مَنْ صَحَّ لنا ذلك عنه بالنقلِ المتواتِر، ورُؤيته بخطه المعروف - مولانا أميرُ المؤمنين الناصرُ لدين الله مُحَمَّدُ بنُ أمير المؤمنين المهدي لدين الله علي بن محمد بن علي ﵈، وقبلَه الإمام الأوَّاه العلامة المؤيَّد بالله يحيى بن حمزة. وأما بطريقِ الآحاد، فهو عن أميرِ المؤمنين علي ﵇، وعن

стр. 487

الطِّرَازِ الأولِ من أكابِرِ السادات مِن عِترته، كزيدِ بن علي، وأخيهِ الباقر، وجعفرٍ الصادقِ، ومَنْ لا يأتي عليه العَدُّ، ولهذا موضعُ غيرُ هذا وإنما القصدُ الإِشارةُ إلى بعض ما يُؤَدِّي إليه الغُلُوّ مِن فساد علوم الإِسلامِ، وفسادِ الظُّنون بأئمة العِترة ﵈. ثم إن الناسَ قد عاصروا أئمة الجَوْرِ الذين عادَوْا أميرَ المؤمنين وحاربُوه، وحاربُوا أهلَ بيته، وقتلوهم، وتَتَبَّعُوا مُحبِّيهمْ بالحرب والقتل والإهانة، وقد رخَّصَ اللهُ ورسولُه وأميرُ المؤمنين في التَّقيَّةِ، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١) [النحل: ١٠٦] وقال رسولُ الله ﷺ لعمارٍ: " إنْ عَادُوا لكَ فَعُدْ لَهُم " (٢) وقد كانُوا أكرهوه على سبِّ الله ، ولذلك قال علي ﵇: فأما السَّبُّ فسُبُّونِي، فإنه لي زكاةٌ، ولكم نجاة. فكيف لا يُحْمَلُ على هذا المحمل الجليِّ الواضحِ منْ صدر عنه شيءٌ مِنْ ذلك إذا كان قبل ذلك معروفَ الإسلام لو صحَّ شيءٌ من ذلك عن أحدٍ من الأعلام، وإنما الذي لا يَحِلُّ بالِإكراه هو البراءة منه التي محلُّها القلب كالبُغضِ والعداوة. وقد خَفِيَ هذا المعنى على الشيخ ابن

стр. 488

أبي الحديد، فلمِ يجد فرقاً بَيِّناً بَيْنَ السَّبِّ المباحِ عند الإِكراه وبينَ البراءةِ عند الإِكراه حتى نَسَبَ إِلى المعتزلةِ عدمَ الفرق بينهما. وقد ذكر في شرح كلامه هذا خلقاً كثيراً مِن صالحي السَّلَفِ بالتحامل على أميرِ المؤمنين، وهذا الفرقُ الذي ذكرتُهُ هو الذي لا يُمْكنُ سواه كالبراءةِ من الله ورسولِه باللسان دون القلب ولأن من سَبَّ، ولم يتبرأ بلسانه يقع في المخوف، وقد أشار إلى هذا أميرُ المؤمنين ﵇ في رواية الحاكم (١) فإنه خرج هذا في تفسير سورة النحل من طريقين، أحدهما: طريق أبي صادق الأزدي عن علي ﵇ وفيها أنَّه ﵇ تلا بعدَ كلامه هذا ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقال: صحيح الإسناد (٢). قلت: وأبو صادق مِن رجال ابن ماجة، وثَّقه يعقوب بن أبي شيبة، وقال ابن سعد. يتكلمون فيه، وقيل: إنَّه لم يلق علياً ﵇، وذكر الحاكم الطريق الثاني عن الحِمَّاني عن ابن عيينة عن عبد الله بن طاووس، عن أمية، ولم يصححها أحسبه للانقطاع (٣)، فإنه لم يذكره المزي في الرُّواة عن علي ﵇، فإن صح عنه وعن بعضهم ممن يَجبُ حملُه على السلامة فالوجه فيه ما ذكرنا، ولعل الشيخ قد نبه على ذلك بإيراده له في شرح قَوله ﵇: فأما السَّبُّ فَسُبُّوني، وأما البراءة فلا تبرؤوا

