يقول فيه: عن عائشة، وأمِّ سلمة معاً، ومنهم من يقول: عن عائشة وحدَها، ومنهم: عن أُمِّ سلمة وحدَها، ومنهم عن عائشة وحفصة معاً، ومنهم عن حفصة وحدَها، ومنهم عن أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن عائشة، ومنهم عن أبي بكر، عن عائشة، ومنهم عنه، عن أمِّ سلمة، ومنهم عنه عن أبيه عن أم سلمة، ومنهم عنه عن أبيه عن جده عنها، ذكره المزي في أطرافه في تراجمهم عن عائشة، عن أم سلمة، وذكر في ترجمة عبد الملك عن أم سلمة (١) أن فيه اختلافاً كثيراً على عراك. وأكثر ذلك أو كلُّه مبين في " سنن النسائي الكبرى " لا في الصغرى المسماة " بالمجتبى " فهذا اختلافهم واضطرابُهم في الإسناد.
وأما في المتنِ، فمنهم مَنْ ذكر قِصَّةَ أبي هُريرة، ومنهم من لم يذكرها.
ومنهم من جعل سببَ القِصَّة بلوغَ فتوى أبي هريرة إلى مروانَ، وحينئذ أرسل مروانُ عبدَ الرحمان إلى عائشة.
ومنهم من جعل السببَ بلوغَ الفتوى إلى عبد الرحمان، وأنه حينئذ سأل عائشة وأم سلمة من غير علم مِن مروان، ثم أخبر مروان.
ومنهم من قال: إنهم لقُوا أبا هريرة عند بابِ المسجد، فأخبروه بقولِ عائشةَ وأمِّ سلمةَ مِن غير قصدٍ.
ومنهم من قال: إنَّهم قصدوه لِيخبروه، وساروا بأمرِ مروانَ إلى
стр. 492
أرضِ أبي هُريرة إلى العقيق.
ومنهم من قال: إن عبدَ الرحمان كره ما أمر به مروان مِن إخبار أبي هريرة بذلك وكَرِهَ قصدَه لِذلك، ولم يمتثل أمرَ مروان في ذلك، وقال: ثم قُدِّرَ لنا أن نجتمع بِذِي الحُلَيْفَةِ، وكانت لأبي هريرة هناك أرضٌ، فأخبره عبد الرحمان بذلك.
ومنهم من قال عن أبي هُريرة: أنَّه قال: هما أعلمُ، يعني: عائشةَ وأمَّ سلمة، ورجع إلى قولهما.
ومنهم من قال عنه: إنَّه قال: هو أعلم، يعني: الفضل، وبقي على قوله، ونحو هذا من الاختلاف الشديد.
ومن جملة ما وقع في هذا الحديث من اختلافِ رواته اختلافُهُم في من أسند أبو هريرة الحديثَ الذي احتج به في فتواه إليه، فأما من يعرف الرجالَ والجرحَ والتعديل، ومقادير المختلفين في الحفظ، ويميزُ الروايةَ الشاذَّةَ مِن المشهورة، فإنه يُمْكِنُهُم تصحيحُ البعض من ذلك، وطرحُ البعض، والوقفُ في البعض، والحكمُ بالاضطراب في المستوى دونَ غيره.
وأما جَهَلُةُ هذا الشأن، فإنه يلْزَمُهُمُ الحُكْمُ ببُطلانه، وكذلك العارفُ الذي صحَّ عنه فيه شرطُ الاضطراب، وهو استواءُ المختلفين أو تقاربُهم في الحفظ والعدالة، وإليه أشار النسائي حيث لم يُخرجه في " المجتبى " وقد ذكر ابن الأثير في ترجمة النسائي من مقدمات " جامع الأصول " أنَّه اقتصر في " المجتبى " على الصحيح من " سننه الكبرى " (١)، وما ترك منها إلا
стр. 493
المُعَلَّ، فيكون هذا الحديثُ عنده من المُعَلِّ الذي لم يَصِحَّ لهذه العِلة، وهي شِدَةُ الاختلاف في سنده ومتنه.
فالعجَبُ ممن لا يعرِفُ الرِّجال، ولا هذا الشأنَ؛ كيف صَحَّحَ هذا الحديثَ تحكماً من غير معرفة، ونسب الاختلافَ إلى أبي هُريرة في إسنادِ الحديث إلى الفضلِ بن العباس، أو إلى أسامة بنِ زيد، ونسب سائرَ الاختلاف الذي في هذا الحديثِ إلى غير أبي هُريرة من الرُّواة، وأبو هريرة أعقلُ من أن يقولَ ذلك على كل تقدير؟! فإن الصادق يَثْبُتُ على صدقه، والكاذب يخاف التُّهمة من إكذابه لنفسه بتناقضِ رواياته، ولو كان هو المُتَلوِّنَ في ذلك، لذكره مروانُ، وعابه عليه، فقد كان مروانُ شديدَ الحرص على تقريع أبي هُريرة في ذلك، كما هو بَيِّنٌ في متن الحديث، فإنه اقسم على عبد الرحمان: لَيُقَرِّعَنَّ أبا هريرة بذلك (١).
الوجه الثالث: أن أبا هريرة إِنما روى الحديثَ الذي احتجَّ بهِ في الابتداء مرسلاً، ثم بينَ الواسطة بعدُ، وبَيَّنَ أنَّه الفضل بن العباس، لأن عادةَ كثيرٍ من أهل العلمِ خصوصاًً أهلَ ذلك العصر هي الإرسالُ حتى يَعْرِضَ سَبَبٌ يُوجِبُ الإسنادَ.
فمن ذلك أن يكون الراوي غيرَ شاكٍّ في صِحة ما عنده، لأنَّه لا يَعْرِفُ معارِضَاً، فحين يَعْرِفُ ما يُعَارِضُ روايتَه يقوى الدَّاعي إلى بيان مستنَدِه، وكذلك فعل الحَبْرُ عَبْد الله بنُ العباس ﵄ حين كان يُفتي أنَّه " لا رِبَا إلا في النَّسِيئَةٍ "، فلما أُخْبِرَ بتحريم الربا في الصَّرْفِ، قال: أخبرني بذلك أسامة بن زيد (٢).
стр. 494
ثم رجع إلى ما صحَّ لهُ عن غير أُسامة ممن روايتُه أخصُّ وأنصُّ في المعنى، أو متأخرةٌ في التاريخ، فقد يكونُ الرجوعُ على جهة اعتقادِ التخصيص، والبيانِ للمجملات، وقد يكون على جهة النسخ للمنصوصات، وليس يستلزِمُ كذب الراوي الأولِ على كُلِّ تقدير، روى قصة ابنِ عباس في ذلك -كما ذكرت- أحمدُ بن حنبل في مسند أسامة (١)، والنسائي في كتاب البيوع من " سننه " (٢)، وابن ماجة في التجارات (٣).
رواه أحمد من طريق يحيى بن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه النسائي، وابن ماجه من طريق أخرى، ويحيى صدوق، وبقيتهم رجالُ الجماعة.
واختلفت الروايةُ عنه كأبي هريرة، فقيل: عنه كما تقدم، وقيل:
عنه: إنَّه قال: إِنما كان ذلك رأياً مني. رواه ابن ماجة، والصحيح الأول كما أن الصحيح في حديث أبي هريرة أن المخبر له بالحديثِ الفضلُ بنُ العباس كما يأتي، فلم يقُلْ أحدٌ من العقلاء: إنَّ ذلك الاختلافَ في حديث ابنِ عباس منسوبٌ إليه دونَ الرُّواة عنه، وإنَّه يُوجبُ تُهْمَتَه مع أن حديثَ ابنِ عباس موضع تُهمةٍ، لأنَّه في رخصة كبيرة، وحديثُ أبي هريرة أبعدُ من التهمة، لأنَّه في الاحتياط في حُرمةِ رمضان، ومصادمة أمراء الجَوْرِ بما يكرهون، فإن مروان قد كان اشتدَّ تَكَبُّرُهُ عليه، فلم يلتفت إليه حتَّى وضح له الحقُّ، وكفي بهذا دليلاً على ورعه وتقواه، ومخالفته لهواه في الابتداء والانتهاء، وقد خرج الحاكم في الفتن عن مالك بن ظالم أنَّه سمع أبا هريرة
стр. 495
يقول لمروان بن الحكم: أخبرني حِبِّي أبو القاسم الصَّادِقُ المصدوقُ ﷺ : " أن فَسَادَ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ سُفَهَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ " (١).
وقال الحاكم على تشيعه: إنَّه حديثٌ صحيحٌ الإسناد، وخرجه أحمد في " المسند " بنحوه من طريق أبي زرعة، والضحاك بن قيس، كلاهما عن أبي هريرة من غير طريق الحاكم، فثبث ذلك بلا ريبٍ، وهذا أرفعُ مراتب التقوى أن يَصْدَعَ مروانَ بالحقِّ، ولا تَأْخُذَهُ في اللهِ لومةُ لائم، وفي الحديث " أفْضَل الجِهَادِ كلِمَةُ حَقِّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ " (٢).
قال العلماء: لأنَّه لا يقدر يدفع عن نفسه كما يدافع المجاهدون، وهذا الحديث الثالث عشر بعدَ المئة من جامع ابن الجوزي، وفيه أن مروان سأله أن يحدثه عن رسول الله ﷺ ، فقال: سمعتُه ﷺ يقول: " ليتمنَّينَّ أقوام وَلُوا هذا الأمْرَ أنهم خرُّوا مِن الثُّريا، وإنهم لم يلو شيئاً " (٣).
стр. 496
وفي البخاري ومسلم قال أبو زرعة: دخلتُ مع أبي هريرة في دارِ مروانَ، فرأى فيها تصاويرَ، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " قَالَ اللهُ تَعالى: وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهبَ يَخْلُقُ خَلْقاً كَخَلْقِي، فلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أو لْيخْلُقُوا شَعِيرَةً " زاد البخاري: ثُمَّ دَعَا بِثَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَهُ (١).
وخرج الحاكم (٢) قبلَ هذا عن معاوية بن صالح (٣)، عن صفوان بنِ عمروٍ أنَّه سَمِعَ أبا مريم مولى أبي هُريْرَةَ يقول: مَرَّ أبو هريرة بمروانَ وهو يبني دارَه، فقال للعُمَّال: ابنُوا شديداً، وأمِّلُوا بعيداً، وموتوا قريباً، فقال مروان: ماذا تقول لهم يا أبا هريرة؟ فقال: قلت: ابنوا شديداً، وأمِّلُوا بعيداً، وموتوا قريباً يا معشر قريش -ثَلاثَ مرات- كيْفَ. كُنْتُم أمْس، وكيف أصبحتُم اليوم تُخدَمُونَ، أرِقَّاؤُكم الْيَوْمَ فَارِسٌ والرُّوم، كُلُوا الخُبْزَ السَّمِيذ، واللَّحْم السَّمِينَ، لا يأكُلْ بعضُكُم بعضاً، ولا تَكَادَمُوا (٤) تَكَادُمَ البَراذين، وكونُوا اليومَ صِغَاراً، تكونوا غداً كباراً، واللهِ لا يَرْتَفِعُ منكم رجلٌ درجةٌ إلا وَضَعَهُ الله يومَ القيامة.
стр. 497
فهذان وأمثالهُما مِن رواية ثقات الشيعة، وما تقدَّم من رواية ثقات أهلِ الحديث يدل على اتفاق ثقاتِ النَّقَلَة من الفريقين على نقل ما يَدُلُّ على ثقة أبي هُريرة، وجلالتِه، فقد صحَّ بالنَّقْلِ والعقْلِ أن كلمةَ الحقِّ عند سلاطين الجَوْرِ أفضلُ الجهاد، فاعْرِفْ ذلك.
الوجه الرابع: أن الاختلافَ في ذلك إنما هو على أبي بكر بن عبد الرحمان شيخِ سُميٍّ والزُّهريِّ في الحديث كما يَعْرِفُ ذلك أهلُ هذا الشأنِ، لا على أبي هُريرة، وقد غَلِطَ مَنْ نسبه إليه غلطاً فاحشاً، وذلك مِن عَدَمِ البصرِ بعلم الأثرِ، وَمَنْ عَرَفَ صنعتَهم في جَمْعِ الطُّرُقِ لأجل معرفة مَنْ وقع منه الاختلافُ مِن الرُّواة، لم يَشُكَّ في ذلك، كما بيَّنه النسائيُّ في " سننه الكبرى " في هذا الحديثِ بخصوصه، وفي " سننه الصغرى " في غالب الأحاديث المختَلفِ فيها.
بيان ذلك أنَّ مدارَ الحديث على عبدِ الرحمان بن الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومي وعلى ولده أبي بكر، والرواية الصحيحة المشهورة فيه أن أبا هريرة أحالَ بذلك على الفضل بنِ العباس كذلك رواه البخاري في كتاب الصوم عن سُمَيٍّ والزهري معاً عن أبي بكر بن عبد الرحمان، وكذلك رواه مسلم فيه أيضاً عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمان أنه الفضل فهؤلاء ثلاثة نبلاء ثقاتٌ اتفق الجماعةُ على الاحتجاج بهم، قالُوا: كُلُّهُمْ عن أبي بكر أنَّه قال: إِنه الفضلُ، وُيقوي ذلك أنَّ النسائي روى ذلك مِن طريق أخرى ليس فيها اختلافٌ ولا اضطرابٌ، وهي طريقُ محمد بن عمرو، عن يحيى بنِ عبد الرحمان بن حاطب، وهو ثقةٌ رفيعُ القدر، وهذه غيرُ طريق أبي بكر ووالده عبدِ الرحمان، فصارت أربعَ طرقٍ مجتمعةً متعاضدةً على أن الواسِطَةَ الفضلُ بن العباس، وأما أسامةُ بن زيد، فلم يذكره أحدٌ قط إلا عمرُ بنُ أبي بكر بن عبد الرحمان، عن أبيه أبي بكر
стр. 498
الذي صح عن ثلاثة عنه أنَّه الفضلُ، وبهذا يُعرف وهمُه، فافهم ذلك، وعمر هذا لا يُوازِنُ واحداً من الثلاثة الذين خالفوه عن أبيه، منهم أخوه عبدُ الملك، وكفى به وحدَه معارضاً له راجحاً عليه، فإنه متفق على الاحتجاج به في جميع دواوين الإسلام الستة المشهورة مثل صاحبيه الموافقين له في ذلك عن أبيه أبي بكر بن عبد الرحمان مع شهادة رواية النسائي من الطريق الرابعة عن أبي هريرة، وعُمَرُ هذا ما خرج له أحدٌ من أهل الصحيح، بل ولا مِن أهل السُّنن إلا النسائي وحدَه، وإنما خَرَّجَ له، لأنَّه قصد الاستقصاء لجميعِ طُرُقِ هذا الحديث، فجمع منها ما لم يجمعه سواه، كما أوضحه المِزِّي في " أطرافه " (١) حتى رواه عن تسعةٍ وعشرين راوياً، ومنهم مَنْ له فيه طريقانِ، ومنهم من له فيه أكثرُ من ذلِكَ من الطرق، فجاء ذكرُ أسامة في طريق واحدةٍ من هذه الطرق الخمسة، ولم يذكره إلا النَّسائي، فجاء من لا يَعْرِفُ الحديثَ، وكيفية الترجيحِ، والطريق إليه، فظنَّ أن ذِكْرَ أُسامة في الحديث مثل ذكر الفضل سواء، وليس كذلك، فإن ذكر أُسامة في غايةِ الشُّذُوذِ، وذلك مثلُ ما جاء في طرق النسائي هذه أن الحديث عن حفصة وحدَها، أو أنَّه عنها وعن عائشة دُونَ أمِّ سلمة، وهذا شذوذٌ مردود، وإنما الحديثُ عن عائشة وأم سلمة، لم تُذْكرْ حفصةُ إلا في طريق واحدة من هذه الطرق التي استقصاها، وتفرَّد بها النسائي، ولعل سَبَبَ الوَهْمِ في ذكر أسامة مع شذوذه أن الواهِمَ فيه انتقل ذِهنُه إلى قصة ابن عباس في فتواه أنه: " لا ربا إلا في النسيئة "، وأنه لما أُخْبِرَ في ذلك بالنص المخالف لفتواه، وأحال في فتواه إلى أسامة بن زيد، لأنَّ بَيْنَ القِصتين مشابهةً والله أعلم.
стр. 499
وأما مَنْ روى عن أبي بكر بنِ عبدِ الرحمان أن أبا هُريرة قال: أخبرنيه مخبرٌ، فليس يُناقِضُ أن ذلك المخبر هو الفضلُ، وإنما كان هذا الإجمالُ اختصاراً من مالك، لأن الإختلاف في هذه اللفظة إنما جاء عن مالك عن سُمَيٍّ، والدليلُ على أنَّه اختصار من مالك أن البخاري رواه عن عبدِ اللهِ بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن سُمَيٍّ يذكرُ الفضلَ باسمه، فدلَّ عَلى أن سُميّاً رواه كذلك، وأنَّ مالكاً في " الموطأ " أحبَّ الإجمال فيه، أو عَرَضَ له نسيان بعدَ الحفظ أنَّه سمع برواية عمر بن أبي بكر التي فيها ذكر أسامة، فأحبَّ الاحتياطَ بترك تسمية الواسِطَةِ، وبكل حالٍ فالإِجمال لا يُناقِضُ التعيينَ والنسيانَ، واختلافُ الأخبار في التسمية وتركُها جائزٌ على العلماء والثقات.
وفي الحديث ما يدُلُّ على إجلال أبي بكر بن عبد الرحمان لأبي هريرة، وكراهيةِ مواجهته بذلك، وعدم المسارعة إلى ما أمره به مروان في ذلك، ولو كان أبو هريرة عندَهم كاذباً متعمداً، لاستحقَّ الإهانةَ العظمى، بل القتل عند بعضِ أهلِ العلم، فقد كَفَّرَ بعضُ العلماء مُتَعَمِّدَ الكذبِ في الدين والتغيير للشريعة، وإن لم يكن مستحلاًّ لذلك، ومن حجته قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] خرج من ذلك الكذبُ على غير الله ورسوله.