стр. 489

مني، ولم يُظهر الشيخُ حملَهم على ذلك تقيةً من ابنِ العلقمي (١) والله أعلم. ويلحق بذلك فائدة: تَعَلَّقٌ بتمام الذبِّ عن أبي هُريرة ﵁، وذلك أن بعضُ مَنْ يَتَّهِمُه في الحديث احتج على تهمته بما روي في الصحاح (٢) عنه أنَّه كان يُفتي بفطرِ من أصبح جنباً في رمضان قبل أن يغتسِل، ويروي ذلك عن النبي ﷺ ، ولما بلغه عن عائشة وأم سلمة خلافُ ذلك قال: إنَّه لم يسمعه مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وإنما أخبره بذلك الفضلُ بنُ عباس

стр. 490

وهما أعلم، وفي رواية وهو أعلم، ورجع عن ذلك. وفي رواية غيرِ صحيحة أخبره بذلك أسامة بن زيد، وفي رواية أخبره بذلك مخبر غيرُ مسمى، وقد تعاطى بعضُ مَنْ يُلْتَفَتُ إليه أن هذا يَدُلُّ على أنه يتعمَّدُ الكذبَ، أو يُتَّهَمُ بذلك، والجواب من وجوه: الوجه الأول: أنَّه لو صح التشكيكُ في صدق مثلِ أبي هُريرة الذي هو أحدُ كبارِ الصحابة وحُفَّاظهم وعيونهم، ومن المشهورين في عصرهِم بالرِّواية والفتوى، وقد ثبت الثناءُ عليهم كتاباً وسنة وخبرةً وعموماً وخصوصاًً وظواهر ونصوصاً، وقد مرَّ طرفٌ من ذلك في أوَّلِ هذا الكتابِ فلو صحَّ التشكيكُ في صدقه، وصدقِ أمثالِه من الصدرِ الأول الذين على نقلِهِمْ وأمانتهم المُعَوَّلُ، لكان الشَّكُّ في القادحينَ فيهم، المتأخرينَ عنهم رتبةً وزماناً وأمانةً وإيماناً أولى وأحرى، وأقرب وأقوى، وحينئذ تبطُل هذه الواقعة وأمثالُها بما يقدح به عليه وعلى أمثالِه، لأن صِحةَ ذلك فرعٌ على صِدْقِ رواةٍ كثيرٍ متأخرين من الذين الكذبُ فيهم فاشٍ دونَ الصحابةِ وتابعيهم بشهادة الأحاديثِ المتلقاةِ بالقبولِ في تزكية رسول الله ﷺ لأهل عصره، والذين يلونهم، ثم يفشو الكَذِبُ منْ بَعْدُ، فكيف يُصَحَّحُ في القدحِ في أبي هُريرة حديثٌ يدور على رواة أوثَقُهُم دُونَ أبي هريرة في الشُّهرة بالإيمان والإِمامة والإِسلام والدِّيانة، وهذا دأبُ المبتدعةِ ينقلُونَ القدح في الأخبار ورواتها عمن لا يُوثَقُ به، ويقدحونَ في الآحاد الصِّحَاح بالآحادِ البواطِلِ، كناقش الشوكة بالشَّوكَةِ، وكيف يقومُ الظِّلُ والعُودُ أعْوَجُ؟ الوجه الثاني: أنَّه قد ثبت في هذا الحديثِ من الاختلاف والاضطراب شيءٌ كثيرٌ جدّاً منه في الإِسناد، ومنه في المتن، فمنهم من

стр. 491

يقول فيه: عن عائشة، وأمِّ سلمة معاً، ومنهم من يقول: عن عائشة وحدَها، ومنهم: عن أُمِّ سلمة وحدَها، ومنهم عن عائشة وحفصة معاً، ومنهم عن حفصة وحدَها، ومنهم عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن عائشة، ومنهم عن أبي بكر، عن عائشة، ومنهم عنه، عن أمِّ سلمة، ومنهم عنه عن أبيه عن أم سلمة، ومنهم عنه عن أبيه عن جده عنها، ذكره المزي في أطرافه في تراجمهم عن عائشة، عن أم سلمة، وذكر في ترجمة عبد الملك عن أم سلمة (١) أن فيه اختلافاً كثيراً على عراك. وأكثر ذلك أو كلُّه مبين في " سنن النسائي الكبرى " لا في الصغرى المسماة " بالمجتبى " فهذا اختلافهم واضطرابُهم في الإسناد. وأما في المتنِ، فمنهم مَنْ ذكر قِصَّةَ أبي هُريرة، ومنهم من لم يذكرها. ومنهم من جعل سببَ القِصَّة بلوغَ فتوى أبي هريرة إلى مروانَ، وحينئذ أرسل مروانُ عبدَ الرحمان إلى عائشة. ومنهم من جعل السببَ بلوغَ الفتوى إلى عبد الرحمان، وأنه حينئذ سأل عائشة وأم سلمة من غير علم مِن مروان، ثم أخبر مروان. ومنهم من قال: إنهم لقُوا أبا هريرة عند بابِ المسجد، فأخبروه بقولِ عائشةَ وأمِّ سلمةَ مِن غير قصدٍ. ومنهم من قال: إنَّهم قصدوه لِيخبروه، وساروا بأمرِ مروانَ إلى