وقوله ﵇: " إنَّ كذِبَاً عليَّ لَيْسَ ككَذِبٍ على غيري، إنَّه مَنْ كذبَ عليَّ ولَجَ النَّارَ " (١)، وبقي الكاذبُ على اللهِ ورسوله لم يَخْرُجْ بحُجَّةٍ
стр. 500
واضحةٍ، وممن قال بذلك إمامُ الحرمين أبو المعالي الجويني والأمير الحسين.
ثم إنَّ الوجه في حديث أبي هُريرة عنِ الفضل أن ذلك كان كذلك في ابتداء فرضِ رمضان، ثم نُسِخَ، ولم يَشْعُرِ الفضلُ، ولا أبو هريرة بالنَّسْخِ حتى بلغ إلى أبي هُريرة. ذكر ذلك ابنُ المنذِرِ مبسوطاًً، ثم الحافظُ ابنُ حَجَر في كتابه " التلخيص الحبير " (١) قالا: لأنَّ الصومَ كان واجباً مِن بعدِ العشاء الآخرة من الجماعِ والطعامِ والشرابِ، حتَّى شقَّ ذلك على المسلمين، ووقع منهم مَنْ وَقَع في الحرام، ونزل في ذلك قولُه تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ كما هو مبسوطٌ في كتب الحديثِ والتفسير، فنُسِخَ ذلك وتوابعُه، ولم يعلم أبو هريوة وغيرُه بالنسخ في حُكْم الجنابَةِ، كما لم يَعْلم به الفضلُ بنُ العباس، وَمَن تمسك بحديثه من علماءِ الإسلام، وكُبراء التابعين. فقد ذكر ابنُ عبد البَرِّ في " تمهيده " الذي هُو أحدُ كتب الإِسلام بقاءَ الخلاف في ذلك، ورواه عن إبراهيمَ النَّخَعي، وعُروةَ بن الزبير، وطاووسٍ اليماني، والحسنِ البصري، وسالمِ بن عبد الله بن عُمَرَ بنِ الخطاب، والحسنِ بنِ حَيٍّ. لكن إبراهيمُ النخعيُّ، وعُروَةُ، وطاووس شرطُوا في بُطلان الصومِ أن يَعْلَم بجنابته من الليل، فلا يغتسل حتى يُصْبحَ، ثُمَّ هو مفطر، وسالم، والحسنُ البصريُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ، قالوا: إذا أصبح جُنباً أتمَّ صومه، ثم قضاه.
стр. 501
وذهب عبدُ الملك بن الماجَشون مِن أصحاب مالك إلى هذا المذهب في الحائض أيضاًً.
وكأنَّ هؤلاء لم يبلُغْهم الحديث، أو بلَغَهم، ولم يَصِحَّ لهم، أو صحَّ لهم، فاعْتَقَدوا فيه أنَّه في غيرِ رمضانَ جمعاً بينَه وبينَ حديثِ الفَضْل، فقد قال أبو داود في " سننه ": إنما الحديثُ أنَّه كان يُصبح جُنُباً ثم يصوم، وقال: ما أقلَّ مَنْ يقولُ في الحديث: إنَّه كان يصبح جُنُباً في رمضان (١).
قلت: اختُلِفَ في ذكر رمضانَ في الحديث على مالكٍ، فروى عنه الأذْرَميُّ ذكرَ رمضانَ في الحديث، ولم يروه الأكثرون وربما تقوَّوا على الجمع بينَ الحديثين بما عُلِمَ من قيام رسول الله ﷺ لِرَمَضَانَ، وحثِّه عليه، لكن جمعهم بذلك بينَ الحديثينِ مردودٌ بأنَّ فِعْلَ ذلك في رمضان كان هو السَّبَبَ في سؤالِ عبد الرحمانِ بن الحارث لعائشة، وأمِّ سلمة، فلا يجوزُ خروجُه عن عموم الجواب، لأن العمومَ نص في سننه كما ذلك مبينٌ في الأصول، وإِلَّا لكان الجوابُ أجنبيّاً عن السؤال.
وقد دل على ذلك كتابُ الله تعالى لمن تأمل لِقوله تعالى: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فأباح الجميعَ مِن الجماع والأكلِ والشُّربِ حتى يتبيَّن الفجر، وإذا أبيح الجماعُ حتَّى يتبينَ الفجرُ، فمعلومٌ
стр. 502
أن الغُسل لا يكونُ إلاَّ بعدَه، ولكن هذا على القولِ برجوع القيدِ ونحوه بعدَ الجُمَلِ الكثيرةِ إلى جميعها، وهو اختيارُ الشافعية (١)، وأما على قول الحنفية: إن القيدَ ونحوَه يرجعُ إلى الجملة الأخيرة فقط حتى يَدُلَّ دليلٌ على غيرِ ذلك، فيكون قولُه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ راجعاً (٢) إلى الأكل والشُّربِ فقط لولا حديثُ عائشة، وأُمِّ سلمة.
وأما تقويهم (٣) بما عُلِمَ مِنْ قيام رسولِ الله ﷺ في رمضان، وحثِّه على ذلك، فلم يكن معناه قيامَ الليل كُلِّه، إنما معناه القيامُ فيه، وقد روى النسائيُّ، وابنُ ماجة ثلاثَ طرق، كُلُّها عن سعيدِ بن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن زُرارة بن أوْفى، عن سَعْدِ بن هشام، عن عائشةَ أنها قالت: ما قامَ رسولُ الله ﷺ ليلةً حتى الصَّباحِ، ولا قرأ القُرآنَ كُلَّه في ليلةٍ (٤). وكُلُّ هؤلاء الرُّواة رجالُ الجماعة كلهم.
وفي " الصحيحين " (٥) عن أبي سلمة أنَّه سأل عائشة كيف كانت صلاةُ رسولِ الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان رسولُ الله ﷺ يزيدُ في رمضانَ
стр. 503
ولا في غيرِه على إحدى عشرة ركعةً يُصلِّي أربعاً، فلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهنَّ، ثم يُصَلِّي أربعاً، فلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولهِنَّ، ثُم يُصَلِّي ثلاثاً.
وفي رواية في " الصحيحين " عنها: فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذلك قَدْرَ ما يقْرَأُ أَحَدُكُم خَمْسِينَ آيَةً.
وفيهما وفي " السنن " عنها: كان إذا دخل العَشْر الآواخِرُ، أَحيا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشدَّ المِئْزَرَ (١).
فقولها: " وَشَدَّ المِئزَرَ " كناية عن اجتنابِ النساء، ذكره غيرُ واحد، فدلَّ على اختصاص تركه للنساء بالعشرِ الأواخِرِ.
وقد جاء مِن حديث عائشة أيضاً ما يَدُلُّ على أنَّه إنما كان يفعل ذلك في آخِرِ اللَّيْلِ بعدَ فراغِهِ من عادته في القيامِ، فروى مسلم والنَّسائي مِن حديثِ زُهير بنِ معاوية، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن الأسودِ، عن عائشة ﵂ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كان ينامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وُيحيي آخِرَه، ثم إنْ كانَ لَهُ حاجَةٌ مِن أهْلِهِ، قَضَى حَاجَتَه، ثم يَنَامُ، فإذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الأوَّلِ، وَثَبَ (٢).
فبان بهذا أن قيامَه ﷺ لِرمضان لم يكن يمنعُه ذلك، ولا يُنافيه، كما أنه لا يمنعُه مِن الأكل والشربِ، وقضاءِ الحاجة، وأن القيامَ الذي كان يَتْرُكُ ذلكَ معه كان يختصُّ بالعشرِ الآواخِرِ.
стр. 504
فَوَضحَتِ الحُجَّةُ في وجوبِ متابعة السُّنَّةِ التي جاءت مِن طريقِ عائشة، وأُمُّ سَلَمة، ووضحت الطريقُ إلى حمل أبي هُريرة ﵁ على أحسنِ المحامِل، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
الفائدة الثانية: قد ذَكرَ بَعْضُ أهلِ العلم أن أبا هريرة في المتأوِّلين من الصحابة على قولِ الشِّيعة والمعتزلة، كُلِّهم لأجل ولايته المدينةَ في بعض أيَّامِ معاوية.
والذي عندي أن ذلِكَ لا يقْدَحُ على قولِ الجميع في روايته، ولا في دِيانته، أما أنَّه لا يقْدَح في روايته، فلأنَّ الرجلَ كان متديِّناً متحرِّياً لا يتعمَّدُ ارتكابَ الحرام، وأقصى ما في الباب أنَّه عصى متأوِّلاً، فذلك لا يَقْدَحُ في الرواية، ولا في الاجتهاد على ما يأتي بيانُه في موضِعه إن شاء الله تعالى، وأما أن ذلك لا يقْدَح في دِيانته وولايته فلوجوه:
أولها: أن المؤيَّدَ بالله ﵇ قد ذهب إلى جوازِ أخذِ الوِلاية في القضاء من أئمة الجَوْرِ، نص عليه في " الزيادات " (١)، وهو الجديدُ من قوليه المعمول عليه، وقد احتج على ذلك في " الزيادات " وأطال، وفي " الجامع الكافي " (٢) في مذهب الزيدية، عن محمد بن منصور. عن أحمدَ بنِ عيسى: أنَّ الفِسْقَ يُزِيْلُ عن أئمة الجور إمامة الهُدى، ويبقى العَقْدُ الذي يثبُتُ به مِن أحكامهم ما وافق الحقَّ إلى وقتِ ما يتنحَّى قال: لو أن رجلاً لم يُبايَعْ له، ولم يُعْقدْ له، أقام الحدَّ، فمات المحدودُ كان ضامناً، والجائرُ الذي زالت عنه إمامةُ الهُدى إذا فعل مثلَ هذا لم يَضْمَنْ، فلا يتبع
стр. 505
بشيء. انتهى.
وقد قرَّره محمدُ بنُ منصورٍ، ولم يُورِدْ عن أحدٍ من أهل البيتِ خلافَه مثل عادتِه إذا اختلفوا، وكذلك مصنف " الجامع الكافي " السيدُ الإمام الحسيني لم يذكر خلافاً بينَ الصدر الأول في ذلك، وذلك هو المشهورُ عن كثير من أئمة الإسلام من الفقهاء الذين هُمْ أئمةُ المعتزلة في الفروع، وقد ثبت أنَّ يوسفَ ﵇ تولَّى لعزيز مِصْرَ، وثبت أن شرعَ من قبلنا حُجَّةٌ في دينِنَا إذا حكاه اللهُ في كتابنا (١)، وفي " الصحيح " أنَّه ﵇ احتج في القِصَاصِ بقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٢) وليس هي في كتاب الله إلاَّ حكايةً عن شرعِ منْ قبلَنَا، واحتجَّ بقولِه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣) وهي في خِطابِ موسى ﵇. فإذا ثبت ذلكَ، فمن
стр. 506
الجائزِ أن يتولَّى أبو هُريرة على القضاءِ، والمصالحِ من الأمرِ بالمعروف، والنَّهْي عن المنكر، وافتقادِ أمر العامة، فلم ينقل بطريقٍ متواترةٍ ولا آحادية أنه فَعَلَ سائِرَ المحرمات في تلك الوِلاية.
يُوضحه إن ولايته إنما كانت بعد صُلْحِ الحسن ﵇، أو أن ذلك يُمْكِنُ، وقد روي عن أبي الدرْداء مثل ذلك (١) على إحدى الروايتين في تاريخ وفاته (٢) مع الاتِّفاقِ على جلالة أبي الدرداء ﵁.
وقد تولَّى أكابرُ الصحابةِ المجمعُ على جلالتِهم في أيَّامِ أبي بكرٍ، وعُمُرَ، وعثمانَ ﵃، مثلُ سَلمانَ الفارِسي رأسِ الزهاد، وراهب الإسلام ﵁، ومن لا يُحصى كثرةً، ولا فَرْقَ على أصولِ الشيعة بيْنَ الولاية على القضاء، وأمورِ الدين في زمانهم وزمانِ معاوية، وإنما يفترقُ الحالُ عندهم في مَنْ حَارَبَ عليّاً ﵇، واجترأ على اللهِ في سَفْكِ الدَّم الحَرامِ.
وأما الوِلايةُ على نفس القضاءِ بالحقِّ، والنَّظَر في المصالحِ مع التنزُّهِ من المعاونة على المعاصي، وكراهتِها، وكراهةِ أهلها، فلا فَرْقَ في ذلك بين زمان وزمان، إذا لم تكن الوِلايةُ مأخوذةً عمن له الولاية، ويمكن أن هذه الوِلاية المأخوذة ممن لا وِلايَة له، إنما هِيَ وِلاية لغوية لا شرعية، ومعناها
стр. 507
أخذ إذنٍ مِن صاحب المملكةِ على القيامِ بعملٍ مِنْ أعمالِ البِرِّ والسعي في أمرٍ مِن أمور الخَيْرِ، وقد تختلِفُ أنظارُ الصالحين، ومقاصِدُ العلماء، وأهل الدين في مثل هذه الأمورِ، وسيأتي لهذا مَزِيدُ بيانٍ في موضع هو أخصُّ به إن شاءَ اللهُ تعالى.
وثانيها: أن يكونَ أخذ الولاية على ذلك مِن الحسن بنِ علي ﵉، فقد كان ﵇ في ذلك الوقت مقيماً في المدينة، ولم يكن أبو هريرة ﵁ يَجْهَلُ مكانَ الحسنِ ﵇، ولا يَعْزُبُ عنه ما يجب له من المحبة والحقوق. وكان الحسنُ ﵇ معروفاً بشدة الشفقة على المسلمين والرفقِ بهم، ولم يكن لِيَتْرُكَ أبا هريرة مستمرّاً على فعلٍ محرم في جواره إن وَجَدَ إلى هِدايته سبيلاً، فمع حِرْص الحسن وأبي هريرة على الخير، ومجاورتِهما كيفَ يُسْتَبْعَدُ أن يكونا قد خاضا في ذلك وعملا فيه وجهاً حسناً، ومحملاً صالحاً، وإن ثبت أنَّه تولَّى شيئاً من ذلك في عصر أمير المؤمنين علي ﵇ أمكنَ مِثْلُ ذلك، والحملُ على السَّلامَةِ متى أمكن، وجبَ لتحريم العملِ على ظنِّ السُّوءِ (١) بالمسلمين، ووجوب المدافعة له.
فإن قلتَ: هذا خِلافُ الظَّاهِرِ.
قلتُ: ليْسَ لِلأفعالِ ظاهرٌ، وإنما يكونُ الظهورُ في الأقوال، مثاله لو رُوي عن أبي هُرَيْرَةَ أنه قال: إني لم آخُذْ ولايةً من الحسن ﵇، ثم قلنا بعد ذلك: إن مِن الجائز أن يكونَ أخذ منه ولاية، وذكر ذلك تقيةً، فإن كلامَنَا حينئذٍ يكون خلافاً لِظاهر قوله.
стр. 508
وثالثُها: أنَّ مجرد الولاية إما أن تكون ظنيةً أو قطعية ، إن كانت ظنيةً، فله أن يعملَ فيها بمذهبه، أو بمذهب صحابي مجتهدٍ غيره، ولا اعتراضَ عليه في ذلك، وإن كانت قطعيَّةً فلا شكَّ أنها مما لا يُعْلَمُ كِبْرُهُ، ويكون حكمُ مَنْ فعلها مستحلاًّ متأوِّلاً حكمَ المعتزلة عند الزيدية، وحكمَ غيرهم من العلماء المخالفين في نحو هذا مما لا يقطع الوِلاية، ولا قائل بقدحه في الرواية.
ورابعها: أنَّه قد نُقِلَ عن ابنِ عباس، وعقيل بن أبي طالب ﵄ ما هو قريبٌ من ذلك مما هو معروف في كتبِ التاريخ، ولم يُنْقلْ عن أحدٍ أنُّه تكلم فيهما إلاُّ بما هما أهلُه من التعظيم، والتَّرَحُّمِ، والترضية. والوجهُ عندي في ذلك ما قدمتُه من أن تلك إما مسائلُ ظنية، فكل مجتهد فيها مصيب، أو لها محامِلُ حسنة، لم نعلمْها، أو قطيعةٌ فليست من الكبائر المعلومة التي تنقطِعُ الولاية بارتكابها والله أعلم.
والسيد -أيَّده الله- لم يتعرضْ للكلام في رواية أبي هُريرة، ولا في ولايته ﵁، ولكن أحببتُ ذكر ذلك خوفاً من الاعتراضِ به، ومحبةً للتقرب إلى الله تعالى، وإلى رسوله ﷺ بذكر هذا الصاحبِ، ونُصرته والقيام بحقه، جعلنا الله تعالى مِن الذين مدحهم في كتابه الكريم بقولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
قال: قال -يعني: الغَزَالي-: وتردَّدَ الشافعي في كون الحسنِ البصري مجتهداً، وزعم الغزاليُّ أن أبا حنيفة لم يكن مجتهداً، قال: لِقصوره في اللغة والحديثٍ، أما اللغةُ، فلِقوله: بأبا قُبَيسٍ (١)، وأما الحديثُ، فلأنَّه
стр. 509
كان يروي عن المُضَعَّفِينَ، وما ذاك إلاَّ لِقلةِ علمه بالحديث.
أقول: قد شَرَعَ السيدُ -أيَّده الله- يُشَكِّكُ في علم هذين الإمامينِ الكبيرين، والعَلَمَيْنِ الشَّهيرين ﵄، وقد استروح السيدُ -أيَّده الله- إلى إسناد ذلك إلى الغزالي، وليس له في ذلك نَفَسٌ، لأنَّه أورده محتجَّاً به، مقرراً له، ولو كان عنده باطلاً، لم يَحْسُنْ منه الاحتجاج بما يعلم أنه باطل، ولوجبَ عليه أن يُشِمَّنَا رائحةَ الاستنكار لذلِك.
والجواب عليهِ -أيَّده الله- أن نقول: لا يخلُو إمَّا أن يُنكر السيدُ صدورَ الفتوى عنهما ﵄، وينْكِرَ نقلَ الخلف والسلف لمذاهبهما في الفقه وخلافهما في العلم (١)، أو يُقرَّ بذلِكَ. إن أنكره، أنكر الضرورةَ، ولم يكن لمكالمته في ذلك صورة، وإن لم يُنكره، فهو يَدُلُّ على اجتهادِهما.