стр. 492

أرضِ أبي هُريرة إلى العقيق. ومنهم من قال: إن عبدَ الرحمان كره ما أمر به مروان مِن إخبار أبي هريرة بذلك وكَرِهَ قصدَه لِذلك، ولم يمتثل أمرَ مروان في ذلك، وقال: ثم قُدِّرَ لنا أن نجتمع بِذِي الحُلَيْفَةِ، وكانت لأبي هريرة هناك أرضٌ، فأخبره عبد الرحمان بذلك. ومنهم من قال عن أبي هُريرة: أنَّه قال: هما أعلمُ، يعني: عائشةَ وأمَّ سلمة، ورجع إلى قولهما. ومنهم من قال عنه: إنَّه قال: هو أعلم، يعني: الفضل، وبقي على قوله، ونحو هذا من الاختلاف الشديد. ومن جملة ما وقع في هذا الحديث من اختلافِ رواته اختلافُهُم في من أسند أبو هريرة الحديثَ الذي احتج به في فتواه إليه، فأما من يعرف الرجالَ والجرحَ والتعديل، ومقادير المختلفين في الحفظ، ويميزُ الروايةَ الشاذَّةَ مِن المشهورة، فإنه يُمْكِنُهُم تصحيحُ البعض من ذلك، وطرحُ البعض، والوقفُ في البعض، والحكمُ بالاضطراب في المستوى دونَ غيره. وأما جَهَلُةُ هذا الشأن، فإنه يلْزَمُهُمُ الحُكْمُ ببُطلانه، وكذلك العارفُ الذي صحَّ عنه فيه شرطُ الاضطراب، وهو استواءُ المختلفين أو تقاربُهم في الحفظ والعدالة، وإليه أشار النسائي حيث لم يُخرجه في " المجتبى " وقد ذكر ابن الأثير في ترجمة النسائي من مقدمات " جامع الأصول " أنَّه اقتصر في " المجتبى " على الصحيح من " سننه الكبرى " (١)، وما ترك منها إلا

стр. 493

المُعَلَّ، فيكون هذا الحديثُ عنده من المُعَلِّ الذي لم يَصِحَّ لهذه العِلة، وهي شِدَةُ الاختلاف في سنده ومتنه. فالعجَبُ ممن لا يعرِفُ الرِّجال، ولا هذا الشأنَ؛ كيف صَحَّحَ هذا الحديثَ تحكماً من غير معرفة، ونسب الاختلافَ إلى أبي هُريرة في إسنادِ الحديث إلى الفضلِ بن العباس، أو إلى أسامة بنِ زيد، ونسب سائرَ الاختلاف الذي في هذا الحديثِ إلى غير أبي هُريرة من الرُّواة، وأبو هريرة أعقلُ من أن يقولَ ذلك على كل تقدير؟! فإن الصادق يَثْبُتُ على صدقه، والكاذب يخاف التُّهمة من إكذابه لنفسه بتناقضِ رواياته، ولو كان هو المُتَلوِّنَ في ذلك، لذكره مروانُ، وعابه عليه، فقد كان مروانُ شديدَ الحرص على تقريع أبي هُريرة في ذلك، كما هو بَيِّنٌ في متن الحديث، فإنه اقسم على عبد الرحمان: لَيُقَرِّعَنَّ أبا هريرة بذلك (١). الوجه الثالث: أن أبا هريرة إِنما روى الحديثَ الذي احتجَّ بهِ في الابتداء مرسلاً، ثم بينَ الواسطة بعدُ، وبَيَّنَ أنَّه الفضل بن العباس، لأن عادةَ كثيرٍ من أهل العلمِ خصوصاًً أهلَ ذلك العصر هي الإرسالُ حتى يَعْرِضَ سَبَبٌ يُوجِبُ الإسنادَ. فمن ذلك أن يكون الراوي غيرَ شاكٍّ في صِحة ما عنده، لأنَّه لا يَعْرِفُ معارِضَاً، فحين يَعْرِفُ ما يُعَارِضُ روايتَه يقوى الدَّاعي إلى بيان مستنَدِه، وكذلك فعل الحَبْرُ عَبْد الله بنُ العباس ﵄ حين كان يُفتي أنَّه " لا رِبَا إلا في النَّسِيئَةٍ "، فلما أُخْبِرَ بتحريم الربا في الصَّرْفِ، قال: أخبرني بذلك أسامة بن زيد (٢).