ولنا في الاستدلال به على ذلك مسالك:
المسلك الأول: أنَّه ثبت بالتواتُرِ فضلُهما وورعُهما وعدالتُهما وأمانتُهما، ولو أفتيا بغيرِ علم وتأهَّلا لذلك، وَلَيْسا لهُ بأهلٍ، لكان جرحاً في عدالتهما، وقدحاً في دِيانتهما، ووصماً في عقلهما ومُروءتهما، لأن تعاطيَ الإنسان لما لا يُحْسِنُه، ودعواه لما لا يعلمه مِن عادات السُّفهاء، ومَنْ لا حياءَ له، ولا مُروءةَ مِن أهل الخِسَّة والدَّناءة، ووجوه مناقبهما مصونةٌ عن ابتذالِها، وتسويدِها بهذه الوَصْمة الشنيعة.
стр. 510
المسلك الثاني: أنَّ رواية العُلماءِ لمذاهبهما وتدوينَها في كُتُبِ الهداية، وخزائنِ الإِسلام إلى يومنا هذا يَدُلُّ على أنهم قد عرَفُوا اجتهادَهُما، لأنَّه لا يَحِلُّ لهم روايةُ مذاهبهما إلاَّ بعدَ المعرفة لعلمهما (١)، لأن إيهامَ ذلك مِن غير معرفة محرم، لما يتركَّب (٢) عليه من الأحكام الشرعية المجمع عليها كانخرامِ الإجماعِ بخلافهما، والمختَلَفِ فيها، كجواز تقليدهما بعدَ موتهما.
المسلك الثالث: أن نقول: الإجماع منعقدٌ على اجتهادهما ، فإن خالف في ذلك مخالف، فقد انعقد الإجماعُ بعدَ موته على ذلك، وإنما قلنا به، لأن أقوالَهما متداوَلَة بين العلماء الأعلام، سائرةٌ في مملكة الإسلام من الشرق والغرب واليمن والشام من عصر التابعين مِن سنة خمسين ومئة إلى يومِ الناس هذا، لا يُنْكَرُ على مَنْ يرويها، ولا على من يعتمِدُها، فالمسلمون بينَ عامل عليها، وساكتٍ عن الإنكار على مَنْ يَعْمَلُ عليها، وهذه الطريقة هي أكبرُ ما يثبتُ به الإجماع.
المسلك الرابع: أنا قد قدمنا نصوصَ كثيرٍ من الأئمة العلماء على أن أحد الطرق الدالة على اجتهادِ العالم هي (٣) انتصابُه للفتيا، ورجوعُ المسلمين إِليه مِن غير نكيرٍ من العلماء والفُضلاء، نصَّ على ذلك المنصورُ بالله في " الصفوة " وغيره من علماء العِترة، والشيخُ أبو الحسين في " المعتمد " (٤)، وغيره من الشيوخ، وهذا في سكوت سائرِ العلماء عن النَّكير على المفتي، فكيف بسكوتِ رُكْن الإسلام، وعصابةٍ الإيمان من نُبلاء
стр. 511
التابعين، وسادات المسلمين الذين هُمْ مِن خير القرون بنصِّ سيدِ المرسلين فقد كانا ﵄ معاصِريْنِ لذلك الطراز الأولِ كما ستأتي الإشارةُ إليه إن شاء الله تعالى.
فالعجب كُلُّه من ترجيح السَّيِّدِ لِكلام الغزّالي على غيرِه من علماء العدلِ والتوحيد، بل على ما انطبق عليه إجماعُ المسلمين، ومضى عليه عملُ المؤمنين، وقد قدح السَّيِّدُ في رواية المبتدعة، وكفَّرَ الغزّالي، ونسبه إلى تعمد الكفر، وحرم الروايةَ عنه، وعن أمثالِه، فلما بلغ إلى هذا الموضع، أنساه حُبُّ التعسيرِ للاجتهاد قواعدَه المقررة، وأدلتَه المحررة، فاحتج بكلام من ليس عنده بحجةٍ على ستْرِ ما هو أظهرُ من الشمس مِن علم الحسن، وأبي حنيفة.
وأبو حنيفة هو الإمام الأعظم الذي طَبَّقَ مذهَبُهُ (١) أكثرَ العالم، وفي كلام الزَّمَخْشَرِيّ ﵀: وَتَّدَ اللهُ الأرضَ بالأعلامِ المُنيفة، كما وَطَّدَ الحنيفية بعلومِ أبي حنيفة. وفي كلامه ﵁: الجِلَّةُ الحنفية أزِمَّةُ (٢) الملةِ الحنيفية، الجودُ والحِلم حاتمي، أَحْنَفِيّ (٣)، والدين والعلم حنيفي وحَنَفِي.
стр. 512
وقد عقد الحاكم (١) ﵀ فصلاً في فضل أبي حنيفة وعلمِه، وذكر أنَّه حاز ثلاثةَ أرباع العلم، وشارك الناسَ في الرُّبْعِ الآخر، فينبغي من السَّيِّد -أيده الله- مطالعة كتب الرجال، والنظر في تراجم هذين البحرين الزاخرين والإمامين الكبيريِن، فقد أودع العُلَمَاءُ في كتب الرِّجال من مناقبهما ما يشفي العليلَ، وَيرْوِي الغليلَ، بل قد صنف أئمةُ هذا العلمِ كتباً مستقِلَّة مفردة لتعريف فضائلهما، وذكرِ سَعة علومهما، وسائرِ ما فيهما (٢) مثل كتاب " شقائِقِ النعمان في مناقب النُّعمان " (٣) وكتاب " الزخرف القصري في مناقب الحسن البصري " (٤).
ولو كان الإمام أبو حنيفة جاهلاً، ومن حِلْيةِ العلم عاطلاً، ما تطابقت جِبَالُ العلم من الحنفية، وشيوخِ الاعتزال كأبي عليٍّ، وأبي هاشمٍ، ومَن في طبقتهما مِن الأكابر، والقاضي أبي يوسُف، ومحمد بن الحسن الشَّيْباني، والطحاويِّ، وأبي الحسن الكَرْخيِّ، وأبي الحُسين البَصْري والعلامة الزَّمخْشَري وأمثالِهم وأضعافِهم على الاشتغال بمذهبه، والاعتزاءِ (٥) إليه، وعدمِ الإنكار على منْ أفتى أو حكم به، فعلماءُ الطائفة الحنفية في الهند، والشَّامِ، ومِصْر، والعِرَاقيْنِ، واليمن، والجزيرة،
стр. 513
والحرمَيْنِ منذ مئةٍ وخمسين مِن الهجرة إلى هذا التاريخِ يزيد على سِتِّ مئة سنة فيهم ألوفٌ لا ينحصِرُون، وعوالم لا يُعَدُّون (١) من أهل العلم والفتوى والورع والتقوى، فكيف نستقرِبُ أنهم تطابَقُوا على الاستناد إلى عامي جاهل لا يعرِفُ أن الباء تجر ما بعدَها، ولا يدري ما يَخْرُجُ من رأسه من حديثِ رسول الله ﷺ ؟!
وأما ما قُدِحَ به على الإمام أبي حنيفة مِن عدم العِلْمِ بالعربية، فلا شَكَّ أن هذا كلامُ متحاملٍ متنكِّب عن وجوهِ المحامل، وقد كان الإمامُ أبو حنيفة ﵀ مِن أهلِ اللسان القويمة، واللغة الفَصيحة، فقد أدركَ زمانَ العرب، وعاصرَ جريراً، والفَرَزْدَق، ورأى أنسَ بن مالك خادمَ رسول الله ﷺ مرتين (٢)، وقد تُوفِّي أنسٌ ﵁ سنةَ ثلاثٍ وتسعين من الهِجرة، والظاهر أن أبا حنيفة ما رآه في المهد، وإنما رآه بعدَ التمييز، يَدُلُّ عليه أن أبا حنيفة كان مِن المعمَّرِينَ، وتأخرت وفاتُه إلى خمسين ومئة، والظاهر أنه جاوزَ التسعين في العمر والله أعلم. ذكره أبو طالب ﵇ في كتاب " الأمالي "، وهذا يقتضي أنَّه بلغ الحلْمَ، وأدرك بعدَ موتِ النبي ﷺ بقدر الثمانين سنة، لأنَّه ﵇ مات وقد مضى عشر من الهجرة، فهذا يدُلُّ على تقدم أبي حنيفة، وإدراكه زمانَ العرب، وهو أقدمُ الأئمة وأكبرهُم سنّاً، فهذا مالك على تقدُّمه توفي بعدَه بنحو ثلاثين سنة. ولا شكَّ أن تغير اللسانِ في ذلك الزمانِ كان يسيراً، وأنه لم يشتغِلْ ذلك الزمانَ بعلم الأدبِ أحدٌ من
стр. 514
أفاضِلِ المسلمين كما حقَّقَ ذلك أبو السعادات ابنُ الأثير في ديباجة كتاب " النهاية " وكما لا يَخْفي ذلك على من له أُنْس بِعِلْمِ التاريخ. فلو أوجبنا قِرَاءةَ العربيةِ على أبي حنيفة، لزم أن لا يُحْتَجَّ بشعر جريرٍ والفَرَزْدق، ولا شكَّ أن العناية بالعربية كانت قليلةً في ذلك الزمانِ مِن علماء التابعين، وإنما اشتدت عنايةُ أهلِ العلم به بعدَ ظهور الاختلالِ الكثير، وقد قال الأمير الحسين بن محمد ﵁ بأغربَ من هذا، قال: إن الهادي يحيى بن الحسين ﵇ عربيٌّ اللسان، حجازيُّ اللهجةِ من غيرِ قراءة، مع أنَّه ﵇ توفي قريباً مِن رأس ثلاث مئة، فأما سنة ثمانين من الهجرة، فليس أحد من أهل المعرفة والتمييز يعتقِدُ أن أحداً من التابعين في ذلك الزمان قرأ كتاباً في النحو، ولا وَقفَ بينَ يدي شيخ كعلقَمة بنِ قَيْس، وأبي مسلم الخَوْلاني، ومسروقٍ، والأجْدعِ، وجُبيرِ بن نُفَيْرٍ، وكَعْب الأحبار ولا مَنْ بَعْدَ هؤلاء من التابعين كالحسنِ، وأبي الشَّعْثَاءِ، وزينِ العابدين، وإبراهيم التَّيْمي، والنَّخعي، وسعيدِ بنِ جبير، وطاووس وعطاء، ومجاهد، والشعبي، وأضرابِهم، فما خُصَّ أبو حنيفة بوجوب تعلُّم العربية، وفي أيِّ المصنفات يقرأ في ذلك الزمان.
وأما قوله: بأبا قُبَيْسٍ، فالجوابُ عنه من وجوه:
الأول: إن هذا يحتاجُ إلى طريق صحيحة ، والسَّيِّدُ قد شدَّد علينا في نسبة الصِّحاحِ إلى أهلها، مع اشتهارِ سماعها والمحافظة على ضبطها، فكيف بهذه الرواية!!.
الثاني: أنَّه إن ثَبَتَ بطريقٍ صحيحة، فإنه لمُ يَشْتَهِر ولم يَصِحَّ كصِحة الفتيا عنه، وتواترِ علمه، وليس يُقْدَحُ في المعلومِ بالمظنون (١).
стр. 515
الثالث: أنا لو قدرنا أن ذلك صحَّ عنه بطريقٍ معلومة لم يَقْدَح به ، لأنه ليس بلحنٍ، بل هو لغةٌ صحيحة حكاها الفَرّاء عن بعض العرب، وأنشد:
إنَّ أبَاهَا وأبا أبَاهَا ... قَدْ بلغا في المَجْدِ غَايَتَاهَا (١)
الرابع: سَلَّمنا أن هذا لحنٌ لا وجه له، فإن كثيراً ممن يعرِف العربية قد يتعمد اللحن ، وقد يتكلم العربي بالعجمية، ولا يقدح هذا في عربيته، وهذا مشهور.
وأما قدحُه عليه بالرواية عن المُضَعَّفِينَ، وقوله: إن ذلك ليس إلاَّ لقلة معرفته بالحديث، فهو وهمٌ فاحِشٌ، ولا يتكلم بهذا منصفٌ، والجوابُ عن ذلك يتبيَّن بذكرِ محامل:
المحمل الأول: أنَّه قد عُلِمَ من مذهب أبي حنيفة ﵁ أنه يقبل المجهولَ (٢)، وإلى ذلك ذهب كثيرٌ من العلماء كما قدمناه، ولا شكُّ
стр. 516
أنَّهم إنما يقبلونه حيثُ لا يُعارِضُه حديث الثقةِ المعلومِ العدالة، ولكنهم يَرَوْن قبولَ حديثه، حيث لا يُوجَدُ له معارِضٌ أقوى منه، ولا شَكَّ أن الغالبَ على أهل الإسلام في ذلك الزمان العدالة، ويشهد لذلك الحديثُ الثابتُ المشهور " خَيْرُكُمُ القَرْن الَّذي أَنَا فِيهم، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُونهُمْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يلُونهُم، ثُمَّ يَفْشُو الكذبُ مِنْ بَعْدُ " (١) وقد تقدم. وقد كان علي ﵇ يستحلِف بعضُ الرُّواةِ، فإذا حَلَفَ له، قبلَهُ (٢). وهذا إنما يكونُ في حديثٍ منْ فيهِ لينٌ، ولهذا لم يسْتَحْلِفِ المِقْدَادَ لمَّا أخبره بحُكْمِ المَذْي (٣)، وقد روى الحافظُ ابنُ كثير في جزء جمعه في أحاديث السباق عن أحمد بن حَنْبل إنَّه كان يقول بالعمل بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب أصحُّ منه (٤)، وذلك على سبيل الاحتياط، لا على سبيلِ
стр. 517
الإيجاب، ولا على سبيلِ الجهل بضعفِ الحديث.
قال الحافظ أبو عبد الله بن مَنْدة: إن أبا داود يُخْرِج الإِسناد الضعيفَ إذا لم يَجِدْ في الباب غيره، لأنَّه عنده أقوى مِن رأي الرجال. انتهى.
وفي هذا شهادةٌ واضحة أن روايةَ الحديثِ الضعيف لَيْسَتْ مِن قبيل الجهلِ بضعفِ الحديث (١). فأحمدُ، وأبو داود من جِلَّة علماء الأثر بلا مدافعةٍ (٢)، وهذا الحديثُ الضعيفُ الذي ذكروه ليسَ حديثَ الكذابين،
стр. 518
ولا حديثَ أهلِ الكبائر، فذلك لا يستحقُّ اسمَ الضَّعْف (١)، إنما يُقال فيه: إنَّه باطل أو موضوع أو نحو (٢) ذلك، وإنما الضعيفُ ما في حِفظ راويه شيء مما ينجبرُ بالشَّواهد والمتابعات على ما هو مقرَّرٌ في علوم الحديثِ، وعامةُ التضعيف إنما يكون بقلَّةِ الحفظ، وكثرة الوهم وللمحدِّثين في ذلِكَ تشديد كثير لا يُوَافقُونَ عليه، فإن المعتبرَ عند الأصوليين أن يكون وَهْمُ الراوي أكثر من إصابته على قولٍ، واختاره المنصورُ بالله ﵇، وعبدُ اللهِ بن زيد ﵀، أو يكون مساوياً على قول الأكثرين، وأما إذا كان وهمه أقل، فإنه يجب قبولُه عند الأصوليين، وليس كذلك مذهبُ المحدثين، فإنهم يَقْدَحُون بالوهم في قدر عشرين حديثاً مع الإصابة في مئتي حديث أو أكثر، بل منهم من يغلُو ويُشدِّدُ، فيقدح في مَنْ وَهِمَ في قدر العشرة الأحاديث مع الإصابة في ألوفٍ من الأحاديث، ولقد أخطأ بعضُ الثقات في حديث واحدٍ، فقال له شعبة: إنْ سمعْتُكَ تروي مثل هذا مرةً ثانية، تركتُ حديثك ونحو ذلك، فهذا هو أكثَرُ الحديثِ الضعيفِ، وهذا وأمثالُه مِنْ أسباب التضعيفِ لا يَقْدَحُ عند الأصوليين، والمسألة مبيَّنَةٌ في كتب علوم الحديث. فعلى هذا الوجه تكون روايةُ أبي حنيفة عن الضعفاء مذهباً واختياراً، لا جهلاً وجِزافاً.
المحمل الثاني: أن يكون ضعفُ أولئك الرُّواة الذين يروي عنهم مختلَفاً فيه، وهو يعلم وجه التضعيفِ، وحجةَ المضعِّف، ويكونُ مذهبُه أن ذلك لا يقتضي الضعفَ، وقد جرى ذلك لِغيره من العُلماء والحفاظ، فهذان قُطبا علوم الزيدية الهادي، والقاسم ﵉ يرويانِ عن
стр. 519
إسماعيل بن أبي أُوَيْس (١) وهو مختلَفٌ فيه، وذلك محمولٌ على أنهما اختارا ما اختاره الجماهيرُ من توثيقه، وكذلك الشافعيُّ يروي عن إبراهيم ابن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وُيوثقه، وقد خالفه الأكثرون في ذلك، وقال ابنُ عَبْدِ البر في " تمهيده ": أجمعوا على تجريح ابن أبي يحيى (٢).
قلت: أما الإجماعُ على تجريحه، فلا، فقد وافق الشافعيُّ على توثيقه أربعةٌ من الحفاظ، وهم ابنُ جُريجٍ، وحمدانُ بن محمد الأصبَهاني، وابنُ عدي، وابنُ عقدة الحافظ الكبير، ولكن تضعيفَه قولُ الجماهير بلا مِرية (٣).
وكذلك روى الشافعيُّ عن أبي خالد الزَّنْجي (٤) المكي، وهو
стр. 520
مختلَف في توثيقه، وكذلك أحمدُ بن حَنْبل يروي عن عامر بن صالح بن عبد الله بن عُروة بن الزُّبيرِ بن العَوَّام (١)، وانفرد بتوثيقه حتى قال أبو داود: سمعتُ يحيى بن معين يقول: جُنَّ أحمدُ، يُحدِّث عن عامرِ بنِ صالح! وقال الذهبي: لعل أحمدَ ما روى عن أوهى منه، وإنما روى عنه أحمدُ، لأنه لم يكن عنده يكْذِبُ، وكان عالماً بالفقه والعلم والحديث والنسب وأيامِ العرب، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأساً.