стр. 494

ثم رجع إلى ما صحَّ لهُ عن غير أُسامة ممن روايتُه أخصُّ وأنصُّ في المعنى، أو متأخرةٌ في التاريخ، فقد يكونُ الرجوعُ على جهة اعتقادِ التخصيص، والبيانِ للمجملات، وقد يكون على جهة النسخ للمنصوصات، وليس يستلزِمُ كذب الراوي الأولِ على كُلِّ تقدير، روى قصة ابنِ عباس في ذلك -كما ذكرت- أحمدُ بن حنبل في مسند أسامة (١)، والنسائي في كتاب البيوع من " سننه " (٢)، وابن ماجة في التجارات (٣). رواه أحمد من طريق يحيى بن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه النسائي، وابن ماجه من طريق أخرى، ويحيى صدوق، وبقيتهم رجالُ الجماعة. واختلفت الروايةُ عنه كأبي هريرة، فقيل: عنه كما تقدم، وقيل: عنه: إنَّه قال: إِنما كان ذلك رأياً مني. رواه ابن ماجة، والصحيح الأول كما أن الصحيح في حديث أبي هريرة أن المخبر له بالحديثِ الفضلُ بنُ العباس كما يأتي، فلم يقُلْ أحدٌ من العقلاء: إنَّ ذلك الاختلافَ في حديث ابنِ عباس منسوبٌ إليه دونَ الرُّواة عنه، وإنَّه يُوجبُ تُهْمَتَه مع أن حديثَ ابنِ عباس موضع تُهمةٍ، لأنَّه في رخصة كبيرة، وحديثُ أبي هريرة أبعدُ من التهمة، لأنَّه في الاحتياط في حُرمةِ رمضان، ومصادمة أمراء الجَوْرِ بما يكرهون، فإن مروان قد كان اشتدَّ تَكَبُّرُهُ عليه، فلم يلتفت إليه حتَّى وضح له الحقُّ، وكفي بهذا دليلاً على ورعه وتقواه، ومخالفته لهواه في الابتداء والانتهاء، وقد خرج الحاكم في الفتن عن مالك بن ظالم أنَّه سمع أبا هريرة

стр. 495

يقول لمروان بن الحكم: أخبرني حِبِّي أبو القاسم الصَّادِقُ المصدوقُ ﷺ : " أن فَسَادَ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ سُفَهَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ " (١). وقال الحاكم على تشيعه: إنَّه حديثٌ صحيحٌ الإسناد، وخرجه أحمد في " المسند " بنحوه من طريق أبي زرعة، والضحاك بن قيس، كلاهما عن أبي هريرة من غير طريق الحاكم، فثبث ذلك بلا ريبٍ، وهذا أرفعُ مراتب التقوى أن يَصْدَعَ مروانَ بالحقِّ، ولا تَأْخُذَهُ في اللهِ لومةُ لائم، وفي الحديث " أفْضَل الجِهَادِ كلِمَةُ حَقِّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ " (٢). قال العلماء: لأنَّه لا يقدر يدفع عن نفسه كما يدافع المجاهدون، وهذا الحديث الثالث عشر بعدَ المئة من جامع ابن الجوزي، وفيه أن مروان سأله أن يحدثه عن رسول الله ﷺ ، فقال: سمعتُه ﷺ يقول: " ليتمنَّينَّ أقوام وَلُوا هذا الأمْرَ أنهم خرُّوا مِن الثُّريا، وإنهم لم يلو شيئاً " (٣).
следующие страницы →