وكذلك أهلُ الصَّحاح يروون عمن هو مختلَفٌ فيه، وهذا شيء مشهور، وقد ذكر أهلُ العلم أولئك الضعفاءَ المختلَفَ فيهم، واستقصَوْا الكلامَ فيهم، واستوعبوا حُجَجَ الفريقينِ بما إذا نظر فيه الطالبُ، لاح له وجهُ الصواب، وتمكَّن من الترجيح والاختيار (٢).
المحمل الثالث. أن يكونَ إنما روى عن أولئك، وذكر حديثَهم على سبيلِ المتابعة والاستشهاد، وقد اعتمد على غيرِ حديثهم من عمومٍ أو حديثٍ أو قياسٍ أو استدلالٍ، أو عملٍ بالإباحة الأصلية مثل ما صنع الهادي والقاسم ﵉ في الاحتجاج بحديث ابن أبي ضميرة (٣)،
стр. 521
وأبي هارون العبدي (١). وأهلُ الرواية مجمعون على تجريحهما.
وكذلك مالك، فإنه روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، قال ابنُ عبد البر المالكي المجتهد في " تمهيده ": كان مجمعاً على تجريحه، ولم يرو عنه مالك إلاَّ حديثاً واحداً في وضع الأكف على الأكف (٢)
стр. 522
وقد رواه من طريق صحيحة، فرواه في " الموطأ " (١) عن أبي حازم التابعي الجليل، عن سهل بن سعد الصحابي ﵁.
وقد أخرج مسلم في " الصحيح " عن جماعة من الضعفاء المتوسطين على جِهَةِ المتابَعَةِ والاعتبار (٢)، وربما اكتفى بالإِسناد إليهم إذا كان إسنادُهم عالياً، وكان الحديثُ معروفاً عند علماء الأثرِ بإسنادٍ نازلٍ من طريق الثقات، روى ذلك النَّواوي عن مسلم تنصيصاً (٣).
المحمل الرابع: أن يكونَ ذلك على طريقه الحُفَّاظِ الكبارِ من أئمة الأثر ، فإنهم يحفظونَ الحديثَ الصحيحَ والضعيفَ لأجلِ التبيين والتحذيرِ من العمل بالضعيف، وذلك مشهورٌ عنهم.
وفي الرواية المشهورة عن البُخاري أنَّه قال: أَحْفَظُ ثلاثَ مئة ألفٍ حديث، منها مئةُ ألفٍ صحاح، ومنها مائتا ألف غير صحاح.
وقال إسحاق بنُ راهَويه: أحفظ مكانَ مئةِ ألف حديثٍ كأنِّي أنْظُرُ إليها، وأحفظُ سبعينَ ألفَ حديث صحيحة عن ظهر قلبي، وأحفظُ أربعةَ
стр. 523
آلافِ حديث مُزَوَّرَة، فقيل له في ذلك، فقال: لأجلِ إذا مَرَّ بي حديثٌ في الأحاديث الصحيحة منها (١) فليتُه فلياً.
إذا عرفتَ هذا، فلا ريبَ أن الإمام أبا حنيفة كان أضعف الأئمة حديثاًً (٢)، وذلك لأمرينِ أحدُهما: قبولُه المجهول، وثانيهما: كِبَرُ سِنِّهِ فإنه ما طلب العلم إلا بعدَ أن شاب وأسن، وقد كان الحافظ المشهور بالعناية في هذا الشأن إذا شاخ وأسنَّ، تناقص حفظه، وقلَّّ ضبطُه، فكيف ممن لم يَطْلُبِ العلمَ إلَّا بعد (٣) مجاوزةِ حدِّ الكهولة، وهذا نقصانٌ عن مرتبة الكمالِ لا سقوطٌ إلى مراتبِ الجهال، ولا نكارةَ في ذلك، وما زال النَّاسُ متفاضِلِينَ في الحفظ والإتقان.
وقد كان حديثُ الشافعي دونَ حديث مالكٍ في الصحة، ورأيُ الشافعي فوقَ رأيِ مالكٍ في القوة.
وقد كان حديثُ ابن المسيِّبِ، ومحمد بن سِيرين، وإبراهيم النَّخَعِي أصحَّ وأقوى من حديثِ عطاء، والحسن، وأبي قِلابة، وأبي العالية، وكان ابن المُسيِّب أصحَّ الجماعةِ حديثاًً من غير قدح في عِلْمِ مَنْ هو دُونَه.
وليس الحفظُ على انفراده يكفي في التفضيل، فقد كان أبو هريرة ﵁ أحفظَ الصحابة على الإِطلاق، وليس يقال: إنَّه أفقههم على الإِطلاق، والمناقبُ مواهبُ يَهَبُ اللهُ منها ما شاء لمن شاء، فبهذه الجملةِ تبين لك أنه لا حُجَّةَ على تجهيل هذا الإِمام الكبيرِ الشأنِ بروايته عن بعض الضعفاء، ولا بقوله: " بأبا قبيس ".
стр. 524
والعجب أن السَّيِّدَ -أيَّدَه الله- مستمرٌّ على رواية الخلاف عن الحسن، وأبي حنيفة، فإن كان لا يعتقِدُ اجتهادَهما، فذلك لا يَحِلُّ مِن غير بيان، وإن كان يعتقدُ اجتهادهما، وإنما إراد أن يُوَعِّرَ مسالِك العِلْمِ، ويُشكِّكَ فيه على مَنْ أراد الاجتهاد، فهذا لا يليق بأهلِ الورع والدِّيانة، ولا يَصْلُحُ من أرباب التقوى والأمانة.
قال: وقال الرَازي: إن لم نَقُلْ بجوازِ تقليدِ الميت، أشكل الأمر، لأنه ليس في زمانِنَا مجتهد، فأخرج نفسه عن رتبة الاجتهاد، وذكروا أن الغزَّاليَّ لم يبلغ مرتبةَ الاجتهاد، وممن ذكر ذلك ابنُ خَلِّكَانَ في " تاريخه " وغيرُه.
أقول: كلامُ السَّيِّدِ هذا يشتملُ على الاستدلال على صعوبةِ الاجتهاد بعدم اجتهاد الرّازي والغَزّالي.
والجوابُ عليه من وجوه:
الألول: إلزامُ السَّيِّدِ ما يقتضيه كلامُه، وذلك إنهما عنده لم يبلغا مرتبة الإسلام فضلاً عن مرتبة الاجتهاد، فإن كان يُريد أن يُجَهِّل سائرَ علماء المسلمين قياساً على تجهيلهما، لزمه أيضاًً أن يُكفِّرَ سائِرَ علماءِ المسلمين قياساً على تكفيرهما، وإن كان يقولُ: إنَّه لا يلزم مِن كفرهما أن يكون غيرهُما كافراً، قلنا: وكذلك لا يلزمُ مِن جهلهما أن يكونَ غيرهُما جاهلاً.
الثاني: أنَّه لا ملازمةَ بين دعواهما، لعدم الاجتهاد، وتعسُّرِ الاجتهاد ، لأنَّه لا مانع (١) أن يدَّعِيَا جهلَ أدِلَّةِ الأحكام الشرعيةِ مع
стр. 525
معرفتهما لها، كما أنَّهما عند السَّيِّد ادَّعيا جهلَ أدلة الإسلامِ الجلية مع معرفتهما لها، وذلك لأنهما عندَ السَّيِّد من أهل العِناد، وتعمدِ الباطل، فلا يُصدَّقان فيما قالاه، فربما قالا ذلك لِغرضٍ دنيوي، ومَقْصِدٍ غيرِ صالح على اعتقاد السَّيِّد فيهما.
الثالث: إن السيدَ ذكر في كتابه أنهما غيرُ محققين، ولا مُوَفَّقَيْنِ بهذا اللفظ، ثم احتج على تعسُّرِ الاجتهاد بجهلهما ، وليس يحتج على تعسُّرِ العِلْمِ بجهلِ مَنْ لَيْسَ بموفَّقٍ، ولا محقق، لأنَّه يجوزُ أنه إنما لم يجتهِدْ لعدمِ تحقيقه، وقِلَّةِ توفيقه، لا لِتعسُّرِ الاجتهاد في نفسه، كما أن قليلَ التوفيق ربما تركَ الصلاةَ، وأخلَّ بالواجبات، لقلة توفيقه، لا لمشقة ما شرعه الله سبحانَه لعباده.
الرابع: وهو التحقيق -: وهو أن نقول: لا ريبَ عند كُلِّ منصفٍ ممن له معرفةٌ بتصانيفِ هذين الرجلين، وذوقٌ في معرفةِ العلوم، ودِرْيَةٌ في أساليبِ الخصومِ أنهما مِن أهلِ التمكن من الاجتهاد، والقُدرةِ على التبحُّرِ في العلوم، ومن وقف على كلاماتِهما في مصنفاتهما في الأصولِ والمنطق، ورأى غوصَهما على خفيَّاتِ المعاني لا سيما ابن الخطيب الرازي في " نهاية العقول " و" الملخص "، و" المحصل "، و" المحصول "، (١)، و" شرح إشارات ابن سينا " في علم المنطق، وتفسيره المسمى بـ " مفاتح الغيب " (٢) وسائر مصنفاتهما. ثم غلب على
стр. 526
ظنه أنهما كان يَعجِزَانِ عن معرفة حكم الماءِ إذا تغيَّر بالزعفرانِ، هل يكونُ طاهراً مطهراً أو يكون طاهراً غير مطهر، وهل الدم والقيء من نواقض الوضوء، أو ليسا مِن نواقضه؟ وهل يجبُ استقبالُ عينِ الكعبة، أو يجبُ استقبال الجِهَةِ؟ وهل الاعتدالُ بعدَ الركوع والسجود واجبٌ أو مسنون؟ وهل القصرُ في السفر واجب أو رخصة؟ ونحو ذلك من المسائل الفروعية، أو أنهما كانا لا يعرفانِ كيفيةَ الترجيح عند تعارضِ الأدِلَّةِ، ونحو ذلك من المسائل الأصولية، فهو بَهيمِيُّ الفَهْمِ بلا شك.
وإذا كان الاجتهادُ متعسِّراً على صاحبِ " الملخص "، و" المحصل " و" المحصول " الذي يتلبَّد في فهم معانيه (١) كثيرٌ من كُبرَاء علمِ المعقول، فكيف يسهل الاجتهادُ لأبي بكر، وعمر، وعثمانَ بن عفان، وعثمان بن مظعون، والمقدادِ، وجابرِ بنِ سَمُرة، وعائشة، وأمثالهم ممن نقِلَتْ عنه الفُتيا من الصحابة الذين لم يرتاضوا على النظرِ، ولا تدرَّبوا في ترتيب الأدلة، وتمهيد القواعد، وتهذيبِ الكلام في شرائط القياس، وكيفيةِ الاستدلال؟
ومن نظر إلى كلامِ كثيرٍ من الصحابة في القياس في مسائل
стр. 527
الفرائض، وتردُّدِهم في ذلك، علم أن الخوضَ في تلك الأمورِ أسهلُ على أهل الدِّرْيَةِ بعلوم النظر، والمهارة في البحث عن الغوامض.
فإن قلتَ: فإذا كانا متمكنينِ من الاجتهاد، فَلِمَ تركاه واختارا التقليد؟
قلت: جوابُ هذا غيرُ متجه، لأن مَنْ ترك شيئاً من الفضائل، لم يجب القطعُ بعجزه عنه، ولا يجبُ على من ادَّعى أنَّه يظن قدرتَه على ذلك إظهارُ الدليل على الوجه في تركِ ذلك الفعل، ألا ترى أن كثيراً من الصحابة والعرب لم يكونوا مجتهدينَ مع تمكُّنِهِم من ذلك وسهولته عليهم، وهذا مما لا يحتاجُ إلى مناظرة.
فأما الاحتمالاتُ، فهي كثيرة، فمنها أن يتركا ذلك، لأن التقليدَ أسهلُ، وقد رأينا من يختارُ التقليدَ لذلك، فقد حدثني الفقيه علي بنُ عبد الله بن أبي الخير ﵀ أنَّه يكره النظرَ في كتب أدلةِ الأحكام، قال ﵀: لأنَّه إذا عَرَفَ الدليلَ اعتقد أنَّه يجبُ عليه العمل به، ويَحْرُمُ عليه التقليدُ، وهو يُحِبُّ أن يبقى في سَعَةٍ، ولا شكَّ أن هذَا الاختيارَ جائز عقلاً وشرعاً، وإن كان فيه قصورٌ في الهِمَّة، ومخالفة للاقتداء (١) بخير هذه الأمة.
ويلتحق بهذا فائدة: وهي أنَّه لا شك أن هذين الرجلين مِن كبار أهلِ العلومِ العقلية النظرية (٢)، ورؤوسِ الطائفة الأشعريَّةِ، ولهما الباعُ الطويلُ في التمكن من إيرادِ الشبه العويصة على جميعِ الطوائف حتَّى على
стр. 528
أصحابهما الأشاعرة، ولكن بركات العِلم أدركتهما، فإنا نرجو صحة ما رُوِيَ من توبتهما، فقد صرَّح الغزالي في " المنقذ مِن الضلال " (١) برجوعه عن الخوض في علم الكلام إلى مثل كلام أهلِ التصوف في الإقبال على الله تعالى بالكلية، وحصولِ اليقين بذلك، وفي خطبة " المَقْصِد الأسْنى " ما يقتضي أنَّه مُتَّقٍ في إظهار الحقِّ في بعض الأمور، وروى الإمامُ المهدي محمد بن مُطْهر، والأميرُ الحسين بن محمد عن الغَزّالي أنَّه تابَ مِن مذهبه، وترحَّما عليه، وترحم عليه حميدُ المحلي، وحكى نحو ما تقدَّم من توبته.
وأما الرازي، فصرحَ في وصيته بالرجوع عن (٢) جميع ما أودعه مصنفاتِه إلا ما نطق به القرآنُ والسنةُ المُجْمَعُ على صحتها، وأنه يدينُ الله تعالى بما دانه به رسولُه (٣) ﷺ ، وفي شعره ما يُلِمُّ بهذه العقيدة الجميلة كقوله:
العِلْمُ لِلرّحْمَانِ ﷻ ... وسِوَاهُ في جَهَلاتِهِ يَتَغَمْغَمُ (٤)
مَا لِلتُّرَابِ ولِلعُلُومِ وَإنَّمَا ... يسْعَى ليعْلَمَ أنّهُ لا يَعْلَمُ
стр. 529
وقولِه في أبياتٍ له:
نِهَايَةُ إقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ ... وَأكْثَرُ سَعْيِ العَالمينَ ضَلاَلُ (١)
وفي معنى البيتينِ الأوَّلَيْنِ قولُ الآخر:
وَكَمْ في البَرِيَّةِ مِنْ عَالِمٍ ... قَوِيِّ الجِدَالِ شَدِيدِ الكَلِمْ
سَعَى في العُلُومِ فلما يُفِدْ ... سِوى عِلْمِهِ أنَّهُ ما عَلِمْ
وهذا مِنْ بَرَكاتِ العِلْمِ وخاتِمَةِ الخيرِ. والله أعلم.
قال: وذكر بعضُ فقهاء الشافعية تعسُّرَ الاجتهادِ حتى قال: وقد كانوا يرون أن درجة الاجتهاد في زمانهم مفقودة، يعني أصحاب الشافعي المتقدِّمين، وذكر منهم القَفَّالَ، وأبا حامدٍ الإسفَراييني، وأبا إسحاقَ الإِسفراييني، وأبا إسحاق المروزي، والجُويني قال: وقال الرافعيُّ: القومُ كالمجمعين على أنَّه لا مجتهدَ اليومَ، وحُكِيَ عن المحاملي أنَّه قال: ما أعلمُ على وجهِ الأرض مجتهداً. زادنا اللهُ هدى، وجعلنا ممن يتجنَّبُ الرَّدى، ولا يُزكِّي على الله أحداً، كما جاء في الحديث مسنداً.
أقول: هذه الروايات عن بعض أصحابِ الشافعي قد جعلها السَّيدُ لِكلامه تماماً، ولاحتجاجه ختاماً، وقد استملح هذه الحكاياتِ، واستروح إلى هذه الرواياتِ حِرصاً على توعيرِ مسالك العلمِ، وسدِّ أبوابِ
стр. 530
الاجتهاد، ولم يُبَال السَّيِّدُ بما تَحتَها من الغوائل والمناكير من تجهيل العلماء الأفاضل، والأئمة المشاهير، وما كنتُ أظُنُّ الغُلُوَّ ينتهي بالسيدِ -أيَّدَهُ الله- إلى هذه الغاية، ولا يتجاوَزُ به إلى هذا المقدار، وكيف تجاسَرَ السيدُ على إطلاقِ القول بأن أصحاب الشافعي المتقدمين قضَوْا بفقدِ مرتبة الاجتهاد، مستَرْوحاً بهذا القول المعلوم الفساد، محتجّاً به على الاستعسارِ للعلم والاستبعاد؟!
فأقول: ما شاءَ اللهُ، لا قوةَ إلا بالله، إن كان ذهَبَ العلمُ بالأدلة، فأين الحياءُ من العُلماء الجِلَّة؟! أين ذهب التوقيرُ لأئمة العِترة ﵈؟ إلامَ صار التعظيمُ لعلماء الإسلام؟ كأنَّك ما عرفتَ أنَّ قدماءَ أصحابِ الشافعي قبلَ الهادي، والقاسم، ولا دَرَيْتَ أن كلامك يقضي بتجهيل عوالِمَ من أولادهما الأكارِمِ، أما علمتَ أن بحارَ العلوم الإسلامية. ما تَموَّرت إلا بعدَ أصحاب الشّافعي؟ أتُرَجَّحُ تجهيلَ أقمارِ الهُدى لِروايةٍ حُكِيَتْ عن المَرْزِي، والرّافِعِي؟ ما هذه العصبية؟ إنها لَمِنْ أعظم البلية. وقبل الجواب على السيد -أيَّده الله- نذكر بحثاً حسناً في قوله: " ولا نُزكِّي على الله أحداً " كما جاء في الحديث مسنداً.
فنقول: أخبرني مِن أيِن جاءَ هذا الحديثُ مسنداً؟ فإن قلت: إنه جاء مسنداً مِن طريق المحدثين، فما لك مرتكباً ما نَهَيْت عنه، وفاعلاً ما حذَّرْت منه؟! وقد قيل:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَه ... عَارٌ عَليْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ (١)